← Фикх общий

Фикх общий · id 11096

تسهيل المناسك

عبد الكريم بن صنيتان العمري

Полный текст (109 стр.). Показаны 71–109 · переход к 76.

стр. 71

حتى أصبح، ولم يحيي تلك الليلة، ولا صح عنه في إحياء ليلتي العيدين شيء. ويجوز للضَعَفَة من النساء والصبيان أن يدفعوا من مزدلفة إلى منى آخر الليل؟ لأن النبي ﷺ أَذن في تلك الليلة لضَعَفَة أهله أن يتقدموا إلى منى قبل طلوع الفجر، وكان ذلك عند غيبوبة القمر، وأمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس. فإذا طلع الفجر صلى الحاج صلاة الفجر أول وقتها، ثم يستقبل القبلة ويذكر الله تعالى ويدعو، ويبقى كذلك حتى يسفر جداً، ومزدلفة كلها موقف، ففي أي موضع منها وقف الحاج أجزأه، ولا يجب عليه القرب من المشعر الحرام ولا صعوده، لقوله ﷺ : "وقفت هاهنا"- يعني على المشعر - وجمع- أي مزدلفة - كلها موقف "رواه مسلم. ثم ينصرف الحاج من مزدلفة إلى منى قبل طلوع الشمس، ويكثر من التلبية في سره، فإذا وصل وادي

стр. 72

مُحَسِّر أسرع قليلاً، ويستمر في تلبيته حتى يصل جمرة العقبة فيقطع التلبية تم يرميها بسبع حصيات متعاقبات، واحدة بعد الأخرى، كل جمرة أكبر من الحمّصة قليلاً، يرفع يده عند رمي كل حصاة ويكبّر، ويستحبُّ أن يرميها من بطن الوادي، ويجعلُ الكعبة عن يساره، ومنى عن يمينه لفعل النبي ﷺ ، وإن لم يتيسر أجزأه رميها من أي جهة من جهاتها إذا وقع الحصى في الحوض المستدير حولها، ثم بعد الرمى ينحر هديه، ثم يحلق رأسه، ثم يتحلل ويتجه بعد ذلك إلى مكة ليطوف طواف الإفاضة، تم يسعى إن كان متمتعاً، وهذا السعي لحجِّه والسعي الأول لعمرته، ثم يعود إلى منى ويبقى فيها. هذه أعمال الحج إجمالاً، وسنبدأ بذكرها مفصلة.

стр. 73

يوم عرفة اليوم التاسع من ذي الحجة هو يوم عرفة، وهو يوم مغفرة الذنوب، يوم يجتمع فيه حجاج بيت الله الحرام من كافة أرجاء الدنيا، على صعيد واحد، يلبون دعاء ربهم، ويؤدون ما فرضه عليهم، يرجون رحمة الله ومغفرته، ويدعونه أن يعتقهم من النار. إنه يوم إكمال الدين وإتمامه، فعن عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلاً من اليهود قال: يا أمير المؤمنين، آية في كتاب الله تقرؤونها، لو علينا نزلت- معشر اليهود- لانخذنا ذلك اليوم عيداً. قال عمر: وأي آية؟ قال: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ ، فقال عمر ﵁: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه، نزلت على رسول الله ﷺ وهو واقف بعرفة يوم جمعة. رواه البخاري.

стр. 74

ومسلم. يوم عرفة يوم مغفرة الذنوب، والتجاوز عنها، والعتق من النار، والمباهاة بأهل الموقف. عن عائشة رضى الله عنها عن النبي ﷺ ، قال: " ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار، من يوم عرفة، وأنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء" رواه مسلم. يوم عرفة هو معظم الحج ومقصوده، والمعول عليه، يقول ﵊: "الحج عرفات" رواه أحمد وأبو داود. في هذا اليوم يستحب الإكثار من الدعاء والذكر، والاجتهاد في ذلك، وينبغي للإنسان أن يستفرغ وسعه بذكر الله، روي عنه ﵊: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" رواه الترمذي.

