← Тафсир

Тафсир · id 11099

تفسير آيات من القرآن الكريم (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الخامس)

محمد بن عبد الوهاب

Полный текст (379 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فلا إشكال فيه، وأما من لم يعرف فذلك لإعراضه، ومن أعرض فلم يطلب معرفة دينه فلم يشكر. الثانية عشرة: دعوته إياهما ﵇ إلى التوحيد في تلك الحال، فلم تشغله عن النصيحة والدعوة إلى الله، فدعاهما أولا بالعقل، ثم بالنقل: وهي الثالثة عشرة. الرابعة عشرة: قوله: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ١ فهذه حجة عقلية شرحها في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً﴾ ٢ ٣ الآية. الخامسة عشرة: أن الذي في الجانب الآخر هو الذي جبلت القلوب وأقرت الفطر أنه ليس له كفو. السادسة عشرة: أنه هو القهار مع كونه واحدا، وما سواه لا يحصيهم إلا هو فهذه قولة; وهذا عجزهم. فكيف يعدل به واحد منهم، أو عشرة أو مائة؟ السابعة عشرة: بيان بطلان ما عبدوا من دونه، بأنها أسماء لا حقيقة لها. الثامنة عشرة: التنبيه على بطلانها بكونها بدعة ابتدعها من قبلكم فتبعتموهم. التاسعة عشرة: بيان الواجب على العبد في الأديان السؤال عما أمر الله به.

стр. 142

ونهى عنه، وهو السلطان المنزل من السماء، لا يعبد بالظن وما تهوى الأنفس. العشرون: القاعدة الكلية التي تفرع عنها تلك الجزئية، وهي أن أحكام الدنيا إلى الله لا إلى آراء الرجال كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ١ ٢. الحادية والعشرون: إذا ثبت أن الحكم له وحده دون الظن وما تهوى الأنفس، فإنه سبحانه حكم بأن العبادة كلها محصورة، عليه ليس لأحد من أهل السماء وأهل الأرض منها شيء. الثانية والعشرون: أن هذه المسألة هي الدين القيم وكل ما خالفها أو ليس منها فليس بقيم بل أعوج; فعلامة الحق أن العقول السليمة تعرف اعوجاجه بالفطرة; ومع هذا أنزل الله السلطان من السماء بتحقيق هذا والإلزام به، وتبطيل ذلك وتغليظ الوعيد عليه. الثالثة والعشرون: المسألة الكبيرة العظيمة التي لو تجعلها نصب عينيك ليلا ونهارا لم يكن كثيرا، وأيضا تبين لك كثيرا من المسائل التي أشكلت على الناس، وهي أن الله بين لنا بيانا واضحا أن الأكثر والجمهور الذين يضيقون الديار ويغلون الأسعار من أهل الكتاب والأميين لا يعلمون هذه المسألة، مع إيضاحها بالعقل والنقل والفطرة، والآيات النفسية والأفقية. الرابعة والعشرون: أنه ينبغي للعالم إذا سأله العامي عما لا يحتاج إليه أو سأله عما غيره أهم منه، أن يفتح له بابا إلى المهم.

стр. 143

الخامسة والعشرون: أنك لا تحقر عن التعليم من تظنه أبعد الناس عنه، ولا تستبعد فضل الله، فإن الرجلين من خدام الملوك الكفرة، بخلاف من يقول: ليس هذا بأهل للعلم بل تعليمه إضاعة للعلم. وقال رحمه الله تعالى قوله تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ ١ سبق ما في هذا من المسائل، لكن فيه ما لم يذكر: منها أن المفتي يجوز له أو يستحب أن يفتي السائل بما لا يحتاج إليه. ومنها أنه يجيب السائل بما يسوؤه إذا كانت الحال تقتضيه. ومنها تأكيد الفتيا بما يسوء بما ذكر من قضاء الله على ٢ ذلك. ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ ٣ يعني قال يوسف للساقي الذي ظن نجاته، قيل: الظن هنا هو اليقين، وقوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي الملك. ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ﴾ يوسف ذكر الله; والبضع ما بين الثلاث إلى التسع. فيه مسائل: الأولى: أن الرب كما يطلق على المالك يطلق على المخدوم. الثانية: أن مثل هذا مما يعاقب به الأنبياء، مع كونه جائزا لغيرهم.

стр. 144

الثالثة: أن المقرب قد يؤاخذ بما لا يؤاخذ به من دونه. الرابعة: أن الشيطان قد يتوصل إلى الأنبياء بمثل هذا. الخامسة: أن ترك هذا القول والاستغناء بالله من التوكل. السادسة: أن من المقامات ما يحسن من شخص، ويلام في تركه ويذم من شخص آخر، كما نهى رسول الله ﷺ من أراد الاقتداء به في الوصال وقال: "إني لست كهيئتكم" ١ ٢. السابعة: أن هذا من أبين أدلة التوحيد لمن عرف أسباب الشرك بالمقربين، وهو أبلغ من قوله ﷺ : "يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا" ٣ وتمامها بمعرفة الثامنة: الثامنة: وهي أن الله عاقبه باللبث في السجن هذه المدة الطويلة، مع أن لبث الإنسان فيه سنة واحدة من العذاب الأليم، فكيف بشاب ابن نعمة. ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ

стр. 145

يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعَالِمِينَ وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ ١. فيه مسائل: الأولى: تسمية الله ذلك الرجل بالملك. الثانية: أن الذي سأله عنه هو البقر والسنابل. الثالثة: أنه استفتى الملأ وهم الأشراف، ولكن بشرط إن كان عندهم علم. الرابعة: جوابهم بقولهم: ﴿أضغاث أحلام﴾ يدل على أن مما يراه النائم فيه رؤيا حق; وفيه أضغاث أحلام باطلة، وقد صح بذلك الحديث عن النبي ٢ ﷺ : الخامسة: إقرارهم بعدم العلم بالتعبير، ولم يأنفوا مع أنهم الملأ. السادسة: كلام الساقي وحذقه، كونه قطع أنها رؤيا، وأن عند يوسف تعبيرها.

