← Тафсир

Тафсир · id 11099

تفسير آيات من القرآن الكريم (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الخامس)

محمد بن عبد الوهاب

Полный текст (379 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: وقوله : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ ١، فيه مسائل: الأولى: معرفة أن لا إله إلا الله، كما في قصة آدم وإبليس، ويعرف ذلك من عرف أسباب الشرك، وهو الغلو في الصالحين، والجهل بعظمة الله. الثانية: معرفة أن محمدا رسول الله، يعرفه من عرف عداوة علماء أهل الكتاب له. الثالثة: معرفة الدين الصحيح، والدين الباطل، لأنها نزلت في إبطال دينهم الذي نصروا، وتأييد دينه الذي أنكروا. الرابعة: معرفة عداوة الشيطان ومعرفة حيله. الخامسة: أن من انسلخ من الآيات أدركه الشيطان، ومن لم ينسلخ منها حمته منه، ثم صار أكثر من ينتسب إلى العلم يظن العكس. السادسة: خوف الخاتمة كما في حديث ابن مسعود. السابعة: عدم الاغترار بغزارة العلم. الثامنة: عدم الاغترار بصلاح العمل. التاسعة: عدم الاغترار بالكرامات وإجابة الدعاء.

стр. 107

العاشرة: أن الانسلاخ لا يشترط فيه الجهل بالحق أو بغضه. الحادية عشرة: أن من أخلد إلى الأرض واتبع هواه فلو عرف الحق وأحبه وعرف الباطل وأبغضه. الثانية عشرة: معرفة الفتنة وأنه لا بد منها، فليتأهب، وليسأل الله العافية لقوله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ ١ الآيتين. الثالثة عشرة: عدم أمن مكر الله. الرابعة عشرة: عقوبة العاصي في دينه ودنياه. الخامسة عشرة: ذكر مشيئة الله وذكر السبب من العبد. السادسة عشرة: أن محبة الدنيا تكون سببا لردة العالم عن الإسلام. السابعة عشرة: تمثيل هذا العالم بالكلب في اللهث على كل حال. الثامنة عشرة: أن هذا مثل لكل من كذب بآيات الله فليس مختصا. التاسعة عشرة: ذكر كونه سبحانه أمر بقص القصص على عباده. العشرون: ذكر الحكمة في الأمر به. الحادية والعشرون: قوله: ﴿سَاءَ مَثَلاً﴾ ٢ كقوله ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ﴾ ٣. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

стр. 108

سورة يونس قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ َأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَوَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ١، فيه ثماني حالات: الحال الأولى: ترك عبادة غير الله مطلقا، ولو حاوله أبوه وأمه بالطمع الجليل والإخافة الثقيلة كما جرى لسعد ٢ مع أمه.

стр. 109

الحال الثانية: أن كثيرا من الناس إذا عرف الشرك وأبغضه وتركه، لا يفطن لما يريد الله من قلبه من إجلاله وإعظامه وهيبته; فذكر هذه الحال: ﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ ١. الحال الثالثة: إن قدرنا أنه ظن وجود الشرك والفعل منه فلا بد من تصريحه منه بأنه من هذه الطائفة; ولو لم يقض هذا الغرض إلا بالهرب عن بلاد كثير من الطواغيت الذين لا يبلغون الغاية في العداوة، حتى يصرح بأنه من هذه الطائفة المحاربة لهم. الحال الرابعة: إن قدرنا أنه ظن وجود هذه الثلاث، فقد لا يبلغ الجد في العمل بالدين؛ والجد والصدق هو إقامة الوجه للدين. الحال الخامسة: إن قدرنا أنه ظن وجود الحالات الأربع، فلا بد له من مذهب ينتسب إليه، فأمر أن يكون مذهبه الحنيفية، وترك كل مذهب سواها ولو كان صحيحا، ففي الحنيفية عنه غنية. الحال السادسة: إن قدرنا أنه ظن وجود الحالات الخمس، فلا بد أن يتبرأ من المشركي، ن فلا يكثر سوادهم. الحال السابعة: إن قدرنا أنه ظن وجود الحالات الست، فقد يدعو من قلبه نبيا أو غيره لشيء من مقاصده، ولو كان دينا يظن أنه إن نطق بذلك من غير قلبه لأجل كذا وكذا خصوصا عند الخوف أنه لا يدخل في هذا الحال. الحال الثامنة: إن ظن سلامته من ذلك كله، ولكن غيره من إخوانه فعله خوفا أو لغرض من الأغراض، هل يصدق الله أن هذا ولو كان أصلح الناس قد صار من الظالمين; أو يقول: كيف أكفره وهو يحب الدين ويبغض الشرك؟ وما أعز من يتخلص من هذا، بل ما أعز من يفهمه وإن لم يعمل به، بل ما أعز من لا يظنه جنونا! والله أعلم.

стр. 110

سورة هود قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب أجزل الله له الأجر والثواب: ذكر ما في صدر سورة هود ١ من العلوم: الأول: علم معرفة الله:

стр. 111

الأولى: ذكر أنه حكيم. الثانية: أنه خبير. الثالثة: أنه قدير. الرابعة: أنه ذكر شيئا من تفصيل العلم في قوله: ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ ١ الآية. الخامسة: ذكر شيئا من تفصيل القدرة في قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ ٢ الآية. السادسة: خلق السموات والأرض في ستة أيام. السابعة: كون عرشه على الماء. الثامنة: ذكر شيء من تفصيل الحكمة في قوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ٣. التاسعة: كونه وكيلا على كل شيء. الثاني: ٤ الإيمان باليوم الآخر: الأولى: ذكر أنه إليه المرجع. الثانية: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ﴾ ٥. الثالثة: ذكر الجنة والنار. الرابعة: ذكر العرض عليه. الخامسة: كلام الأشهاد. السادسة: ضل عنهم افتراؤهم. السابعة: كونهم الأخسرون في الآخرة.