стр. 75

وينبغي الإكثار من الذكر وتكراره بخشوع وحضور قلب، ويدعو الله تعالى. مما أراد من خيري الدنيا والآخرة، فيدعو لنفسه، ووالديه، وأقاربه، وذريته،- وأصحابه، وأصدقائه، وسائر من أحسن إليه، وجميع المسلمين، والسنة أن يخفض صوته بالدعاء، ويتضرع إلى الله تعالى، ويدعو وهر موقن بالإجابة. فمن الأدعية المستحبة في هذا اليوم: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم. اللهم اغفر لي مغفرة تصلح بها شأني في الدارين، وارحمني رحمة أسعد بها في الدارين، وتب علي توبة نصوحاً، وألزمني سبيل الاستقامة، وانقلني من ذل المعصية إلى عز الطاعة، وأغنني بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عن سواك، ونوّر قلبي وقبري، وأعذني من الشر كله، راجع لي الخير كله.

стр. 76

اللهم إني أسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى. اللهم يسر لي اليسرى، وجنبني العسرى، وارزقني طاعتك ما أبقيتني. اللهم متعني بسمعى وبصري أبدا ما أبقيتني، واجعلها الوارث مني، واجعل ثأري على من ظلمني، وانصرني على من بغى عليَّ. يا أرحم الراحمين، أستودعك ديني، وأمانتي، وقلبي، وبدني، وخواتيم عملي، وجميع ما أنعمت به عليّ، وعلى جميع المسلمين. ومن الأدعية المختارة، ما رواه ابن عباس ﵄، قال: كان فيما دعا النبي ﷺ في حجة الوداع: "اللهم إنك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، ولا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقر، المستغيث المستجير، الوجل المشفق، المغرور المعترف بذنبه، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير،

стр. 77

من خضعت لك رقبتُه، وفاضت لك عبرتُه، وذلّ لك خدُّه، ورغم لك أنفُه. اللهم لا تجعلني بدعائك شقياً، وكن بي رؤوفاً رحيماً، يا خير المسؤولين، ويا خير المعطين" رواه الطبراني. وفي هذا اليوم العظيم، يدنو الله تعالى، ويباهي بأهل الموقف الملائكة، فيقول: " انظروا إلى عبادي، أتوني شُعْثًا غُبْراً من كل فج عميق، أشهدكم أني قد غفرت لهم" رواه ابن خزيمة. فعلى المسلم أن يحرص على الدعاء في هذا اليوم، وليكثر الاستغفار، والتلفظ بالتوبة، والبكاء من خشية الله تعالى. فعلى صعيد عرفات، تسكب العبرات، وتقال العثرات، وترتجى الطلبات، وتضاعف الحسنات، وتمحى الذنوب والسيئات، وترفع الدرجات. حقاً إنه لمشهد عظيم يعجز القلم عن وصفه، وموقف كريم طوبى لمن وقفه، وخرج منه وقد غُفِر ذنبه، وكان مقبولاً عند ربه، حاجات العباد في هذا الموقف

стр. 78

مننوعة، فمِنْ نادمٍ على حقوقٍ لله رفضها، ومِنْ باكٍ على توبة عقدها ثم نقضها، ومِنْ خائفٍ سطوة الملِك الديان، ومِنْ راجٍ بسطة الكرم من المنان، أولئك يباهي الله بهم ملائكة السماء، ويشملهم برحمته الواسعة، وهو أرحم الرحماء. اللهم يا من يلجأ إليه المذنبون، ويستغيث به المفرطون، ويسجد لعظمته الخائفون، ويخضع لجلاله المخبتون، اللهم يا من خلق الإنسان وبناه، واللسان وأجراه، يا من لا يخيب مَنْ دعاه، ولا يطرد من لاذ في حماه، اللهم هاهم عبادك رفعوا أيديهم ولاذوا بجنابك، اللهم أعطهم سؤالهم، واغفر ذنوبهم، وتجاوز عن سيئاتهم، ونقهم من الذنوب والخطايا، واحفظهم من المحن والبلايا، اللهم وأعتقهم من نيرانك، واجعلهم من أهل جنانك، اللهم لا تردهم خائبين، برحمتك يا أرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 79

أعمال يوم النحر اليوم العاشر من ذي الحجة يوم عطيم مبارك، هو يوم الحج الأكبر، وفيه يَكْثُر التقرب إلى الله تعالى بإراقة دماء الهدى والأضاحي، ويرمي الحجاج جمرة العقبة، ويحلقون رؤوسهم، ويطوفون طواف الإفاضة لحجهم. والحج الأكبر هو الحج المعروف، الذي يقابل العمرة، ووصف بالأكبر لتمييزه عن العمرة، التي تسمى بالحج الأصغر. إن هذا اليوم يوم عظيم، فيه خطب رسول الله ﷺ خطبته الشهيرة، والتي بين فيها تحريم الدماء والأموال والأعراض، ففي الصحيحين، من حديث أبى بكرة ﵁ أن النبي ﷺ خطب الناس يوم النحر، فقال: "الزَّمَانُ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ

стр. 80

وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. ثم قال ﵊:"أيها الناس: أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ ذُو الْحِجَّةِ؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ الْبَلْدَةَ؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَسَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ أَلاَ فَلاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلَّالاً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ". وفي هذا اليوم ينهي حجاج بيت الله الحرام معظم أعمال الحج، وذلك أنهم إذا صلوا فجر هذا اليوم بمزدلفة، ووقفوا عند المشعر الحرام، وذكروا الله

стр. 81

تعالى حتى يسفروا جداً، انصرفوا- بعد ذلك- إلى منى قبل طلوع الشمس امتثالاً لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٨- ١٩٩] . فإذا وصل الحاج إلى منى رمى جمرة العقبة، ووقت الرمي من طلوع الشمس إلى زوالها يوم النحر. ثم بعد الرمي ينحر أو يذبح هديه، ثم يحلق رأسه، وهو أفضل من التقصير، لأن الله تعالى بدأ به في قوله جل شأنه: ﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] . ولأنه فعل النبي ﷺ ، وقد دعا للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين واحدة، فإذا رمى جمرة العقبة وحلق رأسه أبيح له كل شيء حرم عليه بالإحرام إلا النساء،

стр. 82

ويسمى هذا بالتحلل الأول، ويسن له بعد هذا التحلل أن يتطيب، ويتوجه إلى البيت ليطوف طواف الإفاضة، وهو ركن الحج، ويسمى طواف الزيارة، ولا يتم الحج إلا به، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] . ويسعى لحجه أيضاً إن كان متمتعاً، وهذا السعي لحجه، والسعي الأول لعمرته، وأما القارن أو المفرِد، فإن كان قد سعى بعد طواف القدوم أول دخوله مكة كفاه ذلك عن السعي بعد طواف الإفاضة. ثم اعلم أيها الحاج الكريم: أن الأفضل في أعمال الحج يوم النحر أن ترتبها كما يلي: ترمى جمرة العقبة أولا، ثم تذبح أو تنحر هديك، ثم تحلق أو تقصر رأسك، ثم تطوف طواف الإفاضة بالبيت. وهذا هو السنة، فإن قَدَّم الحاج بعض هذه الأعمال على بعض، أجزأه ذلك؛ فإن النبي ﷺ ما سئل

стр. 83

في هذا اليوم عن شيء قدم ولا أُخِّرَ إلا قال: " افعل ولا حرج" متفق عليه. وذلك تيسير وتسهيل منه ﵊ على أمته. وفي الحج تحللان: التحلل الأول، والتحلل الثاني، فإذا رمى الحاج جمرة العقبة يوم العيد، وحلق رأسه أو قصره حل التحلل الأول، وحل له كل شيء كان محرماً عليه بالإحرام إلا الجماع فإنه لا يحل له بذلك، ويبقى محرماً عليه حتى يطوف طواف الإفاضة، ويسعى بين الصفا والمروة، فإذا فعل ذلك حل التحلل الثاني، وأبيح له كل شيء حتى النساء. فإذا طاف الحاج وسعى، عاد بعد ذلك إلى منى، ليبيت بها ثلاثة أيام بلياليها، يرمي فيها الجمار الثلاث، فالمبيت بمنى ليلة الحادي عشر والثاني عشر من واجبات الحج، وكذا ليلة الثالث عشر للمتأخر، وهو أفضل من التعجل وأعظم أجراً؛ فإن الله تعالى قال: ﴿وَاذْكُرُوا

стр. 84

اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى..﴾ [البقرة: ٢٠٣] ولأن ذلك فعل النبي ﷺ فإنه لم يتعجل، وبقى ومنى، ورمى اليوم الثالث عشر، ولا يفعل إلا ما هو الأفضل. ومن لم يذبح هديه في اليوم الأول ذبحه في أي يوم من أيام التشريق، فكلها محل للذبح، لقوله ﵊:"وفي كل أيام التشريق ذبح "، وإذا لم يجد المتمتع ولا القارن هدياً، وجب عليه صيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا عاد إلى بلده، وذلك لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] . وهو مخيّر في صيام الأيام الثلاثة، إن شاء صامها قبل يوم العيد، وإن شاء صامها أيام التشريق الثلاثة،

стр. 85

وهذه الأيام الثلاثة يحرم صيامها إلا لمن كان هذا حاله، لما ورد عن عائشة وابن عمر ﵃ قالا: "لم يرخص في أيام التشريق أن يُصَمْنُ إلا لمن لم يجد الهدي " رواه البخاري. ثم إذا عاد إلى أهله صام الأيام السبعة الباقية، وهو بالخيار إن شاء صامها متتابعة، وإن شاء فرّقها.

