Полный текст (109 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
من العلماء المشهورين بصحة العقيدة، وسلامة المنهج، والفقه في الدين، والدقة في معرفة الأحكام، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣، الأنبياء: ٧] .
وأن يكون المسؤول معروفاً بعلمه، محيطاً بالأحكام، عارفاً بها، لأن الإفتاءُ بغير علم حرام، فهو يتضمن الكذب على الله تعالى، وعلى رسوله ﷺ ، ويتضّمن إضلال الناس، وهو من الكبائر.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] .
فقرن القول على الله بلا علم بالفواحش والشرك والظلم.
انتقاء النفقة الحلال:
على الحاج أن يختار لحجه وعمرته نفقة حلالاً،
стр. 37
لا شبهة فيها، لأن الله تعالى لا يقبل ما كان محرماً، والمال المحرم سببٌ في عدم قبول العبادة، وقد رُوِي عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :"إذا خرج الرجل حاجاً بنفقة طيبة، ووضع رجله في الغرز فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء، لبيك وسعديك، زادُك حلال، وراحلتُك حلال، وحجك مبرور غير مأزور. وإذا خرج الرجل حاجاً بالنفقة الخبيثة، فوضع رجله في الغرز، فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه منادٍ من السماء: لا لبيك ولا سعديك، زادُك حرام، ونفقتُك حرام، وحجك مأزور غير مبرور" رواه الطبراني.
فإذا اكتسب المرء مالاً من طريق غير مشروع فأكل منه، أو أنفق أو تصدق، فإنه لا يقبل منه، ويكون ذلك سبباً في رد دعائه وعدم الاستجابة له، وقد أمر الله تعالى بأن يكون عيش الإنسان من كسبه
стр. 38
الحلال.
وروى أبو هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ :"إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ، وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ . ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ" رواه مسلم.
ومن أعظم طرق المكاسب المحرمة، أكل الأموال الربوية، فإن ذلك من أكبر الكبائر، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] .
وقد شدد الله الوعيد على آكل الربا، وجعل آكله من أفحش الخبائث، وبَيَّن عقوبة المرابي في الدنيا
стр. 39
والآخرة، وأخبر أنه مُحارِبٌ لله ولرسوله، فعقوبة الربا في الدنيا أنه يمحق البركة في المال والجسم، وأما في الآخرة فقد بينها الله تعالى بقوله: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] .
وذلك أن الناس إذا بُعثوا من قبورهم، خرجوا مسرعين إلى المحشر، إلا آكل الربا، فإنه يقوم ويسقط كحال المصروع، الذي ينهض ثم يرتمي على الأرض بسبب الصرع.
ومن الأموال المحرمة، الاكتساب عن طريق الرشوة، فقد لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي والرائش، وهو الواسطة بينهما، والرشوة حرام بإجماع المسلمين، فالإسلام يحرمها لأنها من أكل أموال الناس بالباطل، وقد نهى الله تعالى عن ذلك، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] .
стр. 40
وإنما حرمت الرشوة لشدة ضررها، وشناعتها، وسوء أثرها على المجتمع، فإن ضررها يعم. ولهذا يرى بعض العلماء أن المال المكتسب عن طريق الرشوة أشد تحريماً من المال المدفوع للبَغِيِّ مقابل الزنا بها، مما يدلّ على شناعة الرشوة وعظيم ضررها.
كما أن من الأموال المحرمة، اكتسابها عن طريق الغش في المعاملات، كالبيع والشراء، والإجارة ونحو ذلك، وقد قال ﵊: "من غشنا فليس منا" رواه مسلم.
ومنها منع الأجير أجره، فعن أبى هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: "قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمتُه، رجلٌ أعطى بي ثم غدر، ورجلٌ باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره" رواه البخاري.
ومن الكسب المحرم اغتصاب الأموال، وسرقتها،
стр. 41
وانتزاعها من مالكيها بالقوة.
فعلى الحاج أن يحرص على تجنب ذلك، وأن ينتخب المال الحلال الذي حصل عليه من الكسب المشروع، حتى لا يكون حجُّه مردوداً، فإنه لو خالف وحج بمالٍ فيه شُبهة لم يكن حجه مبروراً، ويَبْعُدُ قبولُه.
قال الإمام أحمد ﵀: لا يجزئ حجُّه إن حج بمال حرام.
وعلى الحاج أن يأخذ معه من المال والنفقة ما يكفيه في طريقه إلى المشاعر المقدسة، وما يسد حاجته من المال الذي يصرفه على نفسه مدة إقامته، وفي طريق عودته إلى بلده بعد الحج.
روى أهل التفسير، بأسانيد مختلفة، عن ابن عمر ﵄، قال: كانت طائفة من العرب يحجون ولا يتزودون، وكان بعضُهم إذا أحرم ومعه زاد رمى به، فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ
стр. 42
الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧] .
