Полный текст (605 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
القسم الثاني: البدعة العملية: وهي التعبد لله بغير ما شرع، وذلك بإحداث عبادة لم تُشرع، أو الزيادة أو النقص في عبادة مشروعة، أو الإتيان بالعبادة على صفة محدثة، أو المواظبة على عبادة مشروعة في وقت معين، مع أنه لم يرد دليل شرعي على مشروعيتها في هذ الوقت.
ومن أمثلة هذه البدعة: البناء على القبور، والدعاء عندها، وبناء المساجد عليها، والأعياد والاحتفالات المحدثة التي يتعبد لله تعالى بها، ونحوذ لك.
القسم الثالث: بدعة الترك: وهي ترك المباح أو ترك ما طلب فعله تعبداً.
الحواشي
(١) يكن في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر شيء من الأهواء – يعني بدع الخوارج والروافض والقدرية – وقد توسع من تأخر عن القرون الثلاثة الفاضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين وأتباعهم، ولم يقتنعوا بذلك حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان، وجعلوا كلام الفلاسفة أصلاً يردون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل ولو كان مستكرهاً، ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي رتبوه هو أشرف العلوم وأولاها بالتحصيل، وأن من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه فهو عامي جاهل، فالسعيد من تمسك بما كان عليه السلف واجتنب ما أحدثه الخلف، وإن لم يكن له منه بد فليكتف منه بقدر الحاجة، ويجعل الأول المقصود بالأصالة والله الموفق".стр. 457
ومن أمثلة هذه البدعة: ترك أكل اللحم تعبُّداً، وترك الزواج تعبُّداً "١".
الحواشي
(١) "١" ولا يدخل في هذا ترك ما طلب فعله إيجاباً أو ندباً لدليل شرعي آخر، فلا حرج عليه إذا تركه تعبداً كأن يترك الحج المندوب لأنه يؤدي إلى تعطيل عبادة أهم منها، أو يؤخر الحج الواجب لأنه يخشى فتنة في دينه. وكذلك لا يدخل في هذا ما لو منع نفسه من أكل نوع من الأطعمة المباحة مدة من الزمن؛ لأنه يؤدي به إلى الوقوع في أمر محرم.
وفي كل من البدع الاعتقادية والعملية ما هو بدعة في الأصول أو في الفروع، وإن كان الغالب على البدع الاعتقادية أنها بدع في الأصول، وكثير من البدع العملية مبني على بدعة اعتقادية.
وقد ذكر الإمام أبو إسحاق الشاطبي الأندلسي المالكي أن الابتداع الذي يخرج صاحبه من الفرقة الناجية، ويصيّره من الفرق الضالة هو ما كان في
أ) معنى كلي في الدين. ب" أو كان في قاعدة من قواعد الشريعة.
ج" أو كان في أصل عام من أصول الشرع.
د" أن يكثر من اختراع وإنشاء الفروع والجزئيات بحيث تعود لكثرتها على كثير من الشريعة بالمعارضة.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن البدعة التي يعد بها الرجل من أهل الأهواء –وهم أهل البدع– هي ما اشتهر عند أهل العلم بالسنة مخالفتها للكتاب والسنة، كبدعة الخوارج والروافض والقدرية ونحوهم. وذكر أن مذهب السلف أنهم لا يؤثمون مجتهداً في المسائل الأصولية ولا الفرعية.стр. 458
وقد وردت أدلة كثيرة تدل على تحريم البدع والتغليظ على مبتدعها وفاعلها، ومن أهمها قول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [سورة الشورى:٢١] ، وما رواه جابر بن عبد الله ﵄ – قال: كان النبي ﷺ يقول في خطبته:" أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة "رواه مسلم "١"، وما رواه العرباض بن سارية ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ""٢"،
الحواشي
(١) ينظر فيما سبق: الحوادث والبدع للطرطوشي ص٣٦،٤٠،مجموع الفتاوى ٦/٥٦-٥٨، و١١/٢٠٠، و١٢/٤٨٤-٥٠١، و١٩/٢٠٣-٢١٩، و٣٤/٤١٤،٤١٥، الاستقامة ١/٢٥٤، ٢٥٥، مختصر الفتاوى المصرية ص٣٢٠، الاعتصام ١/١٦٢-١٦٦، و٢/٢٠٠—٢٥٨، المجالس الأربعة من مجالس الأبرار للرومي الحنفي ص٣٧١، رسالة: سؤال وجواب في أهم المهمات للسعدي " مطبوعة ضمن المجموعة الكاملة ١/٦٩"، رسالة حقيقة البدعة ٢/٢٦٢-٢٦٧، و٢٧٣-٢٧٩، رسالة موقف أهل السنة من أهل الأهواء والبدع ١/٦٤-٧٢، و١٠٠-١٠٢، و١١٨-١٢٢.
"١" صحيح مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة "٨٦٧".
"٢" سبق تخريجه في المقدمة عند تعريف"أهل السنة والجماعة".стр. 459
وما روته أم المؤمنين عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ". رواه البخاري ومسلم"١"، وفي رواية لمسلم: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ". وما رواه أنس بن مالك ﵁ في قصة الثلاثة الذين أرادوا أن يزيدوا على عبادة النبي ﷺ ، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فقال رسول الله ﷺ : " أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني "رواه البخاري ومسلم"٢".
فصيغ العموم الواردة في النصوص السابقة تدل على تحريم جميع البدع التي يحدثها الناس ويتعبدون لله بها وليس لها أصل في الشرع"٣" وأنه ليس شيء منها حسنا ً.
الحواشي
(١) "١" صحيح البخاري: الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور "٢٦٩٧"، وصحيح مسلم: الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة "١٧١٨".
"٢" البخاري: فاتحة النكاح "٥٠٦٣"، ومسلم: فاتحة النكاح "١٤٠١"، قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث في الفتح ٩/١٠٥: "المراد من ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري فليس مني".
"٣" أما ما له أصل في الشرع فليس من البدع، اللهم إلا أن يراد أنه بدعة لغة، لأنстр. 460
.......................................................................
الحواشي
(١) البدعة في اللغة أعم منها في الشرع، كما هو ظاهر من التعريفين اللغوي والشرعي للبدعة – كما سبق بيانهما -.
وقد نص على هذا بعض أهل العلم، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: الاعتصام، باب الاقتداء ١٣/٢٥٣:"المحدثات: جمع محدثة، والمراد بها ما أحدث وليس له أصل في الشرع، ويسمى في عرف الشرع "بدعة"، وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة، فالبدعة في عرف الشرع مذمومة، بخلاف اللغة، فإن كل شيء أحدث على غير مثال يسمى بدعة, سواء كان محموداً أو مذموماً".
وعلى هذا فقد يكون الفعل بدعة في اللغة ولا يكون بدعة في الشرع، كأن يأتي في النصوص الحث على عبادة معينة فلا يتحقق فعلها إلا بعد وفاة النبي ﷺ ، إما لوجود علة مانعة من فعلها في حياته ﷺ أو لغير ذلك، فهي في حق أول من فعلها تعتبر بدعة لغوية، لأنه إحداث على غير مثال سابق، ولا تعتبر بدعة شرعية، لدلالة النصوص على مشروعيتها، ومن ذلك جمع القرآن في مصحف واحد، وكتابة الحديث في المسانيد والسنن والجوامع، وصلاة التراويح، وتأليف كتب العلم في الفنون المختلفة، وفتح المدارس، ونحو ذلك، فهذه كلها ليست بدعاً شرعية، لدلالة الأدلة الشرعية على جوازها، ولذلك قال عمر ﵁ عن جمعه للناس في صلاة التراويح على إمام واحد: "نعمت البدعة هذه"ومراده البدعة اللغوية لا الشرعية كما سيأتي بيان ذلك مفصلاً إن شاء الله تعالى.
ومن ذلك ما إذا صنع أو اشترى المسلم آلة حربية من المخترعات الحديثة واستعملها في حرب الكفار أو اقتناها لذلك، كمدفع أو دبابة أو طائرة أو غيرها، فهذه كلهاстр. 461
_________
يصح أن تسمى"بدعة"في اللغة، ولكنها ليست بدعة شرعية، بل هي من الأمور المطلوبة شرعاً، لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ .
ومما يدخل في البدعة اللغوية ما يحدثه الناس في الأمور الدنيوية المباحة، ولا يقصدون التعبد به لله تعالى، كالمخترعات والمحدثات في أمور الملبس والمركب، وكأساليب البناء، وكأجهزة الاتصالات، وكالأجهزة والعقاقير الطبية، وغيرها، فهذه كلها لا تعتبر بدعة في الشرع، بل هي من المباحات، إذا لم يوجد في شيء منها ما هو ممنوع شرعاً من وجه آخر، كأن يكون فيه تشبه محرم، أو فيه إسراف أو خيلاء، أو كان فيه ضرر أو مخالفة لنص أو أصل شرعي، ينظر: السنن والمبتدعات للشقيري ص١٨.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم ص٥٩٨، قاعدة تضبط بها البدعة الشرعية المحرمة، فقال: "ما رآه الناس مصلحة نظر في السبب المحوج إليه، فإن كان السبب المحوج إليه أمراً حدث بعد النبي ﷺ من غير تفريط منا فهنا قد يجوز إحداث ما تدعو الحاجة إليه، وكذلك إن كان المقتضي لفعله قائماً على عهد رسول الله ﷺ ، لكن تركه النبي ﷺ لمعارض زال بموته. وأما ما لم يحدث سبب يحوج إليه، أو كان السبب المحوج إليه بعض ذنوب العباد، فهنا لا يجوز الإحداث، فكل أمر يكون المقتضي لفعله على عهد رسول الله ﷺ موجوداً لو كان مصلحة ولم يفعل - يعلم أنه ليس بمصلحة-، وأما ما حدث المقتضي له بعد موته من غير معصية الخلق، فقد يكون مصلحة".
