الأجر، وعلى المدح والذم وعلى الثواب والعقاب وعلى تفخيم الأمر وتحقيره وعلى تحقيق أمر أو إبطاله قال تعالى: ﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ إبراهيم: ٤٥)
стр. 37
ثانياً: تقويم تعليم القرآن الكريم في وسائل الإعلام
مدخل
...
ثانياً: تقويم تعليم القرآن الكريم في وسائل الإعلام
إن وسائل الإعلام (إذاعة ـ تلفاز ـ إنترنت) تختلف في تعليمها عن (المسجد والمدرسة) لأن الأولى تفقد المواجهة واللقاء بين الطرفين أما الثانية فيتوفر فيها ذلك فيستطيع المعلم أن ينبه الغافل،ويذكر الناسي ويصوب المخطئ، ويستطيع المتعلم أن يسأل عما غاب وهو في نفسه -أي المتعلم - يضع اعتبارا وهيبة في نفسه لمن يتلقى عنه وهذا الأمر من أشد الدواعي التي تجعله مهتماً بما يلقى عليه ولا يصرفه صارف ذهني أو قلبي عن معلمه.
ولعل تخصيص اللجنة الموقرة ثلاث موضوعات عن:
١- تعليم القرآن في مراحل التعليم العام والجامعي.
٢ـوتعليم القرآن في جمعيات تحفيظ القرآن.
٣ـ وتعليمه في مدارس تحفيظ القرآن.
هو اختيار موفق ـ إن شاء الله ـ سائلين إياه أن يؤتى ثماره اليانعة.
ومن أجل هذا سيقتصر حديثنا عن وسائل الإعلام (إذاعة وتلفاز وإنترنت) وهي تحتاج إلى ما يعوِّض المتعلم عن فقدان المواجهة واللقاء لذلك فلابد:
١- أن يكون لدى المعلم عن طريقها أسلوب تشويقي.
٢- أن يتوقع المعلم سؤال المستمع والمشاهد فيلقيه على طريقة السؤال والجواب.
٣- عرض ما يحتاج إلى توضيح عن طريق الرسم مثل موضوع (مخارج الحروف) وهذا يتوفر في التلفاز والإنترنت.
стр. 38
٤- عقد اتصال هاتفي أو (فاكس) مباشرة لإزالة الأخطاء التي قد تشكل على المستمع أو المشاهد.
٥- ويجب على المعلم أن يكون صبوراً على معاناة التعليم ويقرب المعلومة إلى الذهن من أيسر طريق، ويكون ذا أداء حسنٍ يُرغب ولا يرهب ولا سيما إذا بدأ برنامجه بمثل هذه الأحاديث.
стр. 39
الترغيب في حفظ القرآن ومذاكرته من السنة النبوية
ونجد في السنة النبوية ما يرغب في حفظ القرآن.
١ـ روى مسلم أن النبي ﷺ قال:"ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة،وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده" (١)
٢- وروى الشيخان قال ﷺ :"الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن، وهو يتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران" (٢)
٣-وروى الترمذي وقال حسن صحيح قال ﷺ :"من قرأ حرفاً من كتاب الله تعالى فله به حسنة،والحسنة بعشر أمثالها،لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف" (٣)
стр. 40
٤- وقال ﷺ : "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن وهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار (١) " الشيخان
٥-وقال ﷺ : "يقال لقارئ القرآن:اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها" الترمذي وقال حسن صحيح (٢)
٦-وقال ﷺ "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" (٣) البخاري.
أليس كل ذلك يحفز الهمم ويحرك العزائم إلى حفظ القرآن واستظهاره والمداومة على تلاوته مخافة الوقوع في وعيد نسيانه ...
стр. 41
الطريقة العملية للحفظ:
كان الرسول ﷺ يعلم الصحابة تعليماً عملياً فيردد الصحابي أمام الرسول بطريق الترديد والتسميع بقصد التصحيح.
وفي ذلك ورد حديث الدعاء قبل النوم عن البراء بن عازب قال النبي ﷺ : "إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل: اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت.
стр. 42
فإن مت من ليلتك مت وأنت على الفطرة، واجعلهم آخر ما تتكلم به قال: فرددتهن لأستذكرهن فقلت آمنت برسولك الذي أرسلت.
قال: قل آمنت بنبيك الذي أرسلت" (١)
وأما تعليم القرآن فقد أشار إليه الصحابي الجليل جابر بن عبد الله في حديث تعلم الاستخارة قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول لهم:"إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك..." الخ (٢)
والشاهد قول جابر (كما يعلمنا السورة من القرآن) فدل على أن تعليم القرآن الكريم كان أمراً واقعاً بين رسول الله ﷺ وأصحابه تلقياً وتلقيناً ولقد كانت همة النبي ﷺ عند نزول القرآن هي حفظه واستظهاره ثم يقرأه على الناس على مكث ليحفظوه ويستظهروه ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (الجمعة: ٢)
ومن شأن الأمي أن يعول على حافظته فيما يهمه أمره، ويعينه استحضاره وجمعه خصوصاً إذا أوتي من قوة الحفظ والاستظهار ما ييسر له هذا الجمع والاستحضار. ثم جاء القرآن فبهرهم بقوة بيانه، وأخذ عليهم مشاعرهم بسطوة سلطانه، فخلعوا عليه حياتهم حين علموا أنه روح الحياة.
стр. 43
وقد اعتنى الصحابة الكرام بكتابة القرآن التي هي وسيلة للحفظ وعدم الاختلاف فكتبوه ونقشوه بمقدار ما سمحت لهم وسائل الكتابة وأدواتها في عصرهم.
فاتخذ النبي ﷺ كتاباً للوحي إذا نزل شيء أمرهم بكتابته زيادة في التوثق والضبط حتى تظاهر الكتابة الحفظ، ويعاضد النقش اللفظ.
ومن هذا المنطلق فعلى المعلم أن يرشد متعلميه عبر وسائل الإعلام إلى أهمية الكتابة عند الحفظ فذلك أدعى لثبات المحفوظ وترسيخه في الذاكرة وقد قال المعلم:
العلم صيد والكتابة قيده ... قيد صيودك بالحبال الواثقه
فمن الحماقة أن تصيد غزالة ... وتتركها بين الخلائق طالقه
ويصور لنا السيوطي في كتابه الإتقان (١) في علوم القرآن في النوع الرابع والثلاثين في (كيفية تحمله) أي القرآن قال: اعلم أن حفظ القرآن فرض عين على الأمة والمعنى فيه ألا ينقطع عدد التواتر فيه فلا يتطرق إليه التبديل والتحريف، وتعليمه أيضاً فرض كفاية وهو أفضل القرب.
- وأوجه التحمل (في طرق تعلم ونقل الحديث) عند أهل الحديث: (السماع من لفظ الشيخ والقراءة عليه، والسماع عليه بقراءة غيره، والمناولة، والإجازة والمكاتبة والعرضية، والإعلام والوجادة) فأما غير الوجهين الأولين فلا يأتي هنا.
وأما القراءة على الشيخ فهي المستعملة سلفاً وخلفاً.وأما السماع من لفظ الشيخ فيحتمل أن يقال به هنا لأن الصحابة ﵃ إنما أخذوا القرآن من النبي ﷺ .
стр. 44
ثم قال: وأما الصحابة فكانت فصاحتهم وطباعهم السليمة تقتضي قدرتهم على الأداء كما سمعوه من النبي ﷺ لأنه نزل بلغتهم ومما يدل للقراءة على الشيخ:عرض النبي ﷺ القرآن على جبريل في رمضان في كل عام ويحكى أن الشيخ شمس الدين بن الجزري لما قدم القاهرة وازحمت عليه الخلائق لم يتسع وقته لقراءة الجميع، فكان يقرأ عليهم الآية ثم يعيدونها عليه دفعة واحدة، فلم يكتف بقراءته.
