والسنة والأثر، أنَّ سكوتَ العالِم أو العالم١ على وقوع مُنكر ليس دليلاً على جواز ذلك المنكر.
ولنضْرِبْ لك مثلاً مِن ذلك؛ وهي هذه المكُوسُ المسمَّاة بالمجابي، المعلوم مِن ضَرورة الدِّين تَحريمُها، قد مَلأَت الدِّيارَ والبقاع، وصارت أمراً مأنوساً، لا يلج إنكارُها إلى سَمع مِن الأسماع، وقد امتدَّت أيدي المكَّاسين في أشرف البقاع، في مكة أمِّ القرى، يَقبضون مِن القاصدين لأداء فَريضة الإسلام، ويلقون في البلد الحرام كلَّ فِعل حرام، وسُكَّانها مِن فُضلاء الأنام، والعلماءُ والحكَّامُ ساكتون على الإنكار، مُعرضون عن الإيراد والإصدار، أَفيَكون السكوتُ من العلماء، بل من العالم٢ دليلاً على حِلِّ أخذها وإحرازها؟ هذا لا يقولُه مَن له أدنى إدراك.
بل أضرب لك مثلا آخر؛ هذا حَرَمُ الله الذي هو أفضلُ بقاع الدنيا بالاتفاق وإجماع العلماء، أحدَث فيه بعضُ ملوك الشراكسة الجهلة الضُّلال هذه المقامات الأربعة، التي فرَّقت عبادات العِباد، واشتملت على ما لا يُحصيه إلاَّ الله من الفساد، وفرَّقت عبادات المسلمين، وصيَّرتهم كالمِلَلِ المختلفة في الدِّين، بدعةٌ قرَّت بها عينُ إبليس اللعين، وصيَّرت المسلمين ضحكةَ الشياطين، وقد سكتَ الناسُ عليها، ووفَد علماء الآفاق والأبدال والأقطاب إليها٣، وشاهدها كلُّ ذي عينين، وسَمع بها كلُّ ذي أذنين.
стр. 72
أفهذا السكوت دليلٌ على جوازها؟ هذا لا يقولُه مَن له إلْمَامٌ بشيء من المعارف١، كذلك سكوتُهم على هذه الأشياء الصادرة من القبوريِّين.
стр. 73
فإن قلتَ: يَلزمُ مِن هذا أنَّ الأمَّة قد اجتمعت على ضلالة، حيث سكتت عن إنكارِها لأعظم جهالة.
قلتُ: حقيقةُ الإجماع اتفاقُ مجتهدي أمَّة محمد ﷺ على أمر بعد عصره، وفقهاءُ المذاهب الأربعة يُحيلون الاجتهاد من بعد الأربعة١، وإن كان هذا قولاً باطلاً وكلاماً لا يقوله إلاَّ مَن كان للحقائق جاهلاً، فعلى زعمهم لا إجماع أبداً مِن بعد الأئمة الأربعة، فلا يرد السؤال؛ فإنَّ هذا الابتداعَ والفتنةَ بالقبور لم يكن على عهد أئمَّة المذاهب الأربعة، وعلى ما نحققه فالإجماع وقوعه محال.
فإنَّ الأمَّة المحمدية قد ملأت الآفاق، وصارت في كلِّ أرض وتحت كلِّ نجم، فعلماؤُها المحقِّقون لا ينحصرون، ولا يَتِمُّ لأحد معرفة أحوالهم، فمَن ادَّعى الإجماعَ بعد انتشار الدِّين وكثرة علماء المسلمين فإنَّها دعوى كاذبة، كما قاله أئمَّة التحقيق٢.
стр. 74
ثمَّ لو فُرض أنَّهم عَلِمُوا بالمنكر وما أنكروه، بل سكتوا عن إنكاره، لَمَا دلَّ سكوتُهم على جوازه؛ فإنَّه قد عُلِم من قواعد الشريعة أنَّ وظائفَ الإنكار ثلاثةٌ:
أوَّلها: الإنكارُ باليد، وذلك بتغيير المنكر وإزالته.
ثانيها: الإنكارُ باللسان مع عدم استطاعة التغيير باليد.
ثالثها: الإنكارُ بالقلب عند عدم استطاعة التغيير باليد واللسان.
فإن انتفى أحدُها لم ينتفِ الآخر، ومثاله: مُرورُ فرد من أفراد علماء الدِّين بأحد المكَّاسين وهو يأخذ أموالَ المظلومين، فهذا الفردُ مِن علماء الدِّين لا يستطيع التغييرَ على هذا الذي يأخذ أموالَ المساكين باليد ولا باللسان؛ لأنَّه إنَّما يكون سخريةً لأهل العصيان، فانتفى شرطُ الإنكار بالوظيفتين، ولَم يبق إلاَّ الإنكارُ بالقلب الذي هو أضعفُ الإيمان، فيجب على مَن رأى ذلك العالِمَ ساكتاً عن الإنكار مع مشاهدة ما يأخذه ذلك الجبَّار، أن يعتقدَ أنَّه تعذَّر عليه الإنكارُ باليد واللسان، وأنَّه قد أنكر بقلبه.
فإنَّ حُسنَ الظنِّ بالمسلمين أهلِ الدِّين واجبٌ، والتأويل لهم ما أمْكَنَ ضَربَةُ لازب، فالداخلون إلى الحَرم الشريف، والمشاهدون لتلك الأبنية الشيطانية التي فرَّقت شملَ١ الدِّين، وشتَّتَت صلوات المسلمين معذورون عن الإنكار إلاَّ بالقلب، كالمارِّين على المكَّاسين وعلى القبوريِّين.
ومِن هنا يُعلم اختلال ما استمرَّ عند أئمَّة الاستدلال مِن قولهم في
стр. 75
بعض ما يستدلُّون عليه بالإجماع١: إنَّه وقع ولَم يُنكر، فكان إجماعاً.
ووجهُ اختلالِه أنَّ قولَهم: (ولَم يُنكَر) رجمٌ بالغيب؛ فإنَّه قد يكون أنكرته قلوبٌ كثيرة تعذَّر عليها الإنكارُ باليد واللسان، وأنت تشاهد في زمانك أنَّه كم مِن أمر يَقع لا تنكره بلسانك ولا بيدك، وأنت مُنكرٌ له بقلبك، ويقول الجاهلُ إذا رآك تشاهده: سكت فلانٌ عن الإنكار، يقوله إما لائماً أو مُتَأسِّياً بسكوته، فالسكوتُ لا يستدلُّ به عارف، وكذا يُعلم اختلالُ قولهم في الاستدلال: (فعلَ فلان كذا، وسكت الباقون فكان إجماعاً) ، مُختلاًّ من جهتين:
الأولى: دعوى أنَّ سكوتَ الباقين تقريرٌ لفعل فلان؛ لِمَا عرفتَ مِن عدم دلالة السكوت على التقرير.
الثانية: قولهم: (فكان إجماعاً) ؛ فإنَّ الإجماعَ اتفاقُ مجتهدي (٢) أمَّة محمد ﷺ ، والساكتُ لا يُنسب إليه وِفاق ولا خلاف، حتَّى يُعْرِبَ عنه لسانُه.
قال بعض الملوك ـ وقد أثنى الحاضرون على شخص من عمَّاله وفيهم رجل ساكت ـ ما لَك لا تقول كما يقولون؟ فقال: إن تكلَّمتُ خالفتهم.
