ولما أعرض كثير من المسلمين عن التوسلات الشرعية التي سنها النبي ﷺ
стр. 494
وقدموا عليها التوسلات البدعية، فدعوا الله تعالى بما لم يشرعه من التوسل المحرم، وكان بعضهم يذهب إلى القبر ويتوسل إلى الله بجاه أو بذات صاحب القبر، أدى ذلك بكثير منهم وكثير ممن قلدهم واغتر بفعلهم إلى الوقوع في التوسل الشركي"١"، المخرج من الملة، فأصبحوا يدعون الأموات مباشرة، ويطلبون منهم جلب الخير ودفع الضر، أو يطلبون منهم أن يشفعوا لهم عند الله تعالى"٢".
стр. 495
ولذلك كله ينبغي للمسلم البعد عن هذه التوسلات البدعية التي لم ترد أدلة صحيحة صريحة تدل عليها، والتي أعرض عنها جميع الصحابة والتابعين، وجزم بتحريمها جماهير السلف والخلف، وأقل أحوالها عند من يسهل في أمرها أنها من المشتبهات، ومن ابتعد عن الشبهات فقد استبرأ لدينه، كما أخبر النبي ﷺ ، والمسلم يقدم عليها الأدعية الكثيرة الثابتة في كتاب الله تعالى وفي سنة الحبيب ﷺ ، وعن صحابته ﵃ – فلا يزاحم الأدعية النبوية بهذه التوسلات، ولا يقدمها عليها، بل السلامة – فضلاً عن رجاء الإجابة – في الإعراض عن هذه التوسلات.
ثم إنه قد ثبت في السنة أن هناك أسباباً أخرى كثيرة لإجابة الدعاء"١"، وثبت في القرآن والسنة أن هناك أسباباً كثيرة لمغفرة الذنوب، وأن يحصل للإنسان ما أهمه، فيحقق الله له ما يرجوه من مرغوب ويدفع عنه ما
стр. 496
يخشاه من مرهوب، ومن أعظم هذه الأسباب تقوى الله تعالى"١"، والإكثار من الصلاة على النبي ﷺ "٢"، فينبغي للمسلم أن يقدمها على تلك التوسلات البدعية.
стр. 497
البدعة الثانية: إقامة الأعياد والاحتفالات البدعية
شرع الله تعالى لأهل الإسلام عيدين يفرحون فيهما بما أنعم الله به عليهم من إدراك المواسم الفاضلة، وهما عيد الفطر وعيد الأضحى"١"، كما شرع لهم عيداً ثالثاً وهو يوم الجمعة، وهو يتكرر في كل أسبوع يجتمع فيه المسلمون لصلاة الجمعة وسماع الذكر في خطبتها – وهو عيد نسبي"٢"- فلا يجوز للمسلمين التعبد لله تعالى بإحداث أعياد واحتفالات أخرى تتكرر بتكرر الأيام أو الشهور أو السنين"٣".
стр. 498
فلا يجوز تخصيص شيء من الأزمنة، سواء من الليالي، أم الأيام، أم الشهور، أم السنين بعبادة أو عبادات معينة لم يرد في الشرع تخصيصها بها، سواء أكانت هذه الأزمان أزماناً فاضلة أم لا؛ لأن ذلك من البدع المحدثة، ولذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة، ولا عن أحد من سلف هذه الأمة تخصيص ليلة معينة بعبادة معينة، وهذا إجماع منهم على عدم مشروعيته"١"، بل إنه قد جاء عن بعض الصحابة الإنكار على من خص
стр. 499
بعض الشهور بعبادة معينة، ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم"١".
