Полный текст (109 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
مقدمة
...
تسهيل المناسك
تأليف: عبد الكريم بن صنيتان العمري
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي شرع الحجَّ إلى بيته الحرام، وجعله أحد أركان الإسلام، ونهى الحاج عن ارتكاب المعاصي والمخالفات والآثام، والصلاة والسلام على سيد الأنام، أفضل من صلّى وصام، وأدى مناسك الحج على الكمال والتمام، وعلى آله وأصحابه الأخيار الكرام، ومن تبعهم بإحسانٍ ما تعاقبت الليالي والأيام.
أما بعد: فإنَّ الحج عبادة عظيمة الأجر والثواب، تجمع بين جهد البدن وإنفاق المال، ولذلك كان جزاؤها مغفرة الذنوب والسيئات، والتجاوز- من الله تعالى- عمّا سلف من التقصير والهفوات.
روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من حجّ لله فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه" متفق عليه.
стр. 2
وقد اعتنى العلماء الأخيار من سلف هذه الأمة في توضيح أحكامه، وجمعها وتدوينها في أمهات كتب الفقه، أو في مؤلفات مستقلة، عرفت بـ (كتب المناسك) .
وتوالت المؤلفات في سائر العصور، تبيّن مسائل هذا الركن العظيم، وتشرحها وتدعمها بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، ليكون المسلم على بصيرة وبيّنة من دينه، وهو يؤدي مناسك حجه.
وهذه رسالة مختصرة، أحببتُ أن أسهم فيها بإيراد أحكام الحج على سبيل الاختصار، وصياغتها بأسلوب سهلٍ ومبسّط، انتقيتها من كتب مناسك العلماء المتقدمين، وفضلائهم المعاصرين، وأسميتها: "تسهيل المناسك ".
стр. 3
ورتبت هذه الرسالة، على تمهيدٍ، وعشرة مباحث، وخاتمة.
التمهيد: في فضائل عشر ذي الحجة.
المبحث الأول: فرض الحج وخطر التهاون عن أدائه.
المبحث الثاني: فضله وعظيم ثوابه.
المبحث الثالث: تنبيهات وآداب.
المبحث الرابع: المواقيت الزمانية والمكانية.
المبحث الخامس: الإحرام ومحظوراته وأعمال العمرة.
المبحث السادس: أعمال الحج.
المبحث السابع: يوم عرفة.
المبحث الثامن: أعمال يوم النحر.
المبحث التاسع: أيام التشريق.
المبحث العاشر: ختام أعمال الحج.
خاتمة: زيارة المدينة النبوية.
стр. 4
والله أسأل أن يجعل فيه النفع والفائدة، ويكتب لي فيه الأجر، ويرزقنا- جميعاً- الإخلاص ني الأقوال والأعمال، ويوفقنا لكريم السجايا والخصال، ويهدينا طريق الفلاح والسعادة، وينير لنا سبيل الطاعة والعبادة، ويختم للجميع بالخاتمة الحسنة، إنه قريب سميع مجيب، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً.
وكتبه
أفقر العباد، إلى الملك الجواد
أبو وائل، عبد الكريم بن صنيتان العمري
غرة شهر ذي القعدة ١٤٢١ هـ
المدينة النبوية
стр. 5
تمهيد
فضائل عشر ذي الحجة
يقول الله تعالى في كتابه الكريم:
بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ١- ٣]
أقسم الله تعالى بهذه المخلوقات في مستهل هذه السورة،- ليؤكد المعنى، ويُثَبته في أفئدة السامعين، ونفوس المخاطبين، وذلك من أقوى الأساليب المستعملة عند العرب قي كلامهم.
فأقسم بالفجر، وهو الصُّبح، لأنه الوقتُ الذي ينفجر فيه النور، وينشق الضوء، إيذاناً بانتهاء الليل وانقضائه، وانتشار الناس وخروجهم لطلب الرزق، والسعي في كسب معايشهم، وتحصيل منافعهم.
ثم أقسم بالليالي العشر، وهي عشر ذي الحجة، والشّفع، وهو يوم النحر، والوتر: وهو يوم عرفة.
стр. 6
قائمين يذكرون الله تعالى، ينطرحون بين يديه، ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ١٩]
كان سعيد بن جبير- ﵀ إذا دخلت ليالي العشر، ضاعف من عبادته، واجتهد فيها اجتهاداً لا يكاد أحد أن يبلغه أو يأتي بمثله، وكان يقول: لا تطفئوا سُرُجَكم ليالي العشر؛ من شدة حرصه على العمل الصالح، وحثه لإخوانه على المسابقة إلى الطاعة.
