المملكة العربية السعودية
وزارة التعليم
جامعة الملك سعود
كلية التربية - الدراسات العليا
قسم الدراسات الإسلامية
ترجيحات السمين الحلبي في كتابه "القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز" من الآية (١٣٨) من سورة آل عمران إلى آخر السورة (جمعًا ودراسة)
رسالة مقدمة لاستكمال متطلبات الحصول على درجة ماجستير في الآداب، تخصص التفسير والحديث، قسم الدراسات الإسلامية
إعداد
عبد الله بن سليمان بن إبراهيم النملة
المشرف
أ. د. عيسى بن ناصر بن علي الدريبي
أستاذ الدراسات القرآنية في جامعة الملك سعود
العام الجامعي: ١٤٤٢ - ١٤٤٣ هـ
стр. 2
ترجيحات السمين الحلبي في كتابه "القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز" من الآية (١٣٨) من سورة آل عمران إلى آخر السورة (جمعًا ودراسة)
The Preferences of Al-Sameen Al-Halabi in his book "The Concise Saying in the Provisions of the Holy Qur'an" from verse ١٣٨ of Surat Al-Imran until the end of surah (A Compilation and Study)
إعداد
عبد الله بن سليمان بن إبراهيم النملة
نُوقِشت هذه الرسالة بتاريخ
المشرف
أ. د. عيسى بن ناصر بن علي الدريبي
أستاذ الدراسات القرآنية في جامعة الملك سعود
أعضاء اللجنة
стр. 3
ملخص الرسالة
هذا الرسالة ضمن مشروع بحثي في جمع ودراسة مسائل التفسير وعلوم القرآن التي رجَّح القولَ فيها السمينُ الحلبي من كتابه "القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز"، وموطن البحث في هذه الرسالة في سورة آل عمران، من الآية (١٣٨) إلى آخر السورة، حيث الآيات التي تحدَّثت عن غزوة أُحد وما يتعلق بها، ويهدف البحث في الرسالة إلى جمع تلك المسائل التي رجَّح فيها السمين الحلبي ودراستها ومناقشة الأدلة فيها، وإبراز منهج السمين الحلبي في ترجيحها، ومقارنة ترجيحه بترجيح غيره من العلماء، ومهَّدت الرسالة بالتعريف بالسمين الحلبي وبكتابه، ثم بحثت في منهجه في هذا الكتاب بذكر ألفاظ الترجيح عنده، والطريقةِ التي يرجِّح بها، والقواعدِ التي يستند عليها في الترجيح، ثم توسعت في دراسة خمسين مسألةٍ ترجيحية، تنوَّعت تلك المسائل تنوُّعًا ظاهرًا حتى احتاجت في دراستها إلى النظر في علومٍ شتَّى ترتبط بعلوم القرآن: في القراءات والتفسير وأسباب النزول والبلاغة والنحو والصرف والسيرة والفقه والعقيدة، وكان غالبها في إعراب الآيات نظرًا لاختصاص السمين الحلبي بذلك، واستفاد السمين الحلبي في أغلب المسائل من تفسير البحر المحيط، ثم زاد عليه بالترتيب والتجويد، وعلَّق عليه بالاستدراك أو التأييد، وشملت الدراسة الإشارة إلى ما تميَّز به السمين الحلبي في مناقشة الأقوال وعرض المسائل، وإبراز ترجيحاته وذكر الوجوه التي تدل عليها، والبحث في الأقوال التي ذكرها في المسألة ومَن قال بها، وما فيها من القوة والضعف، ثم الخلوص بذكر ما ترجَّح للباحث وما يميِّز القول الذي رجَّحه.
стр. 4
المقدمة
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله؛ هو الذكر الحكيم، والصراط المستقيم؛ مَنْ عَمِل به أُجِر، ومَن ابتغى الهدى مِنْ دونه ضل.
وإن من شرف أمتنا أن حفظت كتاب ربها، واعتنت بتعلُّمه وتعليمه، واستشراحه وتفهيمه، في جهودٍ عظيمة تعاقب عليها أهل العلم جيلًا بعد جيل، ولم يزل الآخِر منهم ينهل من معين سابقه، ويستفيد من تقريره وتحقيقه.
وإن من تلك الجهود المباركة في خدمة كتاب الله ما قام به العالم المفسِّر والناقد المحرِّر أبو العباس، أحمد بن يوسف بن محمد، المعروف بالسمين الحلبي (ت ٧٥٦ هـ)، حيث ألَّف كتابًا عظيمًا في أحكام القرآن، سماه بالقول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز، وهو كتاب جديرٌ بالعناية والاستفادة مما قرَّره فيه وحقَّقه، فقد كان معتنيًا بجهود علماء التفسير مِنْ قبله، دارسًا لها، شارحًا لما يُشكِل من كلامهم، ولقد كان له في هذا الكتاب جمعٌ فريد، وتحريرٌ وتحقيق، ومنهجٌ مُحْكَمٌ في عرض الأقوال ومناقشتها، لذا كان المشروع البحثي في جمع اختياراته وترجيحاته ودراستها، وصار حظي من هذا المشروع المبارك، أستكمل به جهد من قبلي، وأقرب الغاية لمن بعدي، وكان موطن بحثي من هذا الكتاب الكبير في سورة آل عمران، من الآية (١٣٨) إلى آخر السورة، وأسأل الله الكريم أن ينفع بما فيه من التوجيه والإرشاد، وأن يفيد به ملتمس الحق والصواب.
مشكلة البحث:
تميَّز السمين الحلبي في مناقشته للمسائل العلمية بحُسن عرض الأقوال وترتيبها والجمع بينها، وحُسن بيانها وشرح غامضها، وذِكر أدلتها وإيراد الردود والإشكالات عليها، وقد ظهر ذلك جليًّا في كتابه "القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز" في مسائل متنوعةٍ متفرقة تبرز الحاجة إلى جمعها ودراستها.
ونظرًا لأهمية حل الخلاف في تفسير كلام الله، ومعرفة أرجح الأقوال في ذلك، فقد جاء
стр. 5
البحث في جمع ترجيحاته المتعلقة بتفسير كلام الله، ودراستها والنظر في أدلتها، والمناقشة في ذلك، مع الوقوف على منهجه الذي اتبعه في الترجيح، ومعرفة أهم ما تميَّز به في مناقشة الأقوال في التفسير.
أهمية البحث وأسباب اختيار الموضوع:
١) هذا الكتاب لم يتم تحقيقه إلا من وقت قريب، ولم تسبق دراسته بالكامل واستخلاص ما فيه، وله مكانته العلمية التي تجعله مؤهلًا لذلك، فهو كتابٌ كبيرٌ في بابه، وقد تتابعت الرسائل العلمية في تحقيقه (١)، مما يبين أهميته، فالسبق إلى دراسته أمر مهم.
٢) ما تميَّز به المؤلف في هذا الكتاب من حُسن عرض الأقوال ومناقشتها، والأدبِ في ردها والاعتذار لأصحابها، وهذا يُكسِب القارئ له والباحث فيه معرفةَ الطريقة الحسنة في التعامل مع الأقوال المختلفة والمتعارضة، من حيث عرضها والتأليف بين المتشابه منها، ومن حيث نقدها ومناقشتها، ومعرفةَ الأدب في التعامل مع المخالف دون تنقص أو هضم.
٣) حيادية المؤلف في موازنة الأقوال وترجيحها، حتى إنه ينتصر للقول الذي ضعَّفه شيخه أبو حيان ولا ينحاز لرأي شيخه إن خالف الصواب، بل يَزِن الأقوال بإنصاف ثم يرجح ما هو أظهر، وهذا هو الترجيح الذي يُستفاد منه وتجدر العناية به، فهو من أهم ما تميَّز به الكتاب.
٤) أهمية الوقوف على الخلاف المتعلق بتفسير كلام الله، ومعرفة الصحيح في ذلك.
стр. 6
أهداف البحث:
- جمع ترجيحات السمين الحلبي في كتابه القول الوجيز ودراستها.
- بيان الأدلة التي استدل بها السمين الحلبي في ترجيحه.
- بيان منهج السمين الحلبي في ترجيحه.
- مقارنة ترجيحه بترجيح غيره من العلماء.
حدود البحث:
البحث إنما يتصل بترجيحات السمين الحلبي المتعلقة بالتفسير، وما يرتبط به من علوم القرآن، وذلك من كتاب "القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز" من الآية (١٣٨) من سورة آل عمران إلى نهاية السورة، من خلال الرسائل المحققة في الجامعة الإسلامية، وقد وقفت -في محل بحثي "من الآية (١٣٨) من سورة آل عمران إلى نهاية السورة"- على خمسين ترجيحًا من الترجيحات المتعلقة بالتفسير وما يرتبط به من علوم القرآن.
