بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد ان محمداً عبده ورسوله.
أما بعد فقد اقتضت مصلحة تيسير المراجعة لأحكام الجنائز أن ألخصها وأقرب أحكامها لمن شاء الرجوع إليها وأخذ فكرة عامة سريعة عنها، وبخاصة عند حلول المناسبة مثل وفاة قريب أو حبيب لديه، فغنه مما لا يخفى أن الرجوع إلى كتابي أحكام الجنائز وبدعتها وقراءته كله والإحاطة بما فيه من الأحكام اللازمة في مثل هذا الحال مما لا يتيسر لأقل الناس لذلك رأيت أن ألخصه وأقرب إلى عامة القراء فوائده وبذلك أكون قد حققت رغبة ذلك الأخ العزيز الذي كان السبب المباشر لتأليف الحكام كما كنت ذكرت ذلك في ال مقدمة وهي رغبة يشاركه فيها الكثيرون من محبي السنة النبوية والحريصين على إحيائها في مختلف بلاد الدنيا عربا وعجما حتى أن بعضهم أقدم في مصر على اختصار الكتاب دون إذن مني أو علم ولعله قصد بذلك الأجر الأخروي فقط فإن الكثيرين من الناشرين والطابعين أخذوا يسرقون مؤلفاتي ويطبعونها ليتاجروا بها ويأكلوا ربحها سحتا وقد بلغت ببعضهم الوقاحة إلى حد انه طبع عليها عبارة طبع المكتب الإسلامي وهو بذلك مدلس كاذب ولقد كنا نشكو ولا نزال من سرقة الكتب وطبعها كما هي على طريقة التصوير الأوفست. وإذا بهذا البعض تصل به الجرأة إلى طبعه على طريقة تنضيد الأحرف والطبع من جديد ويدلس على الناس بأنها من طبع المكتب الإسلامي بطبع اسم المكتب عليه ولقد بلغني أن بعضهم أفتى بجواز سرقة الكتب وطبعها والتجارة بها دون إذن من مؤلفها وناشرها وهذا ظلم فاضح واستغلال غير شريف لجهود الآخرين من المؤلفين والناشرين الذين اتخذوا التأليف والنشر وسيلة من أشرف وسائل كسب الرزق الحلال فكيف يليق بمسلم بل بكافر أن يقطع عن هؤلاء رزقهم ويأكل هو ربح جهودهم وأتعابهم بله الإفتاء بجوازه؟ تالله إنها لإحدى الكبر!
стр. 2
ومن العجب ان يتنبه الرجال الغربيون لمثل هذا الظلم فيسنون القوانين العادلة لحفظ حقوق المؤلفين والناشرين والحيلولة بين السارقين وظلمهم ولا يتنبه له بعض المسلمين وهم يعلمون أن من دينهم تحريم الظلم مطلقا كمثل قوله تعالى في الحديث القدسي: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا..". رواه مسلم في صحيحه وقول النبي ﷺ اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة". أخرجه البخاري ومسلم.
ولقد سمعت من بعض المغفلين الذين لا فقه عندهم انه يستجيز مثل هذه السرقة بحجة نشر العلم والله يعلم أن السارقين ما بهم نشر العلم وإنما همهم جمع المال بجهود غيرهم بدليل أنهم قد يطبعون ما لا يروق لهم من الناحية العلمية أو المذهبية من الكتب وما ذلك إلا لعلمهم برواجها وإقبال الناس عليها ومع ذلك فهم يقدمون على طبعها وسرقتها عملا بقاعدة من لا خلاق لهم الغاية تبرر الوسيلة فالله تعالى حسيبهم ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾ .
واعلم أيها القارئ الكريم أنني في هذا التلخيص قد حذفت تخريج الأحاديث اكتفاء بالأصل ولالتزامنا فيها الصحة كما هي عادتنا في كل مؤلفاتنا والحمد لله دائما وأبدا كما حذفت شيئا من بعض متونه وكثيرا من التعليقات التي لا صلة قوية لها بموضوع الكتاب وأضفت إليه قليلا من الفوائد التي لم تكن في الأصل.
والله أسأل ان ينفع به المسلمين ويجعله كأصله وسائر مؤلفاتي عونا لهم على اتباع الكتاب والسنة واستئنافهم للحياة الاسلامية التي لا سبيل إليها إلا بالعلم النافع والعمل الصالح إنه سميع مجيب.
عمان- الأردن ١٣ جمادى الآخر سنة ١٤٠٢هـ
محمد ناصر الدين الألباني.
стр. 3
١- ما يجب على المريض
١ - على المريض أن يرضى بقضاء الله ويصبر على قدره ويحسن الظن بربه ذلك خير له لقوله ﷺ :
"عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له".
وقوله ﷺ : "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى".
٢ - وينبغي عليه أن يكون بين الخوف والرجاء يخاف عقاب الله على ذنوبه ويرجو رحمة ربه لحديث أنس المعروف عند الترمذي وغيره:
أن النبي ﷺ دخل على شاب وهو بالموت فقال: كيف تجدك؟ قال: والله يا رسول الله إني أرجو الله وإني أخاف ذنوبي فقال رسول الله ﷺ : "لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وأمنه مما يخاف"
٣ - ومهما اشتد به المرض فلا يجوز له أن يتمنى الموت.
صحيح فإن كان لا بد فاعلا فليقل: اللهم أحييني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي.
٤ - وإذا كان عليه حقوق فليؤدها إلى أصحابها إن تيسر له ذلك وإلا أوصى لأمره ﷺ بذلك.
٥ - ولا بد من الاستعجال بمثل هذه الوصية لقوله ﷺ :
"ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين وله شيء يريد أن يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه قال ابن عمر:
стр. 4
ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ قال ذلك إلا وعندي وصيتي.
٦ - ويجب أن يوصي للأقربين الذين لا يرثون منه لقوله ﵎: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ .
٧ - صحيح وله أن يوصي بالثلث من ماله ولا يجوز الزيادة عليه بل الأفضل أن ينقص منه لحديث سعد بن أبي وقاص ﵁ الثابت في الصحيحين:
كنت مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع فمرضت مرضا أشفيت منه على الموت فعادني رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إن لي مالا كثيرا وليس يرثني إلا ابنة لي أفأ وصي بثلثي مالي؟ قال: لا. قلت: بشطر مالي؟ قال: لا. قلت: فثلث مالي؟ قال:
"الثلث والثلث كثير" إنك يا سعد أن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس وقال بيده إنك يا سعد لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله تعالى إلا أجرت عليها حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك.