فأمر الله تعالى من لم يكن يتزود منهم بالتزود لسفره، ومن كان منهم ذا زاد أن يحتفظ بزاده فلا يرمي به.
وذكر بعضهم أن الآية نزلت في قومٍ كانوا يحجون بلا زاد، ويقولون: نحن المتوكلون، ويقول بعضهم: كيف نحجُّ بيت الله تعالى ولا يطعمنا؟، فكانوا يبْقَونَ عالةً على الناس، فَنُهُوا عن ذلك وأُمِرُوا بالتزود.
فمن حج بلا زاد ولا نفقة، وتكلف السفر والوصول إلى المشاعر، يرمى بنفسه على الآخرين، ويعتمد على غيره في أكله وشربه، ويتكفَّف الناس ويسألهم، فقد أساء إلى نفسه؛ حيث ذمّ رسول الله ﷺ التسول ونهى عنه، وبين عاقبته، فقال ﵊: " لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله تعالى وليس في وجهه مُزْعَة لحم ". متفق عليه.
стр. 43
وفي الحديث الآخر، قال ﵊: "المسألة كُلُوح في وجه صاحبها يوم القيامة". رواه أحمد.
أي أنها دناءةٌ وخسة، وتدل على رداءة الحال، وانقلاب جمال الوجه.
فامتهان التسول، وانتشاره دليل على ضعف الثقة بالله، والتخلي عن سؤاله ودعائه، وما أذلّ المرء حين يعرضُ حاجته على العباد، ويترك التوكل على رب العباد، ويتذلل للمخلوقين، ويتركُ دعاء الخالق، وقد قال ﷺ : " إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله". رواه أحمد.
فما أجمل أن يكتفي المسلمُ بما عنده، وينفق على نفسه من كسب يده، ويكرم أصحابه ومن هم بحاجته، وحريّ بالمسلم أن يُؤَمِّن لنفسه ما يغنيه عن الآخرين.
قال العلماء: ينبغي للحاج أن يستكثر من الزاد
стр. 44
والنفقة عند إمكانه، ليُؤثر منه المحتاجين والرُّفقة، وأن يُطيّبَ زَادَه، فعن مجاهد قال: "من كرم الرجل طيب زاده في سفره"، وأن تكون نفسُه طيّبةً بجميع ما ينفقُه، فإنّه أقربُ إلى القبول، وينبغي أن لا يسرف في التنعم والترفّه، وطلب الراحة في كل شيء.
إن الحجَ بمالٍ حلال، وكسبٍ طيب، ونفقةٍ جاءت من طرق مشروعة، وإنفاق الحاج على نفسه منها، وبعدَه عن المال المشبوه والكسب المحرم، كلُّ ذلك أدعى إلى قبول حجه، وأقرب إلى مغفرة ذنوبه، وعودته سليماً نقياً من الأوزار والآثام، بخلاف ما إذا كانت النفقة محرمة أو مشبوهة، فإن ذلك يؤدي إلى عدم قبول العمل ورده، كما قيل:
يا من حججتَ بمالٍ كلّه سحتُ ... فما حججتَ ولكن حجت العِيْرُ
لا يقبل اللهُ إلا كلَّ طيبةٍ ... ما كل من حجَّ بيت الله مبرورُ
стр. 45
اختيار الرفقة الطيبة ومعرفة آداب السفر:
ينبغي للحاج أن يختار رفقة صالحة، حسنة الأخلاق، فيرافق من هو موافق راغب في الخير، محباً له، معيناً عليه، بعيداً عن الشر، كارهاً له، مبغضاً إياه، إن نسي ذكَّره، وإن ذَكَرَ أعانه، وإن ضاق صبّره، وإن احتاج إلى عون ساعده، وأن يكون حسن المداراة، قليل الخوض والمجادلة والمجاراة.
قيل في الحث على الرفيق الصالح:
لا تصحبن رفيقاً لست تأمنهُ ... بئس الرفيقُ رفيقٌ غيرُ مأمون
وأوصى سفيان الثوري رجلاً يريد الحج، فقال له: لا تصحب من هو أكثر منك مالاً، فإنك إن ساويته في النفقة أضرّ بك، وإن تفضّل عليك استذَلّك.
والأفضل أن يحج مع عالم يثق بعلمه يعلّمه ما
стр. 46
يحتاجه وما يجهله من أمور دينه.
فإذا تأهب للسفر استُحب أن يودِّعَ أهله وجيرانه وأصدقاءه وأقاربه، ويطلب السماح منهم، ويسألهم الدعاء، ويتوصل إلى تطييب قلوبهم بما يقدر عليه.
ويقول كلُّ واحدٍ منهم: (أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، زوّدك الله التقوى، وغفر لك ذنبك، ويسَّر لك الخير حيثما كنت) .