ليالي العشر أوقات الإجابه ... فبادر رغبة، تلحق ثوابه
ألا لا وقتَ للعمال فيه ... ثواب الخير أقرب للإصابه
من أوقات الليالي العشر حقاً ... فشمر واطلبَنْ فيها الإنابة
إن عبادَ الله المخبتين، دائمو الصلة بربهم، لا يفترون من القيام، ولا يملون من الصلاة والصيام، لا يُقَوِّتون لحظة من الليالي والأيام، إلاَّ زرعوا فيها عملاً صالحاً، وأودعوا فيها خَصلةً نافعة، قد قويت
стр. 7
صلتهم بربهم، وتوثقت رابطُتهم بإلههم وسيّدهم، فهم لا يأنسون إلا بعبادته، ولا يتلذذون إلا بدعائه ومناجاته.
إن العمل الصالح في هذه العشر، عمل عظيم، ثوابه مضاعفٌ وجسيم؛ لأنه يشمل جميع العبادات، ففيها الحج والصيام والصدقات، بالإضافة إلى الصلوات المفروضة والنافلة والقيام.
قال الحافظ ابن كثير ﵀: ورد في الحديث أن هذه العشر، أفضل أيام السنة، وفضّله كثير من العلماء على عشر رمضان، لأن هذا يُشرع فيه ما يشرع في ذلك من صلاة وصيام وصدقة وغيرها، وتمتاز عشر ذي الحجة بأداء فرض الحج، وقيل: إن أيام عشر رمضان أفضل لاختصاصها بوجود ليلة القدر فيها.
وتوسَّط آخرون فقالوا: أيام عشر ذي الحجة أفضل، وليالي عشر رمضان أفضل، ولعل هذا هو
стр. 8
الأقرب، والله تعالى أعلم.
ويقول الحافظ ابن حجر- ﵀: وإنما كانت أيام هذه العشر أفضل، وامتازت على غيرها لاجتماع أمهات العبادة فيها، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا تجتمع هذه العبادات مع بعضها إلا في هذه الأيام. انتهى كلامه ﵀.
ومما ينبغي التنبيه له، أن كل من أراد أن يضحي، فعليه أن لا يقص شيئاً من شعره، ولا يقلم أظفاره عند دخول شهر ذي الحجة لقوله ﷺ : "إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضخوا، فليمسك عن شعره وأظفاره حتى يضحي" رواه مسلم.
فاغتنم- أيها الأخ الفاضل- هذه الأوقات الفاضلة، واجتهد فيها، وضاعف من أعمالك الصالحة، فإلى متى وأنت في سهو وغفلة، وحتى متى ومواسم الخير تمر عليك، وأنت تلهو وتجري وراء ملذات هذه الحياة، وتلهث وتُرهق جسمك في جمع
стр. 9
روى جابر ﵁، عن النبي ﷺ قال:
" ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ قال: إنَّ العشرَ عشر الأضحى، والوتر يومُ عرفة، والشفعَ يومُ النحر" رواه أحمد، والحاكم وصححه.
وروى الإمام الطبري بإسناده، عن أبن عباس ﵄ قال: " إنّ الليالي العشرَ التي أقسمَ اللهُ بها، هي ليالي العشرِ الأول من ذي الحجة".
وقال الضحاك: أقسم اللهُ بهن لما يعلم من فضلهن على سائر الأيام.
وقد بين لنبي ﷺ ما يناله المؤمنُ من الأجر العظيم، والثواب الجزيل من الله تعالى، حين يضاعف أعماله في هذه العشر، ويتقرب إلى ربه بالصالحات، وفعل الخيرات، ولبعد عن المعاصي والمخالفات، احتساباً للأجر عند الله تعالى، وطلباً لمغفرته ورضوانه وعفوه، ففي صحيح البخاري، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ما من أيام
стр. 10
العمل الصالح فيهن أحبُّ إلى الله تعالى من هذه العشر،- أي عشر ذي الحجة- قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله، قال ﵊: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله، ولم يرجع من ذلك بشيء".
فقد دل هذا الحديث على أن الأعمال الصالحات، وفِعْلَ الطاعات، وطلب َالأجر وزيادة الحسنات، والاجتهاد في هذه الأيام أحبُّ إلى الله تعالى من العمل في جميع أيام السنة دون استثناء، وإذا كان أحبَّ إلى الله تعالى، فهر أفضلُ عنده.