قال: فكان بعد الثلث جائزا
وقول ابن عباس ﵁:
وددت أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع في الوصية لأن النبي ﷺ قال: "الثلث كثير"
٨ - ويشهد على ذلك رجلين عدلين مسلمين فإن لم يوجدا فرجلين من غير المسلمين على أن يستوثق منهما عند الشك بشهادتهما حسبما جاء بيانه في قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا
стр. 5
نَشْتَرِي بِه ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً١ فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ . ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ
٩ - وأما الوصية للوالدين والأقربين الذين يرثون من الموصي فلا تجوز لأنها منسوخة بآية الميراث وبين ذلك رسول الله ﷺ أتم البيان في خطبته في حجة الوداع فقال:
"إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث".
١٠ - ويحرم الإضرار في الوصية كأن يوصي بحرمان بعض الورثة من حقهم من الإرث أو يفضل بعضهم على بعض فيه لقوله ﵎: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ. . . . مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً. . .ثم قال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ .
ولقوله ﷺ :
"لا ضرر ولا ضرار من ضار ضاره الله ومن شاق شاقه الله".
١١ - والوصية الجائرة باطلة مردودة لقوله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد".
стр. 6
١٢ - ولما كان الغالب على كثير من الناس في هذا الزمان الابتداع في دينهم ولا سيما فيما يتعلق بالجنائز كان من الواجب أن يوصي المسلم بأن يجهز ويدفن على السنة عملا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ .
ولذلك كان أصحاب رسول الله ﷺ يوصون بذلك والآثار عنهم بما ذكرنا كثيرة تراجع في الأصل منها: عن حذيفة قال:
إذا أنا مت فلا تؤذنوا بي أحدا فإني أخاف أن يكون نعيا وإني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن النعي.
ولهذا قال النووي رحمه الله تعالى في الأذكار:
ويستحب له استحبابا مؤكدا أن يوصيهم باجتناب ما جرت العادة به من البدع في الجنائز ويؤكد العهد بذلك.
стр. 7
تلقين المحتضر .
١٣ - فإذا حضره الموت فعلى من عنده أمور:
أ - أن يلقنوه الشهادة لقوله ﷺ :
"لقنوا موتاكم لا إله إلا الله من كان آخر كلامه لا إله إلا الله عند الموت دخل الجنة يوما من الدهر وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه".
ب ج - أن يدعوا له ولا يقولوا في حضوره إلا خيرا لقوله ﷺ :
"إذا حضرتم المريض أو الميت فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون".
١٤ - وليس التلقين ذكر الشهادة بحضرة الميت وتسميعها إياه بل هو أمره بأن يقولها خلافا لما يظن البعض والدليل حديث أنس ﵁:
أن رسول الله ﷺ عاد رجلا من الأنصار فقال: يا خال قل: لا إله إلا الله. فقال: أخال أم عم؟ فقال: بل خال فقال: فخير لي أن أقول: لا إله إلا الله؟ فقال النبي ﷺ : "نعم".
١٥ - وأما قراءة سورة يس عنده وتوجيهه نحو القبلة فلم يصح حديث بل كره سعيد بن المسيب توجيهه إليها وقال: أليس الميت امرأ مسلما؟.
وعن زرعة بن عبد الرحمن أنه شهد سعيد بن المسيب في مرضه وعنده أبو سلمة بن عبد الحمن فغشي على سعيد فأمر أبو سلمة أن يحول فراشه إلى الكعبة فأفاق فقال: حولتم فراشي؟ فقالوا: نعم فنظر إلى أبي سلمة فقال: أراه بعلمك؟ فقال: أنا أمرتهم فأمر سعيد أن يعاد فراشه.
стр. 8
١٦ - ولا بأس في أن يحضر المسلم وفاة الكافر ليعرض الإسلام عليه رجاء أن يسلم لحديث أنس ﵁ قال:
كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض فأتاه النبي ﷺ يعوده فقعد عند رأسه فقال له: أسلم فنظر إلى أبيه وهو عنده؟ فقال له: أطع أبا القاسم فأسلم فخرج النبي ﷺ وهو يقول:
"الحمد لله الذي أنقذه من النار" فلما مات قال:
"صلوا على صاحبكم".
стр. 9
٣- ما على الحاضرين بعد موته.
١٧ - فإذا قضى وأسلم الروح فعليهم عدة أشياء:
أب - أن يغمضوا عينيه ويدعوا له أيضا لحديث أم سلمة قالت:
دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال: إن الروح إذا قبض تبعه البصر فضج ناس من أهله فقال: "لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون". ثم قال:
"اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وأفسح له في قبره ونور له فيه".
ج - أن يغطوه بثوب يستر جميع بدنه لحديث عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ حين توفي سجي ببردة حبرة.
د - وهذا في غير من مات محرما فإن المحرم لا يغطى رأسه ووجه لحديث ابن عباس قال:
بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته أو قال: فأقعصته فقال النبي ﷺ : "اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين" وفي رواية: "في ثوبيه اللذين أحرم فيهما". . . ولا تحنطوه وفي رواية: "لا تطيبوه ولا تخمروا رأسه ولا وجهه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا".
هـ - أن يعجلوا بتجهيزه وإخراجه إذا بان موته لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا:
أسرعوا بالجنازة. . الحديث وسيأتي بتمامه في المسألة ٥٠.
و أن يدفنوه في البلد الذي مات فيه ولا ينقلوه إلى غيره لأنه ينافي الإسراع المأمور به في حديث أبي هريرة المتقدم.
стр. 10
ولذلك قالت عائشة لما مات أخ لها بوادي الحبشة فحمل من مكانه:
ما أجد في نفسي أو يحزنني في نفسي إلا أني وددت أنه كان دفن في مكانه
قال النووي في الأذكار:
وإذا أوصى بأن ينقل إلى بلد آخر لا تنفذ وصيته فإن النقل حرام على المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون وصرح به المحققون.
ز - أن يبادر بعضهم لقضاء دينه من ماله ولو أتى عليه كله فإن لم يكن له مال فعلى الدولة أن تؤدي عنه إن كان جهد في قضائه فإن لم تفعل وتطوع بذلك بعضهم جاز وفي ذلك أحاديث تراها في الأصل.
стр. 11
٤- ما يجوز للحاضرين وغيرهم .
١٨ - ويجوز لهم كشف وجه الميت وتقبيله بين عينيه لتقبيل أبي بكر النبي ﷺ بعد موته والبكاء عليه ثلاثة أيام لحديث صحيح عائشة ﵂ قالت:
أقبل أبو بكر ﵁ على فرسه من مسكنه ب السنح حتى نزل فدخل على المسجد وعمر يكلم الناس فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة ﵂ فتيمم النبي ﷺ وهو مسجى ببردة حبرة فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبله بين عينيه ثم بكى فقال: بأبي أنت وأمي يا نبي الله لا يجمع الله عليك موتتين أما الموتة التي عليك فقد متها وفي رواية: لقد مت الموتة التي لا تموت بعدها.