الدراسات السابقة:
- اختيارات السمين الحلبي في كتابه الدر المصون؛ دراسةً وتقويمًا، رسالةٌ لنيل درجة الماجستير في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، كلية اللغة العربية، قسم النحو والصرف وفقه اللغة، أعدَّها: د. محمد عبد الصمد بن محمد خبير الدين، (١٤١٩ هـ).
- اختيارات السمين الحلبي النحوية في كتابه الدر المصون في علوم الكتاب المكنون (من الجزء الأول إلى الجزء الحادي عشر)؛ دراسةٌ وصفيةٌ تحليليةٌ، رسالةٌ لنيل درجة الماجستير في النحو والصرف في جامعة أم درمان الإسلامية، كلية التربية، قسم اللغة العربية، أعدَّتها: إيمان عبد العظيم يوسف سبيل، (١٤٣٧ هـ).
وهذه الدراسة والتي قبلها هما في الاختيارات النحوية، ويمكن الاستفادة منهما في استنباط بعض المعالم من منهج السمين الحلبي في الترجيح.
- تضعيفات السمين الحلبي في كتابه الدر المصون؛ دراسةٌ نحويةٌ صرفيَّةٌ، رسالةٌ لنيل درجة
стр. 7
الماجستير في جامعة جنوب الوادي، كلية الآداب، قسم اللغة العربية، أعدَّتها: مها ممدوح خضري إسماعيل، (٢٠١٦ م).
ويمكن الاستفادة منها في استنباط بعض المعالم من منهجه في التضعيف، ومنه يتبين ضده وهو تقوية الأقوال وترجيحها.
- القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز للسمين الحلبي، وقد حُقق في عدة رسائل كما يأتي:
١) القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز للسمين الحلبي، من أول الكتاب إلى الآية (١٠٥) من سورة البقرة؛ دراسةً وتحقيقًا، رسالةٌ لنيل درجة الماجستير في كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية، قسم التفسير وعلوم القرآن، أعدَّها: عبد الرحيم بن محمد القاوش، (١٤٣١ هـ).
٢) القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز للسمين الحلبي، من الآية (١٠٦) من سورة البقرة إلى الآية (١٦٢) من السورة نفسها، دراسةً وتحقيقًا، رسالةٌ لنيل درجة الماجستير في كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية، قسم التفسير وعلوم القرآن، أعدَّها: عبد الله بن عيد الصاعدي الحربي، (١٤٣٠ هـ).
٣) القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز للسمين الحلبي، من الآية (١٦٣) من سورة البقرة إلى الآية (١٧٩) من السورة نفسها؛ دراسةً وتحقيقًا، رسالةٌ لنيل درجة الماجستير في كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية، قسم التفسير وعلوم القرآن، أعدَّها: عبيد بن منصور الشمراني، (١٤٣٢ هـ).
٤) القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز للسمين الحلبي، من الآية (١٨٠) من سورة البقرة إلى الآية (١٨٧) من السورة نفسها، دراسةً وتحقيقًا، رسالةٌ لنيل درجة الماجستير في كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية، قسم التفسير وعلوم القرآن، أعدَّها: عمر بن مبيريك الحسيني، (١٤٣١ هـ).
٥) القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز للسمين الحلبي، من الآية ١٨٨ من سورة البقرة إلى الآية ٢٠٣ من السورة نفسها؛ دراسةً وتحقيقًا، رسالةٌ لنيل درجة الماجستير في كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية، قسم التفسير وعلوم القرآن، أعدَّها: عبد الرحمن بن سلمان
стр. 8
السعيد، (١٤٣٣ هـ).
٦) القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز للسمين الحلبي، من الآية (٢٠٤) من سورة البقرة إلى الآية (٢٢٧) من السورة نفسها، دراسةً وتحقيقًا، رسالةٌ لنيل درجة الماجستير في كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية، قسم التفسير وعلوم القرآن، أعدَّها: عبد الخالق بن حسن الزميلي، (١٤٣٣ هـ).
٧) القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز للسمين الحلبي، من الآية (٥٩) من سورة آل عمران إلى الآية (١٠٥) من السورة نفسها؛ دراسةً وتحقيقًا، رسالةٌ لنيل درجة الدكتوراه في كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية، قسم التفسير وعلوم القرآن، أعدَّها: يسري بن حمدان المحمدي، (١٤٣٥ هـ).
٨) القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز للسمين الحلبي، من الآية (١٠٦) من سورة آل عمران إلى الآية (١٥٦) من السورة نفسها؛ دراسةً وتحقيقًا، رسالةٌ لنيل درجة الدكتوراه في كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية، قسم التفسير وعلوم القرآن، أعدَّها: يعقوب مصطفى سي، (١٤٣٥ هـ).
٩) القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز للسمين الحلبي، من الآية (١٥٧) من سورة آل عمران إلى نهاية السورة، دراسةً وتحقيقًا، رسالةٌ لنيل درجة الدكتوراه في كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية، قسم التفسير وعلوم القرآن، أعدَّها: وائل بن محمد بن علي جابر، (١٤٣٥ هـ).
١٠) القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز للسمين الحلبي، من بداية سورة النساء إلى الآية (٣١) من السورة نفسها؛ دراسةً وتحقيقًا، رسالةٌ لنيل درجة الدكتوراه في كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية، قسم التفسير وعلوم القرآن، أعدَّها: حامد بن عدنان الأنصاري، (١٤٣٧ هـ).
١١) القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز للسمين الحلبي، من الآية (٣٢) من سورة النساء إلى الآية (٧٩) من السورة نفسها، دراسةً وتحقيقًا، رسالةٌ لنيل درجة الدكتوراه في كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية، قسم التفسير وعلوم القرآن، أعدَّها: بداح بن عبد الله السبيعي، (١٤٣٧ هـ).
١٢) القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز للسمين الحلبي، من الآية (٨٠) من سورة النساء إلى الآية (٤١) من سورة المائدة؛ دراسةً وتحقيقًا، رسالةٌ لنيل درجة الدكتوراه في كلية القرآن
стр. 9
الكريم والدراسات الإسلامية، قسم التفسير وعلوم القرآن، أعدَّها: عبد الهادي بن علي القرني، (١٤٣٦ هـ).
١٣) القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز للسمين الحلبي، من الآية (١٤١) من سورة الأنعام إلى الآية (٨٦) من سورة الأعراف، دراسةً وتحقيقًا، رسالةٌ لنيل درجة الدكتوراه في كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية، قسم التفسير وعلوم القرآن، أعدَّها: عبد الله بن صالح العمر، (١٤٣٦ هـ).
١٤) القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز للسمين الحلبي، من الآية (٤٢) من سورة يوسف إلى الآية (٣٨) من سورة الرعد؛ دراسةً وتحقيقًا، رسالةٌ لنيل درجة الدكتوراه في كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية، قسم التفسير وعلوم القرآن، أعدَّها: ماجد بن عبد الرحمن الصمعان، (١٤٣٦ هـ).
١٥) القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز للسمين الحلبي، من الآية (٥) من سورة إبراهيم إلى الآية (٦٧) من سورة النحل، دراسةً وتحقيقًا، رسالةٌ لنيل درجة الدكتوراه في كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية، قسم التفسير وعلوم القرآن، أعدَّها: صالح بن ثنيان الثنيان، (١٤٣٦ هـ).
١٦) القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز للسمين الحلبي، من بداية سورة طه إلى الآية (١٤) من السورة نفسها، دراسةً وتحقيقًا، بحثٌ مُحَكَّمٌ في مجلة تبيان للدراسات القرآنية، عدد ١٧، أعدَّه: د. أمين بن عائش المزيني، (١٤٣٥ هـ).
١٧) القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز للسمين الحلبي، من الآية (٤١) من سورة النور إلى الآية (٢٢) من سورة الشعراء؛ دراسةً وتحقيقًا، رسالةٌ لنيل درجة الدكتوراه في كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية، قسم التفسير وعلوم القرآن، أعدَّها: ماجد بن ماشع الحربي، (١٤٣٦ هـ).
١٨) القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز للسمين الحلبي، من الآية (٢٣) من سورة الشعراء إلى نهاية سورة النمل؛ دراسةً وتحقيقًا، رسالةٌ لنيل درجة الدكتوراه في كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية، قسم التفسير وعلوم القرآن، أعدَّها: سليمان بن عبد الله المشيقح، (١٤٣٦ هـ).