قال الحافظ ابن رجب ﵀: وإذا كان العمل في أيام العشر، أفضل وأحب إلى الله تعالى من العمل في غيره من أيام السنة كلها، صار العمل في هذه العشر- وإن كان مفضولاً- أفضل من العمل في غيرها وإن كان فاضلاً، ولهذا، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل
стр. 11
الله، ثم استثنى جهاداً واحداً، هو أفضل الجهاد، فإنه ﷺ ، سئل أيُّ الجهاد أفضل؟، قال: "من عُقر جوادُه، وأُهريق دمه، وصاحبُه أفضل الناس درجةً عند الله ... ". رواه أحمد.
وسمع ﵊ رجلاً يقول: اللهم أعطني أفضل ما تعطي عبادك الصالحين، فقال: "إذن يعقر جوادك وتستشهد". رواه أحمد.
فهذا الجهاد بخصوصه، يفْضُلُ على العمل في عشر ذي الحجة.
قال الإمام الأوزاعي ﵀: بلغني أنَّ العمل في اليوم من أيام العشر، كقدر غزوة في سبيل الله، يصام نهارُها، ويُحرس ليلُها، إلا أن يحُتَّص امرؤ بشهادة.
لقد كالن السلف الصالح- ﵏ يخصون ليالي العشر بمزيد من العبادة، فيضاعفون من قيامهم لربهم تلك الليالي، يهجرون مضاجعهم، وينتصبون
стр. 12
حطامها، وتغفُلُ عن اغتنام فرصِ الأعمالِ الصالحات، التي تَسنح لك بين الحين والآخر، تنبّه لذلك، وقدّم صالحاً؛ تنجُ وتفُرْ به عند خالقك يوم العرض عليه.
стр. 13
فضل الحج وعظيم ثوابه
كلُّ مسلمٍ يتوق إلى الحج، ويشتاق إلى مكة ومشاعرها، والباعثُ له على الشوق إليها، هو الفهم والتحقق بأن البيت الذي يقصدُه هو الذي جَعَله الله تعالى مثابةً للعالمين، وأمناً للخائفين، ومأوى للمذنبين والمقصّرين، يطلبون عنده العفو والمغفرة من رب العالمين، فهو يجذبُ قلوب المسلمين، يتعاقبون عليه من جميع البلدان، ويفدون إليه من كل مكان، أمر خليله إبراهيم ﵊ بتطهيره للعابدين، وشرفه بإضافته إلى نفسه فقال وهو أصدق القائلين: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج: ٢٦] ، وكفاه ذلك شرفاً وفخراً.
فقاصدُ البيتِ العتيق قاصدٌ إلى الله تعالى، والوصولِ إليه تعالى بالعمل بالطاعات، والإقبال عليه في شتى الحالات، والتجردِ عن سائر المخلوقات،
стр. 14
والتوبة من كل الذنوب والسيئات، وهجر جميع المخالفات.
والمسلمُ كلّما ذكر ذنبه، جدد توبته، فهو دائم الأسف على ذنوبه، كثير الندم على تفريطه.
وحجُّ بيت الله الحرام من أعظم الأعمال التي تمحو الذنوب والسيئات، وتغسل الآثام الناتجة عن التقصير وكثرة الهفوات.
لكن ذلك لن يحصل ولن يتم إلا بأداء الحج على الوجه الصحيح، والنهج السليم الذي رسمه لنا رسول الله ﷺ ، باقتفاء أثره، والاقتداء به في سائر أعماله، ومنها حجّه لبيت الله العتيق.
وقد قال ﵊ وهو يؤدي مناسك حجه، وينتقل من عمل إلى آخر: " لتأخذوا عني مناسككم "رواه مسلم.
فهو إن تابع رسوله ﵊ في كل أعماله، وتجنّب ما يسخط الله ﷻ ، والتزم
стр. 15
بآداب الحج، فلم يؤذِ أحداٌ ولم يضيق عليه، وكفّ جوارحه عن العبث، وحفظها من أن تمتد إلى محرم، أو تكون سبباً في إيذاء أخيه الحاج، فَيرْجَى أن يكون من المقبولين، وأن يُكْتَبَ له الأجر العظيم.
وقد تضافرت النصوص الشرعية، التي بيّنت فضل الحج، وأظهرت مكانة هذه الشعيرة، وما يناله الحاج من الأجر الجزيل، والثواب الكبير عند الله تعالى.
قال جل وعز: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ *لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٧-٢٨] .