وحديث عبد الله بن جعفر ﵁:
أن النبي ﷺ أمهل آل جعفر ثلاثا أن يأتيهم ثم أتاهم فقال:
"لا تبكوا على أخي بعد اليوم". . الحديث.
وسيأتي لفظه في التعزية إن شاء الله تعالى
صحيح وحديث أنس ﵁ قال:
دخلنا مع رسول الله ﷺ على أبي سيف - وكان ظئرا١لإبراهيم ﵇ فأخذ رسول الله ﷺ ﷺ إبراهيم فقبله وشمه.
ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه فجعت عينا رسول الله ﷺ تذرفان فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟ فقال: "يا ابن عوف؟ إنها رحمة".
ثم أتبعها بأخرى فقال:
"إن العين لتدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما نرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون".
стр. 12
٥- ما يجب على أقارب الميت .
١٩ - ويجب على أقارب الميت حين يبلغهم خبر وفاته أمران:
الأول: الصبر والرضا بالقدر لقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ .
ولحديث أنس بن مالك ﵁ قال:
مر رسول الله ﷺ بامرأة عند قبر وهي تبكي فقال لها:
"اتقي الله واصبري".
فقالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي قال: ولم تعرفه فقيل لها: هو رسول الله ﷺ فأخذها مثل الموت فأتت باب رسول الله ﷺ ولم تجد عنده بوابين فقالت: يا رسول الله إني لم أعرفك. فقال رسول الله ﷺ : "إن الصبر عند أول الصدمة".
والصبر على وفاة الأولاد له أجر عظيم وقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة أذكر بعضها:
أولا: ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهم الله وأبويهم الجنة بفضل رحمته قال: ويكونون على باب من أبواب الجنة فيقال لهم: ادخلوا الجنة فيقولون: حتى يجيء أبوانا فيقال لهم: ادخلوا الجنة أنتم وأبواكم بفضل رحمة الله.
ثانيا: أيما امرأة مات لها ثلاثة من الولد كانوا حجابا من النار. قالت: امرأة: واثنان؟ قال: واثنان.
стр. 13
الثاني: الاسترجاع وهو أن يقولك إنا لله وإنا راجعون للآية المتقدمة ويزيد عليه قوله:
اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها لحديث أم سلمة في صحيح مسلم وغيره.
٢٠ - ولا ينافي الصبر أن تمتنع المرأة من الزينة كلها حدادا على وفاة ولدها أو غيره إذا لم تزد على ثلاثة أيام إلا على زوجها فتحد أربعة أشهر وعشرا لحديث زينب بنت أبي سلمة قالت: دخلت على أم حبيبة زوج النبي ﷺ فقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا".
ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها فدعت بطيب فمست ثم قالت: ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول:. . . . فذكرت الحديث.
٢١ - ولكنها إذا لم تحد على غير زوجها إرضاء للزوج وقضاء لوطره منها فهو أفضل لها ويرجى لهما من وراء ذلك خير كثير كما وقع لأم سليم وزوجها أبي طلحة الأنصاري ﵄ وقصتهما في ذلك طويلة ولولا ذلك لسقتها هنا فلتراجع في الأصل.
стр. 14
٦- ما يحرم على أقارب الميت .
٢٢ - لقد حرم رسول الله ﷺ أمورا كان ولا يزال بعض الناس يرتكبونها إذا مات لهم ميت فيجب معرفتها لاجتنابها فلا بد من بيانها:
أ - النياحة١ وفيها أحاديث كثيرة تراها في الأصل منها قوله ﷺ : "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت"
ب - ج - ضرب الخدود وشق الجيوب لقوله ﷺ :
"ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعى بدعوى الجاهلية".
د - حلق الشعر لحديث أبي بردة بن أبي موسى قال:
صحيح وجع أبو موسى وجعا فغشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله فصاحت امرأة من أهله فلم يستطع أن يرد عليها شيئا فلما أفاق قال: أنا بريء ممن بريء منه رسول الله ﷺ فإن رسول الله ﷺ بريء من الصالقة٢ والحالقة والشاقة.
هـ - نشر الشعر لحديث امرأة من المبايعات قالت:
كان فيما أخذ علينا رسول الله ﷺ في المعروف الذي أخذ علينا أن لا نعصيه فيه وأن لا نخمش وجها ولا ندعو ويلا ولا نشق جيبا وأن لا ننشر شعرا.
و إعفاء بعض الرجال لحاهم أياما قليلة حزنا على ميتهم فإذا مضت عادوا إلى حلقها فهذا الإعفاء في معنى نشر الشعر كما هو ظاهر يضاف إلى ذلك أنه بدعة وقد قال ﷺ : "كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار".
стр. 15
علما بأن التزين بحلقها كما يفعل الأكثرون معصية ظاهرة باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم لمخالفتها لأنواع من الأدلة الشرعية كما تراها مبينة في آداب الزفاف ص ١١٨ – ١٢٣.
ز - الإعلان عن موته على رؤوس المنائر ونحوها لأنه من النعي وقد ثبت عن حذيفة بن اليمان أنه: كان إذا مات له الميت قال: لا تؤذنوا به أحدا إني أخاف أن يكون نعيا إني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن النعي.
стр. 16
٧- النعي الجائز
٢٣ - ويجوز إعلان الوفاة إذا لم يقترن به ما يشبه نعي الجاهلية وقد يجب ذلك إذا لم يكن عنده من يقوم بحقه من الغسل والتكفين والصلاة عليه ونحو ذلك لحديث أبي هريرة:
أن رسول الله ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه. . الحديث.
٢٤ - ويستحب للمخبر أن يطلب من الناس أن يستغفروا للميت لقوله ﷺ في قصة صلاته على النجاشي:
استغفروا لأخيكم. وسيأتي في المسالة ٦٠ / السابع.
قلت: فقول الناس في بعض البلاد: الفاتحة على روح فلان مخالف للسنة المذكورة فهو بدعة بلا شك لا سيما وأن القراءة لا تصل إلى الموتى على القول الصحيح كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
стр. 17
٨- علامات حسن الخاتمة .
٢٥ - ثم إن الشارع الحكيم قد جعل علامات بينات يستدل بها على حسن الخاتمة كتبها الله تعالى لنا بفضله ومنه - فأيما امرئ مات بإحداها كانت بشارة له ويا لها من بشارة.
الأول: نطقه بالشهادة عند الموت وفيه أحاديث مذكورة في الأصل منها قوله ﷺ :
"من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة".
