← Тафсир

Тафсир · id 1109

ترجيحات السمين الحلبي - من آية 138 سورة آل عمران إلى آخر السورة

عبد الله بن سليمان النملة

Полный текст (376 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أقرب من قوله الأول إلى الصواب" (١). ٧) وصف القول بأنه (المشهور): قال ﵀ في لفظة (كأين): "واختلف الناس فيها؛ هل هي مركبة أم بسيطة، والمشهور أنها مركبة" (٢)، وقال في قوله تعالى ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]: "واختلف الناس في هذه الآية أيضًا بالنسبة إلى العموم في الأحوال والأمكنة، والمشهور أن ذلك مخصوصٌ عند القاضي حاجته" (٣). ٨) وصف القول بأنه (أيسر): قال ﵀ في الموازنة بين تقديرين في الآية: "وهذا أيسر، لعدم الاحتياج إلى التأويل" (٤). ٩) بيان أن القول مُعتبَرٌ عنده بقوله: (وعندي): وذلك مثل قوله: "وعندي أنه يجوز أن تكون اللام مزيدة" (٥).

стр. 37

المطلب الثاني: ألفاظ التضعيف عند السمين الحلبي: بضِدِّ ما سبق من ألفاظ التقوية تتبيَّنُ ألفاظ التضعيف عند السمين الحلبي، فربما وصف القول الضعيف بأنه (غير ظاهر) أو (غير وجيه) ونحو ذلك، وربما وصفه بأوصافٍ أخرى تدل على التضعيف، وهذه الألفاظ لا بد معها من الاستقراء التام للمسألة وسياقها، حتى يُعرَف القول الفرد الذي لم يضعِّفه، فيكون هو القول الراجح. والألفاظ التي يستخدمها السمين الحلبي في التضعيف هي كما يأتي: ١) وصف القول بأنه (فيه نظر): وهو أكثر ألفاظ التضعيف فيما وقفت عليه، مِنْ ذلك قوله في الاستدراك على قول شيخه أبي حيان: "وفيه نظر، لأنه لا يليق أن يُخاطب المؤمنون بذلك إلا أن يكون تغليظًا" (١)، وكذلك استدراكه عليه حين ضعَّف قول الزمخشري، فقال: "وفيما ضعَّف به نظر" (٢)، وكذلك قوله بعد أن ذكر أحدَ الأوجه في الإعراب: "إلا أن فيه نظرًا" (٣). ٢) وصف القول بأنه (ضعيف): ومن ذلك قوله: "و (مَنْ) موصولة، كقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَّيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢]، ويَضعُف أن يكون نكرةً موصوفة" (٤). وتكرَّر مثل هذا المثال في موضع آخر (٥). ٣) وصف القول بأنه (بعيد): قال ﵀ في تضعيف أحد الأوجه الفرعية في الإعراب: "وهذا بعيدٌ جدًّا" (٦). ٤) وصف القول بأنه (متروك): قال ﵀ في الاستدراك على القول الظاهر في المسألة: "غير أن هذا الظاهر متروك" (٧).

стр. 38

٥) وصف القول بأنه (لا حاجة إليه): ومن ذلك قوله بعد أن ذكر تفصيل أحد الأوجه: "ولا حاجة إلى ذلك" (١)، وقال كذلك في تفصيل وجه آخر: "ولا حاجة تدعو إلى مثل ذلك" (٢). ٦) وصف القول بأنه (لا وجه له): ومن ذلك وجه الإعراب الذي ذكره في قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، فذكر القول الثاني أن (كل) بدلٌ من اسم (إن)؛ قال: "نقله مكي عن أبي الحسن … ولا وجه له" (٣)، وكذلك قوله في أحد الأقوال التي استحسنها شيخه أبو حيان: "ولا وجه لأحسنيته" (٤). ٧) وصف القول بأنه (لا يجوز): ومن ذلك قوله: "و (مَنْ) موصولة … ولا يجوز أن يكون شرطًا" (٥)، وقوله عن أحد الأقوال: "وهذا ينبغي ألا يجوز" (٦). ٨) وصف القول بأنه (ليس بظاهر): قال ﵀ في الاستدراك على قول شيخه أبي حيان: "وليس بظاهر، لأن هذه المادة لا تتعدَّى باللام" (٧).

стр. 39

المبحث الثالث: طريقة السمين الحلبي في الترجيح وفيه مطلبان: • المطلب الأول: طريقته في تبيين القول الراجح • المطلب الثاني: طريقته في الموازنة بين الأقوال وترجيح بعضها على بعض

стр. 40

المطلب الأول: طريقة السمين الحلبي في تبيين القول الراجح: مما سبق في تعريف الترجيح في اللغة والاصطلاح يتبيَّن أن عملية الترجيح تمر بشيئين: • الأول: الموازنة بين الأقوال، والنظر في أوجه القوة والضعف فيها. • الثاني: تبيين القول الراجح منها، وإظهار فضله على بقية الأقوال. والثاني منهما هو الذي لا بد من ظهوره والوقوف عليه لمعرفة القول الراجح، وأما الموازنة بين الأقوال فقد يُظهرها المُرجِّح وقد لا يُظهرها، فيكتفي بإجراء الموازنة بين الأقوال في ذهنه، ثم يبين القول الذي ترجَّح عنده. فعند دراسة طريقة أحد المصنفين في الترجيح يجدر التنبه للأمرين، ونظرًا إلى أن الأمر الثاني هو الذي يظهر دائمًا في الترجيح، وهو أسهل في البيان من الأمر الأول، فقد اخترت البدء به هنا، وجعلته المطلب الأول. يسلك السمين الحلبي طرقًا متعددة يمكن من خلالها معرفة القول الراجح عنده، وهذه الطرق منها ما هو ظاهرٌ جَلِي، يتضمَّن ألفاظ الترجيح، مثل تصريحه بالقول الراجح في بداية المسألة (كأن يقول: في المسألة ثلاثة أقوال، أظهرها كذا وكذا)، أو أثناء تعداد الأقوال في المسألة (كأن يقول: والقول الثاني -وهو الظاهر- كذا وكذا)، أو أن يذكر ذلك في آخر المسألة (كأن يقول: والقول الأول هو الصحيح)، فهذه الأمثلة ظاهرة لا تحتاج إلى تفصيل، وقد تقدَّم ذكر شواهدها في ألفاظ الترجيح، لكن الشأن في الطرق التي يسلكها ولا يُصرِّح فيها بألفاظ الترجيح، ويُعلَم من عادته أنها قرائن تدل على تقويته للقول، وتقديمه على غيره، وهي في النقاط الآتية: أولًا: أن يعتمد على أحد الأقوال في التفسير ثم يذكر الخلاف بعده: ربما اعتمد السمين الحلبي على معنى القول الراجح في ذكر مناسبة الآية لما قبلها أو في تفسير الآية أو في إعرابها، وهذا إشارةٌ منه إلى ترجيحه لهذا القول، فمن فسَّرَ الآية بقولٍ فهو مختارٌ له (١)، وهذه قاعدة نافعة في معرفة الترجيح إذا لم يكن ظاهرًا من ألفاظ الترجيح؛ أن يُنظَر في كلام المصنف قبل ذكر الخلاف أو بعده، فإن كان معتمدًا على أحد الأقوال التي ذكرها في

стр. 41

الخلاف، فهذا إشارةٌ منه إلى ترجيحه لذلك القول، ومن أمثلة هذا عند قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئا﴾ [آل عمران: ١٧٦]؛ قال ﵀ في بداية تفسيره لهذه الآية: "وجه مناسبتها لما تقدَّمها أن يُقال: لمَّا نهى المؤمنين عن خوف الكفار وأمرهم بخوفه خاصة عقَّب ذلك بنهيه لرسوله ﵇ بأن لا يحزنه أمرهم ولا يهتم بشأنهم، فإن ما يكيدون به راجعٌ عليهم لا يتعداهم. ومعناه: لا تتوقع خيرًا ولا ضررًا منهم، ولذلك علَّل بقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئا﴾ … وقيل: معناه: لا تهتم بعدم إيمان من لم يؤمن من قومك، فإن ذلك ليس إليك … غير أن هذا التفسير لا يلائمه قوله بعد ذلك: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئا﴾ كل الملاءمة" (١). فيظهر هنا اعتماده على القول الراجح عند ذكر مناسبة الآية لما قبلها، واعتماده عليه في تفسير الآية بعد ذلك. ثانيًا: أن يقدِّم أحد الأقوال عند ذكر الخلاف في المسألة ويبدأ بذكره أولًا: هذه الطريقة اصطلاحيةٌ في الترجيح، فإذا اصطلح المفسِّر على تقديم القول الراجح -سواء ذكر هذا الاصطلاح أو عُرف بالاستقراء- فإن هذا يعتبر في الاعتداد بترجيح القول الذي يُقدِّمه أولًا، سواء نصَّ على ترجيحه أو لا (٢)، والذي يظهر بالاستقراء أن السمين الحلبي يراعي تقديم القول الأول في عرض الأقوال، ويعتبر التقديم إشارة إلى الترجيح، والذي يدل على مراعاته لهذا الاصطلاح أنه يعمل به مع غيره، فقد ذكر مسألةً وذكر القولين فيها ثم قال: "والزمخشري حكى القولين إلا أنه بدأ بالثاني فقال … " (٣)، والذي يظهر في الكشاف أن الزمخشري يرجِّح هذا القول الذي بدأ به، لأنه ذكر وجهه وأجاب عن الإشكال عليه (٤)، وفي