وقد روي عن الشعبي- ﵀ أنه قال: حقٌ على الرجل إذا أراد أن يسافر أن يأتي إخوانه، فيسلم عليهم، وحقٌّ على إخوانه إذا قدِمَ أن يأتوا إليه، فيسلموا عليه، وإنما كان ذلك كذلك، لأنه إذا أراد سفراً فهو المفارق، فيكون التوديع منه، وإذا قدم يُؤْتَى إليه، ليُهنّا بالسلامة من خطر السفر.
فإذا خرج من بيته قال دعاءَ الخروج، وهو ما صح عنه ﵊ أنه كان إذا خرج من بيته قال:
стр. 47
" بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أعوذ بك أن أَضِلَّ، أو أُضَلَّ، أو أَزِل َّأو أُزَلَّ، أو أَظلم أو أُظلم، أو أَجهل أو يُجهل عليَّ" رواه أبو داود والترمذى.
فإذا ركب سيارته أو دابته أو وسيلة النقل المسافر عليها، فيستحب ان يدعو بدعاء السفر، فعن ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر، كبرّ ثلاثاً، ثم قال:" ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى وَمِنْ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالأَهْلِ " رواه مسلم.
ويُكره له أن يسافر وحده، بل يرافق جماعة،
стр. 48
لحديث ابن عمر ﵄ أنه ﵊ قال: "لو أن الناس يعلمون ما أعلم من الوحدة، ما سرى راكبٌ بليلٍ" يعني: وحده. رواه البخاري.
ويستحب أن يُؤَمِّرَ الرفقةُ على أنفسهم واحداً منهم، يختارون أفضلهم وأفطنهم وأجودهم رأياً، ويطيعونه؛ لقوله ﷺ . " إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم" رواه أبو داود.
ويستحب للمسافر أن يكبّر إذا صعد مرتفعاً، ويسبّح إذا هبط وادياً أو مُنْخَفَضَاً؛ لحديث جابر ﵁ قال: كنا إذا صعدنا كبرنا، وإذا نزلنا سبّحنا.
ويستحب إذا أقبل على بلدٍ أو مدينةٍ أو قريةٍ، أن يقول: "اللهم إني أسألك خيرها وخير أهلها وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها" رواه ابن حبان.
وإذا نزل في مكان يدعو بما ثبت من دعائه عليه
стр. 49
الصلاة والسلام، فإنه كان يقول: "من نزل منزلاً ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك" رواه مسلم.
ويستحب للمسافر أن يكثر من الدعاء لي سائر الأوقات؛ لأن دعوته مجابة، كما قال ﵊: " ثلاث دعوات مستجابات: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده "رواه أحمد وأبو داود.
ولا يجوز للمرأة أن تسافر للحج أو غيره إلا ومعها محرم، سواء كان سفراً طويلاً أو قصيراً، على أي حال كانت؛ لقوله ﷺ : "لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم" رواه مسلم.
ومما يجب على المسافر أن يتعلمه ويعرفه أحكام السفر، من جواز التيمم له إذا لم يجد الماء، أو كان معه ماء لا يكفيه، وكذلك فإن المشروع له قصر الصلاة الرباعية فيجعلها ركعتين من حين يخرج من بلده إلى أن
стр. 50
يعود، فلو صلّى المسافر خلف إمام يصلي أربعاً فإنه يتم تبعاً لإمامه.
كما يشرع له الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء إذا احتاج إلى الجمع، كأن يكرن مستمراً ثب سفره.
وينبغي له أن يعرف أحكام المسح على الخفين، فهو مشروع له ثلاثة أيام بلياليهن، تبدأ من أول مسح بعد الحدث، ويبطلُ المسح بانتهاء المدة، أو نزع الخفين، أو أحدهما، أو إذا كان عليه حدث كبر فينزعهما للغسل.
والسنة للمسافر إذا قضى حاجته، وأنهى مناسك حجه، أن يعجل العودة والرجوع إلى أهله، لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول ﷺ : "السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدَكم نومَه وطعامَه وشرابه، فإذا قضى أحدُكم نهمته فليعجل إلى أهله ". رواه البخاري ومسلم.
стр. 51
المواقيت الزمانية والمكانية
اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون للعبادات أوقات محددة، لا يصح فعل العبادة إلا في وقتها المحدد لها، فلو أتى بها قبل الوقت أو بعده لم تصح منه، إلا أن يكون معذوراً، أو في حالات لا يتسع المجالُ لذكرها هنا.
والحج أحد العبادات التي حدد وقتها، ومكانُ فعلها. فأما الوقت فهو المعروف عند الفقهاء بالمواقيت الزمانية للحج، وقد ذكر الله تعالى وقت الحج، وحدّده بقوله جل شأنه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] .