стр. 112

الثالث: ١ تقرير الرسالة: الأولى: ذكر المسألة الكبرى. الثانية: أنه نذير من الله وبشير لنا. الثالثة: تقرير صحة رسالته باعتراضهم بقولهم: إنها ﴿سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ مع موافقتها للعقل. الرابعة: تقريرها بقولهم: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ?﴾ ٢. الخامسة: تقريرها بمعرفة العلماء بها. السادسة: تقريرها بالتحدي. السابعة: تقريرها بأنها الحق من الله. الرابع: ذكر الوعد والوعيد: الأولى: وذكر المتاع الحسن لمن قبله. الثانية: ذكر عذاب اليوم الكبير لمن أبي. الثالثة: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً﴾ ٣. الرابعة: وعيد من أراد الدنيا. الخامسة: وعيد من افترى عليه. السادسة: وعد المؤمنين المخبتين. السابعة: وعيد من استهزأ بالقرآن. الخامس: ذكر الأمر والنهي:

стр. 113

الأولى: ذكر النهي عن الشرك والأمر بالإخلاص. الثانية: الأمر بالاستغفار والتوبة. الثالثة: الأمر بالمضي على أمر الله، وإن اعترضوا بالشبهة الفاسدة. الرابعة: أمره ١ بالتحدي. الخامسة: نهيه عن الفرية فيه. السادس: أمور مدحها لنفعها منها. الأولى: الصبر. الثانية: عمل الصالحات. الثالثة: مدح العلم الصادر عن اليقين. الرابعة: مدح معرفة القرآن. الخامسة: ذكر نتيجة الأمرين. السادسة: الإيمان. السابعة: الإخبات إلى الله. السابع: أمور كرهها ذكرها لتترك منها. الأولى: التولي. الثانية: ثني الصدر. الثالثة: الاعتراض على الحق الصريح بالجهل الصريح. الرابعة: استبطاء وعيد الله.

стр. 114

السادسة: كونه كفورا عندها. السابعة: كونه فرحا عند النعماء. الثامنة: فخورا عندها ولو كانت بعد ضراء والتي قبلها ولو كانت بعد سراء. التاسعة: نتيجة معرفة الآية. العاشرة: فائدة النتيجة. الحادية عشرة: كونه يريد الدنيا. الثانية عشرة: كونه يفتري على الله الكذب. الثالثة عشرة: من المكروه الصد عن سبيل الله. الرابعة عشرة: بغي العوج لها. الثامن: المنثور: الأولى: ذكر أن الأكثر لا يؤمنون. الثانية: ذكر مثل المؤمنين. الثالثة: ذكر مثل الكافرين. الرابعة: التنبيه على التذكير بالحالين. الخامسة: كونهم لا يستطيعون السمع. السادسة: الفرق بين العالم والجاهل. السابعة: كون عرشه على الماء. الثامنة: من الوعد: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ١.

стр. 115

وقال أيضا الشيخ محمد رحمه الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١. وقد ذكر عن السلف من أهل العلم فيها أنواع مما يفعل الناس اليوم ولا بعرفون معناه. النوع الأول: من ذلك العمل الصالح الذي يفعل كثير من الناس ابتغاء وجه الله من صدقة وصلاة وإحسان إلى الناس ونحو ذلك، وكذلك ترك ظلم أو كلام في عرض، ونحو ذلك مما يفعله الإنسان أو يتركه خالصا لله، لكنه لا يريد ثوابه في الآخرة، إنما يريد أن الله يجازيه بحفظ ماله وتنميته، وحفظ أهله وعياله وإدامة النعمة عليهم ونحو ذلك، ولا همة له في طلب الجنة ولا الهرب من النار، فهذا يعطى ثواب عمله في الدنيا، وليس له في الآخرة نصيب ; وهذا النوع ذكر عن ابن عباس في تفسير الآية. وقد غلط بعض مشايخنا بسبب عبارة في شرح الإقناع في أول باب النية، لما قسم الإخلاص مراتب، وذكر هذا منها ظن أنه يسميه إخلاصا مدحا له وليس كذلك، وإنما أراد أنه لا يسمى رياء، وإلا فهو عمل حابط في الآخرة. والنوع الثاني: وهو أكبر من الأول وأخوف، وهو الذي ذكر مجاهد أن.

стр. 116

الآية نزلت فيه، وهو أن يعمل أعمالا صالحة ونيته رئاء الناس، لا طلب ثواب الآخرة; وهو يظهر أنه أراد وجه الله وإنما صلى أو صام أو تصدق أو طلب العلم لأجل أن الناس يمدحونه ويجل في أعينهم، فإن الجاه من أعظم أنواع الدنيا. ولما ذكر لمعاوية حديث أبي هريرة في الثلاثة الذين هم أول من تسعر ١ بهم النار وهم: الذي تعلم العلم ليقال عالم حتى قيل، وتصدق ليقال جواد، وجاهد ليقال شجاع، بكى معاويه بكاء شديدا، ثم قرأ هذه الآية. النوع الثالث: أن يعمل الأعمال الصالحة ومقصده بها مالا، مثل أن يحج لمال يأخذه لا لله، أو مهاجر لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، أو يجاهد لأجل المغنم، فقد ذكر هذا النوع أيضا في تفسير هذه الآية كما في الصحيح أن النبي ﷺ قال: "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة ٢") إلخ. وكما يتعلم العلم لأجل مدرسة أهله أو مكسبهم أو رياستهم، أو يقرأ القرآن ويواظب على الصلاة لأجل وظيفة المسجد كما هو واقع كثيرا. وهؤلاء أعقل من الذين قبلهم، لأنهم عملوا لمصلحة يحصلونها، والذين قبلهم عملوا لأجل المدح والجلالة في أعين الناس ولا يحصل لهم طائل. والنوع الأول أعقل من هؤلاء كلهم، لأنهم عملوا لله وحده لا شريك له، لكن لم يطلبوا منه الخير العظيم وهو الجنة، ولم يهربوا من الشر العظيم وهو العذاب في الآخرة.