стр. 42

مسألةٍ أخرى حكى القولَ الأول وقال: "وبهذا بدأ الزمخشري" (١)، ولم يظهر في الكشاف ترجيحٌ في هذه المسألة (٢)، لكن تقديم القول إشارة إلى ذلك، كما نبَّه إليه السمين الحلبي في عبارته. والذي يظهر أن يُراعى هذا الأمر مع السمين الحلبي كذلك، فإذا لم يظهر منه ترجيح لأحد الأقوال في المسألة، فإن تقديمه للقول قرينةٌ على الترجيح، لكن لا يُعتمد عليها وحدها، لأنه في بعض الأحيان يُرجِّح القول الثاني أو الأخير، فلا بد لها من قرينةٍ أخرى تعضدها، ومثال ذلك في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]؛ قال ﵀: "واختلف الناس في هذه الآية أيضًا بالنسبة إلى العموم في الأحوال والأمكنة، والمشهور أن ذلك مخصوص عند القاضي حاجته، لا سيما في الكنف المُعدَّة لذلك، ومذهبُ الشافعي أن ذِكْرَ الله في ذلك المكان وفي هذه الحالة حرام … وممن أخذ بظاهر الآية وعمومها: عبد الله بن عمرو وإبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين؛ يجوز أن يُذْكَر الله حتى في هذه الحالة وهذا المكان" (٣)، فتراه هنا قدَّم القول بالتخصيص، ووصفه بأنه المشهور وذكر مذهب إمامه الشافعي الموافق لهذا القول، ثم ذكر القول الآخر ولم يذكر ما يقويه، فدل على ترجيحه للقول الأول. ثالثًا: وصف صاحب القول بما يدل على قوة قوله أو ضعفه: لأن الإشادة بصاحب القول في سياق إيراد قوله تدل على استحسان قوله والميل إليه، ومن ذلك أنه اكتفى في أحد المسائل بنقل قولين في معنى الآية: قول الزمخشري، وقول الشيخ أبي حيان في الاستدراك عليه، ثم ختم المسألة بقوله: "وهذا الذي قاله الشيخ وإن كان رجح اللفظ نقيضه، إلا أن السياق والقرائن يدل على المعنى الذي ذكره المفسرون" (٤)، فتراه هنا يشيد بقول الزمخشري، ويجعل قوله هو قول المفسرين. وفي مقابل ذلك فإن استغراب القول من قائله أثناء إيراد قوله يدل على تضعيف ذلك

стр. 43

القول، ومن ذلك قوله: "وأغرَبَ أبو البقاء فجعل الواو في ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ [آل عمران: ١٤٠] مزيدة" (١). رابعًا: الاستدلال لأحد الأقوال وتوجيهه دون غيره: إن حشد الأدلة لقولٍ واحد في المسألة وإهمال الاستدلال لبقية الأقوال دليلٌ على ترجيح ذلك القول والاعتماد عليه، ومن عادة السمين الحلبي أن يبحث عن الأوجه والأدلة لجميع الأقوال في المسألة ويذكرها، حتى الأقوال التي يضعِّفها (٢)، فإذا اقتصر على قولٍ واحدٍ في الاستدلال والتوجيه دلَّ على أن المعتمد عنده هو هذا القول الذي يستدل له ويوجهه، مثاله ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٨]؛ قال ﵀: "وقد اختلف المفسرون في ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ هنا؛ هل المراد بهم كل كافرٍ أم طائفةٌ مخصوصة؟ فذهب بعضهم إلى العموم، وهو ظاهر الآية؛ قال ابن عطية: «معنى هذه الآية: الردُّ على الكفار في قولهم: إن كوننا ظاهرين مُمَوَّلين أصِحَّةً دليلٌ على رضى الله بحالنا، واستقامةِ طريقتنا عنده، فأخبر الله أن ذلك التأخير والإمهال إنما هو إملاءٌ واستدراجٌ ليكتسبوا الآثام، وقال عبد الله بن مسعود: ما من نفس برَّةٍ ولا فاجرة إلا والموت خيرٌ لها، أما البَرَّة فلِتُسرِع إلى رحمة الله، وقرأ ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨]، وأما الفاجرة فلئلا تزداد إثمًا، وقرأ هذه الآية (٣)» (٤) انتهى. وذهب ابن عباس وآخرون إلى أنها خاصةٌ باليهود والنصارى والمنافقين؛ قال: نزلت في هؤلاء، وجعلها مقاتل في مشركي مكة، وقال عطاء: هي في قريظة والنضير. وقال الزجاج: هؤلاء قوم أعلَم الله نبيه أنهم لا يؤمنون، وليست في كل كافر" (٥). فيظهر هنا أنه أطال النقلَ في بيان معنى القول الأول وتوجيهه، ثم تعرَّض للأقوال الأخرى، ولم يذكر وجهها ولم يستدل لها، فدل على ترجيحه للقول الأول.

стр. 44

خامسًا: الاكتفاء بنقل أقوال غيره في تقوية الأقوال وتضعيفها من غير التعقيب عليها: قد يكتفي السمين الحلبي بالنقل عن غيره في مناقشة الأقوال في المسألة والتعقيب عليها من غير أن يناقش الأقوالَ بنفسه، ويظهر ذلك جليًّا في نقله لردود شيخه أبي حيان على الزمخشري، فإذا نقل حكم غيره على قولٍ في المسألة ولم يُعقِّب عليه فإن ذلك يدل على تبَنيه لذلك الحكم، فإن المعروف عنه أنه لا ينقل القولَ الذي يُنكِره إلا ويُعقِّب عليه، كما سيأتي بيانه فيما تميَّز به في الترجيح والتضعيف ومناقشة الأقوال. ومثال هذه الطريقة قوله ﵀: "وفي ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣] (١) وجهان: أحدهما: أنه عطف على: ﴿صَرَفَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، وبهذا قال الزمخشري كما قدمنا تقريره عنه، وناقشه فيه الشيخ فقال: «وفيه بُعد لِطول الفصل بين المتعاطفين» (٢). والثاني: أنه عطف على: ﴿تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُنَ﴾ [آل عمران: ١٥٣]، فيكون في موضع خفضٍ بإضافةٍ إليه (٣)، وجعل الشيخ هذا هو الظاهر" (٤). فلم يحكم السمين الحلبي هنا على أحد القولين بشيء، وإنما اكتفى بالنقل عن شيخه أبي حيان في تضعيف القول الأول وترجيح القول الثاني، وحين نرجع إلى الدر المصون يظهر لنا أنه يُرجِّح ما رجَّحه شيخه، فإنه قد حكم بنفسه على قول الزمخشري وضعَّفه، فدل على ترجيحه للقول الآخر (٥). سادسًا: تضعيف الأقوال في المسألة سوى قول واحد: تقدَّم بيان هذه الطريقة وأنها أصلٌ مُعتبَرٌ في الترجيح، كما جاءت الإشارة إليها في التعريف الاصطلاحي للترجيح، ومن أمثلتها ما جاء عند قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلا﴾ [آل عمران: ١٤٥]، فقد قال ﵀: "وفي ﴿كَانَ﴾

стр. 45

وجهان: أظهرهما أنها غير مزيدة"، ثم استطرد في تفصيل المسألة ومناقشة الأقوال فيها والرد عليها، ثم ختم بخلاصة ما خرج به في بيان المسألة فقال: "فقد تحصَّل في ﴿كَانَ﴾ ثلاثة أوجه: النقصان والتمام -إذا اعتبرنا ما ذكره الشيخ- والزيادة" (١)، وهذا يدل على ترجيحه للنقصان، فإنه استبعد أنها مزيدة في أول المسألة، ثم استبعد ما ذكره شيخه أبو حيان من أنها تامة أثناء المناقشة، وفي عبارته هنا ما يوحي بذلك، فلم يبقَ إلا وجه النقصان، فهو الراجح عنده.

стр. 46

المطلب الثاني: طريقة السمين الحلبي في الموازنة بين الأقوال وترجيح بعضها على بعض: يسلك السمين الحلبي طرقًا متعددة في الموازنة بين الأقوال وترجيح بعضها على بعض، بناءً على منهجه في تقوية الأقوال وتضعيفها، وقد ظهرت لي من خلال الاستقراء عدة معايير يَزِن بها الأقوال، ويُرجِّح بها بعض الأقوال على بعض، وهذه المعايير منها ما هو متصلٌ بالآية التي ذُكر فيها الخلاف، كظاهر الآية وسياقها ونظمها والمقصود منها والمخاطبين فيها، ومنها ما هو خارجٌ عنها كالآيات الأخرى التي في معناها والأحاديث النبوية وأسباب النزول والمسائل العقدية وقواعد اللغة العربية وشُهْرَة القول وكثرة من قال به. ولا شك أن هذه المعايير بعضها أقوى من بعض، فإذا تعارضت هذه المعايير في نظرِه فإنه يُقدِّم ما هو أقوى عنده، كالمسائل العقدية في مذهبه مثلًا، فهو يُقدِّمها على ظاهر الآية، وكذلك سياق الآية، فإنه يُقدِّمه على شُهْرَة القول وكثرة من قال به. أما أكثر المعايير التي يستخدمها في الموازنة، ويبادر إليها في المناقشة، فهي المعايير المتصلة بالآية، لأنها أول ما يظهر عند تأمل الآية، فكثيرًا ما يُرجِّح بالظاهر من الآية، وكثيرًا ما ينزع من سياق الآية ما يبرهن به على رجحان قوله. وفيما يأتي التفصيل لجميع المعايير التي ظهرت لي بحسب كثرة استخدام السمين الحلبي لها فيما وقفت عليه في البحث: أولًا: الترجيح بالظاهر من الآية: أكثر ترجيحات السمين الحلبي التي وقفت عليها هي من هذا النوع، والترجيحُ بالظاهر أمرٌ شائعٌ بين المفسرين، لكن يحتاج إلى معرفة معنى الظاهر، وذِكْرِ ضابطِ الترجيح به، لأن الترجيح به قد يختلف من مفسِّرٍ إلى آخر، فالظاهر من معنى الآية عند مفسِّرٍ قد لا يكون متفِقًا مع الظاهر من معناها عند مفسِّرٍ آخر (١)، ومن شواهد هذا أن أبا حيان رجَّح أحد الأقوال بالظاهر، ثم تعقَّبه السمين الحلبي، ورجَّح القولَ الذي خلافه بأنه الظاهر (٢).