قال الطبري في تفسيره، قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ أي: منافع من العمل الذي يرضي الله تعالى، ومن التجارة، وذلك أن الله تعالى عمّ لهم
стр. 16
منافع جميع ما يشهد له الموسم، ولم يخصص من ذلك شيئاً من منافعهم.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، قال: سُئِلَ رسول الله ﷺ ، أي العمل أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهادُ في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حجٌ مبرور".
وقال ﵊: " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة " متفق عليه.
ومعنى قوله: " ليس له جزاءٌ إلا الجنة ": أي: لا يقتصر فيه على تكفير بعض الذنوب، بل يبلغ به إلى الجنة.
والحج المبرور: هو الذي لا يخالطه إثم، وقيل: المتَقَبَّل، وقيل: الذي لا رياء فيه ولا سمعة، ولا رفث ولا فسوق.
وقال بعضهم: هو الذي لا معصية بعده.
стр. 17
قال الحسن البصري ﵀: الحج المبرور: أن ترجع زاهداً ني الدنيا، راغباً في الآخرة.
وقال أبو الشعثاء: نظرت في أعمال البر، فإذا الصلاة تَجْهَدُ البدنَ، والصوم كذلك، والصدقة تجهدُ المال، والحج يَجهدُهما، فرأيته أفضلَ العبادات.
وروى أبو هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله يقول: " من حج لله فلم يرفُث ولم يفسُق رَجَعَ كيوم ولدته أمه" متفق عديه.
ومغفرة الذنوب بالحج، ودخولُ الجنة به، مُرَتَّبٌ على كون الحج مبروراً.
قال الحافظ ابن رجب ﵀: وإنما يكون مبروراً باجتماع أمرين فيه:
الأول: الإتيانُ بأعمال البر، وذلك يشمل الإحسان إلى الناس، وقد روُي عنه ﵊ أنه سئل: ما برُّ الحج يا رسول الله؟ قال: "إطعامُ الطعام وإفشاءُ السلام ". رواه أحمد.
كما يشملُ فعل الطاعاتِ كلها، من ذكر الله
стр. 18
تعالى، والتلبية، والدعاء، وإراقة دماء الهدي، ونحو ذلك.
الثاني: ما يكملُ به برُّ الحج: اجتنابُ فعل الآثام من الرفث والفسوق والجدال والمعاصي، قال اللة تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] .
والرفث: هو الجماع. كما قاله ابن عباس، وابن عمر ﵃.
وقال بعضهم: هو اسم لكل لهو، وخَنىً وفجورٍ، وزور ومُجون.
والفسوقُ: هو المعاصي.
وأما الجدال: فهو المِرَاءُ والملاحاةُ حتى تُغضبَ صاحبَك وأخاك. قاله ابن عباس، وقال ابن عمر: هو السباب والمنازعة القبيحة.
ومما وَرَدَ في فضل الحج وعظيم أجره، ما رواه عمرو بن العاص ﵁، قال: "لما جعل الله
стр. 19
الإسلام في قلبي، أتيتُ رسول الله ﷺ ، فقلت: أبسُط يدَك لأبايعَك، قال: فبسط يمينه فقبضتُ يدي، فقال رسول الله ﷺ : مالك يا عمرو؟ قال: فقلت: أشترط، قال: تشترط ماذا؟ قلت: أن يُغفر لي، فقال ﵊: يا عمرو: أما علمتَ أن الإسلام يهدم ما قبله، وأنّ الهجرة تهدم ما قبلها، وأن الحجّ يهدم ما قبله "رواه مسلم.
وروى ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة " رواه أحمد والترمذي. والأحاديث الواردة في فضل الحج وثوابه كثيرة، وهي تبشّر كل من حج، والتزم بآداب الحج، وأتى به على الوجه الأكمل، تبشّره بالخير العظيم، والأجر الكريم، والثواب العميم، فالحاج عند قصد مكة
стр. 20
للحج، هَجَرَ الدنيا وشواغلها،- وتركها وراء ظهره ونسيها، واتجه إلى ربه يطلب عفوه ومغفرته، ووقفَ في- المشاعر متضرعاً إلى الله تعالى أن يتجاوز عنه، ويعتقه من النار، فاستجاب له.
وهو عند خروجه للحج، إنما يؤدي شكرَ نعمة الله تعالى عليه، حيث أفاضَ عليه من المال، ومتّعه بنعمة الصحة والعافية، وهما من أعظم آلاء الله تعالى، التي يتمتع بها الإنسان في هذه الدنيا، ففي الحج شكر لهاتين النعمتين العظيمتين، فهو يجهدُ نفسه، وينفق أمواله في سبيل الله تعالى، ويتقربُ إليه، فعندما عرف الله تعالى منه حسن النية، وسلامة المقصد، وصدق اللهجة، وصحة العبادة، كافأه على ذلك بالمغفرة والتجاوز عن الذنوب، واستجاب دعاءه، وأعانه حتى أدى مناسك حجه.