стр. 146

السابعة: قوله: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: دهر. فيه أن الدهر يسمى أمة. الثامنة: أنه لم يذهب مع تحققه ما طلب الملك إلا بعد الاستئذان. التاسعة: قوله: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ يدل على أنه يعرف معنى الصديقية; وأنه عرف اتصاف يوسف بذلك. العاشرة: أنه ذكر ليوسف العلة، وهي علم الناس بما أشكل عليهم. الحادية عشرة: أنه عبر البقر السمان بالسنين المخصبة، والبقر العجاف بالسنين المجدبة، وأكلها السمان كون غلة السنين المخصبة يأكلها الناس في السنين المجدبة، وكذلك السنابل الخضر واليابسات قيل: إنه رأى سبع سنابل خضر قد انعقد حبها، وسبعا أخر يابسات قد استحصدت، فالتوت اليابسات على الخضر حتى غبن عليهن. الثانية عشرة: أنه أجاب السائل بأكثر مما سأله عنه، خلافا لمن جعل هذا من عدم الأدب. الثالثة عشرة: كرمه وطيب أخلاقه ﵇، كما قال بعض السلف: لو كنت المسؤول ما أجبتهم إلا بكذا وكذا. الرابعة عشرة: معرفته ﵇ بأمور الدنيا، وأن الحب إذا كان في سنبلة لم تأته الآفة ولو لبث سنين. الخامسة عشرة: أنه أمرهم بتدبير المعيشة لأجل السنين الجدب، ولا يأكلون إلا قليلا. السادسة عشرة: أنه فهم من الرؤيا أن الخصب يأتي بعد سبع سنين.

стр. 147

السابعة عشرة: ادخار الطعام للحاجة، وأنه لا يصير من الاحتكار المذموم، وكان ﷺ يدخر لأهله قوت ١ سنة. الثامنة عشرة: النصيحة ولو لغير المسلمين، كما قال ﷺ : "في كل كبد رطبة أجر" ٢ ٣ وأما المسلم فنصحه من الفرائض. التاسعة عشرة: أن الرؤيا الصحيحة قد تكون من كافر، كما استدل بها البخاري في صحيحه. العشرون: الفرق بين الحلم والرؤيا، مما قال ﷺ : "الرؤيا من الله والحلم من الشيطان" ٤. الحادية والعشرون: التعبير عن الماضي بالمضارع، والعجاف ضد السمان، والملأ كبار القوم ورؤساؤهم، و ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ أخلاط وأباطيل ﴿وَادَّكَرَ﴾ تذكر شأن يوسف، ﴿دَأَبًا﴾ متوالية، ﴿تُحْصِنُونَ﴾ تخزنون، ﴿يَعْصِرُونَ﴾ قيل من العنب عصيرا، ومن الزيتون زيتا، ومن السمسم دهنا، للخصب الذي أتاهم. ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ

стр. 148

ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١ فيه مسائل: الأولى: أمر الملك بالإتيان به ليأخذ عنه مشافهة، وكذلك يفعل العقلاء والسفهاء في الأمر الذي يهتمون به. الثانية: أن طلب العلم الذي يزحزح عن النار ويدخل الجنة أحق بالحرص من جميع المهمات. الثالثة: هذا الأمر العظيم الذي لم يُسمح بمثله، ولهذا قال ﷺ : "لو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي" ٢ ٣. الرابعة: قوله: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ . الخامسة: قوله: ﴿النِّسْوَةِ﴾ قيل: لم يفرد امرأة العزيز، أدبا وحفظا لحق الصحبه. السادسة: قوله في هذا الموطن: ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ . السابعة: قوله ٤: ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ فيه رد لبعض الأقوال التي قيلت في الهم.

стр. 149

الثامنة: قوله ١ ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ . التاسعة: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ هذا علة لما جرى، سواء كان رد الرسول أو إقرارها; فإن كان الأول فالضمير للعزيز زوج المرأة، وإن كان الثاني فالضمير ليوسف. العاشرة: رد هذه المسألة الجزئية إلى القاعدة الكلية وهي: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ أي: لا يرشد كيد من خان أمانته قيل: يفتضح في العاقبة. الحادية عشرة: قوله: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ : ما أجلها من مسألة، وما أصعب فهمها! سواء كان هذا من كلام امرأة العزيز أو من كلام يوسف ﵇. الثانية عشرة: رد هذه المسألة الجزئية إلى القاعدة الكلية، وهي أن هذا حال النفس. الثالثة عشرة: الاستثناء من ذلك وهو من رحمة الله، فأجاره من شر نفسه، كذلك ما أجلها من مسألة لمن فهمها!. الرابعة عشرة: رد هذه المسألة الجزئية إلى القاعدة الكلية، وهي ﴿إن ربي غفور رحيم﴾ . قوله: ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾ قيل معناه: اسأله أن يكشف عن الخبر حتى يعلم الحقيقة، ففيه المسألة:

стр. 150

الخامسة عشرة: وهي حرص المخلص لله على براءة عرضه عند الناس، وإن ذلك لا يناقض الإخلاص، بل قد يكون واجبا، ولم يعتب عليه في هذا كما عتب عليه في قوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ . قيل: إن (ما) في هذا الموضع بمعنى عن قوله: ﴿مَا بَالُ﴾ : ما شأن النسوة. ﴿ما خطبكن﴾ : ما أمركن وقصتكن. قوله: ﴿حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ : ظهر وتبين ﴿الْآنَ﴾ أي: هذا الوقت. ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ١ فيه مسائل: الأولى: ﴿أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ أي: أجعله خالصا لنفسي دون غيري يقال: (الرفيق قبل الطريق) ، وكما قال: "لينظر أحدكم من يخالل" ٢. الثانية: وهي أعجب، قوله: ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ﴾ وبيانه: لما دخل بعض العلماء على بعض الملوك، وكان دميما، فضحك الملك من دمامته، فذكر له هذه الآية واستحسن الملك جوابه، ومعنى هذا أن الملك لم يتمكن من قلبه لما رأى جمال صورته، بل لأجل علمه الذي تبين له لما كلمه. الثالثة: قوله: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا﴾ أي: عندنا ﴿مَكِينٌ﴾ أي: مكنتك من ملكي تصرف فيه، ﴿أَمِينٌ﴾ أي: عرفت صحة أمانتك فأمنتك على ما تحت

стр. 151

يدي، وهذا معنى قول أبي العباس: الولاية لها ركنان: القوة، والأمانة في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ ١. الرابعة: قوله: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ ، هذا فيه طلب الولاية كما قال عمر بن الخطاب لبعض الصحابة لما عرض عليه ولاية فأبى فقال: "طلبها من هو خير منك يعني يوسف ٢ ﵇"، ولا يخالف هذا ما ورد من النهي عن طلب الإمارة لأن هذا في غير شدة الحاجة، كما أن خالدا لما أخذ الراية يوم مؤتة ٣ من غير إمرة مدح على ذلك. الخامسة: قوله: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ فليس هذا مما نهي عنه من تزكية النفس، بل يذكر الإنسان ما فيه من الفضائل عند الحاجة إذا لم يقصد التزكية، كما ورد عن جماعة من الصحابة. قوله: ﴿خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ أي: أرض مصر. وقوله: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ﴾ أي: أحفظ ما وليتني عليه، ﴿عَلِيمٌ﴾ بأمره وحسابه واستخراجه. ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ

стр. 152

بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ١ فيه مسائل: الأولى: قوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ ، قيل معنى ذلك: كما أنعمنا عليه بنعم الدين أنعمنا عليه بنعم الدنيا. الثانية: أن ذلك تمكينه في أرض مصر، يحل وينزل منها ما أراد بعد ذلك الحبس والضيق. الثالثة: تسمية الله سبحانه ذلك رحمة في قوله: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ﴾ ، وهذه من أشكل المسائل على أكثر الناس: بعضهم يظن أن هذا كله نقص أو مذموم، وأن التجرد من المال مطلقا هو الصواب، وبعض يظن أن عطاء الدنيا يدل على رضى الله وكلاهما على غير الصواب، وذلك أن من أنعم الله عليه بولاية أو مال فجعلها طريقا إلى طاعة الله فهو ممدوح، وهو أحد الرجلين اللذين ٢ يغبطهما المؤمن، وإن كان غير هذا فلا. الرابعة: أن هذه الأمور وإن جلت وصارت أعلى المراتب وأصعبها طريقا، فتحصيلها مردود إلى محض المشيئة لا إلى الأسباب. الخامسة: رد هذه المسألة الجزئية إلى القاعدة الكلية وهي: ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا﴾ ٣.

стр. 153

السادسة: أن من عدم إضاعته أنه يعجل في الدنيا بعضه لمن أراد الله كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ ١. السابعة: الأجر الثاني لمن أحسن خير من ملك يوسف وسليمان بن داود. الثامنة: قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ، فالإيمان يدخل فيه الدين كله، وأيضا يدخل كله في التقوى، وأما إذا فرق بينهما هنا، فالإيمان الأمور الباطنة والتقوى الأمور الظاهرة. وإذا قلت: الإيمان فعل الواجبات، والتقوى ترك المحرمات، فقد أصبت. ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ ٢ قيل: لما اطمأن يوسف في ملكه ومضت السنون المخصبة، ودخلت السنون المجدبة، وأصاب الشام من القحط ما أصاب غيرهم، فأرسل يعقوب بنيه إلى مصر وأمسك بنيامين عنده ﴿فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ﴾ ٣. قيل: كان بين دخولهم عليه وإلقائه في الجب أربعون سنة، فلذلك لم يعرفوه; فقال: أخبروني ما أمركم؟ فقالوا: نحن قوم من أرض

стр. 154

كنعان جئنا نمتار طعاما قال: كم أنتم؟ قالوا عشرة قال: أخبروني خبركم قالوا: إنا إخوة بنو رجل صديق، وإنا كنا اثني عشر، فذهب أخ لنا منا في البرية فهلك فيها، وكان أحب إلى أبينا منا. فقال: فإلى من يسكن أبوكم بعده؟ قالوا: أخ لنا أصغر منه، فلذلك قوله: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ يقال: جهزت القوم إذا هيأت لهم جهاز السفر. وحمل لكل رجل منهم بعيرا وقال: ﴿أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ ١ المضيفين، قيل: إنه أحسن ضيافتهم، ثم أوعدهم على ترك الإتيان بالأخ فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ﴾ ٢. وقوله ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٣. والرحل كل ما يعد للرحيل من وعاء المتاع، ومركب للبعير، وحلس وغير ذلك، قيل: مراده أنهم يعرفون كرمه فيحملهم على العود، وقيل خاف أن لا يكون عندهم ما يرجعون به. فيه مسائل: الأولى: كون القحط عم البلاد لم يكن على مصر خاصة. الثانية: إنكارهم إياه ومعرفته لهم. الثالثة: حيلته في التوصل إلى إتيان أخيه. الرابعة: كونه ما فعل معهم حثهم على الإتيان به. الخامسة: أن هذا ليس من تزكية النفس المذموم.