وقال شيخنا محمد العثيمين في رسالة"الإبداع"وهي مطبوعة ضمن مجموع فتاواه
стр. 462
وهذه الصيغ العامة هي:" ما " في الآية والحديث و " كل محدثة بدعة "، و" كل بدعة ضلالة " و" عملاً "، فهذه الألفاظ كلها
الحواشي
(١) "جمع فهد السلمان ٥/٢٥١" عند كلامه على إنشاء المدارس وتصنيف الكتب، وما أشبه ذلك مما استحسنه المسلمون، وكيف يجمع بينه وبين حديث " كل بدعة ضلالة "؟ قال:"هذا في الواقع ليس ببدعة، بل هذا وسيلة إلى مشروع، والوسائل تختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة، ومن القواعد المقررة أن الوسائل لها أحكام المقاصد، فوسائل المشروع مشروعة ... فالمدارس وتصنيف العلم، وتأليف الكتب وإن كان بدعة لم يوجد في عهد النبي ﷺ على هذا الوجه، إلا أنه ليس مقصداً بل هو وسيلة، والوسائل لها أحكام المقاصد". وينظر أيضاً: مجموع الفتاوى ٢١/٣١٧-٣١٩، الاقتضاء ٢/٥٩١-٥٩٧، الاعتصام ٢/٧٩،٨٠، ٢٠٥، جامع العلوم شرح الحديث ٢٨، فتح الباري ١٣/٢٥٣، السنن والمبتدعات ص ١٥،١٨، فتاوى شيخنا عبد العزيز بن باز "جمع الطيار ص ٨٣٨،٨٣٩"، فتاوى شيخنا محمد بن عثيمين "جمع أشرف بن عبد المقصود ١/١٢٣، وجمع فهد السليمان ٢/٢٩٢،٢٩٣ "، رسالة حقيقة البدعة، الباب الأول والباب الثاني، ورسالة موقف أهل السنة من أهل الأهواء والبدع ١/٩٣، وينظر ما سبق نقله عن الرومي الحنفي عند تعريف البدعة.
وينبغي التنبيه إلى مسألة مهمة، وهي أن بعض من يقع في بعض البدع يحتج على جوازها بفعل بعض أهل السنة لبعض الأمور التي يرى أنها تشبه البدعة التي وقع فيها، وهذا ليس بحجة، فالواجب أن تعرض تصرفات الناس على الكتاب والسنة، فما وافقهما فهو الحق، وما خالفهما فهو الباطل بغض النظر عن فاعلها، والله أعلم.стр. 463
تدل على العموم، فهي صريحة في أن جميع البدع محرمة وممنوع من فعلها"١".
فلا يجوز لمسلم أن يعارض قول رسول الله ﷺ بقول غيره من البشر كائناً من كان"٢"، فإن عارض قوله ﷺ بقول غيره، كان ذلك
الحواشي
(١) "١" قال الإمام أبو إسحاق الشاطبي المالكي في الاعتصام ١/١٤١،١٤٣:"قد ثبت في الأصول العلمية أن كل قاعدة كلية أو دليل شرعي كلي إذا تكررت في مواضع كثيرة وأتى بها شواهد على معان أصولية أو فروعية، ولم يقترن بها تقييد ولا تخصيص، مع تكررها، وإعادة تقررها، فذلك دليل على بقائها على مقتضى لفظها من العموم، كقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ وما أشبه ذلك، وبسط الاستدلال على ذلك هنالك، فما نحن بصدده من هذا القبيل، إذ جاء في الأحاديث المتعددة والمتكررة في أوقات شتى وبحسب الأحوال المختلفة: أن كل بدعة ضلالة، وأن كل محدثة بدعة، وما كان نحو ذلك من العبارات الدالة على أن البدع مذمومة. ولم يأت في آية ولا حديث تقييد ولا تخصيص ولا ما يفهم منه خلاف ظاهر الكلية فيها. فدلّ ذلك دلالة واضحة على أنها على عمومها وإطلاقها"انتهى كلامه ﵀، وينظر: "شرح الواسطية"ورسالة"الإبداع"كلاهما لشيخنا محمد بن عثيمين "مطبوعتان ضمن مجموع فتاواه ٥/٢٤٨،و٨/٦٤٠".
"٢" قال شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم ص٥٩١: "ولا يحل لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله ﷺ الكلية، وهي قوله:"كل بدعة ضلالة"بسلب عمومها، وهو أن يقال: ليست كل بدعة ضلالة، فإن هذا إلى مشاقة الرسول ﷺ أقرب منه إلى التأويل". وقال أيضاً في المرجع السابق ص٥٨٦:стр. 464
دليلاً على ضعف التأسِّي بالنبي ﷺ ، ودليلاً على نقص محبته له ﵊؛ لتقديمه قول غيره وهوى نفسه على سنة خير البشر ﷺ "١".
الحواشي
(١) "إن قيل عن بدعة معينة: هذه البدعة حسنة؛ لأن فيها من المصلحة كيت وكيت، فهؤلاء المعارضون يقولون: ليست كل بدعة ضلالة، والجواب: أما القول: إن شر الأمور محدثاتها، وإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، والتحذير من الأمور المحدثات: فهذا نص رسول الله ﷺ ، فلا يحل لأحد أن يدفع دلالته على ذم البدع، ومن نازع في دلالته فهو مراغم". قلت: أي قد نبذ الشرع وتركه وخرج على حكمه، ينظر: الصحاح ولسان العرب، مادة"رغم".
"١" إذ كيف يقول النبي ﷺ : " كل بدعة ضلالة " ثم يأتي ويقول: بل ليس كل بدعة ضلالة، وبدعة كذا حسنة، وهذا بلا شك مضادة للشرع الذي جاء به النبي ﷺ . قال الإمام أبوإسحاق الشاطبي المالكي في الاعتصام ١/١٤٢-١٤٤ بعد كلامه الذي سبق نقله قريباً، وبعد ذكر إجماع الصحابة على ترك البدع:"إن متعقل البدعة يقتضي ذلك بنفسه؛ لأنه من باب مضادة الشارع واطّراح الشرع، وكل ما كان بهذه المثابة فمحال أن ينقسم إلى حسن وقبيح، وأن يكون منه ما يمدح ومنه ما يذم، إذ لا يصح في معقول ولا منقول استحسان مشاقة الشارع، والشرع قد دل على أن الهوى هو المتبع الأول في البدع، وهو المقصود السابق في حقهم ودليل الشرع كالتبع في حقهم، ولذلك تجدهم يتأولون كل دليل خالف هواهم، ويتبعون كل شبهة وافقت أغراضهم، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ فأثبت لهم الزيغ أولاً،стр. 465
.....................................................................
الحواشي
(١) وهو الميل عن الصواب، ثم اتباع المتشابه وهو خلاف المحكم الواضح المعنى، الذي هو أم الكتاب ومعظمه. ومتشابهه على هذا قليل، فتركوا اتباع المعظم إلى اتباع الأقل المتشابه الذي لا يعطي مفهوماً واضحاً ابتغاء تأويله، وعامة المبتدعة قائلة بالتحسين والتقبيح، فهو عمدتهم الأولى، وقاعدتهم التي يبنون عليها الشرع، فهو المقدم في نحلهم بحيث لا يتهمون العقل، وقد يتهمون الأدلة إذا لم توافقهم في الظاهر، حتى يردوا كثيراً من الأدلة الشرعية.
وقد علمت - أيها الناظر - أنه ليس كل ما يقضي به العقل يكون حقاً، ولذلك تراهم يرتضون اليوم مذهباً ويرجعون عنه غداً، ثم يصيرون بعد غد إلى رأي ثالث، ولو كان كل ما يقضي به حقاً لكفى في إصلاح معاش الخلق ومعادهم، ولم يكن لبعثة الرسل ﵈ فائدة، ولكان على هذا الأصل تعد الرسالة عبثاً لا معنى له، وهو كله باطل، فما أدى إليه مثله. فأنت ترى أنهم قدموا أهواءهم على الشرع، ولذلك سموا في بعض الأحاديث وفي إشارة القرآن: أهل الأهواء". انتهى كلامه بحروفه مختصراً.
وقال الشيخ محمد بن عبد السلام الشقيري المصري في السنن والمبتدعات ص١٥،١٧:"كل بدعة في الدين ضلالة، كما نص عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، فلا يمكننا أن نغير ولا نحرف ولا نؤول ما قال فيه الرسول ﷺ : إنه ضلالة وفي النار، إلى أنه مستحسن.. وتقسيم بعض متأخري الفقهاء البدعة إلى خمسة أقسام خطأ وظن: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ بل هذا منهم مشاقة ومحادة للرسول ﷺ القائل: " وكل بدعة ضلالة " فلهم نصيب من الوعيد المذكور في آية: ﴿وَمَنْстр. 466
وقد ثبت عن الإمام مالك أنه قال:"من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً ﷺ خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً""١"، وقد ثبت عن جمع من أصحاب النبي ﷺ النهي عن كثير من البدع في وقائع متعددة"٢".
الحواشي
(١) يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ .
وينظر ما يأتي ذكره في التعليق الآتي في أواخر الكلام على بدعة الغلو في القبور من تزيين الشيطان البدعة في نفس فاعلها وتمثله لبعض العصاة في صورة آدمي ليعينه على المعصية، فيؤدي به ذلك إلى أن يحرص عليها ويدعو إليها.