- وقد كان الشيخ علم الدين السخاوي يقرأ عليه اثنان وثلاثة في أماكن مختلفة ويرد على كل منهم، أي يصحح خطأهم إذا أخطؤوا. (١)
وهذه الطريقة التربوية للتعليم بالعمل والممارسة. تجعل الفرد أكثر استقامة وسعادة فيسير على الإتقان العملي الذي هو خير مقياس للتعلم سواء في ذلك الاستحفاظ أو أداء العبادات.
لذا. كان من أهم نتائج هذا الأسلوب
(١) تعود الدقة وتوخي صحة النتائج، فكل متعلم يمارس العمل أمام معلمه، ثم يناظره المعلم ويصحح أخطاءه يغرس في نفس المتعلم عدم العود إلى الخطأ مع ثبات الصواب.
(٢) شعور المتعلم بالمسؤولية عن صحة العمل. وهذا يجعل منهجية التربية الإسلامية منهجية حركية فكرية عاطفية مبنية على الوعي والدقة وصحة الأداء فالدقة في العواطف والاتجاهات والأفكار تتجلى في إخلاص النية وتوجيه العمل نحو إرضاء الله ﷻ بلا رياء ولا استكبار ولا استهتار. تواكبها الدقة في حركية العمل أو لفظية القول
стр. 45
كما نقله لنا الصحابة عن رسول الله ﷺ ثم من بعدهم إلى يومنا هذا.
وعلى المعلم توجيه الآباء وحثهم أبناءهم على الاهتمام بذلك عن طريق التشجيع وضرب الجوائز وغير ذلك. ومتابعة ما حفظوه وما كتبوه من خلال حلقات القرآن في وسائل الإعلام. وهذا هو الرباط على المتابعة وجني الثمرة.
ولقد اهتم المسلمون الأول بتعليم أولادهم القرآن:_
يقول عبد الملك بن مروان لمؤدب ولده "علمهم الصدق كما تعلمهم القرآن" (١) . وكذلك هشام بن عبد الملك يقول لسليمان الكلبي لما اتخذه مؤدباً لابنه: "وأول ما أوصيك به أن تأخذه بكتاب الله ثم روّه من الشعر أحسنه" (٢) . وقد قال الرشيد للأحمر معلم ولده الأمين ولي عهده: "فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين: أقرئه القرآن، وعرفه الأخبار" (٣)
إن تعليم القرآن من شعارات الدين، أخذ به المسلمون، ودرجوا عليه في جميع أمصارهم وجعلوه أصل كل تعليم عندهم.
والقرآن مطلوب الحفظ لفظاً ومعنى بل فهم المعنى والأخذ به لا يكونان إلا عن طريق تلاوة الألفاظ أو إسماعها، ثم تدبرها وتذكرها.
وإذا كان مالك – فيما قيل – كره التعجيل بتعليم الطفل القرآن فلعله لم يكره ذلك إلا خشية أن ينطق به على خلاف ما ينبغي له من إقامة الحروف وإخراجها من مخارجها (٤) على أن الأخبار التعليمية – عند المسلمين – تفيد أن
стр. 46
كثيرين حفظوا القرآن في سن مبكرة. ومن ذلك ما ذُكر من أن الشافعي حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين (١) .
وأن جلال السيوطي حفظ القرآن وله دون ثمان سنين (٢) .
وما جرت عليه عادات المسلمين من أخذ الصبي بكتاب الله في أول أمره، حتى ولو كان يقرأ ما لا يفهم عزاه صاحب (أبجد العلوم) إلى (إيثار الثواب) وخشية ما يعرض للولد من جنون الصبا من الآفات والقواطع عن العلم فيفوته القرآن (٣) .
وفي قول يحيى ﵇ ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً﴾ مريم: ١٢) . أراد بالحكم فهم الكتاب فقرأ التوراة وهو صغير) (٤) .
وروى عن بعض السلف قال "من قرأ القرآن _ قبل أن يبلغ – فهو ممن أوتي الحكم صبيا" (٥) .
وفي حديث حذيفة أن النبي ﷺ قال: "إن القوم يبعث الله عليهم العذاب حتماً مقضيا فيقرأ صبي من صبيانهم في الكتاب ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فيسمعه الله تعالى فيرفع عنهم بذلك العذاب أربعين سنة" يقول ابن حجر، ولهذا الحديث شاهد في مسند الدارمي عن ثابت بن عجلان "إن الله ليريد العذاب بأهل الأرض فإذا سمع تعليم الصبيان بالحكمة صرف الله ذلك عنهم يعني الحكمة: القرآن" (٦) .
стр. 47
ولذا فإن المادة الرئيسية لدى النشء هو حفظ القرآن مجوداً والذي كان يستطيع ختم القرآن في المدارس والكتاتيب بمنزلة (شتلات) صالحة تنتقل إلى أرض التعليم فيزكو نباتها.
ومما حفل به التاريخ الإسلامي أن نساءً ختمن القرآن مثل ميمونة بنت أبي جعفر القعقاع المدني أحد القراء العشرة المختارين روت القراءة عن أبيها وروى القرآن عنها آخرون (١) .
وكان في قصر زبيدة بنت أبي جعفر المنصور وزوجة هارون الرشيد وأم ولده الأمين مائة جارية تقرأ القرآن فكان يُسمع من قصرها دوي كدوي النحل من القراءة. (٢)
وذكر ابن فياض في تاريخه في أخبار قرطبة أنه كان بالرَّيَض الشرقي من قرطبة مائة وسبعون امرأة كلهن يكتبن المصاحف بالخط الكوفي وكان هذا في ناحية من نواحيها فكيف بجميع جهاتها (٣) .؟
وعائشة بنت إبراهيم بن صديق زوج الحافظ المزي المتوفاة ٧٤١ هـ كانت تحفظ القرآن وتلقنه النساء وكانت عديمة النظير لكثرة عبادتها وحسن تأديتها القرآن وتفضل في ذلك على كثير، وأقرأت عدة من النساء وختمن عليها وانتفعن بها. (٤) وعرض ابن الجزري السيرة العلمية لابنته (سلمى) فذكر ضمناً أنها: (عرضت القرآن حفظاً بالقراءات العشر، قراءة صحيحة مجودة مشتملة على
стр. 48
جميع وجوه القراءات بحيث وصلت في الاستحضار إلى غاية لا يشاركها فيها أحد في وقتها (١) .
وطريق التلقين الشفهي هي الطريقة المثلى لتعليم القرآن، ولاسيما أن المعتمد عند المسلمين أن يكون تلقي العلم النقلي بعامة والقرآن بخاصة من الأفواه.
فابن مسعود:أحد كبار الصحابة وأعلام رواة القرآن وتجويده وتحقيقه وترتيله يقول: حفظت من في رسول الله ﷺ بضعة وسبعين سورة. (٢)
وعن أنس بن مالك قال ﷺ لأبيّ: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن قال: الله سماني لك؟ قال:الله سماك لي فجعل أبي يبكي" (٣)
قال ﷺ : "خذوا القرآن من أربعة من عبد الله بن مسعود فبدأ به وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب" (٤) .
وتلك قاعدة متبعة لطالب القرآن أن يتلقاه من أفواه المشايخ الضابطين المتقنين وأن لا يعتد أبداً بالأخذ من المصاحف المكتوبة بدون معلم لما قد يقع في ذلك من تصحيف يتغير به وجه الكلام.