الثانية: الموت برشح الجبين لحديث بريدة بن الخصيب ﵁:
صحيح أنه كان بخراسان فعاد أخا له وهو مريض فوجده بالموت وإذا هو بعرق جبينه فقال: الله أكبر سمعت رسول الله ﷺ يقول: "موت المؤمن بعرق الجبين".
الثالثة: الحديث بمجموع طرقه حسن أو صحيح الموت ليلة الجمعة أو نهارها لقوله ﷺ :
"ما من مسلم يموت الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر".
الرابعة: الاستشهاد في ساحة القتال قال الله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون. فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
وقال ﷺ :
"للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه ويرى مقعده من الجنة ويجار من عذاب القبر ويأمن الفزع الأكبر ويحلى حلية الإيمان ويزوج من الحور العين ويشفع في سبعين إنسانا من أقاربه".
стр. 18
الخامسة: الموت غازيا في سبيل الله لقوله ﷺ :
"ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: يا رسول الله من قتل في سبيل الله فهو شهيد قال: إن شهداء أمتي إذا لقليل. قالو: فمن هم يا رسول الله قال: من قتل في سبيل الله فهو شهيد ومن مات في سبيل الله فهو شهيد ومن مات في الطاعون فهو شهيد ومن مات في البطن١ فهو شهيد والغريق شهيد".
السادسة: الموت بالطاعون وفيه أحاديث منها قوله ﷺ :
"الطاعون شهادة لكل مسلم".
السابعة: الموت بداء البطن لقوله ﷺ في الحديث المتقدم:
"ومن مات في البطن فهو شهيد".
الثامنة والتاسعة: الموت بالغرق والهدم لقوله ﷺ :
"الشهداء خمسة: المطعون والمبطون والغرق٢ وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله".
العاشرة: موت المرأة في نفاسها بسبب ولدها لحديث عبادة بن الصامت:
أن رسول الله ﷺ عاد عبد الله بن رواحة قال: فما تحوز٣ له عن فراشه فقال: أتدري من شهداء أمتي؟ قالوا: قتل المسلم شهادة قال:
"إن شهداء أمتي إذا لقليل قتل المسلم شهادة والطاعون شهادة والمرأة يقتلها ولدها جمعاء٤ شهادة يجرها ولدها بسرره٥ إلى الجنة".
стр. 19
الحادية عشرة والثانية عشرة: الموت باالحرق وذات الجنب١ وفيه أحاديث أشهرها عن جابر بن عتيك مرفوعا:
الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد والغرق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد والمبطون شهيد والحرق شهيد والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة تموت بجمع٢ شهيدة.
الثالثة عشرة: الموت بداء السل لقوله ﷺ :
"القتل في سبيل الله شهادة والنفساء شهادة والحرق٣ شهادة والغرق شهادة والسل شهادة والبطن شهادة".
الرابعة عشرة: الموت في سبيل الدفاع عن المال المراد غصبه وفيه أحاديث منها:
"من قتل دون ماله وفي رواية: من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد".
الخامسة عشرة والسادسة عشر: الموت في سبيل الدفاع عن الدين والنفس لقوله ﷺ : "من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد".
стр. 20
السابعة عشرة: الموت مرابطا في سبيل الله فيه حديثان أحدهما:
رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه وأمن الفتان.
الثامنة عشرة: الموت على عمل صالح لقوله ﷺ :
"من قال: لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة ومن صام يوما ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة" ١.
التاسعة عشرة: من قتله الإمام الجائر لأنه قام إليه فنصحه لقوله ﷺ :
"سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله".
أخرجه الحاكم وصححه والخطيب٢.
стр. 21
٩- ثناء الناس على الميت .
٢٦ - والثناء بالخير على الميت من جمع من المسلمين الصادقين أقلهم اثنان من جيرانه العارفين به من ذوي الصلاح والعلم موجب له الجنة وفيه أحاديث:
الأول: عن أنس ﵁ قال:
مر على النبي ﷺ بجنازة فأثني عليها خيرا وتتابعت الألسن بالخير فقالوا: كان - ما علمنا - يحب الله ورسوله فقال نبي الله ﷺ :
"وجبت وجبت وجبت"
ومر بجنازة فأثني عليها شرا وتتابعت الألسن بالشر فقالوا: بئس المرء كان في دين الله فقال نبي الله ﷺ :
"وجبت وجبت وجبت" فقال عمر: فدى لك أبي وأمي مر بجنازة فأثني عليها خيرا فقلت: وجبت وجبت وجبت ومر بجنازة فأثني عليها شرا فقلت: وجبت وجبت وجبت؟ فقال رسول الله ﷺ :
"من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار" الملائكة شهداء في الله في السماء وأنتم شهداء الله في الأرض أنتم شهداء الله في الأرض أنتم شهداء الله في الأرض وفي رواية: والمؤمنون شهداء الله في الأرض إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشر.
الثاني: عن أبي الأسود الديلي قال:
أتيت المدينة وقد وقع بها مرض وهم يموتون موتا ذريعا فجلست إلى عمر بن الخطاب ﵁ فمرت جنازة فأثني خيرا فقال عمر: وجبت فقلت: ما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت: كما قال النبي ﷺ :
"أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة". قلنا: وثلاثة قال: وثلاثة قلنا: واثنان؟ قال واثنان ثم لم نسأله في الواحد.
стр. 22
الثالث: ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة من أهل أبيات جيرانه الأدنيين أنهم لا يعلمون منه إلا خيرا إلا قال الله ﵎: قد قبلت قولكم أو قال: بشهادتكم وغفرت له ما لا تعلمون.
واعلم أن مجموع هذه الأحاديث الثلاثة يدل على أن هذه الشهادة لا تختص بالصحابة بل هي أيضا لمن بعدهم من المؤمنين الذين هم على طريقتهم في الإيمان والعلم والصدق وبهذا جزم الحافظ ابن حجر في الفتح فليراجع كلامه من شاء المزيد من البيان.
ثم إن تقييد الشهادة بأربع في الحديث الثالث الظاهر أنه كان قبل حديث عمر الذي قبله ففيه الاكتفاء بشهادة اثنين وهو العمدة.