فبينت الآية، أن وقت عمل الحج أشهر، قال جمهور العلماء: هي شوال، وذو القَعْدة، وعشرة أيام من شهر ذي الحجة، فلو أتى بشيء من أعمال الحج
стр. 52
في غير الوقت المحدد لم يجزئه ذلك.
وأما المواقيت المكانية، فهي الأماكن والمواضع التي سماها النبي ﷺ ، وحدد تلك الأماكن، وألزم المكلف القاصد البيت الحرام لأداء أحد النسكين أن لا يتجاوزها إلا وهو محرم، وذلك لأن الله تعالى ميّز البيت الحرام، وجعل للحرم منزلة خاصة به، فيما لهذا البيت من قدسية وعظمة وحرمة ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] حُرّم دخوله لمن أراد نسكاً إلأ بإذن خاص.
وألزم قاصده بِسيِماً معيّنة، وصفة مُمَيَّزة، ينفرد بها عن غيرة، وهى ملابس الإحرام، فكل من رأى هذا المرتدي لتلك الملابس عَرَفَ أنه متلبس بعبادةٍ لله تعالى، متجّه إلى بيته الحرام، ويُعبّر المحرم- إضافة إلى لبسه الخاص به- بتوحيده لخالقه؛ عندما يردّد: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) .
стр. 53
وفد حددت الشريعة لكل جهة وناحية ميقاتاً معروفاً، لا يصح لأحد من أهل تلك الجهة أن يتجاوزه إلا وهو محرم، إن أراد أداء الحج أو العمرة.
وهذه المواقيت تكتنف مكة وتحيط بها من جميع جهاتها، وهي:
الميقات الأول: ذو الحُليفة:
وهو ميقات أهل المدينة، ويعرف اليوم بآبار علي، وهو أبعد المواقيت عن مكة، حيث تقدر المسافة بينه وبينها بأربعمائة وثلاثين كيلو متراً تقريياً.
وذكر بعض العلماء الحكمة من كونه أبعد ميقات عن مكة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀: إن أهل البلدان الأخرى- غير المدينة- عوضوا عن ذلك، بأن جعلت المسافة التي يقطعونها وهم محرمون قصيرة.
وأما أهل المدينة: فلأنهم لا يقطعون إلا مسافة
стр. 54
فريبة حتى يصلوا إلى الميقات، جعل ﵊ كل مسافتهم إلى مكة إحراماً.
وقال بعض العلماء: إن ذلك كان من أجل تقريب خصائص الحرمين، فالمدينة حرم، ومكة حرم، ولكن الإحرام بالنسك من خصائص مكة، فكان من الحكمة أن لا يخرج من حدود حرم المدينة حتى يدخل في خصائص حرم مكة.
وميقات أهل المدينة هو أفضل المواقيت، لأن النبي ﷺ أحرم منه، وصلى وبات فيه.
وثاني المواقيت: الجُحْفَة:
وهي قرية قديمة، سميت بذلك، لأن السيل أجحف بأهلها وحرف منازلهم إلى جبل هنالك، وتسمى قديماً (مَهْيَعَة) ولما زالت (الجحفة) واندثرت، صار الناس يحرمون من (رابغ) على ساحل البحر الأحمر، بينها وبين مكة مائتا كيلو متر تقريباً.
وهي ميقات لأهل الشام ومصر والمغرب، فإن
стр. 55
أهل مصر والمغرب، كانوا يأتون عبر المكان الذي حفرت فيه قناة السويس، ثم يتجهون إلى مكة ويمرون بالجحفة، فجعلها النبي ﷺ ميقاتاً لهم.
والميقات الثالث: قَرْنُ المَنَازِل:
وهو الجبل المشرف على الموضع، وقرن المنازل حبل سمي الوادي الذي يطل عليه الجبل بهذا الاسم، ويسمى الآن بالسيل الكبير، وعلى موازنته من طريق كرا وادي محرم، ويبعد عن مكة ما يقرب من تسعين كيلو متراً.
وهذا ميقات أهل نجد والطائف وتلك الجهات.
ورابع المواقيت: يَلَمْلَم:
وهو جبل من جبال تهامة ويسمى الآن بالسَّعْدِية، بينه وبين مكة مائة كيلو متر تقريياً.
وهو ميقات أهل اليمن ومن بناحيتهم.
والميقات الخامس: ذات عِرْق:
سمي بهذا لِعرْق فيه، أي جبل صغير، وذات
стр. 56
عِرْق تسمى اليوم (الضَّرِيبة) ويقال لها (الخريبات) بينها وبين مكة ثمانون كيلو متراً. وهي ميقات أهل المشرق والعراق وخراسان وتلك الجهات.
وهذه المواقيت وقتها النبي ﷺ لأهلها الذين مر ذكرهم، ولمن مر عليها من غيرهم، ممن أراد العمرة أو الحج، فالواجب على من مر عليها أن يحرم منها، ويَحْرُم عليه أن يتجاوزها دون إحرام. وأما من كان دون المواقيت، أي بين الميقات وبين مكة، فإنه يحرم من مكانه الذي هو فيه كأهل جدة، والشرائع، وبدر وغيرها.
