الفصل الخامس: حكم دعاء أصحاب القبور والاستغاثة بهم، ومتى يُحكم على مَن دعاهم واستغاث بهم بالكفر؟
البناءُ على القبور واتِّخاذها مساجد من البدع المحرَّمة التي تؤدِّي إلى الشرك والكفر بالله، وأمَّا دعاء أصحاب القبور والاستغاثة بهم وسؤالهم قضاء الحاجات وكشف الكربات، فهو شرك أكبر مُخرجٌ من الملَّة، ويُقال لهذا الفعل: شرك وكفر، ولا يُقال لكلِّ من فعل ذلك إنَّه مشرك كافر؛ فإنَّ من فعل ذلك وهو جاهل معذورٌ لجهله حتى تُقام عليه الحجَّة ويفهمها ثمَّ يُصرُّ على ذلك، فإنَّه حينئذ يُحكم بكفره وردَّته، والفتنة في القبور من الأمور التي يكون فيها لَبسٌ عند كثير من الناس، مِمَّن نشأ في بيئة تعتبر تعظيم القبور ودعاء أصحابها من محبَّة الصالحين، لا سيما إذا كان بينهم أحد من أشباه العلماء الذين يتقدَّمونهم في تعظيم القبور والاستغاثة بأصحابها، زاعمين أنَّهم وسائط تقرِّب إلى الله.
والعذرُ بالجهل في مسائل التكفير والتبديع للشخص المعيَّن هو الذي عليه كثيرون من أهل العلم، وهذه نماذج من أقوالهم في ذلك:
١ ـ قال الإمام الشافعي ﵀ (٢٠٤هـ) : "لله أسماء وصفات لا يسع أحداً ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فقد كفر، وأمَّا قبل قيام الحجة فإنَّه يُعذرُ بالجهل؛ لأنَّ علم ذلك لا يُدرك بالعقل ولا الرؤية والفكر، فنُثبت هذه الصفات وننفي عنه التشبيه كما نفى عن نفسه، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ". فتح الباري (١٣/٤٠٧) .
٢ ـ وقال أبو بكر بن العربي ﵀ (٥٤٣هـ) : "فالجاهل والمخطئ من هذه الأمَّة ولو عمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه
стр. 37
مشركاً أو كافراً، فإنَّه يُعذر بالجهل والخطأ حتى تتبيَّن له الحجَّة التي يكفر تاركها بياناً واضحاً، ما يلتبس على مثله، وينكر ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام، مِمَّا أجمعوا عليه إجماعاً جليًّا قطعيًّا يعرفه كلٌّ من المسلمين من غير نظر وتأمًُّل". محاسن التأويل للقاسمي (٥/١٣٠٧ ـ ١٣٠٨) .
٣ ـ وقال ابن قدامة ﵀ (٦٢٠هـ) : "وكذلك كلُّ جاهل بشيء يُمكن أن يجهله، لا يُحكم بكفره حتى يعرف ذلك وتزول عنه الشبهة ويستحله بعد ذلك". المغني (١٢/٢٧٧) .
٤ ـ وقال النووي ﵀ (٦٧٦هـ) : "وكذلك الأمر في كلِّ من أنكر شيئاً مِمَّا أجمعت الأمة عليه من أمور الدِّين، إذا كان علمه منتشراً كالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان والاغتسال من الجنابة وتحريم الزنا والخمر ونكاح ذوات المحارم، ونحوها من الأحكام، إلاَّ أن يكون رجلاً حديث عهد بالإسلام ولا يعرف حدوده، فإذا أنكر شيئاً منها جهلاً به لم يكفر". شرح صحيح مسلم (١/٢٠٥) .
٥ ـ وقال ابن تيمية ﵀ (٧٢٨هـ) في مجموع الفتاوى (١٢/٥٢٣ ـ ٥٢٤) : "من كان مؤمناً بالله ورسوله مطلقاً ولم يبلغه من العلم ما يبين له الصواب، فإنَّه لا يُحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجَّة التي من خالفها كفر؛ إذ كثير من الناس يخطئ فيما يتأوله من القرآن ويجهل كثيراَ مِمَّا يرد من معاني الكتاب والسنة، والخطأ والنسيان مرفوعان عن هذه الأمَّة، والكفر لا يكون إلاَّ بعد البيان".
وقال أيضاً (١٢/٥٠١) : "فليس لأحد أن يكفِّر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تُقام عليه الحجة، وتبين له المحجَّة، ومن ثبت إيمانه
стр. 38
بيقين، لم يَزُل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلاَّ بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة".
وقال أيضاً (٧/٦١٩) : "والتحقيق في هذا أنَّ القول قد يكون كفراً: كمقالات الجهمية الذين قالوا: إنَّ الله لا يتكلَّم، ولا يُرى في الآخرة، ولكن قد يخفى على بعض الناس أنَّه كفر، فيطلق القول بتكفير القائل، كما قال السلف: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال: إنَّ الله لا يُرى في الآخرة فهو كافر، ولا يكفر الشخص المعيَّن حتى تقوم عليه الحجة".
وقال أيضاً في الرد على البكري (ص:٢٥٨ ـ ٢٦٠) : "فلهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفِّرون مَن خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفِّرهم؛ لأنَّ الكفرَ حكمٌ شرعي، فليس للإنسان أن يعاقب بمثله، كمن كذب عليك وزنى بأهلك ليس لك أن تكذب عليه وتزني بأهله؛ لأنَّ الكذب والزنا حرام لحق الله تعالى، وكذلك التكفير حق لله، فلا يكفر إلاَّ من كفَّره الله ورسوله، وأيضاً فإنَّ تكفير الشخص المعيَّن وجواز قتله موقوف على أن تبلغه الحجَّة النبوية التي يكفر من خالفها، وإلاَّ فليس كلُّ من جهل شيئاً من الدِّين يكفر".
إلى أن قال: "وقد ثبت في الصحيحين حديث الذي قال لأهله: (إذا أنا متُّ فاسحقوني ثم ذروني في اليمِّ، فوالله! لئن قدر الله عليَّ ليعذِّبني عذاباً ما عذَّبه أحداً من العالمين، فأمر الله البَرَّ فردَّ ما أخذ منه، وأمر البحر فردَّ ما أخذ منه، وقال: ما حملك على ما فعلتَ؟ قال: خشيتك يا ربِّ! فغفر له) ، فهذا اعتقد أنَّه إذا فعل ذلك لا يقدر الله على إعادته، وأنَّه لا يُعيده أو جوَّز ذلك، وكلاهما كفر، لكن كان جاهلاً لم يتبيَّن له الحقُّ بياناً يكفر بمخالفته فغفر الله له".
стр. 39
٦ ـ وقال ابن القيم ﵀ (٧٥١هـ) في طريق الهجرتين (ص:٥٤٦) : "إنَّ العذاب يُستحقُّ بسببين:
أحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم إرادتها والعمل بها وبموجبها.
الثاني: العناد لها بعد قيامها وترك إرادة موجبها.
فالأول كفر إعراض، والثاني كفر عناد، وأمَّا كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها، فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل".
٧ ـ وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ (١٢٠٦هـ) : "وأمَّا الكذب والبهتان، فمثل قولهم: إنَّا نكفِّر بالعموم ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، وإنَّا نكفِّر مَن لم يكفر ومن لم يُقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه، فكلُّ هذا من الكذب والبهتان الذي يصدُّون به الناس عن دين الله ورسوله، وإذا كنَّا لا نكفِّر مَن عبَد الصنمَ الذي على عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما؛ لأجل جهلهم وعدم مَن يُنبِّههم، فكيف نكفِّر من لم يشرك بالله إذا لم يُهاجر إلينا، أو لم يكفر ويُقاتل، سبحانك هذا بهتان عظيم". الدرر السنية (١/٦٦) .
وهذا آخر التقديم لكتابَي تطهير الاعتقاد وشرح الصدور للإمامَين الصنعاني والشوكاني، والحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 40
تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد
تأليف: الإمام العلامة الشهير الأمير
محمد بن إسماعيل اليمني الصنعاني
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[قال الإمام العلامة الحَبر الفهَّامة الشيخ محمد بن إسماعيل الصنعاني رحمه الله تعالى] ١.