فما كلُّ سكوت رضًى؛ فإنَّ هذه منكراتٌ أسَّسَها مَن بيده السيفُ والسِّنان، ودماءُ العباد وأموالهم تحت لسانه وقلمه، وأعراضهم تحت قوله وكلمه، فكيف يَقوى فردٌ من الأفراد على دفعه عمَّا أراد؟
стр. 76
فإنَّ هذه القِبابَ والمشاهدَ التي صارت أعظمَ ذريعة إلى الشرك والإلحاد، وأكبرَ وسيلة إلى هدم الإسلام وخراب بنيانه، غالبُ، بل كلُّ مَن يَعمُرُها هم الملوكُ والسلاطينُ والرؤساء والولاةُ، إمَّا على قريب لهم أو على مَن يُحسنون الظنَّ فيه، مِن فاضل أو عالِم أو صوفيٍّ أو فقير أو شيخ أو كبير، ويزورُه الناسُ الذين يعرفونه زيارة الأموات، مِن دون توسُّل به ولا هَتف باسمه، بل يَدْعون له ويستغفرون، حتَّى ينقرِضَ مَن يَعرفه أو أكثرُهم، فيأتي مَن بعدهم فيجد قبراً قد شيد عليه البناءُ، وسُرِجَت عليه الشموعُ، وفُرِشَ بالفراش الفاخر، وأُرْخِيَت عليه الستورُ، وأُلْقِيَت عليه الأورادُ والزهور، فيعتقد أنَّ ذلك لنفع أو لدفع ضر، ويأتيه السَّدَنة يكذبون على الميِّت بأنَّه فعلَ وفعل، وأنزل بفلان الضَّرَرَ، وبفلان النفع، حتى يَغرسُوا في جِبلَّتِه كلَّ باطل، ولهذا الأمر ثبت في الأحاديث النبوية اللَّعنُ على مَن أَسْرَجَ على القبور، وكتب عليها وبنى عليها١، وأحاديثُ ذلك واسعةٌ معروفة، فإنَّ ذلك في نفسه منهي عنه، ثم هو ذريعةٌ إلى مفسدة عظيمة.
стр. 77
فإن قلتَ: هذا قبرُ رسول الله ﷺ قد عُمّرت عليه قُبَّة عظيمةٌ أُنفقت فيها الأموال.
قلتُ: هذا جهلٌ عظيم بحقيقة الحال، فإنَّ هذه القبَّة ليس بناؤها منه ﷺ ، ولا من أصحابه، ولا مِن تابعيهم، ولا تابعي التابعين، ولا مِن علماء أمَّته وأئمَّة مِلَّتِه، بل هذه القبَّة المعمولةُ على قبره ﷺ مِن أبنية بعض مُلوك مصر المتأخرين، وهو قَلاَوُون الصالحي المعروف بالملك المنصور، في سنة ثمان وسبعين وستمائة، ذكره في (تحقيق النصرة بتلخيص معالم دار الهجرة) (١) ، فهذه أمورٌ دولية لا دليلية، يتبع فيها الآخرُ الأول.
وهذا آخرُ ما أردناه مِمَّا أوردناه لَمَّا عمَّت البلوى، واتُّبعت الأهواء وأعرض العلماء عن النكير، الذي يجب عليهم، ومالوا إلى ما مالت العامَّة إليه، وصارَ المنكرُ معروفاً والمعروف منكراً، ولَم نجد من الأعيان ناهياً عن ذلك ولا زاجراً (٢) .
فإن قلتَ: قد يتَّفق للأحياء أو للأموات اتصالُ جماعة بهم، يفعلون
стр. 78
خَوَارقَ من الأفعال يتَسمّون بالمجاذيب، فما حكم ما يأتون به من تلك الأمور؟ فإنَّها مِمَّا جُبلَت القلوب إلى الاعتقاد بها.
قلتُ: أما المتسمُّون بالمجاذيب الذين يلوكون لفظ الجلالة بأفواههم، ويقولونها بألسنتهم، ويخرجونها عن لفظها العربي، فهم مِن أجناد إبليس اللعين، ومِن أعظم حمر الكون الذين ألبستهم الشياطين حُلَل التلبيس والتزيين، فإنَّ إطلاقَ لفظ الجلالة منفرداً عن إخبار عنها بقولهم (الله الله) ليس بكلام ولا توحيد، وإنَّما هو تلاعبٌ بهذا اللفظ الشريف (١) ، بإخراجه عن لفظه العربيِّ، ثم إخلاؤه عن معنى من المعاني، ولو أنَّ رجلاً عظيماً صالحاً يُسَمَّى بزيد وصار جماعةٌ يقولون (زيد زيد) لَعَدَّ ذلك استهزاءً وإهانةً وسُخرية، ولا سيما إذا زادوا إلى ذلك تحريفَ اللفظ.
ثم انظر هل أتى في لفظةٍ من الكتاب والسنة ذكرُ الجلالة بانفرادها
стр. 79
سحيق.
ثم قد يُضيفون إلى الجلالة الشريفة أسماءَ جماعة من الموتى، مثل (ابن علوان) و (أحمد بن الحسين) و (عبد القادر) و (العيدروس) ، بل قد انتهى الحالُ إلى أنَّهم يفرُّون إلى أهل القبور من الظلم والجور، كعلي رومان وعلي الأحمر، وأشباههما، وقد صان الله رسولَه ﷺ وأهل الكساء وأعيانَ الصحابة عن إدخالهم في أفواه هؤلاء الجهلة الضُّلاَّل، فيجمعون أنواعاً من الجهل والشرك والكفر.
فإن قلتَ: إنَّه قد يتفق مِن هؤلاء الذين يلوكون لفظ الجلالة، ويضيفون إليها عمل أهل الخلاعة والبطالة، خوارق عادات وأمور١ تُظنُّ كرامات، كطعن أنفسهم بالآلات الحادة، وحملهم لِمثل الحَنَش والحيَّة والعقرب، وأكلهم النَّار، ومسِّهم إياها بالأيدي، وتقلُّبهم فيها بالأجسام.
قلتُ: هذه أحوالٌ شيطانيَّة، وإنَّك لَمُلَبَّسٌ عليك أن ظننتَها كرامات للأموات، أو حسنات للأحياء؛ لَمَّا هَتفَ هذا الضال بأسمائهم، وجعلهم أنداداً وشركاءَ لله تعالى في الخلق والأمر، فهؤلاء الموتى أنت تفرض أنَّهم أولياء الله تعالى.
стр. 80
فهل يَرضَى وليُّ الله أن يجعلَه المجذوبُ أو السالكُ شريكاً له تعالى وندًّا؟ إن زعمتَ ذلك فقد جئت شيئاً إدًّا، وصيَّرتَ هؤلاء الأموات مشركين، وأخرجتهم ـ وحاشاهم عن ذلك ـ عن دائرة الإسلام والدِّين، حيث جعلتهم أنداداً لله، راضين فرحين، وزعمتَ أنَّ هذه كرامات لهؤلاء المجاذيب الضُّلاَّل المشركين، التابعين لكلِّ باطل، المنغمسين في بحار الرذائل، الذين لا يَسجدون لله سجدة، ولا يذكرون الله وحده.
فإن زعمتَ هذا، فقد أثبتَّ الكرامات للمشركين الكافرين وللمجانين، وهدمتَ بذلك ضوابطَ الإسلام وقواعد الدِّين المبين والشرع المتين.
وإذا عرفتَ بطلان هَذين الأمرين علمتَ أنَّ هذه أحوالٌ شيطانيةٌ، وأفعالٌ طاغوتيَّةٌ، وأعمالٌ إبليسيَّة، يفعلها الشياطين لإخوانهم مِن هؤلاء الضالِّين، معاونةً من الفريقين على إغواءِ العباد.
وقد ثبتَ في الأحاديث أنَّ الشياطينَ والجانَّ يتشكَّلون بأشكال الحيَّة والثعبان١، وهذا أمرٌ مقطوعٌ بوقوعه، فهم الثعابين التي يُشاهدها الإنسانُ في أيدي المجاذيب، وقد يكون ذلك مِن باب السِّحر٢ وهو أنواع، وتعلُّمُه ليس بالعسير، بل بابُه الأعظمُ هو الكفرُ بالله وإهانةُ ما عظَّمه الله، مِن جعل مُصحَف في كَنيف ونحوه.
