وعد، وليس عقدًا (١).
أجيب: بأن المتعاقدين ملزمان على إنشاء العقد على الصورة التي تمت بالوعد الأول، وليس لهما الحرية في ترك المبايعة، أو التعديل على الاتفاق السابق؛ مما يدل على أن العقد الثاني إنما هو تحصيل حاصل، وأن البيع تم في المواعدة الأولى وإن سميت وعدًا، فالعبرة في العقود بالمعاني، لا بالألفاظ والمباني (٢).
الوجه الثاني: أن النهي عن بيع ما ليس عند البائع، إذا كانت عينًا معينة يبيعها، وهي ليست ملكه، بل ملك غيره ثم يسعى في تحصيلها، أو بيع ما لا يقدر على تسليمه، فيكون قد ضمن له شيئًا لا يدري هل يحصل أو لا يحصل؟ (٣)، وفي بيع المرابحة يكون البيع لموصوف في الذمة مما جرى العرف على إمكان تسليمه في وقته.
أجيب: بأن عقد المرابحة قد يقع على أعيان معينة، وقد يقع على ما لا يقدر البائع على تسليمه؛ مما يؤدي إلى النزاع، والمجيزون للإلزام يجيزونها دون تفريق بين العين المعينة، والموصوفة، والتي لا يقدر على تسليمها (٤).
يُرد: بأن عدم تفريق المجيزين بين العين المعينة، والموصوفة في الذمة التي لا يقدر على تسليمها لا يكون سببًا لمنع المعاملة كلها، بل يحرم منها العقد على الأعيان المملوكة للغير
стр. 352
قبل تملكها، والأعيان التي لا يقدر على تسليمها، أما الموصوفة في الذمة مما يقدر على تسليمها فلا دليل يدل على منع العقد عليها.
الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁، قال: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ» رواه الترمذي وغيره (١).
وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة، والإلزام بالوعد صيره بيعًا، فجمعت المعاملة بين بيعتين في بيعة (٢).
يناقش: بعدم التسليم فبيع المرابحة للآمر بالشراء لايجمع بين بيعتين، بل هو عبارة عن بيعة واحدة، فإذا كان الإلزام بالوعد يصيره بيعًا، فالبيعة واحدة تأخر فيها تسليم المبيع، وإذا كان الإلزام بالوعد لا يصيره بيعًا، فالبيعة واحدة تتم عند تسليم المبيع، فلا يصح الاستدلال بهذا الحديث للنهي عن بيع المرابحة للآمر بالشراء.
الدليل الثالث: أن حقيقة بيع المرابحة للآمر بالشراء مع الإلزام بالوعد حيلة لبيع نقد بنقد أكثر منه إلى أجل بينهما سلعة محللة فغايته قرض بفائدة (٣).
نوقش: بعدم التسليم؛ فالبيع فيها حقيقي، لا صوري، والسلعة مقصود فيها حقيقة التملك للاستعمال، أو الاتجار، فهو خالي من الحيلة الربوية (٤)، ولو أراد المصرف الحيلة الربوية لاتخذ العديد من الحيل التي هي أقل كلفة من المرابحة، وأكثر دخلًا منها.
стр. 353
الدليل الرابع: أن العلماء أجمعوا على النهي عن بيع الدين بالدين (١)، و بيع المرابحة مع الإلزام بالوعد مؤجل البدلين، فلا البنك يسلم السلعة في الحال، ولا العميل يسلم الثمن (٢).
نوقش من وجهين: الوجه الأول: أن البيع ليس مؤجل البدلين، فإن الذي يحدث أولًا بين العميل والمصرف وعد لا بيع، وعند تملك المصرف السلعة المأمور بشرائها وحيازتها، وعندئذ يتم العقد والتسليم للمبيع، وتأجيل الثمن كله أو بعضه (٣).
أجيب: بأن هذا مسلم في صورة المرابحة مع الوعد غير الملزم، أما مع الوعد الملزم فقد تمت المبايعة في المواعدة الأولى، وتسليم السلعة والثمن مؤجلان فيها (٤).
الوجه الثاني: أن الإجماع على تحريم بيع الدين بالدين لا ينطبق على جميع الصور التي يشملها بيع الدين بالدين (٥)، والمنهي عنه في صورة بيع الدين بالدين هو ما لم يكن للناس به حاجة، وليس فيه مصلحة؛ لأن الذمتين تنشغلان بغير فائدة، أما إذا كان شغل الذمة بفائدة فلا يدخل في النهي (٦)، وبيع المرابحة للآمر بالشراء لا يدخل في النهي عن بيع الدين بالدين، لانشغال الذمتين بما فيه فائدة تعود للطرفين.
стр. 354
الدليل الخامس: أن الشارع فرض لكل من المتبايعين حقًا في خيار المجلس، وفي بيع المرابحة مع الإلزام بالوعد إسقاط لهذا الحق الذي فرضه الشارع لهما (١).
نوقش: بأن خيار المجلس حق جعله الشارع للعاقد لمصلحته للتروي والنظر، فإذا رضي إسقاطه سقط (٢).
الدليل السادس: أن الرضا التام حين التعاقد شرط من شروط العقود، والإلزام بالوعد في المرابحة يتنافى مع الرضا المطلوب شرعًا؛ لأن المتعاقدين مجبران على العقد الثاني، فيكون العقد باطلًا؛ لعدم توفر شرط الرضا (٣).
يناقش: بأنه إذا كان الإلزام يصير الوعد عقدًا، فإن الرضا موجود حين الوعد من المتعاقدين.
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: أن الأصل في المعاملات الحل إلا ما دل الدليل على تحريمه، ولا دليل يدل على تحريم المربحة مع الوعد الملزم، فتكون مباحة بناءً على الأصل (٤).