الحمد لله الذي لا يقبل توحيد ربوبيته من العباد حتى يُفردوه بتوحيد العبادة كلَّ الإفراد، فلا يتَّخذون له ندًّا، ولا يَدْعون معه أحداً، ولا يتَّكلون إلاَّ عليه، ولا يَفزعون في كلِّ حال إلاَّ إليه، ولا يَدعونه بغير أسمائه الحسنى، ولا يتوصَّلون إليه بالشفعاء: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ؟
وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك٢ له ربًّا ومعبوداً، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، الذي أمره أن يقول: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ، وكفى بالله شهيداً، صلى الله عليه وعلى آله٣ والتابعين له في السلامة من العيوب وتطهير القلوب، عن اعتقاد كلِّ شين يشوب٤.
стр. 41
وبعد:
فهذا (تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد) وجب عليَّ تأليفه، وتعيَّن عليَّ ترصيفه؛ لِمَا رأيته وعلمته يقيناً١ من اتخاذ العباد الأنداد في الأمصار والقرى وجميع البلاد، من اليمن والشام ومصر ونجد وتهامة وجميع ديار الإسلام.
وهو الاعتقاد في القبور وفي الأحياء مِمَّن يدَّعي العلم بالمغيَّبات والمكاشفات، وهو من أهل الفجور، لا يَحضر للمسلمين مسجداً، ولا يُرَى لله راكعاً ولا ساجداً، ولا يَعرف السنَّةَ ولا الكتاب، ولا يَهاب البعثَ ولا الحساب.
فوجب عليَّ أن أنكر ما أوجب الله إنكارَه، ولا أكون من الذين يكتمون ما أوجب الله إظهاره٢.
فاعلم أنَّ ههنا أصولاً هي من قواعد الدِّين، ومِن أهم ما تجب معرفته على الموحِّدين:
стр. 42
الأصل الأول
أنَّه قد عُلم من ضرورة الدِّين أنَّ كلَّ ما في القرآن فهو حقٌّ لا باطل، وصِدْقٌ لا كذب، وهدى لا ضلالة، وعلمٌ لا جهالة، ويقين لا شك فيه.
فهذا الأصل أصلٌ لا يتمُّ إسلامُ أحد ولا إيمانه إلاَّ بالإقرار به، وهذا مُجمعٌ عليه لا خلاف فيه١.
الأصل الثاني
أنَّ رسلَ الله وأنبياءه ـ من أوِّلهم إلى آخرهم ـ بُعثوا لدعاء العباد إلى توحيد الله بتوحيد العبادة، فكلُّ رسول أوَّل ما يَقرَع به أسماعَ قومِه قوله: ﴿اقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ، ﴿أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ﴾ ، ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ ، وهذا هو الذي تضمَّنه قول (لا إله إلاَّ الله) .
فإنَّما دَعَت الرسلُ أمَمَها إلى قول هذه الكلمة واعتقاد معناها، لا مجرَّد قولها باللسان، ومعناها: هو إفراد الله بالإلهية والعبادة، والنفي لِما يُعبد من دونه والبراءة منه، وهذا الأصل لا مرية فيما تضمَّنه، ولا شكَّ فيه، وفي أنَّه لا يتم إيمانُ أحد حتى يعلمه ويحققه٢.
стр. 43
الأصل الثالث
أنَّ التوحيد قسمان:
القسم الأول:
توحيد الربوبية والخالقية والرَّازقية ونحوها، ومعناه: أنَّ الله وحده هو الخالق للعالَم، وهو الرَّبُّ لهم والرازق لهم، وهذا لا ينكره المشركون ولا يجعلون لله فيه شريكاً، بل هم مُقرُّون به، كما سيأتي في الأصل الرابع.
والقسم الثاني:
توحيد العبادة، ومعناه: إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادات الآتي بيانها، فهذا هو الذي جعلوا لله فيه شركاء، ولفظ الشريك يُشعر بالإقرار بالله تعالى.
فالرسل ﵈ بُعثوا لتقرير الأول ودعاء المشركين إلى الثاني، مثل قولهم في خطاب المشركين: [١٤: ١٠] ١ ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ ، [٣٥: ٣] ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ ، ونهيهم عن شرك العبادة، ولذا قال الله تعالى: [١٦: ٣٦] ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ، أي: قائلين لأمَمهم أنِ اعبدوا الله، فأفاد بقوله: ﴿فِي كُلِّ أُمَّةٍ﴾ أنَّ جميع الأمم لم تُرسل إليهم الرسل وتُبعث٢ إلاَّ لطلب توحيد العبادة، لا للتعريف بأنَّ الله هو الخالق للعالَم، وأنَّه ربُّ السموات والأرض، فإنَّهم مقرُّون بهذا.
стр. 44
ولهذا لم ترد الآيات فيه ـ في الغالب ـ إلاَّ بصيغة استفهام التقرير، نحو: [٣٥: ٣] ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ ؟ [١٦: ٧] ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ ؟ [١٤: ١٠] ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؟ [٦: ١٤] ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؟ [٣١: ١١] ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ ؟ [٤٦: ٤] ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ؟ استفهام تقرير لهم لأنهم به مقرُّون.
وبهذا تعرف أنَّ المشركين لم يتخذوا الأصنام والأوثان١ ولم يعبدوها، ولم يتخذوا المسيح وأمَّه، ولم يتخذوا الملائكة شركاءَ لله تعالى، لأجل أنَّهم أشركوهم في خلق السموات والأرض، وفي خلق أنفسهم؛ بل اتخذوهم لأنَّهم يقرِّبونهم٢ إلى الله زلفى، كما قالوه، فهم مقرُّون بالله في نفس كلمات كفرهم، وأنَّهم شفعاء عند الله، قال الله تعالى: [١٠: ١٨] ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ، فجعل الله تعالى اتِّخاذهم للشفعاء شركاً، ونزَّه نفسَه عنه؛ لأنَّه لا يشفع عنده أحدٌ إلاَّ بإذنه، فكيف يُثبتون شفعاءَ لهم لَم يأذن الله لهم في شفاعة، ولا هم أهل لها، ولا يغنون عنهم من الله شيئا؟! ٣
стр. 45
الأصل الرابع
أنَّ المشركين الذين بعث اللهُ الرسلَ إليهم مقرُّون أنَّ الله خالقُهم [٤٣: ٨٧] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ، وأنَّه هو الذي خلق السموات والأرض [٤٣: ٩] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ، وأنَّه الرزَّاق الذي يُخرج الحيَّ من الميِّت ويُخرج الميِّتَ من الحي، وأنَّه الذي يُدبِّرُ الأمرَ من السماء إلى الأرض، وأنَّه الذي يَملك السمعَ والأبصار والأفئدة، [١٠: ٣١] ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ، [٢٣: ٨٤ ـ ٨٩] ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ؟ ١
وهذا فرعونُ مع غلُوِّه في كفره ودعواه أقبح دعوى ونطقه بالكلمة الشنعاء، يقول الله في حقِّه حاكياً عن موسى ﵇: [١٧: ١٠٢] ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ ، وقال إبليس: [٥٩: ١٦] ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ ، وقال: [١٧: ٣٩] ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ ، وقال: [١٥: ٣٦] ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي﴾ ، وكلُّ مشرك مُقر بأنَّ الله خالقُه وخالق السموات والأرض وربُّهن٢ وربُّ ما فيهنَّ
стр. 46
ورازقُهم، ولهذا احتجَّ عليهم الرسل بقولهم: [١٦: ١٧] ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ ، وبقولهم: [٢٢: ٧٢] ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ ، والمشركون مقرُّون بذلك ولا ينكرونه.
الأصل الخامس
أنَّ العبادة أقصى باب الخضوع والتذلل، ولم تُستعمل إلاَّ في الخضوع لله؛ لأنَّه مُولي أعظم النِّعم، وكان لذلك حقيقاً بأقصى غاية الخضوع، كما في (الكشاف) ١.
ثمَّ إنَّ رأسَ العبادة وأساسَها التوحيدُ لله الذي تفيده كلمته التي إليها دعت جميع الرسل، وهي قول (لا إله إلاَّ الله) ، والمراد اعتقاد معناها والعمل بمقتضاها، لا مجرَّد قولها باللسان.