فلا يَغتَرَّ مَن يشاهدُ ما يَعظُمُ في عينيه من أحوال المجاذيب من الأمور التي يراها خوارق، فإنَّ للسِّحرِ تأثيراً عظيماً في الأفعال، وهكذا الذين
стр. 81
يقلبون الأعيانَ بالأسحار وغيرها، وقد ملأَ سَحَرَةُ فرعون الوادي بالثعابين والحيات، حتى أَوْجَسَ في نفسه خِيفَةً موسى ﵇، وقد وصفه اللهُ بأنَّه سِحرٌ عظيمٌ، والسِّحرُ يَفعَلُ أعظمَ من هذا؛ فإنَّه قد ذكرَ ابنُ بَطوطة وغيرُه أنَّه شاهد في بلاد الهند قوماً توقَدُ لهم النارُ العظيمةُ، فيلبسون الثيابَ الرقيقة، ويخوضون في تلك النار، ويخرجون وثيابُهم كأنَّها لَم يَمسَّها شيءٌ.
بل ذكر أنَّه رأى إنساناً عند بعض ملوك الهند أتى بوَلَدَيْن معه، ثم قَطَعَهُما عضواً عضواً، ثمَّ رَمَى بكلِّ عُضوٍ إلى جهة فِرَقاً، حتى لَم يرَ أحدٌ شيئاً من تلك الأعضاء، ثمَّ صاح وبكى، فلم يَشعر الحاضرون إلاَّ وقد نزل كلُّ عضوٍ على انفراده، وانضمَّ إلى الآخر، حتى قام كلُّ واحد منهما على عادته حيًّا سَوِيًّا، ذكر هذا في رحلته، وهي رحلة بَسيطة وقد اختُصِرَت، طالعتُها بمكة عام ست وثلاثين ومائة وألف، وأملاها علينا العلامةُ مفتي الحنفية في المدينة، السيد محمد بن أسعد ﵀.
وفي الأغاني لأبي الفَرَج الأصفهاني١ بسنده: أنَّ ساحراً كان عند الوليد بن عقبة، فجعل يَدخُلُ في جَوف بقرة ويخرج، فرآه جندب ﵁،
стр. 82
فذهب إلى بيته فاشتمل على سيفه، فلما دخل الساحرُ في البقرة، قال جندب: أتأتون السِّحر وأنتم تبصرون، ثمَّ ضرب وسط البقرة، فقطعها، وقطع الساحرَ معها، فانذعر الناسُ، فحَبَسَه الوليدُ، وكتب بذلك إلى عثمان ﵁، وكان على السجن رجل نصراني، فلمَّا رأى جندباً يقوم الليلَ ويصبحُ صائماً، قال النصراني: والله إنَّ قوماً هذا شرُّهم لَقَوْمُ صِدق، فوَكَّلَ بالسِّجن رجلاً، ودخل الكوفةَ فسأل عن أفضل أهلها، فقالوا: الأشعث بنُ قيس، فاستضافه فرأى أبا محمد يعني الأشعث ينام الليلَ ويصبح فيدعو بغدائه، فخرج مِن عنده وسأل: أيُّ أهل الكوفة أفضل؟ فقالوا: جَرير بن عبد الله، فوجده ينام، ثم يصبح فيدعو بغدائه. فاستقبل القبلةَ فقال: رَبِّي رَبُّ جُندُب، وديني دينُ جندب، وأَسْلَمَ.
وأخرجها البيهقي١ في السنن الكبرى بمغايرة في القصة، فذكر بسنده إلى أبي الأسود٢: "أنَّ الوليد بنَ عقبة كان في العراق يلعب بين يديه ساحر، فكان يضرب رأسَ الرجل ثم يصيح به، فيقوم صارخاً، فيَرُدُّ إليه رأسَه، فقال الناس: سبحان الله! يُحيي الموتى! ورآه رجلٌ من صالحي المهاجرين، فلمَّا كان مِن الغَدِ اشتمل على سيفه، فذهب يلعب لعبَه ذلك، فاخترط الرَّجل سيفَه فضرب عنقه، وقال: إن كان صادقاً
стр. 83
فليحي نفسَه! فأمر به الوليد ديناراً صاحبَ السجن فسجَنَه"١.
بل أعجبُ من هذا ما أخرجه الحافظ البيهقي بإسناده في قصة طويلة، وفيها: "أنَّ امرأةً تعلَّمت السِّحرَ مِن المَلَكَيْن ببابل هاروت وماروت، وأنَّها أخذت قمحاً، فقالت له بعد أن ألقته: [اطلع، فطلع، فقالت: أحقل، فأحقل، ثمَّ تركته، ثم قالت إيبَس، فيبس، ثم قالت له: اطحن، فأطحن] ، ثمَّ قالت له: اختبز فاختبز، وكانت لا تريد شيئا إلاَّ كان"٢.
والأحوال الشيطانيةُ لا تنحصر، وكفى بما يأتي به الدَّجَّال، والمعيار اتِّباع الكتاب والسنة ومخالفتهما٣.
стр. 84
انتهى ما أوردناه ولله الحمد أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً١، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، كلَّما ذكره الذاكرون، وغَفَلَ عن ذكره الغافلون.
جاء في آخر طبعة رئاسة الإفتاء:
تم الكتاب والحمد لله.
وقد قوبل على نسخة خطية ضمن مجموعة تحتوي على كتب قيمة، وهي من مكتبة سماحة مفتي الديار السعودية ورئيس قضاتها العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى، والنسخة المذكورة محفوظة في مكتبة الرياض السعودية برقم ٣٠٧/ ٨٦.
وقد قام بتلك المقابلة وبالتصحيح والتعليق إسماعيل بن محمد الأنصاري، وإلى المخطوطة المذكورة يرمز في بعض تعليقاته بحرف (خ) .
стр. 85
شرح الصدور بتحريم رفع القبور
تصنيف
الإمام محمد بن علي الشوكاني
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ربِّ العالَمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله المطَهَّرين وصحبه المكرمين.
وبعد:
فاعلم أنَّه إذا وقع الخلاف بين المسلمين في أنَّ هذا الشيء بدعة أو غير بدعة، أو مكروه أو غير مكروه، أو محرَّم أو غير محرَّم، أو غير ذلك، فقد اتفق المسلمون ـ سلفهم وخلفهم ـ من عصر الصحابة إلى عصرنا هذا ـ وهو القرن الثالث عشر منذ البعثة المحمدية ـ أنَّ الواجبَ عند الاختلاف في أيِّ أمر من أمور الدِّين بين الأئمَّة المجتهدين هو الرد إلى كتاب الله سبحانه وسنة رسوله ﷺ ، الناطق (١) بذلك الكتاب العزيز [٤: ٥٩] ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ، ومعنى الرد إلى الله سبحانه الرد إلى كتابه، ومعنى الرد إلى رسوله ﷺ الرد إلى سنَّته بعد وفاته، وهذا مِمَّا لا خلاف فيه بين جميع المسلمين، فإذا قال مجتهدٌ من المجتهدين: هذا حلال، وقال الآخر: هذا حرام، فليس أحدهما أولَى بالحقِّ من الآخر، وإن كان أكثرَ منه علماً أو أكبرَ منه سنًّا أو أقدمَ منه عصراً؛ لأنَّ كلَّ واحد منهما فرد من أفراد عباد الله، ومتعبَّد بما في الشريعة المطهرة مِمَّا في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومطلوب منه ما طلب الله من غيره من العباد، وكثرةُ علمه وبلوغه درجة الاجتهاد أو
стр. 86
مجاوزته لها لا يُسقط عنه شيئاً من الشرائع التي شرعها الله لعباده، ولا يخرجه من جملة المكلَّفين من العباد، بل العالم كلَّما ازداد علماً كان تكليفه زائداً على تكليف غيره، ولو لم يكن من ذلك إلاَّ ما أوجبه الله عليه من البيان للناس، وما كلفه به من الصَّدع بالحق وإيضاح ما شرعه الله لعباده: [٣: ١٨٧] ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ ، [٢: ١٥٩] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ﴾
فلو لم يكن لِمَن رزقه الله طرفاً من العلم إلاَّ كونه مكلفاً بالبيان للناس لكان كافياً فيما ذكرناه من كون العلماء لا يخرجون عن دائرة التكليف، بل يزيدون بما علموه تكليفاً، وإذا أذنبوا كان ذنبُهم أشدَّ من ذنب الجاهل وأكثرَ عقاباً، كما حكاه الله سبحانه عمَّن عمل سوءاً بجهالة ومن عمله بعلم، وكما حكاه في كثير من الآيات عن علماء اليهود حيث أقدموا على مخالفة ما شرعه الله لهم، مع كونهم يعلمون الكتاب ويدرسونه، ونعى ذلك عليهم في مواضع متعدِّدة من كتابه، وبَكَتَهم أشدَّ تبكيت، وكما ورد في الحديث الصحيح: "إنَّ من أوَّل من تسعَّر بهم جهنم: العالم الذي يأمر الناس ولا يأتمر، وينهاهم ولا ينتهي"١.