وقد أحدث كثير من المسلمين في العصور المتأخرة أعياداً واحتفالات وعبادات في كثير من الأزمان، مع أنه لم يرد دليل صحيح يدل على مشروعيتها، وهذه الأزمنة ثلاثة أنواع:
النوع الأول: يوم لم تعظمه الشريعة أصلاً، ولم يحدث فيه حادث له شأن، مثل أول خميس من رجب، وليلة الجمعة التي تليه، فهذا اليوم وهذه الليلة يعظمها بعض الجهال، بصيام نهار ذلك الخميس، وقيام هذه الليلة التي تليه، ويصلون فيها صلاة يسمونها صلاة الرغائب، وكل هذا لا دليل عليه، وهو من البدع المحرمة، وإنما أحدثت هذه الصلاة بعد
стр. 500
الأربعمائة"١"، وقد وضع بعضهم حديثاً في فضلها، وهو حديث موضوع بإجماع أهل العلم"٢"، وقد وردت أيضاً أحاديث في فضل صيام بعض أيام رجب، ووردت كذلك أحاديث في فضل الصلاة في بعض أيام أو ليالي رجب، وكل هذه الأحاديث ضعيفة أو موضوعة"٣"، وقد ثبت عن بعض
стр. 501
الصحابة النهي أو الكراهة لتعظيم رجب بصيام أو غيره، وثبت عن بعضهم أن تعظيم شهر رجب من عمل أهل الجاهلية"١" فمن عظمه فقد اقتدى بهم.
النوع الثاني: الأيام والليالي التي جاء في الشرع ما يدل على فضلها، مثل يوم عرفة، ويومي العيدين، ويوم عاشوراء، وليلة القدر، وليلة النصف من
стр. 502
شعبان"١"، فهذه الأوقات يستحب أن يفعل فيها من العبادات ما ورد في الشرع ما يدل على مشروعيته فيها، ولا يجوز فيها إحداث عبادات ليس لها أصل في الشرع، كصلاة الألفية ليلة النصف من شعبان"٢" التي أحدثت
стр. 503
في القرن الخامس الهجري"١"، وكالتعريف بالأمصار في يوم عرفة"٢"، وكالاحتفال في يوم عاشوراء"٣"، كما لا يجوز للمسلم تخصيص شيء من
стр. 504
هذه الأوقات الفاضلة بعبادة يكررها كلما جاء هذا الوقت الفاضل مما لم يرد في الشرع ما يدل على تخصيصها بها، كتخصيص ليلة القدر بعمرة أو بذكر خاص أو بصلاة خاصة يكررها في كل عام"١".
النوع الثالث: الأيام والليالي التي حدثت فيها حوادث مهمة، ولكن لم يأت في الشرع ما يدل على فضلها أو على مشروعية التعبد لله أو الاحتفال فيها.
ومن هذه الأوقات: الليلة التي يقال: إنه حصل فيها الإسراء والمعراج لنبينا محمد ﷺ مع أنه لم يثبت في تحديد هذه الليلة شيء"٢".
стр. 505
ومن هذه الليالي أيضاً الليلة التي يقال: إن النبي ﷺ ولد فيها، مع أنه لم يثبت في تحديد شهر ولادته ولا يومها شيء يعتمد عليه، بل في ذلك خلاف مشهور"١"، وقد جزم وقطع العبيديون الرافضة في القرن الرابع
стр. 506
الهجري أن مولده ﷺ في شهر ربيع الأول، مع أنه ليس هناك ما يرجح هذا القول.
وهذا الشهر قد أصيبت فيه الأمة الإسلامية بأعظم مصيبة، وهي وفاته ﷺ "١"، فقد كانت وفاته ﵊ في شهر ربيع الأول بلا خلاف.
بل إن العبيديين اختاروا يوم الثاني عشر منه، فأقاموا فيه احتفالاً وقت حكمهم لمصر زعموا أنه من باب الفرح بولادته ﷺ ، مع أن هذا اليوم هو اليوم الذي توفي فيه النبي ﷺ في قول عامة أهل العلم"٢".
стр. 507
وكان كثير من هؤلاء العبيديين من الملاحدة الحاقدين على الإسلام وعلى رسول الله ﷺ ، فقد ادعى بعضهم الألوهية، وعلى رأسهم الحاكم بأمر الله العبيدي الذي يؤلهه الدروز إلى الآن"١"، ومنهم أو من أتباعهم: القرامطة، الذين قتلوا الحُجَّاج في عرفات وعند الكعبة المشرفة، وهدموا جزءاً من الكعبة، وأخذوا الحجر الأسود منها، ولم يعيدوه إلا بعد عدة سنوات"٢".