стр. 155

السادسة: أن هذا ليس من المن والأذى المذموم. السابعة: أن قوله: ﴿فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ ليس من منع المضطر المذموم. الثامنة: ما صنع الله له من إذلالهم بين يديه، وذلك أنهم وعدوه أنهم يراودون أباه، وأكدوا ذلك له بالعزم على الفعل. التاسعة: أمره الفتيان بجعل بضاعتهم في رحالهم، والحكمة في ذلك أنهم إذا رجعوا إلى أهلهم وفتحوا المتاع ووجدوها ردت إليهم، رجعوا. ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَرضي الله عنهقَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ١. فيه مسائل: الأولى: أنهم وفوا ليوسف بما وعدوه. الثانية: أنهم ذكروا لأبيهم ما يقتضي الإجابة، وهو منع الكيل. الثالثة: أن هذا مما يدل على أنهم لا غناء لهم عن التردد إلى الميرة. الرابعة: أنهم وعدوه حفظه وأكدوه، بأن، واللام. الخامسة: جوابه ﵇ لهم فيدل على قوله: "لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين" ٢ ٣.

стр. 156

السادسة: أن من أساء فعله ساء الظن فيه، ولو لم يكن كذلك. السابعة: أنهم لما ذكروا له أنهم يحفظونه وأكدوا، أجابهم بقوله: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ . الثامنة: أنه أجابهم أيضا بكون الله أرحم الراحمين. التاسعة: ذكرك للممنوع سبب منعك إياه. العاشرة: أنه فعلكم كقوله: ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ ١. ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ إلى قوله: ﴿اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ ٢. فيه مسائل: الأولى: استعطاف الممتنع بالخصال التي توجب إجابته. الثانية: أنهم لم يعلموا أنها ردت إليهم حتى وصلوا إلى أهلهم وفتحوا المتاع.

стр. 157

الثالثة: ذكرهم له حاجة الضعفاء والذرية إلى الكيل. الرابعة: أنهم يزدادون حملا آخر على ما أتوا به. الخامسة: ذكرهم الثناء على يوسف بأن الحمل عليه يسير لكرمه مع شدة حاجتنا إليه وغلاء ثمنه. السادسة: أنه ﵇ لما ذكروا له ذلك رجع عن رأيه الأول، ورأى إجابتهم. السابعة: أنه شرط عليهم هذا الشرط الثقيل. الثامنة: أنهم أعطوه إياه على ثقله. التاسعة: أنهم لما أتوه الموثق، وعظهم وأكده عليهم بقوله: ﴿اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ . العاشرة: أن هذا يدل على أنهم في جوع وضراء عظيمة، وهم أكرم أهل الأرض على الله، وابتلاهم بذلك لا لهوانهم عليه. ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١. فيه مسائل:

стр. 158

الأولى: خوفه عليهم من العين. الثانية: أمره لهم بالسبب الذي يمنع، ونهيهم عما قد يكون سببا لوقوعها. الثالثة: أنه مع فعل السبب تبرأ من الالتفات إليه. الرابعة: أنه دلهم على عدم الالتفات إلى التهمة. الخامسة: أنه دلهم على التوكل على الله. السادسة: أنه أخبرهم أنه توكل عليه وحده لا شريك له، لا على علمه وفطنته، ولا على السبب الذي أمرهم به. السابعة: أنه أخبرهم أن توكل المتوكلين كلهم على الله، فمن توكل على غيره فليس منهم. الثامنة: خبره تعالى أنهم قبلوا وصية أبيهم وعملوا بها، فتفرقوا على الأبواب لما أردوا دخول البلد. التاسعة: أن ذلك لا يغني عنهم شيئا من الله لو يريد بهم شيئا. العاشرة: الاستثناء وهو أن ذلك التعليم من الرجل الحكيم المصيب وقبول المنصوح وعمله بالنصيحة التي هي سبب لو أراد الله أن العين تصيبهم أصابتهم، ولو تفرقوا على الأبواب، حضا للعباد على الاعتماد عليه لا على الأسباب. الحادية عشرة: ثناؤه على يعقوب بأنه ﴿لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاه﴾ ، قيل معناه: عامل بما علمه ١، وهو يدل على أن العلم الذي لا يثمر العمل لا يسمى علما

стр. 159

الثانية عشرة: ذكره أن ﴿أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١ ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ ٢ قيل: إنه قال لهم: يصير كل اثنين جميعا، فبقي أخوه وحده، فآواه إليه، فقال له: ﴿إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾ قيل: أنه أخبره الخبر، وقيل: المراد أخوة المحبة. وقوله: ﴿مَا نَبْغِي﴾ قيل: أي شيء نريد وقد ردت بضاعتنا. ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ أي: نأتي لهم بالطعام; يقال: مار أهله إذا أتاهم بطعام. قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ أي: يأتيكم أمر يهلككم كلكم﴾ . ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ ٣. فيه مسائل: الأولى: كونه ﵇ احتال بهذه الحيلة، ولا حجة في هذا لأهل الحيل الربوية، لأن ذلك مما أذن الله فيه ليوسف ﵇، وإلا لو يفعل ذلك الآن رجل مع أبيه وإخوته حرم إجماعا.