وبالجملة فهذا أمرٌ معلوم، أنَّ العلم وكثرتَه وبلوغ حامله إلى أعلى درجات العرفان لا يُسقط عنه شيئاً من التكاليف الشرعية، بل يزيدها
стр. 87
عليه شدة، ويخاطَب بأمور لا يخاطَب بها الجاهل، ويكلَّف بتكاليف غير تكاليف الجاهل، ويكون ذنبُه أشدَ وعقوبتُه أعظمَ، وهذا لا يُنكره أحدٌ مِمَّن له أدنى تمييز بعلم الشريعة١، والآيات والأحاديث الواردة في هذا المعنى لو جُمعت لكانت مؤلَّفاً مستقيماً٢، ومصنَّفاً حافلاً، وليس ذلك من غرضنا في هذا البحث، بل غاية الغرض من هذا ونهاية القصد منه هو بيان أنَّ العالِمَ كالجاهل في التكاليف الشرعية والتعبُّد بما في الكتاب والسنة، مع ما أوضحناه لك من التفاوت بين الرتبتين، رتبة العالم ورتبة الجاهل في كثير من التكاليف واختصاص العالم منهما٣ بما لا يجب على الجاهل.
وبهذا يتقرَّر لك أن ليس لأحد من العلماء المختلفين، أو من التابعين لهم والمقتدين بهم أن يقول: الحقُّ ما قاله فلان دون فلان، أو فلان أولى بالحق من فلان، بل الواجب عليه ـ إن كان مِمَّن له فهم وعلم وتمييز ـ أن يردَّ ما اختلفوا فيه إلى كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ ، فمَن كان دليلُ الكتاب والسنة معه فهو على الحق وهو الأولى بالحق (٤) ، ومَن كان دليلُ الكتاب والسنة عليه لا له كان هو المخطئ، ولا ذنب عليه في هذا الخطأ، إن كان قد وفَّى الاجتهاد حقَّه، بل هو معذور، بل مأجور، كما ثبت في الحديث الصحيح أنَّه: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن
стр. 88
اجتهد فأخطأ فله أجر"١، فناهيك بخطأ يُؤجر عليه فاعلُه، ولكن هذا إنَّما هو للمجتهد نفسه إذا أخطأ، ولكن لا يجوز لغيره أن يتبعه في خطئه، ولا يُعذر كعذره، ولا يُؤجر كأجره، بل واجبٌ على مَن عداه من المكلَّفين أن يترك الاقتداء به في الخطأ ويرجع إلى الحقِّ الذي دَلَّ عليه الكتاب والسنة.
وإذا وقع الرَّدُّ لِما اختلف فيه أهل العلم إلى الكتاب والسنة كان من معه دليل الكتاب والسنة هو الذي أصاب الحق ووافقه، وإن كان واحداً، والذي لم يكن معه دليلُ الكتاب والسنة هو الذي لم يصب الحق، بل أخطأه، وإن كان عدداً كثيراً، فليس لعالِم ولا لمتعلِّم ولا لمن يفهم ـ وإن كان مقصراً ـ أن يقول: إنَّ الحقَّ بيد مَن يقتدى به من العلماء، إن كان دليل الكتاب والسنة بيد غيره، فإنَّ ذلك جهل عظيم، وتعصُّب ذميم، وخروج من دائرة الإنصاف بالمرة؛ لأنَّ الحقَّ لا يُعرف بالرجال، بل الرجال يُعرفون بالحق، وليس أحد من العلماء المجتهدين والأئمة المحققين بمعصوم، ومَن لَم يكن معصوماً فإنَّه يجوز عليه الخطأ كما يجوز عليه الصواب، فيصيب تارة ويخطئ أخرى، ولا يتبيَّن صوابُه من خطئه إلاَّ بالرجوع إلى دليل الكتاب والسنة، فإن وافقهما فهو مصيب، وإن خالفهما فهو مخطئ، ولا خلاف في هذه الجملة بين جميع المسلمين أولهم وآخرهم، سابقهم ولاحقهم، كبيرهم وصغيرهم، وهذا يعرفه كلُّ مَن له أدنى حظ من العلم، وأحقر نصيب من العرفان، ومَن لَم يفهم هذا ويعترف به فليتَّهم نفسه، ويعلم أنه قد جَنى على نفسه بالخوض فيما ليس من شأنه، والدخول فيما لا تبلغ إليه قدرتُه، ولا ينفذ فيه فهمُه،
стр. 89
وعليه أن يُمسك قلمَه ولسانه، ويشتغل بطلب العلم، ويفرغ نفسه لطلب علوم الاجتهاد التي يتوصل بها إلى معرفة الكتاب والسنة وفهم معانيهما، والتمييز بين دلائلهما، ويجتهد في البحث في السنة وعلومها، حتى يتميز عنده صحيحها من سقيمها، ومقبولها من مردودها، وينظر في كلام الأئمة الكبار من سلف هذه الأمة وخلفها حتى يهتدي بكلامهم إلى الوصول إلى مطلوبه١، فإنَّه إن لَم يفعل هذا وقدَّم الاشتغال بما قدَّمنا، ندم على ما فرط فيه قبل أن يتعلَّم هذه العلوم غاية الندم، وتَمَنَّى أنَّه أمسك عن التكلُّم بما لا يعنيه، وسكت عن الخوض فيما لا يَدْرِيه، وما أحسن ما أدَّبنا به رسول الله ﷺ فيما صح عنه من قول "رحم الله امرءاً قال خيراً أو صمت"٢، وهذا في الذي تكلَّم في العلم قبل أن يفتح الله عليه بما لا بدَّ منه، وشغل نفسه بالتعصب للعلماء، وتصدَّر للتصويب والتخطئة في شيء لَم يعلمه ولا فهمه حقَّ فهمه، ولم يقل خيراً ولا صمت، فلم يتأدَّب بالأدب الذي أرشد إليه رسولُ الله ﷺ .