هذا وأما قول بعض الناس عقب صلاة الجنازة: ما تشهدون فيه؟ اشهدوا له بالخير فيجيبونه بقولهم صالح. أو من أهل الخير ونحو ذلك فليس هو المراد بالحديث قطعا بل هو بدعة قبيحة لأنه لم يكن من عمل السلف ولأن الذين يشهدون بذلك لا يعرفون الميت في الغالب بل قد يشهدون بخلاف ما يعرفون استجابة لرغبة طالب الشهادة بالخير ظنا منهم أن ذلك ينفع الميت وجهلا منهم بأن الشهادة النافعة إنما هي التي توافق الواقع في نفس المشهود له كما يدل على ذلك قوله في الحديث: إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشر
стр. 23
الوفاة عند الكسوف؟
٢٧ - وإذا اتفق وفاة أحد مع انكساف الشمس أو القمر فلا يدل ذلك على شيء واعتقاد أنه يدل على عظمة المتوفى إنما هو من خرافات الجاهلية التي أبطلها رسول الله ﷺ يوم مات ابنه إبراهيم ﵇ وانكسفت الشمس فخطب الناس وحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
صحيح أما بعد أيها الناس إن أهل الجاهلية كانوا يقولون: إن الشمس والقمر لا يخسفان إلا لموت عظيم وإنهما آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن يخوف الله به عباده فإذا رأيتم شيئا من ذلك فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره وإلى الصدقة والعتاقة والصلاة في المساجد حتى تنكشف
стр. 24
١٠- غسل الميت
٢٨ - فإذا مات الميت وجب على طائفة من الناس أن يبادروا إلى غسله أما المبادرة فقد سبق دليلها في الفصل الثالث المسألة ١٧ الفقرة هـ وأما وجوب الغسل فلأمره ﷺ به في غير ما حديث:
الأول: قوله ﷺ في المحرم الذي وقصته ناقته:
اغسلوه بماء وسدر. . . الحديث. وقد مضى بتمامه في المسألة المشار إليها فقرة د
الثاني: قوله ﷺ في ابنته زينب ﵂:
اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا. . . أو أكثر من ذلك. . . الحديث
ويأتي بتمامه في المسألة التالية
٢٩ - ويراعى في غسله الأمور الآتية:
أولا: غسله ثلاثا فأكثر على ما يرى القائمون على غسله.
ثانيا: أن تكون الغسلات وترا.
ثالثا: أن يقرن مع بعضها سدر أو ما يقوم مقامه في التنظيف كالأشنان والصابون.
رابعا: أن يخلط مع آخر غسلة منها شيء من الطيب والكافور أولى.
خامسا: نقض الضفائر وغسلها جيدا.
سادسا: تسريح شعره.
سابعا: جعله ثلاث ضفائر للمرأة وإلقاؤها خلفها.
ثامنا: البدء بميامنه ومواضع الوضوء منه.
تاسعا: أن يتولى غسل الذكر الرجال والأنثى النساء إلا ما استثنى كما يأتي بيانه.
стр. 25
والدليل على هذه الأمور حديث أم عطية ﵂ قالت:
صحيح دخل علينا النبي ﷺ ونحن نغسل ابنته زينب فقال:
اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك. قالت: قلت: وترا؟ قال:
نعم واجعلن في الآخرة كافورا أو شيئا من كافور فإذا فرغتن فآذنني. فلما فرغنا آذناه فألقى إلينا حقوه١ فقال: أشعرنها٢ إياه تعني إزاره قالت: ومشطناها ثلاثة قرون وفي رواية نقضنه ثم غسلنه فضفرنا شعرها ثلاثة أثلاث: قرنيها وناصيتها وألقيناها خلفها قالت: وقال لنا: ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها.
عاشرا: أن يغسل بخرقة أو نحوها تحت ساتر لجسمه بعد تجريده من ثيابه كلها فإنه كذلك كان العمل على عهد النبي ﷺ كما يفيد حديث عائشة ﵂:
لما أرادوا غسل النبي ﷺ قالوا: والله ما ندري أنجرد رسول الله ﷺ من ثيابه كما نجرد موتانا أم نغسله وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو: أن اغسلوا النبي ﷺ وعليه ثيابه فقاموا إلى رسول الله ﷺ فغسلوه وعليه قميصه يصبون الماء فوق القميص ويدلكونه بالقميص دون أيديهم.
وكانت عائشة تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه.
стр. 26
حادي عشر: حسن والغرض من ستر جسمه واستعمال الخرقة أن لا يطلع على عورته ولا تمس وعورة الرجل من السرة إلى الركبة على الصحيح: لقوله ﷺ :
"ما بين السرة والركبة عورة" ١.
صحيح وقوله ﷺ :
"القخد عورة" ٢.
وأما المرأة مع المرأة المسلمة - طبعا - فهي عورة إلا مواطن الزينة منها هي الرأس والأذن والنحر وأعلى الصدر: موضع القلادة والذراع مع شيء من العضد: موضع الدملج والقدم وأسفل الساق: موضع الخلخال وما سوى ذلك فعورة لا يجوز للمرأة - كالمحارم - أن تنظر إلى شيء منها ولا أن تبديه لصريح قوله تعالى:
﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ . . الآية٣.
ثاني عشر: ويستثنى مما ذكر في رابعا المحرم فإنه لا يجوز تطييبه لقوله في الحديث الذي سبقت الإشارة إليه قريبا:
لا تحنطوه وفي رواية: ولا تطيبوه. . فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا.
ثالث عشر: ويستثنى أيضا مما ورد في تاسعا الزوجان فغنه يجوزك لكل منهما أن يتولى غسل الآخر إذ لا دليل يمنع منه والأصل الجواز ولا سيما انه مؤيد بحديثين:
الأول: صحيح قول عائشة ﵂ في حديثها المتقدم:
لو كنت استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل النبي ﷺ غير نسائه.
стр. 27
الثاني: عنها أيضا قالت:
رجع إلي رسول الله ﷺ من جنازة بالبقيع وأنا أجد صداعا في رأسي وأقول: وارأساه فقال:
بل أنا وارأساه ما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك ثم صليت عليك ودفنتك.
رابع عشر: أن يتولى غسله من كان أعرف بسنة الغسل لا سيما إذا كان من أهله وأقاربه لأن الذين تولوا غسله ﷺ كانوا كما ذكرنا فقد قال علي ﵁:
غسلت رسول الله ﷺ فجعلت أنظر ما يكون من الميت فلم أر شيئا وكان طيبا حيا وميتا ﷺ .
٣٠ - ولمن تولى غسله أجر عظيم بشرطين اثنين:
الأول: أن يستر عليه ولا يحدث بما قد يرى من المكروه لقوله ﷺ :
من غسل مسلما فكتم عليه غفر له الله أربعين مرة ومن حفر له فأجنه أجري عليه كأجر مسكن أسكنه إياه إلى يوم القيامة ومن كفنه كساه الله يوم القيامة من سندس واستبرق الجنة.
الثاني: أن يبتغي بذلك وجه الله لا يريد به جزاء ولا شكورا ولا شيئا من أمور الدنيا لما تقرر في الشرع أن الله ﵎ لا يقبل من العبادات إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة كثيرة جدا اجتزئ هنا بذكر اثنين منها:
الأول: قوله ﵎:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ . أي: لا يقصد بها غير وجه الله تعالى.