стр. 117

النوع الرابع: أن يعمل الإنسان بطاعة الله مخلصا في ذلك لله وحده لا شريك له، لكنه على عمل يكفره كفرا يخرجه عن الإسلام، مثل اليهود والنصارى إذا عبدوا الله، وتصدقوا أو صاموا ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، ومثل كثير من هذه الأمة الذين فيهم شرك أكبر أو كفر أكبر يخرجهم عن الإسلام بالكلية إذا أطاعوا الله طاعة خالصة يريدون بها ثواب الله في الدار الآخرة، لكنهم على أعمال تخرجهم من الإسلام وتمنع قبول أعمالهم؛ فهذا النوع أيضا قد ذكر في الآية عن أنس بن مالك وغيره. وكان السلف يخافون منه كما قال بعضهم: لو أعلم أن الله تقبل مني سجدة واحدة لتمنيت الموت لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ ١. فهذا قصد وجه الله والدار الآخرة، لكن فيه من حب الدنيا والرياسة والمال ما حمله على ترك كثير من أمر الله ورسوله أو أكثره، فصارت الدنيا أكبر قصده; فلذلك قيل قصد الدنيا، وصار ذلك القليل كأنه لم يكن كقوله ﷺ "صل فإنك لم تصل ٢"، والأول أطاع الله ابتغاء وجهه لكن أراد من الله الثواب في الدنيا; وخاف على الحظ والعيال مثل ما يقول الفسقة، فصح أن يقال: قصد الدنيا. والثاني والثالث واضح لكن بقي أن يقال: إذا عمل الرجل الصلوات الخمس والزكاة والصوم.

стр. 118

والحج ابتغاء وجه الله طالبا ثواب الآخرة، ثم بعد ذلك عمل أعمالا كثيرة أو قليلة قاصدا بها الدنيا، مثل أن يحج فرضه لله، ثم يحج بعده لأجل الدنيا كما هو الواقع كثيرا، فالجواب أن هذا عمل للدنيا والآخرة ولا ندري ما يفعل الله في خلقه، والظاهر أن الحسنات والسيئات تدافعا وهو لما غلب عليه منهما. وقد قال بعضهم: أن القرآن كثيرا ما يذكر أهل الجنة الخلص وأهل النار الخلص، ويسكت عن صاحب الشائبتين، وهو هذا وأمثاله; ولهذا خاف السلف من حبوط الأعمال، وأما الفرق بين الحبوط والبطلان فلا أعلم بينهما فرقا بينا، والله أعلم.

стр. 119

وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في قوله لما ذكر قصة نوح: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ١ إذا تأمل الإنسان حاله أولا وما تعلم من العلوم من أهله، ثم تفكر في هذه القصة هل علم منها زيادة على ما عنده أو لا، عرف مسائل: الأولى: عظمة الشرك عند الله ولو قصد صاحبه التقرب إلى الله، وذلك مما فعل الله بأهل الأرض لما عبدوا ودا، وسواعا، ويغوث، ويعوق، ونسرا. الثانية: شدة بطش الله وعقوبته حيث أرسل الطوفان فأهلك الطيور والدواب وغير ذلك. الثالثة: معرفة آيات رسول الله ﷺ حيث وافق ما قصه مع كونه لم يعلم ولم يأخذ عمن يعلم ما عند أهل الكتاب، فلم يستطيعوا أن يردوا عليه مع شدة العداوة. الرابعة: التحقيق بكون المخلوق ليس له من الأمر شيء ولو كان نبيا مرسلا، بسبب ما فيها من قصة ابن نوح. الخامسة: تبيين الله الحجج الباطلة والتحذير منها، مع أنها عندنا أوهام، وعند أكثر الناس حجج صحيحة. السادسة: تبرؤ الرسل من دعوى أن عندهم خزائن الله وعلم الغيب، مع أن الطواغيت في زمننا ادعوا ذلك; وصدقوا وعبدوا لأجل ذلك.

стр. 120

السابعة: التحذير من استحقار الفقراء والضعفاء لقوله: ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ١ مع أنه سائغ ممن يدعي العلم ويستحسنه الناس منهم. الثامنة: وهي من أعظم الفوائد: التحذير من الشبهة التي أدخلت أكثر الناس النار وهي السواد الأعظم والنفرة من القليل لقوله: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ ٢. التاسعة: معرفة شيء من عظمة الله في تأديبه الرسل لما قال لنوح: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ٣ ٤. العاشرة: وهي من أهمها أن فيها شاهدا لقول الحسن: نضحك ولعل الله اطلع على بعض أعمالنا فقال: لا أغفر لكم، وذلك من قوله: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ ٥ مع سخريتهم منه. الحادية عشرة: التحذير من اتباع رؤساء الدنيا وقبول حججهم لقوله: ﴿قَالَ الْمَلَأُ﴾ وهم الأشراف والرؤساء.

стр. 121

الثانية عشرة: بيان الله تعالى لتلك الحجج فقولهم: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنَا﴾ ١ فيه القياس الفاسد وقولهم: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ ٢ احتجاج بما ليس حجة، وقولهم: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ أي: ليسوا بأهل دقة نظر في أمور الدنيا، احتجاج بما ليس بحجة. وقولهم: ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ ٣ احتجاج برؤيتهم، وهو من أفسد الحجج، وقولهم: ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ ٤ احتجاج بالظن. الثالثة عشرة: أنهم لم يصرحوا بأن هذا الذي عليه نوح وأتباعه أمر الله، ثم جاهروا بعصيانه، قالوا: ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ ٥، وقالوا: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ ٦ وغير ذلك، وأنت ترى الذين يكونون من أهل العلم والعبادة كيف يقرون ويجاهرون بالكفر، ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٧.