١٩) القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز للسمين الحلبي، من بداية سورة القصص إلى نهاية
стр. 10
سورة الروم، دراسةً وتحقيقًا، رسالةٌ لنيل درجة الدكتوراه في كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية، قسم التفسير وعلوم القرآن، أعدَّها: إبراهيم بن عبد الرحيم بن حافظ حسين، (١٤٣٨ هـ).
٢٠) القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز للسمين الحلبي، من بداية سورة لقمان إلى نهاية سورة الأحزاب، دراسةً وتحقيقًا، رسالةٌ لنيل درجة الدكتوراه في كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية، قسم التفسير وعلوم القرآن، أعدَّها: دخيل ربه بن سلطان العجيفي السلمي، (١٤٣٧ هـ).
٢١) القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز للسمين الحلبي، من بداية سورة سبأ إلى نهاية سورة يس، دراسةً وتحقيقًا، رسالةٌ لنيل درجة الدكتوراه في كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية، قسم التفسير وعلوم القرآن، أعدَّها: عبد العزيز بن عبد الرحمن الحجي، (١٤٣٦ هـ).
٢٢) القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز للسمين الحلبي، من بداية سورة الصافات إلى الآية (٤٥) سورة الزمر، دراسةً وتحقيقًا، رسالةٌ لنيل درجة الدكتوراه في كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية، قسم التفسير وعلوم القرآن، أعدَّها: سعد بن عبد العزيز العنزي، (١٤٣٦ هـ).
• ويمكن الاستفادة من هذه البحوث فيما ذكرت من تقديم للكتاب من تعريف بالمؤلف وبالكتاب، وذكر لمنهج المؤلف في الكتاب، ثم في الكتاب نفسه في الوقوف على محل بحثي منه في جمع الترجيحات، ومعرفة منهجه في الترجيح، ثم يمكن إيجاد ما يشهد لذلك في بقية الكتاب.
- منهج السمين الحلبي في التفسير في كتابه "الدر المصون"، رسالةٌ لنيل درجة الماجستير في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، كلية أصول الدين، قسم القرآن الكريم وعلومه، أعدها: أ. د. عيسى بن ناصر الدريبي، (١٤١٧ هـ)، وقد طبع الكتاب ضمن سلسلة الرسائل الجامعية التابعة لعمادة البحث العلمي في الجامعة، ط ١ (١٤٢٨ هـ).
ويمكن الاستفادة من هذه الرسالة فيما أفادته من تعريفٍ بالمؤلف وبيانٍ لما تميَّز به في ترجيحاته ومناقشاته.
• وهذه الدراسات غالبها في الجانب النظري، وأما ما يختص منها في الجانب التطبيقي فإنه لا
стр. 11
يعتني بكتاب "القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز"، وبالخصوص في جمع الترجيحات ودراستها ومناقشة أدلتها، وبهذا يظهر تميُّز هذا البحث عن غيره من البحوث والدراسات في هذا المجال، وانفراده في موضوعه عن مواضيع تلك البحوث والدراسات، فهو يضيف إضافةً علميةً جديدةً في الدراسات المتعلقة بتفسير القرآن الكريم.
- وقد جاء هذا البحث ضمن مشروع بحثي لعدة رسائل في الماجستير في جامعة الملك سعود في كلية التربية، في قسم الدراسات الإسلامية وقسم الدراسات القرآنية، ثم انتقل المشروع إلى جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل، ووقفت فيه على رسالة واحدة في الماجستير، وفيما يأتي ترتيب هذه الرسائل والإفادة بما تمت مناقشته منها:
١) ترجيحات السمين الحلبي في كتابه "القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز"، من أول الفاتحة إلى نهاية الآية (٢٢٧) من سورة البقرة (جمعًا ودراسة)، للطالبة: أمينة بنت شايع الدوسري، وسُجلت في عام (١٤٣٩ هـ).
٢) ترجيحات السمين الحلبي في كتابه "القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز"، من الآية (٥٩) إلى الآية (١٣٧) من سورة آل عمران (جمعًا ودراسة)، للطالبة: أروى بنت محمد الجويري، وسُجلت في عام (١٤٣٩ هـ).
٣) ترجيحات السمين الحلبي في كتابه "القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز"، من الآية (١٣٨) من سورة آل عمران إلى آخر السورة (جمعًا ودراسة)، للطالب: عبد الله بن سليمان النملة، وسُجلت في عام (١٤٣٩ هـ)، ونُوقشت في عام (١٤٤٢ هـ).
٤) ترجيحات السمين الحلبي في كتابه "القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز"، من أول سورة النساء إلى الآية (٥٠) من السورة نفسها (جمعًا ودراسة)، للطالب: عبد الأحد سمانوف، وسُجلت في عام (١٤٤٠ هـ)، ونُوقشت في عام (١٤٤١ هـ).
٥) ترجيحات السمين الحلبي في كتابه "القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز"، من الآية (٥٢) من سورة النساء إلى الآية (٢٤) من سورة المائدة (جمعًا ودراسة)، للطالبة: فاطمة بنت أحمد سلامي، وسُجلت في عام (١٤٤٠ هـ).
٦) ترجيحات السمين الحلبي في كتابه "القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز"، من الآية (٢٥)
стр. 12
إلى الآية (٤١) من سورة المائدة ومن الآية (١٤١) من سورة الأنعام إلى الآية (٨٦) من سورة الأعراف ومن الآية (٤٢) من سورة يوسف إلى نهايتها (جمعًا ودراسة)، للطالبة: مريم بنت حمد الدوسري، وسُجلت في عام (١٤٤١ هـ).
٧) ترجيحات السمين الحلبي في التفسير في كتابه "القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز"، من أول سورة الرعد إلى نهاية سورة الحجر (جمعًا ودراسة)، للطالبة: رشا بنت رجاء الحربي، ونُوقشت في عام (١٤٤٢ هـ).
وهذه الرسائل السابقة كلها في جامعة الملك سعود، ثم هذه الرسالة في جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل:
٨) ترجيحات السمين الحلبي في كتابه "القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز"، من أول سورة النمل إلى آخر سورة لقمان (جمعًا ودراسة)، للطالبة: مي بنت عبد العزيز القصير.
منهج البحث:
البحث يتبع المنهج الاستقرائي التحليلي.
إجراءات البحث:
- جمعُ ترجيحات السمين الحلبي، ورجعت فيه إلى "ضوابط جمع الاختيارات في الرسائل العلمية بقسم الدراسات القرآنية"، وهذا ملخص أبرز النقاط فيها التي صحَّ وقوعها في بحثي:
١) جمع الترجيحات الصريحة: وذلك عند تصريح المؤلف بالترجيح، سواء مع الاستدلال له والتعليل والمناقشة أو عدم ذلك، وأيضًا عند الجمع بين الأقوال في المسألة، ونفي وقوع التعارض بينها.
٢) جمع الترجيحات غير الصريحة: وذلك إذا عُرف من منهج المؤلف بالاستقراء.
٣) أن تكون الترجيحات في التفسير وما له علاقة ببيان المعنى، كالذين نزل فيهم الخطاب، وعَودِ الضمير، وكذلك الإعراب والفقه والبلاغة ذات الارتباط بالمعنى
стр. 13
- دراسةُ ترجيحات السمين الحلبي، وذلك على النحو الآتي:
١) ذِكرُ عنوان المسألة.
٢) ذِكرُ الآية التي رجَّح فيها السمين الحلبي، وإذا تكررت الآية في أكثر من مسألة أكتفي بذكرها مرةً واحدة.
٣) ذِكرُ أصل الخلاف في المسألة وما يمهِّد لفهم المسألة وتصوُّرِها.
٤) ذِكرُ نص السمين الحلبي من بداية تعرُّضه للمسألة التي رجَّح فيها مرورًا بالأقوالِ التي عدَّدها ونَقَلَ الخلاف فيها إلى نهاية المسألة والفراغ منها، وإن كان النص يحتاج إلى الاختصار اختصرت، وأرتب النصوص حسب ترتيبها في الكتاب، وأعزو الاقتباسات التي ينقلها عن العلماء في النص، وإن كان في النص ما يحتاج إلى إيضاحٍ أوضحته في الحاشية، وإن كان يحتاج إلى تفصيلٍ طويلٍ فتفصيله في فقرة دراسة المسألة.
٥) تبيينُ القول الذي رجَّحه السمين الحلبي، وبيان الأوجه التي تدل على ترجيحه.
٦) دراسة المسألة، وذلك على النحو الآتي:
• ذِكرُ مذاهب أهل العلم في المسألة، ومَن وافق السمين الحلبي في قوله ومَن خالفه أو تعقَّبه، وإذا كان في المسألة غموضٌ وتحتاج إلى معرفة تدرُّجها بين المتقدمين ومَن بعدهم أوضحت ذلك وذكرت أول مَنْ ذكر الخلاف فيها، وإذا كان في المسألة أقوالٌ أخرى معتبرةٌ لم يذكرها السمين الحلبي ذكرتها.