ومعناها: إفراد الله بالعبادة والإلهية، والنفي والبراءة من كلِّ معبود دونه، وقد علم الكفار هذا المعنى؛ لأنَّهم أهلُ اللسان العربي، فقالوا: [٥: ٣٨] ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾
стр. 47
فصل
إذا عرفتَ هذه الأصول فاعلم أنَّ الله تعالى جعل العبادة له أنواعاً:
اعتقادية: وهي أساسُها، وذلك أن يعتقد أنَّه الربُّ الواحد الأحدُ الذي له الخلق والأمر، وبيده النفع والضر، وأنَّه الذي لا شريك له، ولا يشفع عنده أحد إلاَّ بإذنه، وأنَّه لا معبود بحق غيره، وغير ذلك من لوازم الإلَهية.
ومنها لفظية: وهي النطق بكلمة التوحيد، فمَن اعتقد ما ذكر ولَم ينطق بها لم يحقن دمه ولا ماله، وكان كإبليس، فإنَّه يعتقد التوحيدَ، بل ويُقرُّ به كما أسلفناه عنه، إلاَّ أنَّه لم يَمتثل أمرَ الله بالسجود١ فكفر، ومَن نطق بها٢ ولَم يعتقد حقن ماله ودمه وحسابه على الله، وحكمُه حكم المنافقين.
وبدنية: كالقيام والركوع والسجود في الصلاة، ومنها الصوم وأفعال الحج والطواف.
ومالية: كإخراج جزء من المال امتثالاً لِمَا أمر الله تعالى به، وأنواع الواجبات والمندوبات في الأموال والأبدان والأفعال والأقوال كثيرة، لكن هذه أمهاتها.
وإذا تقرَّرت هذه الأمور، فاعلم أنَّ الله تعالى بعث الأنبياءَ عليهم الصلاة والسلام مِن أولهم إلى آخرهم يَدعون العبادَ إلى إفراد الله تعالى بالعبادة، لاَ إلى إثبات أنَّه خَلَقَهم ونحوه، إذ هم مقرُّون بذلك، كما
стр. 48
قرَّرناه وكرَّرناه، ولذا قالوا [٧: ٦٩] ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ ، أي: لنفردَه بالعبادة ونخصَّه بها من دون آلهتنا، فلم ينكروا إلاَّ طلب الرسل منهم إفراد العبادة لله، ولم ينكروا الله تعالى، ولا قالوا إنَّه لا يُعبد، بل أقرُّوا بأنَّه يُعبد، وأنكروا كونه يُفردُ بالعبادة، فعبدوا مع الله غيره، وأشركوا معه سواه، واتخذوا معه أنداداً، كما قال تعالى: [٢: ٢٢] ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ، أي: وأنتم تعلمون أنَّه لا ندَّ له، وكانوا يقولون في تلبيتهم للحج: "لبيك لا شريك لك إلاَّ شريكاً هو لك، تملكه وما ملك"، وكان يَسمعهم النبيُّ ﷺ عند قولهم "لا شريك لك" فيقول: "قد قد"١ أي٢: أفردوه ﷻ لو تركوا قولهم: "إلاَّ شريكا هو لك"، فنفس شركهم بالله تعالى إقرار به تعالى.
كما قال تعالى: [٦: ٢٢] ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ، [٧: ١٩٥] ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ ، فنفسُ اتخاذ الشركاء إقرارٌ بالله تعالى، ولم يعبدوا الأندادَ بالخضوع لهم والتقرب بالنذور والنَّحر لهم؛ إلاَّ لاعتقادهم أنَّها تقرِّبهم إلى الله زلفى وتشفع لهم لديه٣.
فأرسل اللهُ الرسلَ تأمرهم٤ بترك عبادة كلِّ ما سواه، وتبيِّنُ أنَّ هذا الاعتقاد الذي يعتقدونه في الأنداد باطلٌ، وأنَّ التقرب إليهم باطل، وأنَّ
стр. 49
ذلك لا يكون إلاَّ لله وحده، وهذا هو توحيد العبادة، وقد كانوا مقرِّين
ـ كما عرفتَ في الأصل الرابع ـ بتوحيد الربوبية، وهو أنَّ الله هو الخالق وحده والرازق وحده.
ومِن هذا تعرف أنَّ التوحيد الذي دعتهم إليه الرسلُ مِن أولهم وهو نوح عليه السلام١، إلى آخرهم وهو محمد بن عبد الله (٢) ﷺ ، هو توحيد العبادة، ولذا تقول لهم الرسل: ﴿أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ﴾ ، ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾
وقد كان المشركون منهم مَن يعبدُ الملائكةَ ويناديهم عند الشدائد، ومنهم مَن يعبد أحجاراً ويهتف بها عند الشدائد، وهي في الأصل صوَرُ رجال صالحين كانوا يُحبُّونهم ويعتقدون فيهم، فلمَّا هلكوا صوَّروا صوَرَهم تسليًّا بها، فلمَّا طال عليهم الأمَد عبدوهم، ثم زاد الأمد طولاً فعبدوا الأحجار، ومنهم مَن يعبد المسيح، ومنهم من يعبد الكواكبَ، ويهتف بها عند الشدائد، فبعث اللهُ محمداً ﷺ يدعوهم إلى عبادة الله٥٦
стр. 50
وحده، بأن يُفردوه بالعبادة كما أفردوه بالربوبية، بربوبيته للسَّموات والأرض، وأن يفردوه بمعنى ومُؤدى كلمة (لا إله إلاَّ الله) ، معتقدين لمعناها، عاملين بمقتضاها، وأن لا يدعوا مع الله أحداً، وقال تعالى: [١٣: ١٤] ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾
وقال تعالى: [٥: ٢٢] ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ، أي: من شرط الصدق في الإيمان بالله أن لا يتوكلوا إلاَّ عليه، وأن يُفردوه بالتوكُّلِ كما يَجب أن يُفردوه بالدعاء والاستغفار، وأمر الله عبادَه أن يقولوا ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ، ولا يَصْدُق قائلُ هذا إلاَّ إذا أفرد العبادة لله تعالى، وإلاَّ كان كاذباً مَنهيًّا عن أن يقولَ هذه الكلمة١؛ إذ معناها: نخصُّك بالعبادة ونفردُك بها دون كلِّ أحد، وهو معنى قوله: [٢٩: ٥٦] ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ ، [٢: ٤١] ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ ؛ لما٢ عُرف مِن علم البيان أنَّ تقديم ما حقُّه التأخير يفيد الحصر، أي: لا تعبدوا إلاَّ الله ولا تعبدوا غيرَه، ولا تتَّقوا إلاَّ الله ولا تتقوا٣ غيرَه، كما في (الكشاف) .
فإفرادُ الله تعالى بتوحيد العبادة لا يتِمُّ إلاَّ بأن يكونَ الدعاءُ كلُّه له، والنداءُ في الشدائد والرخاء لا يكون إلاَّ لله وحده، والاستغاثة والاستعانةُ بالله وحده، واللّجوء إلى الله والنذر والنحر له تعالى، وجميع أنواع العبادات من الخضوع والقيام تذلُّلاً لله تعالى، والركوع والسجود والطواف والتجرد عن الثياب والحلق والتقصير كلُّه لا يكون إلاَّ لله .
стр. 51
ومَن فعل شيئاً مِن ذلك لمخلوق حيٍّ أو ميت أو جماد أو غيره، فقد أشرك في العبادة، وصار مَن تُفعل له هذه الأمور إلَهاً لعابديه، سواءٌ كان مَلَكاً أو نبيًّا أو وليًّا أو شجراً أو قبراً أو جنيًّا أو حيًّا أو ميتاً، وصار العابدُ بهذه العبادة أو بأيِّ نوع منها عابداً لذلك المخلوق مشركاً بالله، وإن أقَرَّ بالله وعَبَدَه، فإنَّ إقرارَ المشركين بالله وتقرُّبَهم إليه لَم يُخرجهم عن الشركِ، وعن وجوب سَفك دمائِهم وسبي ذراريهم وأخذ أموالهم غنيمة، فالله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك، لا يقبل عملاً شورك فيه غيرُه، ولا يؤمن به مَن عَبَدَ معه غيرَه.