стр. 122

سورة يوسف . ذكر ما ذكر الشيخ محمد ﵀ على سورة يوسف من المسائل: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ ١ روى ابن جرير عن سعد بن أبي وقاص قال: "أنزل الله على النبي ﷺ القرآن فتلاه زمانا، فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا فنزل: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ ٢ الآية" وله عن عون بن عبد الله قال: "مل الصحابة ملة فقالوا يا رسول الله: حدثنا فنزل: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ ٣، ثم ملو ملة فقالوا يا رسول: حدثنا ما فوق الحديث ودون القرآن يعنون القصص، فأنزل الله أول هذه السورة إلى قوله: ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ ٤. ومما يدل على أن القرآن كاف عما سواه من الكتب أن عمر "أتى النبي ﷺ بكتاب فقرأ عليه، فغضب فقال: أمتهوكون فيها

стр. 123

يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية. لا تسألوهم عن شيء فيخبرونكم بحق فتكذبونه، أو بباطل فتصدقونه، والذي نفسي بيده لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي" ١ رواه أحمد. وفي لفظ أنه استكتب جوامع مع التوراة وقال: ألا أعرضها عليك، وفيه: "لو أصبح فيكم موسى حيا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم. إنكم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين" ٢. وقد انتفع عمر بهذا فقال للذي نسخ كتاب دانيال: امحه بالحميم والصوف الأبيض، وقرأ عليه أول هذه السورة، وقال: "لئن بلغني أنك قرأته أو أقرأته أحدا من الناس لأنهكنك عقوبة": والمراد بأحسن القصص القرآن، لا قصة يوسف وحدها وقوله: ﴿تِلْكَ﴾ أي هذه ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ ٣ الواضح الذي يوضح الأشياء المبهمة وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٤ أي تفهمون معانيه، والقصص مصدر قص الحديث يقصه قصصا، أي بإيحائنا إليك هذا القرآن، وقوله: ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ ٥ أي الجاهلين به. وهذا مما يبين جلالة القرآن، لأن فيه دلالة على أن علمه ﷺ من القرآن، وفيه دلالة على جلالة الله وقدرته، ودلالة على عظيم نعمته على نبيه ﷺ وفيه دلالة على كذب من ادعى أن غيره من الكتب أوضح منه.

стр. 124

قوله : ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لَأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ١ أبوه يعقوب بن اسحق بن إبراهيم ﵇، والكواكب عبارة عن إخوته، والشمس والقمر عبارة عن أبيه وأمه، ووقع تفسيرها بعد أربعين سنة، وقيل: ثمانين، حين رفع أبويه على العرش وخروا له سجدا. ولما كان تعبيرها خضوعهم له، خشي إن حدثهم أن يحسدوه فيبغون له الغوائل. وثبت أن رسول الله ﷺ أمر من رأى ما يحب أن يحدث به، ولا يحدث إلا من يحب; وإذا رأى ما يكره فليتحول إلى جنبه الآخر، ويتفل عن يساره ثلاثا، ويتعوذ بالله من شرها، فإنها لا تضره، وفيها عدم الوثوق بنفسك وبغيرك; قيل للحسن: أيحسد المؤمن؟ قال: "أنسيت إخوة يوسف"؟ وفيها التنبيه على السبب وهو عداوة الشيطان للإنسان. وفيها كتمان النعمة ما لم يؤمر بإظهارها. وفيها كتمان السر. قوله: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ٢ أي كما اختارك لهذه الرؤيا كذلك يختارك لنبوته ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيث﴾ ٣. قال مجاهد وغيره: عبارة الرؤيا ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ ٤ بإرسالك ﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ ٥. وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ٦ أي عليم بمن يصلح للاجتباء، حكيم يضع الأشياء في مواضعها.

стр. 125

وهذا من أنفع العلوم يعني معرفة الله تعالى، ولا يعتني به إلا من عرف قدره. وفيها البشارة بالخير، وإنه ليس من مدح الإنسان المنهي عنه. وفيها تولية النعمة مسديها . وفيها سؤال الله تعالى تمام النعمة، وأن علم التعبير علم صحيح يمن الله به على من يشاء من عباده. وقوله : ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ ١ يعني أن في ذلك عبرا وفوائد لمن يسأل; فإنه خبر يستحق السؤال ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ﴾ ٢ شقيقه أي ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ جماعة. وقوله: ﴿لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي تقديمهما علينا. وقوله: ﴿اطْرَحُوهُ أَرْضاً﴾ أي ألقوه في أرض بعيدة. ﴿يَخْلُ لَكُمْ﴾ وحدكم ﴿وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين﴾ ٣ أي تتوبون. وقوله: ﴿فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ أي أسفله. ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ أي المارة من المسافرين. ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ أي إن كنتم عازمين على ما تقولون. قال ابن اسحق: لقد اجتمعوا على أمر عظيم يغفر الله لهم ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ، وفيها مسائل: منها ما نبه الله تعالى عليه أن هذه القصة فيها عبر، قال بعضهم: فيها

