← Тафсир

Тафсир · id 11099

تفسير آيات من القرآن الكريم (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الخامس)

محمد بن عبد الوهاب

Полный текст (379 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم تعتمد هذه الطبعة –بصورة أساسية- على مخطوطتين كاملتين ورد في كل منهما ما كتبه الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في تفسير آيات من القرآن الكريم، وهما: (أ) بعنوان (استنباط القرآن) وهي برقم ٥١٦-٨٦ في مكتبة الرياض السعودية بدخنة. (ب) مخطوطة أخرى وجدت عند الشيخ عبد الرحمن بن سحمان رئيس محكمة الدلم، وقد دون فيها التفسير بخط علي بن سلمان، وتم الفراغ من تدوينها في عام ١٢٧٦هـ، وجاء في نهايتها ما نصه: "وقع الفراغ من هذه النسخة المباركة في جماد أول باق منه يوم سنة ١٢٧٦هـ، بقلم علي بن سلمان غفر الله له ولوالديه وللمسلمين والمسلمات آمين". وإلى جانب هاتين المخطوطتين الكاملتين فهناك أجزاء من مخطوطات

стр. 2

أخرى ورد فيها شيء من هذا التفسير، وقد استعين بذلك كله في مراجعة نصوصه. وقد سبق طبع تفسير الشيخ محمد بن عبد الوهاب للقرآن الكريم -أو طبع أجزاء منه- في ثنايا بعض الكتب، بيد أنه اكتفي في هذه الطبعات السابقة بذكر نص تفسير الشيخ للقرآن الكريم مجردا عن نفس الآيات القرآنية التي جاء التفسير لها. وذلك لأن الشيخ –في الأغلب الأعم- كان يكتفي بالإشارة إلى الآيات التي يفسرها عن ذكر نصوصها كاملة، فيقول مثلا: ومن قوله كذا، ثم يبدأ في تفسيره. وأيضا فإن هذه الطبعات السابقة جاءت مجردة عن تخريج الآيات والأحاديث والترجمة للأعلام وتفسير بعض الكلمات التي تحتاج إلى إيضاح لغوي.. وفي هذا نشير إلى طبعات كتاب (تاريخ ابن غنام) غير المحققة، أو التي حققها الدكتور ناصر الدين الأسد. كما نشير أيضا إلى جـ ١٠ من (الدرر السنية) الذي ورد فيه التفسير. ومن أجل مزيد النفع بهذا التفسير –في طبعتنا هذه- فقد تم وضع هوامش له تتضمن نصوص الآيات القرآنية المفسرة، كما تتضمن أيضا تخريج الآيات والأحاديث التي وردت في التفسير، وأيضا تتضمن تعريفا ببعض الأعلام الذين وردت لهم أقوال في التفسير، ممن رأيت أنه يحسن التعريف بهم، وذلك إلى جانب التعليق على بعض الكلمات. وينبغي أن ننبه أيضا على أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ قد عرض للكلام عن آيات أخرى كثيرة من القرآن الكريم –غير ما ورد في

стр. 3

هذا التفسير- وذلك في سياق تقريره لبعض مسائل العقيدة وما يتصل بها، ومن ثم جاء كلامه عن هذه الآيات الأخرى في مؤلفاته الأخرى. وبناء على هذا، ولئلا يتكرر نفس الكلام في أكثر من مؤلف – فقد حاولنا قدر الاستطاعة أن لا يرد هنا (تحت عنوان التفسير) إلاّ ما كان منطلقه الأساسي أصلا هو التفسير، وإن توصل به إلى أهداف في العقيدة وتقرير أمور متصلة بها. وفي الهوامش رمزت بحرف (س) للمخطوطة الثانية، أما المخطوطة الأولى فأذكرها برقمها. والله ولي التوفيق وهو حسبنا وإليه المصير ربيع الثاني ١٣٩٨ هـ محمد بلتاجي

стр. 4

سورة الفاتحة ١ قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ ورضي عنه بمنه وكرمه: اعلم أرشدك الله لطاعته، وأحاطك بحياطته، وتولاك في الدنيا والآخرة، أن مقصود الصلاة وروحها ولبها هو إقبال القلب على الله تعالى فيها، فإذا صليت بلا قلب فهي كالجسد الذي لا روح فيه، ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ ٢ ففسر السهو بالسهو عن وقتها - أي إضاعته -، والسهو عمّا يجب فيها، والسهو عن حضور القلب، ويدل على ذلك الحديث الذي في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: "تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق تلك صلاة المنافق، يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا ٣") فوصفه بإضاعة الوقت بقوله: " يرقب

стр. 5

الشمس " وبإضاعة الأركان بذكره النقر، وبإضاعه حضور القلب بقوله: " لا يذكر الله فيها إلا قليلا ". إذا فهمت ذلك فافهم نوعا واحدا من الصلاة، وهو قراءة الفاتحة لعل الله أن يجعل صلاتك في الصلوات المقبولة المضاعفة المكفرة للذنوب. ومن أحسن ما يفتح لك الباب في فهم الفاتحة حديث أبي هريرة الذي في صحيح مسلم، قال سمعت ١ رسول الله ﷺ يقول: "يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢ قال الله: حمدني عبدي. فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ٣ قال الله: أثنى علي عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ٤ قال الله: مجدني عبدي. فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ٥ قال الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ٦ قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل " انتهى الحديث. فإذا تأمل العبد هذا، وعلم أنها نصفان: نصف لله وهو أولها إلى قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ٧، ونصف للعبد دعاء يدعو به لنفسه، وتأمل أن الذي علمه هذا هو الله تعالى، وأمره أن يدعو به ويكرره في كل ركعة، وأنه سبحانه من فضله وكرمه ضمن إجابة هذا الدعاء إذا دعاه بإخلاص وحضور قلب، تبين له ما أضاع أكثر الناس.