стр. 160

الثانية: قوله: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ المنادي بصوت رفيع يسمى مؤذنا، قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ قيل: فيه جواز المعاريض إن أراد بذلك أنهم سرقوه من أبيه، فإنه لم يقل سرقتم الصواع. الثالثة: قوله: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ فيه جواز بذل الأجرة لمن جاء بالسرقة. الرابعة: قوله: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ استدل به على صحة الضمان ولزومه، وهي الرابعة. الخامسة: قوله: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾ ١ فيه جواز الحلف على مثل هذا مع أن العلم في القلب، لكن بعض ما في القلب يعرف بالقرائن، أي ما جئنا بهذا، وما هذا بفعلنا، وما يصلح منا، ولسنا أهلا له. السادسة: أن السرقة ونحوها من الفساد في الأرض. قوله ﴿فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾ قيل: كان في شرعهم استعباد السارق هو لهم كالقطع في شرعنا، فلهذا قَالُوا ﴿جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ . السابعة: بداءته ٢ بأوعيتهم إبعادا عن تهمته، وذلك من كيد الله له. الثامنة: قوله: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ أي: حكمه على السارق

стр. 161

غير ذلك، ولكن الله دبر ما جرى نصرة ليوسف، لأنهم ظلموه، فكاد له كما كادوا أباهم. التاسعة: قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أي: ما جرى على ألسنتهم من ذلك القول الذي حكموا به على أنفسهم، فأخذه بفتياهم، وذلك من مشيئة الله. العاشرة: كونه سبحانه فاوت بين عباده تفاوتا عظيما، حتى الأنبياء، ورفع بعضهم فوق بعضهم درجات. الحادية عشرة: التنبيه على أن ذلك لا يكون إلا بمشيئة الله. الثانية عشرة: إن رفع الدرجات الذي ينافس فيه هو رفعها بالعلم. الثالثة عشرة: أنه ذكر أن كل عالم فوقه أعلم منه، حتى ينتهي العلم إلى الله سبحانه. ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ ١ إلى قوله: ﴿تَصِفُونَ﴾ ٢. فيه مسائل: الأولى: إبطال قياس الشبه. الثانية: أن تعيير غيرك بذنب قد فعلت أكبر منه غير صواب، كما في قوله: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ ٣ الآية.

стр. 162

الثالثة: كون المظلوم المرمي بشيء خفي يتعزى بعلم الله تعالى. ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ ١ إلى قوله: ﴿إِنَّا إِذاً لَظَالِمُونَ﴾ ٢ فيه مسائل: الأولى: بيان مبالغتهم في حفظ أخيهم. الثانية: جواب يوسف يدل على أن السرقة تثبت بوجود المسروق عند الرجل. الثالثة: أن من وجب عليه الحد لو بذل غيره نفسه عنه لم يحل. الرابعة: أن الرجل يثبت أنه ظالم بفعلة واحدة. الخامسة: أنهم عرفوا فيه من العدل والإحسان ما فهموا أنه من المحسنين. السادسة: استشفاعك على غيرك بما فيه من الخصال الحميدة. السابعة: المعاريض، فإنه ﵇ لم يقل إنه سارق. الثامنة: إبطال استدلال أهل الحيل المحرمة، فإن هذا يدل عل أنه إنما أخذه برضاه أو بوحي خاص. التاسعة: أن المظلوم يجوز له أن يعامل من ظلمه بما لا يحل أن يعامل به غيره.

стр. 163

العاشرة: أن هذا يدل على أن أهل مصر لم يعرفوا يعقوب معرفة تامة. ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ١. فيه مسائل: الأولى: أنهم بالغوا حتى استيأسوا منه. الثانية: ثقل الأمر عليهم كما فعل كبيرهم. الثالثة: أنه ذكر أنه على هذه الحال إلى أن يأذن له أبوه، أو يحكم الله له، فإنه سبحانه يحكم لك أو عليك. الرابعة: رد هذه المسأله الجزئية إلى القاعدة الكلية، وهي معرفة أن الله خير الحاكمين. الخامسة: الشهادة على الرجل بالسرقة إذا وجد المسروق عنده. السادسة: أن هذه شهادة بعلم، مع كونهم ما علموا إلا القرينة. السابعة: الاعتذار بعدم علم الغيب. الثامنة: الرجوع إلى الجيران وأهل الخبرة في الأمور الخفية.

стр. 164

التاسعة: تسميته المدينة قرية. العاشرة: اتهام المتهمين، كما ذكر النعمان بن بشير. الحادية عشرة: التعزي بالعزم على الصبر الجميل عند توالي المصائب. الثانية عشرة: الرجوع إلى الله في تفريج الكرب. الثالثة عشرة: رد هذه المسألة الجزئية إلى القاعدة الكلية، وهي قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ . ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ١. فيه مسائل. الأولى: التولي عن مثل هؤلاء كما قال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ . الثانية: قوله ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ ، أن الكلام إذا لم يكن فيه جزع لم يناف الشكوى. الثالثة: ذكر الله تعالى كبر مصيبته أنه أبيضت عيناه من البكاء، وابتلي بسنين كثيرة. الرابعة: العبرة فيما ذكر كما قال الحسن: لقد ابتلي بهذه المدة الطويلة; وإنه لأكرم أهل الأرض على الله.