стр. 126

أكثر من ألف مسألة، وفيها أن الذي ينتفع بالعلم هو الذي يهتم به ويسأل عنه; وأعظم ما فيها تقرير الشهادتين بالأدلة الواضحة. وفيها: أن الوالد يعدل بين الأولاد لئلا تقع بينهم القطيعة، وأن ذلك ليس مختصا بالمال. وفيها غلط العالم في الأمر الواضح; وتغليطه من لا ينبغي تغليطه لقولهم: ﴿ونحن عصبة﴾ الآية. وفيها أن الإنسان لا يغتر بالشيطان إذا زين له المعصية ومنَّاه التوبة. وفيها شاهد للمثل المعروف (بعض الشر أهون من بعض) . وفيها شاهد لقوله: "أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر دينه" ١ ٢. وسيأتي بعض ما فيها من المسائل في مواضعه إن شاء الله تعالى. ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٣، قال ابن عباس وغيره: ﴿يرتع ويلعب﴾ : يسعى وينبسط، وفي قراءة نرتع ونلعب، فيه الرخصة في بعض اللعب خصوصا للصغار. وفيه التحفظ على الأولاد. وفيه إرسالهم مع الأمناء الناصحين. وفيه عدم الاغترار بحسن الكلام.

стр. 127

﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخَاسِرُونَ﴾ ١ قال: إنه ليشق علي مفارقته وقت ذهابكم به لفرط محبته، ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ ٢ أي: تشتغلون عنه برميكم ورعيكم، فأخذوها منه وجعلوها عذرهم، ومن الأمثال: (البلاء موكل بالمنطق) . وفيه أنه لم يتهمهم بما أرادوا، ولكن خاف من التقصير في حفظه. ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ ٣ أي: إن عدا عليه فأكله ونحن جماعة إنا إذا لعاجزون، فيه الذم لمن ترك الحزم. وفيه أن العجز هلكة. ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ ٤ هذا فيه تعظيم لما فعلوا أنهم اتفقوا على إلقائه في أسفل الجب، وقد أخذوا من أبيه بذلك الكلام. وقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ قيل: كان قد أدرك، وقيل: أوحي إليه كما أوحي إلى عيسى ويحيى ٥. وقوله: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي: لا يشعرون بأنك يوسف، كذا روي عن ابن عباس. وقيل: لا يشعرون بإيحائنا ذلك إليه. وفيه جواز الذنوب على الصالحين، وفيه رجاء رحمة الله، وفيه أن الله سبحانه وقت البلاء نعما عظيمة.

стр. 128

وفيه أن الماكر يصير وبال مكره عليه، ولكن لا يشعر، ولو شعر لما فعل. ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ ١ لما رجعوا إليه باكين إظهارا للحزن على يوسف اعتذروا باستباقهم وهو الترامي ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ ٢، وقوله ﴿عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ أي: ثيابنا وأمتعتنا. وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ﴾ أي لست بمصدقنا ولو كنا صادقين عندك، فكيف مع التهمة. وقوله ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ نسوا أن يخرقوا القميص فعرف كذبهم. قوله ﴿سَوَّلَتْ﴾ أي: زينت أو سهلت، والصبر الجميل الذي لا شكوى معه. وقوله: ﴿تَصِفُونَ﴾ أي تذكرون، وفيه من الفوائد عدم الاغترار ببكاء الخصم، وعدم الاغترار بزخرف القول، وما يجعل الله على الباطل من العلامات. وفيه الاستدلال بالقرائن. وفيه ما ينبغي استعماله عند المصائب وهو الصبر الجميل والاستعانة بالله، وأن التكلم بذلك حسن. ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ ٣ السيارة الرفقة السائرون، والوارد الذي يرد

стр. 129

الماء يستسقي للقوم. وقوله: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ أي: أظهروا أنهم أخذوه بضاعة من أهل الماء. وقوله: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ ١ أي: باعوه في مصر بثمن قليل، لأنهم لم يعلموا حاله. وفيه من الفوائد أن الله يبتلي أحب الناس إليه بمثل هذا البلاء العظيم عليه وعلى أبيه، ومن ذلك البلاء أنه سلط عليه من يبيعه بيع العبد. وفيه أنه لا ينبغي للعاقل أن يستحقر أحدا، فقد يكون زاهدا فيه وهو لا يعلم. ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢. "قال ابن مسعود: "أفرس الناس ثلاثة: العزيز حيث تفرس في يوسف، والمرأة حين قالت: يا أبت استأجره، وأبو بكر في عمر" ٣. وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ﴾ أي كما أنجيناه من كيد إخوته ومن الجب وجعلناه عند من يكرمه مكنا له. ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ أي: إنما فعلنا ذلك لحكمة وهي إعطاؤنا إياه العلم والعمل; وقوله: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ أي: الذي يجري ما أراد، لا ما أراد العباد كما لم يعمل كيدهم في يوسف، وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ، ما أعظمها من فائدة لمن فهمها!

стр. 130

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ١ تقول العرب: بلغ أشده أي: منتهى شبابه قيل: الحلم، وقيل أكثر من ذلك. قوله: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾ العلم: معرفة الأشياء، والحكم: العمل به وإصابة الحق. وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ يعنى: أن هذا لبس مختصا بيوسف، بل الله سبحانه يجازي المحسنين بخير الدنيا والآخرة، ومن ذلك أنه يجازي المحسنين بعطائه العلم والحكمة. ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ٢ فيه مسائل: الأولى: قوله: ﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾ إن هذا جائز في شريعتهم بخلاف شريعتنا، لأنها لو كانت سمحة في العمل، فهي حنيفية في التوحيد. الثانية: مراعاة حق المخلوق. الثالثة: شكر نعمة المخلوق لقوله: ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ . الرابعة: القاعدة الكلية ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ . الخامسة: التنبيه على عدم مخالطة الخدم للنساء، خصوصا إذا كان في الخادم داعية. السادسة: معرفه كمال يوسف ﵇، فإن صبره لا يعرف له نظير.