стр. 21
فرض الحج وخطر التهاون عن أدائه
خلق الله تعالى النفوس لعبادته، فإذا عرفت ذلك اجتهدت في أداء ما خُلقت له، وواظبت عليه، واستزادت منه. وارتاحت لعمله، ولكن من طبيعة هذه النفوس الفتور والملل، والخمول والكسل، والشيطان يعمل جاهداً لتثبيطها، ويحرص على غوايتها وتضليلها، فتضعف عن أداء الواجبات، وتسأم من القيام بأعمال الطاعات.
والله تعالى لطيف بعباده، ورحيم بهم، يشرع لهم من العبادات ما يقوي عزائمهم، ومن المواسم ما يُنشّطُ نفوسهم، ويشحذُ عزائمهم وهممهم، فجعل لهم مواسمَ للعبادة وفضّلها، وخصّ بعض البلاد والأمكنة بفضائل ومزايا، فاختار من بقاع الأرض مكة، والمدينة، وجعل لهما خصائص امتازتا بها عن غيرهما من الأماكن.
ومن أعظم الخصائص التي انفردت بها مكةُ عما
стр. 22
سواها، أن جعل الله تعالى فيها الكعبة مهوى أفئدةِ المسلمين، وقبلة المصلين، وفرضَ على عباده إحياء البيت الحرام بالحج، يجتمعون كل عام في مكة والمشاعر، لأداء هذه الفريضة.
وليس الحج من الشعائر الخاصة بهذه الأمة، بل يرجع تاريخ الحج إلى عهد نبي الله وخليله إبراهيم ﵇، فهو أول من بنى البيت على التحقيق، وأول من طاف به مع ولده إسماعيل ﵉، وهما اللذان سألا ربهما أن يريهما أعمال الحج ومناسكه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧- ١٢٨] .
فالله تعالى قد تعبّد ذرية إسماعيل بهذه المناسك، وبقيت في العرب إلى ظهور الإسلام.
стр. 23
وحجُّ بيت الله الحرام هو الركن الخامسُ من أركان الإسلام، وهو فرضُ عين على كل مكلّف مستطيع. قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] .
فهذه الآية نصٌّ في إثبات الفرضية، حيث جاء التعبير القرآني بصيغة الإيجاب والإلزام ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ ، ومن تأمّل في الآية، وجد أنها أكدت تلك الفرضية، حيث قال جل شأنه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ .
فقد جعل مقابل الفرض الكفر، فدل هذا على أنَّ المسلمَ لا يترك هذا الواجب وهو قادرٌ عليه، وقد تظافرت النصوص الدالةُ على فرضية الحج، وكثرت حتى بلغت مبلغَ التواتر الذي يفيد اليقين، والعلم القطعيّ الجازم بثبوت هذه الفريضة.
فمنها الآية السابقة، وكذا قوله جل وعزّ:
стр. 24
﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ . [البقرة: ١٩٦] .
وقوله تعالى مخاطباً خليله إبراهيم ﵇: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ... ﴾ [الحج: ٢٧-٢٨] .
روى الطبري بإسناده عن ابن عباس ﵄ قال: لما فَرَغَ إبراهيم من بناء البيت العتيق، قيل له: أَذِّنْ في الناس بالحج، قال: ربّ وما يبلغُ صوتي؟ قال: أَذِّنْ وعليَّ البلاغ، فقامَ إبراهيم خليل الله على الحجر، فنادى: يا أيها الناس، كُتِبَ عليكم الحج، فحجوا، فأسْمَعَ مَن في أصلاب الرجال، وأرحام النساء، فأجابَه من آمن، ممن سَبَقَ في علمِ اللهِ أن يحجَّ إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك.
وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "بُنيَ الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن
стр. 25
محمداً رسول الله، وإقامِ الصلاة، وإيتاءِ الزكاة، وصيامِ رمان، وحجِّ بيت الله الحرام".
وإنما يجب الحج مرةً واحدةً في عمر المسلم، إذا كان مستطيعاً قادراً عليه، وهذا من رحمة الله وتيسيره على عباده.