وهم يقولون: لا تأخذوا القرآن من مصحفي، ولا العلم من صحفي. (٥)
ومن أشهر ما يروى في هذا أن حمزة أحد أئمة القراءة السبعة كان يقرأ القرآن وهو في سن تعلم الهجاء من المصحف فتلا ﴿لك الكتاب لا زيت
стр. 49
فيه) وأبوه يسمع بدلاً من (لا ريب فيه) فقال له أبوه:دع المصحف وتلقن من أفواه الرجال (١) .
وسمع أعرابي رجلاً يقرأ (ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا) بفتح التاء فقال سبحان الله.هذا قبل الإسلام قبيح فكيف بعده؟ فقيل له إنه لحن وإنما القراءة (لا تُنكحوا) فقال قبحه الله إنه يحل ما حرم الله. (٢)
وذلك فيه من التنبيه ما فيه إلى طالبي القرآن، إلى وجوب التزام التلقي الصوتي من قراء ضابطين محققين.
ومن أقوال العلماء: (من أعظم البلية تشييخ الصحيفة) أي أن يتعلم الناس في الصحف. وكان الشافعي يقول: من تفقه من بطون الكتب ضيع الأحكام (٣) .
فالنقل من أفواه المعلمين هو النقل السليم الذي يظهر كل زيف يعتريه.
ولذا لم يكن غريباً أن يكون الاكتفاء بالأخذ من المصحف بدون مُوّقف أو معلم أمراً لا يجيزه المسلمون ولو كان المصحف مضبوطاً بل إنهم يعدون هذا الاكتفاء منافياً للدين لأنه ترك للواجب وارتكاب للمحرم. (٤)
١- وهم يذهبون إلى هذا بناءً على أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ويقول ابن حجر: "اعلم أن كل ما أجمع القراء على اعتباره من مخرج مد أو إدغام أو إخفاء أو إظهار وغيرها وجب تعلمه وحرم مخالفته"
стр. 50
ويقول السيوطي: ولاشك أن الأمة – كما هم متعبدون بفهم معاني القرآن وإقامة حدوده – هم متعبدون بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة من أئمة القراء المتصلة بالحضرة النبوية (١) . وقوله (على الصفة المتلقاة) لا يكفي الأخذ من المصحف بدون تلقٍ من أفواه المشايخ المتقنين.
وابن الجزري في تعريفه للمقرئ يقول: إنه العالم بالقراءات رواها مشافهة فلو حفظ التيسير مثلاً ليس له أن يقرئ بما فيه إن لم يشافهه مسلسلاً، لأن من القراءات أشياء لا تحكم إلا بالسماع والمشافهة (٢) .
стр. 51
ثالثاً: تقويم أساليب علوم القرآن في وسائل الإعلام
مدخل
...
ثالثاً: تقويم أساليب علوم القرآن في وسائل الإعلام
مما لا مرية فيه أن المتعلمين تتفاوت درجاتهم،وأن المتعلم في رحاب جامعة إكاديمية يختلف عن المتعلم في رحاب وسيلة من وسائل الإعلام،فالأول لا يخشى عليه عند عرض المادة العلمية ـ من اختلاف المختلفين ـ إذ إنه يعلم عند التعارض والاختلاف كيف يكون الجمع أو الترجيح.؟
أما الثاني فإذا رأى اختلاف العلماء ربما أثر ذلك تأثيراً سلبياً في فكره أو عقيدته ولذلك يقول عبد الله بن مسعود: "ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة" (١) .
ومن هذا المنطلق فإن أول ما يتقرر عرضه في وسائل الإعلام عن علوم القرآن هو المتفق عليه لا المختلف فيه،ولا يُعرض المختلف فيه إلا مصحوباً ببيان الوجه الجمالي في الاختلاف وأن الأمر يؤول إلى السعة في القولين إذا كان لكل منهما وجهة نظر سليمة شرعاً وعقلاً.
ولاسيما أن عندنا ـ نحن المسلمين ـ ثروة من المراجع العلمية في هذا الشأن نستطيع من خلالها أن نأخذ المتفق عليه ليعرض بصورة علمية محببة لقلوب المتعلمين عبر وسائل الإعلام. وإذا كان مختلفاً فيها يُعرض القول الراجح بأدلته وكفى مع التنبيه على ذلك.
١ـ فهذا كتاب (البرهان في علوم القرآن) للإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي يقول في خطبته ((لما كانت علوم القرآن لا تحصى، ومعانيه لا تستقصى وجبت العناية به بالقدر الممكن،ومما فات المتقدمين وضع كتاب
стр. 52
يشتمل على أنواع علومه فاستخرت الله تعالى وله الحمد في وضع كتاب في ذلك جامع لما تكلم الناس في فنونه، وخاضوا في نكته وعيونه، وضمنته من المعاني الأنيقة والحكم الرشيقة ما بهر القلوب عجباً ليكون مفتاحاً لأبوابه عنواناً على كتابه، معيناً للمفسر على حقائقه،مطلعاً على بعض أسراره ودقائقه وسميته (البرهان في علوم القرآن) (١) ا. هـ ويحوي سبعة وأربعين نوعاً من علوم القرآن.
٢- وعليه بنى الإمام السيوطي كتابه (الإتقان في علوم القرآن) إذ يقول في مقدمته ولما وقفت على هذا الكتاب ازددت به سروراً، وحمدت الله كثيراً، وقوي العزم على إبراز ما أضمرته ......الخ
وزاد فيه السيوطي أنواعاً أخرى حتى أوصل كتابه إلى ثمانين نوعاً.
والذي يعنينا في هذا المقام هو تحديث الأسلوب في دراسة علوم القرآن فنجد أمامنا كتاب: (مناهل العرفان في علوم القرآن) للشيخ الدكتور/ محمد عبد العظيم الزرقاني فقد جَلَّى هذا العلم وأظهره وجدد أسلوبه وهو جيد في الاعتماد عليه مرجعاً لإعداد البحوث الخاصة بالبرامج الإعلامية وإن كان في بعض الأحيان عالي الأسلوب إلا أن هذه مهمة العلماء المتخصصين في علوم القرآن أن يبسطوا أسلوبه ويجعلوه في متناول السامعين والمشاهدين والمتابعين على الإنترنت.
ونأخذ منه نموذجاً عن (فوائد معرفة أسباب النزول)
стр. 53
فوائد معرفة أسباب النزول
زعم بعض الناس أنه لا فائدة للإلمام بأسباب النزول، وأنها لا تعدو أن تكون تاريخاً للنزول أو جاريةً مجرى التاريخ، وقد أخطأ فيما زعم؛ فإن لأسباب النزول فوائد متعددة، لا فائدة واحدة: (الأولى) معرفة حكمة الله تعالى على التعيين، فيما شرعه بالتنزيل، وفي ذلك نفع للمؤمن وغير المؤمن. أما المؤمن فيزداد إيماناً على إيمانه، ويحرص كل الحرص على تنفيذ أحكام الله والعمل بكتابه لما يتجلى له من المصالح والمزايا التي نيطت بهذه الأحكام ومن أجلها جاء هذا التنزيل. وأما الكافر فتسوقه تلك الحكم الباهرة إلى الإيمان إن كان منصفاً، حين يعلم أن هذا التشريع الإسلامي قام على رعاية مصالح الإنسان، لا على الاستبداد والتحكم والطغيان، خصوصاً إذا لاحظ سيرَ ذلك التشريع وتدرجه في موضوع واحد وحسبك شاهداً على هذا تحريم الخمر وما نزل فيه.
(الفائدة الثانية) الاستعانة على فهم الآية ودفع الإشكال عنها حتى لقد قال الواحدي: لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصّتها وبيان نزولها وقال ابن تيمية: معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب اهـ.