"١" روى هذا القول عن الإمام مالك تلميذه ابن الماجشون كما في الاعتصام ١/٤٩، وقال أبو إسحاق الشاطبي الأندلسي المالكي في الموضع السابق من الاعتصام: "فالمبتدع إنما محصول قوله بلسان حاله أو مقاله: إن الشريعة لم تتم، وأنه بقي منها أشياء يجب أو يستحب استدراكها؛ لأنه لو كان معتقداً لكمالها وتمامها من كل وجه لم يبتدع ولا استدرك عليها".
"٢" ومن ذلك ما رواه الدارمي في كراهية أخذ الرأي "٢٠٤"، وبحشل في تاريخ واسط في ترجمة أبي الشعثاء ص ١٩٨، ١٩٩ بإسناد صحيح عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه أخبر عن قوم جالسين حلقاً في المسجد ينتظرون الصلاة، وفي كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول: كبِّروا مائة، فيكبرون مائة, فيقول: هللوا مائة، فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة، فوقفстр. 467
.......................................................................
الحواشي
(١) ابن مسعود على حلقة من تلك الحلق، فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن، حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح. فقال: ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة محمد ﷺ متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد ﷺ أو مفتتحو باب ضلالة، قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير. قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه.
ورواه عبد الرزاق في ذكر القُصَّاص رقم "٥٤٠٩"، وابن وضاح في "البدع" رقم "٩، ١٩،٢٠،٢٣" والطبراني في الكبير رقم "٨٦٢٨" إلى "٨٦٣٣"، ورقم "٨٦٣٦" إلى "٨٦٣٩" من طرق كثيرة، وبعض أسانيد الطبراني حسن، وقد صحح بعضها الهيثمي ١/١٨١.
ورواه عبد الرزاق "٥٤٠٨" مختصراً بإسناد صحيح رجاله رجال الصحيحين.
وروى أبو داود "٥٣٨٤"، والطبراني "١٣٤٨٦"، والبيهقي في السنن ١/٤٢٤ عن مجاهد قال: كنت مع ابن عمر فثوب رجل في الظهر أو العصر، فقال: اخرج بنا، فإن هذه بدعة. وإسناده حسن، وقد حسنه الألباني في الإرواء "٢٣٦".
والتثويب هو أن ينادي المؤذن بعد الأذان للصلاة إذا أبطأ الناس.
وروى ابن وضاح "٣٢" عن عبد الله بن خباب بن الأرت ﵄ قال: "بينما نحن في المسجد ونحن جلوس مع قوم نقرأ السجدة ونبكي، فأرسل إلي أبي، فوجدته قد احتجز، معه هراوة، فأقبل علي، فقلت: يا أبت مالي مالي؟ قال: ألم أرك مع العمالقة؟ ثم قال: هذا قرن خارج الآن. وإسنادهстр. 468
وقد حكى الإمام أبو إسحاق الشاطبي المالكي الأندلسي إجماع السلف من الصحابة والتابعين ومن يليهم على ذم البدع وتقبيحها"١"، وهذا إجماع صحيح غير مخروم، فلم يثبت عن أحد من الصحابة أو التابعين أنه أجاز شيئاً من البدع أو تساهل في أمرها"٢"، بل قد ثبت عن ابن عمر – ﵄ – أنه قال:"كل بدعة ضلالة، وإن
الحواشي
(١) صحيح رجاله ثقات رجال مسلم، عدا شيخ ابن وضاح، وهو ثقة إمام مترجم في سير النبلاء ١٢/١٠٨، والظاهر أن عبد الله بن خباب ومن معه كانوا يختارون بعض الآيات التي فيها سجدة تلاوة، فيقرأها أحدهم ثم يسجدون، ويبكون في سجودهم. وهذه طريقة محدثة ليس لها أصل في الشرع، وقد أنكرها غير واحد من الصحابة، وفي الباب آثار أخرى عن جماعة من الصحابة يطول الكلام بذكرها، تنظر في مراجع التخريج السابقة.
"١" الاعتصام، الباب الثالث في أن ذم البدع والمحدثات عام ١/١٤٢.
"٢" أما ما رواه البخاري "٢٠١٠" عن عمر – ﵁ أنه قال لما جمع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح:"نعمت البدعة هذه".
فالمراد بدعة لغة – كما سبق بيانه عند الكلام على التعريف اللغوي للبدعة – ومما يدل على ذلك ما رواه البخاري في صلاة التراويح "٢٠١٢" عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ صلى بالناس التراويح ثلاث ليال ثم اجتمع الناس في الليلة الرابعة فلم يخرج عليهم ﷺ حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد، ثم قال: " أما بعد فإنه لم يخف علي مكانكم، ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها "، فهل ما فعله النبي ﷺ يصح أن تسمىстр. 469
رآها الناس حسنة ""١".
فالبدع محرمة ومذمومة كلها"٢"، وخطرها كبير سواء منها ما هو شرك وكفر أم ما لم يصل منها إلى درجة الشرك والكفر.
الحواشي
(١) بدعة شرعية؟ فمراد عمر – ﵁ – كما قال الحافظ ابن رجب:"أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصول من الشريعة يرجع إليها"، إذن فهو بدعة في اللغة لا في الشرع، ثم إن ما فعله الخلفاء الراشدون مما لم يكن له مثال سابق لا يعتبر بدعة بالمعنى الشرعي، بل هو سنة لحديث: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين.." الحديث، ومثل فعل الخلفاء الراشدين أو قولهم ما جاء عن أحد من أصحاب النبي ﷺ عند من يرى أن قول الصحابي حجة، وبالأخص إذا كان في عصر الخلفاء الراشدين. وينظر: الاقتضاء ص٥٩١-٥٩٥، مجموع الفتاوى ٢١/٣١٧-٣١٩، جامع العلوم شرح الحديث ٢٨، تفسير ابن كثير، تفسير الآية ١١٧ من البقرة، فتاوى شيخنا عبد العزيز بن باز، جمع الطيار ٢/٨٤٠، شرح شيخنا محمد بن عثيمين للواسطية "مطبوع ضمن مجموع فتاواه ٨/٦٤٢،٦٤٣"، رسالة حقيقة البدعة، الباب الثاني.
"١" رواه المروزي في السنة رقم "٨٢" ص٢٩، وابن بطة في الإبانة ١/٣٣٩، رقم "٢٠٥"، واللالكائي ١/٩٢، رقم "١٢٦"، وإسناد المروزي وابن بطة حسن، وقد صححه الألباني في تحذير الساجد.
"٢" ذكر الإمام أبو إسحاق الشاطبي المالكي أن ما قيل فيه من البدع"مكروه"ينبغي أن يحمل على كراهة التحريم، لعموم قوله ﷺ : "كل بدعة ضلالة" والضلالة ضد الهدى، ولأنه ليس في الشرع دليل يدل على ارتفاع الإثم عن فاعل أي بدعة، بلстр. 470
......................................................................
الحواشي
(١) ورد في الشرع ما يدل على خلاف ذلك، وهو حديث: " فمن رغب عن سنتي فليس مني "وهذه العبارة أشد شيء في الإنكار، مع أنهم إنما التزموا ترك بعض المباحات تعبداً، وبعضهم التزم فعل بعض العبادات التي أصلها مشروع كالصلاة والصيام لكن على طريقة لم ترد في السنة.
ثم ذكر الشاطبي ﵀ انقسام البدع إلى صغائر وكبائر، ثم ذكر إشكالاً في إطلاق لفظ"الصغيرة"على بعض البدع؛ لأن الابتداع راجع إلى الإخلال بالدين؛ لأنه مضادة للشارع ومراغمة له، حيث نصب المبتدع نفسه منصب المستدرك على الشريعة، لا منصب المكتفي بما حُد له، فهو إما قد أتى بتشريع زائد أو ناقص أو قد غير التشريع الصحيح، وهذا كله قدح في التشريع، وهذا لو قصده المسلم لكفر، فمن فعله بتأويل فاسد أو رأي غالط، أو ألحقه بالمشروع إذا لم نكفره لم يكن في حكمه فرق بين ما قل منه وما كثر.
ثم ذكر ما ثبت عن الإمام مالك – ﵀ – من إنكاره التثويب على المؤذن – وهو أن ينادي بعد الأذان إذا أبطأ الناس للصلاة - فقال الإمام مالك: "التثويب ضلال، ومن أحدث في هذه الأمة شيئاً لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله ﷺ خان الدين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فما لم يكن يومئذ ديناً لم يكن اليوم ديناً.
ثم ذكر قول الإمام مالك أيضاً للرجل الذي أراد أن يُحْرِمَ من مسجد النبي ﷺ " لا تفعل، فإني أخشى عليك الفتنة " فقال الرجل: وأي فتنة في هذا؟ إنما هي أميال أزيدها. فقال الإمام مالك: "وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلىстр. 471
......................................................................
الحواشي
(١) فضيلة قصر عنها رسول الله ﷺ ، إني سمعت الله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ "، ثم قال الشاطبي:"كأنه –أي الإمام مالك– يقول: يلزمك في هذا القول كذا". ثم ذكر الخلاف في لازم المذهب هل هو مذهب أم لا؟ وذكر أن رأي المحققين أنه ليس بمذهب، ومال إلى ذلك، وذكر أنه على هذا تكون البدع كالمعاصي تنقسم إلى صغائر وكبائر، ثم ذكر أن البدعة إذا اجتمع فيها وصفان صح أن تسمى صغيرة، وهما: أن تكون جزئية، وأن تكون بتأويل يقرب مأخذه، ومثل لها بمسألة من نذر أن يصوم قائماً وضاحياً لا يستظل.
وذكر أن الصغائر قد تتحول إلى كبائر إذا داوم عليها، أو دعا إليها، أو فعلها في مجتمعات الناس، أو استحقرها واستهان بها، فالاستهانة بالذنب أعظم من الذنب، ينظر: الاعتصام: الباب السادس ٢/٤٩-٧٢.