وخطب رسول الله ﷺ في أصحابه يوماً فقال: "يا أيها الناس قد فُرِضَ عليكم الحج فحجوا، فقام رجل فقال: أكُلَّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله ﷺ : لو قلتُ: نعم لوجبت ولا ما استطعتم، الحج مرة فمن زاد فهو تطوّع، ثم قال: ذروني ما تركتكم، فإنما هَلَك من كان قبلكم بكثرة سؤالهِم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه" رواه مسلم.
ويجبُ على المستطيع أن يبادر إلى أداء الحج، قبل أن يعرضَ له شيءٌ يحول بينه وبين القيامِ بهذه الفريضة، فقد
стр. 26
روى أحمد في مسنده عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "تعجلوا إلى الحج- يعني الفريضة- فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له".
وفي هذا حثٌّ على الإسراع في الذهاب إلى الحج خشية أن يطرأ له طارئ، أو يموت قبل أدائه.
فإذا أخّر الشخص الحجَّ بعد توفر كافة الشروط فيه، وكان مستطيعاً قادراً يملك من المالى والنفقة ما يوصله إلى مكة وسائر المشاعر ويعيدُه إلى بلده، ففرّط في الذهاب أو سوَّف وتكاسل فإنه على خطر عظيم، وهو عاصي لله تعالى؛ إذ لم يلبّ نداء ربه، ولم يمتثل أمر رسوله ﵊.
وقد حذّر ﵊ من ذلك أشدّ التحذير، وبيّن عقوبة المتهاون في أداء الحج بعد استطاعته، فعن أبي أمامة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من لم يمنعه من الحج حاجة، أو مرضٌ حابس، أو سلطان جائر، فليمت إن شاء
стр. 27
يهودياً وإن شاء نصرانياً ". رواه الدارمي والدارقطني.
وعن عمر ﵁ قال: "لقد هممتُ أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار، فينظروا كلَّ من كانت له جِدَةٌ ولم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين ". رواه البيهقى.
وقال علي ﵁: "من ملك زاداً وراحلة تبلّغه إلى بيت الله، ولم يحج، فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ رواه الترمذي.
فأوضح هنا أن فعل المتخلّف عن الحج بلا عذر أشبه بفعل اليهود والنصارى، فإن نص الآية: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ، فأفادت أن ترك الحج ليس من شأن المسلم.
فدل ذلك كلّه على عِظَمِ ذنبِ المتهاون، المعرض عن أداء هذا الركن الواجب عليه، وأنه بتأجيله له،
стр. 28
وتهاونه به، مد وضَعَ نفسَه على شفا الهاويه، فإنه لا يأمن أن يوسوس له الشيطان، فينقلبُ ذلك التهاون إلى استباحة ترك فريضةٍ من فرائض الله، وركنٍ من أركان الإسلام، أو عدم المبالاة بها.
فعلى كل مسلمٍ بالغ مستطيع للحج أن يبادرَ إلى أداء الفريضة الواجبة عليه، قبل أن يعرض له أمر يمنعه من الحج: من مرض أو حاجة أو نحوهما، لاسيما وأن الحجَّ في هذا الزمان أصبح سهلاً ميسراً، فالطرق مُسهّلة، والمشاعرُ مهيئة لأداء هذه الشعيرة العظيمة، فقد وفرت حكومة هذه البلاد- جزاها الله خيراً- كلّ ما يحتاجه الحاج، وقدّمت وتقدّم سائر الخدمات والتسهيلات لضيوف الرحمن. تقبل الله من الجميع حجهم، وغفر لنا ولهم
стр. 29
تنبيهات وآداب
إذا عزم المسلم على الذهاب إلى الحج فإن هناك أموراً مهمة ينبغي عليه معرفتها والإلمام بها، فمنها:
الإخلاص:
على الحاج أن يقصد بحجه وعمرته الأجر والثوابَ من الله تعالى، والتقربَ إليه بما يرضيه من الأقوال والأفعال، ولْيحذر من الرياء والسمعة والمفاخرة، فإن ذلك من أقبح المقاصد، ومن أعظم ما يحبط العمل، ويؤدي إلى رَدِّه.
قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ* أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . [هود:١٥-١٦] .
فالإخلاص شرطٌ في جميع العبادات، فمن أتى بعبادةٍ، والباعث عليها غرضٌ دنيوي بحيث لو فُقِدَ
стр. 30
لتركها فليست بعبادة، وإنما هي معصية موبقة لصاحبها.