ولنبين لك ذلك بأمثلة ثلاثة: (الأول) قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ١١٥) فهذا اللفظ الكريم يدل بظاهره على أن للإنسان أن يصلى إلى أية جهة شاء، ولا يجب عليه أن يولي وجهه شطر البيت الحرام، لا في سفر ولا حضر. لكن إذا علم أن هذه الآية نازلة في نافلة السفر خاصة، أو فيمن صلى
стр. 54
باجتهاده ثم بان له خطؤه، تبين له أن الظاهر غير مراد، إنما المراد التخفيف على خصوص المسافر في صلاة النافلة أو على المجتهد في القبلة إذا صلى وتبين له خطؤه. عن ابن عمر رضى الله عنهما أن هذه الآية نزلت في صلاة المسافر على الراحلة أينما توجهت. وقيل: عميتُ القبلة على قوم فصلوا إلى أنحاء مختلفة، فلما أصبحوا تبينوا خطأهم فعذروا.وقيل في الآية غير ذلك، ولكن ما ذكرناه يكفيك.
(المثال الثاني) روى في الصحيح أن مروان بن الحكم أشكل عليه معنى قوله تعالى ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (آل عمران: ١٨٨)
وقال لئن كان امرؤ فرح بما أوتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً لنعذبن أجمعون. وبقى في إشكاله هذا حتى بين له ابن عباس أن الآية نزلت في أهل الكتاب حين سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره، وأروه أنهم أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه أي طلبوا منه أن يحمدهم على ما فعلوا. وهنالك زال الإشكال عنه، وفهم مراد الله من كلامه هذا ووعيده.
(المثال الثالث) أشكل على عروة بن الزبير ﵁ أن يفهم فرضية السعي بين الصفا والمروة مع قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (البقرة: ١٥٨) .
وإشكاله نشأ من أن الآية الكريمة نفت الجناح، ونفي الجناح لا يتفق والفرضية في رأيه، وبقى في إشكاله هذا حتى سأل خالته أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها فأفهمتهُ أن نفي الجناح هنا ليس نفياً للفرضيةِ، إنما هو نفي لما
стр. 55
وقر في أذهان المسلمين يومئذٍ من أن السعي بين الصفا والمروة من عمل الجاهلية نظراً إلى أن الصفا كان عليه صنم يقال له (إساف) وكان على المروة صنم يقال له: (نائلة) وكان المشركون إذا سعوا بينهم تمسحوا بهما. فلما ظهر الإسلام وكسر الأصنام تحرج المسلمون أن يطوفوا بينهما لذلك، فنزلت الآية، كذلك جاءت بعض الروايات.
لكن جاء في رواية صحيح البخاري ما نصه: فقال (أي عروة) لها (أي لعائشة) أرأيت قول الله تعالى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ : فوالله ما على أحد جناح ألا يطوف بالصفا والمروة: قالت: بئسما قلت يا بن أختي، إن هذه لو كانت كما أولتها عليه، كانت (لا جُناح عليه ألا يطوف بهما) ولكنها أنزلت في الأنصار،كانوا قبل أن يسُلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل، فكان بعضهم يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة. فلما أسلموا سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك قالوا: يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية قالت عائشة"وقد سن رسول الله ﷺ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما " انتهى ما أردنا نقله ومعنى يهلون: يحجون ومناة الطاغية: اسم صنم وكان صخرة نصبها عمرو بن لحىٍ بجهة البحر فكانوا يعبدونها. والمشلل بضم الميم واللام الأولى مشددة مفتوحة: اسم موضع قريب من قديد من جهة البحر. وقديد بضم القاف: قرية بين مكة والمدينة المنورة وكلمة (سن) معناها في هذا الحديث شرع أو فرض بدليل من السنة لا من الكتاب.
стр. 56
هذه الرواية – كما ترى – تدل على أن عروة فهم من جملة (فلا جناح عليه أن يطوف بهما) أن الجناح منفي أيضا عن عدم الطواف بهما وعلى ذلك تنتفي الفرضية، وكأنه اعتمد في فهمه هذا على أن نفى الجناح، أكثر ما يستعمل في الأمر المباح. أما عائشة ﵂ فقد فهمت أن فرضية السعي بين الصفا والمروة مستفادة من السنة، وأن جملة (فلا جناح عليه أن يطوف بهما) .لا تُنافي تلك الفرضية كما فهم عروة إنما الذي ينفيها أن يقال (فلا جناح عليه ألا يطوف بهما وإنما توجه نفي الحرج في الآية عن الطواف بين الصفا والمروة لأن هذا الحرج هو الذي كان واقراً في أذهان الأنصار، كما يدل عليه سبب نزول الآية الذي ذكرته السيدة عائشة فتدبر.
стр. 57
رابعاً برامج خاصة بالإنترنت
(أ) ترجمة معاني القرآن الكريم
تقسم الترجمة إلى حرفية وتفسيرية، فالترجمة الحرفية هي التي تراعى فيها محاكاة الأصل في نظمه وترتيبه، فهي تشبه وضع المرادف مكان مرادفه وبعض الناس يسمي هذه الترجمة لفظية، وبعضهم يسميها مساوية. والترجمة التفسيرية هي التي تراعى فيها تلك المحاكاة، أي محاكاة الأصل في نظمه وترتيبه، بل المهم فيها حسن تصوير المعاني والأغراض كاملة ولهذا تسمى بالترجمة المعنوية وسميت تفسيرية لأن حسن تصوير المعاني والأغراض فيها جعلها تشبه التفسير.
فالمترجم ترجمة حرفية يقصد إلى كل كلمة في الأصل فيفهمها ثم يستبدل بها كلمة تساويها في اللغة الأخرى مع وضعها موضعها وإحلالها محلها، ويؤدي ذلك إلى خفاء المعنى المراد من الأصل بسبب اختلاف اللغتين في مواقع استعمال الكلام في المعاني المرادة إلفاً واستحسانا.
أما المترجم ترجمة تفسيرية، فإنه يعمد إلى المعنى الذي يدل عليه تركيب الأصل فيفهمه، ثم يصبه في قالب يؤديه من اللغة الأخرى، موافقا لمراد صاحب الأصل، من غير أن يكلف نفسه عناء الوقوف عند كل مفرد ولا استبدال غيره به في موضعه.
ولنضرب مثالا للترجمة بنوعيها على فرض إمكانها في آية من الكتاب الكريم: قال الله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ (الإسراء: ٢٩) فإنك إذا أردت ترجمتها ترجمة حرفية، أتيت بكلام من
стр. 58
لغة الترجمة؛ يدل على النهي عن ربط اليد في العنق وعن مدها غاية المد، مع رعاية ترتيب الأصل ونظامه بأن تأتي بأداة النهي أولا، يليها الفعل المنهي عنه متصلاً بمفعول ومضمرٌفيه فاعله، وهكذا. ولكن هذا التعبير الجديد قد يخرج في أسلوب غير معروف ولا مألوف في تفهيم المترجم لهم ما يرمي إليه الأصل من النهي عن التقتير والتبذير. بل قد يستنكر المترجم لهم هذا الوضع الذي صيغ به هذا النهي ويقولون: ما باله ينهي عن ربط اليد بالعنق وعن مدها غاية المد؟! وقد يلصقون هذا العيب بالأصل ظلما، وما العيب إلا فيما يزعمونه ترجمة للقرآن من هذا النوع.
أما إذا أردت ترجمة هذا النظم الكريم ترجمة تفسيرية، فإنك بعد أن تفهم المراد وهو النهي عن التقتير والتبذير في أبشع صورة منفرة، منها تعمد إلى هذه الترجمة فتأتي منها بعبارة تدل على هذا النهي المراد، في أسلوب يترك في نفس المترجم لهم أكبر الأثر في استبشاع التقتير والتبذير ولا عليك من عدم رعاية الأصل في نظمه وترتيبه اللفظي.