стр. 165

الخامسة: تسمية البكاء حزنا لأنه نشأ عنه. السادسة: وصفه بأنه كظيم أي أنه كاظم لحرارة المصيبة لا يشكو. السابعة: معاتبتهم له على الحزن مع مصيبة طال العهد بها. الثامنة: جوابه لهم ﵇، وهو يدل على أن الشكوى إلى الله لا تنافي الصبر، بلى هي ممدوحة كما ذكر عن أيوب. التاسعة: إخبار الرجل بنيته الصالحة إذا احتاج أو انتفع السامع، ولا محذور في ذلك. العاشرة: قوله: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ كيف صار هذا جوابا لهم. الحادية عشرة: قيل معناه: أعلم من صفات الله ورحمته ولطفه ما لا تعلمون، وقيل: إن يوسف لم يمت. الثانية عشرة: أن هذا في مثل هذا المقام ليس من الفخر، قال النبي ﷺ :"أنا سيد ولد آدم ولا فخر" ١ ٢، ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ ٣ الآية. فيه مسائل:

стр. 166

الأولى: أمره لهم بالتحسس عن يوسف مع استبعادهم ذلك، والتحسس البحث والطلب. الثانية: نهيهم عن اليأس من روح الله. الثالثة: وهي العظيمة: أنه قد يقع اليأس من روح الله في مثل هذه القضية. الرابعة: إخباره بقدر هذا الذنب بأنه لا يصدر من مسلم، بل لا يكون إلا من كافر، وروح الله رحمة الله. ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ إلى قوله: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ١. فيه مسائل: الأولى: قولهم ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ ، أن الإخبار بالحال من غير شكوى لا يذم. الثانية: ما ابتلى الله به أهل هذا البيت من الجوع المضر، وهم أكرم أهل الأرض على الله.

стр. 167

الثالثة: ذكرهم قدر السلعة التي معهم أنها ناقصة رديئة، وليس هذا من ازدراء النعمة المذموم. الرابعة: سؤالهم عند الحاجة فيدل على أن مثل هذه الحال لا يذم. الخامسة: سؤالهم الصدقة فيدل على أنها غير محرمة عليهم. السادسة: رد هذه المسألة الجزئية إلى القاعدة الكلية وهي السابعة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ ١. الثامنة: قوله: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ الآية، يدل على أن مثل هذا التقريع ليس بمذموم. التاسعة: أنه ﵇ ذكر في التقريع ما يهون عليهم. العاشرة: استثباتهم أنه يوسف مع رؤيئهم له، وذلك لاستبعادهم ذلك. الحادية عشرة: قوله: ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾ يدل على أنهم فعلوا مع أخيه ما لا يحسن قوله. ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ إسناد النعمة إلى مسديها في مثل هذا الموطن، وهي الثانية عشرة. الثالثة عشرة: رد هذه المسأله الجزئية إلى القاعدة الكلية، وهي قوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٢. الرابعة عشرة: الجمع بين التقوى والإيمان، ومعرفة الإيمان ومعرفة الفرق بينهما. الخامسة عشرة: أن من جمع بينهما فهو من المحسنين.

стр. 168

السادسة عشرة: قوله: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ الآية أقروا باثنتين: بفعل الله مع يوسف، وفعلهم مع أنفسهم. السابعة عشرة: انتصار الله له هذا الانتصار العظيم. الثامنة عشرة: إذلاله إياهم هنا الإذلال العجيب. التاسعة عشرة: قوله ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ أي لا تعيير عليكم، يعني أني عفوت، ومن عفوي أني لا أذكر لكم ذنبكم بعد اليوم. العشرون: استغفاره، لهم لما غفر لهم حقه سأل الله لهم المغفرة. الحادية والعشرون: رد هذه المسأله الجزئية إلى القاعدة الكلية، وهي الثانية والعشرون. الثالثة والعشرون: تصديق القلب بأن الله أرحم الراحمين. الرابعة والعشرون: أن الذي خافوا منه واشتد عليهم حتى فعلوا بأخيهم وأبيهم ما فعلوا وظنوا أنه عليهم مضرة كبيرة، وهو كون يوسف أرفع منهم، صار أكبر المصالح لهم في دنياهم وفي دينهم يبينه. ١. الخامسة والعشرون: وهي قوله: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾ الآية. ذكر أنه قميص هبط به جبريل على إبراهيم حين ألقي في النار، فلما ولد إسحق جعله عليه، فجعله إسحق على يعقوب، وجعله يعقوب على يوسف، ونسيه إخوته لما ألقوه في الجب فأمرهم أن يذهبوا به فيلقونه على وجه يعقوب ليرتد إليه بصره.

стр. 169

السادسة والعشرون: ما جعله الله من الأسباب الباطنة في بعض مخلوقاته. السابعة والعشرون: إن التبرك بذلك وإمساكه والتداوي به ليس من الشرك كما كانوا يفعلون بآثار ١ رسول الله ﷺ ، بل ذلك حسن مطلوب. الثامنة والعشرون: أنه أمرهم بالإتيان بأهلهم كلهم والانتقال عنده، فأعطاهم الله هذا الخير والفرج من الشدة بسبب ارتفاعه الذي كرهوه كراهية شديدة. ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٢ فيه مسائل: الأولى: كونه أدرك الريح من مكان بعيد. الثانية: أنه عرف أنه ريح يوسف، قيل إنه عرف ريح القميص، وأنه ليس إلا مع يوسف. الثالثة: قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ والفند ذهاب العقل، ففيه الإخبار بما تعلم أن المخبر يكذبك إذا كان في ذلك مصلحة.

стр. 170

الرابعة: قولهم: ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ لا ينبغي لمن حدث بغريب أن يغضب إذا كذب أو شتم. الخامسة: الآية في رد بصره عليه بسبب إلقاء القميص. السادسة: تقريره لهم ما أنكروا من تفاصيل القاعدة الكلية. السابعة: طلبهم الاستغفار من المظلوم. الثامنة: عفو المظلوم، ودعاؤه لمن طلب ذلك منه. التاسعة: الاعتراف منهم بالذنب. العاشرة: رد المسأله الجزئية إلى القاعدة الكلية. ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ ١ فيه مسائل: الأولى: أنهم لما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه كما آوى إليه أخاه، يدل على أنه لم يفعل ذلك بإخوته. الثانية: قوله لهم: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ الآية.