• ذِكرُ أدلة كل قولٍ في المسألة في فقرة مستقلة، وأُبيِّن وجهَ الدلالة، وإذا كانت بعض الأقوال تجتمع في دليلٍ واحد جمعتها في فقرة واحدة، وأكتفي هنا بالأدلة الواضحة دون الإشارات والأوجه اليسيرة التي تعضد القول إلا ألَّا يوجد غيرها أو كانت لصيقةً تابعةً في الذِّكر للأدلة الواضحة، وأحرص هنا على تقوية الأدلة بحسب ما يذكره أصحاب القول من غير نقدها وموازنتها بغيرها، وإن لم أقف في القول على دليلٍ اجتهدتُ في البحث عن دليلٍ يقويه أو وجهٍ يعضده.
стр. 14
• الموازنةُ بين الأدلة وذِكرُ أوجه القوة والضعف لكل دليل، وذِكرُ الاعتراضات على كل قول والإجابة عنها إن أمكن، وذِكرُ قواعد الترجيح التي تؤيد كل قول، وذِكرُ الأوجه اليسيرة التي يمكن أن تعضد بعض الأقوال.
• أختمُ بذِكر ما توصلت إليه في المسألة وما ترجَّح لدي من الأقوال، وأُبيِّنُ ما يميز هذا القول الراجح عن غيره، وأذكرُ ما وقفت عليه من الفوائد والتنبيهات في المسألة.
- نِسبةُ الأقوال والأدلة إلى مصادرها الأصلية وأوَّلِ مَنْ قال بها إن أمكن، وإن كان المتأخر أوفى في البيان من المتقدِّم اكتفيت بالعزو إليه، وإن كان بعضهم يكمِّل بضعًا جمعت بينهم.
- الاكتفاءُ في العزو إلى الاسم المختصر للمصدر ولمؤلفه، وقد أكتفي بأحدهما عند الحاجة إلى الاختصار ومعرفةِ الآخر من السياق.
- ضبطُ ما يُشكِل من النصوص بالشكل، وأكتفي بالسياق فيما يتضح لفظه ونطقه منه.
- وضعُ أسماء المصادر كما هي في العزو في فهرس المصادر والمراجع، وبيَّنت هناك الاسمَ الكامل للمصدر.
- عزو الآيات القرآنية في النص بين معقوفتين، وإن كانت الآية هي أصل المسألة فأكتفي بعزوها أولًا، ولا أذكر العزو عند تكرارها في المسألة، وإن كان لفظ الآية من المتشابه المتكرر بعينه في أكثر من سورة عزوت إلى جميعها.
- عزو الأحاديث إلى الصحيحين أو أحدهما، فإن لم يكن الحديث فيهما أو أحدهما فأعزوه إلى بقية الكتب الستة، فإن لم يكن فيهن فأعزوه إلى أشهر كتب الحديث.
- أُترجِم للأعلام غير المشهورين إذا تزَعَّم أحدهم قولًا في المسألة.
стр. 15
التمهيد
وهو يشمل ما يأتي:
أولًا: ترجمةٌ موجزةٌ للسمين الحلبي.
ثانيًا: التعريفُ بكتاب القول الوجيز.
стр. 16
أولًا: ترجمةٌ موجزةٌ للسمين الحلبي (١):
هو شهاب الدين أبو العباس أحمد بن يوسف بن محمد بن مسعود الشافعي الحلبي (٢)، وهو معروفٌ شُهْرَةً بالنحوي، ومعروفٌ أيضًا بالسمين.
نشأ في حلب، ونزل في القاهرة، وقرأ على بعض شيوخه في الإسكندرية، وسمع من بعضهم في الحرم النبوي وفي مدينة الخليل (٣).
تبحَّر في النحو ومَهَرَ فيه، وكان فقيهًا بارعًا في التفسير والقراءات.
قرأ النحو على أبي حيان ولازمه كثيرًا، وقرأ القراءات على التقي ابن الصائغ وأحمد بن محمد بن إبراهيم العشاب، وسمع الحديث من يونس الدبابيسي.
تولَّى عدة وظائف في القاهرة، منها الإقراء في جامع ابن طولون، والتدريس في جامع الشافعي، والقضاء، ونظارة الأوقاف.
ألَّف في علوم القرآن في التفسير والغريب وأحكام القرآن وإعرابه والقراءات، وألَّف في النحو والأدب، وفيما يأتي تفصيل أبرز مؤلفاته:
١) كتاب التفسير الكبير، في عشرين مجلدًا، ذكر ابن حجر أنه رآه بخط يده (٤)، وقد سمى المؤلف الكتاب وأحال إليه في مواضع كثيرة في الدر المصون وأشار إليه في مقدمة كتاب القول الوجيز (٥)، فيُحتمل أن هذا الكتاب في التفسير قد ألَّفه قبل الدر المصون والقول الوجيز، وهناك احتمالٌ أن يكون ألَّفه معهما في وقت واحد، لأنه ذكر فيهما أنه في طور إعداده، فيكون بدأ بالتفسير الكبير، ثم استمر عليه بإصلاحه وتكميله (٦).
стр. 17
٢) كتاب البحر الزاخر في التفسير، سماه المؤلف وأحال إليه في عمدة الحفاظ (١)، وهذا الكتاب ليس له ذكرٌ عند المتقدمين ممن ترجم للسمين الحلبي، ويحتمل أنه عين كتاب التفسير الكبير.
٣) كتابٌ الفضل العميم في تفسير القرآن العظيم، سماه المؤلف وأحال إليه في العقد النضيد (٢)، وأكثر الذين ترجموا للسمين الحلبي من المتقدمين والمعاصرين لم يذكروا هذا الكتاب من ضمن كتبه، ويحتمل أنه عين كتاب التفسير الكبير، كما أشار إليه أحد المحققين (٣).
٤) كتاب القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز، وسيأتي الكلام عنه.
٥) كتاب الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، وهو في إعراب القرآن وما يتصل به، ألَّفه في حياة شيخه أبي حيان، وناقشه فيه مناقشات كثيرة استحسنها أهل العلم (٤).
٦) كتاب العقد النضيد في شرح القصيد، وهو شرحٌ على الشاطبية لم يُسبق إلى مثله كما ذكر ابن الجزري (٥)، وقد ألَّفه بعدما صنَّف الدر المصون (٦).
٧) كتاب عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ، وهو في شرح غريب القرآن، وهو من آخر ما كتب السمين الحلبي، لأنه أحال فيه إلى أكثر كتبه الأخرى (٧).
٨) كتاب الشرح الكبير للتسهيل، وهو شرح موسَّع على كتاب تسهيل الفوائد لابن مالك، سماه المؤلف وأحال إليه في الدر المصون وفي العقد النضيد (٨).
стр. 18
٩) كتاب إيضاح السبيل إلى شرح التسهيل، وهو الشرح المختصر على كتاب تسهيل الفوائد لابن مالك (١).
١٠) كتابٌ في شرح قصيدة النابغة (٢).
١١) كتابٌ في شرح قصيدة كعب بن زهير ﵁ (٣).
والسمين الحلبي تابعٌ في الاعتقاد لمذهب الأشاعرة كما صرَّح بذلك (٤)، وله أقوالٌ يوافق فيها أهل السنة والجماعة من حيث الأصل، كما في مسألة زيادة الأيمان ونقصانه (٥).
وأما في الفقه فإنه شافعي المذهب، وينسب نفسه إلى الشافعية (٦).
قال عنه الإسنوي في طبقات الشافعية: "كان خيِّرًا ديِّنًا" (٧).
وقال ابن الجزري: "إمامٌ كبير" (٨).
توفي ﵀ في سنة ست وخمسين وسبعمائة من الهجرة.
стр. 19
ثانيا: التعريف بكتاب القول الوجيز:
جاء تحقيق هذا الكتاب في إحدى وعشرين رسالة علمية في الجامعة الإسلامية؛ ست منها في الماجستير، والبقية في الدكتوراه، يضاف إليها بحث محَكَّم في تحقيق جزء منه في مجلة تبيان للدراسات القرآنية (١)، هذا غير الأجزاء المفقودة والتي لم تُحقَّق بعد، وقد اعتمد البحث هنا في هذه الرسالة على هذا التحقيق.
وبالرجوع إلى ما ذكره السمين الحلبي في مقدمة كتاب القول الوجيز (٢)؛ يمكن أن نستنبط مما قاله أهم النقاط في التعريف بالكتاب، وهي النقاط الآتية:
١) اسم الكتاب كاملًا: قال ﵀: (وسميتُه: القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز).