وأهل مكة يحرمون بالحج من منازلهم في مكة لقوله ﷺ : " ومن كان مسكنه دون ذلك فَمَهَلُّه من أهله، حتى أهل مكة يهلون من مكة" متفق عليه.
أما في العمرة، فيخرجون إلى الحِلّ ويحرمون منه.
هذه هي المواقيت التي يَحْرُم على الحاج أن
стр. 57
يتجاوزها دون إحرام، فلو تجاوزها ولم يُحْرِم، وجب عليه الرجوع ليُخْرِم من الميقات الذي تجاوزه، سواء كان عامداً أو ناسياً أو جاهلاً، فإن عاد فلا شيء عليه، وإن لم يعد، فإن كان عامداً فهو آثم وعليه الفدية، وإن كان جاهلاً عليه الفدية ولا إثم عليه.
стр. 58
الإحرام ومحظوراته وأعمال العمرة
إذا وصل الحاج أو المعتمر إلى ميقاته يستحب له أن يغتسل، ويتطيب بما معه من جيد الطيب، وذلك كلُّه سنة، ثم يلبس ملابس الإحرام.
فإن كان لبسُه قرب صلاة الفريضة، صلاّها، وإلا صلى ركعتين ينوي بهما سنة الوضوء، ثم بعد الصلاة، ينوي بقلبه الدخول في النسك الذي يريده من حج أو عمرة، ويشرع له التلفظ بما نواه، فيقول: لبيك عمرةً، أو لبيك حجاً، أو لبيك حجاً وعمرةً، فإن كان خائفاً اشترط في إحرامه.
وينبغي للمحرم أن يكثر من التلبية، ويرفع الرجل بها صوته، والأفضل فيها ما ثبت عن رسول الله ﷺ : "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك". فإن كان حاجاً أو معتمراً عن غيره قال: لبيك حجاً أو عمرةً
стр. 59
عن فلان.
والأفضل أن خرم متمتعاً، لاسيَّما من قدم مكة مبكراً حيث يتمتع بالحل بين العمرة والحج، والتمتع هو: أن يحرم بالعمرة، ثم يفرغ منها، ثم يحرم بالحج من عامه. ومما يدل على أفضلية التمتع، أن النبي ﷺ أمر أصحابه ﵃ لما طافوا وسعوا أن يجعلوها عمرة إلا من ساق الهدي، ولا ينقلهم إلا إلى الأفضل.
ولا يجوز للمحرم بعد نية الإحرام سواء كان ذكراً أو أنثى أن يفعل شيئاً من محظورات الإحرام، وهي الممنوعات بسبب الإحرام، وهي: حلق الشعر من الرأس وإزالته بأي طريقة كانت، لقوله تعالى: ﴿ولاَ تحلقوا رؤوسكم﴾ [البقرة: ١٩٦] ، وكذا إزالته من أي موضع كان من الجسد، ويجوز له أن يحك رأسه بيده برفق، فإن سقط منه شعر بلا تعمّد فلا شيء عليه، ولو نزل بعينه شعر فتأذى منه فله إزالته ولا شيء عليه.
стр. 60
ولا يجوز له قص الأظفار من اليدين أو الرجلين، ويجوز للمحرم عقد الإزار وربطه بخيط ونحوه؛ لعدم الدليل المقتضى للمنع، ويحرم عليه استعمال الطيب في بدنه وثيابه، أو في مأكوله أو مشروبه، لحديث ابن عمر ﵄ مرفوعاً "لا تلبسوا ثوباً مسَّه الزعفران ولا الوَرْس" رواه البخارى.
كما لا يجوز للمحرم ذكراً كان أو أنثى لبس القفازين، المعروفين بشرابي اليدين؛ لأنهما مصنوعان على هيئة أحد الأعضاء، كما يحرم عليه المباشرة بشهوه، كاللمس بشهوة، أو التقبيل، أو النظر بشهوه، أو المباشرة فيما دون الفرج، أو الاستنماء، ويحرم عليه الجماع، وهو أشد المحظورات إثماً، وأعظمها تأثيراً في النسك، قال تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] .
قال ابن عباس ﵄: الرفث الجماع.
стр. 61
وللجماع حالان، فإن كان فبل التحلل الأول، ترتب عليه خمسة أمور، الإثم، وفساد النسك، ووجوب المضي فيه، ووجوب قضائه من العام القادم، والفدية، وهى بدنة، ينحرها ويوزعها على مساكين الحرم، أو في المكان الذي وقع فيه الجماع.