стр. 86

أيام التشريق يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣] . قال المفسرون: الأيام المعدودات هي أيام التشريق، قال الإمام القرطبي: لا خلاف بين العلماء أن الأيام المعدودات في هذه الآية هي أيام منى، وهي أيام التشريق، وأن هذه الأسماء الثلاثة واقعة عليها. وأيام التشريق أيام أكل وشرب، وإظهار للفرح والسرور، يذكر المسلم فيها ربه عقب الصلوات المكتوبات، وفي كل أحواله، ويشمل الأمر بذكر الله الحاج وغيره. وهذه الأيام الثلاثة يبيت فيها الحجاج بمنى، ويرمون فيها الجمار، فإذا كان اليوم الحادي عشر وهو أول أيام التشريق، وزالت الشمس من ذلك

стр. 87

اليوم، ابتدأ وقت الرمي، ولا يجوز رمي قبل الزوال، ويبتدئ برمي الجمرة الأولى وهي الصغرى التي تلي مسجد الخيف، يرميها بسبع حصيات متعاقبات، يكبر مع كل رمية، فإذا رماها يسن له أن يتأخر عنها، ويجعلها عن يساره، ويستقبل القبلة، ويرفع يديه ويدعو، ويكثر من دعائه وتضرعه لله تعالى. ثم يتجه إلى الجمرة الوسطى فيرميها، ثم يدعو عندها كما فعل في الأولى. ثم يرمي الجمرة الثالثة، وهى جمرة العقبة، ولا يقف للدعاء عندها لعدم ثبوت ذلك عن النبي ﷺ . واعلم أيها الحاج الكريم أن لرمي الجمار أحكاماً ينبغي معرفتها، نبّه إليها العلماء وذكروها في كتبهم. فمن تلك الأحكام ما يتعلق بالرمي وصفته، فالحصى الذي يُرمَى به يكون بحجم الحمّصة تقريباً، ويلقط الحصى من منى أو مزدلفة أو غيرهما، كلُّ يوم

стр. 88

بيومه، ولا يجب في الرمي أن تضرب الحصاة العمود الشاخص، بل الواجب أن تستقر في الحوض المستدير حوله، فلو ضربت العمود ولم تسقط في الحوض وجب عليه أن يرمي بدلها، ولو سقطت في الحوض واستقرت له أجزأت، وإن لم تضرب الشاخص. ولو نسى الرامي حصاة من إحدى الجمار فلم يرمها ولم يذكر إلا فيما بعد، عاد ورمى الحصاة التي نسيها. ويجب على كل حاج أن يرمي بنفسه إن كان قادراً على الرمي، ولا يجوز أن يوكل غيره، سواء كان حجه فريضة أو تطوعاً، إلا أن يضق عليه الرمي كالرجل المسن، والمريض، والمرأة الحامل، أو الضعيفة، ونحوهم، فهؤلاء يجوز لهم التوكيل. ويبدأ الوكيل بالرمي عن نفسه أولاً، ثم يرمي عن موكله، ويجوز أن يرمي في موقف واحد، فيرمي عن نفسه ثم عن موكله، ولا يلزمه أن يرمي، الجمرات

стр. 89

الثلاث عن نفسه أولاً، ثم يعود مرة أخرى فيرمي عن موكله، كما يفيد ذلك ظاهر حديث جابر ﵁، قال: (حججنا مع النبي ﷺ فلبينا عن الصبيان، ورمينا عنهم) رواه ابن ماجه، فظاهره أنهم كانوا يفعلون ذلك في موقف واحد، إذ لو كانوا يكملون الثلاث عن أنفسهم، ثم يرجعون من أوال عن الصبيان، لبينوا ذلك ولنقل عنهم. وأما رمي الجمرات ليلاً، فجمهور العلماء على جوازه، لما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄، قال: " كان النبي ﷺ يُسْأَل يوم النحر بمنى، فيقول: لا حرج، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ قال: اذبح ولا حرج، وقال: رميت بعد ما أمسيت؟، قال: ارم ولا حرج ". وهذا الحديث يدل على جواز الرمي في الليل؟ لأن اسم المساء يصدق على الليل، فيجوز الرمي ليلاً لمن كان له عذر، مثل الرعاة، والسقاة، وكبار السن،