٢) نسبة الكتاب إلى السمين الحلبي: حيث أشار ﵀ في المقدمة إلى بعض كتبه الأخرى، كالدر المصون وكتابه في التفسير، وسيأتي نصُّه في ذلك في الفقرات الآتية.
٣) سبب تأليف الكتاب: حيث ذكر ﵀ أبرز الكتب في أحكام القرآن، ثم قال: (والذي حملني على هذا التصنيف مع ما رأيته من الكتب المذكورة آنفًا أني لم أرَ أحدًا من أصحاب الشافعي سلك هذا المسلك إلا إلكيا الطبري، إلا أنه كما نبهتك عليه لم يستوفِ مسائله، وأغفل كثيرًا من الأحكام المهمة، تعرَّض لها غيره، ورأيت غيرَه من المالكية والحنفية قد أوسع عبارته، وردَّ عليه بعضَ دلائله).
٤) الأصل الذي بُني عليه الكتاب: قال ﵀: (ووضعتُ هذا الكتاب ناقلًا فيه مذاهب العلماء الأُوَل … وناقلًا مذهب الشافعي في المسألة؛ صحيحةٍ وغير صحيحة، مُحررًا لذلك من الأمهات، وأذكرُ أيضًا الناسخ والمنسوخ … وكذلك أذكر العام والخاص والمطلق والمقيَّد، والمُجمَل والمُبين، والظاهر والمؤول … وأذكر حدود هذه الأشياء في مقدِّمةٍ تعرِّفه. كل هذا التصنيف ليكفي الناظر فيه، ولا يحوجه إلى غيره، وأذكر أيضًا حدَّ الحُكْم عند أهل السنة وأقسامه، ومادة لفظ (القرآن)، فإن الكتاب مُترجمٌ بذلك. وأما ما يتعلَّق بلُغاته واشتقاقه وتصريفه وإعرابه ومعانيه وبيانه وبديعه مما تعلَّق بعلم نظم القرآن فإني لم أتعرَّض لشيءٍ من ذلك في هذا الكتاب استغناءً بكتابٍ وضعته في هذه
стр. 20
العلوم، سميته بالدر المصون في علوم الكتاب المكنون، وأما ما يتعلَّق بتفسيره مِنْ ذِكْر قصصٍ وأخبارٍ فاستغنيت عن ذِكْره هنا بكتابٍ شرعت فيه مستوفيًا لفوائدَ جليلةٍ أرجو من الله الكريم إتمامه، وأذكر في هذا الكتاب في أول كل سورة كونها مكية أو مدنية، وعدد آياتها، وما ورد في فضلها من حديثٍ صحيحٍ أو ما يقاربه).
٥) ترتيب تأليف كتاب القول الوجيز بين كتب السمين الحلبي الأخرى: مما ذكره السمين الحلبي أخيرًا يتبيَّن أنه ألَّف هذا الكتاب أثناء شروعه في تأليف كتابه الكبير في التفسير، والظاهر مما ذكره أيضًا أنه ألَّفه بعد الفراغ من كتاب الدر المصون، ويُحتمل أنه ألَّف هذه الكتب جميعًا في وقت واحد، كما تقدَّم عند التعريف بكتابه في التفسير (١).
وقد سار السمين الحلبي في بداية كتابه على الأصل الذي ذكره في المقدِّمة، وبدأ بسورة الفاتحة وجعل الحديث عنها في ستة فصول، ثم سورة البقرة، واقتصر فيها على آيات الأحكام، يجعل أحكام الآية في عدة مسائل، يتكلم عن كل مسألةٍ على حدة، لكن عند سورة آل عمران تغيَّر منهج المؤلف في الأجزاء التي حُققت في الجامعة الإسلامية، وصار المنهج فيها هو منهج التفسير للآيات كلها، حسب ما أفاده أحد المحققين (٢)، ويمكن تلخيص منهج التفسير هذا في النقاط الآتية (٣):
١) يبدأ السمين الحلبي تفسيرَ الآية ببيان وجه مناسبتها لما قبلها.
٢) يذكر المعنى الإجمالي للآية أو أهمَّ المسائل في تفسيرها.
٣) يذكر أسبابَ النزول للآية والأحداثَ المرتبطة بالآية من السيرة النبوية.
٤) يذكر التفسير بالمأثور.
٥) يذكر القراءات المتواترة والشاذة في الآية وتوجيهها.
٦) يتناول المباحث النحوية بكثيرٍ من الإسهاب كما فعل في الدر المصون، بل إن كثيرًا من تلك المباحث يشبه ما في الدر المصون ويزيد عليه.
٧) يشرح الغريب ويذكر أبرز المسائل الصرفية والبلاغية في الآية.
стр. 21
٨) يذكر المسائل في الاعتقاد ويرد على المخالفين لمذهبه الأشعري.
٩) يذكر أبرز المسائل الفقهية ومذهب الشافعية فيها.
وهنا يَرِد التساؤل عن سبب التغيُّر في الكتاب عند سورة آل عمران عمَّا سبق في سورة الفاتحة والبقرة، فيُحتمل أن المؤلف غيَّر منهجه في الكتاب وجعله شاملًا للتفسير والأحكام، لكن يُشكِل على هذا الاحتمال ما ذكره في المقدمة (١) من وجهين:
• الأول: أنه لم يستحسن المؤلفات التي خلطت علم أحكام القرآن بالعلوم الأخرى من علوم القرآن، فذكر أن علم أحكام القرآن هو آكد علوم القرآن ثم قال: (وقد وضع الناس في ذلك تصانيف، وألَّفوا فيه تآليف، إلا أنها مختلطة بغيره من علومه، كذكر القصص والأخبار، والإعراب والتصريف واللغات، وعلم المعاني والبيان، فيعسُر على الناظر تطلُّبها وإخراجها من مظانها).
• الثاني: أنه ذكر في المقدمة أنه لم يتعرَّض لشيءٍ من المباحث في لغة القرآن استغناءً بالدر المصون، وأنه استغنى بكتابه الذي في التفسير عن ذكر تفسير الآيات وما فيها من القصص والأخبار، ويُحتمَل أنه ذكر هذا بعد الفراغ من الكتاب، كما هو الظاهر من قوله: (فإني لم أتعرَّض لشيءٍ من ذلك في هذا الكتاب)، ويُحتمل أنه وعدٌ منه أثناء تأليفه للكتاب.
وقد أوصى أحد محققي الكتاب بالنظر في أسباب التحوُّل الكبير من المنهج الذي سار عليه السمين الحلبي في أول الكتاب إلى هذا المنهج في التفسير، وهل هذا تحوُّل طبيعي أم أنه لأجل أسبابٍ أخرى (٢).
وقد ظهر لي أثناء بحثي في سورة آل عمران أن مادة الكتاب فيها تغيَّرت عن مادة الكتاب في سورة الفاتحة والبقرة، فيُحتمَل أن يكون السمين الحلبي قد قصد تضمين كتاب القول الوجيز مادةً أخرى من كتابٍ آخر له، لأجل أن يتمم بها الكتاب ويكَمِّله، ويُحتمَل أن تكون النسخة الوحيدة التي اعتُمد عليها في التحقيق عند سورة آل عمران قد حصل فيها الخلط بكتابٍ آخر للسمين الحلبي، ككتابه في التفسير.
стр. 22
والذي يدل على تغيُّر مادة الكتاب ثلاثةُ أمور:
١) أنه يحيل في تفصيل المسائل إلى أول الكتاب، يشير فيه في الغالب إلى موضعٍ يحدده من سورة البقرة، يذكر أنه قد تقدَّم الكلام عن المسألة هناك، ثم ترجع إلى ذلك الموضع فلا تجده يتطرَّق أبدًا إلى المسألة التي أحال إليها، ويبعد أن يجري مثل هذا الذهول على السمين الحلبي، إلا أن الأمر قد تكرر في مواضع كثيرةٍ من الكتاب، وقفت منها على أربعة عشر موضعًا، يذكر فيها المحققون أنهم لم يقفوا على ما أحال إليه (١).
٢) أنه في سورة النساء قد أشار إلى بعض أحكام قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، ثم قال: "وقد طوَّل الرازي كلامه في هذه الآية واستنبط منها أحكامًا أخرى استغنينا عن ذكرها بكتابنا الموضوع في الأحكام" (٢)، ولا يُعرف للسمين الحلبي كتابٌ في الأحكام غير كتاب القول الوجيز، فكيف يحيل في كتابه القول الوجيز إلى كتابٍ له في الأحكام؟
٣) أنه عند قوله تعالى ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢] أشار إلى الحكمة من إنزال القرآن منجمًا ثم قال: "وكان جبريل كل سنة يعارضه القرآن ويدارسه إياه في شهر رمضان، وفي السنة التي توفي فيها ﵇ عارضه فيه مرتين، وفَهِم ﷺ من ذلك قُرْب أجله، وأخبر به أصحابه، وقد بيَّنت ذلك في أول هذا الكتاب في باب يخصُّه، ولله الحمد" (٣)، وقد أوضح السمين الحلبي في مقدمة القول الوجيز أن المقدمة تشتمل على ثمانية فصول، وذكرها كلها ولم يذكر فيها أيَّ شيءٍ يتعلق بنزول القرآن أو معارضته (٤).