وإذا تقرَّر لك من مجموع ما ذكرناه وجوبُ الرد إلى كتاب الله وسنِّة رسوله ﷺ بنصِّ الكتاب العزيز وإجماع المسلمين أجمعين، عرفت أنَّ مَن زعم من الناس أنَّه يُمكن معرفة المخطئ من العلماء من غير هذه الطريق
стр. 90
عند اختلافهم في مسألة من المسائل، فهو مخالفٌ لِما في كتاب الله، ومخالفٌ لإجماع المسلمين أجمعين، فانظر أرشدَك الله إلى أيِّ جناية جنى على نفسه بهذا الزعم الباطل، وأيِّ مصيبة وقع فيها بهذا الخطأ الفاحش، وأىِّ بلية جلبها عليه القصور والتقصير، وأيِّ محنة شديدة ساقها إليه التكلُّم فيما ليس من شأنه؟
وها أنا أوضح لك مثالاً لما ذكرناه من الاختلاف بين أهل العلم، ومِن كيفية الرد إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ليتبيَّن المصيبُ من المخطئ، ومَن بيده الحق ومَن بيده غيره، حتى تعرف الحقَّ حق معرفته، ويتضح لك غاية الاتضاح، فإنَّ الشيء إذا ضُربت له الأمثلة وصُوِّرَت له الصور بلغ من الوضوح والجلاء إلى غاية لا يخفى معها على مَن له فهم صحيح وعقل رجيح، فضلاً عمَّن لم يكن له في العلم نصيب، وفي العرفان حظ، ولنجعل هذه المسألة التي جعلناها مثالاً لِما ذكرناه وإيضاحاً لِما أمليناه: هى المسألة التي لَهَجَ بالكلام فيها أهلُ عصرنا ومصرنا، خصوصاً في هذه الأيام لأسباب لا تخفى، وهي: مسألة رفع القبور والبناء عليها، كما يفعله الناس من بناء المساجد والقباب على القبور.
فنقول:
اعلم أنَّه قد اتفق الناس، سابقهم ولاحقهم، وأوَّلهم وآخرهم من لدن الصحابة ﵃ إلى هذا الوقت: أنَّ رفعَ القبور والبناء عليها بدعةٌ من البدع التي ثبت النهيُ عنها، واشتدَّ وعيدُ رسول الله لفاعلها ـ كما يأتي بيانه ـ ولَم يخالف في ذلك أحدٌ من المسلمين أجمعين،
стр. 91
لكنَّه وقع للإمام يحي بن حمزة مقالة تدلُّ على أنَّه يرى أنَّه لا بأس بالقباب والمشاهد على قبور الفضلاء، ولم يقل بذلك غيرُه، ولا روي عن أحد سواه، ومَن ذكرها من المؤلفين في كتب الفقه من الزيدية فهو جَرْيٌ على قوله واقتداءٌ به، ولم نجد القول بذلك مِمَّن عاصره، أو تقدَّم عصره عليه، لا من أهل البيت ولا من غيرهم، وهكذا اقتصر صاحب البحر الذي هو مدرس كبار الزيدية، ومرجع مذهبهم ومكان البيان لخلافهم في ذات بينهم، وللخلاف بينهم وبين غيرهم، بل اشتمل على غالب أقوال المجتهدين وخلافاتهم في المسائل الفقهية، وصار هو المرجوع إليه في هذه الأعصار وهذه الديار لِمَن أراد معرفة الخلاف في المسائل، وأقوال القائلين بإثباتها أو نفيها من المجتهدين، فإنَّ صاحب هذا الكتاب الجليل لم ينسب هذه المقالة ـ أعني جواز رفع القباب والمشاهد على قبور الفضلاء ـ إلاَّ إلى الإمام يحيى وحده، فقد قال ما نصه:
مسألة: الإمام يحيى: لا بأس بالقباب والمشاهد على قبور الفضلاء والملوك لاستعمال المسلمين ولم يُنكر. انتهى.
فقد عرفتَ من هذا أنَّه لم يقل بذلك إلاَّ الإمام يحيى، وعرفت دليله الذي استدل به، وهو استعمال المسلمين مع عدم النكير، ثم ذكر صاحب البحر هذا الدليل الذي استدل به الإمام يحيى في الغيث واقتصر عليه، ولم يأت بغيره.
فإذا عرفتَ هذا، تقرَّر لك أنَّ هذا الخلاف واقعٌ بين الإمام يحيى وبين سائر العلماء، من الصحابة والتابعين، ومن المتقدِّمين من أهل البيت والمتأخرين، ومن أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، ومن جميع
стр. 92
المجتهدين أولهم وآخرهم١، ولا يعترض هذا بحكاية من حكى قول الإمام يحيى في مؤلَّفه مِمَّن جاء بعده من المؤلِّفين، فإنَّ مجرَّد حكاية القول لا يدلُّ على أنَّ الحاكي يختاره ويذهب إليه، فإن وجدتَ قائلاً من بعده من أهل العلم يقول بقوله هذا ويرجِّحه، فإن كان مجتهداً كان قائلاً بما قاله الإمام يحيى، ذاهباً إلى ما ذهب إليه بذلك الدليل الذي استدلَّ به، وإن كان غيرَ مجتهد فلا اعتبار بموافقته؛ لأنَّها إنما تعتبر أقوال المجتهدين لا أقوال المقلِّدين.
فإذا أردتَ أن تعرف هل الحق ما قاله الإمام يحيى، أو ما قاله غيره من أهل العلم، فالواجب عليك رد هذا الاختلاف إلى ما أمرنا الله بالرد إليه، وهو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
فإن قلتَ: بيِّن لي العمل في هذا الرد حتى تتمَّ الفائدة، ويتَّضِح الحق من غيره، والمصيب من المخطئ في هذه المسألة.
قلتُ: افتح لِمَا أقوله سمعاً، وأرهف له ذهناً، وها أنا أوضح لك الكيفية المطلوبة، وأبيِّن لك ما لا يبقى عندك بعده ريب، ولا يصاحب ذهنك وفهمك عنده لبس، فأقول:
قال الله سبحانه: [٥٩: ٧] ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ، فهذه الآية فيها الإيجاب على العباد بالائتمار بما أمر به
стр. 93
الرسول ﷺ والأخذ به، والانتهاء عما نهى عنه ﷺ وتركه، وقال الله سبحانه: [٣: ٣١] ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ، ففي هذه الآية: تعليق محبة الله الواجبة على كلِّ عبد من عباده باتِّباع رسوله ﷺ ، وأنَّ ذلك هو المعيارُ الذي يُعرف به محبةُ العبد لربِّه على الوجه المعتبَر، وأنَّه السبب الذي يستحق به العبد أن يحبه الله، وقال الله سبحانه: [٤: ٨٠] ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ، ففي هذه الآية: أنَّ طاعةَ الرسول طاعةٌ لله، وقال: [٤: ٦٩] ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ ، فأوجب هذه السعادة لِمَن أطاع الله ورسولَه، وهى أن يكون من هؤلاء الذين هم أرفع العباد درجة عنده، وأعلاهم منزلة، وقال: [٤: ١٣ ـ ١٤] ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (، وقال سبحانه: [٢٤: ٥٢] ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ، وقال سبحانه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ، وأنزل الله على رسوله أن يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ والآيات الدالة عل هذا المعنى في الجملة أكثر من ثلاثين آية.
ويُستفاد من جميع ما ذكرناه: أنَّ ما أمر به رسول الله ﷺ ونهى عنه كان الأخذ به واتباعه واجباً بأمر الله سبحانه، وكانت الطاعة لرسول الله
стр. 94
في ذلك طاعة لله، وكان الأمر من رسول الله أمراً من الله١.
وسنوضح لك ما صحَّ عن رسول الله ﷺ في غير حديث من النهى عن رفع القبور والبناء عليها، ووجوب تسويتها، وهدم ما ارتفع منها، ولكنَّا هنا نبتدئ بذكر أشياء في حكم التوطئة والتمهيد لذلك، ثم ننتهي إلى ذكر ما هو المطلوب، حتى يعلم من اطَّلع على هذا البحث أنَّه إذا وقع الرد فيما قاله الإمام يحيى وما قاله غيره في القباب والمشاهد إلى ما أمر الله بالردِّ إليه، وهو كتاب الله سبحانه وسنة رسوله ﷺ كان في ذلك ما يشفي ويكفي، ويقنع ويغني ذكر بعضه، فضلاً عن ذكر جميعه، وعند
стр. 95
ذلك يتبيَّن لكلِّ مَن لهم فهم، ما في رفع القبور من الفتنة العظيمة لهذه الأمة، ومن المكيدة البالغة التي كادهم الشيطان بها، وقد كاد بها مَن كان قبلهم من الأمم السالفة، كما حكى الله ذلك في كتابه العزيز.