стр. 6

قد هيئوك لأمر لو فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل وها أنا أذكر لك بعض معاني هذه السورة العظيمة لعلك تصلي بحضور قلب، ويعلم قلبك ما نطق به لسانك، لأن ما نطق به اللسان ولم يعقد عليه القلب ليس بعمل صالح كما قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِم﴾ ١. وأبدأ بمعنى الاستعاذة، ثم البسملة، على طريق الاختصار والإيجاز، فمعنى (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) : ألوذ بالله، وأعتصم بالله، واستجير بجنابه من شر هذا العدو، أن يضرني في ديني أو دنياي، أو يصدني عن فعل ما أمرت به، أو يحثني على فعل ما نهيت عنه، لأنه أحرص ما يكون على العبد إذا أراد عمل الخير من صلاة أو قراءة أو غير ذلك، وذلك أنه لا حيلة لك في دفعه إلا بالاستعاذة بالله لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ ٢؛ فإذا طلبت من الله أن يعيذك منه، واعتصمت به، كان هذا سببا في حضور القلب. فاعرف معنى هذه الكلمة ولا تقلها باللسان فقط كما عليه أكثر الناس. وأما البسملة فمعناها أدخل في هذا الأمر من قراءة أو دعاء أو غير ذلك ((بِسْمِ اللَّهِ) لا بحولي ولا بقوتي، بل أفعل هذا الأمر مستعينا بالله، متبركا باسمه ﵎، هذا في كل أمر تسمي في أوله من أمر الدين أو أمر الدنيا، فإذا أحضرت في نفسك أن دخولك في القراءة بالله مستعينا به، متبرئا من الحول والقوة، كان هذا أكبر الأسباب في حضور القلب، وطرد الموانع من كل خير.

стр. 7

(الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) : اسمان مشتقان من الرحمة أحدهما أبلغ من الآخر، مثل العلام والعالم، قال ابن عباس: هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر، أي أكثر من الآخر رحمة. وأما الفاتحة فهي سبع آيات: ثلاث ونصف لله، وثلاث ونصف للعبد، فأولها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١ فاعلم أن الحمد هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري، فأخرج بقوله الثناء باللسان الثناء بالفعل الذي يسمى لسان الحال، فذلك من نوع الشكر، وقوله: على الجميل الاختياري أي الذي يفعله الإنسان بإرادته، وأما الجميل الذي لا صنع له فيه مثل الجمال ونحوه فالثناء به يسمى مدحا لا حمدا، والفرق بين الحمد والشكر: أن الحمد يتضمن المدح والثناء على المحمود بذكر محاسنه سواء كان إحسانا إلى الحامد أو لم يكن، والشكر لا يكون إلا على إحسان المشكور، فمن هذا الوجه الحمد أعم من الشكر، لأنه يكون على المحاسن والإحسان، فإن الله يحمد على ما له من الأسماء الحسنى وما خلقه في الآخرة والأولى، ولهذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾ ٢ الآية وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ٣ إلى غير ذلك من الآيات. وأما الشكر فإنه لا يكون إلا على الإنعام; فهو أخص من الحمد من هذا الوجه، لكنه يكون بالقلب واليد واللسان، ولهذا قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً﴾ ٤. والحمد إنما يكون بالقلب واللسان، فمن هذا الوجه الشكر أعم من جهة أنواعه، والحمد أعم من جهة أسبابه.

стр. 8

والألف واللام في قوله (الْحَمْدُ) للاستغراق، أي جميع أنواع الحمد لله لا لغيره فأما الذي لا صنع للخلق فيه مثل خلق الإنسان، وخلق السمع والبصر والسماء والأرض والأرزاق وغير ذلك فواضح، وأما ما يحمد عليه المخلوق مثل ما يثنى به على الصالحين والأنبياء والمرسلين، وعلى من فعل معروفا خصوصا إن أسداه إليك، فهذا كله لله أيضا بمعنى أنه، خلق ذلك الفاعل، وأعطاه ما فعل به ذلك، وحببه إليه وقواه عليه، وغير ذلك من أفضال الله الذي لو يختل بعضها لم يحمد ذلك المحمود، فصار الحمد لله كله بهذا الاعتبار. وأما قوله: ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١ فالله علم على ربنا ﵎، ومعناه: الإله أي المعبود لقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ ٢ أي المعبود في السموات والمعبود في الأرض ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ ٣ الآيتين. وأما الرب فمعناه المالك المتصرف. وأما (العالمين) فهو اسم لكل ما سوى الله ﵎؛ فكل ما سواه من ملك ونبي وإنسي وجني وغير ذلك مربوب مقهور يتصرف فيه، فقير محتاج؛ كلهم صامدون إلى واحد لا شريك له في ذلك، وهو الغني الصمد. وذكر بعد ذلك ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ٤ وفي قراءة أخرى (مالك يوم الدين) . فذكر في أول هذه السورة التي هي أول المصحف الألوهية والربوبية والملك. كما ذكره في آخر سورة في المصحف ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ٥ ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ ٦ ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ ٧.

стр. 9

فهذه ثلاثة أوصاف لربنا ﵎ ذكرها مجموعة في موضع واحد في أول القرآن; ثم ذكرها مجموعة في موضع واحد في آخر ما يطرق سمعك من القرآن؛ فينبغي لمن نصح نفسه أن يعتني بهذا الموضع ويبذل جهده في البحث عنه، ويعلم أن العليم الخبير لم يجمع بينهما في أول القرآن ثم في آخره إلا لما يعلم من شدة حاجة العباد إلى معرفتها، ومعرفة الفرق بين هذه الصفات; فكل صفة لها معنى غير معنى الصفة الأخرى، كما يقال: محمد رسول الله، وخاتم النبيين، وسيد ولد آدم فكل وصف له معنى غير ذلك الوصف الآخر. إذا عرفت أن معنى الله هو الإله; وعرفت أن الإله هو المعبود، ثم دعوت الله أو ذبحت له أو نذرت له فقد عرفت أنه الله. فإن دعوت مخلوقا طيبا أو خبيثا، أو ذبحت له أو نذرت له فقد زعمت أنه هو الله. فمن عرف أنه قد جعل "شمسان" ١ أو "تاجا" برهة من عمره هو الله، عرف ما عرفت بنو إسرائيل لما عبدوا العجل، فلما تبين لهم ارتاعوا، وقالوا ما ذكر الله عنهم: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٢ وأما الرب فمعناه المالك المتصرف، فالله تعالى مالك كل شيء وهو

стр. 10

المتصرف فيه، وهذا حق، ولكن أقر به عباد الأصنام الذين قاتلهم رسول الله ﷺ ، كما ذكر الله عنهم في القرآن في غير موضع كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ - إلى قوله - ﴿فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ١. فمن دعا الله في تفريج كربته وقضاء حاجته، ثم دعا مخلوقا في ذلك، خصوصا إن اقترن بدعائه نسبة نفسه إلى عبوديته مثل قوله في دعائه (فلان عبدك) أو قول (عبد علي) أو (عبد النبي أو الزبير) فقد أقر له بالربوبية. وفي دعائه عليا أو الزبير بدعائه الله ﵎ وإقراره له بالعبودية، ليأتي له بخير أو ليصرف عنه شرا، مع تسمية نفسه عبدا له، قد أقر له بالربوبية، ولم يقر لله بأنه رب العالمين كلهم، بل جحد بعض ربوبيته. فرحم الله عبدا نصح نفسه، وتفطن لهذه المهمات، وسأل عن كلام أهل العلم، وهم أهل الصراط المستقيم، هل فسروا السورة بهذا أم لا؟ وأما الملك فيأتي الكلام عليه; وذلك أن قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ٢ وفي القراءة الأخرى ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فمعناه عند جميع المفسرين كلهم ما فسره الله به في قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ ٣.