والترجمة لابد أن تفي بمقاصد القرآن الثلاثة: ـ
أن يكون هداية للثقلين، وأن يقوم آية لتأييد النبي ﷺ ، وأن يتعبد الله خلقه بتلاوة هذا الطراز الأعلى من كلامه المقدس.
هداية القرآن:
وهداية القرآن تمتاز بأنها عامة، وتامة، وواضحة.
أما عمومها فلأنها تنتظم الإنس والجن في كل عصر ومصر، وفي كل زمان ومكان.قال الله سبحانه: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (الأنعام: ١٩) وقال جلت حكمته: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ
стр. 59
الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ (الأنعام: ٩٢) ، وقال عز اسمه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ (الأعراف: ١٥٨) وقال عمت رحمته: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (الأحقاف: ٢٩-٣٢) .
وأما تمام هذه الهداية فلأنها احتوت أرقى وأوفى ما عرفت البشرية وعرف التاريخ من هدايات الله والناس، وانتظمت كل ما يحتاج إليه الخلق في العقائد والأخلاق والعبادات والمعاملات على اختلاف أنواعها وجمعت بين مصالح البشر في العاجلة والآجلة، ونظمت علاقة الإنسان بربه وبالكون الذي يعيش فيه، ووفقت بطريقة حكيمة بين مطالب الروح والجسد.
وقال ﷻ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: ١٣) وقال عز من قائل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (البقرة: ١٧٢) وقال تعالت حكمته ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الجمعة: ١٠) .
إلى غير ذلك من آيات. كثيرة.
стр. 60
وأما وضوح هذه الهداية: فلعرضها عرضا رائعا مؤثراً توافرت فيه كل وسائل الإيضاح وعوامل الإقناع: أسلوب فذ معجز في بلاغته وبيانه. واستدلال بسيط عميق يستمد بساطته من كتاب الكون الناطق وأمثال خلابة تخرج أدق المعقولات في صورة أجلى الملموسات. وحكم بالغات تبهر الألباب بمحاسن الإسلام وجلال التشريع. وقصص حكيم مختار يقوي الإيمان واليقين ويهذب النفوس والغرائز ويصقل الأفكار والعواطف، ويدفع الإنسان دفعا إلى التضحية والنهضة ويصور له مستقبل الأبرار والفجار، تصويراً يجعله كأنه حاضر تراه الأبصار في رابعة النهار، والأمثلة على ذلك كثيرة في القرآن، يخرجنا استعراضها عما نحن بسبيله الآن.
والمهم أن نعلم في هذا المقام أن الهدايات القرآنية الكريمة منها ما استفيد من معاني القرآن الأصلية، ومنها ما استفيد من معانيه التابعة، أما القسم الأول فواضح لا يحتاج إلى تمثيل، وهو موضوع اتفاق بين الجميع. وأما القسم الثاني ففيه دقة جعلت بعض الباحثين يجادل فيه وإنا نوضحه لك بأمثلة نستمدها من فاتحة الكتاب العزيز:
منها استفادة أدب الابتداء بالبسملة في كل أمر ذي بال، أخذا من ابتداء الله كتابه بها، ومن افتتاحة كل سورة من سوره بها عدا سورة التوبة.
ومنها: استفادة أن الاستعانة في أي شيء لا تستمد إلا من اسم الله وحده، أخذا من إضافة الاسم إلى لفظ الجلالة موصوفا بالرحمن الرحيم، ومن القصر المفهوم من البسملة على تقدير عامل الجار والمجرور متأخراً، ومن تقدير هذا العامل عاما لا خاصا.
стр. 61
ومنها: استفادة الاستدلال على أن الحمد مستحق لله بأمور ثلاثة: تربيته تعالى للعوالم كلها، ورحمته الواسعة التي ظهرت آثارها وتأصل اتصافه تعالى بها، وتصرفه وحده بالجزاء العادل في يوم الجزاء. وذلك أخذاً من جريان هذه الأوصاف على اسم الجلالة في مقام حمده بقوله سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾
ومنها استفادة التوحيد بنوعيه توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية من القصر الماثل في قوله سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .
ومنها: استفادة دليل هذا التوحيد من الآيات السابقة عليه ووقوعه هو في سياقها عقيبها كما تقع النتيجة عقب مقدماتها.
ومنها: استفادة أن الهداية إلى الصراط المستقيم هي المطمع الأسمى الذي يجب أن يرمي إليه الناس ويتنافس فيه المتنافسون. يدل على ذلك اختيارها والاقتصار على طلبها والدعاء بها ثم انتهاء سورة الفاتحة بها كما تنتهي البدايات بمقاصدها.
ومنها: استفادة أن الهداية لا يرجى فيها إلا الله وحده، لأنها انتظمت مع آيات التوحيد قبلها قي سمط واحد
ومنها: استفادة أدب من الآداب، هو أن يقدم الداعي ثناء الله على دعائه، استنتاجا من ترتيب هذه الآيات الكريمة، حيث تقدم فيها ما يتصل بحمد الله وتمجيده، وتوحيده، على ما يتصل بدعائه واستهدائه.
هذه أمثلة اقتبسناها من سورة الفاتحة ونحن لا نظن أن أحدا يخاصم فيها.
فحسبنا في هذا الموضوع بيان دلالة نظم القرآن الكريم باعتباردلالة معانيه الثانوية على هدايات متنوعة من عقائد وأحكام وآداب وأدلة ولطائف،
стр. 62
دقيقة الطرق، لطيفة المسالك. ومن شأن القرآن الكريم على هداياته باعتبار معانيه الأصلية فإنها واضحة قل أن يقع فيها تفاوت أو خلاف، لأن هذه المعاني – كما قررنا يستوي فيها العربي والعجمي، والحضري والبدوي.
إعجاز القرآن:
المقصد الثاني من نزول القرآن الكريم، أن يقوم في فم الدنيا آية شاهدة برسالة رسوله محمد ﷺ ، وأن يبقى على جبهة الدهر معجزة خالدة تنطق بالهدى ودين الحق ظاهراً على الدين كله! إن بلاغته العليا وجه بارز من هذه الوجوه. بل هي أبرز وجوهه وجوداً وأعظمها أفرادا، لأن كل مقدار ثلاث آيات قصار معجز، ولو كان هذا المقدار من آية واحدة طويلة فقد تحدى الله أئمة البيان أن يأتوا بسورة من مثله، وأقصر سور هي سورة الكوثر، وآياتها ثلاث قصار. وإذا كان أئمة البيان في عصر ازدهاره والنبوغ فيه، قد عجزوا فسائر الخلق أشد عجزا. ولقد فرغنا من أن بلاغة القرآن منوطة بما اشتمل عليه من الخصوصيات والاعتبارات الزائدة وأنت خبير بأنها سارية فيه سريان الماء في العود الأخضر أو سريان الروح في الجسم الحي وأن نظم القرآن الكريم مصدر لهدايته كلها سواء منها ما كان طريقه النظم وما كان طريقه تلك الخصوصيات الزائدة عليه.
التعبد بتلاوة القرآن.
المقصد الثالث من نزول القرآن أن يتعبد الله خلقه بتلاوته، ويقربهم إليه ويأجرهم على مجرد ترديد لفظه ولو من غير فهمه، فإذا ضموا إلى التلاوة فهما زادوا أجر على أجراً، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ
стр. 63
وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (فاطر:٢٩،٣٠) .