وإن كان الجماع بعد التحلل الأول، أي بعد الرمي والحلق، أثم وعليه الفدية، ويفسد إحرامه، وعليه الخروج إلى الحل، ليحرم بعد أن لبس ثيابه، ويطوف طواف الإفاضة محرماً. ولا يجوز للمحرم عقد النكاح ولياً كان أو زوجاً، أو زوجة، فالحكم يتعلق بهؤلاء الثلاثة وقد قال ﵊: "لا يَنْكِحُ المُحْرِمُ ولا يخْطِبُ ولا يُنْكَحُ" رواه مسلم.
كما يحرم عليه قتل صيد البر المتوحش، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:٩٥] ، وقوله جل شأنه: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ [المائدة:٩٦] .
стр. 62
ويحرم عليه لبس المخيط، وهو كلّ ما خيط على قدر البدن، أو على جزء منه، أو عضو من أعضائه، كالقميص، والسروال، والعمامة، والجبة، والجور بين ونحو ذلك، ويجوز له أن يلبس الخاتم والنظارة والساعة ووعاء النفقة ونحو ذلك.
والمحرم ممنوع من تغطية رأسه بملاصق، كالطاقية والعمامة وما أشبههما، أما غير المتصل وغير الملاصق، كالخيمة، والشمسية، وسقف السيارة، فلا بأس به، كما يجوز له أن يغطي رأسه. مما لا يقصد به التغطية والستر، كحمل العفش والمتاع على رأسه، إذا لم يقصد بذلك تغطية رأسه.
ويحرم على المرأة أن تغطي وجهها على أي صفة كانت، فلا يجوز لها لبس البرقع أو النقاب، لقوله ﷺ : "لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين" رواه البخاري.
لكن إن مرّ بها رجال أجانب، وجب عليها ستر وجهها وتغطيته، ويباح لها سدل خمارها على وجهها،
стр. 63
وإن مسّ وجهها فلا شيء عليها.
ومن ارتكب شيئاً من هذه المحظورات بلا عذر ولا حاجة فهو آثم وعليه الفدية، وإن فعله لحاجة فعليه الفدية ولا إثم عليه، وإن كان معذوراً لجهل أو نسيان أو إكراه، أو كان نائماً فلا إثم عليه ولا فدية، لكن متى زال عذره فعلم بالمحظور أو ذكره، أو زال إكراهه، أو استيقظ من نومه، وجب عليه التخلي عنه.
فإذا وصل الحاج إلى مكة فالغسل مستحب له قبل الدخول، ثم يقصد المسجد الحرام، ويقدم رجله اليمنى، ويقول الذكر الوارد عند دخول المسجد، ثم يبدأ بالطواف، جاعلاً البيت عن يساره، ويقطع التلبية قبل شروعه في الطواف.
ويطوف سبعة أشواط، وإن شك في العدد بنى على اليقين، ويسن له أن يضطبع في طوافه هذا وهو طوافُ القدوم من أول الطواف إلى آخره؛ بأن يجعل
стр. 64
وسطَ ردائه داخل إبطه الأيمن، وطرفيه على كتفه الأيسر، فإذا فرغ من الطواف أعاد الرداء إلى حالته قبل الطواف.
كما يستحبُ أن يرمل في الأشواط الثلاثة الأولى فقط، وهو أن يسرع في المشي ويقارب خطاه، فإذا أتم سبعة أشواط، صلى ركعتين خلف مقام إبراهيم، ثم يسعى مبتدئاً بالصفا ومنتهياً بالمروة، يفعل ذلك سبع مرات، ويركض ركضاً شديداً بين العلمين، حتى إذا أكمل سبعة أشراط ذهابه من الصفا شوط، ورجوعه من المروة شوط تَمَّ سَعيهُ، ثم يحلق رأسه، وهو أفضل من التقصير، وإن قصر وترك الحلق للحج فحسن، وتُقَصِّرُ المرأة من شعرها بأن تأخذ من كل ضفيرة قدر أنملة فأقل، ولا تزيد على ذلك.
فإذا فعل المحرم ذلك من: الطواف، والسعي، والحلق أو التقصير، فقد تمت عمرته، وحل له كل شيء حرم عليه بالإحرام، إلا أن يكون ساق الهدي
стр. 65
فإنه يبقى محرماً.
وأما من أحرم مفرداً أو قارناً، فيسن له أن يفسخ إحرامه إلى العمرة، ويفعل ما يفعله المتمتع، إلا أن يكون قد ساق الهدي، لأن النبي ﷺ أمر أصحابه بذلك وقال: "لولا أني سقت الهدي لأحللت معكم"متفق عليه.
стр. 66
أعمالُ الحجِّ
اليوم الثامن من ذي الحجة هو يوم التروية، وسمي بذلك لأن الناس كانوا يتزودون فيه بالماء ويتروّون منه، وفيه يُحْرِمُ المتمتعُ بالحج،، من أراد الحج من أهل مكة يحرم من مكانه الذي هو فيه؟ فإن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أقاموا بالأبطح، ثم أحرموا بالحج منه يوم التروية بأمره ﵊.