وقال الشيخ أحمد الرومي الحنفي كما في المجالس الأربعة من مجالس الأبرار ص٣٧٢:"البدعة في الاعتقاد بعضها كفر، وبعضها ليس بكفر، لكنها أكبر من كل كبيرة حتى القتل والزنى، وليس فوقها إلا الكفر، والبدعة في العبادة وإن كانت دونها لكن فعلها عصيان وضلال، لا سيما إذا صادمت سنة مؤكدة".
وقال الشيخ محمد بن عبد السلام الشقيري المصري في السنن والمبتدعات ص١٧:"وقد ذهب كثير من محققي العلماء إلى أن كل بدعة في الدين صغيرة كانت أو كبيرة فهي محرمة، واستدلوا لذلك بالأحاديث التي جاءت في ذم البدع بصيغ العموم".
وينظر أيضاً الاعتصام: الباب الثاني ١/٤٦-٥٣، فتاوى شيخنا عبد العزيز بن بازстр. 472
وما كان من البدع دون الشرك والكفر فهو من أعظم الأسباب التي تؤدي إلى الوقوع في الشرك والكفر"١"، فإذا فتح المسلم لنفسه باب الابتداع في الدين، أو استحسن شيئاً من البدع فلن يقف في غالب الأحوال"٢" هو أو من يقلده عند حد حتى يقع في الشرك الأكبر أو الكفر الأكبر.
الحواشي
(١) "جمع الطيار" ص٨٣٨،٨٣٩، حقيقة البدعة: الباب الثالث، منهج الإمام مالك في إثبات العقيدة: الفصل الثاني. وسيأتي الكلام على البدع الجزئية والمركبة قريباً إن شاء الله تعالى.
"١" ذكر الحافظ ابن القيم الحنبلي في بدائع الفوائد ٢/٢٦٠ أن البدعة هي باب الكفر والشرك
وقال الشيخ محمد بن عثيمين في القول المفيد، باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم الغلو في الصالحين ١/٣٨٤:"نقل عن السلف أن البدع سبب الكفر، قال أهل العلم: إن الكفر له أسباب متعددة، وذكروا من أسبابه: البدعة، واستدلوا بقوله ﷺ : " كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار ". انتهى كلامه مختصراً.
وذكر الإمام الشاطبي المالكي في الاعتصام ١/١٠٦-١٣٣ عشرين عقوبة أو وصفاً محذوراً أو معنى مذموماً يقع فيها المبتدع وتحصل له بارتكابه للبدعة، وذكر منها: أنه يخاف عليه أن يكون معدوداً في الكفار الخارجين من الملة؛ لاختلاف السلف في تكفير كثير من المبتدعة، وذكر منها أيضاً: أنه يخشى عليه من سوء الخاتمة عند الخروج من الدنيا.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في الاقتضاء ص٦١١،٦١٢ بعض أضرار ومفاسد البدع.
"٢" وبالأخص عند وقوعه في البدع الكلية والبدع المركبة.стр. 473
والبدع كثيرة، وقد سبق ذكر كثير منها "١"، وسأذكر بشيء من التفصيل ثلاثاً من أخطر البدع العملية، وأكثرها وقوعاً والتي لا تصل إلى حد الشرك الأكبر، ولكن أدى ابتداعها والتساهل بها إلى الوقوع فيه فيما يلي:
الحواشي
(١) والبدع الكلية هي التي تعتبر كالقاعدة أو الأصل لبدع أخرى تنبني عليها، كبدعة الشيعة "الرافضة" في قولهم بعصمة الأئمة، فقد ترتب عليها بدع كثيرة، كاعتقادهم أن الأئمة أفضل من الرسل، وكاعتقادهم الصواب المطلق في أقوالهم، وكتقديمهم لأقوالهم على القرآن والسنة، وكاعتقادهم خروج مهديهم المزعوم من السرداب وغير ذلك من الضلالات. ومثلها بدعة الخوارج في قولهم: لا حكم إلا لله. فالبدع الكلية لا تختص بفرع من فروع الشريعة، بل تنتظم ما لا يحصى من الفروع، والغالب أن البدع الكلية من البدع الكفرية.
والبدعة المركبة: هي التي تنتظم بدعاً كثيرة وتحتوي عدة محدثات انضمت إلى بعضها حتى أصبحت كأنها بدعة واحدة، ومن أمثلتها: بدعة المولد، فهي تضم عدة بدع، منها تخصيص ليلة معينة، وتخصيص ذكر معين، وهيئة معينة بلا دليل، ومنها إحداث أوراد وأشعار مبتدعة تحوي كثيراً من الأكاذيب والضلالات. ما البدعة الجزئية والبسيطة فهي في الغالب لا تتجاوز ذاتها.
والبدعة الجزئية هي التي يكون الخلل الواقع بسببها في فرع من الفروع فقط، ومثالها: بدعة التثويب بالصلاة، وبدعة الأذان والإقامة في العيدين.
والبدعة البسيطة: هي عكس البدعة المركبة، وهي تشبه البدعة الجزئية، ينظر: الاعتصام ٢/٥٩- ٦٤، حقيقة البدعة ٢/٣٤،٣٥.
"١" ومن ذلك التبرك الممنوع، والغلو في الصالحين وغير ذلك.стр. 474
البدعة الأولى: التوسل البدعي
التوسل في اللغة: هو التقرب إلى الشيء بالشيء. ومنه أن يتقرب شخص إلى شخص بعمل معين، أو بهدية معينة، أو بقرابة أو غيرها ليحصل له ما يريد منه"١".
والتوسل في الاصطلاح له تعريفان:
الأول: تعريف عام: وهو التقرب إلى الله تعالى بفعل المأمورات وترك المحرمات"٢".
الثاني: تعريف خاص بباب الدعاء: وهو أن يذكر الداعي في دعائه ما يرجو أن يكون سبباً في قبول دعائه، أو أن يطلب من عبد صالح أن يدعو له.
الحواشي
(١) "١" ينظر: الصحاح ولسان العرب، مادة "وسل". وينظر: جهود الحنفية ص١٤٤٠-١٤٤٥، والشرك للميلي الجزائري ص١٩٩، ٢٠٠ فقد توسعا في نقل أقوال أهل اللغة.
"٢" فالعبد يتقرب إلى ربه بذلك ليتوصل به إلى رضوانه تعالى والفوز بالجنة والنجاة من النار، وينظر: رسالة التوسل والوسيلة "مجموع الفتاوى ١/١٤٢،١٤٣،١٥٣، ١٩٩-٢٠٢، ٢٤٧"، الاقتضاء ص٧٨٧-٧٩٢، تفسير الآية ٣٥ من سورة المائدة في تفسيري ابن كثير والشنقيطي، الشرك ومظاهره للميلي ص٢٠٠-٢٠٢، صيانة الإنسان للسهسواني ص١٩٤، ٢٠١-٢٠٣، جهود علماء الحنفية ص١٤٤٧،١٤٤٨،١٤٥٩،١٤٦٠، فتاوى ابن عثيمين ٥/٢٧٩، الدعاء للعروسي ص٦٢٨، ٦٢٩.стр. 475
والتوسل في أصله ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: التوسل المشروع:
وهذا القسم يشمل أنواعاً كثيرة، يمكن إجمالها فيما يلي:
١- التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [سورة الأعراف:١٨٠] .
وذلك بأن يدعو الله تعالى بأسمائه كلها، كأن يقول: اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى أن تغفر لي"١"، أو أن يدعو الله تعالى باسم معين من أسمائه تعالى يناسب ما يدعو به، كأن يقول: اللهم يا رحمن ارحمني، أو أن يقول: اللهم إني أسألك بأنك أنت الرحمن الرحيم أن ترحمني"٢".
الحواشي
(١) "١" ومن ذلك ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " ما قال عبد قط إذا أصابه هم أو حزن: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك ... الخ"رواه الإمام أحمد "٣٧١٢"، وابن حبان "٩٧٢" بإسناد حسن، وقد صححه الألباني في الصحيحة "١٩٩".
"٢" ومن أهم ما يتوسل به اسم الله الأعظم، وهو"الله"أو"الحي"أو"القيوم"، وإن جمع بينها فهو أولى، فيقول: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الحي القيوم أن ترحمني. وينظر: مشكل الآثار ١/١٦٠-١٦٥، مجموع الفتاوى ١٨/٣١١، صحيح سنن الترمذي "١٤٩٣-١٤٩٦"، الدر المنظم في الاسم الأعظم للسيوطي "الحاوي ١/٣٩٤"، تحفة الذاكرين ص٦٨.стр. 476
أو أن يدعو الله تعالى بجميع صفاته، كأن يقول:"اللهم إني أسألك بصفاتك العليا أن ترزقني رزقاً حلالاً"أو أن يدعوه بصفة واحدة من صفاته تعالى تناسب ما يدعو به، كأن يقول:"اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني ""١"، أو يقول مثلاً: "اللهم انصرنا على القوم الكافرين إنك قوي عزيز" "٢".
٢- الثناء على الله تعالى، والصلاة على نبيه محمد ﷺ في بداية الدعاء"٣"، لما ثبت عن فضالة بن عبيد عن النبي ﷺ أنه سمع رجلاً يدعو
الحواشي
(١) "١" روى الترمذي "٣٥١٣"، وابن ماجه "٣٨٥٠"، وأحمد ٦/١٧١، وابن السني "٧٦٧" عن عائشة قالت: يا رسول الله، أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أقول فيها؟ فقال ﷺ :"قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني "، وإسناده صحيح، رجاله رجال الصحيحين، وصححه النووي في الأذكار "٥٥٧".