وقد سبق الترغيب من السنة وما فيه من الثواب على التلاوة. وبعد أن علمنا المقاصد التي يستصحبها المترجم نذكر جهود المترجمين المسلمين خلال القرن الهجري الماضي،
تعد ترجمة الدكتور عبد الحكيم خان والتي طُبعت بلكنو بالهند عام ١٩٠٥ م (١٣٢٣ هـ) أول ترجمة قام بها مسلم إلى اللغة الإنجليزية. وهناك ما يقرب من حوالي سبع عشرة ترجمة كاملة أو مختارات قام بنقلها مسلمون إلي اللغة الانجليزية هي ترجمة محمد ماديوك بيكتهال، والتي ظهرت في لندن عام ١٩٣٠ م (١٣٤٩ هـ) وكذلك ترجمة الأستاذ عبد الله يوسف وهي ترجمة معروفة ومنتشرة في أوساط المثقفين المسلمين وغير المسلمين، وقد قامت بطبعها رابطة العالم الإسلامي.
أما أول طبعة لهذه الترجمة فقد صدرت في عام ١٩٣٥ م (١٣٥٤ هـ) ، ثم تولى طبعها الأستاذ خليل الرواف في أمريكا عام ١٩٤٦م – ١٣٦٦ هـ تخليداً لذكرى وصول الوفد السعودي إلى أمريكا، ثم طبعتها الرابطة في عام ١٩٦٣م (١٣٨٣ هـ) .
стр. 64
(ب) – القرآن الكريم يوافق العلم ولا يعارضه
إذا تكلم القرآن على شيء من فنون الطب والصناعة والزراعة فإنما يريد أن يوجه الإنسان إلى الإيمان بوجود خالق مبدع لكل الكائنات وإلى ما فيها من خواص طبيعية وقوانين علمية وترتيبات سببية ويريد أن يحيا معها ضمن عقيدة سليمة وتفكير قويم وأن يستخدمها في أسلوب صحيح وأخلاق سامية.
стр. 65
وهذه آيات قرآنية لها مساس بعلم الطب، تضيء الإيمان في جنبات النفس فيستنير الفكر بإشاعات اليقين بالخالق المبدع جل في علاه.وهي في ذاته الوقت توضح الحقائق التي توصل إليها العلم الحديث وذلك يبث في أعماق النفوس معجزة القرآن المتفجرة في كل آن الخالدة على مر الزمان فكما أن العصر الأول وجد فيه البلاغة في صدق دعواه فإن الناس اليوم يجدون فيه سلسلة لا نهاية لها من الإعجاز سواء في النظام الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي أو منهجه التربوي والخلقي أو في إشاراته العلمية للكون والخالق مع التنبيه على أن القرآن لم يكن كتاباً في الطب أو في أي فرع من العلوم وإنما هو منهج هداية ضرب الله فيه للإنسان من كل شيء ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ (الكهف: ٥٤)
فحث القرآن المسلم على التعلم والبحث والتأمل حتى غدت آيات القرآن الكريم معلماً في طريق العلم تمده في مسار صحيح ليؤدي وظيفته في حياة البشر.
ولنعلم أن شقاء البشرية رغم التقدم التكنولوجي الكبير يعود إلى اندفاعها في ركب العلم على غير هدى وبدون أية ضوابط أخلاقية أو إنسانية.
ولم يفد الدول المتقدمة تكنولوجياً علومها عن مضار الخمر والمخدرات والزنى في الحد من ويلاتها المدمرة كما لا نستغرب إذ نسمع أن معدلات العمر الوسطي للبدء في التدخين في الدول الاسكندنافية (السويد والدانمرك والنرويج) هو ثمان سنوات. وهذه هوة واسعة بين علم الإنسان وواقعه، لا توجد بين تعاليم القرآن وواقع المسلم الحق وإنما نجد إيماناً صادقاً يطابقه عمل صالح.فكان لا بد من الإشارة عن هذا التقدم القرآني عبر الإنترنت
стр. 66
جذباً للقلوب لتتشوق إلى معرفة القرآن مع ملاحظة عدم تحميل آيات القرآن أكثر مما تحمل، وتجنب تطويعها للمعطيات العلمية. ولا تفسر بما وصل إليه العلم الحديث إلا بعد أن تكون المعطيات العلمية حقائق ثابتة. حتى نصل إلى أن القرآن بهذا السبق معجز حين طرق فروع الطب ابتداء بعلم الأجنة ومروراً بعلم التشريح الوصفي والنسيجي وعلم الطفيليات والجراثيم وانتهاءً بدراسة الأمراض الجهازية المختلفة.
كيف كانت دهشة الأطباء حينما تعرض القرآن لأهم مشكلات العلوم الحديثة الغامضة التي استعضلت على علماء الاختصاص كتعرضه لمسألة بدء الخلق وعملية تمايز أعضاء الجنين المختلفة ونعرض نموذجاً على ذلك
أطوار التخلق الإنساني (١)
قال تعالى في سورة نوح ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾ (نوح: ١٣-١٤) . يبين ﵎ أن تخلق الإنسان إنما يتم على أطوار متتالية، ثم يشير في سورة المؤمنين إلى أهم هذه الأطوار حيث يقول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (المؤمنون:١٥:١٢) .
إن الناظر اليوم،في هذه الآيات البينات وهو يضع في جعبته حقائق القرن العشرين عن علم الأجنة Embryology يشعر بأن الله ﵎ إنما
стр. 67
خَصَّه هو بهذه الآيات،وإن كانت قد نزلت منذ أربعة عشر قرناً من الزمان، لأنها تخاطبه باللغة التي يتباهى بها اليوم!!
فهذه الآيات تحوي على إيجازها أهم أطوار تخلق الجنين في بطن أمه وهي "النطفة، والعلقة، والمضغة، ومرحلة تخلق الأجهزة، ثم الخلق الآخر" هذه الأطوار التي استخدم لها القرآن ألفاظاً لم يستطع العلم الحديث إلا أن يستخدمها، وبذلك نجد أن الآيات القرآنية قد جاءت إضافة لإعجازها العلمي بإعجاز بلاغي فريد ومدهش.والآن لنسر مع آيات القرآن في تلك الأطوار التي أشارت إليها:
ـ من النطفة إلى العلقة: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ (المؤمنون: ١٤) ما إن يتم التحام النطفة بالبيضة، حتى تباشر البيضة الملقحة بالانقسام إلى خليتين، فأربع، فثمانٍ، وهكذا دون زيادة في حجم مجموع هذه الخلايا عن حجم البيضة الملقحة، وتتم عملية الانقسام هذه والبيضة في طريقها إلى الرحم، تدفعها حركة أهداب البوق، والتقلصات العضلية المنتظمة لعضلات جدار البوق. حتى إذا وصلت إلى الرحم كانت كتلة من الخلايا الصغيرة الضلعة، يطلق عليها اسم التوته Marula حيث تشبه ثمرة التوت بتقسيمها الخارجي، ثم لاتلبث الخلايا السطحية لهذه الكتلة ان تفترق عن الخلايا الداخلية، وتصبح بشكل خلايا أسطوانية، ومهمة هذه الخلايا تأمين الغذاء وتسمى بالخلايا المغذية – Troph blast وبذلك يصبح محصول الحمل قابلاً للتعشيش، فتغرس الخلايا المغذية استطالاتها في مخاطبة الرحم،وتستمر عملية العلوق مدة (٢٤) أربع وعشرين ساعة، وبذلك تنتهي مرحلة تشكل العلقة. وقد لا يدرك روعة التصوير القرآني لهذه المرحلة بالعلقة إلا من شاهد تلك الكتلة الخلوية
стр. 68
وهي عالقة علوقاً - وليس التصاقاً - بواسطة تلك الاستطالات التي غرستها في مخاطبة الرحم، وما أجدرنا هنا أن نُعِّرج على هذه الآيات التي تذكر الإنسان بتلك اللحظات التي كان فيها مجموعة خلوية عالقة بجدار رحم الأم، تستمد منها الدفء والغذاء والسكن، فيقول في أول سورة نزلت من القرآن، وأسماها الحق ﵎ بالعلق ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خلق الإنسان من علقٍ﴾ (العلق:١-٢)
ـ من العلقة إلى المضغة: ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ (المؤمنون:١٤) .