стр. 11

فمن عرف تفسير هذه الآية وعرف تخصيص الملك بذلك اليوم، مع أنه سبحانه مالك كل شيء ذلك اليوم وغيره، عرف أن التخصيص لهذه المسألة الكبيرة العظيمة التي بسبب معرفتها دخل الجنة من دخلها، وبسبب الجهل بها دخل النار من دخلها. فيالها من مسألة لو رحل الرجل فيها أكثر من عشرين سنة لم يوفها حقها، فأين هذا المعنى والإيمان بما صرح به القرآن، مع قوله ﷺ ١: "يا فاطمه بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا" من قول صاحب ٢ البردة: ولن يضيق رسول الله جاهك بي ... فإن لي ذمة منه بتسميتي إن لم تكن في معادي آخذا بيدي محمدا وهو أوفى الخلق بالذمم ... إذا الكريم تحلى باسم منتقم فضلا وإلا فقل يا زلة القدم ... فليتأمل من نصح نفسه هذه الأبيات ومعناها، ومن فتن بها من العباد، وممن يدعى أنه من العلماء، واختاروا تلاوتها على تلاوة القرآن:

стр. 12

هل يجتمع في قلب عبد التصديق بهذه الأبيات والتصديق بقوله: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ ١ وقوله: "يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا" ٢ لا والله، لا والله; لا والله إلا كما يجتمع في قلبه أن موسى صادق، وأن فرعون صادق، وأن محمدا صادق على الحق، وأن أبا جهل صادق على الحق. لا والله ما استويا ولن يتلاقيا حتى تشيب مفارق الغربان. فمن عرف هذه المسألة وعرف البردة، ومن فتن بها عرف غربة الإسلام، وعرف أن العداوة واستحلال دمائنا وأموالنا ونسائا، ليس عند التكفير والقتال، بل هم الذين بدؤونا بالتكفير والقتال، بل عند قوله: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً ٣ وعند قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ ٤ وقوله ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ ٥ فهذا بعض المعاني في قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ٦ بإجماع المفسرين كلهم. وقد فسرها الله سبحانه في سورة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ ٧ كما قدمت لك. واعلم أرشدك الله أن الحق لا يتبين إلا بالباطل كما قيل: ... وبضدها تتبين الأشياء ... فتأمل ما ذكرت لك ساعة بعد ساعة، ويوما بعد يوم وشهرا بعد شهر،

стр. 13

وسنة بعد سنة لعلك أن تعرف ملة أبيك إبراهيم ودين نبيك فتحشر معهما; ولا تصد عن الحوض يوم الدين، كما يصد عنه من صد عن طريقهما. ولعلك أن تمر على الصراط يوم القيامة، ولا تزل عنه كما زل عن صراطهما المستقيم في الدنيا من زل، فعليك بإدامة دعاء الفاتحة مع حضور قلب وخوف وتضرع. وأما قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ١ فالعبادة كمال المحبة وكمال الخضوع، والخوف والذل. وقدم المفعول وهو إياك، وكرر للاهتمام والحصر أي لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك، وهذا كمال الطاعة; والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين، فالأول التبرؤ من الشرك، والثاني التبرؤ من الحول والقوة فقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ٢ أي إياك نوحد، ومعناه أنك تعاهد ربك أن لا تشرك به في عبادته أحدا، لا ملكا ولا نبيا ولا غيرهما، كما قال للصحابة: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٣ فتأمل هذه الآية واعرف ما ذكرت لك في الربوبية، أنها التي نسبت إلى "تاج" و"محمد بن شمسان" فإذا كان الصحابة لو يفعلونها مع الرسل كفروا بعد إسلامهم فكيف بمن لها في تاج وأمثاله؟ وقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ٤ هذا فيه أمران: أحدهما سؤال الإعانة من الله، وهو التوكل والتبري من الحول والقوة. وأيضا طلب الإعانة من الله كما مر أنها من نصف العبد. وأما قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ٥ فهذا هو الدعاء الصريح الذي

стр. 14

هو حظ العبد من الله، وهو التضرع إليه والإلحاح عليه أن يرزقه هذا المطلب العظيم، الذي لم يعط أحد في الدنيا والآخرة أفضل منه، كما من الله على رسوله ﷺ بعد الفتح قوله: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ ١ والهداية ها هنا التوفيق والإرشاد. وليتأمل العبد ضرورته إلى هذه المسألة، فإن الهداية إلى ذلك تتضمن العلم والعمل الصالح على وجه الاستقامة والكمال والثبات على ذلك إلى أن يلقى الله. والصراط الطريق الواضح والمستقيم الذي لا عوج فيه، والمراد بذلك الطريق الذي أنزله الله على رسوله ﷺ وهو ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ٢ وهم رسول الله ﷺ وأصحابه، وأنت دائما في كل ركعة تسأل الله أن يهديك إلى طريقهم; وعليك من الفرائض أن تصدق الله أنه هو المستقيم، وكلّ ما خالفه من طريق أو علم أو عبادة، فليس بمستقيم، بل معوج. وهذه أول الواجبات من هذه الآية، وهو اعتقاد ذلك بالقلب. وليحذر المؤمن من خداع الشيطان، وهو اعتقاد ذلك مجملا وتركه مفصلا، فإن أكفر الناس من المرتدين يعتقدون أن رسول الله ﷺ على الحق وإنّ ما خالفه باطل، فإذا جاء بما لا تهوى أنفسهم فكما قال تعالى: ﴿فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ﴾ وأما قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ٣ فالمغضوب عليهم هم