ويستحب أن يغتسل عند إحرامه ويتنظف ويتطيب، كما فعل عند إحرامه بالعمرة من ميقاته.
ثم ينوي الدخول في نسك الحج، قائلاً: لبيك حجاً، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
وإن كان نائباً عن غيره، قال: لبيك حجاً عن فلان، ويسميه، ويستحب له أن يداوم على التلبية وأن
стр. 67
يكثر منها، من إحرامه بالحج، ولا يقطعها حتى يرمي جمرة العقبة.
ثم يتجه بعد إحرامه بالحج إلى منى إن أحرم من غيرها، ويصلى بها الصلوات الخمس ويقصر الرباعية منها، ويصلي كل صلاة في وقتها بلا جمع.
وهذا الحكم عام حتى لأهل مكة، فإن النبي ﷺ صلى بالناس من أهل مكة وغيرهم، بمنى وعرفة ومزدلفة قصراً، ولم يأمر أحداً بالإتمام، ولو كان القصر خاصاً بغير أهل مكة لنبه إليه، فإذا طلعت الشمس يوم التاسع من ذي الحجة سار إلى عرفة ملبياً مكبراً، لما رواه محمد بن أبى بكر الثقفى أنه سأل أنس بن مالك- ﵁ وهما غاديان من منى إلى عرفة، كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله ﷺ ؟ فقال: "كان يُهِلُّ منَّا المُهِلُّ فلا ينكِرُ عليه، ويكبّر منا المُكَبِّرُ فلا يُنْكِرُ عليه " رواه البخاري ومسلم.
والسنة للحاج أن ينزل بنمرة إلى الزوال، إذا
стр. 68
تيسر له ذلك، لفعله ﵊، ويخطب الإمام- بعد الزوال- خطبة يبين فيها للناس أحكام الحج وغيره، يصلي الحاج الظهر والعصر قصراً وجمعاً في وقت الأولى منهما، يؤذن لهما أذاناً واحداً، ويقيم لكل منهما إقامة منفردة، يسر فيهما بالقراءة، قال جابر- رضى الله عنه-: فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحّلت له، فأتى بطن الوادي فخطب الناس. إلى أن قال جابر: ثم أذّن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر " رواه مسلم.
فإذا صلى الناس، وقفوا بعرفة، ويجزئ الوقوف في أي مكان منها إلا بطن وادي عرنة، ويجب على الحاج أن يتأكد من أن وقوفه داخل عرفات، وحُدُودُها واضحةٌ؛ حيث وضِعَتْ علامات وأمارات تبين للناس حدّها من كل جهة من جهاتها.
стр. 69
وبطن عرنة ليس موقفاً لأن النبي ﷺ ، قال: "وقفت هنا وعرفة كلها موقف، وارفعوا عن بطن عُرَنة" رواه أحمد وابن حبان.
وعلى الحاج الإكثار من الذكر والدعاء في هذا اليوم العظيم، والخضوع والتذلل لله تعالى، ويستحب حال وقوفه استقبال القبلة وجبل الرحمة إن تيسر له ذلك، وإلا استقبل القبلة، ولا يزال مشتغلاً بالذكر والدعاء وسؤال الله تعالى إلى أن تغرب الشمس، ولا يجوز له أن ينصرف منها قبل ذلك.
وقد وصف جابر ﵁ حجة النبي ﷺ ، فقال: " ... واستقبل القبلة فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيبُ مَورِك رَحْلِه، ويقولُ بيده اليمنى: أيها الناس، السكينةَ السكينةَ ... " رواه مسلم.
стр. 70
وهكذا ينبغي للحاج أن يجمع في وقوفه بعرفة بين النهار والليل، ثم يدفعُ إلى مزدلفة بهدوء وسكينة، فلا يزاحم إخوانه الحجاج، ولا يؤذيهم بقول ولا فعل.
فإذا وصل الحاج إلى مزدلفة، أذن ثم أقام فصلى المغرب حين وصوله، ثم أقام فصلى العشاء ركعتين، ولم يصل بين المغرب والعشاء شيئاً، فيجمع بين الصلاتين سواء كان وصوله إلى مزدلفة في وقت المغرب أو بعد أن دخل وقت العشاء، قال جابر ﵁: " حتى أتى المزدلفة - أي رسول الله ﷺ فصلى بها المغرب بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئاً" رواه مسلم.
وفي هذه الليلة يبيت الحاج في مزدلفة، وليكن نومه مبكراً حتى يستيقظ نشيطاً يؤدي أعمال يوم النحر دون مشقة، ولا يحيى ليلة المزدلفة بصلاة ولا غيرها، فإن النبي ﷺ اضطجع حتى طلع الفجر.