بعد عملية العلوق تبدأ مرحلة المضغة في الأسبوع الثالث، بتشكل اللوحة المضغية، وذلك ابتداءً من الخلايا المضغية Embryoblast،وهي الخلايا التي بقيت بعد انفصال الخلايا المغذية.واللوحة المضغية هي عبارة عن قرص مؤلف في البدء من وريقتين: خارجية Ectoderm،وداخلية Endoderm،ثم تتشكل بينهما وريقة ثالثة هي الوريقة المتوسطة ’Mesoderm،وحتى نهاية الأسبوع الرابع لايكون هناك أي تمايز لأي عضو أو جهاز،ويمكن أن نسمي هذه المرحلة بالمضغة غير المخلقة. ثم يمر الحمل في أدق مراحله وأصعبها، حيث يطرأ على اللوحة المضغية المؤلفة من الوريقات الثلاث جملة تغيرات نسيجية هادفة ومدهشة ابتداء من الأسبوع الخامس، وتسمى بعملية التمايز Defferention،أو كما أسماها القرآن (التخلق) ،فكل زمرة من خلايا هذه الوريقات تأخذ على عاتقها تشكيلاً واحداً من أجهزة الجسم أو أعضائه، وذلك في إطار من التكامل والتنسيق بين هذه الأجهزة،وهي تنمو وتتطور، ليكون الإنسان في أحسن تقويم،وتنتهي عملية التخلق في نهاية الشهر الثالث تقريباً، ويكون طول الجنين عندها (١٠) سم،ويزن حوالي (٥٥) ج.ويمكن
стр. 69
تسمية هذه المرحلة بمرحلة المضغة المخلقة. فطور المضغة يمر إذاً بمرحلتين: المرحلة الأولى حيث لم يتشكل فيها أي عضو أو جهاز وأسميناها مرحلة المضغة المخلقة وهكذا يتضح جلياً إعجاز القرآن الكريم في وصفه لطور المضغة بقوله: ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ (الحج:٥) .
اللغز المحير: لا بد أن يستوقفنا ونحن نتكلم على عملية التخلق سؤال هام، وهو: كيف يمكن للخلايا المضغية Embryoblast المتماثلة تماماً في بنائها أن تعطي هذه الوريقات الثلاث (الداخلية والخارجية والمتوسطة) المختلفة بعضها عن بعض؟، ثم كيف يمكن للخلايا المتماثلة في كل وريقة على حدة أن تعطي الأجهزة المختلفة في بنائها ووظائفها وخصائصها؟ (١) ...فالوريقة الخارجية مثلاًيتشكل منها:الدماغ،والأعصاب،وبشرة الجلد ولواحقه من الغدد والأشعار والأغشية المخاطية بالفم والأنف.والوريقة المتوسطة يتشكل منها: القلب والأوعية الدموية، والدم، والعظام، والعضلات، والكليتين، وأدمغة الجلد،وقسم من الغدد الصماء أما الوريقة الداخلية،فيتشكل منها: مخاطية الجهاز التنفسي،والطريق الهضمي، والغدة الدرقية،والغدة جار الدرقية، والكبد،والبنكرياس. أجل،كيف تم ذلك؟ ومن الذى دفع هذه الخلايا المتماثلة الضعيفة لتعطي كل هذا من مراكز التفكير والشعور والإبداع؟ وكل هذا من مصانع الدم والسكاكر والبروتين؟ وكل هذا من أجهزة التكيف والراحة ومن وسائل الوقاية والحماية والأمن في الجسم؟ إنه اللغز الذي حير وما زال يحير كل علماء الدنيا حتى يعلموا أن المبدع والموجه في هذه الحياة،هو الله ...ويوم يَصِلون إلى حل هذا اللغز فسيوقنون أكثر أنه
стр. 70
﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الحشر:٢٤) .
ويتمالكنا العجب ونحن نرى أن القرآن قد أشار لهذا اللغز. في آيات تعد منارات هداية على طريق العلم، وبواعث تدفع للبحث والتحليل باستمرار، وقال تعالى في سورة الحج ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ ، ثم يؤكد هذه الناحية حيث يقول في سورة المؤمنون ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً﴾ فهذه الآية لا تشير فقط إلى بدء تشكل العظام قبل تشكل اللحم (العضلات) ، كما لا تقتصر على الإبداع التعبيري الواقعي في تصوير علاقة العضلات بالعظام على علاقة كساء. ومن يدرس التشريح يعلم تماماً كيف تحيط العضلات بالعظام كأنها كساؤها أجل لا تقتصر الآية على ذلك فقط،وإنما تشير في تقديرنا إلى عملية التمايز والتخلق التي تبتدئ من تلك المضغة الصغيرة: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً﴾ .
ثم أنشأناه خلقاً آخر (طور الجنين)
يميل محصول الحمل نحو الزيادة في الوزن بعد الشهر الثالث، وتسعى الأجهزة التي تشكلت نحو التكامل، حتى إن بعض الأجهزة تبدأ عملها أثناء الحياة الجنينية، كالقلب وجهاز الهضم، ويقوم نقي العظام بتكوين عناصر الدم.
وبشكل عام فإن أهم ما يطرأ على الجنين بعد الشهر الثالث هو: الحركة، ونبضان القلب واستقلاله، وتسعى الأجهزة التي تشكلت نحو التكامل، حتى إن بعض الأجهزة تبدأ عملها أثناء الحياة الجنينية، كالقلب وجهاز الهضم، ويقوم نقي العظام بتكوين عناصر الدم ....
стр. 71
وبشكل عام فإن أهم ما يطرأ على الجنين بعد الشهر الثالث هو: الحركة، ونبضات القلب واستقلال فراز المشيمة الغدي، والنمو المتسارع في حجم الجنين وتكامل شكله الخارجي.
أما الحركة فتبدأ في آخر الشهر الثالث وابتداء الرابع حيث تتم عملية إتصال الجهاز العصبي بالأجهزة، والعضلات، وتشعر الحامل بحركات حنينها الفاعلة في الشهر الرابع، أو قبل ذلك في المولودات. أما نبضات القلب، فتبدأ بعد بداية الشهر الرابع، ويمكن سماعها أيضاً، وتكون واضحة في الشهر الخامس تذكر الدكتورة فلك الجعفري: (أن أحد الأساتذة المصريين أراد تسجيل أول دقة للقلب، وعندما ابتدأ مشعر المسجل بالحركة، قال هنا الله أي هنا قدرة الله) .
وبالنسبة لاستقلال المشيمة الغدي، فهو مباشرتها بإفراز الهرمونات اللازمة لاستمرار الحمل بعد أن أصبحت الكميات التي يفرزها المبيض غير كافية، ولأن متطلبات الحمل من هذه الهرمونات تصبح أكبر بكثير من كفاءة المبيض.
أما نمو الجنين فيكون سريعاً في هذه المرحلة، فبعد أن كان وزنه في نهاية الشهر الثالث (٥٥) غ، وطوله (١٠) سم، يصبح وزنه عند تمام الحمل حوالي (٣٢٥٠) غ، وطوله (٥٠) سم وخلال هذه الفترة، يتكامل شكله الخارجي، فيصبح لون الجلد أحمر، وتنبسط تجعداته، وتسقط عنه الأوبار، وتنفتح الجفون، وتتكامل الأظافر ....