стр. 15

العلماء الذين لم يعملوا بعلمهم، والضالون العاملون بلا علم، فالأول صفه اليهود والثاني صفة النصارى وكثير من الناس إذا رأى في التفسير أن اليهود مغضوب عليهم وأن النصارى. ضالون، ظن الجاهل أن ذلك مخصوص بهم، وهو يقر أن ربه فارض عليه أن يدعو بهذا الدعاء، ويتعوذ من طريق أهل هذه الصفات، فيا سبحان الله كيف يعلمه الله ويختار له، ويفرض عليه أن يدعو به دائما مع ظنه أنه لا حذر عليه منه، ولا يتصور أنه يفعله، هذا من ظن السوء بالله. والله أعلم، هذا آخر الفاتحة. أما آمين فليست من الفاتحة، ولكنها تأمين على الدعاء، معناها: "اللهم استجب"، فالواجب تعليم الجاهل لئلا يظن أنها من كلام الله; والله أعلم. وهذه مسائل مستنبطة من سورة الفاتحة; استنبطها شيخ الإسلام محمد ابن عبد الوهاب رحمه الله تعالى. الأولى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ١ فيها التوحيد. الثانية: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ٢ فيها المتابعة. الثالثة: أركان الدين: الحب والرجاء والخوف، فالحب في الأولى، والرجاء في الثانية، والخوف في الثالثة. الرابعة: هلاك الأكثر في الجهل بالآية الأولى، أعني استغراق الحمد واستغراق ربوبية العالمين. الخامسة: أول المنعم عليهم وأول المغضوب عليهم والضالين. السادسة: ظهور الكرم والحمد في ذكر المنعم عليهم. السابعة: ظهور القدرة والمجد في ذكر المغضوب عليهم والضالين. الثامنة: دعاء الفاتحة مع قوله لا يستجاب الدعاء من قلب غافل. التاسعة: قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ٣ فيه حجة الإجماع.

стр. 16

العاشرة: ما في الجملة من هلاك الإنسان إذا وكل إلى نفسه. الحادية عشرة: ما فيها من النص على التوكل. الثانية عشرة: ما فيها من التنبيه على بطلان الشرك. الثالثة عشرة: التنبيه على بطلان البدع. الرابعة عشرة: آيات الفاتحة كل آية منها لو يعلمها الإنسان صار فقيها، وكل آية أفرد معناها بالتصانيف، والله أعلم.

стр. 17

سورة البقرة وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ ١ إلى قوله - ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ٢ فيه مسائل: الأولى: كون أناس من أهل الكتاب إذا وقعت المسألة وأرادوا إقامة الدليل عليها تركوا كتاب الله كأنهم لا يعلمون، واحتجوا بما في الكتب الباطلة. الثانية: أن من العجب احتجاجهم بذلك على رسول من الرسل. الثالثة: أن الكلام يدل على أنهم يعلمون لقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٣.

стр. 18

الرابعة: أن المسائل الباطلة قد تنسب إلى الأنبياء كذبا عليهم. الخامسة: أن الكتب الباطلة قد تضاف إلى بعض الصديقين. السادسة: أن ذلك مما تتلو الشياطين على زمان الأنبياء، كما وقع أشياء في زمن النبي ﷺ . السابعة: أن الشياطين مزجت به الحق في زمن سليمان. الثامنة: بيان ضلال من ضل ممن يدعي العلم في شأن سليمان ممن نسب ذلك إليه واستحسنه، أو قدح في سليمان، كما ضل أناس كثير في علي لما قتل عثمان. التاسعة: أن من فعل السحر كفر، ولو عرف أنه باطل. العاشرة: أن الشياطين يعلمونه الناس. الحادية عشرة: أن العبد لو بلغ ما بلغ في العلم فلا يأمن مكر الله. الثانية عشرة: لا ينبغي له التعرض للفتن وثوقا بنفسه، بل يسأل الله العافية. الثالثة عشرة: سعة علم الله ومغفرته ورحمته. الرابعة عشرة: يجعل بعض نظره إلى القضاء والقدر. الخامسة عشرة: أن النساء من أكبر الفتن. السادسة عشرة: أن طاعة الهوى جماع الشر كما أن مخالفته جماع الخير. السابعة عشرة: أن الشرك الأكبر مما يخطر بالبال.

стр. 19

الثامنة عشرة: أن التلفظ بالشرك بكلمة واحدة لا يشترط في كفر من تكلم بها عقيدة القلب، ولا عدم الكراهة للشرك. التاسعة عشرة: أن المتكلم لا يعذر، ولو أراد أن يقضي به غرضا مهما. العشرون: أن قتل النفس أعظم من الزنى. الحادية والعشرون: أن المعاصي بريد الكفر. الثانية والعشرون: أن بعضها يجر إلى بعض. الثالثة والعشرون: أن عقوبة المعصية قد تكون أكبر مما يظن العالم. الرابعة والعشرون: أن قبول التوبة بلا عذاب لا يحصل لكل أحد، بل هو فضل من الله. الخامسة والعشرون: أن من النعم تعذيب العبد بذنبه في الدنيا. السادسة والعشرون: حسن الظن بالله. السابعة والعشرون: القاعدة التي هي خاصية العقل، وهو ارتكاب أدنى الشرين لدفع أعلاهما، وتفويت أدنى الخيرين لتحصيل أعلاهما. الثامنة والعشرون: أن السحر نوعان. التاسعة والعشرون: أن له تأثيرا لقوله: ﴿يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ ١. الثلاثون: الإرشاد إلى التوكل بكونه لا يضر أحدا إلا بإذن الله. الحادية والثلاثون: أن في من يدعي العلم من اختار كتب السحر على كتاب الله. الثانية والثلاثون: أنهم يعارضون به كتاب الله.