فصل
إذا تقرَّر عندك أنَّ المشركين لَم ينفعهم الإقرارُ بالله مع إشراكهم في العبادة، ولا يغني عنهم مِن الله شيئاً، وأنَّ عبادتَهم هي اعتقادُهم فيهم أنَّهم يَضرُّون وينفعون، وأنَّهم يقرِّبُونهم إلى الله زلفى، وأنَّهم يَشفعون لهم عند الله تعالى، فنَحَروا لهم النَّحائِر، وطافُوا بهم ونذروا النذور عليهم، وقاموا متذلِّلين متواضعين في خدمتهم وسجدوا لهم، ومع هذا كلِّه فهم مقرُّون لله بالربوبية وأنَّه الخالقُ، ولكنَّهم لَمَّا أشركوا في عبادته، جعلهم مشركين ولَم يَعْتَد بإقرارهم هذا؛ لأنَّه نافاه فعلُهم، فلم ينفعهم الإقرارُ بتوحيد الربوبية، فمِن شأن مَن أقرَّ لله تعالى بتوحيد الربوبية أن يُفردَه بتوحيد العبادة، فإذا لَم يفعل ذلك فالإقرارُ باطل.
وقد عرفوا ذلك وهم في طبقات النار فقالوا: [٢٦: ٩٧، ٩٨] ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، مع أنَّهم لم يُسَوُّوهم به من كلِّ وجه، ولا جعلوهم خالقين ولا رازقين، لكنَّهم علموا وهم في قَعْرِ جهنَّم أنَّ خلطَهم الإقرار بذرَّة من ذرَّات الإشراك في توحيد العبادة
стр. 52
صيَّرهم كمَن سَوَّى بين الأصنام وبين رب الأنام.
قال الله تعالى: [١٢: ١٠٦] ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ أي: ما يُقرُّ أكثرُهم في إقراره بالله وبأنَّه خلَقَهم وخلَق السموات والأرض إلاَّ وهو مشركٌ بعبادة الأوثان.
بل سمَّى الله الرياء في الطاعات شركاً، مع أنَّ فاعلَ الطاعة ما قصد بها إلاَّ الله تعالى، وإنَّما أراد طلب المنزلة بالطاعة في قلوب الناس، فالمرائي عَبَدَ اللهَ لا غيرَه، لكنَّه خَلَطَ عبادتَه بطلب المنزلة في قلوب الناس، فلم يقبل له عبادة وسمَّاها شركاً، كما أخرج مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، مَن عَملَ عملاً أشركَ فيه معي غيري تركتُه وشركَه" ١، بل سمَّى الله التسميةَ بعبد الحارث شركاً، كما قال تعالى: [٧: ١٥٩] ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ، فإنَّه أخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث سَمرة: أنَّ النبي ﷺ قال: " لَمَّا حملت حواء ـ وكان لا يعيش لها ولد ـ طاف بها إبليس، وقال: لا يعيش لك ولد حتى تسمِّيه عبد الحارث، فسمَّته فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره، فأنزل الله الآيات٢، وسمَّى هذه التسمية شركاً، وكان إبليس تسمى بالحارث"، والقصة في الدر المنثور وغيره٣.
стр. 53
فصل
قد عرفتَ مِن هذا كلِّه أنَّ مَن اعتقد في شجر أو حجر أو قبر أو مَلَكٍ أو جنيٍّ أو حيٍّ أو ميت أنَّه ينفع أو يضر، أو أنَّه يقرِّب إلى الله، أو يشفع عنده في حاجة من حوائج الدنيا بمجرد التشفع به والتوسل به إلى الرب تعالى، إلاَّ ما ورد في حديث فيه مقال في حقِّ نبيِّنا محمد ﷺ (١)
стр. 54
أو نحو ذلك، فإنَّه قد أشرك مع الله غيره١، واعتقد ما لا يَحلُّ اعتقادُه، كما اعتقده المشركون في الأوثان، فضلاً عمَّن ينذر بماله وولده لميِّت أو حي، أو يطلبُ من ذلك الميت ما لا يُطلب إلاَّ من الله تعالى من الحاجات، من عافية مريضِه أو قدوم غائبه أو نيله لأيِّ مطلب من المطالب، فإنَّ هذا هو الشرك بعينه الذي كان ويكون عليه عُبَّادُ الأصنام.
والنَّذرُ بالمال للميت ونحوه، والنَّحر على القبر والتوسل به وطلب الحاجات منه، هو بعينه الذي كانت تفعله الجاهلية، وإنَّما كانوا يفعلونه لِمَا يسمُّونه وثناً وصنماً، وفعله القبوريون لِمَا يسمُّونه وليًّا وقبراً ومَشهداً، والأسماء لا أثر لها ولا تغيِّر المعاني ضرورة لغوية وعقلية وشرعية، فإنَّ مَن شرب الخمرَ وسمَّاها ماء، ما شربَ إلاَّ خَمراً، وعقابُه عقابُ شارب الخمر، ولعلَّه يزيد عقابه للتدليس والكذب في التسمية.
وقد ثبت في الأحاديث أنَّه يأتي قومٌ يشربون الخمرَ يسمُّونها بغير اسمها٢، وصدق ﷺ ، فإنَّه قد أتى طوائفُ من الفَسَقَة يشربون الخمر ويسمونها نبيذاً.
стр. 55
وأوَّلُ مَن سَمَّى ما فيه غضب الله وعِصيانه بالأسماء المحبوبة عند السامعين إبليس لعنه الله، فإنَّه قال لأبي البَشَر آدم ﵇: [٢٠: ١٢٠] ﴿يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ ، فسَمَّى الشجرةَ التي نهى اللهُ تعالى آدمَ عن قُربانها شجرةَ الخُلد، جذباً لطبعه إليها، وهَزًّا لنشاطه إلى قُرْبانها، وتدليساً عليه بالاسم الذي اخترعه لها، كما يُسَمِّي إخوانُه المقلِّدون له الحشيشةَ بلُقْمَة الراحة، وكما يُسَمِّي الظَّلَمَةُ ما يَقبضونه من أموال عباد الله ظلماً وعدواناً أَدَباً، فيقولون أدب القتل، أدب السرقة، أدب التهمة، بتحريف اسم الظلم إلى اسم الأدب.
كما يحرِّفونه في بعض المقبوضات إلى اسم النفاعة، وفي بعضها إلى اسم السياقة، وفي بعضها أدب المكاييل والموازين.
وكلُّ ذلك اسمه عند الله ظلمٌ وعدوان، كما يعرِفه مَن شمَّ رائحةَ الكتاب والسنة، وكلُّ ذلك مأخوذٌ عن إبليس حيث سَمَّى الشجرةَ المنهيّ عنها شجرةَ الخلد.
وكذلك تسمِيةُ القبرِ مَشهداً، ومَن يعتقدون فيه وليًّا، لا تخرجه عن اسم الصَّنم والوثن؛ إذ هم مُعاملون لها معاملة المشركين للأصنام، ويطوفون بهم طواف الحجاج ببيت الله الحرام، ويَستلمونهم١ استلامَهم لأركان البيت، ويُخاطبون الميت بالكلمات الكفرية، مِن قولهم: على الله وعليك، ويَهتفون بأسمائِهم عند الشدائد ونحوها.
وكلُّ قوم لهم رَجل ينادونه.
فأهلُ العراق والهند يَدعون عبد القادر الجيلي.
стр. 56
وأهل التهائم لهم في كلِّ بلد ميتٌ يهتفون باسمه، يقولون: يا زيلعي! يا ابن العجيل!
وأهلُ مكة وأهل الطائف: يا ابن العباس!
وأهل مصر: يا رفاعي! يا بدوي! والسادة البكرية!
وأهلُ الجبال: يا أبا طير!
وأهل اليمن: يا ابن علوان!
وفي كلِّ قرية أمواتٌ يهتفون بهم وينادونهم ويرجونهم لجلب الخير ودفع الضر، وهذا هو بعينه فعلُ المشركين في الأصنام، كما قلنا في الأبيات النجدية١:
أعادوا بها معنى سواع ومثله ... يغوث وود، بئس ذلك من وُدِّ
وقد هتفوا عند الشدائد باسمها ... كما يهتف المضطر بالصَّمد الفرد
وكم نحروا في سوحها من نحيرة ... أهلَّت لغير الله جهراً على عمد
وكم طائف حول القبور مقبِّلاً ... ويستلم الأركان منهنَّ باليد
فإن قال: إنَّما نحرتُ لله وذكرتُ اسمَ الله عليه.