стр. 131

السابعة: براءته ﵇ من الحول والقوة لقوله: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ أعوذ بالله، ﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾ أي: سيدي، ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ أي: أكرمني. الثامنة: أن الاعتذار بحق المخلوق لا بأس به; ولو كان في القضية حق الله، ومعنى ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ أي: أقبل. ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ ١ فيه مسائل: الأولى: أن الهم الذي لا يقترن به عمل ولا قول لا يعد ذنبا، كما في الحديث: "إن الله تجاوز لهذه الأمة عما حدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل " ٢ ٣. الثانية: أن الذي صرفه عن ذلك فضل تفضل الله عليه به تلك الساعة، غير إيمانه الأول؛ وهذه من أعظم ما يعرف الإنسان نفسه. الثالثة: أن هذا الفضل سببه ما تقدم له من العمل الصالح، فمن ثواب العمل حفظ الله للعبد كما في قوله: "احفظ الله يحفظك" ٤ ٥. الرابعة: معرفة قدر الإخلاص حيث أثنى الله على يوسف أنه من أهله. الخامسة: السابقة التي سبقت من الله، كما قال أبو عثمان: لأنا بأول هذا الأمر أفرح مني بآخره.

стр. 132

السادسة: أن العباد المضافين إليه غير الذين قال فيهم: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ ١. السابعة: صرف الله عنه السوء والفحشاء، فيه رد على ما ذكر بعض المفسرين. الثامنة: أن الصارف له آية من آيات الله أراه إياها. التاسعة: عطف الفحشاء على السوء، قيل: إن السوء الذنوب كلها. ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢ تبادرا إلى الباب، إن سبق يوسف خرج، وإن سبقته أغلقته لئلا يخرج. وقوله: ﴿مِنْ دُبُرٍ﴾ أي: من خلف. ﴿وَأَلْفَيَا﴾ أي: وجدا ﴿سَيِّدَهَا﴾ أي: زوجها ﴿لَدَى الْبَابِ﴾ أي: عنده، فيها مسائل: الأولى: حرصه ﵇ على البعد عن الذنب، كما حرصت على الفعل. الثانية: لطف الله تعالى في تيسيره شق القميص من دبر. الثالثة: كشف الله ستر العاصي فيما يستبعد. الرابعة: شدة مكر النساء كيف قويت على هذا في هذا الموضع. الخامسة: التحرز من تظلم الشخص فربما أنه هو الظالم، والدواء التأني وعدم العجلة.

стр. 133

السادسة: تسمية الزوج سيدا في كتاب الله. السابعة: ما عليه الكفار من استعظام الفاحشة. الثامنة: الغيرة على الأهل. ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ١ قوله: ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾ أي من أقاربها، وإن كان مع زوجها، فيه مسائل: الأولى: القيام بالقسط في الشهادة قد يكون من الكفار; والعجب أنه في مثل هذه الحادثة. الثانية: أن الشاهد إذا كان من قرابات الشهود عليه فهو أبلغ. الثالثة: الحكم بالدلالات والقرائن. الرابعة: ذكر الله تعالى ذلك على سبيل التصويب، فيفيد قبول الحق ممن أتى به كائنا من كان. الخامسة: أن مثل هذه القرينة يصح الحكم بها. السادسة: ألطافه ﵎ في البلوى. السابعة: أن ذكر الخصم مثل هذا عن صاحبه لا يذم بل يحمد. ﴿فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ

стр. 134

ُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ ١ فيه مسائل: الأولى: كون زوجها قبل الحق، وصار مع يوسف عليها. الثانية: قلة الغيرة على أهله ٢: الثالثة: أن قوله هذه القضية الجزئية خارجة عن قضايا كلية. الرابعة: عظمة كيد النساء، وذكره تعالى ذلك غير منكر له مع قول النبي ﷺ "إنكن لأنتن صواحب يوسف" ٣ ٤. الخامسة: أنه لم يحكم عليها إلا بعد ما رأى القد. السادسة: أمره ليوسف بكتمان السر مع ما أنزله الله في ذلك من التغليظ إلا أربعة شهداء. السابعة: أمره لها بالاستغفار من الذنب مع عدم الإسلام. الثامنة: حكمه عليها أنها صارت من هؤلاء المذمومين عندهم. ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٥. قوله: ﴿فَتَاهَا﴾ أي: عبدها، وقوله: ﴿شَغَفَهَا﴾ الشغاف: داخل القلب، أي دخل حبه في داخل قلبها، فيه مسائل:

стр. 135

الأولى: أن هذا قبيح في عرفهن ولو لم يكن مسلمات. الثانية: حب المرأة حبا عظيما من هو دون مرتبتها مما يعينه. الثال ثة: أنها لم تكتم بل سعت في طلب الفاحشة بالمراودة. الرابعة: أن هذا من مثلها ضلال مبين عندهن. ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ ١ فيه مسائل: الأولى: بيان كمال عقلها الذي ينقص عنه أكثر عقول الرجال. الثانية: ما أعطي يوسف ﵇ من جمال الصورة التي تبهر الناظر. الثالثة: غيبة عقولهن وعدم إحساسهن بقطع أيديهن، وهذه من أعجب ما سمع. الرابعة: معرفتهن بالملائكة. الخامسة: جلالة الملائكة عندهن، وأنهم أكمل من البشر. السادسة: معنى "حاش لله" في هذا المقام. السابعة: وصفهن الملك بالكرامة. ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلِيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ ٢ فيه مسائل:

стр. 136

الأولى: إظهار عذرها لما أصابهن ما ذكر. الثانية: إقرارها أنها ستعود. الثالثة: كما أخبرتهن بجماله الظاهر بالحسن، أخبرتهن بجماله الباطن بالعفة. الرابعة: إخبارهن أنها لا صبر لها عنه، فإن لم يفعل سعت في سجنه ومهونته. الخامسة: معنى ﴿اسْتَعْصَمَ﴾ : امتنع وأبى. ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ١ فيه مسائل: الأولى: فضيلة يوسف ﵇ كيف اختار السجن على ما ذكر، مع قوه الدواعي وصرف الموانع؛ ولا يعرف لأحد نظير هذا. الثانية: التصريح بأن النسوة دعونه من غير امرأة العزيز. الثالثة: معرفته ﵇ بنفسه وبربه، وأن القوة التي فيه لا تنفع إلا أن أمده الله بمدد منه. الرابعة: أن هذا الكلام دعاء ولو كان بهذه الصيغة. الخامسة: أن الله سبحانه ذكر أنه استجاب دعاءه؛ فدعاؤه ﵇ سبب لصرف ذلك عنه.