стр. 20

الثالثة والثلاثون: أن اتباع كتاب غير كتاب الله ضلال. الرابعة والثلاثون: لا تأمن الكتب ولا من ينتسب إلى العلم على دينك. الخامسة والثلاثون: أن فساد العلماء يفسد الرعية. السادسة والثلاثون: أن السحر وقع في زمن خلافة النبوة حتى أن عمر وغيره أمر بقتل الساحر ولم يستتبه كما استتاب المرتد. السابعة والثلاثون: أن الحسد سبب لرد كتاب الله. الثامنة والثلاثون: أن الحاسد قد يبغض الناصح ويسعى في قتله. التاسعة والثلاثون: أن الحسد يحمله على رد حظه من الله في الدنيا والآخرة. الأربعون: أنه من أخلاق اليهود. الحادية والأربعون: أن المحسود يرفعه الله على الحاسد. الثانية والأربعون: أن بالطاعة خير الدنيا والآخرة، وبالمعصية العكس. الثالثة والأربعون: أن في من ينتسب إلى العلم من يختار الكفر على الإيمان مع علمه أن من اختاره لا حظ له في الآخرة. الرابعة والأربعون: أن الإنسان يجتمع فيه الضدان يعلم ولا يعلم. الخامسة والأربعون: بيان غبنهم والتسجيل على فرط جهلهم في هذا الشراء. السادسة والأربعون: أن السبب في هذا الشرك اشتراء شيء خسيس تافه من الدنيا.

стр. 21

السابعة والأربعون: أنهم لمحبتهم ما هم عليه من الجاهلية وغرامهم به نبذوا كتاب الله الذي عندهم وراء ظهورهم، كأنهم لا يعرفونه. الثامنة والأربعون: أن الذي حملهم على هذه العظائم أنه أتاهم أمر من الله موافق لدينهم لكن مخالف لعادتهم الجاهلية. التاسعة والأربعون: الفرق بين المعجزات والكرامات، وبين ما يفعله الشياطين تشبها بذلك وتشبيها. الخمسون: التنبيه على قول الصحابي: "أويأتي الخير بالشر؟ " ١ وجوابه ﷺ . الحادية والخمسون: أنه لا ينبغي للإنسان أن ينكر ما لم يحط به علمه، فقد ضل بالتكذيب بهذه القصة فئام ٢ من الناس لظنهم أنها تخالف ما علموه من الحق; وتكلم بسببها ناس في نبي الله سليمان بن داود ﵇.

стр. 22

وقوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ١ فيه مسائل: الأولى: كون أناس ينتسبون إلى العلم والدين يجري منهم هذا عمدا جراءة على الله. وما أكثر من ينكر هذا! الثانية: التنبيه على كثرة هذا الصنف. الثالثة: كون المنتسب إلى العلم يقتضي إضلال غيره إذا عجز عنه. الرابعة: أن سبب هذا الأمر الغريب هو الحسد، لا خوف مضرة، ولا طلب مصلحة. الخامسة: أن المنتسب إلى العقل والعلم قد يسعى فيما يعلم أنه مصلحة لدنياه ليزيله، وفيما يعلم أنه مضرة لدنياه ليأتي به، فإنهم يعلمون أن زوال المفاسد وحصول المصالح في هذا الدين، وكانوا يستفتحون به قبل مجيئه على من ظلمهم، فلما جاءهم حملهم الحسد على ما ذكر. السادسة: أن الحسد قد يكون سببا للكفر كما وقع لهؤلاء ولإبليس. السابعة: ذكر العفو الذي هو من أسباب العز وقهر الخصم، كما ورد في الحديث.

стр. 23

الثامنة: الرفق في الأمر وفعله بالتدريج كما فعل عمر بن عبد العزيز. التاسعة: أنه سبحانه يمهل ولا يهمل. العاشرة: الإشعار بالنسخ قبل وقوعه. الحادية عشرة: تسلية المظلوم المحسود. الثانية عشرة: التنبيه على العلة. الثالثة عشرة: أن الظالم الحاسد يذله الله كما جرى الهؤلاء إلى يوم القيامة. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١ فيه: الرابعة عشرة: وهي الاستدلال بالصفات على الأفعال. الخامسة عشرة: وهي الاستدلال بالقدرة على ما لا يظن وقوعه. السادسة عشرة: وهي الاستدلال بها على جعل العفو سببا لعز العافي وذلة المعفو عنه، عكس ما يظن الأكثر. وأما الاستدلال بها على ما كذب به الجهال استبعادا مثل عذاب القبر وغيره، أو مثل الصراط والميزان وغيرهما، أو ما يجري في الدنيا من تبديل الأحوال من الغنى إلى الفقر وضده، ومن الذل إلى العز وضده، فأكثر من أن يحصر. ولكن من أحسن ما فيها المسألة السابعة عشرة: وهي: تنبيه أعلم الناس على أشكل المسائل بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢ والله أعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا; كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون.

стр. 24

وقال: ذكر بعض ما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ ١ إلى قوله: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ ٢ من بيان الحق وإبطال الباطل. الأولى: إذا كانت المحاجة في الله سبحانه من أقرب ما يكون إليه من المختلفين في مسألة التوحيد، وبيان ذلك بمعرفة الله تعالى فيما اجتمعنا وإياكم عليه، ومعرفة حالنا وحالكم في المسألة، وذلك أنا مجمعون على استوائنا وإياكم في العبودية، بخلاف ملوك الدنيا، فإن بعض الناس يكون أقرب إليهم من بعض بالقرابة وغيرها، ونحن مجمعون أيضا أنه لا يظلم أحدا من عبيده بل كل نفس ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ٣ بخلاف ملوك الدنيا فإنهم يأخذون مال هذا ويعطونه هذا; فإذا كان الأمر كذلك فكيف تدعون أنكم أولى بالله منا، ونحن له مخلصون وأنتم به مشركون؟ وكيف يظن به أنه يساوي بين من قصده وحده لا شريك له، ومن قصد غيره وأعرض عنه؟ وهل يظن عاقل أو سفيه برجل من بني آدم خصوصا إذا كان كريما، أن من قصده وضاف عنده يكرهه ولا يضيفه، ويخص

стр. 25

بالرضى والكرامة والضيافة من أعرض عنه وأضاف عند غيره، مع استواء الجميع في القرب منه والبعد; هذا لا يظن في الآدمي فكيف يظن برب العالمين، فتبين بقضية العقل أن ما جاءت به الرسل من الإخلاص هو الموافق للعقل، وما فعل المشركون هو العجاب المخالف للعقل، فيا لها من حجة ما أعظمها وأبينها، لكن لمن فهمها كما ينبغي.