والعبيديون هم أول من أقام الاحتفال بالمولد في القرن الرابع الهجري، وكان ذلك سنة ٣٦٣هـ أثناء حكمهم لمصر"٣".
стр. 508
فلا يُبعد أن هؤلاء العبيديين المنحرفين الذين يجزم بأن بعضهم يبغض النبي ﷺ قد اختاروا شهر ويوم وفاته ﷺ وقتاً لهذا الاحتفال، فرحاً بوفاته ﷺ ، وأظهروا للناس أنه للفرح بولادته ﵊.
وقد اتفق أهل العلم على أن السلف الصالح من أهل القرون الثلاثة المفضلة، وفي مقدمتهم أصحاب النبي ﷺ لم يفعلوا هذا الاحتفال، ولذلك لم ينقل فعله ولا القول بمشروعيته عن أحد من أهل القرون الثلاثة المفضلة، مع شدة محبتهم للنبي ﷺ وحرصهم على الخير"١".
وهذا إجماع من أصحاب النبي ﷺ وجميع سلف هذه الأمة على عدم مشروعيته، وعلى عدم مشروعية جميع الاحتفالات المحدثة.
ولما قلد كثير من المسلمين هؤلاء الشيعة العبيديين في إقامة الاحتفالات في هذا اليوم، وقلدوا النصارى الذين غلوا في عيسى ﵇ حتى عبدوه وأقاموا احتفالات بذكرى مولده أدى بهم ذلك إلى الوقوع في بدع أخرى، كبدعة القيام أثناء إقامة هذا الاحتفال ظناً من بعض الجهال أن النبي ﷺ يحضر هذه الاحتفالات، وهذا من الكذب الذي يفتريه بعض
стр. 511
من يدعي العلم ممن يقومون على هذه الاحتفالات، فيصدقهم الجهال"١"، وكبدعة الذكر الجماعي وضرب الطبول وغيرها من المحرمات"٢".
بل إن إقامة هذه الاحتفالات المحدثة أدت بكثير ممن أقامها إلى الوقوع في الشرك الأكبر، وذلك بالغلو في النبي ﷺ ، وإعطائه بعض صفات الله تعالى التي لا يشاركه فيها غيره، كعلم الغيب، والنفع والضر وغير ذلك، وكثير منهم يتلو في هذا الاحتفال قصيدة البوصيري مع أن فيها شركاً صريحاً"٣"، وهكذا تفعل جميع البدع بأصحابها، وهذا هو مصداق قول الحبيب ﷺ : " كل بدعة ضلالة "، فهي ضلالة وتؤدي إلى ضلالة.
стр. 512
وبالجملة فإنه ينبغي للمسلم الذي يحب الله تعالى، ويحب نبيه ﷺ أكثر مما يحب نفسه وولده أن يسير على خطى ومنهج الحبيب محمد بن عبد الله ﷺ -فداه أبي وأمي– وأن يكثر من قراءة وحفظ الكتاب الذي أنزل عليه ومن حفظ وتدارس سنته وسيرته في كل أيام وليالي العام، وأن يكثر من الصلاة والسلام عليه في جميع الأوقات"١"، وبالأخص في كل يوم جمعة وليلتها من كل أسبوع"٢".
стр. 513
وليس من محبته ﷺ أن نقيم احتفالاً في وقت وفاته ﵊، والذي قطع الرافضة العبيديون أنه وقت ولادته"١" ولا أن تقرأ سيرته والقصائد الشركية أو غير الشركية في ليلة من ليالي العام، فإن هذا من مخالفة سنته، ومن الزيادة المبتدعة المحرمة في شريعته ﷺ ، وفيها تقليد لطرق الكفار والرافضة وترك لطريقته ﷺ وطريقة جميع أصحابه ﵃ –"٢"،
стр. 514
فليختر المسلم لنفسه أي الطريقين شاء"١".