стр. 137

السادسة: ختمه سبحانه ما ذكر بوصف نفسه بأنه السميع العليم. السابعة: استفتاحه الدعاء بربه، وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ . الثامنة: إثبات المكر أولا، والكيد بعده لهن. ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ ١ الآية قيل: سبب ذلك أن الحديث شاع في الناس فأرادوا إظهار أنه المذنب. ﴿إلى حين﴾ قيل: إلى أن تسكن القضية. فيه مسائل: الأولى: أنهم تمالؤوا على ذلك، ليس رأيا لزوجها خاصة. الثانية: أن تلك الحيلة لم تنفع، بل أظهر الله ما يكرهونه على الرغم منهم. الثالثة: ابتلاء الله أحب الخلق إليه وهم الأنبياء بالسجن. الرابعة: أن السبب الذي أظهروا أكبر بلية من السجن عند أهل المروءات. الخامسة: أن رؤية الآيات والقطع على المسألة لا يستلزم اتباع الحق وترك الباطل. ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٢ فيه مسائل، ونذكر قصة قبل ذلك: قيل إن الملك بلغه أن الخباز يريد أن يسمه، وأن صاحب شرابه مالأه على ذلك، فحبسهما جميعا، وذلك قوله: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ ٣. فقال الساقي:

стр. 138

﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً﴾ ١ أي: أعصر عنبا خمرا، وقال صاحب الطعام: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ ٢ بتفسيره ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٣ تأتي الأفعال الجميلة، وقيل: ممن يحسن تعبير الرؤيا، فيه مسائل: الأولى: عبارة الرؤيا علم صحيح ذكره الله في القرآن، ولأجل ذلك قيل: لا يعبر الرؤيا إلا من هو من أهل العلم بتأويلها لأنها من أقسام الوحي. الثانية: تعبير أكل الطير من الخبز الذي فوق رأس الرجل بما ذكر. الثالثة: تعبير عصر الخمر بسلامة الذي رآه ورجوعه إلى مرتبته. الرابعة: فيه دلالة على قوله ﷺ : "إذا رأى أحدكم ما يكره فلا يذكرها" ٤ ٥ وقوله: "الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت" ٦ ٧. الخامسة: أن التأويل في كلام الله ولغة العرب غير التأويل في عرف المتأخرين، ومعناه ما يؤول الأمر إليه. السادسة: أنه لا ينبغي للإنسان أن يسأل عن مسائل العلم إلا من رآه يحسن ذلك.

стр. 139

﴿قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١ يقول ﵇ إني عليم بتعبير الرؤيا هذه وغيرها ﴿لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ ٢ قبل إتيانه فكيف بغير ذلك؟ ففيه مسائل: الأولى: ذكر العالم أنه من أهل العلم عند الحاجة، ولا يكون من تزكية النفس. الثانية: إضافة هذه النعمة العظيمة إلى معطيها ، لا إلى فهم الإنسان واجتهاده. الثالثة: ذكر سبب إكرام الله له بهذا الفضل وهو الترك والفعل، فترك الشرك الذي هو مسلك الجاهلين، واتبع التوحيد الذي هو سبيل أهل العلم من الأنبياء وأتباعهم. الرابعة: ذكره أنه من هؤلاء الأكرمين، فانتسب إلى البيت الذي هو أشرف بيوت أهل الأرض، وهذا جائز على غير سبيل الافتخار، خصوصا عند الحاجة.

стр. 140

الخامسة: أنه صرح لهم بأنهم إبراهيم وإسحق ويعقوب. السادسة: أن الجد يسمى أبا، كما ذكر ابن عباس، واحتج بالآية على زيد بن ثابت ١. السابعة: قوله: ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ قيل معناه: إن الله عصمنا. وهذه الفائدة من أكبر الفوائد وأنفعها لمن عقلها، والجهل بها أضر الأشياء وأخطرها. الثامنة: قوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ عام كل ما سوى الله. وهذه المسألة هي التي غلط فيها أذكياء العالم وعقلاء بني آدم، قال تعالى: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ ٢. التاسعة: ذكر سبب معرفتهم بالمسألة وعلمهم بها وثباتهم عليها; وهو مجرد فضل الله فقط عليهم. العاشرة: أن فضله سبحانه ليس مخصوصا بنا، بل عام للناس كلهم، لكن منهم من قبله، ومنهم من رده، وذلك أنه أعطى الفطر ثم العقول، ثم بعث الرسل وأنزل الكتب. الحادية عشرة: إزالة الشبهة عن المسألة التي هي أكبر الشبهة، وذلك أن الله إذا تفضل بهذا كله خصوصا البيان، فما بال الأكثر لم يفهم ولم يتبع. فما أكثر الجاهلين بهذا وما أكثر الشاكين فيه! فقد ذكر تعالى أن السبب أن جمهور الناس لم يشكر، فأما من عرف النعمة فلم يلتفت إليها،