"٢" ومن ذلك دعاء الاستخارة الثابت في صحيح البخاري "١١٦٢"، وفيه: " اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر، ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري – أو قال: عاجل أمري وآجله – فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه ...".
ومن ذلك أيضاً الاستعاذة بكلمات الله تعالى، والاستعاذة بعزته تعالى، ففي كل منهما توسل بصفة من صفات الله تعالى. ينظر فتاوى ابن عثيمين "٥/٢٨١".
"٣" قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ١/٣٤٧:"والذين يتوسلون بذاتهстр. 477
في صلاته لم يحمد الله ولم يصل على نبيه ﷺ ، فقال:"عجل هذا"، ثم دعاه فقال له: " إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه، ثم ليصل على النبي ﷺ ، ثم ليدع بما شاء "، قال: وسمع رسول الله ﷺ رجلاً يصلي فمجَّد الله وحمده، وصلى على نبيه محمد ﷺ ، فقال ﵊:" ادع تجب، وسل تعط " "١".
ومن ذلك أن يثني على الله تعالى بكلمة التوحيد"لا إله إلا الله"، التي هي أعظم الثناء على الله تعالى، كما توسل بها يونس ﵇ في بطن الحوت"٢"، ثم يصلي على النبي ﷺ ، فيقول في توسله مثلاً:"لا إله
الحواشي
(١) لقبول الدعاء عدلوا عما أمروا به وشرع لهم، وهو أنفع الأمور لهم إلى ما ليس كذلك، فإن الصلاة عليه من أعظم الوسائل التي بها يستجاب الدعاء، وقد أمر الله بها، والصلاة عليه في الدعاء هو الذي دل عليه الكتاب والسنة والإجماع". وينظر: صيانة الإنسان ص٢٠٦، وقال الإمام النووي في الأذكار: كتاب الصلاة على النبي ﷺ ، الباب الثالث ص٩٩:"أجمع العلماء على استحباب ابتداء الدعاء بالحمد لله تعالى والثناء عليه، ثم الصلاة على رسول الله ﷺ ، وكذلك تختم الدعاء بهما". وينظر: تصحيح الدعاء ص٦٧.
"١" رواه الإمام أحمد "٢٣٩٣٧"، وأبو داود "١٤٨١"، والترمذي "٣٤٧٦ و٣٤٧٧"، والنسائي ٣/٤٤،٤٥، وابن حبان "١٩٦٠" بإسناد حسن، وزيادة: "قال: وسمع ..." عند النسائي وحده، وروى بعضها الترمذي.
"٢" روى الإمام أحمد ١/١٧٠ عن سعد مرفوعاً: " دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوتстр. 478
إلا الله، اللهم صل على محمد، اللهم اغفر لي".
ومن ذلك سورة الفاتحة، فشطرها الأول ثناء على الله تعالى، وآخرها دعاء"١".
٣- التوسل إلى الله تعالى بذكر وعده جل وعلا، كما في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [سورة آل عمران: ١٩٤] ، ومنه أن يقول الداعي: اللهم إنك وعدت من دعاك بالإجابة، فاستجب دعائي.
٤- التوسل إلى الله تعالى بأفعاله جل وعلا، كأن يقول: اللهم يا من
الحواشي
(١) لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له". وإسناده حسن، وقد صححه الألباني في الصحيحة "١٧٤٤".
"١" روى مسلم في صحيحه "٣٩٥" عن رسول الله ﷺ قال:" قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال: مجدني عبدي، " "وقال مرة: فوض إلي عبدي "، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل". وينظر: التوصل إلى حقيقة التوسل ص٦٠-٦٤.стр. 479
نصرت محمداً ﷺ يوم بدر انصرنا على القوم الكافرين"١".
٥ - أن يتوسل العبد إلى الله تعالى بعباداته القلبية، أو الفعلية، أو القولية، أو غيرها، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [سورة المؤمنون: ١٠٩] ، وكما في قصة الثلاثة أصحاب الغار، فأحدهم توسل إلى الله تعالى ببره بوالديه، والثاني توسل إلى الله تعالى بإعطاء الأجير أجره كاملاً بعد تنميته له، والثالث توسل إلى الله تعالى بتركه الفاحشة، وقال كل واحد منهم في آخر دعائه:" اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه ""٢".
ومن ذلك أن يقول الداعي: اللهم إني أسألك بمحبتي لك ولنبيك محمد ﷺ ولجميع رسلك وأوليائك أن تنجيني من النار، أو يقول: اللهم إني صمت رمضان ابتغاء وجهك فارزقني السعادة في الدنيا والآخرة.
٦- أن يتوسل إلى الله تعالى بذكر حاله، وأنه محتاج إلى رحمة الله وعونه، كما في دعاء موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ
الحواشي
(١) "١" ومن ذلك الدعاء الوارد في التحيات: " اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم "، والكاف هنا للتعليل، فأنت تسأل الله تعالى الذي من على إبراهيم ﵇ وآله بالصلاة، أن يمن على محمد ﷺ وآله بالصلاة أيضاً. ينظر: فتاوى ابن عثيمين ٥/٢٨١.
"٢" سبق تخريجه عند الكلام على تعريف العبادة وبيان شمولها في الباب الأول.стр. 480
خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [سورة القصص: ٢٤] ، فهو ﵇ توسل إلى ربه جل وعلا باحتياجه للخير أن ينزل عليه خيراً.
ومن ذلك قول الداعي: اللهم إني ضعيف لا أتحمل عذاب القبر ولا عذاب جهنم فأنجني منهما، أو يقول: اللهم إني قد آلمني المرض فاشفني منه.
ويدخل في هذا الاعتراف بالذنب وإظهار الحاجة لرحمة الله ومغفرته، كما في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] .
٧- التوسل بدعاء الصالحين رجاء أن يستجيب الله دعاءهم. وذلك بأن يطلب من مسلم حي حاضر أن يدعو له.
كما في قول أبناء يعقوب ﵈ له: ﴿يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ [سورة يوسف: ٩٧] ، وكما في قصة الأعرابي الذي طلب من النبي ﷺ أن يدعو بنزول المطر، فدعا ﷺ "١"، وكما في قصة المرأة التي طلبت منه ﵊ أن يدعو الله لها بأن لا تتكشف"٢"، وكما طلب عمر – ومعه الصحابة – في عهد عمر من
الحواشي
(١) "١" رواه البخاري في الاستسقاء "١٠١٣"، ومسلم في الاستسقاء "٨٩٧".
"٢" رواه البخاري في المرض "٥٦٥٢"، ومسلم في البر "٢٥٧٦".стр. 481
العباس أن يستسقي لهم، أي أن يدعو الله أن يغيثهم بنزول المطر"١".
فهذه التوسلات كلها صحيحة؛ لأنه قد ثبت في النصوص ما يدل على مشروعيتها، وأجمع أهل العلم على ذلك"٢".
القسم الثاني: التوسل الممنوع
لما كان التوسل جزءاً من الدعاء، والدعاء عبادة من العبادات، كما ثبت في الحديث: " الدعاء هو العبادة ""٣"، وقد وردت النصوص الصحيحة
الحواشي
(١) "١" رواه البخاري في الاستسقاء "١٠١٠"، ولفظه: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فأسقنا، قال: فيسقون. وسيأتي شرح هذا الحديث بشيء من التفصيل عند الكلام على التوسل الممنوع.
"٢" ينظر: رسالة التوسل والوسيلة "مجموع الفتاوى ١/٢٨٨، ٣٠٩-٣١٨،٣٢٦-٣٢٩، وينظر أيضاً: مجموع الفتاوى ٢٧/١٣١-١٣٣، الاقتضاء ص٧٨١-٧٨٧، ٧٩٣-٧٩٦، الاختيارات ص٨٤، الأذكار للنووي، كتاب جامع الدعوات، جلاء الأفهام، الباب الثالث ص٧٠،٧١، جهود علماء الحنفية ص١٤٥٩-١٤٦٣، مجموع فتاوى شيخنا عبد العزيز بن باز "جمع د. الطيار ص٩٤٧-٩٥٢"، مجموع فتاوى شيخنا محمد بن عثيمين ٥/٢٨٠-٢٨٧، الدعاء للعروسي السوداني ص٦٣١-٦٣٥، منهج الإمام مالك في بيان العقيدة ص٣١٧-٣٢٣، الشرك ومظاهره للميلي الجزائري ص٢٠٢-٢٠٥، التوسل للألباني ص٣١-٥٤، التوصل إلى حقيقة التوسل للرفاعي الحلبي ص٢٣-١٨٠.
"٣" سبق تخريجه في الباب السابق عند الكلام على الشرك في دعاء المسألة.стр. 482
الصريحة"١" بتحريم إحداث عبادة لم ترد في النصوص الشرعية، فإن كل توسل لم يرد في النصوص ما يدل على مشروعيته فهو توسل بدعي محرم، ومن أمثلة هذه التوسلات المحرمة:
١- أن يتوسل إلى الله تعالى بذات نبي أو عبد صالح، أو الكعبة، أو غيرها من الأشياء الفاضلة، كأن يقول:"اللهم إني أسألك بذات أبينا آدم ﵇ أن ترحمني".
٢- أن يتوسل بحق نبي أو عبد صالح أو الكعبة أو غيرها.
٣- أن يتوسل بجاه نبي أو عبد صالح أو بركته أو حرمته أو بحق قبره ونحو ذلك.
فلا يجوز للمسلم أن يدعو الله تعالى بشيء من هذه التوسلات، ولذلك لم يثبت في رواية صحيحة صريحة أن أحداً من الصحابة أو التابعين توسل إلى الله تعالى بشيء منها، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، وقد نقلت عنهم أدعية كثيرة جداً، وليس فيها شيء من هذه التوسلات، وهذا إجماع من أصحاب النبي ﷺ والتابعين على عدم مشروعية جميع هذه التوسلات"٢".