стр. 171

الثالثة: تعليقه ذلك بالمشيئة. الرابعة: رفع أبويه على العرش. الخامسة: سجودهم كلهم له. السادسة: قوله لأبيه: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ﴾ ١. السابعة: شكر نعمة الله عليه حيث جعلها حقا. الثامنة: شكر نعمة الله في إخراجه من السجن. التاسعة: شكر نعمة الله في إتيانه بأهله من البدو. العاشرة: شكر نعمة الله أنه بعد ما نزغ الشيطان بينهم، صير الله العاقبة إلى الخير، ولم يضرهم نزغ الشيطان. الحادية عشرة: رد هذه المسألة الجزئية إلى القاعدة الكلية وهي أن ربه ﵎ لطيف لما يشاء، فلذلك أجرى ما أجرى. الثانية عشرة، والثالثة عشرة: رد ذلك إلى القاعدة الكلية أيضا، وهي: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ وهي الرابعة عشرة. الخامسة عشرة: كرمه ﵇ في قوله: ﴿أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ ولم يقل من الجب. السادسة عشرة: كرمه في قوله: ﴿نَزَغَ﴾ ولم يقل: بعد ما ظلموني. السابعة عشرة: أن إخراج الله الآدمي من البدو نعمة تشكر; ففيه فضل الحاضرة على البادية. الثامنة عشرة: دعاؤه بهذا الدعاء، وهو في غاية نعيم الدنيا. التاسعة عشرة: شكره نعمة الملك.

стр. 172

العشرون: شكر نعمة التعبير. الحادية والعشرون: ثناؤه على ربه بأنه فاطر السموات والأرض. الثانية والعشرون: إقراره لله بكونه وليه في الدنيا والآخرة. الثالثة والعشرون: توسله بذلك كله إلى هذه الحاجة، وهي وفاته على الإسلام، وإلحاقه بالصالحين. قوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ ١. فيه مسائل: الأولى: تنبيه الله على آية الرسالة بأن هذه القضية غيب لا يتوصل إليه الرسول إلا بالوحي، لكونه لا يقرأ أو لا يخط، ولا أخذ عن عالم. الثانية: تقريره هذه الحجة بقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ لأن هذا لا سبيل إلى العلم به إلا بالوحي، أو بحضوره. الثالثة: أن مكرهم خفي لو حضرهم أحد لخفي عليه. الرابعة: ذكره سبحانه حقيقة الحال أن الأكثر لا يقبلون الحق ولو تبين لهم بالأدلة.

стр. 173

الخامسة: ذكر حرصه ﷺ على إيمان الناس. السادسة: أنه لا مانع مع هذا البيان مثل سؤال الأجر. السابعة: أنه ذكر لهم مع شدة كراهتهم له، كما كره الإخوة ارتفاع يوسف. الثامنة: أن الذي أتاهم من الآيات ليست هذه وحدها، بل كم وكم من آية من الآيات السماوية والأرضية يمرون عليها ويعرضون عن الانتفاع بها، وليس هذا قصورا في البيان فإنه مشاهد، بل القلوب غير قابلة. التاسعة: المسألة العظيمة، وهي إخباره ﵎ أن أكثر هذا الخلق لو آمن أفسد إيمانه بالشرك، فهذه فساد القوة العملية، والتي قبلها فساد القوة العلمية. العاشرة: التنبيه على الاحتراز من اجتماع الإيمان مع الشرك المفسد له، خصوصا لما ذكر أن هذا حال الجمهور. الحادية عشرة: احتقارهم هذا العصيان العظيم كيف أمنوا عقوبة الدنيا، وهو يدل على جهالة من أمن ذلك. الثانية عشرة: كيف أمنوا أن تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون. ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ إلى قوله: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ١. فيه مسائل:

стр. 174

الأولى: أمره سبحانه نبيه بإخبار الناس بدينه مجملا. الثانية: أن هذا أيضا سبيل من اتبعه. الثالثة: أن ذلك هو الدعوة إلى الله وحده لا شريك له. الرابعة: أن ذلك هو الدعوة إلى الله على بصيرة، خلافا لمن اتبع الحق ودعا إلى الله على غير بصيرة. الخامسة: أن دينه الذي أنكره الأكثر هو تنزيه الله من السوء والإنكار في ذلك. السادسة: أن الذي حملهم على إنكاره كونه غريبا مخالفا لما عليه السواد الأعظم، وذلك لا يوجب رده لأن اتباع الحق إذا ظهر هو الحق، وإذا ظهر الباطل لم يزينه فعل الأكثر له مثل الربا والكذب والخيانة. السابعة: رد شبهتهم في كونه بشرا، وذلك واضح لأنهم إن كانوا ممن يقر بالرسالة في الجملة كأهل الكتاب والمشركين فواضح; وإن أنكروها كالمجوس فالنكال الذي أوقع الله بمن خالف الرسل الذي سمعوه وشاهدوه حجة عليهم. الثامنة: الرد عليهم في قولهم: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ أو نحو ذلك، لأن الرسل ما أتوا الأمم إلا بالوحي. التاسعة: أنهم كلهم رجال، ففيه الرد على من يزعم أن في الجن رسلا أو في النساء. العاشرة: قوله: ﴿مِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ ففيه الرد على من انتقص أهل القرى، أو فضل البدو أو واساهم ١ بهم.