стр. 28
الثاني: قوله ﷺ :
"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه".
٣١ - ويستحب لمن غسله أن يغتسل لقوله ﷺ :
"من غسل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ".
وظاهر الأمر يفيد الوجوب وإنما لم نقل به لحديثين:
الأول: قوله ﷺ : "ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه فإن ميتكم ليس بنجس فحسبكم أن تغسلوا أيديكم".
الثاني: قول ابن عمر ﵁:
كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل.
٣٢ - ولا يشرع غسل الشهيد قتيل المعركة ولو اتفق أنه كان جنبا وفي ذلك أحاديث:
الأول: عن جابر قال: قال النبي ﷺ :
ادفنوهم في دمائهم يعني يوم أحد ولم يغسلهم. وفي رواية فقال: أنا شهيد على هؤلاء لفوهم في دمائهم فإنه ليس جريح يجرح في الله إلا جاء وجرحه يوم القيامة يدمى لونه لون الدم وريحه ريح المسك وفي رواية: لا تغسلوهم فإن كل جرح يفوح مسكا يوم القيامة ولم يصل عليهم.
الثاني: عن أبي برزه أن النبي ﷺ كان في مغزى له فأفاء الله عليه فقال لأصحابه:
هل تفقدون من أحد؟ . قالوا: نعم فلانا وفلانا وفلانا. ثم قال:
هل تفقدون من أحد؟ قالوا: لا. قال: لكني أفقد جليبيبا
стр. 29
فاطلبوه. فطلب في القتلى فوجدوه إلى جنب سبعة قتلهم ثم قتلوه فأتي النبي ﷺ فوقف عليه فقال:
قتل سبعة ثم قتلوه هذه مني وأنا منه هذا مني وأنا منه قالها مرتين أو ثلاثا ثم قال بذراعيه هكذا فبسطهما قال: فوضعه على ساعديه ليس له سرير إلا ساعدي النبي ﷺ قال: فحفر له ووضع في قبره. ولم يذكر غسلا.
الثالث: صحيح عن عبد الله بن الزبير في قصة أحد واستشهاد حنظلة بن أبي عامر قال: فقال رسول الله ﷺ :
"إن صاحبكم تغسله الملائكة فاسألوا صاحبته فقالت: خرج وهو جنب لما سمع الهائعة " ١ فقال رسول الله ﷺ :
"لذلك غسلته الملائكة".
стр. 30
١١- تكفين الميت .
٣٣ - وبعد الفراغ من غسل الميت يجب تكفينه لأمر النبي ﷺ بذلك في حديث المحرم الذي وقصته الناقة:
". . . . وكفنوه. . . ." الحديث.
وقد تقدم بتمامه في الفصل ٣ فقرة د
٣٤ - والكفن أو ثمنه من مال الميت ولو لم يخلف غيره لحديث خباب بن الأرت قال:
صحيح هاجرنا مع رسول الله ﷺ في سبيل الله نبتغي وجه الله فوجب أجرنا على الله فمنا من مضى لم يأكل من أجره شيئا منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد فلم يوجد له شيء وفي رواية: ولم يترك إلا نمرة فكنا إذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه وإذا وضعناها على رجليه خرج رأسه فقال رسول الله ﷺ :
"ضعوها مما يلي رأسه وفي رواية: غطوا بها رأسه واجعلوا على رجليه الإذخر١"
ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهديها أي يجتنيها.
٣٥ - وينبغي أن يكون الكفن طائلا سابغا يستر جميع بدنه لحديث جابر بن عبد الله ﵁:
أن النبي ﷺ خطب يوما فذكر رجلا من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل وقبر ليلا فزجر النبي ﷺ أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه إلا أن
стр. 31
يضطر إنسان إلى ذلك وقال النبي ﷺ :
"إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه إن استطاع".
قال العلماء:
والمراد بإحسان الكفن نظافته وكثافته وستره وتوسطه وليس المراد به السرف فيه والمغالاة ونفاسته.
٣٦ - فإن ضاق الكفن عن ذلك ولم يتيسر السابغ ستر به رأسه وما طال من جسده وما بقي منه مكشوفا جعل عليه شيء من الإذخر أو غيره من الحشيش لحديث خباب بن الأرت في قصة مصعب وقوله ﷺ في نمرته:
"ضعوها مما يلي رأسه وفي رواية: غطوا بها رأسه واجعلوا على رجليه الإذخر".
وتقدم بتمامه في المسألة ٣٤.
٣٧ - وإذا قلت الأكفان وكثرت الموتى جاز تكفين الجماعة منهم في الكفن الواحد بأن يقسم بينهم ويقدم أكثرهم قرآنا إلى القبلة لحديث أنس ﵁ قال:
حسن لما كان يوم أحد مر رسول الله ﷺ بحمزة بن عبد المطلب وقد جدع ومثل به فقال:
لولا أن تجد صفية في نفسها ل تركته حتى تأكله العافية١ حتى يحشره الله من بطون الطير والسباع فكفنه في نمرة وكانت إذا خمرت رأسه بدت رجلاه وإذا خمرت رجلاه بدا رأسه فخمر رأسه ولم يصل على أحد من الشهداء غيره وقال: أنا شاهد عليكم اليوم.
قال: وكثرت القتلى وقلت الثياب قال: وكان يجمع الثلاثة والاثنين.
стр. 32
في قبر واحد ويسأل أيهم أكثر قرآنا فيقدم في اللحد وكفن الرجلين والثلاثة في الثوب الواحد١.
٣٨ - ولا يجوز نزع ثياب الشهيد التي قتل فيها بل يدفن وهي عليه لقوله ﷺ في قتلى أحد:
"زملوهم في ثيابهم".
٣٩ - ويستحب تكفينه بثوب واحد أو أكثر فوق ثيابه كما فعل رسول الله ﷺ بمصعب بن عمير. وتقدم حديثه في المسألة ٣٤.
٤٠ - والمحرم يكفن في ثوبيه اللذين مات فيهما لقوله ﷺ في المحرم الذي وقصته الناقة:
. . . . وكفنوه في ثوبيه اللذين أحرم فيهما.
وتقدم بتمامه في الفصل ٣ فقرة د
٤١ - ويستحب في الكفن أمور:
الأول: البياض لقوله ﷺ :
"البسوا من ثيابكم البياض فإنها خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم".
الثاني: كونه ثلاثة أثواب لحديث عائشة ﵁ قالت:
إن رسول الله ﷺ كفن في ثلاثة أثواب يمانية بيض سحولية من كرسف ليس فيهن قميص ولا عمامة أدرج فيها أدراجا.