الحواشي
(١) "١" سبق ذكر هذه النصوص في بداية هذا الفصل.
"٢" وقد حكى إجماع الصحابة والتابعين على ترك هذه التوسلات جمع من أهل العلم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية "مجموع الفتاوى ١/٢٠٢و٢٧/٨٣،٨٥،١٣٣"، الاستغاثةстр. 483
......................................................................
الحواشي
(١) ٣٣٦،٣٦٣،٥٣٧.
ونقل ابن القيم في إغاثة اللهفان ١/٢١٨ عن شيخه شيخ الإسلام أنه قال عند ذكره للبدع التي تفعل عند القبر:"المرتبة الثانية: أن يسأل الله تعالى به، وهذا يفعله كثير من المتأخرين، وهو بدعة باتفاق المسلمين".
وقال الشيخ محمد الشقيري المصري في القول الجلي في حكم التوسل بالنبي والولي ص٥٥:"التوسل بحق النبي أو الولي أو بجاهه أو بركته، أو بحق قبره أو قبته، وهذا مذموم منهي عنه بلا نزاع".
وقال محدث الشام محمد ناصر الدين الألباني في رسالة "التوسل" ص٧٤،٧٥ بعد ذكره ما صح عن عمر والصحابة من التوسل بدعاء العباس وما صح عن معاوية وأهل الشام من التوسل بدعاء يزيد بن الأسود وهو من التابعين، قال:"إن جريان عمل الصحابة على ترك التوسل بذاته ﷺ عند نزول الشدائد بهم – بعد أن كانوا لا يتوسلون بغيره ﷺ في حياته – لهو من أكبر الأدلة الواضحة على أن التوسل بذاته ﷺ غير مشروع، وإلا لنقل ذلك عنهم من طرق كثيرة في حوادث متعددة، ألا ترى إلى هؤلاء المخالفين كيف يلهجون بالتوسل بذاته ﷺ لأدنى مناسبة لظنهم أنه مشروع، فلو كان الأمر كذلك لنقل مثله عن الصحابة، مع العلم أنهم أشد تعظيماً ومحبة له ﷺ من هؤلاء، فكيف ولم ينقل عنهم ذلك ولا مرة واحدة، بل صح عنهم الرغبة عنه إلى التوسل بالصالحين".
وينظر: كلام شيخ الإسلام ابن تيمية الذي سيأتي عند الكلام على رد الاستدلال بالاستسقاء بالعباس على التوسل الممنوع، وما ذكر من أن فعل عمر ومعه الصحابة يدلстр. 484
وهذا لا يدل على نقص مكانة أو جاه أحد من الأنبياء أو الصالحين بوجه من الوجوه، ومن ظن ذلك فقد وهم، فمكانة الأنبياء والصالحين كبيرة، وجاههم عظيم، ولكن جاههم منزلة لهم، خاصة بهم، وهم يشفعون في حياتهم في الدنيا وفي الآخرة لمن شاءوا"١" وليس هناك ما يدل
الحواشي
(١) على إجماعهم على تحريم التوسل بالذات أو الحق أو الجاه ونحوها.
وقد ذكر الشيخ جيلان العروسي السوداني ما يقرب من خمسة عشر دليلاً لتحريم هذا التوسل البدعي في كتاب الدعاء ص٦٣٦-٦٤٧.
وقد نص على تحريم هذه التوسلات أو بعضها جم غفير من فقهاء الحنفية والمالكية والحنابلة، وغيرهم، وفي مقدمتهم أبو حنيفة وصاحبه أبو يوسف.
ينظر على سبيل المثال لا الحصر كتاب بداية المبتدي مع شرحه الهداية ومع شرحهما البناية في الفقه الحنفي: كتاب الكراهية ١١/٢٧٧-٢٨١، صيانة الإنسان عن وسوسة دحلان للسهسواني الهندي ص١٨٧-٢٠٦، ٢٧٣،٢٧٤، الشرك ومظاهره للميلي الجزائري ص٢١٣، جلاء العينين للألوسي الحنفي ص٤٥٢، نقلاً عن جهود علماء الحنفية ص١٤٨٥، فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز، جمع الطيار ص٩٤٦، التوصل إلى حقيقة التوسل للرفاعي الحلبي ص١٨٦، جهود علماء الحنفية ص١١٢٣ وما بعدها، وينظر كلام ابن أبي العز الحنفي الذي سيأتي نقله قريباً.
"١" قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ٢٧/١٣٣،١٣٤:"التوسل إلى الله بالنبيين هو التوسل بالإيمان بهم وبطاعتهم، كالصلاة والسلام عليهم، ومحبتهم وموالاتهم، أو بدعائهم وشفاعتهم، وأما نفس ذواتهم فليس فيها ما يقتضي حصول مطلوب العبد وإن كان لهم عند الله الجاه العظيم والمنزلة العالية، بسبب إكرام الله لهمстр. 485
على أن لغيرهم أن يتوسل إلى الله بذواتهم أو بجاههم"١"، وكذلك لا يجوز لأحد أن يقسم على الله في دعائه بأحد من خلقه؛ لأن القسم بغير الله لا
الحواشي
(١) وإحسانه إليهم وفضله عليهم وليس في ذلك ما يقتضي إجابة دعاء غيرهم، إلا أن يكون بسبب منه إليهم، كالإيمان بهم والطاعة لهم، أو بسبب منهم إليه، كدعائهم له وشفاعتهم فيه، فهذان الشيئان يتوسل بهما، وأما الإقسام بالمخلوق فلا، وما يذكره بعض العامة من قوله: " إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي، فإن جاهي عند الله عظيم ". حديث كذب موضوع".
"١" قال شيخ الإسلام في التوسل والوسيلة "مجموع الفتاوى ١/١٤٣":"وهو ﷺ شفيع الخلائق، صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، فهو أعظم الشفعاء قدراً وأعلاهم جاهاً عند الله، وقد قال تعالى عن موسى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً﴾ وقال عن المسيح: ﴿وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ ومحمد ﷺ أعظم جاهاً من جميع الأنبياء والمرسلين؛ لكن شفاعته ودعاؤه إنما ينتفع به من شفع له الرسول ودعا له، فمن دعا له الرسول وشفع له توسل إلى الله بشفاعته ودعائه، كما كان أصحابه يتوسلون إلى الله بدعائه وشفاعته، وكما يتوسل الناس يوم القيامة إلى الله ﵎ بدعائه وشفاعته ﵌ تسليماً. ولفظ "التوسل" في عرف الصحابة كانوا يستعملونه في هذا المعنى".
وقال شيخ الإسلام أيضاً في الاقتضاء ص٧٨٦:"وأما إذا سُئل بشيء ليس سبباً للمطلوب: فإما أن يكون إقساماً عليه به، فلا يقسم على الله بمخلوق، وإما أن يكون سؤالاً بما لا يقتضي المطلوب فيكون عديم الفائدة، فالأنبياء والمؤمنون لهم حق على الله بوعده الصادق لهم وبكلماته التامة، ورحمته لهم أن ينعمهم ولا يعذبهم، وهم وجهاءстр. 486
يجوز أصلاً"١"، فكيف بمن يقسم به على الله تعالى"٢"، وأيضاً لا يجوز لأحد أن يسأل الله بحق فلان؛ لأن الحق لله على العباد، وليس للعباد حق على الله تعالى إلا ما أوجبه تعالى على نفسه من نصرة المؤمنين ومن عدم تعذيبه للمخلصين، وإثابته لهم واستجابته لدعائهم"٣"، وإنما يجوز أن يتوسل إلى الله
الحواشي
(١) عنده، يقبل من شفاعتهم ودعائهم ما لا يقبله من دعاء غيرهم. فإذا قال الداعي: أسألك بحق فلان، وفلان لم يدع له، وهو لم يسأله باتباعه لذلك الشخص ومحبته وطاعته، بل بنفس ذاته، وما جعله له ربه من الكرامة لم يكن قد سأله بسبب يوجب المطلوب".
وينظر: الدرر السنية ٢/٢٣٨، ٢٣٩، التوسل للألباني"دفع توهم"ص٨٤-٨٧.
"١" سيأتي الكلام على حكم الحلف بغير الله مفصلاً في الباب الثالث إن شاء الله تعالى.
"٢" ينظر: التعليق الآتي، ومثال القسم بالمخلوق في الدعاء أن يقول:"أقسم بفلان عليك يا رب أن تغفر لي"أو يقول:"أسألك بفلان أن ترحمني"إذا كانت الباء للقسم، أما إن كانت للسببية فهو توسل بالذات، ينظر: مجموع الفتاوى ١/٢٠٥، ٢٠٦، ٢٣٩-٢٤٥، الشرك ومظاهره للميلي ص٢١١.
"٣" قال ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية ص٢٩٤-٢٩٧:"وأما الاستشفاع بالنبي ﷺ وغيره في الدنيا إلى الله تعالى في الدعاء، ففيه تفصيل: فإن الداعي تارة يقول: بحق نبيك، أو بحق فلان، يقسم على الله بأحد من مخلوقاته، فهذا محذور من وجهين: أحدهما: أنه أقسم بغير الله. والثاني: اعتقاده أن لأحد على الله حقاً. ولا يجوز الحلف بغير الله، وليس لأحد على الله حق إلا ما أحقه على نفسه، كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الروم:٤٧] . وكذلك ما ثبت في الصحيحين من قوله ﷺ لمعاذ ﵁: " أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ " قلت: الله ورسولهстр. 487
تعالى بمحبته للأنبياء والأولياء والصالحين، ونحو ذلك من التوسلات الجائزة التي سبق ذكرها.