стр. 23
وقد ذكر المحققون للكتاب في سورة آل عمران المصادرَ التي يرجع إليها السمين الحلبي، وأبرزها ثلاثة مصادر، هي البحر المحيط في التفسير لشيخه أبي حيان، والمحرر الوجيز لابن عيطة، والكشاف للزمخشري (١).
ويذكر أقوال شيخه أبي حيان في أكثر المسائل ويتعقبها بالشرح والبيان، وبالتأييد أو الاستدراك، وينقل ردود أبي حيان على الزمخشري، ثم يوافقه في رده أو يخالفه، ويمكن أن يقال بأنه من أفضل المصادر التي تعقبت تفسير البحر المحيط لأبي حيان بالكامل، لأنه يكاد يترك ما قرَّره شيخه في جميع الأبواب إلا ويذكره ثم يتعقبه بعد ذلك.
وقد تميَّز الكتاب بعدة أمور:
١) المنهج الشامل الذي انتهجه المؤلف، من التطرُّق إلى المسائل اللغوية والإعرابية والبلاغية في تفسير الآية، فشمل الكثير من علوم القرآن (٢).
٢) التنوُّع في عرض المسائل، كالمخاطبين بالآية وأسباب النزول والمعنيين بالآية، والكلام عن عموم ألفاظ الآية وخصوصها، حتى إنه يتعرَّض لمسائل في التجويد وطريقة النطق بالآية، ومسائل في رسم المصحف.
٣) أن هذا الكتاب من أوسع الكتب التي حُققت للسمين الحلبي، وفيه من التفصيل ما لم يذكره في بابه من الكتب الأخرى، في الدر المصون ولا العقد النضيد، فذكر مسائلَ في الإعراب واللغة لم يذكرها في الدر المصون (٣)، ومسائلَ أخرى ذكر ترجيحها هنا ولم يرجِّح فيها شيئًا في الدر المصون (٤)، ومسألةً اختلف فيها ترجيحه هنا عما في الدر المصون (٥).
٤) الدقة والترتيب في عرض المسائل في تفسير الآية، فيبدأ في الغالب بالكلام عن مناسبة الآيات لما قبلها، ثم التعليق على ما ذُكر في سبب نزولها، ثم يبين معاني
стр. 24
كلماتها إفرادًا وتركيبًا، ويذكر التفصيل في وجوه إعرابها، مع الكلام عما يُشكل في صرفها، والإشارة إلى الخلاف في نطق ألفاظها عند القراء، وبيان كيفية ذلك ووجهه في اللغة.
وأما عن أثر هذا الكتاب على من أتى بعد السمين الحلبي، فلم أقف فيما بحثت فيه من المسائل أن أحدًا من العلماء قد نقل ما قاله هنا أو تعقَّبه، ولم يذكر المحققون ذلك، وإنما يتعقَّب أهل العلم ما ذكره في الدر المصون نظرًا لشهرته، والله الموفق.
стр. 25
الفصل الأول منهج السمين الحلبي في الترجيح
وفيه خمسة مباحث:
• المبحث الأول: التعريف بالترجيح، وبيان ما يدخل فيه وما لا يدخل فيه.
• المبحث الثاني: ألفاظ الترجيح عند السمين الحلبي.
• المبحث الثالث: طريقة السمين الحلبي في الترجيح.
• المبحث الرابع: قواعد الترجيح عند السمين الحلبي.
• المبحث الخامس: ما تميَّز به السمين الحلبي في الترجيح والتضعيف ومناقشة الأقوال.
стр. 26
المبحث الأول: التعريف بالترجيح، وبيان ما يدخل فيه وما لا يدخل فيه.
وفيه ثلاثة مطالب:
• المطلب الأول: معنى الترجيح في اللغة.
• المطلب الثاني: معنى الترجيح في الاصطلاح.
• المطلب الثالث: بيان ما يدخل في الترجيح وما لا يدخل فيه.
стр. 27
المطلب الأول: معنى الترجيح في اللغة:
الترجيح في اللغة مصدر (رجَّح)، وأصل المادة يدل على الرزانة والزيادة، كما ذكر ابن فارس، وقال: "رجح الشيء وهو راجح، إذا رزن" (١)؛ أي: ثقُل، فالرزانة يُراد بها الثِقَل (٢)، وكذلك معنى الزيادة الذي في الترجيح يمكن أن يُقيَّد بالثِّقَل، يقال: رحى مرجحنَّة، ويُراد بها السحابة المستديرة الثقيلة (٣)، وذلك بسبب زيادة الماء فيها فتثقُل، ويقال: جِفانٌ رُجُح؛ أي: مملوءة من الثريد واللحم (٤)، فتثقل بسبب ذلك.
والترجيح يستعمل في الموازين غالبًا فالثِّقَل فيه مُعتبَرٌ؛ تقول: رجحتُ بيدي شيئًا؛ أي: وزنته ونظرت ما ثِقلُه (٥)، والراجح هو الوازن الذي يزن الأشياء (٦).
وقد يُطلَق الرجحان في وصف ميلان الشيء واهتزازه بسبب ثقله، يقال: أرجحتُ الميزان؛ أي: أثقلته حتى مال (٧)، ومن ذلك الأرجوحة، لأنها تتمايل بسبب ما تثقل به، وارتجاحُ الإبل، وهو اهتزازها إذا مشت، لأنها تترجح وتترجح أحمالها؛ أي: تتمايل (٨)، ولعله لأجل هذا قيل في الترجُّح أنه التذبذبُ بين شيئين (٩).
وقد يُطلَق الثِّقَل مجازًا في الرجحان فيقال: قومٌ رُجَّح؛ أي: حلماء، وذلك لأن الحِلم يُوصف بالثقل، كما يُوصف ضده بالخفة والعَجَل (١٠).
من هذا يُستنبط أن الأمر الراجح يتضمن معنى الزيادة، وليست الزيادة مبنية على مجرد الكثرة، بل الزيادة التي يثقل بها الشيء ويتميز عن غيره عند الموازنة، والذي يبين هذه الزيادة هو الترجيح، وذلك بالموازنة بين الأشياء والنظر في ثقل كل واحد منها ومقارنته بغيره، فتتمايل
стр. 28
الأشياء عند تلك الموازنة، فأيها رزن واستقر فهو الراجح.
وبهذا يُعرف معنى الترجيح في اللغة أنه إظهار زيادة الموزون وفضله على غيره (١).
стр. 29
المطلب الثاني: معنى الترجيح في الاصطلاح:
تعددت العبارات في تعريف الترجيح، فبعضها يعتمد على فعل المُرجِّح الناظر في الأدلة، وبعضها يُظهِر معنى الرجحان الذي هو وصفٌ قائمٌ بالدليل أو مضافٌ إليه، فيكون الظن المستفاد منه أقوى من غيره (١).
فمن الأول قولهم: "الترجيح هو تقوية إحدى الأمارتين على الأخرى لدليل" (٢)، وقولهم: "هو بيان القوة لأحد المتعارضين على الآخر" (٣).
ومن الثاني قولهم: "الترجيح هو اقتران الأمارة بما تقوى به على مُعارِضها" (٤)، وقولهم: "هو ما أيّد به العلة والخبر إذا قابله ما يعارضه" (٥).
وهذه العبارات غالبها مأخوذ من الأصوليين في تعاملهم مع الأقوال الفقهية التي يظهر منها التعارض، ولم يكن للمفسرين تعريفٌ محددٌ للترجيح، مع أنهم عملوا به في الأقوال التفسيرية، وخصَّص بعض المعاصرين الترجيحَ عند المفسرين بأنه "تقوية أحد الأقوال في تفسير الآية على غيره لدليلٍ أو تضعيف ما سواه من الأقوال" (٦).
ويظهر من العبارات كلها أن القولَ الراجح هو ما حظي بالقوة والتأييد، ويبقى الأمر في الترجيح هل هو تقويةٌ له على الحقيقة أو بيانٌ لتلك القوة، فالذي يظهر أن المُرجِّح لا يُكسِب القولَ قوةً، لأن قوةَ القول موجودةٌ فيه أصالةً، وإنما يُظهِر فضلَ قوته على غيره من الأقوال، وتبيينُ الحقيقة في التعريف أولى من التجوُّز في العبارة.