стр. 26

وقال الشيخ ﵀: ذكر بعض ما في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ ١ إلى الجزء، ففي الآية الأولى مسائل: الأولى: معرفة أنه تعالى حكيم لا يضع الأشياء إلا في مواضعها، لأنه ما جعله إماما إلا بعد ما أتم ما ابتلاه به. وسئل بعضهم: أيما الابتلاء أو التمكين؟ فقال: الابتلاء ثم التمكين. الثانية: إذا كان يبتلي الأنبياء هل يفعلونه أم لا؟ فكيف بغيرهم؟ الثالثة: الثناء على إبراهيم بأنه أتم الكلمات التي ابتلاه بها، وقيل: إن الله لم يبتل أحدا بهذا الدين فأتمه إلا إبراهيم، ولهذا قال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ ٢. الرابعة: أنه سبحانه جازاه على ذلك بأمور، منها: أنه جعله للناس إماما; ولما علم ﵇ كبر هذه العطية سألها للذرية، وهي الخامسة. السادسة: أن الله أجابه أن هذه المرتبة لا ينالها ظالم ولو من ذرية الأنبياء. السابعة: أن هذا يدل على أن الإمامة في الدين تحصل لغير الظالم، فليست بمختصة. الثامنة: معرفة قدر هذه المرتبة التي أكرم بها، وهي الإمامة في الدين. وأما الآية الثانية ٣ ففيها مسائل:

стр. 27

الأولى: كونه سبحانه جعل البيت الذي بناه إبراهيم مثابة مع المشاق العظيمة، وذلك من الآيات. الثانية: أنه جعله أمنا عند الكفار، وذلك من أعجب الآيات. الثالثة: أمره أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى، وهذا من الخصائص، فيتفطن المؤمن لشبهة المبتدعة، لأنه لا يجوز أن يتخذ من مقام غيره مصلى. الرابعة: أن فيها الرد على أهل الكتاب الذين لا يعظمونه، مع ما فيه من الآيات، ومع ما عندهم من العلم بذلك. قال: وأما الآية الثالثة ١ ففيها مسائل: الأولى: ذكره أنه عهد إلى إبراهيم وإسماعيل أن يطهراه لهذه الطائفة، ولذلك أنزل الله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ ٢. الثانية: أن فيها الرد على أهل الكتاب والمشركين. الثالثة: العجب العجاب معاكستهم هذا الأمر، فلا يردون عنه إلا الطائفة المأمور بتطهيره لهم. الرابعة: أنه نعتهم بالطواف والركوع والسجود والعكوف، فدل على أن نفس العكوف فيه عبادة. الخامسة: أن التقدم عند الله بالأعمال الصالحة لا بالنسب، فأمره بتطهيره لهم وإن لم يكونوا من ذريته، وأمره بطرد ذريته عنه إذا لم يكونوا كذلك. وأما الآية الرابعة ٣ ففيها مسائل:

стр. 28

الأولى: دعوة إبراهيم أن يجعله آمنا، ولا يناقض تحريمه يوم خلق الله السموات والأرض. الثانية: دعوة إبراهيم للبلد وأهله بالأمن والرزق. الثالثة: الآية العظيمة في إجابة هذه الدعوة. الرابعة: تخصيصه بها من آمن بالله واليوم الآخر. الخامسة: قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ فلما دعا بأمر الدين منع الله الظالم من ذريته، ولما خص بالأمر الآخر من آمن قال الله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ ، وذلك للفرق بين الدارين. السادسة: أنه لما أخبر أن ذلك للمؤمن وغيره، فقد يتوهم منه كرامة الجميع، فأخبر أنه لو علم العاصي فيه بالأمن والرزق فإنه يضطره إلى عذاب النار. السابعة: أن المجاورة عنده كما أنها تنفع المطيع فهي تضر العاصي لقوله: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾ ١، ولذلك انتقل ابن عباس منها إلى الطائف. وأما الآية الخامسة ٢ ففيها مسائل: الأولى: التصريح بأن الاثنين بنياه. الثانية: جلال الله وعظمته في قلوب الذين يعرفونه لدعوتهما بالقبول، وكان بعض السلف لما قرأها جعل يبكي ويقول: "ما بال خليل الله يرفع قواعد بيت الله ويخاف أن لا يقبله". الثالثة: توسلهما بالصفات.

стр. 29

الرابعة: طلبهما أن يرزقهما الله الإسلام وهما هما، والغفلة عن هذه الكلمة من العجائب. الخامسة: إشراكهما في الدعوة بعض الذرية، ففيها رغوب المؤمن وحرصه على صلاح ذريته. السادسة: طلبهما ان يعلمهما المناسك، ففيهما حرصهما على العمل بالنص مع عصمتهما. السابعة: طلبهما أن يتوب عليهما وهما هما; ففيهما خوفهما من الذنوب. الثامنة: التوسل بالصفات. التاسعة: التعليل بكونه (التواب الرحيم) ولولا ذلك لاستحقا العقوبة. العاشرة: الرد على المشركين وأهل الكتاب. الحادية عشرة: أن دعوتهما بهذه النعمة التي هي أعظم النعم للذرية جعلها الذريه من أعظم المصائب. وأما الآية السادسة ١ ففيها مسائل: الأولى: دعوتهما للذرية ببعثة الرسول، فكانت عندهم أعظم البلاء مع دعواهم أنهم على ملتهما.

стр. 30

الثانية: أنهما أرادا بذلك أن يعلمهم الكتاب والحكمة ويتلو عليهم الآيات ويزكيهم; قيل: إن استماع التلاوة والتزكي بها فرض عين; وأما علم الكتاب والحكمة ففرض كفاية. الثالثة: أن نسبة الزكاة إلى السبب لا بأس بها، مع أن المزكي في الحقيقة هو الله وحده. الرابعة: التوسل بالصفات. وأما الآية السابعة ١ فهي من جوامع الكلم وأظهر البراهين فنذكر شيئا من ذلك: الأولى: أنه بين أن ملة إبراهيم هي الإسلام; ومنه تعظيم البيت وحجه، ومع إقرار علماء أهل الكتاب لذلك يرغبون عنه; وهذه مسألة مهمة يدل عليه قوله: "ومن رغب عن سنتي فليس مني ٢") . الثانية: أن أكثر الناس رغبوا عن اسم الإسلام، وعندهم لا فضيلة فيه، ولا بد عندهم من نسبة دين خاصة. الثالثة: أعجب من ذلك أنهم لا يعرفون معنى الإسلام (وعندهم لا فضيلة فيه) ٣ بل هذا عندهم صورة لا معنى لها.