стр. 47

ومعنى الظاهر عند السمين الحلبي أنه المتبادر إلى الفهم (١)، بحيث لا يحتاج إلى تقديرٍ أو تأويلٍ (٢)، ومثاله عند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٤٣]، حيث قال: "والظاهر أن الرؤية هنا رؤيةُ البصر، ويؤيد ذلك قوله: ﴿وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾، وعلى هذا فلا حاجة إلى حذف. وقيل: هي بمعنى العلم، فيتعدَّى إلى اثنين، فيحتاج إلى تقدير الثاني" (٣). فدل على أنه يقدِّم القول الذي ليس فيه حذفٌ وتقديرٌ ويجعله هو الظاهر، وهذا من حيث العموم، وإلا فإنه قد يترك ما سلم من الحذف ويلجأ إلى التأويل وتقدير محذوف، ثم يجعل ذلك التأويل هو الظاهر (٤). وإن كانت أقوال المسألة كلها فيها حذفٌ وتقديرٌ، فإنه يختار ما كان الحذف فيه أقل، ويجعله أظهر من غيره، ومثاله عند قوله تعالى: ﴿وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٧]، حيث قال: "وقوله ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ فيها وجهان: أظهرهما أنها مبتدأ … والثاني: أنها خبر مبتدأ مُضمَر … وهذا غير ظاهر، فالأول الوجيه، ولا بد في الأول من حذفٍ، وفي الثاني من حذفين" (٥). والظاهر من الآية عنده ليس محصورًا في قولٍ واحد، بل قد يكون في الآية عدة أقوالٍ متقاربةٍ يحكم بأنها الظاهرةُ من الآية، كما في الأقوال التي ذكرها عند قوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٦]، قال فيها: "وهذه أقوالٌ متقاربة، وقال الشيخ: «وكلها تخالف الظاهر، … » (٦) انتهى، وهو حسن إلا قوله أن الأقوال المتقدمة خلافُ

стр. 48

الظاهر، بل هي ظاهر الآية، وإن كان بعضها أقرب من بعض" (١)، فتراه هنا خالف شيخه أبا حيان في قَصْرِ ظاهرِ الآية على قولٍ واحد، ولم يخالف القول الذي استظهره في الآية، بل حسَّنه، وأثبت أن جميع الأقوال هي ظاهر الآية أيضًا، لكن بعضها أقرب من بعض. كما أنه قد يترك الذي يظهر عنده في الآية إذا عارضه ما هو أقوى منه، كما في قوله: "ظاهر الآية في قوله ﴿وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْأخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٥] أنه يُقتصَر به عليه، ولا يُعطى من الدنيا شيئًا، غير أن هذا الظاهر متروك، لأن من أولئك من أتاه الله في الدنيا مالًا كثيرًا" (٢). ومن هذا نستنبط أن قوله "والظاهر" لا يدل بمفرده على الترجيح إلا إذا كان متعلقًا بالقول نفسه على سبيل الحصر أو بصيغة التفضيل، كما تقدَّم في ألفاظ الترجيح (كأن يقول: وهذا هو القول الظاهر، أو وهذا أظهر الأقوال)، أما إذا جعل الظاهر متعلقًا بالآية أو بالخطاب أو بالسياق (كأن يقول: وظاهر الآية كذا وكذا) فإن هذا لا يقتضي الجزم بالترجيح، وإنما يدل على مجرَّد التقوية، وقد يأتي قولٌ آخر أقوى منه فيرجِّحُه عليه، كما في المثال السابق. ثانيًا: الترجيح بسياق الآية: قال العز بن عبد السلام: "السياق مُرشِدٌ إلى تبيين المجملات، وترجيح المحتملات، وتقرير الواضحات" (٣)، فالسياق له أهميته في ترجيح الأقوال المحتملة، ولذلك أخذ به السمين الحلبي في ترجيح الأقوال المُختلَف فيها، ومثاله في قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، في قراءة المبني للمفعول: ﴿قُتِل﴾ (٤) قال ﵀: "واختلف المفسرون في معنى هذه الآية: هل معناها أن الأنبياء قُتلوا، أم أنهم لم يقتلوا، بل قُتل الربيون الذين كانوا معهم؟ والمعنى الأول أليق بالسياق وبحال المخاطبين" (٥).

стр. 49

ويختم بعض المسائل بالترجيح بالسياق كقوله: "إلا أن السياق والقرائن يدل على المعنى الذي ذكره المفسرون" (١). ويَستدِلُّ للمعنى الذي يرجِّحه بسياق الآية، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥]، قال ﵀: "واختلف الناس في هذا التولي؛ هل يوصف بكونه معصيةً أم لا؟ فالظاهر أنه معصية عفا الله عنها لأصحابها … ويدل على ذلك كونه سماه استزلالًا من الشيطان، وبقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾، والعفو إنما يكون -أو يوشك أن يكون- عن ذنب" (٢). ومن الترجيح بالسياق رعاية المناسبات بين الآيات، ومثاله أنه ذكر المناسبة لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، وأن هذه الآية تكملة للسياق في الحديث عن اليهود ومخازيهم، ثم قال: "واختلف الناس في المراد بهذه الآية، والظاهر أنهم اليهود الذين كتموا صفة رسول الله ﷺ ، وعليه تنطبق المناسبة المذكورة" (٣). ثالثًا: الترجيح بالنظر إلى انتظام الألفاظ في الآية: يراعي السمين الحلبي انتظام الألفاظ والجُمل في الآية، ويحرص أن تكون المعاني متناسبة مع نظم القرآن الجليل الشريف، فتراه يستبعد المعاني التي تُخِلُّ بتسلسل الآية ولا تجعل للَّفظ بلاغةً في المكان الذي هو فيه، ويظهر هذا حين يكون النظم محتاجًا إلى تقدير المعنى، فإنه في هذه الحالة لا ينظر إلى المعنى المقدَّر فقط، بل ينظر كذلك إلى مواقع الألفاظ وتسلسل الجُمَل وترابطها، ومن ذلك قوله في أحد التقديرات التي فيها الربط بين الألفاظ البعيدة عن

стр. 50

بعضها: "وهذا وإن كان جائزًا في المعنى إلا أن فيه بُعدًا لطول الفصل بين العامل والمعمول" (١)، فلما كان المعنى المقدَّر ضعيفًا في الربط بين الألفاظ مُخِلًّا بتسلسل الجُمل استبعده، وأشدُّ من ذلك إذا كان المعنى المقدر لا يجعل لألفاظ القرآن الكريم أهميةً ولا مكانةً، فتراه يقول: "وهذا كما رأيت ضعيف جدًّا، لأنه يؤدي إلى الاستغناء عن غالب كلمات الآية الكريمة، وليس ذلك مرادًا، والله أعلم" (٢). رابعًا: الترجيح بالنظر إلى مقصود الآية: رعاية مقصود الآية من الأمور التي ينبغي التفطن لها أثناء موازنة الأقوال والمقارنة بينها، فقد يذكر بعضهم قولًا في الآية يكون معناه صحيحًا في نفسه رائقًا في لفظه، لكن عند التمحيص تجده بعيدًا عن مقصود الآية وما سيقت إليه، ومن أمثلة رعاية السمين الحلبي لمقصود الآية ما رجَّحه بقوله: "والأولى حملُ ذلك على التمثيل، لأن المقصود العموم" (٣). خامسًا: الترجيح بالنظر إلى المخاطبين في الآية: بعد النظر في المقصود من الآية يجدر النظر إلى من قُصدت به الآية أصالةً، وهم المخاطبون بها، ثم عند موازنة الأقوال يُنظر في مناسبة القول للمخاطبين بالآية، لذلك يستبعد السمين الحلبي الأقوال التي لا تناسب المخاطبين بالآية، ويقرِّب الأقوال التي تناسبهم ويعتمدها، وقد تقدَّم مثال هذا في قول السمين الحلبي: (والمعنى الأول أليق بالسياق وبحال المخاطبين)، فرجَّح ما هو أليق بحال المخاطبين، وكذلك يضعِّف الأقوال التي لا تتناسب مع حال المخاطبين، كما قال عن أحد الأقوال: "وفيه نظر، لأنه لا يليق أن يُخاطب المؤمنون بذلك إلا أن يكون تغليظًا" (٤).