ثم بالنظر في التعريف الأخير المختص بعلم التفسير، نجد أنه يرِد عليه أمرٌ لا يدخل في الترجيح، وهي مسألة الرد على التفاسير المخالفة، فإن الذي يذكر التفسير الصحيح للآية ويُظهِر قوَّته ثم يتعرَّض للتفاسير المبتدعة ويبيِّن ضعفها لا يسمى فِعلُه ترجيحًا، بل تقريرًا، فالترجيح إنما يقع بين الأقوال المتقاربة في القوة، المتوافقة فيما بينها على أصلٍ من الأصول
стр. 30
المعتبرة، وأما الأقوال المتنافرة المتباينة فلا موازنة بينها حتى يقال بالترجيح، وإنما المقام مقامُ إثباتٍ وتقريرٍ للقول الصحيح، وردٍّ للأقوال الباطلة، وهذه المسألة تظهر جليَّةً في الأمور العقديَّة التي قد تقرَّر فيها القول المعتمد عند المفسِّر من قبل، فإذا تعرَّض للأقوال المخالفة له فهو لا يطلب الترجيح، فينبغي إضافة قيد التقارب بين الأقوال في تعريف الترجيح (١).
وأمرٌ آخر في التعريف أنه أفاد أن الترجيح يقع بأحد أمرين، إما تقوية القول الراجح على غيره أو تضعيف ما سوى القول الراجح من الأقوال، لكن لم يذكر الأصل الجامع لهذين الأمرين، وبالرجوع إلى معنى الترجيح في اللغة يتبيَّن أن الأصل الذي يجمع بينهما هو الفضل، لأن الترجيح مبنيٌ على الزيادة والفضل، فالذي يذكر قولًا في التفسير ثم يضعِّف ما سواه من الأقوال قد أنبأ عن فضل ذلك القول.
ويتبين أيضًا من معنى الترجيح في اللغة أن الترجيح يُعرَّف بحسب فعل المُرجِّح لا بحسب معنى الرجحان، لأن الترجيح مصدر للفعل (رجَّح).
وعليه فقد ظهر لي أنه يمكن تعريف الترجيح عند المفسرين بأنه بيان فضل قولٍ في التفسير على ما يقابله بذكر ما يقوِّيه أو يضعِّف ما عداه.
فالمراد بالمقابلة: الأقوال الجارية على الأصول المعتبرة في التفسير عند المُرجِّح، ثم يبقى بيان أوجه القوة والضعف للأقوال في التفسير خاضعًا لأصول التفسير وقواعد الترجيح عند المفسرين في العموم، وقواعد الترجيح عند كل مفسر بحسبه (٢).
стр. 31
المطلب الثالث: بيان ما يدخل في الترجيح وما لا يدخل فيه:
ومِن شرح التعريف السابق الذي توصَّلتُ إليه (بيان فضل قولٍ في التفسير على ما يقابله بذكر ما يقوِّيه أو يضعِّف ما عداه) يمكن تبيين ما يدخل في الترجيح وما هو خارجٌ عنه، وذلك بتحليل الكلمات على النحو الآتي:
١) معنى "بيان فضل قولٍ في التفسير"
يدخل فيه مطلق التفضيل، سواء مع تضعيف الأقوال الأخرى أو تصويبها، وعلى هذا فالترجيح يدخل فيه الاختيار الذي عُرِّف بأنه الميل إلى أحد الأقوال في تفسير الآية مع تصحيح بقية الأقوال. فبين الترجيح والاختيار عمومٌ وخصوصٌ، فكل اختيارٍ ترجيحٌ لا العكس، لأن الترجيح يشمل الاختيار وغيره (١).
ويدخل في هذا أيضًا مطلق الأقوال المتعلقة بالتفسير، سواء كانت تفسيرًا مباشرًا للآية، أو كانت في إعراب القرآن أو بلاغته أو نحو ذلك من علوم القرآن، إذا ظهر لها أثر في معنى الآية وتفسيرها، وسواء كان تفسيرًا تفصيليًا لآيةٍ واحدةٍ أو إجماليًا لعدة آيات.
٢) معنى "على ما يقابله"
أي: على جميع الأقوال التي تقاربه وتوافقه في الآية، ففيه بيان أن مجرَّد تفضيل القول من غير موازنته ببقية الأقوال لا يسمى ترجيحًا، فلو كان في الآية أربعة أقوال، ثم جرت الموازنة بين القول الثاني والقول الثالث، وفضَّل المفسِّر القولَ الثاني على الثالث، فإن هذا التفضيل لا يُعَدُّ ترجيحًا في تفسير الآية، لأنه لم يتبيَّن فضل القول الثالث على الأول والرابع.
والمراد بالمقابلة التقارب في القوة كما سبق بيانه، ومنه يُعلَم أن العبرة في الترجيح هو تقابل الأقوال في القوة، سواء كانت متشابهةً في المعنى أو مختلفة، فالأقوال المتشابهة في المعنى -وإن أمكن الجمع بينها- إذا اختار المفسر منها قولًا وفضلَّه على البقية، فإن هذا يسمى ترجيحًا.
٣) معنى "بذكر ما يقوِّيه أو يضعِّف ما عداه"
هذا فيه بيان ما يكون به الترجيح، فإما أن يكون بذكر ما يقوي القولَ في التفسير أو
стр. 32
بذكر ما يضعِّف باقي الأقوال التي ذكرها المفسر، ولا يشترط في ذلك الاستدلال، بل لو عرض المفسر الأقوال ثم خصَّ أحدها بلفظ من ألفاظ الترجيح لكان ذلك ترجيحًا بلا شك.
стр. 33
المبحث الثاني: ألفاظ الترجيح عند السمين الحلبي
وفيه مطلبان:
• المطلب الأول: ألفاظ التقوية عند السمين الحلبي
• المطلب الثاني: ألفاظ التضعيف عند السمين الحلبي
стр. 34
المطلب الأول: ألفاظ التقوية عند السمين الحلبي:
ألفاظ التقوية هي الألفاظ التي يستخدمها المفسر في بيان قوةِ أحدِ الأقوال في التفسير، ويمكن أن تدل بمفردها على الترجيح، كأن تكون بصيغة التفضيل (كقولهم: وهذا أقوى الأقوال) أو صيغة القصر (كقولهم: وهذا هو القول الصحيح)، فتكون من المرادفات للفظ الترجيح، ويمكن أن يدل اللفظ على مجرَّد التقوية، ثم قد يدل السياق على تفضيل هذا القول على غيره، فيكون هو القول الراجح، وقد لا يدل، كأن يذكر ما يقوِّي الأقوال الأخرى في المسألة، أو يكون في بقية كلامه ما يشير إلى تساوي الأقوال في القوة والاعتبار بها جميعًا، أو تكون المسألة من عدة أقوال، وتكون الموازنة فيها بين قولين فقط.
وهذه الألفاظ منها ما هو دارجٌ عند كثيرٍ من المفسرين، ومنها ما يختص به مفسرٌ معيَّنٌ أو مدرسةٌ معيَّنةٌ في التفسير، وبالاستقراء ظهرت لي مجموعةٌ من الألفاظ التي يستخدمها السمين الحلبي في تقوية الأقوال، بعضها من ألفاظ التقوية العامة بين المفسرين، وبعضها خاصٌّ غير شائعٍ بين المفسرين.
والمقصود هنا هو اللفظ الذي يُوصف به نفس القول ليدلَّ على قوَّته، وأما الكلامُ عن معنى هذا اللفظ ودلالاته، والكلامُ عن القرائن التي تدل على الترجيح (كأن يقول: وهذا أوفق مع السياق، أو وهذا قول أكثر النحويين والمفسرين)، فهذا يكون ذِكْرُه عند طُرق الترجيح وقواعده.
والألفاظ التي يستخدمها السمين الحلبي في التقوية هي كما يأتي:
١) وصف القول بأنه (الظاهر) أو (الأظهر):
وهما من أكثر الألفاظ التي يُعبِّر بها عن الترجيح، وسيتضح هذا في كثير من المسائل في الفصل الآتي، ومن الأمثلة في ذلك ما ختم به أحد المسائل بقوله: "وبالجملة، فالقول الأول هو الظاهر" (١)، وقوله أيضًا: "وقوله ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ [آل عمران: ١٥٧] فيها وجهان أظهرهما أنها مبتدأ … والثاني أنها خبر مبتدأ مضمر … وهذا غير ظاهر فالأول الوجيه" (٢).