وكان أول ذلك في قوم نوح، قال الله سبحانه: [٧١: ٢١ ـ ٢٣] ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَاراً وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ " كانوا١ قوماً صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صوَّرناهم كان أشوقَ لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوَّروهم، فلمَّا ماتوا وجاء آخرون دَبَّ إليهم إبليس، فقال: إنَّما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم، ثم عبدتهم العرب بعد ذلك"، وقد حكي معنى هذا في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما٢، وقال قوم من السلف: "إنَّ هؤلاء كانوا قوماً صالحين من قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم".
ويؤيِّد هذا ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن عائشة ﵂: "أنَّ أمَّ سلمة ﵂ ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وذكرت له ما رأت فيها من الصُّوَر، فقال رسول الله
стр. 96
صلى الله عليه وسلم: أولئك قومٌ إذا مات فيهم العبدُ الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوَّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله"١.
وأخرج ابن جرير في تفسير قوله تعالى: [٥٣: ١٩] ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ قال: "كان يلُتُّ السَّويق للحاج، فمات فعكفوا على قبره"٢.
وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يَموت يقول: "ألاَ وإنَّ مَن كان قبلكم كانوا يتَّخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإنِّي أنهاكم عن ذلك"٣.
وفي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: "لَمَّا نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خَميصة على وجهه، فإذا اغتمَّ كشفها، فقال ـ وهو كذلك ـ: لعنةُ الله على اليهود والنصارى، فقد اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذِّر ما صنعوا" ٤.
وفي الصحيحين مثله أيضاً من حديث ابن عباس رضي الله عنهما٥.
وفيهما أيضاً من حديث أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "قاتل الله اليهود والنصارى اتَّخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد" ٦.
стр. 97
وفي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنَّه خشي أن يكون مسجداً" (١) .
وأخرج الإمام أحمد في مسنده بإسناد جيد، من حديث عبد الله بن مسعود ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ من شرار الناس مَن تُدْرِكُهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد" ٢.
وأخرج أحمد وأهل السنن من حديث زيد بن ثابت ﵁: أنَّه ﷺ قال: "لعن الله زائرات القبور والمتَّخذين عليها المساجد والسُّرُج" ٣.
стр. 98
وفي صحيح مسلم وغيره عن أبى الهيَّاج الأسدي قال: "قال لي علي بن أبي طالب ﵁: ألاَ أبعثك على ما بعثني عليه رسولُ الله ﷺ : أن لاَ أَدع تمثالا إلاَّ طَمَسته، ولا قبراً مشرِفاً إلاَّ سوَّيتُه" (١) .
وفي صحيح مسلم أيضاً عن ثمامة بن شفي نحو ذلك٢.
وفي هذا أعظمُ دلالة على أنَّ تسويةَ كلِّ قبر مشرِف بحيث يرتفع زيادة على القدر المشروع واجبةٌ متحتِّمة، فمِن إشراف القبور: أن يرفع سمكها، أو يجعل عليها القباب أو المساجد، فإنَّ ذلك من المنهيِّ عنه بلا شك ولا شبهة، ولهذا فإنَّ النبيَّ ﷺ بعث لِهدمِها أميرَ المؤمنين عليًّا، ثم إنَّ أمير المؤمنين بعث لِهدمِها أبا الهيَّاج الأسدي في أيام خلافته.
وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي ـ وصححه ـ والنسائي وابن حبان من حديث جابر قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يُجَصَّص القبر، وأن يُبنَى عليه، وأن يُوطَأ" (٣) .
وزاد هؤلاء المخرِّجون لهذا الحديث عن مسلم: "وأن يُكتب عليه". قال الحاكم: "النهى عن الكتابة على شرط مسلم، وهي صحيحة غريبة"٤.
стр. 99
وفي هذا التصريحُ بالنهى عن البناء على القبور، وهو يصدق على ما بُنِي على جوانب حفرة القبر، كما يفعله كثيرٌ من الناس من رفع قبور الموتى ذراعاً فما فوقه؛ لأنَّه لا يُمكن أن يجعل نفس القبر مسجداً، فذلك مِمَّا يدلُّ على أنَّ المراد بعض ما يقربه مِمَّا يتصل به، ويصدُق على من بنى قريباً من جوانب القبر كذلك، كما في القباب والمساجد والمشاهد الكبيرة، على وجه يكون القبر في وسطها أو في جانب منها، فإنَّ هذا بناء على القبر، لا يخفى ذلك على من له أدنى فهم، كما يقال: بَنَى السلطانُ على مدينة كذا، أو على قرية كذا سوراً، وكما يقال: بَنَى فلانٌ في المكان الفلاني مسجداً، مع أنَّ سمكَ البناء لم يباشر إلاَّ جوانب المدينة أو القرية أو المكان، ولا فرق بين أن تكون تلك الجوانب التي وقع وضع البناء عليها قريبة من الوسط، كما في المدينة الصغيرة والقرية الصغيرة والمكان الضيق، أو بعيدة من الوسط كما في المدينة الكبيرة والقرية الكبيرة والمكان الواسع، ومَن زعم أنَّ في لغة العرب ما يَمنع من هذا الإطلاق فهو جاهلٌ لا يعرف لغةَ العرب، ولا يَفهم لسانَها ولا يدري بما استعملته في كلامها.
وإذا تقرَّر لك هذا علمتَ أنَّ رفعَ القبور ووضع القباب والمساجد والمشاهد عليها قد لَعَنَ رسولُ الله ﷺ فاعله تارة، كما تقدم، وتارة قال: "اشتدَّ غضبُ الله على قوم اتَّخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد"، فدعَا عليهم بأن يشتدَّ غضب الله عليهم بما فعلوه من هذه المعصية، وذلك ثابت في الصحيح١، وتارة نهى عن ذلك، وتارة بعث مَن يهدمه،
стр. 100
وتارة جعله مِن فعل اليهود والنصارى، وتارة قال: "لا تتخذوا قبري وثناً" ١، وتارة قال: "لا تتخذوا قبري عيداً" ٢، أي: مَوسِماً يجتمعون فيه كما صار يفعله كثيرٌ من عُبَّاد القبور! يَجعلون لِمن يعتقدون من الأموات أوقاتاً معلومة يجتمعون فيها عند قبورهم، يَنسكون لها المناسك، ويعكفون عليها٣، كما يعرف ذلك كلُّ أحد من الناس من أفعال هؤلاء المخذولين، الذين تركوا عبادةَ الله الذي خلقهم ورزقهم ثم يُميتهم ويحييهم، وعبدوا عبداً من عباد الله، صار تحت أطباق الثرَى، لا يقدر على أن يَجلب لنفسه نفعاً ولا يدفع عنها ضرًّا، كما قال رسول الله ﷺ فيما أمره الله أن يقول: [٧: ١٨٨] ﴿لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً﴾ ، فانظر كيف قال سيد البشر وصفوة الله من خلقه بأمر ربه: إنَّه لا يَملك لنفسه ضرًّا ولا نفعاً، وكذلك قال فيما صح عنه: "يا فاطمةَ بنت محمد! لا أُغني عنك من الله شيئاً"٤.