стр. 51

سادسًا: الترجيح بالنظر إلى آية أخرى مشابهة: والأصل في هذا قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَّثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]، فالقرآن يشبه بعضه بعضًا ويُصَدِّق بعضه بعضًا، فإذا اختلفت الأقوال في آية نُظِر إلى الآية المشابهة لها، فإنها ترشد إلى القول الصحيح، ومن أمثلة ذلك عند السمين الحلبي ما ذكره في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [آل عمران: ١٧٦]، فرجَّح أن المراد بها العموم في كل من يسارع في الكفر من غير تحديد طائفةٍ معيَّنة، وشبَّهها بالآية الأخرى في عمومها: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] (١). سابعًا: الترجيح بالسنة النبوية: لأن السنة تفسِّر القرآن وتبيِّنه وتوَضِّحه، فالأحاديث خيرُ دليلٍ يُستدَل به، وأقوى مُرجِّحٍ يُؤخَذ به، ومن أمثلة ذلك عند السمين الحلبي ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]، حيث قال ﵀: "وظاهر القرآن أنه يجيء به بعينه، ويدل له ما في الحديث: (جاء يوم القيامة يحمله على عنقه) (٢)، وروي: (ألا لا أعْرِفن أحدكم يوم القيامة يأتي ببعيرٍ له رغاءٌ، وببقرةٍ لها خوارٌ، وبشاةٍ لها ثغاء، فينادي: يا محمد، يا محمد؛ لا أملك لك من الله شيئًا، قد بلَّغتُك) (٣)، وروى البخاري ومسلم: (لا ألفِيَن أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعيرٌ له رغاءٌ، فيقول: يا رسول الله؛ أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد أبلغتك) (٤)، وفي بعض الأحاديث: (وبفرسٍ له حَمْحَمَة) (٥)، وقد غلَّ غلامٌ اسمه مِدعَم يومَ خيبر شَملَةً من المغنم، فقال ﵇: (والذي نفسي بيده؛ إنها لتشتعل

стр. 52

عليه نارًا) (١) "، فلم يكتفِ بحديثٍ واحد، وإنما ذكر عدة أحاديث برواياتها، ثم تعرَّض للأقوال الأخرى وسَرَدها بإيجازٍ من غير أن يقوي شيئًا منها (٢)، فالسنة إذا تبيَّنت لزِم التمسُّك بها. ثامنًا: الترجيح بأسباب النزول وما يحتف بها: يَستدِل السمين الحلبي بسبب نزول الآية على القول الذي يرجِّحه، فإن أسباب النزول أصلٌ من أصول التفسير، ومن أمثلة ذلك قوله ﵀: "وما قدَّمناه هو الظاهر، ويدل عليه ما ذكرنا من سبب النزول" (٣). وإذا ثبت سبب النزول فإنه ينظر إلى واقعه وما يحتفُّ به من الأحداث فيرجِّح من خلال ذلك، ومثاله عند قوله تعالى ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥]، قال: "واختلف الناس أيضًا فيمن خُوطِب بهذا الكلام، والظاهر أنهم المؤمنون الخُلَّص، وعليه ينطبق ما قدَّمناه من أقوال المفسرين. وذهب الماتريدي إلى أن الخطاب للمنافقين، وكان الإمام فخر الدين تبعه في ذلك … وفيه نظر لأن المنافقين يوم أُحد انخزلوا مع كبيرهم رأس النفاق عبد الله بن أُبي، ولم يصبهم انهزام ولا قتل" (٤)، فلما كانت الآيات نازلة في غزوة أُحد نَظَر في واقع تلك الغزوة وما حدث فيها فاستدل به على القول الذي يرجحه. تاسعًا: الترجيح بالنظر إلى المسائل الاعتقادية: تقدَّم الكلام عن موطن الترجيح، وأن ردَّ الأقوال لا يُقصد به الترجيح دائمًا، بل في بعض مسائل الاعتقاد يكون ذلك لأجل تقرير المذهب الاعتقادي بحيث لا يُتصوَّر الترجيح والموازنة بين الأقوال، لأن القول المعتمد قد تقرَّر من قبل، فلا يُنظر إلى ما خالفه إلا على سبيل الرد والإفحام، ولتوضيح هذا الأمر هنا فإن المراد بتلك المسائل الاعتقادية الأصولُ المتفق عليها

стр. 53

في المذهب بحيث يُضلَّل فيها المخالف، أما المسائل الفرعية المختلف فيها في المذهب نفسه، أو التي قال بها أحدُ أئمةِ المذهب فليست من ذلك، فالترجيح فيها واردٌ، لأن الأقوال حينئذٍ تكون متكافئةً في القوة بالنظر إلى الخلاف في المسألة أو بالنظر إلى مكانة مَنْ قال بها، ومثال ذلك الترجيحِ هنا ما ذكره السمين الحلبي عند قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٤٠]، حيث قال: "وجُوِّز في (عَلِم) أن تكون متعديةً لواحد، فقال الشيخ: «و (عَلِم) ظاهرهُ التعَدي إلى واحد، فتكون بمعنى (عَرَف)» (١) انتهى. وهذا ينبغي ألَّا يجوز، لأنه العرفان لا يجوز إسناده إلى الله تعالى … والظاهر أنها المتعدية لاثنين؛ حُذف ثانيهما للعلم به" (٢). فهنا يظهر أن الخلاف بين التلميذ وشيخه أبي حيان، وأبو حيان أحدُ أئمةِ المذهب الأشعري الذي عليه المصنف، فصار الترجيح هنا بالنظر إلى المسائل الاعتقادية. عاشرًا: الترجيح بقواعد الإعراب: يهتم السمين الحلبي بالقواعد النحوية التي تضبط الإعراب، والأصولِ التي جرى عليها العربُ في طريقة كلامهم، ويستخدم تلك القواعد والأصول في تقويم الأقوال الواردة في إعراب الآية، فيُورِد الإشكالات على الأقوال المخالفة ويردُّها: "إن أعربوا ﴿نُّعَاسا﴾ [آل عمران: ١٥٤] بدلًا أو عطف بيان أشكل قولهم من وجهين: أحدهما: أن النحاة نصوا على … والثاني: أن المعروف في لغة العرب … وإن أعربوا ﴿نُّعَاسا﴾ مفعولًا لأجله لزم الفصل بين الصفة والموصوف … فالأحسن حينئذ أن تكون هذه الجملة استئنافية" (٣)، ويظهر هنا أنه يستبعد الأقوال التي فيها إشكال، ثم يأخذ بالقول الذي لا إشكال فيه، ومثاله أيضًا قوله: "وهذا الوجه أحسن للتخلص من تكلفة الإشكال في الوجه قبله" (٤).

стр. 54

الحادي عشر: الترجيح بالنظر إلى شهرة القول وكثرة من قال به: وإنما جعلته أخيرًا، لأنه لم يكن المعتمد عنده في كل الأحوال، بل كانت الحجج والبراهين هي المُقدَّمة عنده، والذي يظهر أنه يلجأ إلى الترجيح بالكثرة حين لا تكون الحجج والبراهين ظاهرة، ومثاله قوله في كلمة (كأيِّن)؛ قال: "واختلف الناس فيها؛ هل هي مركبة أم بسيطة، والمشهور أنها مركبة من كاف التشبيه ومن (أيّ) … " فذكر القول المشهور كأنه يقتصر عليه، ثم أطنب في تفصيله وذِكْرِ الأقوال فيه، ولم يعُد إلى القول الآخر إلا بعد عدة صفحات ليبيِّن ضعفه وعيبه فقال: "واختار بعضهم كونها بسيطة، ولا شك أنه أروَح، إلا أن فيه فواتًا لتشحيذ الذهن وتمرينه الذي قصده العلماء ﵏" (١). وفي مسألةٍ أخرى أشار إلى قوة القول الذي يرجحه عند إيراده بأنه قول أكثر النحويين والمفسرين (٢). وربما خالف القولَ المشهور ورجَّح غيره إذا ظهرت له قرينةٌ أقوى، وذلك عند قوله: ﴿إِن يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، قال ﵀: "واختلف الناس في مُتعلَّق النصر والخذلان؛ ما هو؟ فأكثر المفسرين على أن ذلك النصر بالحجج القاهرة، وبالعاقبة في الآخرة … وذهب آخرون إلى أن ذلك فيما يتعلق بلقاء العدو، وعند المكافحة في ملاحم القتال ونِزال الأبطال، وهو الظاهر من السياق والسباق" (٣). فيظهر هنا أنه يُقدِّم ما دل عليه السياق على شهرة القول وكثرة مَنْ قال به.

стр. 55

المبحث الرابع: قواعد الترجيح عند السمين الحلبي قواعد الترجيح عند المفسرين هي ضوابط وأمورٌ أغلبية يُتوصَّل بها إلى معرفة الراجح من الأقوال المختلفة في التفسير، فالغاية من هذه القواعد هي معرفة أصح الأقوال وأولاها بالقبول في تفسير كتاب الله (١). وحين نذكر قواعد الترجيح عند أحدٍ من المفسرين فإننا نعرف بها أصح الأقوال عنده وأولاها بالقبول، فالذي يَحسُن عند إلزام أحد المفسرين بقاعدةٍ من قواعد الترجيح أمران: • الأول: أن تكون القاعدة منضبطةً لا تختلف الأنظار في تطبيقها، وذلك لأجل أن ينضبط العمل بها، ويصحَّ الرجوعُ إليها، أما إذا كانت القاعدة مطلقةً مرسلةً لا يمكن ضبطها وفق منهج المفسر، فإنه قد يُغلَط عليه من خلالها. • الثاني: أن تكون القاعدة هي الغالب في تصرُّفه عند محل ورودها، وإلا لم تكن قاعدةً عنده، لأن القاعدة حكمها أغلبي، فإذا لم يغلب عليه استعمالها عند محل ورودها فليست قاعدةً عنده. وبناءً عليه، فقد ظهرت لي بعض قواعد الترجيح التي التزم بها السمين الحلبي، وهي القواعد الآتية: القاعدة الأولى: إذا دار الأمر بين التأكيد والتأسيس، فالتأسيس أولى (٢). صرَّح السمين الحلبي بهذه القاعدة عند قوله تعالى: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ١٧٠ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٠ - ١٧١]، قال في الآية الثانية: "اختلف الناس في هذه الجملة هل هي تأكيديَّة أم تأسيسيَّة؟ فذهب الزمخشري وابن عطية إلى الأول … وقيل إنها للتأسيس … ويؤيد هذا الوجه: أنه إذا دار الأمر بين التأكيد والتأسيس، فالتأسيس أولى" (٣).