الحواشي
(١) أعلم. قال: " حقهم عليه أن لا يعذبهم "، فهذا حق وجب بكلماته التامة، ووعده الصادق، لا أن العبد نفسه يستحق على الله شيئاً، كما يكون للمخلوق على المخلوق، فإن الله هو المنعم على العباد بكل خير، وحقهم الواجب بوعده هو أن لا يعذبهم، وترك تعذيبهم معنى لا يصلح أن يقسم به، ولا أن يُسأل بسببه، ويتوسل به، لأن السبب هو ما نصبه الله سبباً، فكأنه يقول: لكون فلان من عبادك الصالحين أجب دعائي، وأي مناسبة في هذا وأي ملازمة؟ وإنما هذا من الاعتداء في الدعاء، وقد قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [سورة الأعراف:٥٥] ، وهذا ونحوه من الأدعية المبتدعة، ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة، ولا عن التابعين، ولا عن أحد من الأئمة ﵃، وإنما يوجد مثل هذا في الحروز والهياكل التي يكتبها الجهال والطرقية. والدعاء من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على السنة والاتباع، لا على الهوى والابتداع، وإن كان مراده الإقسام على الله بحق فلان، فذلك محذور أيضاً؛ لأن الإقسام بالمخلوق على المخلوق لا يجوز، فكيف على الخالق؟ وقد قال ﷺ : " من حلف بغير الله فقد أشرك "، ولهذا قال أبو حنيفة وصاحباه ﵃: يكره أن يقول الداعي: أسألك بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام، والمشعر الحرام، ونحو ذلك". انتهى كلامه ﵀. وينظر: الاقتضاء ص٧٨٥،٧٨٦، الصواعق المرسلة الشهابية ص١٥٥-٢٨٠، تصحيح الدعاء ص٢٥٧-٢٥٩، وينظر كلام البركوي الحنفي الذي سيتم نقله إن شاء الله تعالى في نهاية الكلام على هذه البدعة "التوسل البدعي".стр. 488
وليس للذين أجازوا التوسلات البدعية دليل صحيح يعتمد عليه، وقد احتجوا ببعض الأحاديث والآثار التي فيها الحث على التوسل بجاه النبي ﷺ أو بجاه غيره من الأنبياء، ولكنها كلها موضوعة أو واهية"١"، لا يعتمد عليها، كما احتجوا بحديث أبي سعيد، والذي فيه التوسل إلى الله تعالى بحق السائلين، وبحق المشي إلى المسجد"٢"، وهو حديث ضعيف، وعلى
الحواشي
(١) "١" ومن ذلك حديث: " إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي، فإن جاهي عند الله عظيم " وهو حديث موضوع لم يرد في شيء من كتب المسلمين التي يعتمد عليها في رواية الحديث، وأحاديث أخرى وآثار واهية أو موضوعة. ينظر: مجموع الفتاوى ١/٢٥٢-٢٦٤، ٢٨٧،٣١٩، الاقتضاء ص٧٩٢، الشرك ومظاهره للميلي الجزائري ص٢٠٨-٢١٦، التوسل للألباني ص١٠٨-١٤٤، التوصل إلى حقيقة التوسل ص٢٤٦-٣٣١، الدعاء للعروسي السوداني، الباب الرابع الفصل الثاني.
"٢" رواه الإمام أحمد ٣/٢١، وابن ماجه "٧٧٨"، وابن السني "٨٥" وغيرهم، كلهم من طريق عطية العوفي عن أبي سعيد. وإسناده ضعيف، قال في التقريب عن عطية: "صدوق يخطئ كثيراً، وكان شيعياً مدلساً"، وكان يدلس تدليس الشيوخ، فيقول:"عن أبي سعيد"ليوهم الناس أنه سمعه من أبي سعيد الخدري، وهو إنما سمعه من الكلبي المتهم بالكذب، ينظر: تهذيب التهذيب ٧/٢٢٥،٢٢٦. ولم يصرح عطية بالتحديث إلا في رواية موقوفة، والراوي عنه فضيل بن مرزوق، وهو صدوق يهم، وقد شك في بعض الروايات في رفع الحديث، وهذا كله يوهن هذا الإسناد. وقد ضعف هذا الحديث النووي في الأذكار "٨٥"، والألباني في الضعيفة "٢٤".стр. 489
فرض صحته فإن حق السائلين هو الإجابة من الله تعالى"١"، وحق المشي إلى المسجد هو الإثابة من الله تعالى"٢"، والإجابة والإثابة صفتان من صفات الله تعالى، "٣" والتوسل إلى الله بصفاته من التوسل المشروع كما سبق بيانه.
كما احتجوا ببعض الأحاديث الصحيحة، ولكنها غير صريحة فيما ذهبوا إليه من جواز التوسل الممنوع"٤".
الحواشي
(١) وله شاهد لا يفرح به من حديث بلال، رواه ابن السني "٨٤"، وإسناده ضعيف جداً، قال النووي في الأذكار "٨٤":"أحد رواته الوازع بن نافع، وهو متفق على ضعفه، وأنه منكر الحديث".
"١" كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [سورة غافر: ٦٠] ، فهو حق وعد الله تعالى به عباده. وينظر: مجموع الفتاوى ١/٣٤١.
"٢" وهذا مقتضى عدله جل وعلا، وقد وعد من عبده وأخلص في عبادته أن لا يعذبه، كما في حديث معاذ في صحيح البخاري "٥٩٦٧"، وصحيح مسلم "٣٠"، وسبق ذكر لفظه قريباً ضمن كلام ابن أبي العز الحنفي.
"٣" ينظر: مجموع الفتاوى ١/٢٠٩، ٢٨٨، ٣٣٩، ٣٤١، و٢٧/٨٤، الاقتضاء ص٧٩٦، ٧٩٧، صيانة الإنسان للسهسواني الهندي ص١٩٥، الشرك للميلي الجزائري ص٢٠٦،٢٠٧، التوسل للألباني ص١٠٩.
"٤" ومن ذلك حديث عثمان بن حنيف ﵁ أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني. فقال:" إن شئت صبرت وهو خير لك، وإن شئت دعوت "، فقال: ادعه. فأمره النبي ﷺ أن يتوضأ فيحسن الوضوء، ويصلي ركعتين، ويدعوстр. 490
......................................................................
الحواشي
(١) بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بمحمد نبي الرحمة، يا محمد إني قد توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم فشفعه في وشفعني فيه. رواه الإمام أحمد ٤/١٣٨، والترمذي "٣٥٧٨"، وابن ماجه "١٣٨٥"، والطبراني في الدعاء "١٠٥١" وغيرهم، وقد اختلف أهل العلم في تصحيحه، وقد توسعت في تخريجه في كتاب"أوقات النهي"ص٢٤٦،٢٤٧.
ورواه الطبراني في الكبير "٨٣١١"، وفي الصغير ١/١٨٣، وابن السني "٦٢٨" من طريق آخر، وفي أوله قصة لرجل مع عثمان بن عفان وعثمان بن حنيف. وإسناد هذه الرواية ضعيف. وقد توسع في الكلام عليها محدث الشام محمد ناصر الدين الألباني في رسالة التوسل ص٩٢-٩٩، والشيخ محمد نسيب الرفاعي الحلبي في التوصل ص٢٤١-٢٤٥، وبيّنا علل هذه الرواية وعلى القول بصحة الرواية الأولى لهذا الحديث فإنه لا دلالة فيه على التوسل الممنوع، لأمور أهمها:
١- أن النبي ﷺ وعده أن يدعو له – أي يشفع له عند الله تعالى – والنبي ﷺ لا يخلف وعده.
٢- أن في الدعاء الذي علم النبي ﷺ الأعمى أن يدعو به: "اللهم فشفعه في " أي شفع نبيك محمداً ﷺ فيّ، والشفاعة عند الله هي الدعاء، فيكون المعنى: اقبل دعاءه فيّ أن ترد عليّ بصري.
٣- أن في هذا الدعاء أيضاً قوله: " وشفعني فيه " أي اقبل دعائي في أن تقبل دعاء النبي ﷺ لي.
وهذه الأمور الثلاثة تدل على أن الأعمى إنما توسل إلى الله تعالى بدعاء النبي ﷺ ،стр. 491
بل إن أصح الأحاديث التي احتجوا بها يدل على تحريم هذا النوع من التوسل، وهو توسل عمر والصحابة بالعباس ﵃"١".
الحواشي
(١) وأنه لم يتوسل إليه لا بذاته ولا بحقه ولا بجاهه ﷺ .
قال علامة الجزائر الشيخ مبارك الميلي في الشرك ص٢٠٥ عند كلامه على هذا الحديث:"والتوجه بالنبي ﷺ معناه التوجه بدعائه، دل على هذا المحذوف اختيار الأعمى لدعاء الرسول ﷺ بعد تخييره له بينه وبين الصبر، وأمره للأعمى بالدعاء بعد دعائه ﷺ ، نظير ما أخرجه مسلم وغيره من قوله ﷺ لمن سأله مرافقته في الجنة: " أعنّي على نفسك بكثرة السجود ". فنصح لهم بعبادتي: الصلاة والدعاء، لمناسبتهما للمطلوب". وينظر أيضاً: التوسل والوسيلة "مجموع الفتاوى ١/٢٦٥-٢٨٥،٣٢٣-٣٢٦"، الاقتضاء ص٧٩٢، السنن والمبتدعات للشقيري المصري: صلاة الحاجة ص١٢٥،١٢٦، صيانة الإنسان للسهسواني الهندي ص١٩٥، التوسل للألباني ص٧٥-٨٣، التوصل للرفاعي الحلبي ص٢٣٦-٢٤٠.