стр. 141

فلا إشكال فيه، وأما من لم يعرف فذلك لإعراضه، ومن أعرض فلم يطلب معرفة دينه فلم يشكر. الثانية عشرة: دعوته إياهما ﵇ إلى التوحيد في تلك الحال، فلم تشغله عن النصيحة والدعوة إلى الله، فدعاهما أولا بالعقل، ثم بالنقل: وهي الثالثة عشرة. الرابعة عشرة: قوله: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ١ فهذه حجة عقلية شرحها في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً﴾ ٢ ٣ الآية. الخامسة عشرة: أن الذي في الجانب الآخر هو الذي جبلت القلوب وأقرت الفطر أنه ليس له كفو. السادسة عشرة: أنه هو القهار مع كونه واحدا، وما سواه لا يحصيهم إلا هو فهذه قولة; وهذا عجزهم. فكيف يعدل به واحد منهم، أو عشرة أو مائة؟ السابعة عشرة: بيان بطلان ما عبدوا من دونه، بأنها أسماء لا حقيقة لها. الثامنة عشرة: التنبيه على بطلانها بكونها بدعة ابتدعها من قبلكم فتبعتموهم. التاسعة عشرة: بيان الواجب على العبد في الأديان السؤال عما أمر الله به.

стр. 142

ونهى عنه، وهو السلطان المنزل من السماء، لا يعبد بالظن وما تهوى الأنفس. العشرون: القاعدة الكلية التي تفرع عنها تلك الجزئية، وهي أن أحكام الدنيا إلى الله لا إلى آراء الرجال كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ١ ٢. الحادية والعشرون: إذا ثبت أن الحكم له وحده دون الظن وما تهوى الأنفس، فإنه سبحانه حكم بأن العبادة كلها محصورة، عليه ليس لأحد من أهل السماء وأهل الأرض منها شيء. الثانية والعشرون: أن هذه المسألة هي الدين القيم وكل ما خالفها أو ليس منها فليس بقيم بل أعوج; فعلامة الحق أن العقول السليمة تعرف اعوجاجه بالفطرة; ومع هذا أنزل الله السلطان من السماء بتحقيق هذا والإلزام به، وتبطيل ذلك وتغليظ الوعيد عليه. الثالثة والعشرون: المسألة الكبيرة العظيمة التي لو تجعلها نصب عينيك ليلا ونهارا لم يكن كثيرا، وأيضا تبين لك كثيرا من المسائل التي أشكلت على الناس، وهي أن الله بين لنا بيانا واضحا أن الأكثر والجمهور الذين يضيقون الديار ويغلون الأسعار من أهل الكتاب والأميين لا يعلمون هذه المسألة، مع إيضاحها بالعقل والنقل والفطرة، والآيات النفسية والأفقية. الرابعة والعشرون: أنه ينبغي للعالم إذا سأله العامي عما لا يحتاج إليه أو سأله عما غيره أهم منه، أن يفتح له بابا إلى المهم.

стр. 143

الخامسة والعشرون: أنك لا تحقر عن التعليم من تظنه أبعد الناس عنه، ولا تستبعد فضل الله، فإن الرجلين من خدام الملوك الكفرة، بخلاف من يقول: ليس هذا بأهل للعلم بل تعليمه إضاعة للعلم. وقال رحمه الله تعالى قوله تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ ١ سبق ما في هذا من المسائل، لكن فيه ما لم يذكر: منها أن المفتي يجوز له أو يستحب أن يفتي السائل بما لا يحتاج إليه. ومنها أنه يجيب السائل بما يسوؤه إذا كانت الحال تقتضيه. ومنها تأكيد الفتيا بما يسوء بما ذكر من قضاء الله على ٢ ذلك. ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ ٣ يعني قال يوسف للساقي الذي ظن نجاته، قيل: الظن هنا هو اليقين، وقوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي الملك. ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ﴾ يوسف ذكر الله; والبضع ما بين الثلاث إلى التسع. فيه مسائل: الأولى: أن الرب كما يطلق على المالك يطلق على المخدوم. الثانية: أن مثل هذا مما يعاقب به الأنبياء، مع كونه جائزا لغيرهم.

стр. 144

الثالثة: أن المقرب قد يؤاخذ بما لا يؤاخذ به من دونه. الرابعة: أن الشيطان قد يتوصل إلى الأنبياء بمثل هذا. الخامسة: أن ترك هذا القول والاستغناء بالله من التوكل. السادسة: أن من المقامات ما يحسن من شخص، ويلام في تركه ويذم من شخص آخر، كما نهى رسول الله ﷺ من أراد الاقتداء به في الوصال وقال: "إني لست كهيئتكم" ١ ٢. السابعة: أن هذا من أبين أدلة التوحيد لمن عرف أسباب الشرك بالمقربين، وهو أبلغ من قوله ﷺ : "يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا" ٣ وتمامها بمعرفة الثامنة: الثامنة: وهي أن الله عاقبه باللبث في السجن هذه المدة الطويلة، مع أن لبث الإنسان فيه سنة واحدة من العذاب الأليم، فكيف بشاب ابن نعمة. ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ

стр. 145

يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعَالِمِينَ وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ ١. فيه مسائل: الأولى: تسمية الله ذلك الرجل بالملك. الثانية: أن الذي سأله عنه هو البقر والسنابل. الثالثة: أنه استفتى الملأ وهم الأشراف، ولكن بشرط إن كان عندهم علم. الرابعة: جوابهم بقولهم: ﴿أضغاث أحلام﴾ يدل على أن مما يراه النائم فيه رؤيا حق; وفيه أضغاث أحلام باطلة، وقد صح بذلك الحديث عن النبي ٢ ﷺ : الخامسة: إقرارهم بعدم العلم بالتعبير، ولم يأنفوا مع أنهم الملأ. السادسة: كلام الساقي وحذقه، كونه قطع أنها رؤيا، وأن عند يوسف تعبيرها.
следующие страницы →