فقل: إن كان النَّحرُ لله فلأيِّ شيء قَرَّبت ما تنحرُه مِن باب مَشهد مَن تفضله وتعتقد فيه؟ هل أردت بذلك تعظيمه؟
إن قال: نعم!
فقل له: هذا النَّحر لغير الله، بل أشركت مع الله تعالى غيره، وإن لَم تُرد تعظيمه، فهل أردت توسيخ باب المشهد وتنجيس الداخلين إليه؟
стр. 57
أنتَ تعلمُ يقيناً أنَّك ما أردت ذلك أصلاً، ولا أردت إلاَّ الأول، ولا خرجتَ من بيتك إلاَّ قصداً له، ثم كذلك دعاؤهم له.
فهذا الذي عليه هؤلاء شرك بلا ريب.
وقد يعتقدون في بعض فَسقة الأحياء، وينادونه في الشِّدَّة والرَّخاء، وهو عاكفٌ على القبائح والفضائح، لا يحضر حيث أمرَ الله عبادَه المؤمنين بالحضور هناك، ولا يَحضر جمعة ولا جماعة، ولا يعود مريضاً ولا يشيِّع جنازة، ولا يكتسب حلالاً، ويضُمُّ إلى ذلك دعوى علم الغيب١، ويجلب إليه إبليس جماعة قد عَشَّشَ في قلوبهم وباض فيها وفرَّخ، يصدِّقون بهتانه، ويعظِّمون شأنه، ويَجعلون هذا ندًّا لربِّ العالمين ومِثلاً.
فيا للعقول أين ذهبت؟ ويا للشرائع كيف جهلت؟ [٧: ١٥٤] ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ .
فإن قلتَ: أفيصير هؤلاء الذين يعتقدون في القبور والأولياء والفسقة والخلعاء مشركين كالذين يعتقدون في الأصنام؟
قلتُ: نعم! قد حصل منهم ما حصل من أولئك وساووهم في ذلك، بل زادوا عليهم٢ في الاعتقاد والانقياد والاستعباد، فلا فرق بينهم.
فإن قلتَ: هؤلاء القبوريون يقولون: نحن لا نشرك بالله تعالى ولا نجعل له ندًّا، والالتجاءُ إلى الأولياء والاعتقاد فيهم ليس شركاً!
стр. 58
قلتُ: نعم! ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ، لكن هذا جهل منهم بمعنى الشرك، فإنَّ تعظيمَهم الأولياء ونحرَهم النحائر لهم شركٌ، والله تعالى يقول: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ أي: لا لغيره، كما يفيدُه تقديم الظرف١، ويقول تعالى: [٧٢: ١٨] ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾
وقد عرفتَ بما قدَّمناه قريباً أنَّه ﷺ قد سمَّى الرياءَ شركاً، فكيف بما ذكرناه؟!
فهذا الذي يفعلونه لأوليائهم هو عين ما فعَلَه المشركون وصاروا به مشركين، ولا ينفعهم قولهم: نحن لا نشركُ بالله شيئاً، لأنَّ فعلَهم أَكْذبَ قولَهم.
فإن قلتَ: هم جاهلون أنهم مشركون بما يفعلونه.
قلتُ: قد صرَّح الفقهاء في كتب الفقه في باب الرِّدة أنَّ مَن تكلَّم بكلمة الكفر يَكفر وإن لَم يقصد معناها٢، وهذا دالٌّ على أنَّهم لا
стр. 59
يعرفون حقيقةَ الإسلام، ولا ماهية التوحيد، فصاروا حينئذ كفاراً كفراً أصليَّا، فإنَّ الله تعالى فَرَضَ على عباده إفرادَه بالعبادة ﴿أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ﴾ ، وإخلاصها له [٩٨: ٥] ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ، ومَن نادى الله ليلاً ونهاراً وسرًّا وجهاراً وخوفاً وطمعاً، ثمَّ نادى معه غيرَه فقد أشرك في العبادة، فإنَّ الدعاءَ من العبادة، وقد سمَّاه الله تعالى عبادةً في قوله تعالى: [٤٠: ٦٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ بعد قوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
فإن قلتَ: فإذا كانوا مشركين وجَب جهادُهم، والسلوك فيهم ما سلَكَ رسولُ الله ﷺ في المشركين.
قلتُ: إلى هذا ذهب طائفةٌ من أئمَّة العلم١، فقالوا: يَجب أوَّلاً دعاؤهم إلى التوحيد، وإبانةُ أنَّ ما يعتقدونه ينفعُ ويَضر، لا يغني عنهم من الله شيئاً وأنَّهم أمثالهم٢، وأنَّ هذا الاعتقاد منهم فيه شركٌ لا يتم الإيمانُ بما جاءت به الرسلُ إلاَّ بتركه والتوبة منه، وإفراد التوحيد اعتقاداً وعملاً لله وحده.
وهذا واجبٌ على العلماء، أي: بيان أنَّ ذلك الاعتقاد الذي تفرَّعت عنه النذور والنحائر والطواف بالقبور شركٌ محرَّم، وأنَّه عينُ ما كان يفعله المشركون لأصنامهم، فإذا أبان العلماءُ ذلك للأئمَّة والملوك،
стр. 60
وَجَبَ على الأئمة والملوك بعثُ دعاة إلى الناس يَدعونهم إلى إخلاص التوحيد لله، فمَن رجع وأقرَّ حقن عليه دمه وماله وذراريه، ومَن أصَرَّ فقد أباح الله منه ما أباح لرسوله ﷺ من المشركين (١) .
فإن قلتَ: الاستغاثة قد ثبتت في الأحاديث، فإنَّه قد صَحَّ أنَّ العباد يوم القيامة يستغيثون بآدم أبي البشر، ثمَّ بنوح، ثمَّ بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، وينتهون إلى محمد ﷺ بعد اعتذار كلِّ واحد من الأنبياء (٢) ، فهذا دليلٌ على أنَّ الاستغاثة بغير الله ليست بمنكر.
قلتُ: هذا تلبيس، فإنَّ الاستغاثة بالمخلوقين الأحياء فيما يقدرون عليه لا يُنكرُها أحد، وقد قال الله تعالى في قصة موسى مع الإسرائيلي والقبطي: [٢٨: ١٥] ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ ، وإنَّما الكلام في استغاثة القبوريِّين وغيرهم بأوليائهم، وطلبهم منهم أموراً لا يقدر عليها إلاَّ الله تعالى، مِن عافية المريض وغيرها، بل أعجَبُ من هذا أنَّ القبوريِّين وغيرهم من الأحياء مِن أتباع مَن يعتقدون فيه، قد يَجعلون له حصَّة مِن الولد إن عاش، ويشترون منه الحمل في بطن أمِّه ليعيش لهم٣، ويأتون بمنكرات ما بَلَغ إليها المشركون الأولون.
ولقد أخبرني بعضُ مَن يتولى قَبض ما ينذر القبوريُّون لبعض أهل القبور: أنَّه جاءه إنسانٌ بدراهم وحِلية نسائية، وقال هذه لسيِّده فلان ـ يريد صاحب القبر ـ نصف مهر ابنتي؛ لأنِّي زوجتها وكنتُ مَلكت
стр. 61
نصفَ مهرها١ فلاناً ـ يريد صاحب القبر.
وهذه النذور بالأموال وجَعْلُ قِسط منها للقبر كما يجعلون شيئاً مِن الزرع يسمُّونه (تلما) في بعض الجهات اليمنية، وهذا شيءٌ ما بلغ إليه عُبَّادُ الأصنام، وهو داخلٌ تحت قول الله تعالى: [١٦: ٥٦] ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ بلا شكٍّ ولا ريب.
نعم! استغاثةُ العِباد يوم القيامة وطَلبهم من الأنبياء إنَّما٢ يدعون الله تعالى ليفصِلَ بين العباد بالحساب حتَّى يُريحَهم من هَوْل الموقف، وهذا لا شكَّ في جوازه، أعنِي طلبَ دعاء الله تعالى من بعض عباده لبعض، بل قد قال ﷺ لعمر ﵁ لَمَّا خَرَج معتمراً: "لا تنسنا يا أُخَيَّ من دعائك"٣.