стр. 515
البدعة الثالثة: الأذكار المبتدعة
الأذكار في أصلها قسمان:
القسم الأول: الأذكار المشروعة
جاءت في القرآن والسنة أذكار قولية كثيرة، يشرع للإنسان أن يقولها وأن يشتغل بها، وقد وردت أذكار كثيرة يستحب قولها عند غالب الأعمال التي يفعلها الإنسان في اليوم والليلة، كما جاء فيهما أذكار أخرى يشرع قولها في كثير من الأوقات والمناسبات والعبادات، ومن هذه الأذكار ما هو توحيد لله، ومنها ما هو تنزيه له، ومنها ما هو ثناء عليه، ومنها ما هو دعاء واستعاذة، إلى غير ذلك من أنواع الأذكار الكثيرة المتنوعة التي يشرع للمسلم أن يقول كل ذكر منها على الصفة التي وردت في النصوص، وأن يقوله في الزمان أو المكان، أو العبادة، أو عند الفعل الذي ورد في النصوص ما يدل على مشروعيته فيه إن كان مقيداً بشيء من ذلك، وإن كان مطلقاً فيستحب للمسلم أن يكثر منه في كل وقت، وينبغي له أن لا يتحرَّى به وقتاً معيناً، ولا يربطه بعمل معين وجوداً أو عدماً"١".
стр. 516
وقد ورد في النصوص ذكر فضائل وأجور عظيمة وكثيرة في حق من أتى ببعض الأذكار، وورد في شأن بعض أذكار التعوذات أن من قالها عُصم من شر كل ذي شر، وذلك إذا قالها عارفاً بمعناها موقناً بها.
القسم الثاني: الأذكار غير المشروعة
وهي: أن يأتي الإنسان بذكر لم يرد في النصوص، أو يأتي بذكر مشروع بطريقة محدثة، أو يكرره في زمان أو مكان أو في عبادة لم يرد ما يدل على مشروعيته فيه"١".
وعليه فإن الأذكار غير المشروعة – وتسمى: الأذكار البدعية – ثلاثة أنواع:
стр. 517
النوع الأول: أن يأتي ببعض ألفاظ الأذكار المشروعة ويترك بعضها بحيث لا يتم المعنى الذي يدل عليه هذا الذكر، كالذكر بضمير الغائب"هو"، أو الذكر بالاسم المفرد"الله"، وقد يكرر هذه الأذكار مرات عديدة.
النوع الثاني: أداء الأذكار المشروعة بطريقة محدثة مبتدعة. ومن أمثلة ذلك:
١- أن يؤدي جماعة الذكر مجتمعين، فيكبرون أو يهللون أو يصلون على النبي ﷺ بصوت واحد، أو يذكر الله أحدهم والبقية يذكرون الله بعده، أو يأمرهم أن يسبحوا عدداً معيناً، فيفعلون ما يطلب منهم، كما فعله بعض العُبَّاد في عهد ابن مسعود ﵁ فأنكر عليهم ابن مسعود ذلك "١".
٢ - أن يؤدي واحد أو أكثر الذكر بطريقة مطربة، تخرج الذكر عن ما شرع له من التعبد لله وتقوية إيمان العبد. وبعضهم قد يجعل مع هذا الذكر شيئاً من آلات الطرب كالدف والطبل ونحو ذلك.
٣- أن يزيد على الأذكار المشروعة ما ليس منها، ويلتزم هذه الزيادة
стр. 518
كلما كرر هذا الذكر"١".
стр. 519
النوع الثالث: أن يأتي بالذكر المشروع المقيد بزمان أو بمكان، أو بحالة معينة في غير محله، وبالأخص إذا صحب ذلك تكرار هذا الذكر في هذا الموطن الذي لم يشرع فيه، كمن يلازم الاستعاذة عند كل تثاؤب، وكأن ينادي المؤذن للصلاة بعد الأذان، وهو ما يعرف ب "التثويب"، ولذلك أنكره ابن عمر ﵁ على من فعله من المؤذنين"١"، وأنكره الإمام مالك – ﵀ –"٢".
стр. 520
ومن ذلك أن يجعل لكل شوط من أشواط الطواف ذكراً معيناً، أو يجعل لمقام إبراهيم ذكراً معيناً وهكذا، كما هو موجود في بعض الكتيبات التي يقرأها بعض الحجاج والمعتمرين جهلاً منهم بحرمة قراءتها في هذه المواضع لعدم الدليل على تخصيصها بها.