стр. 35
٢) وصف القول بأنه (حسن) أو (الأحسن):
وهذا كثير، ومن الأمثلة في ذلك قوله بعدما نقل كلام شيخه أبي حيان: "وهو بحث حسن" (١)، وقوله بعدما نقل الوجه البلاغي عن الزمخشري: "وهو حسنٌ جدًّا" (٢)، وقوله: "فالأحسن حينئذ أن تكون هذه الجملة استئنافية" (٣)، وقوله في إجابة أحد الإشكالات: "فيُجاب بما قدمناه من المغايرة، وهو أحسن مِنْ قولِ مَنْ قال إنه جُمع بينهما تأكيدًا" (٤).
٣) وصف القول بأنه (أولى) أو (الأَولى):
ومثاله قوله في الموازنة بين تقديرين في الآية: "والتقدير الأول أولى" (٥)، وقوله في ترجيح أحد الأقوال: "والأَولى حملُ ذلك على التمثيل" (٦)، وكذلك قوله: "والأَولى حملُ اللفظ على عمومه" (٧).
٤) وصف القول بأنه (الوجيه) أو (الأوجه):
وفيه المثال السابق في قوله: (فالأول الوجيه)، وأيضًا قوله ﵀: "وفي انتصاب ﴿ثَوَابا﴾ [آل عمران: ١٩٥] ثمانية أوجه، أوجهها أنه منصوب على المصدر" (٨).
٥) وصف القول بأنه (الصحيح):
قال في تفريع أحد المسائل: "ولكن حذف أحد مفعولَي (ظنَّ) اختصارًا فيه خلاف، والصحيح جوازه" (٩).
٦) وصف القول بأنه (أقرب إلى الصواب):
ومثاله موازنتُه بين قولين لشيخه أبي حيان، فاستحسن القول الثاني منهما وقال: "وهو
стр. 36
أقرب من قوله الأول إلى الصواب" (١).
٧) وصف القول بأنه (المشهور):
قال ﵀ في لفظة (كأين): "واختلف الناس فيها؛ هل هي مركبة أم بسيطة، والمشهور أنها مركبة" (٢)، وقال في قوله تعالى ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]: "واختلف الناس في هذه الآية أيضًا بالنسبة إلى العموم في الأحوال والأمكنة، والمشهور أن ذلك مخصوصٌ عند القاضي حاجته" (٣).
٨) وصف القول بأنه (أيسر):
قال ﵀ في الموازنة بين تقديرين في الآية: "وهذا أيسر، لعدم الاحتياج إلى التأويل" (٤).
٩) بيان أن القول مُعتبَرٌ عنده بقوله: (وعندي):
وذلك مثل قوله: "وعندي أنه يجوز أن تكون اللام مزيدة" (٥).
стр. 37
المطلب الثاني: ألفاظ التضعيف عند السمين الحلبي:
بضِدِّ ما سبق من ألفاظ التقوية تتبيَّنُ ألفاظ التضعيف عند السمين الحلبي، فربما وصف القول الضعيف بأنه (غير ظاهر) أو (غير وجيه) ونحو ذلك، وربما وصفه بأوصافٍ أخرى تدل على التضعيف، وهذه الألفاظ لا بد معها من الاستقراء التام للمسألة وسياقها، حتى يُعرَف القول الفرد الذي لم يضعِّفه، فيكون هو القول الراجح.
والألفاظ التي يستخدمها السمين الحلبي في التضعيف هي كما يأتي:
١) وصف القول بأنه (فيه نظر):
وهو أكثر ألفاظ التضعيف فيما وقفت عليه، مِنْ ذلك قوله في الاستدراك على قول شيخه أبي حيان: "وفيه نظر، لأنه لا يليق أن يُخاطب المؤمنون بذلك إلا أن يكون تغليظًا" (١)، وكذلك استدراكه عليه حين ضعَّف قول الزمخشري، فقال: "وفيما ضعَّف به نظر" (٢)، وكذلك قوله بعد أن ذكر أحدَ الأوجه في الإعراب: "إلا أن فيه نظرًا" (٣).
٢) وصف القول بأنه (ضعيف):
ومن ذلك قوله: "و (مَنْ) موصولة، كقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَّيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢]، ويَضعُف أن يكون نكرةً موصوفة" (٤). وتكرَّر مثل هذا المثال في موضع آخر (٥).
٣) وصف القول بأنه (بعيد):
قال ﵀ في تضعيف أحد الأوجه الفرعية في الإعراب: "وهذا بعيدٌ جدًّا" (٦).
٤) وصف القول بأنه (متروك):
قال ﵀ في الاستدراك على القول الظاهر في المسألة: "غير أن هذا الظاهر متروك" (٧).
стр. 38
٥) وصف القول بأنه (لا حاجة إليه):
ومن ذلك قوله بعد أن ذكر تفصيل أحد الأوجه: "ولا حاجة إلى ذلك" (١)، وقال كذلك في تفصيل وجه آخر: "ولا حاجة تدعو إلى مثل ذلك" (٢).
٦) وصف القول بأنه (لا وجه له):
ومن ذلك وجه الإعراب الذي ذكره في قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، فذكر القول الثاني أن (كل) بدلٌ من اسم (إن)؛ قال: "نقله مكي عن أبي الحسن … ولا وجه له" (٣)، وكذلك قوله في أحد الأقوال التي استحسنها شيخه أبو حيان: "ولا وجه لأحسنيته" (٤).
٧) وصف القول بأنه (لا يجوز):
ومن ذلك قوله: "و (مَنْ) موصولة … ولا يجوز أن يكون شرطًا" (٥)، وقوله عن أحد الأقوال: "وهذا ينبغي ألا يجوز" (٦).
٨) وصف القول بأنه (ليس بظاهر):
قال ﵀ في الاستدراك على قول شيخه أبي حيان: "وليس بظاهر، لأن هذه المادة لا تتعدَّى باللام" (٧).
стр. 39
المبحث الثالث: طريقة السمين الحلبي في الترجيح
وفيه مطلبان:
• المطلب الأول: طريقته في تبيين القول الراجح
• المطلب الثاني: طريقته في الموازنة بين الأقوال وترجيح بعضها على بعض
стр. 40
المطلب الأول: طريقة السمين الحلبي في تبيين القول الراجح:
مما سبق في تعريف الترجيح في اللغة والاصطلاح يتبيَّن أن عملية الترجيح تمر بشيئين:
• الأول: الموازنة بين الأقوال، والنظر في أوجه القوة والضعف فيها.
• الثاني: تبيين القول الراجح منها، وإظهار فضله على بقية الأقوال.
والثاني منهما هو الذي لا بد من ظهوره والوقوف عليه لمعرفة القول الراجح، وأما الموازنة بين الأقوال فقد يُظهرها المُرجِّح وقد لا يُظهرها، فيكتفي بإجراء الموازنة بين الأقوال في ذهنه، ثم يبين القول الذي ترجَّح عنده.
فعند دراسة طريقة أحد المصنفين في الترجيح يجدر التنبه للأمرين، ونظرًا إلى أن الأمر الثاني هو الذي يظهر دائمًا في الترجيح، وهو أسهل في البيان من الأمر الأول، فقد اخترت البدء به هنا، وجعلته المطلب الأول.
يسلك السمين الحلبي طرقًا متعددة يمكن من خلالها معرفة القول الراجح عنده، وهذه الطرق منها ما هو ظاهرٌ جَلِي، يتضمَّن ألفاظ الترجيح، مثل تصريحه بالقول الراجح في بداية المسألة (كأن يقول: في المسألة ثلاثة أقوال، أظهرها كذا وكذا)، أو أثناء تعداد الأقوال في المسألة (كأن يقول: والقول الثاني -وهو الظاهر- كذا وكذا)، أو أن يذكر ذلك في آخر المسألة (كأن يقول: والقول الأول هو الصحيح)، فهذه الأمثلة ظاهرة لا تحتاج إلى تفصيل، وقد تقدَّم ذكر شواهدها في ألفاظ الترجيح، لكن الشأن في الطرق التي يسلكها ولا يُصرِّح فيها بألفاظ الترجيح، ويُعلَم من عادته أنها قرائن تدل على تقويته للقول، وتقديمه على غيره، وهي في النقاط الآتية:
أولًا: أن يعتمد على أحد الأقوال في التفسير ثم يذكر الخلاف بعده:
ربما اعتمد السمين الحلبي على معنى القول الراجح في ذكر مناسبة الآية لما قبلها أو في تفسير الآية أو في إعرابها، وهذا إشارةٌ منه إلى ترجيحه لهذا القول، فمن فسَّرَ الآية بقولٍ فهو مختارٌ له (١)، وهذه قاعدة نافعة في معرفة الترجيح إذا لم يكن ظاهرًا من ألفاظ الترجيح؛ أن يُنظَر في كلام المصنف قبل ذكر الخلاف أو بعده، فإن كان معتمدًا على أحد الأقوال التي ذكرها في