стр. 175

الحادية عشرة: استجهال الله إياهم حيث لم يسيروا في الأرض فيعتبروا بمن قبلهم، فدل على أن فهم ذلك مقدور لهم. الثانية عشرة: إخباره أن ما يعطي الله من أطاع الرسل خير مما أعطى يوسف وسليمان وأيوب وغيرهم من حسن عاقبة الطاعة. الثالثة عشرة: أن سنة الله في الرسل ومن اتبعهم وسنته فيمن خالفهم في الدنيا قبل الآخرة من أظهر البينات للكفار الجهال، فمن لم يفهمها يقال له: كيف زال عقلك؟ ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ ١ إلى آخر السورة ٢. فيه مسائل: الأولى: تأخير النصر على الرسل حتى استبطؤوا ولا يعجل الله لعجلة أحد. الثانية: إذا عرف أن هذه سنة فكيف يستعجل من يزعم أنه سميع لهم، كما قال ﷺ "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل " ٣ ٤. الثالثة: أن ما يقع في القلب من خواطر الشيطان لا يضر، بل هو صريح الإيمان إذا كان مع الكراهة.

стр. 176

الرابعة: أن العادة أن الشدة إذا تمت وتضايقت جدا، فهو من علامات حضور الفرج. الخامسة: أنه سبحانه ينجي من يشاء، ولو كان مع المهلكين في المكان. السادسة: أنه إذا جاء أمر الله لم يقدر على رفعه أحد من السماء، ولا من أهل الأرض. السابعة: أنه سبحانه لا يظلم أحدا، وأن ذلك بسبب إجرامهم. الثامنة: الثناء على قصص الرسل، وأن فيه عبرة. التاسعة: أن ما يفهم هذه العبرة مع وضوحها إلا أولو الألباب. العاشرة: تعريضه سبحانه بالأحاديث المفتراة، وإقبال الأكثر عليها، واشتراء الكتب المصنفة بغالي الأثمان، وتكبر من اشتغل بها، وظنه أنه أفضل ممن لم يشتغل بها، وزعمه أنها من العلوم الجليلة، ومع هذا معرض عن قصص الأنبياء مستحقر له، زاعم أنه علم العوام الجهال. الحادية عشرة: أن من أكبر آياته تصديقه لما بين يديه من العلوم التي جاءت بها الرسل، التي هي العلم النافع في الحقيقة. الثانية عشرة: أن هذا فيه تفصيل كل شيء يحتاج إليه: ففيه العلم النافع، وفيه الإحاطة بالعلوم الكثيرة، ومع هذا يفصلها أي يبينها. الثالثة عشرة: أنه هدى يعتصم به من الضلالة. الرابعة عشرة: أنه رحمة يعتصم به من الهلكة فلا يضل من اتبعه ولا يشقى.

стр. 177

الخامسة عشرة: أن هذا ليس لكل أحد، بل لقوم مخصوصين. السادسة عشرة: أن سبب ذلك الإيمان، ففيه شاهد لقوله: "من عمل بما علم أورثه الله علم ما لا يعلم" ١ والحمد لله رب العالمين.

стр. 178

سورة الحجر وقال أيضا الشيخ محمد ﵀: هذه مسائل مستنبطة من سورة الحجر: الآية الأولى: ١. الأولى: فيها الترغب في القرآن بجمعه بين الوصفين. الثانية: وصفه بالبيان. الثالثة: معنى الكتاب المعرف بالألف واللام. الرابعة: معنى القرآن. الآية الثانية: ٢. الأولى: فيها الرد على الخوارج. الثانية: الرد على المعتزلة. الثالثة: النظر في العواقب. الرابعة: عدم الاغترار بالحال الحاضرة. الخامسة: إثبات عذاب القبر. الآية الثالثة: ٣. الأولى: تعزية المؤمن عما هم فيه من النعيم.

стр. 179

الثانية: أن الاغترار بذلك من وصف الكفار. الثالثة: أن الأمل سبب ترك الخير. الرابعة: أن ذلك من وصفهم. الخامسة: الوعيد الشديد. الآية الرابعة: ١. الأولى: فيها الآية العظيمة الباهرة وهي إهلاك القرى المكذبة. الثانية: أن ذلك لأجل لا يتقدم ولا يستعجل الله لعجلة أحد. الثالثة: التعزية. الرابعة: أنه إذا جاء لا يؤخر لحظة، ففيه الوعيد. الآية الخامسة: والآيتان ٢ بعدها: الأولى: فيها أن الذكر هو القرآن. الثانية: كلامهم على سبيل الاستهزاء. الثالثة: وصفهم أكمل الناس عقلا عندهم بالجنون. الرابعة: أن الذي دلهم على جنونه عدم إتيانه بالملائكة. الخامسة: عدم تصريحهم بالمعاتبة بل تعللوا بتكذيبه. السادسة: أنه سبحانه لا ينزل الملائكة لمثل ذلك.

стр. 180

السابعة: أنه لا ينزلهم إلا بالحق. الثامنة: أنهم سألوه شيئا لو أجابهم إليه هلكوا ١: التاسعة: فيها تأكيد الضمير المتصل بالمنفصل. العاشرة: أن الذكر هو القرآن. الحادية عشرة: حفظ الله إياه عن شياطين الجن والإنس. الثانية عشرة: كون ذلك الحفظ آية كافية عن إنزال الملائكة. الآية الثامنة: ٢ وثلاث بعدها، فيها: الأولى: أن الرسالة عمت بني آدم. الثانية: هذا الخبر العجيب مع انقيادهم للكذابين. الثالثة: لم يكفهم الامتناع والتكذيب حتى استهزؤوا. الرابعة: أن ذلك بسبب إجرامهم. الخامسة: الإيمان بالقدر. السادسة: أن العقوبة بالذنب تكون بذنب أكبر منه.
следующие страницы →