فكل هذه الأنواع محرمة؛ لأنها من البدع المحدثة، وقد تكاثرت النصوص في النهي عن البدع والتغليظ على فاعلها"١" ولإجماع الصحابة على تركها، ولو كانت مشروعة لبادروا إلى فعلها لحرصهم على الخير، بل قد ثبت عن بعضهم النهي عنها والإنكار الشديد على من فعلها كما سبق، وبعض هذه الأذكار مكروه عند بعض أهل العلم، ولا يصل إلى حد الحرمة، والله أعلم.
ولذلك فإنه يجب على المسلم أن يحرص على المواظبة على الأذكار المشروعة، وأن يبتعد عن الأذكار المبتدعة؛ لأنها معصية لله تعالى، ولأن
стр. 521
استمراءها والاستمرار عليها يؤدي في آخر الأمر إلى إحداث واختراع أوراد شركية.
ولذلك لما عصى الله تعالى كثير من المسلمين بابتداع أوراد بدعية محرمة، أدى بهم ذلك إلى ابتداع أوراد أخرى شركية، مثل: ذكر أو "وظيفة ابن مشيش" المشهورة عند بعض الصوفية"١".
ومن ذلك:"صلاة الفاتح"التي اعتُقِد فيها اعتقادات شركية، فمبتدعوها ومن سار على طريقتهم يعتقدون أنها أفضل من القرآن الكريم الذي تكلم به ربنا جل وعلا، وأنها أفضل من جميع الأذكار التي نطق بها خير البرية محمد بن عبد الله ﷺ ، وخرجت من بين شفتيه الكريمتين، وندب إليها صلوات ربي وسلامه عليه، ومثله اعتقاد بعضهم أن ورد "دلائل الخيرات"أو غيره أفضل من القرآن، فهذا كله شرك أكبر مخرج من الملة.
كما أنه يجب على المسلم إذا أراد أن يذكر الله تعالى بأي ذكر أن ينظر
стр. 522
هل هو من الأذكار الثابتة في النصوص الشرعية فيعمل به، أو لم يرد في النصوص فيتركه، بغض النظر عن قائله، ويقدم عليه الأذكار التي نطق بها خير البرية ﷺ .
خاتمة فصل البدعة:
بعد أن استعرضنا النصوص الواردة في ذم البدع والتغليظ على فاعلها، وعرفنا ما أدى إليه التساهل بالبدع، واستمراؤها، وما أدى إليه إحداث ما ليس له أصل في هذه الشريعة الكاملة من الوقوع في الشرك الأكبر المخرج من الملة، نعلم يقيناً أنه يجب على كل مسلم أن يسير على طريقة محمد بن عبد الله ﷺ ، وأن لا يغير فيها، وأن لا يزيد فيها ما ليس منها من البدع المحدثات؛ لئلا يجره ذلك إلى الوقوع في الشرك؛ ولئلا يقتدي به غيره من عوام الناس وجهلتهم، فيقعوا في الشرك، فيبوء بإثمه وإثمهم؛ لأنه سن في الإسلام سنة سيئة.
كما أنه يجب على كل مسلم أن يتمسك بسنة المصطفى ﷺ وأن يقدمها على أقوال البشر، ففي سنته الخير والسعادة في الدنيا والآخرة، والسلامة من الضلال والانحراف لمن تمسك بها، وهو من علامة محبة المسلم لنبينا محمد ﷺ ، والإصرار على البدعة علامة على ضعف محبته للنبي ﷺ ؛ ولأن فعل البدعة أو تحسينها يستلزم اتهام النبيَّ ﷺ بأن شريعته ناقصة،
стр. 523
أو أنه ﷺ لم يبين للناس الشريعة كاملة، فهي في مفهوم هذا المبتدع ناقصة تحتاج إلى زيادة أو إكمال"١".