стр. 56

وهو بهذا لا ينفي التأكيدَ مطلقًا ويتكلَّفُ التأويلات لأجل إثبات التأسيس ونفي التأكيد، بل إذا كان الموطن لا يحتمل إلا التأكيد أثبتَه ونفى الأقوالَ البعيدة في ادِّعاء التأسيس، ففي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٤٣] أثبتَ أن جملة ﴿وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ حالٌ مؤكِّدة، ثم قال: "وقال أبو بكر الأنباري: يقال إن معنى ﴿رَأَيْتُمُوهُ﴾: قابلتموه، ﴿وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ بعيونكم، ولهذه العلة ذَكَر النظرَ بعد الرؤية؛ حين اختلف معناهما، لأن الأول بمعنى المقابلة والمواجهة، والثاني بمعنى رؤية العين. فعلى ما ذكره تكون الجملة في موضع الحال، لكنها حال مبيِّنَة لا مؤكِّدة، وهو حسنٌ لو لم نَقُل إن اللغة لا تساعد على كون الرؤية تكون بمعنى المقابلة والمواجهة" (١)، فهو يحسِّن أن تكون الحال للتأسيس والتبيين، وهو الأصل كما ذكر، لكنه لم يقبل ذلك هنا لما فيه من التكلُّف. القاعدة الثانية: "حمل ألفاظ الوحي على التباين أرجح من حملها على الترادف" (٢). هذه القاعدة تشبه سابقتها، فمن أثبت الترادف فإنه يشير إلى التأكيد غالبًا، والفرق بينهما أن السابقة جرى العملُ فيها بين الجُمل التي تكون في سياقٍ واحد، وإن لم يكن بينها تشابه في الألفاظ، وهذه القاعدة بين الألفاظ التي بينها تشابه، وإن كانت في سياقات متباعدة، والذي دل على هذا التفريق هو ما ذكره السمين الحلبي تبعًا لشيخه أبي حيان في استعمال هذه القاعدة بين آيتين متشابهتين في سياقين مختلفين: الأولى قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]، والثانية في سورة الإسراء: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: ٣١] حيث ذَكَر معنًى لطيفًا في الفرق بينهما ثم قال: "وإفادةُ معنًى جديدٍ أولى من ادِّعاء كون الآيتين بمعنًى واحدٍ للتأكيد" (٣)، ففي هذا المثال لا يُتصوَّر أن الأمر يدور بين التأسيس والتأكيد، لكن يمكن أن يقال بالترادف وأن الآيتين بمعنًى واحد يستفاد منه

стр. 57

التأكيد، وهو ما نفاه السمين الحلبي وأثبت معنًى زائدًا يدل على التباين بين دلالة الألفاظ في الآيتين. ومن أمثلة هذه القاعدة أيضًا ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، فإنه فرَّق بين الفظاظة والغلظة ثم قال: "ومن هذا يخرج جوابٌ عن سؤال، وهو: ما الحكمة في الجمع بين الفظاظة والغِلظة وهما بمعنى؟ فيُجاب بما قدَّمناه من المغايرة، وهو أحسن مِنْ قولِ مَنْ قال إنه جُمع بينهما تأكيدًا" (١). وكما سبق، فإنه لا ينفي التأكيد مطلقًا ولا ينفي الترادف مطلقًا، بل إذا كان الموطن مما يظهر به جمال التأكيد وبلاغته فإنه يثبته ويقول بالترادف أو التقارب، كما في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ [آل عمران: ١٩٣]، حيث ذَكَر مَنْ فرَّق بين الدعوتين، ثم عقَّب بأن فيه نظرًا، وأن السياق يدل على أن ذلك من باب التأكيد والإلحاح في الدعاء، وقال في إثبات ذلك: "ألا ترى أن الغفران والتكفير متقاربان أو مترادفان، وكذلك الذنوب والسيئات" (٢). ومن هذه القاعدة وسابقتها يتبيَّن أن السمين الحلبي ﵀ غالبًا ما يستبعد التأكيد في المواضع التي لا يظهر فيها جمال التأكيد وبلاغته. القاعدة الثالثة: إذا أمكن بقاء الشيء على موضوعه فهو أولى. صرَّح السمين الحلبي بهذه القاعدة في الدر المصون عند قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس: ٣٠] فقال: "في ﴿هُنَالِكَ﴾ وجهان؛ الظاهرُ بقاؤه على أصله من دلالته على ظرف المكان … وقيل: هو هنا ظرف زمان على سبيل الاستعارة … وإذا أمكن بقاء الشيء على موضوعه فهو أولى" (٣). ومحل هذه القاعدة إذا استقام المعنى ولم تكن حاجةٌ إلى صرف الشيء عن بابه وموضوعه

стр. 58

الأصلي، كما نبَّه عليه في أكثر من موضع (١)، فكل شيء يمكن أن يستقيم معناه عند إبقائه على بابه الأصلي فهو أولى عنده، ولذلك تراه يعرِّض كثيرًا بمعنى هذه القاعدة هنا في القول الوجيز عند سرده للأقوال في المسألة، كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]؛ قال: "و ﴿خَلْقِ﴾ يجوز أن يكون مصدرًا على حاله … ويجوز أن يراد به المفعول … أي: إن في مخلوقهما" (٢)، وفي قوله تعالى: ﴿وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٧]، قال: "و ﴿خَيْرٌ﴾ على هذا خبرُ المبتدأ، وهي باقيةٌ على بابها من التفضيل" (٣). وقال في مسألة أخرى: "ففي (لا) وجهان: أحدهما: أنها على بابها من كونها نافيةً غير مزيدة … الوجه الثاني من وجهي (لا): أنها مزيدة " (٤)، وقال في مسألة أخرى: "والاستفهام على هذا على بابه من الاستخبار، وقيل إنه بمعنى النفي" (٥). وقد وافق ترجيحه هذه القاعدة في أكثر من مسألة وإن لم يذكرها بلفظها (٦). القاعدة الرابعة: التضمين في الأفعال أحسن منه في الحروف. هذه القاعدة ذكرها السمين الحلبي في الدر المصون عند قوله تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣]، فقال: "وقوله ﴿عَلَى رَجُلٍ﴾ يجوز أن يكون على حذف مضاف؛ أي: على لسان رجل. وقيل (على) بمعنى (مع)؛ أي: مع رجل. فلا حذف. وقيل: لا حاجة إلى حذفٍ ولا إلى تضمين حرف، لأن المعنى: أُنزل إليكم ذِكْرٌ على

стр. 59

رجلٍ، وهذا أولى، لأن التضمين في الأفعال أحسن منه في الحروف، لقوَّتها وضعف الحروف" (١)، فمَنشأُ هذه القاعدة هو قوة الأفعال وضعف الحروف. وعبَّر ﵀ عن هذه القاعدة في أكثر من موضع بأن التجوُّز في الأفعال أولى من التجوُّز في الحروف، وذكر أن هذا هو مذهب البصريين (٢). وهو بهذا لا يمنع التضمين في الحرف، بل أثبت ذلك وجوَّزه في بعض المواضع، خصوصًا إذا دلَّت قراءةٌ أخرى على ذلك (٣)، لكن إذا كانت الجملة لا بد فيها من التجوُّز والتضمين، ودار الأمر بين تضمين الفعل وتضمين الحرف، فإنه يُرجِّح تضمين الفعل. ولم يذكر السمين الحلبي هذه القاعدة هنا في القول الوجيز، لكنه عمل بمقتضاها، ففي أحد المسائل وافق ترجيحه هذه القاعدة مخالفًا بذلك جمهور المفسرين (٤). القاعدة الخامسة: "توحيد مرجع الضمائر في السياق الواحد أولى من تفريقها" (٥). عمل السمين الحلبي بهذه القاعدة وأشار إلى معناها في أكثر من موضعٍ في الدر المصون، ففي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور: ٤١] قال: "قوله: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ في هذه الضمائر أقوال، أحدها: أنها كلها عائدة على (كل) أي: كلٌّ قد علم هو صلاة نفسه وتسبيحها. وهذا أولى لتوافق الضمائر" (٦). وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢] قال: "الضمائر الثلاثة؛ أعني التي في قوله

стр. 60

﴿مِنْ حِسَابِهِم﴾ و ﴿عَلَيْهِم﴾ و ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ الظاهرُ عودها على نوع واحد وهم الذين يدعون ربهم" (١). ولم يذكر السمين الحلبي هذه القاعدة هنا في القول الوجيز، لكنه عمل بمقتضاها، ففي أحد المسائل وافق ترجيحه هذه القاعدة (٢).