стр. 90

وضعاف البنية؛ والنساء عموماً لمنع اختلاطهن بالرجال، وخوف التكشف. ولاشك أن الأفضل هو الرمي نهاراً كما فعل رسول الله ﷺ ، ولكن شدة الزحام في هذا الزمن، وكثرة الحجاج، وما يجد كثير من الناس من المشقة في الرمي نهاراً، كل ذلك يرجح القول بجواز الرمي ليلا، وهذا الذي يوافق يسر الإسلام وسماحته وسهولته، فإن بعض الناس قد يموت أثناء الرمي، لكثرة التدافع حول الجمرات، والوقت من زوال الشمس إلى غروبها لا يستوعب جموع الحجيج كلها، ولا يكفى لرمي الأعداد الهائلة من الحجاج. قال الشيخ محمد بن عثيمين- ﵀: الأفضل للإنسان أن يرمى الجمرات في النهار، فإن كان يخشى من الزحام، فلا بأس أن يرميها ليلاً، وذلك لأن الببي ﷺ ، وقَّت ابتداء الرمي، ولم يوقّت انتهاءه، فدل هذا على أن الأمر في ذلك واسع.

стр. 91

أيها الحاج: في هذه الأيام المباركة، أيام التشريق، ينبغي للمسلم أن يكثر من ذكر الله تعالى، والتكبير، والاستغفار، وقراءة القران، روى مسلم في صحيحه عن نبيشة الهذلي- ﵁ أن النبي ﷺ ، قال: "أيام منى أيام أكل وشرب وذكر لله ". وذكر الله المأمور به في أيام التشريق، أنواع متعددة، كما يقول الحافظ ابن رجب ﵀، منها ذكره تعالى عقب الصلوات المكتوبات بالتكبر في أدبارها، وهو مشروعٌ إلى آخر يوم من أيام التشريق، ومنها ذكره تعالى على الأكل والشرب، فإن المشروع في الأكل والشرب، أن يسمي الله في أوله، ويحمده في آخره، وقد قال ﵊: " إن الله يرضى عن العبد، أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها" رواه مسلم. ومنها ذكر الله تعالى بالتكبير عند رمي الجمار

стр. 92

في أيام التشريق، ومنها ذكر الله تعالى المطلق، فيستحب الإكثار منه في أيام التشريق، وقد كان عمر يكبر بمنى في قبته، فيسمعه الناس فيكبرون، فترتج منى تكبيرا. واستحب كثير من السلف الإكثار من هذا الدعاء في أيام التشريق، قال عكرمة: كان يستحب أن يقال في أيام التشريق: " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار". وهذا الدعاء من أجمع الأدعية، وقد كان النبي ﷺ يكثر منه، وروي أنه كان أكثر دعائه، وكان إذا دعا بدعاء جعله معه، فإنه يجمع خيري الدنيا والآخرة. قال الحسن البصري: الحسنة في الدنيا: العلم والعبادة، وفي الآخرة: الجنة. اللهم اجعل في قلوبنا نوراً نهتدي به إليك، وتولنا بحسن رعايتك حتى نتوكل عليك، وارزقنا

стр. 93

حلاوة ذكرك والتذلل بين يديك،. واغفر لنا ولوالدينا، ولجميع المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 94

ختام أعمال الحج في اليوم الثاني من أيام التشريق، وهو اليوم الثاني عشر، يبقى الحاج في منى، فإذا كان الزوال رمى الجمرات الثلاث كما رماها بالأمس، مبتدئاً بالجمرة الصغرى التي تلي مسجد الخيف، فالوسطى، فجمرة العقبة. فإذا انتهى من الرمي فهو بالخيار: إن شاء تأخّر ويبقى في منى يومه هذا،- وبات فيها ليلة الثالث عشر، ورمى الجمرات من الغد على نحو ما رماها في هذا اليوم. وإن شاء تعجل، قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣] . قال كثير من السلف: يريد أن المتعجل والمتأخر يغفر له، ويذهب عنه الإثم الذي كان عليه قبل حجه