стр. 31

الرابعة: أعجب من الجميع أنهم إذا بين لهم معناه اشتد إنكارهم لذلك مع قراءة هذه الآية وأمثالها. الخامسة: التي سيق الكلام لأجلها، أنك إذا عرفت ملته فالواجب الاتباع، لا مجرد الإقرار مع المرغوب عنها. السادسة: أن من فعل ذلك ١ لم يضر إلا نفسه. السابعة: أن ذلك في غاية الجهل والسفه الواضح مع ادعائهم الكمال في العلم. الثامنة: كيف يطلب أفضل من طريقه، والله سبحانه هو الذي اصطفاه، ووعده في الآخرة ما وعده بسبب طريقه. وأما الآية الثامنة ٢ ففيها مسائل. الأولى: أن مسألة الإسلام الذي هو سبب الكلام والخصومة أن الله سبحانه هو الذي أمره بذلك. الثانية: أنه استجاب لله فيما أمره فقال: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣. الثالثة: وصفه ربه سبحانه بما يوضح المسألة، وهو الربوبية للعالم كله. فانظر رحمك الله تعالى إلى هذا التقرير والثناء والتوضيح للإسلام، مع حقارته وإنكاره عند من يقرأ هذه الآيات وما بعدها.

стр. 32

وأما الآية التاسعة ١ ففيها العجب العجاب. الأولى: أن الله سبحانه ذكر أن إبراهيم وصى بالإسلام ابنيه وهما هما. الثانية: أن يعقوب وصى بها بنية وهم هم. الثالثة: تحريضه الذرية على ذلك بأن الله الذي اختاره لهم، فلا ترغبوا عن اختيار الله. الرابعة: أن مع هذا التقرير الواضح عند من يدعي كمال العلم، ويدعي اتباع الملة أحقر الطرائق ولا مدح فيه، ولا يصير من المسكوت عنه إلا من رغب عنه إلى اسم غيره، وإلا من اقتصر عليه اتخذوه هزوا، فاعتقدوا غاية جهله، بل أفتوا بكفره وقتله. الخامسة: قوله: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٢ فحرضهم على لزوم ذلك إلى الممات، وعدم الزيادة عليه لما في طبع الإنسان من طلب الزيادة خصوصا مع طول الأمل. وأما الآية ٣ العاشرة ففيها مسائل: الأولى: وصية يعقوب عند الموت ولم يكتف بما تقدم. الثانية: لبنيه وهم هم.

стр. 33

الثالثة: أنه لشدة التحريض وكبر الأمر عنده أخرجه مخرج السؤال. الرابعة: أنه قال: ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ لأن الغالب أن الأتباع بعد موت كبيرهم ينقصون. الخامسة: جوابهم ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾ الآية لأن في هذا معنى الحجة، وظهور الأمر أن من اتبع الصالحين يسلك طريقهم، وأما كونه يترك طريقهم بزعمه أنه اتباع لهم فهذا خلاف العقل. السادسة: قولهم: ﴿إِلَهاً وَاحِداً﴾ يعنون للخلائق كلهم، لكن متبع مهتد وضال. السابعة: إخبارهم له بلزومهم الإسلام بعد موته. الثامنة: ذكرهم له أن ذلك الإسلام لله وحده لا شريك له; ليس لك ولا لآبائك منه شيء. التاسعة: أن العم أب لأن إسماعيل عمه لكن مع التغليب. العاشرة: أن ذلك من أوضح الحجج على ذريتهم مع إقرارهم بذلك، ومع هذا يزعمون أنهم على ملتهم مع تركها وشدة العداوة لمن اتبعها. الحادية عشرة: أن فيها ردا عليهم في المسألة الخاصة; وهي اتخاذ الأحبار والرهبان أربابا. وأما الآية الحادية عشرة ١ ففيها مسائل:

стр. 34

الأولى: المسألة التي ضل بها كثير، وهي ظنهم أن صلاح آبائهم ينفعهم. الثانية: البيان أن الذي ينفع الإنسان عمله. الثالثة: أن الذي يضره عمله، ولا يضره معصية أبيه وابنه. وأما الآية الثانية عشرة ١ ففيها مسائل وهي من جوامع الكلم أيضا: الأولى: أن من دعا إلى أي ملة كانت وهي من الملل الممدوحة السالم أهلها قيل له: بل ملة إبراهيم لأنها إن كانت باطلة فواضح; وإن كانت صحيحة فملة إبراهيم أفضل، كما قال ﷺ : "أحب الأديان إلى الله الحنيفيةالسمحة ٢") . الثانية: وهي مما ينبغي التفطن لها أنه سبحانه وصفها بأن إبراهيم حنيفا بريئا ٣ من المشركين، وذلك لأن كلا يدعيها فمن صدق قوله بالفعل وإلا فهو كاذب. الثالثة: أن الحنيف معناه المائل عن كل دين سوى دين الإسلام لله. الرابعة: أن من الناس من يدعي أنه لا يشرك وأنه مخلص، ولكن لا يتبرأ من المشركين، وملة إبراهيم الجمع بين النوعين.

стр. 35

وأما الآية الثالثة عشرة ١ ففيها مسائل: الأولى: أمر الله سبحانه أن نقول: ما ذكر في الآية، وليس هذا من إظهار العمل الذي إخفاؤه أفضل. الثانية: الإيمان بجميع المنزَّل. الثالثة: عدم التفريق بينهم. الرابعة: التصريح بالإسلام. الخامسة: التصريح بإخلاص ذلك لله، وليس هذا من الثناء على النفس، بل من بيان الدين الذي أنت عليه، ولهذا قال بعض ٢ السلف: ينبغي لكل أحد أن يعلم هذه الآية أهل بيته وخدمه. وأما الآية الرابعة عشرة ٣ ففيها مسائل: الأولى: قوله: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ ٤ فيها التصريح أن الإيمان هو العمل.