стр. 61

المبحث الخامس: ما تميز به السمين الحلبي في الترجيح والتضعيف ومناقشة الأقوال للسمين الحلبي طريقةٌ حسنةٌ متميزةٌ في مناقشة الأقوال والموازنة بينها، وبيانِ وجوهِ القوة والضعف فيها، مما جعل لدراسة ترجيحاته فضلًا يميِّزها عن دراسة ترجيحات غيره من المفسرين، وهذه الطريقة تتلخص في النقاط الآتية: ١) إجلاله لأقوال السلف في التفسير، حتى إنه يترك الظاهر عنده في فهم الآية لأجل قولهم (١). ٢) حرصه على موافقة أهل العلم في ترجيحاته، مِنْ غير أن يشذ بقولٍ يخالف أقوالهم، ولذلك يحتفي بهم في ترجيحه، ويذكر مَنْ قال مِنْ أهل العلم بالقول الذي اختاره (٢). ٣) توضيحه أن بعض الفوائد المستنبطة مِنْ القول المرجوح لا تخالف ترجيح القول الراجح (٣). ٤) أنه يوضح ما قد يُشكِل في فهم القول الذي يرجِّحه (٤). ٥) أنه يرد على من استدل بالقول الراجح على معنًى باطل (٥). ٦) إنصافه مع الأقوال المرجوحة عنده، وهذا يظهر في أمور: • أنه يحكي الاعتراض كاملًا على القول الذي يرجحه، كأنه هو المعترض، ثم يجيب عنه (٦). • بيانه للأوجه التي قد يتقوى بها القول المرجوح، وربما استرسل في ذلك (٧). • أنه يذكر القول الراجح، ثم يشير إلى الخلاف في جواز القول المرجوح، ويبيِّن أن الصحيح جوازه (٨).

стр. 62

• أنه ينقل عن أهل العلم في تفسير القول المرجوح ليبيِّن معناه لمن لم يتبيَّن له (١). • أنه يثني على القول المرجوح إن كان مأخذه حسنًا مع تبيينه للقول الراجح (٢). • أنه يبين أحكام القول المرجوح إن كان جائزًا، ويذكر الخلاف في ذلك (٣). ٧) أنه لا ينقل القول الذي ينكره إلا ويُعقِّب ببيان ضعفه، بل ربما استدرك على شيخه أبي حيان أنه ذكر القول الذي يظهر ضعفه من غير أن يُعقِّب عليه (٤). ٨) إيراد الإشكالات على الأقوال، ثم الإجابة عنها أو تضعيف القول بسببها (٥). ٩) تحرير محل النزاع في المسألة (٦).

стр. 63

الفصل الثاني دراسة ترجيحات السمين الحلبي في كتابه القول الوجيز من الآية (١٣٨) من سورة آل عمران إلى نهاية السورة وفيه سبعة مباحث: • المبحث الأول: ترجيحات السمين الحلبي من آية (١٣٨) إلى آية (١٤٨). • المبحث الثاني: ترجيحات السمين الحلبي من آية (١٤٩) إلى آية (١٥٥). • المبحث الثالث: ترجيحات السمين الحلبي من آية (١٥٦) إلى آية (١٦٣). • المبحث الرابع: ترجيحات السمين الحلبي من آية (١٦٤) إلى آية (١٧٥). • المبحث الخامس: ترجيحات السمين الحلبي من آية (١٧٦) إلى آية (١٨٩). • المبحث السادس: ترجيحات السمين الحلبي من آية (١٩٠) إلى آية (١٩٥). • المبحث السابع: ترجيحات السمين الحلبي من آية (١٩٦) إلى آخر السورة.

стр. 64

المبحث الأول: ترجيحات السمين الحلبي من آية (١٣٨) إلى آية (١٤٨) وفيه ست مسائل: المسألة الأولى: تعدي الفعل في قول الله تعالى ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ قال تعالى: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠] • أصل الخلاف في المسألة: فعلُ (عَلِم) في اللغة له حالان: إما أن يتعدَّى إلى مفعولين فيكون من باب (ظنَّ وأخواتها)، كقولك: علمتُ الرجلَ صادقًا، وإما أن يتعدَّى إلى مفعولٍ واحد، كقولك: علمتُ الطريق. والخلاف هنا في الفعل المذكور في قوله ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾؛ هل هو متعدٍ إلى مفعولٍ واحدٍ أم إلى مفعولين؟ • نص المسألة: قال السمين الحلبي ﵀: "وجُوز في (علم) أن تكون متعدية لواحد، فقال الشيخ: «و (عَلِم) ظاهرهُ التعدي إلى واحد، فتكون بمعنى (عَرَف)» (١) انتهى. وهذا ينبغي ألا يجوز، لأنه العرفان؛ لا يجوز إسناده إلى الله تعالى لما بيَّناه غير مرة، فلا يقال: عرف الله، والمانع إنما هو لأمرٍ معنوي لا لفظي، فلا فرق بين أن يُنطق بلفظ المعرفة أو بلفظ العلم الذي بمعناها، وسيأتي إن شاء الله مثل هذا البحث في قوله تعالى: ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. والظاهر أنها المتعدية لاثنين؛ حُذف ثانيهما للعلم به، والتقدير: وليعلم الذين آمنوا مميزين بالإيمان من غيرهم، يعني أن الحكمة في هذه المداولة أن يصبر الذين آمنوا مميزين عمَّن يدعي الإيمان بسبب صبرهم وثباتهم على الإيمان" (٢).

стр. 65

• ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح: رجَّح السمين الحلبي هنا أن (عَلِم) في قوله ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أنها متعدية إلى مفعولين اثنين، وهذا الترجيح يظهر من وجوه: الأول: التعبير بالظاهر، فقال: (والظاهر أنها المتعدية لاثنين)، والظاهر عنده مقدَّم على غيره. الثاني: ردُّ القول الآخر، حيث قال: (وهذا ينبغي ألا يجوز). الثالث: أنه أحال في تفصيل المسألة إلى البحث المذكور في قوله تعالى: ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾، وهذه الآية ضمن الأجزاء المفقودة في تحقيق كتاب القول الوجيز في الجامعة الإسلامية، ورجعت إلى الدر المصون فوجدته يقرر أن الواجب أن تكون (عَلِم) متعديةً إلى مفعولين (١). • دراسة المسألة: ١) مذاهب أهل العلم في المسألة: قليلٌ من أهل العلم من أشار تعدي الفعل في قوله تعالى ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾، وهؤلاء القليل ذكروا أن تعدي الفعل إلى مفعول واحد قولٌ محتمل، ولم يمنعوه كما منعه السمين الحلبي، ولم أقف على من رجَّح تعدي العلم إلى مفعولين لأجل العلة التي ذكرها السمين الحلبي؛ لا في هذه الآية ولا في نحوها من الآيات التي يكون فيها فعل (عَلِم) متعلقًا بالله جل وعلا (٢). ويظهر أن القول الذي ذكره السمين الحلبي لا يختص بهذه الآية فقط، بل يأخذ به في كل آية ذُكر فيها فعل العلم مسندًا إلى الله ، ولذلك أحال تفصيل المسألة إلى قوله تعالى: ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾، وقال في الدر المصون عن قوله ﴿اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾: "يجب أن يقال إنها المتعدية إلى اثنين، وأن ثانيهما محذوف" (٣).

стр. 66

وقد أطلق كثيرٌ من أهل العلم عند قوله تعالى ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ أن المراد بالعلم في الآية المعرفة، وأنه متعدٍ إلى مفعولٍ واحد فقط، ولم يخصصوا كما خصص السمين الحلبي بأن قوله ﴿اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ متعدٍ إلى اثنين، وأن قوله ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾ متعدٍ إلى واحد (١). وقد ردَّ عليه صديق حسن خان في تخصيصه هذا فقال بعد أن نقل كلامه: "وهذا لا يَرِد، لأنه ليس في الآية إطلاق اسم العارف عليه، وإنما فيها إطلاق اسم العلم وإن كان بمعنى العرفان" (٢). وقال الآلوسي عند هذه الآية: "وإطلاق العلم بمعنى المعرفة على الله تعالى لا يضر … وجُوِّز أن يكون العلم على أصله ومفعوله الثاني محذوف؛ أي: لا تعلمونهم معادين أو محاربين لكم، بل الله تعالى يعلمهم كذلك، وهو تكلف" (٣). وفي قوله تعالى ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١] قال: "وإسناد العلم بمعنى المعرفة إليه تعالى مما لا ينبغي أن يُتوقَف فيه، وإن وَهِم فيه مَنْ وهم، لا سيما إذا خرج ذلك مخرج المشاكلة، وقد فَسَّر العلم هنا بالمعرفة ابنُ عباس رضي الله تعالى عنهما كما أخرجه عنه أبو الشيخ (٤). نعم؛ لا يمتنع حمله على معناه المتبادر، كما لا يمتنع حمله على ذلك فيما تقدم، لكنه مُحوِجٍ إلى التقدير، وعدم التقدير أولى من التقدير" (٥). ٢) أدلة القول الأول في المسألة: وضَّح أبو حيان دليل القول بتعدي فعل (عَلِم) إلى مفعول واحد فقط في الآية بأن هذا هو