стр. 95

إذا حجَّ فلم يرفث ولم يفسق، ويرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، ولهذا قال تعالى: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ . وقال الطبري: قال بعض العلماء: معناه: فمن تعجل في يومين من أيام التشريق، فنفر في اليوم الثاني، فلا إثم عليه في نفره وتعجله في النفر، ومن تأخر عن النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق إلى اليوم الثالث حتى ينفر في اليوم الثالث فلا إثم عليه في تأخره. والأفضل للحاج أن يؤخر النفر إلى اليوم الثالث، فيبيت في منى ليلة الثالث عشر فإذا كان وقت الزوال من ذلك اليوم رمى الجمرات الثلاث، وذلك اقتداء بالنبي ﷺ فإنه لم يتعجل بل بقى. بمنى في اليوم الثالث عشر ورمى الجمرات بعد الزوال، ثم ارتحل قبل أن يصلى الظهر ﵊. وقد رخص ﵊ للناس في التعجل، فمن رمى الجمرات في اليوم الثاني عشر بعد

стр. 96

الزوال، وأراد النفر جاز له ذلك، لكن يجب عليه أن يخرج من منى قبل غروب شمس ذلك اليوم، فمان غربت عليه الشمس وهو بمنى لزمه المبيت، ورمي الجمار من الغد. لكن لو أراد الحاج أن يتعجل، وغربت عليه الشمس دون اختياره، كأن يتأخر بسبب زحمة السيارات أو نقل الأثاث أو نحوهما، فإنه لا يلزمه التأخر؛ لأن تأخره إلى الغروب بغير اختياره، وقد شرع في التعجل. أيها الحاج الكريم: إذا خرج الحاج من منى وأتم أعمالَ حجه، وأراد أن يعود إلى بلده، وجب عليه واحد من واجبات الحج، وهو طواف الوداع، ولا يسقط هذا الطواف إلا عن المرأة الحائض أو النفساء، فإنه لا وداع عليهما. ويدل لذلك قول ابن عباس ﵄ في الصحيحين: "أُمِرَ الناسُ أن يكون آخرُ عهدهم

стр. 97

بالبيت، إلا أنه رخص للمرأة الحائض ". ويطوف طواف الوداع سبعة أشواط خول البيت. وإن كان الحاج لم يطف طواف الإفاضة للحج وأخره إلى حين خروجه، جاز له أن يطوف طوافاً واحداً يجزئه عن طواف الإفاضة وطواف الوداع، لكن يشترط أن ينوي ذلك قبل ابتداء الطواف، لقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" متفق عليه. وطواف الإفاضة ركن، وطواف الوداع واجب، فيدخل الأصغر في الاكبر. فإن طاف طوافاً واحداً للوداع ولم ينو طواف الإفاضة لم يجزئه. كما لا يجوز للحاج أن يقدم طوافَ الوداع على رمي الجمار، كما يفعل بعض الناس من الطواف ضحى ذلك اليوم، ثم يرمون الجمار بعد الزوال، ثم يعودون إلى بلدانهم، فإن هذا مخالف لقوله عليه

стр. 98

الصلاة والسلام:"لا ينفرنّ أحد من الحاج حتى يكون آخر عهده بالبيت" رواه مسلم. ولأن ذلك كان فعل النبي ﷺ ، فإن آخر أعمال الحج التي فعلها قبل أن يعود إلى المدينة أنه طاف طواف الوداع. والخير كل الخير في اتباع سنته ﵊، والحرص على التأسي به في أقواله وأفعاله، حتى ينال الأجر من الله تعالى، وحتى يحج الحجة الصحيحة، وقد أمر ﵊ بالإقتداء به، وكان كلما أدى عملا من أعمال الحج، قال: "لتأخذوا عني مناسككم ". رواه مسلم. فإذا طاف طواف الوداع، لا يجوز له أن يبقى في مكة، ولا أن يتشاغل بشيء، إلا ما يتعلق بأمر سفره من شراء بعض ما يحتاجه في الطريق، أو كان ينتظر بقية رفقته المسافرين معه. ومما ينبغي التنبيه عليه هنا، أنه إذا طاف طواف