وهذا لا شك كفر إن اعتقده من اخترع هذه البدعة أو أصر على فعلها، فمن المعلوم أن الله تعالى لم يتوفَّ نبيه ﷺ حتى أكمل هذا الدين، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة: ٣] .
كما أن النبي ﷺ قد بين للأمة جميع الأحكام الشرعية أتم بيان وأكمله، فلا حاجة إلى أن يزيد المسلم في دين الله ما ليس منه.
كما أنه يجب على المسلم البعد عن المبتدع، وعدم سماع كلامه أو مناظرته"٢"؛ لئلا يقع في قلبه شيء من ضلالاته أو الشبه التي يثيرها؛ لأن المبتدع يحتج بالمتشابه ويؤوله إلى ما تهواه نفسه، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [سورة
стр. 524
آل عمران:٧] . وروى البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ تلا على عائشة – ﵂ – الآية السابقة، ثم قال: " إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه فأولئك الذين سَمَّى الله فاحذروهم " "١".
فالمبتدع يترك الآيات الصريحة المحكمة، والأحاديث الصحيحة الواضحة، ويخالفها ويعارضها بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، أو بالنصوص المتشابهة، فيستدل بآية أو بحديث أو أثر صحيح فيفسره بغير تفسيره، ويؤوله إلى ما يوافق هواه، ويرد غيره من النصوص التي لم توافق عقله وهواه"٢"، والله أعلم.
стр. 525
الولاء والبراء
تعريفها وحكمها
...
الولاء والبراء
المبحث الأول: تعريفهما وحكمهما
الولاء في اللغة: المحبة والنصرة، والقرب. والوليّ: المحب والصديق والنصير، وهو ضد العدو. والموالاة والوَلاية: ضد المعاداة"١".
والولاء في الاصطلاح هو: محبة المؤمنين لأجل إيمانهم، ونصرتهم، والنصح لهم، وإعانتهم، ورحمتهم، وما يلحق بذلك من حقوق المؤمنين"٢".
стр. 526
وهذا الولاء يكون في حق المسلم الذي لم يصر على شيء من كبائر الذنوب.
أما إذا كان المسلم مصراً على شيء من كبائر الذنوب، كالربا، أو الغيبة، أو إسبال الثياب، أو حلق شعر العارضين والذقن "اللحية" أو غير ذلك فإنه يُحبّ بقدر ما عنده من الطاعات، ويبغض بقدر ما عنده من المعاصي"١".
والمحبة للمسلم العاصي تقتضي أن يهجر إذا كان هذا الهجر يؤدي إلى إقلاعه عن هذه المعصية وإلى عدم فعل ما يشبهها من قبله أو من قبل غيره، كما هجر النبي ﷺ الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وأمر الصحابة أن يهجروهم، فلم يكلموهم خمسين يوماً. متفق عليه "٢".
стр. 527
كما أن المحبة للمسلم العاصي تقتضي مناصحته وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، ليفعل الخير ويجتنب المعصية، فينجو من شقاء الدنيا وعذاب الآخرة، كما تقتضي المحبة للعاصي إقامة الحدود والتعزيرات عليه ليتوب ويرجع إلى الله تعالى، ولتكون تطهيراً له من ذنوبه"١".
وقريب من العاصي: المتهم بالنفاق، فيوالى بقدر ما يظهر منه من الخير، ويعادى بقدر ما يظهر منه من الخبث"٢"، وإذا تبين نفاقه
стр. 528
وحكم عليه بالنفاق فحكمه في باب الولاء والبراء حكم بقية الكفار على ما سيأتي بيانه في المبحث الآتي إن شاء الله تعالى.
أما المبتدعة كالجهمية والقدرية والرافضة والأشاعرة ونحوهم فهم ثلاثة أقسام:
القسم الأول: من كان منهم داعياً إلى بدعته أو مظهراً لها وكانت بدعته غير مكفِّرة فيجب بغضه بقدر بدعته"١"، كما يجب هجره
стр. 529
ومعاداته، وهذا مجمع عليه بين أهل العلم"١"، فلا تجوز مجالسته، ولا التحدث معه إلا في حال دعوته ونصحه، وهذه المجالسة إنما تجوز في حق العلماء خاصة.