فإذا كان هذا قول رسول الله ﷺ في نفسه وفي أخصِّ قرابته به وأحبِّهم إليه، فما ظنُّك بسائر الأموات الذين لَم يكونوا أنبياءَ معصومين، ولا رُسُلاً مرسلين؟ بل غاية ما عند أحدهم أنَّه فردٌ من أفراد هذه الأمة المحمدية، وواحد من أهل هذه الملة الإسلامية، فهو أعجز وأعجز أن ينفع (٥) أو يدفع عنها ضرراً.
стр. 101
وكيف لا يعجز عن شيء قد عَجَز عنه رسولُ الله ﷺ ، وأخبر به أمَّتَه كما أخبر الله عنه، وأمره بأن يقول للناس بأنَّه لا يَملك لنفسه ضرًّا ولا نفعاً، وأنَّه لا يُغنى عن أخصِّ قرابته من الله شيئاً؟ فيا عجباً! كيف يَطمع من له أدنى نصيب من علم أو أقلّ حفظ مِن عرفان أن ينفعه أو يضره فردٌ من أفراد أمَّة هذا النبيِّ الذي يقول عن نفسه هذه المقالة؟ والحالُ أنَّه فرد من التابعين له المقتدين بشرعه.
فهل سمعت أذناك ـ أرشدك الله ـ بضلال عقل أكبر من هذا الضلال الذي وقع في عُبَّاد أهل القبور (١) ؟! إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.
وقد أوضحنا هذا أبلغَ إيضاح في رسالتنا التي سمَّيناها "الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد"، وهي موجودة بأيدي الناس، فلا شكَّ ولا ريبَ أنَّ السبب الأعظم الذي نشأ منه هذا الاعتقاد في الأموات هو ما زيَّنه الشيطانُ للناس من رَفع القبور، ووضع الستور عليها، وتجصيصها وتزيينها بأبلغ زينة، وتحسينها بأكمل تحسين، فإنَّ الجاهل إذا وقعت عينُه على قبر من القبور قد بُنيت عليه قبة فدخلها، ونظر على القبور (٢) الستور الرائعة، والسُّرُجَ المتلألئة، وقد سطعت حوله مَجامرُ الطِّيب، فلا شكَّ ولا ريبَ أنَّه يَمتلئُ قلبُه تعظيماً لذلك القبر، ويَضيق ذهنه عن تصوُّر ما لهذا الميت من المنزلة، ويدخله مِن الروعة والمهابة ما يزرع في قلبه من العقائد الشيطانية، التي هي من أعظم مكائد الشيطان للمسلمين، وأشدِّ وسائله إلى ضلال العباد، ما يُزلزلُه عن
стр. 102
الإسلام قليلاً قليلاً، حتى يطلب من صاحب ذلك القبر ما لا يقدر عليه إلاَّ الله سبحانه، فيصير في عداد المشركين.
وقد يحصل له هذا الشرك بأوَّل رؤية لذلك القبر الذي صار على تلك الصفة، وعند أوَّل زَوْرَة له؛ إذ لا بدَّ أن يخطر بباله أنَّ هذه العنايةَ البالغة من الأحياء بمثل هذا الميت لا تكون إلاَّ لفائدة يرجونها منه، إما دنيوية أو أخروية، فيستصغرُ نفسَه بالنسبة إلى مَن يراه من أشباه العلماء زائراً لذلك القبر، وعاكفاً عليه ومتمَسِّحاً بأركانه (١) .
وقد يَجعلُ الشيطانُ طائفةً من إخوانه من بني آدم يقفون على ذلك القبر، يخادعون من يأتي إليه من الزائرين، يهوِّلون عليهم الأمرَ، ويصنعون أموراً من أنفسهم، وينسبونها إلى الميت على وجه لا يَفطن له مَن كان من المغفَّلين، وقد يصنعون أكاذيبَ مشتملة على أشياء يسمُّونها كرامات لذلك الميت، ويبُثُّونها في الناس، ويكرِّرون ذكرَها في مجالسهم، وعند اجتماعهم بالناس، فتشيع وتستفيض، ويتلقاها مَن يحسنُ الظنَّ بالأموات، ويقبل عقلُه ما يُروى عنهم من الأكاذيب، فيرويها كما سمعها، ويتحدَّث بها في مجالسه، فيقع الجهَّالُ في بليَّة عظيمة من الاعتقاد الشركي، وينذرون على ذلك الميِّت بكرائم أموالهم، ويحبسون على قبره مِن أملاكهم ما هو أحبها إلى قلوبهم؛ لاعتقادهم أنَّهم ينالون بجاه ذلك الميت خيراً عظيماً وأجراً كبيراً، ويعتقدون أنَّ ذلك قُربةٌ عظيمة، وطاعةٌ نافعة، وحسنةٌ متقبَّلة، فيحصل بذلك مقصود أولئك الذين جعلهم الشيطانُ من إخوانه مِن بني آدم على ذلك القبر.
стр. 103
فإنَّهم إنَّما فعلوا تلك الأفاعيل، وهوَّلوا على الناس بتلك التهاويل، وكذبوا تلك الأكاذيب؛ لينالوا جانباً من الحطام من أموال الطغام الأغتام (١) ، وبهذه الذريعة الملعونة والوسيلة الإبليسية تكاثرت الأوقافُ على القبور، وبلغت مبلغاً عظيماً، حتى بلغت غَلاَّت ما يوقف على المشهورين منهم ما لو اجتمعت أوقافُه لبلغ ما يقتاته أهلُ قرية كبيرة من قرى المسلمين، ولو بيعت تلك الحبائس الباطلة لأغنى اللهُ بها طائفةً عظيمةً من الفقراء (٢) ، وكلُّها من النذر في معصية الله، وقد صحَّ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا نذر في معصية الله"٣، وهى أيضاً من النذر الذي لا يُبتغي به وجه الله، وقد قال ﷺ : "النذر ما ابتغي به وجه الله"٤، بل كلُّها من النذور التي يستحق بها فاعلُها غضب الله وسخطه؛ لأنَّها تفضي بصاحبها إلى ما يفضي به اعتقادُ الإلهية في الأموات من تزلزل قدم الدِّين؛ إذ لا يسمح بأحبِّ أمواله وألصقها بقلبه، إلاَّ وقد زرع الشيطانُ في قلبه مِن مَحبَّة وتعظيم وتقديس ذلك
стр. 104
الطوائف بالنهي عن بناء المساجد على القبور، ثم قال: "وصرَّح أصحابُ أحمد ومالك والشافعي بتحريم ذلك، وطائفةٌ أطلقت الكراهة، لكن ينبغي أن يُحمل على كراهة التحريم، إحساناً للظنِّ بهم، وأن لا يُظنَّ بهم أن يُجوِّزوا ما تواتر عن رسول الله ﷺ لعنُ فاعله والنهى عنه". انتهى.
فانظر كيف حكى التصريح عن عامة الطوائف؟ وذلك يدلُّ على أنَّه إجماع من أهل العلم على اختلاف طوائفهم، ثم بعد ذلك جَعل أهلَ ثلاثة مذاهب مصرِّحين بالتحريم، وجعل طائفةً مصرِّحةً بالكراهة، وحملها على كراهة التحريم، فكيف يُقال: إنَّ بناء القباب والمشاهد على القبور لم ينكره أحد؟
ثم انظر كيف يَصحُّ استثناء أهل الفضل برفع القباب على قبورهم، وقد صحَّ عن النبي ﷺ كما قدَّمناه ـ أنَّه قال: "أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً"، ثم لعنهم بهذا السبب.
فكيف يسوغ من مسلم أن يستثني أهلَ الفضل بفعل هذا المحرَّم الشديد على قبورهم، مع أنَّ أهل الكتاب الذين لعنهم الرسول ﷺ وحذَّر الناس ما صنعوا لَم يعمروا المساجد إلاَّ على قبور صلحائهم.