стр. 99

الوداع، فلا يفعل ما يفعله المبتدعة من الرجوع إلى الخلف من داخل المسجد الحرام حتى يصل إلى الباب. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإذا وَلَّى لا يقف، ولا يلتفت، ولا يمشي القهقهرى. كما لا يقف عند الباب كثيراً، أو يتلفظ بأذكار يودع فيها البيت، فإن هذا كله من البدع ". ثم ليجتهد المسلم بعد أن مَنَّ الله عليه بختام أعمال الحج، ويَسَّر له ذلك أن يجتهد ويكثر الدعاء لله تعالى بالقبول، فإن من تقبّل الله منه حجه عاد إلى أهله سليماً من الذنوب والسيئات، وهذا بغية كل مسلم. وقد كان السلف ﵏ يجتهدون في إتمام العمل، وإكماله وإتقانه، ثم يهتمون بعد ذلك بقبوله، ويخافون من رده. وقد روي عن على ﵁ أنه قال: كونوا لقبول العمل أشد اهتماماً منكم بالعمل، ألم تسمعوا

стр. 100

قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] . وقال فضالة بن عبيد ﵁: لأن أكون أعلم أن الله قد تقتل مني مثقال حبة من خردل، أحب إليّ من الدنيا وما فيها. اللهم إنا نستغفرك لذنوبنا، ونستهديك لمراشد أمورنا، ونستجيرك من شرور أنفسنا، ونتوب إليك فتب علينا، يا من أظهر الجميل، وستر القبيح، يا عظيم العفو، يا حسن التجاوز، يا واسع المغفرة، يا كريم الصفح، تقبل منا أعمالنا، وتقبل من حجاج بيتك الحرام، واجعل حجهم مبروراً، وذنبهم مغفوراً، وسعيهم مشكوراً.

стр. 101

خاتمة: زيارة مدينة النبي ﷺ روى أبو هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" متفق عليه. بيَّن ﵊ في هذا الحديث أنه لا يجوز للمسلم أن ينشئ سفراً، ويعزم عليه، ويقصد أيّ مكان على هذه الأرض بقصد العبادة والقربة، إلا لواحد من هذه المساجد، التي ذكرها المصطفى ﵊ في حديثه، وهي المسجد الحرام بمكة، والمسجد النبوي بالمدينة، والمسجد الأقصى. فزيارة المسجد النبوي سنة، يبتغي بها المسلم الأجر والثواب من الله، وزيادة الحسنات، ورفعة الدرجات، من المتفضل الوهاب، جل في علاه. وليصلي في مسجد المصطفى عليه الصلاة

стр. 102

والسلام، فينال ثواب المضاعفة، قال ﷺ : " صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام" متفق عليه. وليس قصد المدينة لزيارة قبره ﷺ بعد الحج، أو في أي وقت من الأوقات، فإن ذلك من البدع المحدثة في الدين، وليس في كلام أهل العلم الذين يعتد بكلامهم، ويستأنس بأقوالهم، سلفاً وخلفاً ما يدل على شرعية الزيارة لا غير، وحَسْب المسلم أن تكون أفعاله وعباداته مستمدة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله الكريم ﷺ ، وأفعال الصحابة ﵃، والسلف الصالح، إذ لو كان ذلك من الأفعال المحمودة شرعاً، والمقبولة عند الله تعالى، لكانوا أول الناس امتثالا، وأسرعهم استجابة لذلك. لكن ليعلم أن زيارة قبر النبي ﷺ ، لا ارتباط لها بالحج، فليست شرطاً من شروطه، ولا واجباً من واجباته، ولا علاقة لها به، كما يتصور ذلك بعض

стр. 103

العوام، الذين يعتمدون في ذلك على أخبار نسبها الوضاعون إلى سيد الخلق ﵊، ونشروها وروّجوا لها، ولم يثبت شيء منها. منها: (مَن حج البيت ولم يزرني فقد جفاني) ، ومنها: (مَن زارني وزار أبي إبراهيم في عام واحد دخل الجنة) ، و (مَنْ زار قبري وجبت له شفاعتي) ، وغير ذلك من الأخبار المكذوبة المختلقة التي لم تثبت عنه ﷺ ، والتي عدها العلماء المحققون ذوو الاختصاص أنها أحاديث منكرة لا تصح، وقد قال أشرف الورى، وسيد الخلق ﷺ : " من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار". متفق عليه. فإذا توقفت زيارة قبره ﷺ على إنشاء السفر، لم تُجز؛ فإنه ﵊ لم يدْعُ أمته إلى ذلك، ولم يُرغّب فيه، بل إنه قال: "لا تجعلوا قبري عيداً" رواه أبو داود، وقال ﷺ : "اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعْبَد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور

стр. 104

أنبيائهم مساجد" رواه مالك. فعلى المسلم أن يتحرّى في عباداته لربه، وأن يتوقف عند النصوص الشرعية الثابتة، ويهتدي بما دلت عليه، وأن لا يتجاوزها إلى ما يُخشى منه، إذ قد يكون ذلك سبباً في إيقاعه في الجهالة والضلالة، والخير كل الخير في الإقتداء بنهج المصطفى ﵊ وما كان عليه سلف الأمة. ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] . فزيارة قبر النبي ﷺ ، تكون تبعاً لزيارة مسجده ﷺ ، فإذا وصل الزائر لمسجده ﷺ ، استحب له أن يقدم رجله اليمنى عند دخوله، ويدعو بدعاء الدخول، ثم يصلي ركعتين أو ما استطاع، والأولى أن تكون في الروضة الشريفة، فقد قال ﵊: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة" متفق عليه.

стр. 105

وبعد الصلاة يستحب له زيارة قبره ﷺ ، فيأتي إلى مواجهته ويستقبل القبر،! ويستدبر القبلة، ويقف قبالة النافذة الدائرية اليسرى، مبتعداً عنها، ويسلم على النبي ﷺ ، ويقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، أشهد أنك رسول الله، وانك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وجاهدت في الله حق جهاده، فجزاك الله عن أمتك أفضل ما جزى نبياً عن أمته. ثم يأخذ ذات اليمين قليلاً، فيسلم على أبي بكر الصديق ﵁، ويترضّى عنه، ثم يأخذ ذات اليمين قليلاً- أيضاً- فيسلّم على عمر ﵁، ويترضّى عنه، ولم يثبت عنه ﷺ صيغة معيَّنة في

стр. 106

الصلاة والسلام عليه عند قبره، ويُسن له الإكثار من الصلوات المفروضة والنافلة في المسجد حتى ينال أجر وثواب ذلك. ولتعلم- أيها المسلم- أن هناك من الناس من يتعمّد الإقامة في المدينة ثمانية أيام حتى يصلى أربعين صلاة، ويعتمد في ذلك على حديث ضعيف روي في هذا، وهو: " من صلى في مسجدي أربعين صلاة لا تفوته صلاة، كتبت له براءة من النار، ونجاة من العذاب، وبرئ من النفاق ". وهذا لم يثبت عنه ﷺ ، وإنما ورد عنه ﷺ الحثّ والترغيب على التبكير لحضور جميع الصلوات مع جماعة المسلمين في سائر المساجد، ولم يخص مسجده ﷺ دون غيره، فقد صحح بعض العلماء أنه ﷺ قال: " من صلى لله أربعين يوماً في جماعة، يدرك التكبيرة الأولى، كتب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق" رواه الترمذي.

стр. 107

وليحذر المسلم في زيارته من الوقوع في المخالفات والمحذورات، كالتمسّح بالسياج والحواجز والشبابيك المحيطة بالحجرة النبوية، أو تقبيلها والتزامها، أو الطواف حولها، فإن ذلك من وسائل الشرك، وطريق مفض إلى الوقوع فيه، وكذلك لا يجوز استقبال قبر النبي ﷺ حال الدعاء، أو رفع اليدين عنده، أو استقباله والتوجه إليه من بُعْدٍ، وتحريك الشفتين بالسلام عليه، ووضع اليدين على الصدر كهيئة الوقوف في الصلاة، فإن ذلك من الأمور المنكرة. كما لا يجوز رفع الصوت عند القبر، وطول القيام؛ لأن ذلك يُسببُ كثرة الزحام؛ وحصول الأذى، والضرر بالآخرين. فما أجمل الالتزام بالسنة في كل الأمور، واتباع منهج السلف الصالح، فما ورد عنه ﷺ وجب الأخذ به، والتمسك بأصوله وفروعه، وما نهى عنه وجب

стр. 108

اجتنابه، والبعد عنه ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب: ٢١] .

стр. 109

مصادر ومراجع ... أهم المصادر صلة الناسك، لابن الصلاح [تحت التحقق للمؤلف] . إيضاح المناسك، للنووي. القرى لقاصد أم القرى، للطبري. هداية السالك، لابن جماعة. التحقيق والإيضاح، للشيخ عبد العزيز بن باز. المنهج لمريد العمرة والحج، للشيخ محمد بن عثيمين. الحج المبرور، للشيخ أبو بكر الجزائري.