"١" سبق تخريج هذا الحديث وذكر لفظه عند ذكر التوسل المشروع.
وهذا الحديث يدل على عدم مشروعية هذا التوسل، لأنه لو كان جائزاً لما عدل عمر عن التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلمإلى جاه العباس ﵁؛ لأن جاه النبي ﷺ أعظم؛ ولأن جاهه ﷺ لا ينقص بعد موته، وقد نص عمر في دعائه على العدول عن التوسل بالفاضل إلى المفضول، فدل قطعاً على أن التوسل بالفاضل– وهو النبي ﷺ – بعد وفاته غير ممكن، لا بدعائه، لوفاته ﷺ ، ولا بذاته أو حقه أو جاهه، لتحريمها، ومن ظن أن جاه النبي ﷺ ومكانته وقدره قد نقص بعد وفاته ﷺ ، وأن عمر والصحابة إنما عدلوا إلى العباس من أجل ذلك، فقد أخطأ خطأ فاحشاً، يجب عليه أن يتوب منه.стр. 492
.....................................................................
الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في التوسل والوسيلة "مجموع الفتاوى ١/٢٨٤،٢٨٥" بعد ذكره لدعاء عمر المذكور في هذا الحديث والذي أقره عليه المهاجرون والأنصار، قال:"وهذا دعاء أقره عليه جميع الصحابة، ولم ينكره أحد مع شهرته، وهو من أظهر الإجماعات الإقرارية، ودعا بمثله معاوية بن أبي سفيان في خلافته لما استسقى بالناس، فلو كان توسلهم بالنبي ﷺ بعد مماته كتوسلهم به في حياته لقالوا: كيف نتوسل بمثل العباس ويزيد بن الأسود ونعدل عن التوسل بالنبي ﷺ الذي هو أفضل الخلائق وهو أفضل الوسائل وأعظمها عند الله؟ فلما لم يقل ذلك أحد منهم، وقد علم أنهم في حياته إنما توسلوا بدعائه وشفاعته، وبعد مماته توسلوا بدعاء غيره وشفاعة غيره علم أن المشروع عندهم التوسل بدعاء المتوسل به، لا بذاته".
وقال ابن أبي العز الحنفي عند ذكره لأنواع التوسل في شرح الطحاوية ص٢٩٨: "وتارة يقول: بجاه فلان عندك، أو يقول: نتوسل إليك بأنبيائك ورسلك وأوليائك، ومراده: لأن فلاناً عندك ذو وجاهة وشرف ومنزلة، فأجب دعاءنا، وهذا أيضاً محذور، فإنه لو كان هذا هو التوسل الذي كان الصحابة يفعلونه في حياة النبي ﷺ لفعلوه بعد موته، وإنما كانوا يتوسلون في حياته بدعائه، يطلبون منه أن يدعو لهم، وهم يؤمنون على دعائه، كما في الاستسقاء وغيره، فلما مات ﷺ ، قال عمر – ﵁ – لما خرجوا يستسقون-: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا. معناه بدعائه هو ربه وشفاعته وسؤاله، ليس المراد أنا نقسم عليك به، أو نسألك بجاهه عندك، إذ لو كان ذلك مراداً لكان جاه النبي ﷺ أعظم وأعظم من جاه العباس".стр. 493
ولما أعرض كثير من المسلمين عن التوسلات الشرعية التي سنها النبي ﷺ
الحواشي
(١) وقال السهسواني الهندي في صيانة الإنسان ص٢١٣:"ولم يرد في حديث ضعيف، فضلاً عن الحسن أو الصحيح أن الناس طلبوا السقيا من الله في حياته - أي في حياة النبي ﷺ متوسلين به ﷺ من غير أن يفعل ﷺ ما يفعل في الاستسقاء المشروع من طلب السقيا والدعاء والصلاة وغيرهما مما ثبت بالأحاديث الصحيحة، ومن يدعي وروده فعليه الإثبات» .
ومما يدل على أن الصحابة في توسلهم بالنبي ﷺ الذي أشار إليه عمر في هذه الرواية إنما هو التوسل بدعائه ﷺ : رواية الإسماعيلي في مستخرجه على الصحيح لهذا الحديث، ولفظها:"كانوا إذا قحطوا على عهد النبي ﷺ استسقوا به، فيستسقي لهم، فيسقون، فلما كان في إمارة عمر ..."فقوله في هذه الرواية:"فيستسقي لهم"صريح في أنه ﷺ كان يدعو لهم، فالاستسقاء هو الدعاء بأن يسقيهم الله تعالى.
ومما يدل أيضاً على أنهم إنما توسلوا بدعاء العباس ﵁ أنه قد روى الزبير بن بكار صفة استسقاء العباس ﵁ لما طلب منه عمر ذلك، وهو أن العباس – ﵁ – قال:"اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث".
ينظر: فتح الباري لابن حجر ٢/٤٩٥، ٤٩٧، وينظر: الاستغاثة ص٥٣٧، ومجموع الفتاوى ١/٢٠١،٢٠٢،٣١٤-٣١٩، و٢٧/٨٥،٨٦، الاقتضاء ص٧٩٣، صيانة الإنسان للسهسواني الهندي ص٢٠٢،٢١٣، الشرك ومظاهره للميلي الجزائري ص٢٠٥،٢٠٦، التوسل للألباني ص٥٥-٧٤، التوصل إلى حقيقة التوسل للرفاعي الحلبي ص١٧٣-١٧٧، ٢٦١-٢٦٦.стр. 494
وقدموا عليها التوسلات البدعية، فدعوا الله تعالى بما لم يشرعه من التوسل المحرم، وكان بعضهم يذهب إلى القبر ويتوسل إلى الله بجاه أو بذات صاحب القبر، أدى ذلك بكثير منهم وكثير ممن قلدهم واغتر بفعلهم إلى الوقوع في التوسل الشركي"١"، المخرج من الملة، فأصبحوا يدعون الأموات مباشرة، ويطلبون منهم جلب الخير ودفع الضر، أو يطلبون منهم أن يشفعوا لهم عند الله تعالى"٢".
الحواشي
(١) "١" وتسمية هذا النوع توسلاً إنما أطلقها بعض المتأخرين، وإلا فهو في حقيقته استغاثة بالميت. ينظر: مجموع الفتاوى ١/١٤٣، وقال الشيخ شمس الدين الأفغاني في جهود الحنفية ص١٤٨٤:"توسل القبورية نوعان: الأول: ما فيه خطاب للميت وطلب منه، فهذا وأمثاله ليس من التوسل بالميت لغة، بل هو استغاثة بالميت وطلب منه، وهو إشراك صريح بالله تعالى"انتهى بحروفه مختصراً. وينظر المرجع نفسه ص١٤٧٩-١٤٨٣، والدعاء للعروسي ص٦٢٩.
"٢" قال البركوي الحنفي المتوفى سنة "٩٨١هـ" في زيارة القبور ص٤٧، ٤٨:"والمقصود أن الشيطان يلطف كيده للإنسان بتحسين الدعاء له عند القبر وجعله أرجح منه في بيته ومسجده وأوقات الأسحار. فإذا قرر ذلك عنده نقله درجة أخرى من الدعاء عنده إلى الدعاء بصاحب القبر والإقسام على الله تعالى به، وهذا أعظم من الذي قبله، فإن شأنه تعالى أعظم من أن يقسم عليه أو يسأل بأحد من خلقه ... فإذا قرر الشيطان عنده أن الإقسام على الله تعالى به، والدعاء به أبلغ في تعظيمه واحترامه، وأنجح في قضاء حاجته نقله درجة أخرى إلى دعائه نفسه من دون الله تعالى والنذر له".стр. 495
ولذلك كله ينبغي للمسلم البعد عن هذه التوسلات البدعية التي لم ترد أدلة صحيحة صريحة تدل عليها، والتي أعرض عنها جميع الصحابة والتابعين، وجزم بتحريمها جماهير السلف والخلف، وأقل أحوالها عند من يسهل في أمرها أنها من المشتبهات، ومن ابتعد عن الشبهات فقد استبرأ لدينه، كما أخبر النبي ﷺ ، والمسلم يقدم عليها الأدعية الكثيرة الثابتة في كتاب الله تعالى وفي سنة الحبيب ﷺ ، وعن صحابته ﵃ – فلا يزاحم الأدعية النبوية بهذه التوسلات، ولا يقدمها عليها، بل السلامة – فضلاً عن رجاء الإجابة – في الإعراض عن هذه التوسلات.
ثم إنه قد ثبت في السنة أن هناك أسباباً أخرى كثيرة لإجابة الدعاء"١"، وثبت في القرآن والسنة أن هناك أسباباً كثيرة لمغفرة الذنوب، وأن يحصل للإنسان ما أهمه، فيحقق الله له ما يرجوه من مرغوب ويدفع عنه ما
الحواشي
(١) وينظر: إغاثة اللهفان ١/٢١٦،٢١٧، معارج الألباب للنعمي اليماني ص١٩٢-١٩٤، وقد سبق بيان الدعاء الشركي في المبحث الأول من هذا الفصل.
"١" ومن ذلك اختيار الأزمان والأماكن التي يستجاب فيها الدعاء، كثلث الليل الآخر، وآخر ساعة من يوم الجمعة، وحال السجود، وغيرها، ومن ذلك فعل ما هو سبب لإجابة الدعاء، كالمكسب الحلال، والبعد عن المكسب الحرام. ينظر في تفصيل هذه الأسباب: كتاب الدعاء للطبراني، والدعوات للبيهقي، والترغيب للمنذري: الذكر والدعاء، وتحفة الذاكرين للشوكاني، الباب الثاني.следующие страницы →