стр. 36

الثانية: أن هذا الكلام في غاية ١ إنصاف الخصم. الثالثة: أن الذي لا ينقاد له ليس داؤه جهالة بل مشاقة. الرابعة: أنك إذا أنصفته وأصر فهو سبب لانتقام الله منه. الخامسة: الاستدلال بالصفات. وأما الآية الخامسة عشرة ٢ ففيها مسائل. الأولى: قوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أي دين الله، فدل على أن ذلك هو العمل. الثانية: الدلالة الواضحة، وهو أنه لا أحسن من الدين الذي تولى الله بيانه والأمر به. الثالثة: أنكم أيها الخصوم إن افتخرتم بإسلامكم للأنبياء والصالحين، فإسلامنا لله وحده؛ ومعنى ذلك لزوم هذا الدين الذي تولى الله بيانه. وأما الآية السادسة عشرة ٣ ففيها مسائل: الأولى: أمر الله لنا أن نحاجهم بهذه الحجة القاطعة: فإذا كان الله رب الجميع، وأيضا أنه بإقراركم (أنه) ٤ عدل لا يظلم بل كل عامل

стр. 37

فعمله له، وافترقنا في كوننا قاصدينه مخلصين له الدين وأنتم قصدتم غيره; فكيف يساوي بيننا وبينكم أو يخص بكرامته من أعرض عنه دون من قصده؟ هذا لا يدخل عقل عاقل. الثانية: أن الخصوم محاجتهم في الله لا في غيره مع فعلهم هذا في هذه الخصومة. وأما الآية السابعة عشرة ١ ففيها مسائل: الأولى: إن كانت الخصومة في الصالحين ودعواهم أنهم على طريقهم، فهم لا يقدرون أن يدعوا أن رسول الله ﷺ وأصحابه على طريقتهم; بل يصرحون أنهم على غيرها ولكن يعتذرون أنهم لا يقدرون عليها، فكيف هذا التناقض؟ يدعون أنهم تابعوهم مع تحريمهم اتباعهم، وزعمهم أن أحدا لا يقدر عليها!. الثانية: قوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ فهذه لا يقدر أحد أن يعارضها، فإذا سلمها وسلم لك أن العلم الذي أنزله الله ليس هو لعدم القدرة فهذا الذي عليه غيره، وهذا إلزام لا محيد عنه. الثالثة: أن منهم من يعرف الحق ويكتمه خوفا من الناس مع كونه لا ينكره، فلا أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله، فكيف بمن جمع مع الكتمان دفعها وسبها وتكفير من آمن بها؟

стр. 38

الرابعة: الوعيد بقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ١. والله أعلم. وقال أيضا رحمه الله تعالى: وأما قوله: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ﴾ ٢ الآية، فهذه حجة أخرى، وبيانها أنا إذا أجمعنا على الإمام والأئمة أنهم ومن اتبعهم على الحق، ومن خالفهم فهو على الباطل، فهذه أيضا مثل التي قبلها. فإذا كان رسول الله ﷺ وأصحابه والأئمة بعدهم قد أجمعنا أنهم ومن اتبعهم على الحق، ومن خالفهم فهو على الباطل، فنقول: هذه المسألة التي اختلفنا وإياكم فيها هل رسول الله ﷺ وأصحابه على قولنا أو على قولكم؟ فإذا أقروا أن دعاء أهل القبور والبناء عليها وجعل الأوقاف والسدنة عليها من دين الجاهلية، فلما بعث الله محمدا ﷺ نهى عن ذلك كله، وهدم البناء الذي جعلته الجاهلية على القبور، ونهى عن دعاء الصالحين وعن التعلق عليهم، وأمر بإخلاص الدعوة لله، وأمر بإخلاص الاستعانة لله; وبلغنا عن الله أنه يقول: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٣. ومضى رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعون وأتباعهم، والأئمة وأصحابهم على ذلك; ولم يحدث هذا إلا بعد ذلك، أعني دعاء غير الله والبناء على القبور، وما يتبع ذلك من المنكرات; فكيف تقرون أن رسول الله ﷺ

стр. 39

وأصحابه والأئمة من بعدهم على ما نحن عليه، ثم تنكرونه أعظم من إنكار دين اليهود والنصارى مع إقراركم أنه الدين الذي عليه رسول الله ﷺ وأصحابه والأئمة؟ أم كيف تنصرون الشرك وما يتبعه، وتبذلون في نصره النفس والمال مع إقراركم أنه دين الجاهلية المشركين؟ هذا هو الشيء العجاب، لا جعل الآلهة إلها واحدا، يا أعداء الله لو كنتم تعقلون!! وليس هذا في هذه المسألة وحدها بل كل مسألة اختلفنا وإياهم فيها، وأقروا أن ما نحن عليه هو الذي عليه رسول الله ﷺ وأصحابه; فهذه الخصومة فيها واقعة فاصلة لها. فإن أقروا بذلك، ولكن زعموا أن الناس أحدثوا أمورا تقتضي حسن ما هم عليه، كقولهم: هذه بدعة حسنة فيها من المصالح كذا وكذا; وفي تركها من المفاسد كذا وكذا، فيجاوبون بالمسألة الثالثة، وهي قوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ ١. فإذا كان رسول الله ﷺ بإقراركم أوصانا بقوله: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ٢"، فقد أقررتم أنه أمر بلزوم ما أمرتم بتركه، وأنه نهى عما أمرتم بفعله; مع إقراركم أنه أوصى بهذه الوصية عند وقوع الاختلاف في أمته، مع إقراركم أنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فالله سبحانه قد علم ما يحدث في خلقه إلى يوم القيامة، ومع هذا أمر بطاعة رسوله الذي أقررتم به وأنتم تشهدون أنه قاله. فإذا بان لك أن الأولى، في الأمر بالإخلاص والنهي عن الشرك، وأن الثانية في الأمر بلزوم

стр. 40

السنة والنهي عن البدعة، بان لك أن هذا هو تقرير القاعدتين اللتين عليهما مدار الدين، وهما: لا يعبد إلا الله، والثانية: لا يعبد إلا بما شرع. فالأولى: قوله: "إنما الأعمال بالنيات ١"، والثانية قوله: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ٢ ". فإن كان المحاج لا يقر ببعض ذلك، بل أنكر شيئا من تفاصيل ما ذكرنا، فهي المسألة الرابعة وهو قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ ٣. فإن كان هذا في الكاتم مع المحبة وتمنى ظهوره، ولكن أحب الدنيا عليه، فكيف بالكاتم المبغض؟ فإن كان يدعي أنه لم يفعل ذلك وأنه تابع لهذا الحق لكنه يكتم إيمانه كمؤمن آل فرعون مع معرفتك أنه كاذب، فهي المسألة الخامسة، وهي أن تقول له: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ٤. فإن أقر بهذا كله ولكنه استروح إلى أنه من ذرية رسول الله ﷺ ، أو أنهم جيرانه أو غير ذلك من الأسباب، مثل مدحه الإمام الذي ينتسب إليه، أو أصحابه فهي المسألة السادسة وهي قوله: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٥.
следующие страницы →