стр. 67

الظاهر من الآية، حيث قال: "و (يعلم) هنا ظاهره التعدي إلى واحد، فيكون كـ (عرف) " (١). فالآية فيها مفعول واحد فقط وهو: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ﴾، فالظاهر أنها لا تتعدى إلى مفعولين. ٣) أدلة القول الثاني في المسألة: استدل السمين الحلبي على قوله بأنه هو الذي ينبغي في حق الله تعالى، فالعلة في ترجيحه لهذا القول بأن هناك ما يمنع من تجويز القول الآخر، كما قال: (وهذا ينبغي ألا يجوز، لأنه العرفان؛ لا يجوز إسناده إلى الله تعالى). وذكر أن قوله هو الظاهر، ولعل هذا من وجه المقابلة للقول الذي قبله، فإن الظاهر عنده كما تقدَّم هو الذي لا يحتاج إلى تقدير، والقول بأن فعل (عَلِم) يتعدى إلى مفعولين يحتاج إلى تقدير المفعول الثاني. وأما تفصيل العلة التي لأجلها منع السمين الحلبي القول الأول فقد أشار إليها في الدر المصون بقوله: "لِما تقدَّم لك من الفرق بين العلم والمعرفة، منها: أن المعرفة تستدعي سبق جهل، ومنها: أن متعلقها الذوات دون النِّسَب، وقد نص العلماء على أنه لا يجوز أن يطلق ذلك (أعني الوصفية بالمعرفة) على الله تعالى" (٢). وجاء تفصيل الفرق بين العلم والمعرفة في عمدة الحفاظ، إذ نقل السمين الحلبي عن الراغب الأصفهاني قولَه: "يقال: الله يعلم كذا، ولا يقال: يعرف كذا، لمَّا كانت المعرفة تستعمل في العلم القاصر المتوصل إليه بتفكر" (٣)، ثم زاد السمين الحلبي في تفصيل المسألة وعاب على من ذكر هذا المعنى ولم يعمل به في الإعراب فقال: "وقد فرَّق قوم بين العلم والعرفان بغير ذلك، فقال بعضهم: المعرفة إدراكُ الشيء دون ما هو عليه، ومن ثم تعدت لواحد، والعلم معرفته وما هو عليه، ومن ثم تعدى لاثنين، فمن ثم يُقال: (عَلِم الله) دون (عرف). وقال آخرون: المعرفة تستدعي جهلًا بالشيء المعروف، بخلاف العلم فإنه لا يستدعي ذلك، ولذلك (علم الله) دون (عرف الله)، وقد وقع في عبارة بعض العلماء (عرف الله)، ومنهم

стр. 68

الزمخشري في كشافه، ثم إنهم يقولون: (عَلِم) يتعدى لمفعول واحد إذا كانت بمعنى (عرف)، ويجعلون من ذلك: ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾، وحينئذٍ فكيف يصح ذلك؛ إذ المحذور أمرٌ معنوي لا لفظي فإنه متى أريد بالعلم العرفان كانا بمعنى واحد امتناعًا وجوازًا، فيجب أن يقال: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ متعدٍ لاثنين، حذف ثانيهما، وأما ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾ فمتعد لواحد" (١). فيتلخص من هذا أن العلة بأن هذا القول هو المتعيِّن، لأنه يحصل به تنزيه الله تعالى، وأما القول الآخر فإنه يتضمن وصف الله تعالى بالمعرفة، وهذا لا يجوز، لأن المعرفة قاصرة لا تليق بالله تعالى، وصفاتُ الله كاملة، وأيضًا فإنه يلزم منها سبق الجهل بالشيء الذي يُتعرَّف عليه، بخلاف العلم فإنه لا يلزم منه سبق الجهل. ٤) الموازنة بين الأدلة: أما ما ذكره أبو حيان من أن القول بتعدي الفعل إلى مفعول واحد هو الظاهر فهذا ظاهرٌ في الآية، لأن المفعول الثاني لم يُذكر وإثباته يحتاج إلى تقدير، لكن يُنظر فيما اعترض به السمين الحلبي على هذا القول من أنه لا يليق بالله جل وعلا، وينظر أيضًا فيما أشار إليه من أن الأصل في فعل (عَلِم) أنه يتعدى إلى مفعولين. ويظهر أن الأمر الذي جعل السمين الحلبي يلتزم ترجيح قوله ويمنع من القول الآخر هو ما ذكره أهل اللغة من أن العلم يكون بمعنى المعرفة إذا تعدَّى إلى مفعول واحد، فجعل معنى العلم في هذه الحالة مطابقًا تمامًا لمعنى المعرفة، ولا يظهر أن هذا هو مقصود أهل اللغة، بل الذي يظهر أنهم أرادوا التشبيه والتقريب، فإن الأصل في فعل (عَلِم) أنه يتعدى إلى مفعولين، فلما تعدى إلى مفعول واحد صار مشابهًا لفعل (عرف) وأخذ شيئًا من معناه، فلذلك ذكروا أنه بمعنى (عرف) لأجل أن يتبين الإعراب فيه ويُعلَم أنه على خلاف الأصل، فيتعدى إلى مفعول واحد كما يتعدى فعل (عرف) إلى مفعول واحد. وبعيد أن يكون مرادهم أن معنى العلم في تلك الحال يكون مرادفًا لمعنى المعرفة، "فإن الترادف في اللغة قليل، وأما في ألفاظ القرآن فإما نادرٌ وإما معدوم، وقَلَّ أن يُعبَّر عن لفظٍ

стр. 69

واحدٍ بلفظٍ واحدٍ يؤدي جميع معناه، بل يكون فيه تقريب لمعناه" (١)، فيبعد أن يكون معنى (عَلِم) التي تتعدى إلى مفعول واحد مطابقًا لمعنى (عرف) في اللغة، وأبعد منه أن يكون ذلك في القرآن. ولأجل هذا ردَّ صديق حسن خان على السمين الحلبي، وبيَّن أنه ليس في الآية إطلاق اسم العارف على الله تعالى، وإنما فيها إطلاق اسم العلم وإن كان بمعنى العرفان، كما تقدَّم. وأيضًا فقد ذكر السيوطي وغيره هذا المعنى عندما تطرَّق إلى ما يُذكر عند الإعراب من أن العلم قد يكون بمعنى المعرفة، فذكر أن الله تعالى لا يوصف بالمعرفة لشيوعها فيما يكون مسبوقًا بالجهل، ثم قال: "وليس العلم الذي بمعنى المعرفة كذلك، إذ المراد به الإدراك الذي لا يتعدى إلى مفعولين" (٢). بقي أن يُشار إلى القدر المشترك بين العلم والمعرفة اللذان يُكتفى فيهما بمفعولٍ واحد، وهل هذا القدر المشترك يتضمن معنًى لا يليق بالله . فيقال: إن الأصل في فعل (عَلِم) أنه يتعدى إلى مفعولين، وهو في هذه الحالة باقٍ على معناه الأصلي، فالمعنى الذي أخرجه عن هذا الأصل وجعله مشابهًا لفعل (عرف) في التعدي إلى مفعول واحد هو القدر المشترك بينهما، وهو ما أشار إليه الواحدي في تفسير الآية التي نحن فيها، فقال: "والعلمُ إذا لم يتعلق بالذات اقتضى معلومين، كما تقول: (علمت زيدًا عاقلًا وجوادا)، فلا تقول: (علمت زيدًا) فقط، إلا أن تريد به عرفتُه، وعَلِمتُ مَنْ هو. والمفعول الثاني ههنا محذوف، والتقدير: وليعلم الله الذين آمنوا مميزين بالإيمان من غيرهم … ويحتمل أن يكون العلم ههنا بمعنى معرفة الذات، والتأويل: وليعلم الله الذين آمنوا بما يظهر من صبرهم على جهاد عدوهم؛ أي: ليعرفهم بأعيانهم" (٣)، فالذي يظهر أن المعنى المشترك بين العلم والمعرفة اللذان يكتفى فيهما بمفعول واحد هو إرادة الأعيان والذوات، وهو المعنى الفارق بين (عَلِم) التي تتعدى إلى مفعول واحد و (عَلِم) التي تتعدى إلى مفعولين، كما أشار إلى ذلك أبو حيان عند قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى﴾ [الرعد: ٨]، فقال: "و ﴿يَعْلَمُ﴾

стр. 70

هنا متعديةٌ إلى واحد، لأنه لا يراد هنا النسبة، إنما المراد تعلُّق العلم بالمفردات" (١)؛ أي: الأعيان والذوات، فالأصل في (عَلِم) أن يُراد بها إفادة النسبة بين شيئين، فلذلك تتعدى إلى مفعولين، وتفيد نسبة أحدهما إلى الآخر واتصافه به، فقولك (علمتُ زيدًا قائمًا) يفيد اتصاف زيد بالقيام، فإذا لم يكن المراد إفادة النسبة بين شيئين وكان المراد معرفة ذات الشيء وعينه فإن (عَلِم) تتعدى إلى مفعول واحد (٢). ويظهر من كلام السمين الحلبي أن هذا المعنى المشترك بين العلم والمعرفة اللذان يكتفى فيهما بمفعول واحد (وهو إرادة الأعيان والذوات) لا يليق بالله ، فإنه أشار إليه في سياق الاعتراض على القول الآخر كما سبق ذكره (٣)، وقد أشار إلى هذا المعنى من قبله السهيلي، وعلل ذلك بأن علم الله واحد لا يتغير بتغير المعلومات، فيتعلق بالأشياء كلها تعلُّقا واحدًا، ولا يتغير فيتعلق بعينٍ معينة، ويتعلق بعينٍ أخرى، بل يعلم الأشياء كلها بعلم واحد (٤)، وقد ردَّ عليه ابن القيم في هذا وذكر أن أهل التحقيق على خلاف هذا القول، وأن المعلومات متغايرة، وأن لكل معلومٍ علم يخصُّه (٥). فالذي يظهر أن الاعتراض الذي ذكره السمين الحلبي لا يَرِد في هذه المسألة، وإنما يَرِد إذا وُصف الله بأنه عارف (بلفظ المعرفة وليس بلفظ العلم)، فهنا يقال: لا يجوز أن يوصف الله بالمعرفة (٦)؛ هذا من حيث الوصف، أما الإخبار عن الله بأنه يعرف فهذا أوسع؛ إذ يدخل في باب الإخبار عن الله ما لا يدخل في باب الأسماء والصفات (٧)، ولذلك روي عن عمر ﵁ أنه قال في بعض الذي أصيبوا في الغزو ولم يُعرفوا: «لكن الله يعرفهم» (٨). ويمكن أن يتقوَّى القول الذي ذكره السمين الحلبي باعتبار الأصل في فعل (عَلِم) أنه يتعدى إلى اثنين، كما أشار إليه في قوله: (أنها على بابها فتتعدى لاثنين)، وهذا مبني على القاعدة