وأَمَرَنا سبحانه أن ندعو للمؤمنين ونستغفر لهم في قوله تعالى: [٥٩: ١٠] ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ﴾ ، وقد قالت أم سُليم ﵂: "يا رسولَ الله! خادمُك أنس، ادعُ الله له"٤.
وقد كان الصحابة ﵃ يطلبون الدعاءَ منه ﷺ وهو حي، وهذا أمرٌ متفق على جوازه، والكلام في طلب القبوريِّين من الأموات أو من الأحياء الذين لا يَملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرًّا، ولا
стр. 62
موتاً ولا حياةً ولا نشوراً أن يشفوا مرضاهم، ويردُّوا غائبَهم، وينفِّسوا عن حبلاهم، وأن يسقوا زرعَهم، ويُدِرُّوا ضروعَ مواشيهم، ويحفظوها من العين، ونحو ذلك من المطالب التي لا يقدر عليها أحدٌ إلاَّ الله تعالى.
هؤلاء هم الذين قال الله تعالى فيهم: [٧: ١٩٧] ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ ، [٧: ١٩٤] ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ ، فكيف يطلب الإنسانُ من الجماد أو من حي ـ الجماد خير منه ـ لأنَّه لا تكليفَ عليه، وهذا يبيِّن ما فعله المشركون الذين حكى الله ذلك عنهم في قوله تعالى: [٦: ١٣٦] ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ الآية، وقال: [١٦: ٥٩] ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾
فهؤلاء القبوريُّون والمعتقدون في جُهَّال الأحياء وضُلاَّلهم سَلَكوا مَسالكَ المشركين حَذو القُذَّة بالقُذَّة١، فاعتقدوا فيهم ما لا يجوز أن يُعتقد إلاَّ في الله، وجعلوا لهم جُزءاً من المال، وقَصدوا قبورَهم من ديارهم البعيدة للزيارة٢، وطافوا حول قبورهم وقاموا خاضعين عند قبورهم، وهتفوا بهم عند الشدائد، ونحروا تقرباً إليهم.
وهذه هي أنواع العبادات التي عرفناك، ولا أدري هل فيهم من يَسجد لهم؟ لا أستبعدُ أنَّ فيهم مَن يفعلُ ذلك، بل أخبرني مَن أثق به أنَّه رأى من يَسجُدُ على عَتَبَةِ باب مَشهد الوليِّ الذي يقصده تعظيماً له
стр. 63
وعبادة، ويُقسمون بأسمائهم، بل إذا حَلف مَن عليه حقٌّ باسم الله تعالى لَم يقبلوا منه، فإذا حلف باسم وليٍّ من أوليائهم قبلوه وصدَّقوه، وهكذا كان عُبَّاد الأصنام [٣٩: ٤٥] ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾
وفي الحديث الصحيح: "مَن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت" ١، وسمع رسول الله ﷺ رجلاً يحلف باللاَّت فأمره أن يقول: "لا إله إلاَّ الله"٢، وهذا يدلُّ على أنَّه ارتدَّ بالحلف بالصَّنَم، فأمره أن يُجدِّد إسلامه، فإنَّه قد كَفَر بذلك، كما قرَّرناه في سبل السلام شرح بلوغ المرام، وفي منحة الغفار٣.
فإن قلتَ: لا سواء، لأنَّ هؤلاء قد قالوا (لا إله إلاَّ الله) ، وقد قال النبيُّ ﷺ : "أُمرتُ أن أقاتلَ الناس حتى يقولوا لا إله إلاَّ الله، فإذا قالوها عَصَموا منِّي دماءَهم وأموالهم إلاَّ بحقِّها"٤.
стр. 64
وقال لأسامة بن زيد: "لِمَ قَتلتَه بعدما قال لا إله إلاَّ الله؟ " ١، وهؤلاء يُصَلُّون ويصومون ويزكُّون ويَحجُّون بخلاف المشركين.
قلتُ: قال ﷺ : "إلاَّ بحقها"، وحقُّها: إفرادُ الإلهية والعبودية لله تعالى.
والقبوريُّون لَم يُفردوا الإلهيةَ والعبادة، فلم تنفعهم كلمةُ الشهادة، فإنَّها لا تنفع إلاَّ مع التزام معناها، كما لَم ينفع اليهود قولُها لإنكارهم بعض الأنبياء.
وكذلك مَن جعل غير مَن أرسله الله نبيًّا، لم تنفعه كلمةُ الشهادة، ألاَ تَرَى أن بني حَنِيفة كانوا يشهدون أن لا إله إلاَّ الله وأن محمداً رسول الله، ويُصَلُّون، ولكنَّهم قالوا: إنَّ مُسيلمة نبيٌّ، فقاتلهم الصحابةُ وسَبَوْهُم، فكيف بمن يَجعل للوليِّ خاصَّةَ الإلهية ويُناديه للمهمَّات؟!
وهذا أميرُ المؤمنين على بن أبي طالب ﵁ حرَّق أصحابَ عبد الله ابن سبأ، وكانوا يقولون نشهد أن لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمداً رسول الله، ولكنَّهم غَلَوا في علي ﵁، واعتقدوا فيه ما يَعتقد القبوريُّون وأشباهُهم، فعاقَبَهم عقوبةً لَم يُعاقب بها أحداً من العصاة، فإنَّه حَفر لهم الحفائرَ، وأجَّجَ لهم ناراً، وألقاهم فيها وقال:
لَمَّا رأيتُ الأمرَ أمراً منكراً ... أجَّجتُ ناري ودَعَوتُ قُنْبرَا
وقال الشاعر في عصره:
لِتَرْم بي المنيَّة حيث شاءت ... إذا لَم ترم بي في الحُفرتَين
إذا ما أجَّجوا فيهنَّ ناراً ... رأيت الموت نقداً غير دَيْن
стр. 65
والقصَّة في فتح الباري وغيره من كتب الحديث والسير١.
وقد وقع إجماعُ الأمَّة على أنَّ مَن أنكر البعثَ كَفَر وقُتِل، ولو قال لا إله إلاَّ الله، فكيف بمن يجعل لله ندًّا؟!
فإن قلتَ: قد أنكر ﷺ على أسامة قتلَه لِمَن قال (لا إله إلاَّ الله) ، كما هو معروف في كتب الحديث والسير.
قلتُ: لا شكَّ أنَّ مَن قال: (لا إله إلاَّ الله) من الكفار حَقَنَ دمَه ومالَه حتى يتبيَّن منه ما يُخالف ما قاله، ولذا أنزل الله في قصَّة محلم بن جثامة [٤: ٩٤] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية٢، فأمرهم الله تعالى بالتثبُّت في شأن مَن قال كلمةَ التوحيد، فإن تبيَّن التزامُه لمعناها كان له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، وإن تبيَّن خلافُه لَم يحقن دمه وماله بمجرد التلفظ.
وهكذا كلُّ مَن أظهر التوحيد وجب الكَفُّ عنه إلى أن يتبين منه ما يخالف ذلك، فإذا تبيَّن لَم تنفعه هذه الكلمةُ بمجردها، ولذلك لَم تنفع اليهود ولا نفعت الخوارج مع ما انضمَّ إليها من العبادة التي يحتقر الصحابةُ عبادتَهم إلى جنبها، بل أَمَرَ ﷺ بقتلهم، وقال: "لئن أدركتُهم لأقتلَنَّهم قتل عاد" ٣، وذلك لَمَّا خالفوا بعضَ الشريعة وكانوا شرَّ
стр. 66
القتلى تحت أديم السماء، كما ثبتت به الأحاديث١.
فثبت أنَّ مجرَّدَ قول كلمة التوحيد غيرُ مانع من ثبوت شرك مَن قالَها؛ لارتكابه ما يُخالفها من عبادة غير الله.
فإن قلتَ: القبوريُّون وغيرُهم مِن الذين يَعتقدون في فَسَقَة الناس وجُهالِهم من الأحياء يقولون نحن لا نعبد هؤلاء، ولا نعبد إلاَّ الله وحده، ولا نصلي لهم، ولا نصوم ولا نحجُّ.
قلتُ: هذا جهلٌ بمعنى العبادة، فإنَّها ليست منحصرةً في ما ذكرتَ، بل رأسها وأساسها الاعتقاد، وقد حصل في قلوبهم ذلك، بل يسمُّونه معتقداً، ويصنعون له ما سمعتَه مِمَّا تفرَّع عن الاعتقاد من دعائهم وندائهم والتوسل بهم والاستغاثة بهم والاستعانة والحلف والنذر، وغير ذلك.