قال ابن القيم ﵀: ثم نام رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 71
حتى أصبح، ولم يحيي تلك الليلة، ولا صح عنه في إحياء ليلتي العيدين شيء.
ويجوز للضَعَفَة من النساء والصبيان أن يدفعوا من مزدلفة إلى منى آخر الليل؟ لأن النبي ﷺ أَذن في تلك الليلة لضَعَفَة أهله أن يتقدموا إلى منى قبل طلوع الفجر، وكان ذلك عند غيبوبة القمر، وأمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس.
فإذا طلع الفجر صلى الحاج صلاة الفجر أول وقتها، ثم يستقبل القبلة ويذكر الله تعالى ويدعو، ويبقى كذلك حتى يسفر جداً، ومزدلفة كلها موقف، ففي أي موضع منها وقف الحاج أجزأه، ولا يجب عليه القرب من المشعر الحرام ولا صعوده، لقوله ﷺ : "وقفت هاهنا"- يعني على المشعر - وجمع- أي مزدلفة - كلها موقف "رواه مسلم.
ثم ينصرف الحاج من مزدلفة إلى منى قبل طلوع الشمس، ويكثر من التلبية في سره، فإذا وصل وادي
стр. 72
مُحَسِّر أسرع قليلاً، ويستمر في تلبيته حتى يصل جمرة العقبة فيقطع التلبية تم يرميها بسبع حصيات متعاقبات، واحدة بعد الأخرى، كل جمرة أكبر من الحمّصة قليلاً، يرفع يده عند رمي كل حصاة ويكبّر، ويستحبُّ أن يرميها من بطن الوادي، ويجعلُ الكعبة عن يساره، ومنى عن يمينه لفعل النبي ﷺ ، وإن لم يتيسر أجزأه رميها من أي جهة من جهاتها إذا وقع الحصى في الحوض المستدير حولها، ثم بعد الرمى ينحر هديه، ثم يحلق رأسه، ثم يتحلل ويتجه بعد ذلك إلى مكة ليطوف طواف الإفاضة، تم يسعى إن كان متمتعاً، وهذا السعي لحجِّه والسعي الأول لعمرته، ثم يعود إلى منى ويبقى فيها.
هذه أعمال الحج إجمالاً، وسنبدأ بذكرها مفصلة.
стр. 73
يوم عرفة
اليوم التاسع من ذي الحجة هو يوم عرفة، وهو يوم مغفرة الذنوب، يوم يجتمع فيه حجاج بيت الله الحرام من كافة أرجاء الدنيا، على صعيد واحد، يلبون دعاء ربهم، ويؤدون ما فرضه عليهم، يرجون رحمة الله ومغفرته، ويدعونه أن يعتقهم من النار.
إنه يوم إكمال الدين وإتمامه، فعن عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلاً من اليهود قال: يا أمير المؤمنين، آية في كتاب الله تقرؤونها، لو علينا نزلت- معشر اليهود- لانخذنا ذلك اليوم عيداً.
قال عمر: وأي آية؟ قال: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ ، فقال عمر ﵁: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه، نزلت على رسول الله ﷺ وهو واقف بعرفة يوم جمعة. رواه البخاري.
стр. 74
ومسلم.
يوم عرفة يوم مغفرة الذنوب، والتجاوز عنها، والعتق من النار، والمباهاة بأهل الموقف.
عن عائشة رضى الله عنها عن النبي ﷺ ، قال: " ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار، من يوم عرفة، وأنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء" رواه مسلم.
يوم عرفة هو معظم الحج ومقصوده، والمعول عليه، يقول ﵊: "الحج عرفات" رواه أحمد وأبو داود.
في هذا اليوم يستحب الإكثار من الدعاء والذكر، والاجتهاد في ذلك، وينبغي للإنسان أن يستفرغ وسعه بذكر الله، روي عنه ﵊: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" رواه الترمذي.
стр. 75
وينبغي الإكثار من الذكر وتكراره بخشوع وحضور قلب، ويدعو الله تعالى. مما أراد من خيري الدنيا والآخرة، فيدعو لنفسه، ووالديه، وأقاربه، وذريته،- وأصحابه، وأصدقائه، وسائر من أحسن إليه، وجميع المسلمين، والسنة أن يخفض صوته بالدعاء، ويتضرع إلى الله تعالى، ويدعو وهر موقن بالإجابة.
فمن الأدعية المستحبة في هذا اليوم: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم.
اللهم اغفر لي مغفرة تصلح بها شأني في الدارين، وارحمني رحمة أسعد بها في الدارين، وتب علي توبة نصوحاً، وألزمني سبيل الاستقامة، وانقلني من ذل المعصية إلى عز الطاعة، وأغنني بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عن سواك، ونوّر قلبي وقبري، وأعذني من الشر كله، راجع لي الخير كله.
следующие страницы →