ثم هذا رسول الله ﷺ سيِّدُ البشر وخير الخليقة وخاتم الرسل وصفوة الله من خلقه، ينهى أمَّتَه أن يَجعلوا قبرَه مسجداً أو وثناً أو عيداً، وهو القدوة لأمَّتِه، ولأهل الفضل من القدوة به والتأسِّي بأفعاله وأقواله الحظُّ الأوفر، وهم أحقُّ الأمَّة بذلك وأولاهم به، وكيف يكون فعل١
стр. 105
بعض الأمة وصلاحه مسوغاً لفعل هذا المنكر على قبره؟ وأصلُ الفضل ومرجعُه هو رسول الله ﷺ ، وأيُّ فضل يُنسب إلى فضله أدنى نسبة، أو يكون له بجنبه أقلّ اعتبار؟ فإن كان هذا محرَّماً منهيًّا عنه ملعوناً فاعله في قبر رسول الله ﷺ ، فما ظنُّك بقبر غيره من أمته؟
وكيف يستقيم أن يكون للفضل مدخلٌ في تحليل المحرَّمات وفعل المنكرات؟ اللَّهمَّ غفراً.
والحمد لله الذي هدانا للحقِّ ووفَّقنا لاتِّباعه، وصلى الله على محمد عبد الله ورسوله وعلى آله أجمعين.
стр. 106
شرح الصدور بتحريم رفع القبور
...
القبر وصاحبه والمغالاة في الاعتقاد فيه، ما لا يعود به إلى الإسلام سالِماً، نعوذ بالله من الخذلان.
ولا شكَّ أنَّ غالب هؤلاء المغرورين المخدوعين لو طلب منهم طالبٌ أن ينذر بذلك الذي نذر به لقبر ميت على ما هو طاعة من الطاعات وقُربة من القُربات لم يفعل، ولا كاد.
فانظر إلى أين بلغ تلاعبُ الشيطان بهؤلاء، وكيف رمى بهم في هوة بعيدة القعر، مُظلمة الجوانب، فهذه مفسدة من مفاسد رفع القبور وتشييدها، وزخرفتها وتجصيصها.
ومن المفاسد البالغة إلى حدٍّ يَرمى بصاحبه إلى وراء حائط الإسلام، ويُلقيه على أمِّ رأسه مِن أعلى مكان من الدين: أنَّ كثيراً منهم يأتي بأحسن ما يَملكه مِن الأنعام، وأجود ما يَحوزه من المواشي، فينحرُه عند ذلك القبر، متقرِّباً به إليه، راجياً ما يضمر حصوله له منه، فيُهلُّ به لغير الله، ويتعبَّد به لوثن من الأوثان؛ إذ إنَّه لا فرق بين النحائر لأحجار منصوبة يسمُّونها وثناً، وبين قبر لميت يسمُّونه قبراً، ومجرَّد الاختلاف في التسمية لا يُغني من الحقِّ شيئاً، ولا يؤثر تحليلاً ولا تحريماً، فإنَّ مَن أطلق على الخمر غيرَ اسمها وشربها، كان حكمُه حكمَ مَن شربها وهو يُسمِّيها باسمها، بلا خلاف بين المسلمين أجمعين.
ولا شكَّ أنَّ النَّحرَ نوعٌ من أنواع العبادة التي تعبَّد اللهُ العبادَ لها، كالهدايا والفدية والضحايا، فالمتقرِّب بها إلى القبر والناحر لها عنده لَم يكن له غرضٌ بذلك إلاَّ تعظيمه وكرامته، واستجلاب الخير منه واستدفاع الشرِّ به، وهذه عبادة لا شكَّ فيها، وكفاك من شرِّ سماعه، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله العلي العظيم، إنَّا لله وإنا إليه راجعون،
стр. 107
والنبيُّ ﷺ يقول: "لا عَقر في الإسلام"، قال عبد الرزاق: "كانوا يعقرون عند القبر، يعني بقراً وشياهاً" رواه أبو داود بإسناد صحيح عن أنس بن مالك١.
وبعد هذا كلِّه، فاعلم بما سقناه من الدلالة وما هو كالتوطيد لها، وما هو كالخاتمة تختم بها البحث، يقضى أبلغ قضاء وينادى أرفع نداء، ويدل أوضح دلالة، ويفيد أجلى مفاد، أنَّ ما رواه صاحب البحر عن الإمام يحيى، غَلَطٌ من أغاليط العلماء، وخطأٌ من جنس ما يقع للمجتهدين، وهذا شأن البشر، والمعصومُ مَن عصمه الله، وكلُّ عالِم يُؤخذ من قوله ويُترك، مع كونه ﵀ من أعظم الأئمة إنصافاً، وأكثرهم تحريًّا للحقِّ وإرشاداً وتأثيراً، ولكنَّنا رأيناه قد خالف مَن عداه بما قال مِن جواز بناء القباب على القبور، رددنا هذا الاختلافَ إلى ما أوجب الله الرد إليه، وهو كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ ، فوجدنا في ذلك ما قدَّمنا ذكرَه من الأدلة الدالة أبلغ دلالة، والمنادية بأعلى صوت بالمنع من ذلك والنهي عنه، واللعن لفاعله والدعاء عليه، واشتداد غضبِ الله عليه، مع ما في ذلك من كونه ذريعةً إلى الشرك، ووسيلةً إلى الخروج عن الملَّة كما أوضحناه، فلو كان القائل بما قاله الإمام يحيى بعضَ الأئمة أو أكثرَهم لكان قولُهم ردًّا عليهم، كما قدمناه في أول هذا البحث، فكيف والقائل به فردٌ من أفرادهم؟ وقد صحَّ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "كلُّ أمر ليس عليه أمرنا فهو رَد"٢، ورفع القبور وبناءُ القباب والمساجد عليها
стр. 108
ليس عليه أمر رسول الله ﷺ ، كما عرفناك ذلك فهو ردٌّ على قائله، أي مردودٌ عليه.
والذي شرع للناس هذه الشريعةَ الإسلامية هو الرَّبُّ سبحانه بما أنزله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ .
فليس لعالم ـ وإن بلغ من العلم إلى أرفع رتبة وأعلى منزلة ـ أن يكون بحيث يُقتدى به فيما خالف الكتاب والسنة أو أحدهما، بل ما وقع منه من الخطأ بعد توفية الاجتهاد حقه يستحق به أجراً، ولا يجوز لغيره أن يتابعَه عليه، وقد أوضحنا هذا في أول البحث بما لا يأتي التكرار له بمزيد فائدة.
وأمَّا ما استدلَّ به الإمام يحيى حيث قال: "لاستعمال المسلمين ذلك، ولم ينكروه" فقولٌ مردود؛ لأنَّ علماءَ المسلمين مازالوا في كلِّ عصر يروون أحاديثَ رسول الله ﷺ في لعن مَن فعل ذلك، ويقرِّرون شريعةَ رسول الله ﷺ في تحريم ذلك في مدارسهم ومجالس حفاظهم، يرويها الآخرُ عن الأول، والصغير عن الكبير، والمتعلِّم عن العالم، مِن لدن أيام الصحابة إلى هذه الغاية، وأوردها المحدِّثون في كتبهم المشهورة من الأمَّهات والمسندات والمصنفات، وأوردها المفسرون في تفاسيرهم، وأهل الفقه في كتبهم الفقهية، وأهل الأخبار والسير في كتب الأخبار والسير، فكيف يقال: إنَّ المسلمين لَم ينكروا على من فعل ذلك، وهم يروون أدلَّةَ النهي عنه واللعن لفاعله، خلفاً عن سلف في كلِّ عصر؟ ومع هذا فلم يزل علماء الإسلام منكرين لذلك مبالغين في النهي عنه.
وقد حكى ابنُ القيم عن شيخه تقي الدين ـ رحمهما الله ـ وهو الإمام المحيط بمذهب سلف هذه الأمة وخلفها، أنَّه قد صرَّح عامةُ