وبهذا الاستعراض السريع لأهم ميزات هذه المرحلة نجد أن تلك المضغة قد أخذت بعداً آخر، اكتسبت فيه قدرة على الحركة، وابتدأ بها القلب
стр. 72
بالنبضان بلا توقف، ولهذا أشار القرآن بعد عرضه لسلسلة أطوار تخلق الجنين، حيث قال: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾ . ولعل أكثر الناس شعوراً بهذا البعد ليس الطبيب وإنما الأم الحامل التي ما إن تشعر بحركات جنينها حتى تحس بشيء لم تعهده من قبل،إنها تحس أن روحاً أخرى تدب في أعماقها، فتظهر علامات الارتياح على ملامحها، وتعلو البسمة محياها،وإذا ما غابت عنها تلك الحركات مدة بسيطة، قلقت وتأرقت.
وأبعد من هذا فقد وجد العلماء أن الجنين يبدأ في آخر الحمل بالسماع، ومما يسترعي سمعه وهو في بطن أمه،ذلك الصوت الحنون الخالد الذي لا يعرف إلا الحب والحنان والعطاء إنه صوت خفقان القلب الكبير قلب أمه،وهكذا تنشأ صلات الحب والمسؤلية بين الأم ووليدها، في الوقت الذي تعاني فيه الأم من الوهن والعذاب ما لا يحتمله غيرها، ولذلك قال تعالى في سورة لقمان: ﴿وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (لقمان:١٤)
وبعد أن وقفنا على أطوار خلقنا البديعة المدهشة، هل لنا أن نقدر الله حق قدره؟، هل لنا أن نرجو لله وقاراً؟ .... ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾ (نوح:١٣-١٤)
ـ تشخيص الحمل اليقيني والعدة:
إن الشعور بحركة الجنين، وسماع نبضات القلب،هما العلامتان اليقينيتان لتشخيص الحمل، وكل العلامات التي تسبقها كانقطاع الطمث، وأعراض الوحام، وحتى إيجابية تفاعل الحمل الحيوي، لا تعد علامات يقينية نستطيع
стр. 73
على أساسها القطع بحصول الحمل، فهناك حالات مرضية، يمكن أن تعطي نفس الأعراض، كالرحى العدارية، والورم الكوريوني البشري، والحمل الهستريائي.
وكما لاحظنا أن هاتين العلامتين: شعور الحامل بحركة جنينها،وسماع الطبيب لدقات قلب الجنين، يحصلان بعد الشهر الرابع، وهذا ما بينه القرآن الكريم منذ ألف وأربع مئة عام، حيث قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ (البقرة:٢٣٤)
إن وجه الإعجاز في هذه الآية الكريمة ظاهر بلا شك، وهي تقرر ما يسمى بعدة المرأة التي توفي زوجها، حيث حددت وبالضبط المدة التي يصبح عندها أو بعدها تشخيص الحمل يقينياً.
أما عن الحكمة في هذه العدة فيعلمها الأطباء الشرعيون، إذ يجب أن يعرف ما إذا كان الحمل من الزوج المتوفى أم لا، وحتى لا تنسب المرأة حملاً حملته سفاحاً لزوجها المتوفى، وحتى لاينكر أهل الزوج المتوفى بنوة الجنين الجديد لأبيه بغية التخلص من ميراثه، ويتهمون الأم البريئة بأن حملها هذا سفاحاً أو من زوجها الجديد وإلى آخر ما هنالك من المشكلات أو المظالم التي قد تقع.
وأحب ألا أنتهي من هذا الموضوع حتى أنبهك إلى شيء آخر جدير بالنظر والتقدير: وهو أن القرآن الكريم في طريقة عرضه للهداية والإعجاز على الخلق قد حاكم الناس إلى عقولهم، وفتح عيونهم إلى الكون وما في سماء وأرض، وبر وبحر وحيوان ونبات، وظواهر؛ ونواميس وسنن.وكان القرآن في طريقة عرضه هذه موفقاً كل التوفيق، بل كان معجزاً أبهر الإعجاز؛ لأن حديثه عن تلك الكونيات كان حديث العليم بأسرارها، الخبير بدقائقها،
стр. 74
المحيط بعلومها ومعارفها، على حين أن هذا الذي جاء بالقرآن رجل أمي، نشأ في أمة أمية جاهلة، لا صلة لها بتلك العلوم وتدوينها ولا إلمام لها بكتبها ومباحثها. بل إن بعض تلك العلوم لم ينشأ إلا بعد عهد النبوة ومهبط الوحي بقرون وأجيال. فأنى يكون لرجل أمي كمحمد ذلك السجل الجامع لتلك المعارف كلها إن لم يكن تلقاه من لدن حكيم عليم؟ قال سبحانه مقرراً الإعجاز العلمي: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ .
فانظر إلى قوله في سورة القيامة مبيناً ومقرراً اقتداره على إعادة الإنسان وبعثه بعد موته: ﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ. بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ . أرجو أن تقف قليلا عند تخصيصه (البنان) بالتسوية في هذا المقام. ثم تستمع بعد ذلك إلى هذا العلم الوليد (علم تحقيق الشخصية) في عصرنا الأخير، وهو يقرر أن أدق شيء وأبدعه في بناء جسم الإنسان، هو تسوية البنان، حتى إنه لا يمكن أن تجد بناناً لأحد يشبه آخر بحال من الأحوال. وقد انتهوا من هذا القرار إلى أن حكَّموا البنان في كثير من القضايا (والحوادث فتبارك الله أحسن الخالقين) ! ولا أريد أن أطيل عليك في هذا الموضوع؛ فمعجزات القرآن العلمية لها ميدان آخر. إنما هي نظرة خاطفة نوضح بها المراد بعلوم القرآن والله وحده هو المحيط بأسرار كتابه. ولا يزال الكون وما يحدث في الكون من علوم وفنون وشؤون لا يزال كل أولئك يشرح القرآن ويفسره، ويميط اللثام عن نواح كثيرة من أسراره وإعجازه، مصداقاً لقوله جلَّ ذكره ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ . ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
стр. 75
خاتمة وتوصيات:
ائل الإعلام الصحيح لابد أن تنطلق من منطلق إسلامي يتمثل في: ـ
١ـ خضوع المبادئ والأسس الإعلامية للمنطلقات الإيمانية والقيم الفاضلة حتى يمكن تطبيقها عملياً.
٢ـ الاستيعاب الجيد لتقنيات الوسائل الإعلامية الحديثة حتى يمكن تطبيق هذه التقنيات وممارستها في إنتاج المواد الإعلامية المختلفة.
٣ـ الحرص على احتواء المواد الإعلامية وصبغتها بالصبغة الإسلامية.
٤ـ العناية والتركيز على نشر اللغة العربية وآدابها وفنونها.
٥ـ الاهتمام بواقع العالم الإسلامي وحاضره اليوم
إن العالم الإسلامي المعاصر يعيش الآن مرحلة من أخطر المراحل؛ إذ أصبح عالمنا اليوم يعيش ثورات في المعلومات والاتصالات والتكنولوجيا.
ويحتاج المسلمون اليوم إثبات دورهم ومواجهة شتى التيارات التي تحيط بهم من كل جانب بعد الإيمان بالله والثقة في نصره إلى أسس يسيرون عليها: ـ
١ـ ضرورة التزام الشرع وإعمال العقل والبعد عن الخرافات والأوهام.
٢ـ الإقبال بكل همة على العلم بجميع مجالاته والتنافس من أجل التفوق فيه.
٣ـ الوعي بأن إعمار الأرض يعد مسؤولية دينية تحقق إرادة الله الذي أمرنا بذلك في قوله ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾
لنعلم من ذلك أن الحضارة فريضة إسلامية.
٤- تغليب المصلحة العامة للمسلمين على المصالح الذاتية للأفراد والجماعات والتنسيق والتكامل والتعاون في جميع المجالات.