стр. 33
الثالث: أن يكون أحدها ثوب حبرة١ إذا تيسر لقوله ﷺ :
"إذا توفي أحدكم فوجد شيئا فليكفن في ثوب حبرة".
الرابع: صحيح تبخيره ثلاثا لقوله ﷺ :
"إذا أجمرتم الميت فأجمروه ثلاثا"
وهذا الحكم لا يشمل المحرم لقوله ﷺ في المحرم الذي وقصته الناقة. . . . "ولا تطيبوه. . .".
٤٢ - ولا يجوز المغالاة في الكفن ولا الزيادة فيه على الثلاثة لأنه خلاف ما كفن فيه رسول الله ﷺ كما تقدم في المسألة السابقة وفيه إضاعة للمال وهو منهي عنه ولا سيما والحي أولى به قال رسول الله ﷺ :
"إن الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال".
ويعجبني بهذه المناسبة ما قاله العلامة أو الطيب في الروضة الندية ١ / ١٦٥.
وليس تكثير الأكفان والمغالاة في أثمانها بمحمود فإنه لولا ورود الشرع به لكان من إضاعة المال لأنه لا ينتفع به الميت ولا يعود نفعه على الحي ورحم الله أبا بكر الصديق حيث قال: إن الحي أحق بالجديد لما قيل له عند تعيينه لثوب من أثوابه في كفنه: إن هذا خلق.
٤٣ - والمرأة في ذلك كالرجل إذ لا دليل على التفريق.
стр. 34
١٢- حمل الجناة واتباعها.
٤٤ - ويجب حمل الجنازة واتباعها وذلك من حق الميت المسلم على المسلمين وفي ذلك أحاديث أذكر اثنين منها:
الأول: صحيح قوله ﷺ :
"حق المسلم على المسلم وفي رواية: يجب للمسلم على أخيه خمس: رد السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس".
الثاني: قوله أيضا:
"عودوا المريض واتبعوا الجنائز تذكركم الآخرة".
٤٥ - واتباعها على مرتبتين:
الأولى: اتباعها من عند أهلها حتى الصلاة عليها.
والأخرى: اتباعها من عند أهلها حتى يفرغ من دفنها.
وكل منهما فعل رسول الله ﷺ فروى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: صحيح كنا مقدم النبي ﷺ يعني المدينة إذا حضر منا الميت آذنا النبي ﷺ فحضره واستغفر له حتى إذا قبض انصرف النبي ﷺ ومن معه حتى يدفن وربما طال حبس ذلك على النبي ﷺ فلما خشينا مشقة ذلك عليه قال بعض القوم لبعض: لو كنا لا نؤذن النبي ﷺ بأحد حتى يقبض فإذا قبض آذناه فلم يكن عليه في ذلك مشقة ولا حبس ففعلنا ذلك وكنا نؤذنه بالميت بعد أن يموت فيأتيه فيصلي عليه فربما انصرف وربما مكث حتى يدفن الميت فكنا على ذلك حينا ثم قلنا لو لم يشخص النبي ﷺ وحملنا جنازتنا إليه حتى يصلي عليه عند بيته لكان ذلك أرفق به فكان ذلك الأمر إلى اليوم.
٤٦ - ولا شك في أن المرتبة الأخرى أفضل من الأولى لقوله ﷺ :
"من شهد الجنازة من بيتها وفي رواية: من اتبع جنازة مسلم إيمانا
стр. 35
واحتسابا حتى يصلي عليه فله قيراط ومن شهدها حتى تدفن وفي الرواية الأخرى: يفرغ منها فله قيراطان من الأجر. قيل: يا رسول الله وما القيراطان؟ قال: "مثل الجبلين العظيمين". وفي الرواية الأخرى: كل قيراط مثل أحد.
٤٧ - وهذا الفضل في اتباع الجنائز إنما هو للرجال دون النساء لنهي النبي ﷺ النساء عن اتباعها وهو نهي تنزيه فقد قالت أم عصية ﵂:
صحيح كنا ننهى وفي رواية: نهانا رسول الله ﷺ عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا.
٤٨ - ولا يجوز أن تتبع الجنائز بما يخالف الشريعة وقد جاء النص فيها على أمرين: رفع الصوت بالبكاء واتباعها بالبخور وذلك في قوله ﷺ : "لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار".
٤٩ - ويلحق بذلك رفع الصوت بالذكر أمام الجنازة لأنه بدعة ولقول قيس بن عباد:
كان أصحاب النبي ﷺ يكرهون رفع الصوت عند الجنائز.
ولأن فيه تشبها بالنصارى فإنهم يرفعون أصواتهم بشيء من أناجيلهم وأذكارهم مع التمطيط والتلحين والتحزين.
وأقبح من ذلك تشييعها بالعزف على الآلات الموسيقية أمامها عزفا حزينا كما يفعل في بعض البلاد الإسلامية تقليدا للكفار. والله المستعان.
قال النووي رحمه الله تعالى في الأذكار ص ٢٠٣:
واعلم أن الصواب والمختار وما كان عليه السلف ﵃ السكوت في حال السير مع الجنازة فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك. والحكمة فيه ظاهرة وهي أنه أسكن لخاطره وأجمع لفكره فيما يتعلق بالجنازة وهو المطلوب في هذا الحال فهذا هو الحق ولا تغتر بكثرة من يخالفه فقد قال أبو علي الفضيل.
стр. 36
ابن عياض ﵁ ما معناه: الزم طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين. وقد روينا في سنن البيهقي ما يقتضي ما قلته يشير إلى قول قيس بن عباد. وأما ما يفعله الجهلة من القراءة على الجنازة بدمشق وغيرها من القراءة بالتمطيط وإخراج الكلام عن مواضعه فحرام بإجماع العلماء وقد أوضحت قبحه وغلظ تحريمه وفسق من تمكن من إنكاره فلم ينكره في كتاب آداب القراءة والله المستعان
٥٠ - ويجب الإسراع في السير بها سيرا دون الرمل لقوله ﷺ :
"أسرعوا بالجنازة فإن تكن صالحة فخير تقدمونها عليه وإن تكن غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم".
قلت: ظاهر الأمر الوجوب وبه قال ابن حزم ٥ / ١٥٤ - ١٥٥ ولم نجد دليلا يصرفه إلى الاستحباب فوقفنا عنده. وقال ابن القيم في زاد المعاد:
وأما دبيب الناس اليوم خطوة خطوة فبدعة مكروهة مخالفة للسنة ومتضمنة للتشبه بأهل الكتاب: اليهود.
٥١ - ويجوز المشي أمامها وخلفها وعن يمينها ويسارها على أن يكون قريبا منها إلا الراكب فيسير خلفها لقوله ﷺ :
"الراكب يسير خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها خلفها وأمامها وعن يمينها وعن يسارها قريبا منها الطفل يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة".