الاستخارة:
وهي أن يستخير الله تعالى في ذهابه للحج هذا العام، وصفةُ صلاة الاستخارة أن يصلي ركعتين من غير الفريضة بنية الاستخارة، ثم يذكر الأمر ويدعو بعدها، لحديث جابر ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ يُعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، ويقول:
"إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ لِيَقُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلاَ أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلاَ أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ
стр. 31
أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ أَرْضِنِي قَالَ: وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ "
والاستخارة إنما تكون في الأمور التي لا يدري العبد وجه الصواب فيها، أما ما هو معروف خيره كالعبادات، أو معروف شره كالمعاصي والمنكرات، فلا يستخار فيه، وفي الحج يستخير لمناسبة الوقت والرفقة.
التوبة:
إذا عزم على الحج واستقر على الذهاب، وجب عليه المبادرة إلى التوبة النصوح من جميع الذنوب والمعاصي التي اقترفها وارتكبها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً﴾ [التحريم:٨] .
وقال جل شأنه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [ٍالنور: ٣١] .
стр. 32
فالتوبة هي: الرجوع عن معصية الله، والإقلاع عن السيئات، والاستمرار على الطاعات.
والتوبة النصوح لابد أن تكونَ خالصةً لله ، وأن يكون الباعثُ لها حبَّ الله وتعظيمه، والخوفَ هن عقابه، وأن يندم على ما اقترف، ويأسفَ ويحزنَ على تفريطه فيما مضى، وينكسر بين يدي ربه طالباً منه العفو والغفران.
وأن يقلع عن جميع المعاصي، فإن كان تاركاً للأوامر فعلها، وإن كان فاعلاً للمحرمات هجرها ونأى بنفسه عنها، فإن التوبة لا تصح مع الإصرار على المعصية، وأن يعقد العزم على أن لا يفارق المنكرات والمعاصي في قادم الأيام، فإن ذلك دليلٌ على صدقه في توبته، وأن يردَّ المظالمَ والحقوقَ إلى أهلها ويتحلل منهم، ويطلب العفو والسماح.
كتابة الوصية:
أن يكتب وصيّته، والحقوقَ التي له على الناس،
стр. 33
والتي للناس عليه، ويوضح ذلك ويبينّه، وكذا حقوق الله تعالى من الزكاة والكفارات ونحو ذلك مما فرّط فيه وأجّله، لحديث ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : " ما حقُّ امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيتُ ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده" رواه البحاري ومسلم.
وينبغي أن يُشهد على الوصية، وأن يوكلَ من يقضي عنه ما لم يتمكن من قضائه، فلا ينبغي التساهل في الحقوق والتسويف في أدائها وإيفائها إلى أهلها، فإنَّ فِعْلَ العبادات والاجتهاد فيها لا يُعفى المسلم من ذلك، وقد قال ﵊: "يُغفرُ للشهيد كل شيء إلا الدَّين" رواه مسلم.
الاجتهاد في إرضاء والديه:
فعليه أن يجتهد في إرضاء من يتوجّه عليه برُّه، فمن له أبوان مسلمان أو أحدهما، يستحب أن لا يحج إلا بإذنهما، وهذا في حج التطوع، وأمَّا في حجة
стр. 34
الفريضة فإن مَنَعَاهُ لم يلتفت إلى منعهما.
كما ينبغي أن تسترضي الزوجة زوجها وأقاربها، ويستحبُّ للزوج أن يحج بها، وإلا حجت مع أحد محارمها.
تَعَلُّمُ أحكامِ الحج:
ينبغي لمن أراد الحج أن يتعلّم أحكامه وكيفيته، وأن يعرف كل ما يتعلق بأفعال الحج وشروطه وواجباته وأركانه، وأن يسأل أهل العلم الموثوقين عن ذلك، قال الإمام النووي- رحمه الله تعالى-: (وهذا فرض عين، إذ لا تصح العبادة ممن لا يعرفها) انتهى كلامه.
ومن المستحسن أن يختار كتاباً من كتب المناسك، الموضحة لجميع أحكامها، والتي كتبها العلماء، ودوّنوا فيها أحكام الحج العامة والخاصة، مقرونة بأدلتها الشرعية، ومن الكتب التي يُوصَى باختيارها، كتاب: "التحقيق والإيضاح لكثير من
стр. 35
مسائل الحج والعمرة والزيارة"، لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز- ﵀، وكتاب: "المنهج لمريد العمرة والحج" لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين- ﵀ وغيرهما من الرسائل المفيدة، لتكون قريبة عنده، حين يحتاج إليها إذا أشكل عليه حكم من الأحكام- وهو يؤدّي مناسك الحج، أو في طريقه إلى مكة والمشاعر. كما ينبغي له أن يتعلم ما يحتاج إليه في سفره من أحكام الصلاة وقصرها ومعرفة القبلة، وأحكام التيمم، والمسح على الخفين وغير ذلك مما تمس الحاجة إلى معرفته والإحاطة به.