وقد ذكر العلماءُ أن من تَزَيَّا بزيِّ الكفَّار صار كافراً٢، ومَن تكلَّم
стр. 67
بكلمة الكفر صار كافراً١، فكيف بمن بَلَغَ هذه الرتبةَ اعتقاداً وقولاً وفعلاً.
فإن قلتَ: هذه النذورُ والنحائرُ ما حكمها؟
قلتُ: قد عَلِمَ كلُّ عاقل أنَّ الأموالَ عزيزةٌ عند أهلها، يَسعون في جَمعها ولو بارتكاب كلِّ معصية، ويَقطعون الفيافِيَ مِن أدنى الأرض والأقاصي، فلا يبذلُ أحدٌ مِن ماله شيئاً إلاَّ معتقداً لِجلب نفعٍ أكثرَ منه أو دفع ضرٍّ، فالنَّاذرُ للقبر ما أخرَج مالَه إلاَّ لذلك، وهذا اعتقادٌ باطل، ولو عرَفَ النَّاذرُ بطلانَ ما أراده ما أخرَجَ درهماً، فإنَّ الأموالَ عزيزةٌ عند أهلها، قال تعالى: [٤٧: ٣٦ ـ ٣٧] ﴿وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾
فالواجبُ تعريفُ مَن أخرج النذرَ بأنَّه إضاعةٌ لِمالِه، وأنَّه لا ينفعه ما يُخرجه ولا يدفع عنه ضرراً، وقد قال ﷺ : "إنَّ النَّذرَ لا يأتي بخير، وإنَّما يُستخرَج به من البخيل"٢، ويجب رده إليه.
وأمَّا القابض للنَّذر فإنَّه حرامٌ عليه قبضه؛ لأنَّه أكْلٌ لِمال الناذر بالباطل، لا في مقابلة شيء، وقد قال تعالى: [٢: ١٨٨] ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ، ولأنَّه تقريرٌ للناذر على شِركه وقُبحِ اعتقاده ورضاه بذلك، ولا يخفى حكمُ الراضي بالشرك، [٤: ٤٨] ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية، فهو مثل حُلوان الكاهن ومَهر البغي، ولأنَّه تدليسٌ على الناذر، وإيهامٌ له أنَّ الوليَّ ينفعه ويضره.
стр. 68
فأيُّ تقرير لِمنكر أعظم مِن قبض النذر على الميت؟ وأيُّ تدليس أعظم؟ وأيُّ رضا بالمعصية العظمى أبلغ من هذا؟ وأيُّ تصيير لمنكر معروفاً أعجب مِن هذا؟ وما كانت النذورُ للأصنام والأوثان إلاَّ على هذا الأسلوب، يعتقدُ النَّاذرُ جلبَ النفع في الصنم ودفع الضرر، فينذرُ له جَزوراً من ماله، ويقاسمه في غلاَّت أطيانه، ويأتي به إلى سَدَنة الأصنام فيقبضونه منه، ويوهمونه حقيَّة عقيدته، وكذلك يأتي بنحيرته فينحرُها بباب بيت الصنم.
وهذه الأفعال هي التي بعث اللهُ الرسلَ لإزالتها ومَحوِها وإتلافها والنهي عنها.
فإن قلتَ: إنَّ الناذر قد يُدركُ النفعَ ودفع الضرر بسبب إخراجه للنذر وبذله!
قلتُ: كذلك الأصنام، قد يدرك منها ما هو أبلغُ من هذا، وهو الخطاب من جَوفها والإخبار ببعض ما يكتمه الإنسان، فإن كان هذا دليلاً على حقيَّة القبور وصحة الاعتقاد فيها؛ فليكن دليلاً على حقيَّة الأصنام، وهذا هدمٌ للإسلام وتشييدٌ لأركان الأصنام.
والتحقيقُ: أنَّ لإبليسَ وجنوده من الجنِّ والإنس أعظمَ العناية في إضلال العباد، وقد مكَّن اللهُ إبليس من الدخول في الأبدان والوسوسة في الصدور والتقام القلب بخرطومه، وكذلك يدخل أجوافَ الأصنام ويُلقي الكلامَ في أسماع الأقوام، ومثله يَصنعه في عقائد القبوريِّين١،
стр. 69
فإنَّ الله تعالى قد أذن له أن يُجلب بخيلِه ورَجِلِه على بني آدم وأن يشاركهم في الأموال والأولاد.
وثبت في الأحاديث: أنَّ الشيطانَ يستَرق السمعَ بالأمر الذي يُحدثه الله، فيُلقيه إلى الكُهَّان، وهم الذين يُخبرون بالمغيَّبات ويزيدون فيما يلقيه الشيطان من عند أنفسهم مائة كذبة١.
ويقصدُ شياطينُ الجنِّ شياطينَ الإنس مِن سَدَنة القبور وغيرهم فيقولون: إنَّ الوليَّ فَعَل وفعل، يُرغِّبونهم فيه ويحذِّرونهم منه، وترى العامة ملوكَ الأقطار وولاةَ الأمصار مُعزِّزين لذلك ويُوَلُّون العمالَ لقبض النذور، وقد يتَولاَّها مَن يُحسنون فيه الظنَّ مِن عالم أو قاضٍ أو مُفت أو شيخ صوفي، فيتِمُّ التدليسُ لإبليس، وتقرُّ عينُه بهذا التلبيس.
فإن قلتَ: هذا أمرٌ عَمَّ البلادَ، واجتمعت عليه سكان الأغوار والأنجاد، وطبَّق الأرض شرقاً وغرباً، ويَمناً وشاماً، وجنوباً وعَدَناً، بحيث لا تجدُ بلدةً من بلاد الإسلام إلاَّ وفيها قبور ومشاهد وأحياء، يعتقدون فيها ويعظِّمونها وينذرون لها، ويهتفون بأسمائها ويحلفون بها، ويطوفون بفناء القبور، ويُسرجونها ويلقون عليها الأوراد والرياحين، ويُلبسونها الثياب، ويصنعون كلَّ أمر يقدرون عليه من العبادة لها، وما في معناها من التعظيم والخضوع والخشوع والتذلُّل والافتقار إليها.
بل هذه مساجد المسلمين غالبُها لا يخلو عن قبر أو قريب منه، أو مَشهد يقصده المصلُّون في أوقات الصلاة، يَصنعون فيه ما ذكِر أو بعض ما ذكر، ولا يَسَعُ عقلُ عاقل أنَّ هذا منكرٌ يبلُغُ إلى ما ذكرتَ مِن
стр. 70
الشناعة، ويَسكتُ عليه علماءُ الإسلام الذين ثبَتت لهم الوَطأة في جميع جهات الدنيا.
قلتُ: إن أردتَ العدلَ والإنصافَ، وتركتَ متابعة الأسلاف، وعرفتَ أنَّ الحقَّ ما قام عليه الدليلُ، لا ما اتَّفق عليه العوالِم جيلاً بعد جيل، وقَبيلاً بعد قبيل، فاعلم أنَّ هذه الأمور التي ندَندِنُ حولَ إنكارِها، ونسعى في هَدم منارها، صادرةٌ عن العامة الذين إسلامهم تقليدُ الآباء بلا دليل، ومتابعتهم لهم من غير فرق بين دبير وقبيل١، ينشأ الواحدُ فيهم فيجِدُ أهلَ قريته وأصحاب بلدته يُلَقِّنُونه في الطفولية أن يَهتِفَ باسم مَن يعتقدون فيه، ويراهم يَنذرون عليه، ويعظِّمونه، ويرحلون به إلى مَحلِّ قبره، ويلطخونه بترابه، ويجعلونه طائفاً على قبره، فيَنشأ وقد قَرَّ في قلبه عظمةُ ما يعظِّمونه، وقد صار أعظم الأشياء عنده مَن يعتقدونه.