٥٢ - وكل من المشي أمامها وخلفها ثبت عن رسول الله ﷺ فعلا كما قال أنس بن مالك ﵁:
أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة وخلفها.
٥٣ - ولكن الأفضل المشي خلفها لأنه مقتضى قوله ﷺ : "واتبعوا الجنائز". وما في معناه. ويؤيده قول علي ﵁:
стр. 37
المشي خفها أفضل من المشي أمامها كفضل صلاة الرجل في جماعة على صلاته فذا.
٥٤ - ويجوز الركوب بشرط أن يسير وراءها لقوله ﷺ في الحديث المتقدم: "الراكب يسير خلف الجنازة. . .".
لكن الأفضل المشي لأنه المعهود عنه ﷺ ولم يرد أنه ركب معها بل قال ثوبان ﵁:
إن رسول الله ﷺ أتي بدابة وهو مع الجنازة فأبى أن يركبها فلما أنصرف أتي بدابة فركب فقيل له؟ فقال:
إن الملائكة كانت تمشي فلم أكن لأركب وهم يمشون فلما ذهبوا ركبت.
٥٥ - وأما الركوب بعد الانصراف عنها فجائز بدون كراهة لحديث ثوبان المذكور آنفا ومثله حديث جابر بن سمرة ﵁ قال:
صلى رسول الله ﷺ على ابن الدحداح ونحن شهود وفي رواية: خرج على جنازة ابن الدحداح ماشيا ثم أتي بفرس عري فعقله رجل فركبه حين انصرف فجعل يتوقص به١ ونحن نتبعه نسعى خلفه وفي رواية: حوله قال: فقال رجل من القوم: إن النبي ﷺ قال:
"كم من عذق معلق أو مدلى في الجنة لابن الدحداح".
٥٦ - وأما حمل الجنازة على عربة أو سيارة مخصصة للجنائز وتشييع المشيعين لها وهم في السيارات فهذه الصورة لا تشرع البتة وذلك لأمور:
الأول: أنها من عادات الكفار وقد تقرر في الشريعة أنه لا يجوز تقليدهم فيها. وفي ذلك أحاديث كثيرة جدا كنت استوعبتها وخرجتها في كتابي حجاب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة. بعضها في الأمر والحض على مخالفتهم في
стр. 38
عباداتهم وأزيائهم وعاداتهم وبعضها من فعله ﷺ في مخالفتهم في ذلك فمن شاء الاطلاع عليها فليرجع إليه.
الثاني: أنها بدعة في عبادة مع معارضتها للسنة العملية في حمل الجنازة وكل ما كان كذلك من المحدثات فهو ضلالة اتفاقا.
الثالث: أنها تفوت الغاية من حملها وتشييعها وهي تذكر الآخرة كما نص على ذلك رسول الله ﷺ في الحديث المتقدم في أول هذا الفصل بلفظ:
". . . واتبعوا الجنائز تذكركم الآخرة".
أقول: إن تشييعها على تلك الصورة مما يفوت على الناس هذه الغاية الشريفة تفويتا كاملا أو دون ذلك فإنه مما لا يخفى على البصير أن حمل الميت على الأعناق ورؤية المشيعين لها وهي على رؤوسهم أبلغ في تحقيق التذكر والاتعاظ من تشييعها على الصورة المذكورة ولا أكون مبالغا إذا قلت: إن الذي حمل الأوربيين عليها إنما هو خوفهم من الموت وكل ما يذكر به بسبب تغلب المادة عليهم وكفرهم بالآخرة.
الرابع: أنها سبب قوي لتقليل المشيعين لها والراغبين في الحصول على الأجر الذي سبق ذكره في المسألة ٤٦ من هذا الفصل ذلك لأنه لا يستطيع كل أحد أن يستأجر سيارة ليشيعها.
الخامس: أن هذه الصورة لا تتفق من قريب ولا من بعيد مع ما عرف الشريعة المطهرة السمحة من البعد عن الشكليات والرسميات لا سيما في مثل هذا الأمر الخطير: الموت والحق أقول: إنه لو لم يكن في هذه البدعة إلا هذه المخالفة لكفى ذلك في ردها فكيف إذا انضم إليها ما سبق بيانه من المخالفات والمفاسد وغير ذلك مما لا أذكره.
٥٧ - والقيام لها منسوخ. وهو على نوعين:
أ - قيام الجالس إذا مرت به.
стр. 39
ب - وقيام المشيع لها عند انتهائها إلى القبر حتى توضع على الأرض.
والدليل على ذلك حديث علي ﵁:
قام رسول الله ﷺ للجنازة فقمنا ثم جلس فجلسنا. وفي لفظ: كان يقوم في الجنائز ثم جلس بعد. وفي آخر: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بالقيام في الجنازة ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس.
ويستحب لمن حملها أن يتوضأ لقوله ﷺ :
"من غسل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ".
стр. 40
١٣- الصلاة على الجنازة .
٥٨ - والصلاة على الميت المسلم فرض كفاية لأمره ﷺ بها في أحاديث أذكر منها حديث زيد بن خالد الجهني:
صحيح أن رجلا من أصحاب النبي ﷺ توفي يوم خيبر فذكروا ذلك لرسول الله فقال:
"صلوا على صاحبكم" فتغيرت وجوه الناس لذلك قال:
"إن صاحبكم غل في سبيل الله".
ففتشنا متاعه فوجدنا خرزا من خرز اليهود لا يساوي درهمين
٥٩ - ويستثنى من ذلك شخصان فلا تجب الصلاة عليهما:
الأول: الطفل الذي لم يبلغ لأن النبي ﷺ لم يصل على ابنه إبراهيم ﵇ قالت عائشة ﵂:
مات إبراهيم بن النبي ﷺ وهو ابن ثمانية عشر شهرا فلم يصل عليه رسول الله ﷺ .
الثاني: الشهيد لأن النبي ﷺ لم يصل على شهداء أحد وغيرهم كما سبق.
ولكن ذلك لا ينفي مشروعية الصلاة عليهما بدون وجوب كما يأتي في المسألة التالية:
٦٠ - وتشرع الصلاة على من يأتي ذكرهم:
الأول: الطفل: ولو كان سقطا وهو الذي يسقط من بطن أمه قبل تمامه لقوله ﷺ في الحديث المتقدم المسألة ٥١:
٠٠٠٠والطفل وفي رواية: السقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة. والظاهر أن السقط إنما يصلى عليه إذا كان قد نفخت فيه الروح. وذلك إذا استكمل أربعة أشهر ثم مات فأما إذا سقط قبل ذلك فلا.