فإن من جهل أحكام العبادات، ولم يعرف أحكام المناسك يخشى عليه أن لا يصح حجُّه، فقد يقع في محظورٍ، أو يخلُّ بركن أو واجب وهو لا يدري.
فإن لم يتعلم أو جهل شيئاً من الأحكام، فليسأل ممن يثق به من أهل العلم، وليتحرَّ أن يكون المسؤول
стр. 36
من العلماء المشهورين بصحة العقيدة، وسلامة المنهج، والفقه في الدين، والدقة في معرفة الأحكام، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣، الأنبياء: ٧] .
وأن يكون المسؤول معروفاً بعلمه، محيطاً بالأحكام، عارفاً بها، لأن الإفتاءُ بغير علم حرام، فهو يتضمن الكذب على الله تعالى، وعلى رسوله ﷺ ، ويتضّمن إضلال الناس، وهو من الكبائر.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] .
فقرن القول على الله بلا علم بالفواحش والشرك والظلم.
انتقاء النفقة الحلال:
على الحاج أن يختار لحجه وعمرته نفقة حلالاً،
стр. 37
لا شبهة فيها، لأن الله تعالى لا يقبل ما كان محرماً، والمال المحرم سببٌ في عدم قبول العبادة، وقد رُوِي عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :"إذا خرج الرجل حاجاً بنفقة طيبة، ووضع رجله في الغرز فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء، لبيك وسعديك، زادُك حلال، وراحلتُك حلال، وحجك مبرور غير مأزور. وإذا خرج الرجل حاجاً بالنفقة الخبيثة، فوضع رجله في الغرز، فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه منادٍ من السماء: لا لبيك ولا سعديك، زادُك حرام، ونفقتُك حرام، وحجك مأزور غير مبرور" رواه الطبراني.
فإذا اكتسب المرء مالاً من طريق غير مشروع فأكل منه، أو أنفق أو تصدق، فإنه لا يقبل منه، ويكون ذلك سبباً في رد دعائه وعدم الاستجابة له، وقد أمر الله تعالى بأن يكون عيش الإنسان من كسبه
стр. 38
الحلال.
وروى أبو هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ :"إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ، وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ . ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ" رواه مسلم.
ومن أعظم طرق المكاسب المحرمة، أكل الأموال الربوية، فإن ذلك من أكبر الكبائر، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] .
وقد شدد الله الوعيد على آكل الربا، وجعل آكله من أفحش الخبائث، وبَيَّن عقوبة المرابي في الدنيا
стр. 39
والآخرة، وأخبر أنه مُحارِبٌ لله ولرسوله، فعقوبة الربا في الدنيا أنه يمحق البركة في المال والجسم، وأما في الآخرة فقد بينها الله تعالى بقوله: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] .
وذلك أن الناس إذا بُعثوا من قبورهم، خرجوا مسرعين إلى المحشر، إلا آكل الربا، فإنه يقوم ويسقط كحال المصروع، الذي ينهض ثم يرتمي على الأرض بسبب الصرع.
ومن الأموال المحرمة، الاكتساب عن طريق الرشوة، فقد لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي والرائش، وهو الواسطة بينهما، والرشوة حرام بإجماع المسلمين، فالإسلام يحرمها لأنها من أكل أموال الناس بالباطل، وقد نهى الله تعالى عن ذلك، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] .
стр. 40
وإنما حرمت الرشوة لشدة ضررها، وشناعتها، وسوء أثرها على المجتمع، فإن ضررها يعم. ولهذا يرى بعض العلماء أن المال المكتسب عن طريق الرشوة أشد تحريماً من المال المدفوع للبَغِيِّ مقابل الزنا بها، مما يدلّ على شناعة الرشوة وعظيم ضررها.
كما أن من الأموال المحرمة، اكتسابها عن طريق الغش في المعاملات، كالبيع والشراء، والإجارة ونحو ذلك، وقد قال ﵊: "من غشنا فليس منا" رواه مسلم.
ومنها منع الأجير أجره، فعن أبى هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: "قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمتُه، رجلٌ أعطى بي ثم غدر، ورجلٌ باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره" رواه البخاري.
ومن الكسب المحرم اغتصاب الأموال، وسرقتها،
следующие страницы →