стр. 71

الترجيحية عنده: (إذا أمكن بقاء الشيء على موضوعه فهو أولى). وهذا واردٌ إذا كان المراد بالعلم النسبة، أما إذا كان المراد بالعلم الأعيان والذوات فيتعين الاكتفاء بمفعول واحد، وأيضًا فإنه إذا كان في الآية مفعول واحد يستقيم به المعنى فالأولى أن يُكتفى به، لأن إثبات المفعول الثاني يحتاج إلى تقدير، وعدمُ التقدير أولى، كما ذكر الآلوسي. فالذي يظهر والله أعلم أن هذا هو ضابط الترجيح في هذه الآية وفي غيرها؛ أن العلم إذا أُريد به الأعيان والذوات فإنه يتعدى إلى مفعول واحد، وإذا أُريد به النسبة تعدَّى إلى مفعولين. ٥) النتيجة: الذي يظهر في قوله تعالى ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أن فعل (يعلم) يتعدى إلى مفعول واحد، لأن المراد معرفة أعيان الذين آمنوا، فهذا العلم الذي يُراد من الابتلاء الذي أشير إليه فيه الآية من قوله ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾، ولا يراد من الابتلاء العلمُ بنسبة شيءٍ إلى الذين آمنوا، بل المراد معرفة أعيانهم وإكرامهم على صبرهم وثباتهم. وأيضًا، فإن المذكور في الآية هو مفعول واحد، فلا حاجة إلى تقدير المفعول الثاني، وبعيدٌ أن يكون في الآية مفعولان وأن يكون التقدير: (وليعلم الذين آمنوا مميزين بالإيمان من غيرهم)، لما فيه من التكلف في تقدير المفعول الثاني من غير مُوجِب، لأن معرفة الشيء بعينه تقتضي تمييزه عما سواه. كما أنه قد جاء التصريح بعد ذلك في أن المراد هو معرفة الأعيان، وذلك في قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ١٦٦ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ﴾ [آل عمران: ١٦٦ - ١٦٧]، فذكر المؤمنين بأعيانهم، وذكر المنافقين بأعيانهم. فالفعل في الآية يتعدى إلى مفعول واحد، والله أعلم.

стр. 72

المسألة الثانية: إعراب الفعل في قول الله تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢] • أصل الخلاف في المسألة: الخلاف هنا في الفعل في قوله ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ هل هو منصوب أو مجزوم؟ • نص المسألة: قال السمين الحلبي ﵀: "وقرأ العامة: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ بفتح الميم (١)، وفيها تخريجان: أظهرهما أنه منصوب، ثم في نصبه مذهبان: الأول (وهو مذهب البصريين): أنه منصوب بإضمار (أن) بعد الواو التي بمعنى (مع)، كهي في قولك: لا تأكلِ السمك وتشربَ اللبن؛ أي: لا تجمع بينهما. والثاني (وهو مذهب الكوفيين): أنه منصوب بنفس الواو التي يسمُّونها (واو الصرف)، ويفيد ذلك أن الفعل كان من حقه أن يُعرَب بإعراب ما قبله، فلما جاءت الواو صرفته عن ذلك إلى النصب. والتخريج الثاني أنه مجزوم عطفًا على الفعل قبله، وإنما فُتح لأحد وجهين: إما لإتباع الميم إلى اللام في حركتها، كما قيل ذلك في أحد تخريجي: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾، كما قررناه (٢). وإما لأنها حركة التقاء الساكنين، وذلك أنه لما احتيج إلى تحريكه كان تحريكه بأخف الحركات أولى" (٣).

стр. 73

• ترجيح السمين الحلبي ووجه الترجيح: يرجِّح السمين الحلبي أن الفعل منصوب، فقد صرَّح بلفظ الترجيح في قوله: (أظهرهما أنه منصوب) (١). • دراسة المسألة: ١) مذاهب أهل العلم في المسألة: اتفق كثير من أهل العلم أن الفعل في الآية منصوب، وإن كانوا اختلفوا في سبب نصبه على المذهبين اللذين ذكرهما السمين الحلبي، فمنهم من اختار أنه منصوب بـ (أن) مضمرة بعد الواو (٢)، ومن أهل العلم من اختار أنه منصوب على الصرف (٣). ومعلومٌ عن السمين الحلبي أنه يرجح المذهب البصري في هذا، وهو النصب بـ (أن) مضمرة (٤)، لكنه لم يعين أحد المذهبين هنا لأن التقرير في ذلك يكون في كتب النحو كما أشار إلى ذلك في الدر المصون (٥)، وهذه طريقته في بعض المواضع، أنه إذا كان الحكم الإعرابي مُتفقًا عليه وكان الخلاف في توجيهه فإنه يذكر الحكم المتفق عليه، ثم يشير إلى المذاهب في توجيهه ولا يذكر أدلتها ولا يرجح بينها (٦). وأما القول بأن الفعل مجزوم فقد حكاه بعض المفسرين على أنه محتمل من غير ترجيح له (٧).

стр. 74

ولم أقف على من اختار هذا القول إلا ما ذكره جامع العلوم الباقولي (١) في عدة مواضع من كتبه (٢)، فإنه لم يستحسن النصب واستحسن الجزم، واعترض على القول بالنصب بأن الجزم هو اختيار القُرَّاء في مثل هذا، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فثبتت القراءة بجزم ﴿وَنَمْنَعْكُم﴾، ولم تكن بالفتح إلا في قراءة شاذة (٣)، واستشهد لقوله بأن الفعل مجزوم بقراءة الجزم بكسر الميم: (ويعلمِ الصابرين)؛ قال في توجيه قراءة فتح الميم: "والأئمة عدلوا عن الكسر إلى الفتح، لأنها أخف مع انفتاح ما قبله"، وقال: "فهذه فتحةٌ بمنزلة الكسرة"، واستشهد في إتباع الميم بما قبلها في الفتح بما روي من قراءة ابن عامر: (ثم يجعَلَه حطامًا) (٤)؛ قال: "بفتح اللام تبعًا للعين". وقد ضعَّف قوله أبو البركات الأنباري (٥)، واعترض محيي الدين درويش على من قال بهذا القول، وذكر أنه لا يجوز حمل القرآن على الوجوه المرجوحة (٦). ٢) أدلة القول الأول في المسألة: وهي بالنظر إلى أمرين: الأول من حيث اللفظ، فالظاهر في لفظ (يعلم) أنه مفتوح الآخر، فينصرف أولَ ما ينصرف إلى النصب، ولهذا ذكر السمين الحلبي أن القول بالنصب أظهر. الثاني من حيث المعنى، فإن الخطاب في الآية للمؤمنين الذين جاهدوا مع رسول الله ﷺ ، وجاء العتاب في الآية على أن الطمع في الجنة إنما ينبغي إذا اجتمع مع الجهاد

стр. 75

الصبر، فالمراد التنبيه على الأمرين معًا، وهذا المعنى لا يكون إلا إذا أُريد النصب (١). ٣) أدلة القول الثاني في المسألة: أنه قد رويت القراءة بكسر الميم (ويعلمِ الصابرين) عطفًا على قوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ﴾ (٢)، فهذه القراءة تؤيد القول بالجزم هنا (٣). ويشهد للقول بالجزم أيضًا القياس على ما ذكره جامع العلوم الباقولي بأنه ثبت الجزم في موضع آخر مثل هذه الآية، وهو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١]، فاتفق القراء السبعة على جزم ﴿وَنَمْنَعْكُم﴾، ويقاس عليه هذه الآية في إثبات الجزم فيها (٤). ٤) الموازنة بين الأدلة: أما حمل الفعل في الآية على النصب فهو الظاهر من اللفظ، لأنه مفتوح الآخر، ويبقى الأمر في توجيه النصب بحسب المذهبين المذكورين، لكن يجاب عن الاعتراض الذي ذكره الباقولي من أن النصب ليس هو اختيار القراء في مثل ذلك. فالذي يظهر أن الاختيار ليس له مدخلٌ هنا، فالقراء لا يختارون في القراءات إلا بما ثبت لديهم بالأسانيد، ويجعلون الاختيار حينئذٍ مبنيًا على الأثبت والأضبط لا على موافقة وجه معين من وجوه الإعراب؛ قال أبو عمرو الداني: "وأئمة القراءة لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر، والأصح في النقل" (٥)، فثبت بهذا أن المقدَّم عندهم هو رعاية الإسناد لا القياس على الحكم الإعرابي في آية أخرى. ثم لو كانت القراءات في ﴿ويعلم﴾ بكسر الميم وفتحها كلها ثابتة عندهم وكان اختيار الجزم متفقًا عليه بينهم لمَا عدلوا عن الكسر إلى الفتح كما ذكر الباقولي، لأن الكسر أدلُّ على الجزم من الفتح، فإنه يلزم كل من أراد الجزم وفتح الميم أن يبين التوجيه في فتح الميم لئلا يُظن أن
следующие страницы →