فنشأ على هذا الصغير، وشاخَ عليه الكبيرُ، ولا يسمعون مِن أحد عليهم من نكير، بل تَرَى مِمَّن يتَّسِم بالعلمِ، ويَدَّعِي الفضلَ، وينتصب للقضاء والفتيا والتدريس، أو الولاية أو المعرفة أو الإمارة والحكومة، معظِّماً لِمَا يعظِّمونه، مُكرماً لِما يكرمونه، قابضاً للنذور، آكلاً ما يُنحر على القبور، فيَظنُّ العامَّة أنَّ هذا دينُ الإسلام، وأنَّه رأسُ الدِّين والسَّنَام٢.
ولا يَخفى على أحد يتأهَّل للنظر، ويعرفُ بارِقَةً مِن عِلم الكتاب
стр. 71
والسنة والأثر، أنَّ سكوتَ العالِم أو العالم١ على وقوع مُنكر ليس دليلاً على جواز ذلك المنكر.
ولنضْرِبْ لك مثلاً مِن ذلك؛ وهي هذه المكُوسُ المسمَّاة بالمجابي، المعلوم مِن ضَرورة الدِّين تَحريمُها، قد مَلأَت الدِّيارَ والبقاع، وصارت أمراً مأنوساً، لا يلج إنكارُها إلى سَمع مِن الأسماع، وقد امتدَّت أيدي المكَّاسين في أشرف البقاع، في مكة أمِّ القرى، يَقبضون مِن القاصدين لأداء فَريضة الإسلام، ويلقون في البلد الحرام كلَّ فِعل حرام، وسُكَّانها مِن فُضلاء الأنام، والعلماءُ والحكَّامُ ساكتون على الإنكار، مُعرضون عن الإيراد والإصدار، أَفيَكون السكوتُ من العلماء، بل من العالم٢ دليلاً على حِلِّ أخذها وإحرازها؟ هذا لا يقولُه مَن له أدنى إدراك.
بل أضرب لك مثلا آخر؛ هذا حَرَمُ الله الذي هو أفضلُ بقاع الدنيا بالاتفاق وإجماع العلماء، أحدَث فيه بعضُ ملوك الشراكسة الجهلة الضُّلال هذه المقامات الأربعة، التي فرَّقت عبادات العِباد، واشتملت على ما لا يُحصيه إلاَّ الله من الفساد، وفرَّقت عبادات المسلمين، وصيَّرتهم كالمِلَلِ المختلفة في الدِّين، بدعةٌ قرَّت بها عينُ إبليس اللعين، وصيَّرت المسلمين ضحكةَ الشياطين، وقد سكتَ الناسُ عليها، ووفَد علماء الآفاق والأبدال والأقطاب إليها٣، وشاهدها كلُّ ذي عينين، وسَمع بها كلُّ ذي أذنين.
стр. 72
أفهذا السكوت دليلٌ على جوازها؟ هذا لا يقولُه مَن له إلْمَامٌ بشيء من المعارف١، كذلك سكوتُهم على هذه الأشياء الصادرة من القبوريِّين.
стр. 73
فإن قلتَ: يَلزمُ مِن هذا أنَّ الأمَّة قد اجتمعت على ضلالة، حيث سكتت عن إنكارِها لأعظم جهالة.
قلتُ: حقيقةُ الإجماع اتفاقُ مجتهدي أمَّة محمد ﷺ على أمر بعد عصره، وفقهاءُ المذاهب الأربعة يُحيلون الاجتهاد من بعد الأربعة١، وإن كان هذا قولاً باطلاً وكلاماً لا يقوله إلاَّ مَن كان للحقائق جاهلاً، فعلى زعمهم لا إجماع أبداً مِن بعد الأئمة الأربعة، فلا يرد السؤال؛ فإنَّ هذا الابتداعَ والفتنةَ بالقبور لم يكن على عهد أئمَّة المذاهب الأربعة، وعلى ما نحققه فالإجماع وقوعه محال.
فإنَّ الأمَّة المحمدية قد ملأت الآفاق، وصارت في كلِّ أرض وتحت كلِّ نجم، فعلماؤُها المحقِّقون لا ينحصرون، ولا يَتِمُّ لأحد معرفة أحوالهم، فمَن ادَّعى الإجماعَ بعد انتشار الدِّين وكثرة علماء المسلمين فإنَّها دعوى كاذبة، كما قاله أئمَّة التحقيق٢.
стр. 74
ثمَّ لو فُرض أنَّهم عَلِمُوا بالمنكر وما أنكروه، بل سكتوا عن إنكاره، لَمَا دلَّ سكوتُهم على جوازه؛ فإنَّه قد عُلِم من قواعد الشريعة أنَّ وظائفَ الإنكار ثلاثةٌ:
أوَّلها: الإنكارُ باليد، وذلك بتغيير المنكر وإزالته.
ثانيها: الإنكارُ باللسان مع عدم استطاعة التغيير باليد.
ثالثها: الإنكارُ بالقلب عند عدم استطاعة التغيير باليد واللسان.
فإن انتفى أحدُها لم ينتفِ الآخر، ومثاله: مُرورُ فرد من أفراد علماء الدِّين بأحد المكَّاسين وهو يأخذ أموالَ المظلومين، فهذا الفردُ مِن علماء الدِّين لا يستطيع التغييرَ على هذا الذي يأخذ أموالَ المساكين باليد ولا باللسان؛ لأنَّه إنَّما يكون سخريةً لأهل العصيان، فانتفى شرطُ الإنكار بالوظيفتين، ولَم يبق إلاَّ الإنكارُ بالقلب الذي هو أضعفُ الإيمان، فيجب على مَن رأى ذلك العالِمَ ساكتاً عن الإنكار مع مشاهدة ما يأخذه ذلك الجبَّار، أن يعتقدَ أنَّه تعذَّر عليه الإنكارُ باليد واللسان، وأنَّه قد أنكر بقلبه.
فإنَّ حُسنَ الظنِّ بالمسلمين أهلِ الدِّين واجبٌ، والتأويل لهم ما أمْكَنَ ضَربَةُ لازب، فالداخلون إلى الحَرم الشريف، والمشاهدون لتلك الأبنية الشيطانية التي فرَّقت شملَ١ الدِّين، وشتَّتَت صلوات المسلمين معذورون عن الإنكار إلاَّ بالقلب، كالمارِّين على المكَّاسين وعلى القبوريِّين.
ومِن هنا يُعلم اختلال ما استمرَّ عند أئمَّة الاستدلال مِن قولهم في
стр. 75
بعض ما يستدلُّون عليه بالإجماع١: إنَّه وقع ولَم يُنكر، فكان إجماعاً.
ووجهُ اختلالِه أنَّ قولَهم: (ولَم يُنكَر) رجمٌ بالغيب؛ فإنَّه قد يكون أنكرته قلوبٌ كثيرة تعذَّر عليها الإنكارُ باليد واللسان، وأنت تشاهد في زمانك أنَّه كم مِن أمر يَقع لا تنكره بلسانك ولا بيدك، وأنت مُنكرٌ له بقلبك، ويقول الجاهلُ إذا رآك تشاهده: سكت فلانٌ عن الإنكار، يقوله إما لائماً أو مُتَأسِّياً بسكوته، فالسكوتُ لا يستدلُّ به عارف، وكذا يُعلم اختلالُ قولهم في الاستدلال: (فعلَ فلان كذا، وسكت الباقون فكان إجماعاً) ، مُختلاًّ من جهتين:
الأولى: دعوى أنَّ سكوتَ الباقين تقريرٌ لفعل فلان؛ لِمَا عرفتَ مِن عدم دلالة السكوت على التقرير.
الثانية: قولهم: (فكان إجماعاً) ؛ فإنَّ الإجماعَ اتفاقُ مجتهدي (٢) أمَّة محمد ﷺ ، والساكتُ لا يُنسب إليه وِفاق ولا خلاف، حتَّى يُعْرِبَ عنه لسانُه.
قال بعض الملوك ـ وقد أثنى الحاضرون على شخص من عمَّاله وفيهم رجل ساكت ـ ما لَك لا تقول كما يقولون؟ فقال: إن تكلَّمتُ خالفتهم.
فما كلُّ سكوت رضًى؛ فإنَّ هذه منكراتٌ أسَّسَها مَن بيده السيفُ والسِّنان، ودماءُ العباد وأموالهم تحت لسانه وقلمه، وأعراضهم تحت قوله وكلمه، فكيف يَقوى فردٌ من الأفراد على دفعه عمَّا أراد؟