نوقش: بجميع أدلة القول الأول التي تدل على تحريم هذه المعاملة، وقد تقدم ذكرها.
стр. 355
الدليل الثاني: أن بيع المرابحة يتفق مع قول العلماء الذين يرون الإلزام بالوعد مطلقًا (١)، أو على رأي المالكية الذين يرون الإلزام بالوعد إذا دخل الموعود بسببه في شيء (٢)؛ فالمأمور اشترى السلعة ودخل في هذه المخاطرة لأجل الواعد، وحتى على رأي من يرى الإلزام بالوعد ديانة من العلماء (٣)، فإنا يمكننا أن نلزم به قضاءً إذا اقتضت المصلحة ذلك، وقد اقتضت المصلحة في بيع المرابحة الإلزام بالوعد (٤).
نوقش من وجوه: الوجه الأول: بأن المقصود بالإلزام بالوعد عند العلماء المتقدمين هو الوعد بالمعروف، أما الوعد في المعاوضة فلم يكن مقصودهم؛ لأنه يصير حينئذ عقداً (٥).
يجاب: بأنه لا يسلم أن الإلزام بالوعد عند العلماء المتقدمين إنما كان في المعروف فقط، بل جاء عن بعض المتقدمين الإلزام بالوعد في عقود المعاوضات، لكن لم يرد عنهم الإلزام من الطرفين، فقد جاء في فتاوى قاضي خان (٦): " وإن ذكر البيع من غير شرط ثم ذكر الشرط على وجه المواعدة جاز البيع ويلزمه الوفاء بالوعد؛ لأن المواعدة قد تكون لازمة فتجعل لازمة لحاجة الناس" (٧). وقال الحطاب: " قال في معين الحكام: ويجوز للمشتري أن يتطوع للبائع بعد العقد بأنه إن جاء بالثمن إلى أجل كذا، فالمبيع له، ويلزم المشتري متى
стр. 356
جاءه بالثمن في خلال الأجل، أو عند انقضائه، أو بعده على القرب منه، ولا يكون للمشتري تفويت في خلال الأجل، فإن فعل ببيع أو هبة أو أشبه ذلك نقض إن أراد البائع، ورد إليه" (١)، فهذه نصوص في الإلزام بالوعد في عقود المعاوضات، إلا أن الإلزام الذي فيها من طرف الواعد فقط.
الوجه الثاني: أن النصوص عند المالكية في الإلزام بالوعد "إنما هي في إيجاب الوفاء بالوعد في مسائل التبرعات كالهبة؛ لأنها تملك بالقول عند مالك، وهذا من أسرار مذهب مالك في مسألة الوعد" (٢)، وجاء في إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك: "قاعدة: (الأصل منع المواعدة بما لا يصح وقوعه في الحال حماية) ومن ثم منع مالك المواعدة في العدة، وعلى بيع الطعام قبل قبضه ووقت نداء الجمعة، وعلى ما ليس عندك" (٣)، والمرابحة محرمة عند المالكية متى ما اتفقا على الربح سواء كان الوعد ملزمًا أو غير ملزم؛ لأنه من بيع ما ليس عند البائع (٤).
الوجه الثالث: أن المصلحة في الإلزام بالوعد في المرابحة ملغاة؛ لما يترتب عليها من مناهي شرعية سبق ذكرها في أدلة القول الأول.
الدليل الثالث: أن في ترك الإلزام بالوعد في بيع المرابحة للآمر بالشراء ضررًا بالطرفين، أو بأحدهما، والشريعة جاءت لرفع الضرر؛ فقد يطلب شخص من المصرف شراء آلة نادرة هي عبارة عن جزء متمم في مجموع الآلات المتوفرة في المصنع الخاص به،
стр. 357
ثم لو عدل عن الشراء، لترتب على المصرف خسارة وضرر، وقد يستغل المصرف حاجة الطالب للآلة فيمتنع عن الوفاء بما وعد مما يتسبب في إيقاع الضرر بصاحب الحاجة (١).
نوقش: بأن التجارة مبنية على أن يتحمل البائع قدرًا من المخاطرة (٢)، وبإمكان المصرف أن يشترط لنفسه خيار الشرط عندما يشتري السلعة المطلوبة، ثم يعرضها على الآمر في مدة الخيار، فإن قبلها تم البيع ولزمته، وإن رفضها ردها المصرف إلى من اشتراها منه، وعلى ذلك يكون في مأمن من الضرر (٣)، ويندر أن يواعد المصرف شخصًا ثم لا يفي بما وعده؛ لأن ذلك مضر بسمعة المصرف، والمصارف والتجار عمومًا أحرص على سمعتهم من المكاسب التي يجدونها في إخلاف الوعد.
الدليل الرابع: أن في مسألة بيع المرابحة للآمر بالشراء قولين متكافئين، وإذا وجد في مسألة قولان، أحدهما بالإباحة، والآخر بالحظر، وهما متكافئان من حيث قوة الدليل، فالأخذ حينئذ بما فيه التيسير أفضل، خصوصًا أن جمهور الناس في عصرنا أحوج ما يكونون إلى التيسير والرفق، رعاية لظروفهم، وما غلب على أكثرهم من رقة الدين، وضعف اليقين، وما ابتلوا به من كثرة المغريات بالإثم، والمعوقات عن الخير (٤).
نوقش: بأن الواجب عند اختلاف العلماء الأخذ بما هو أرجح دليلًا؛ لأن ذلك أقرب إلى تنفيذ أمر الله، إضافة إلى أن القولين في المسألة غير متكافئين، بل القول المبيح لها لا
стр. 358
يقرب من القول المحرم، وضعف دين الناس ويقينهم ليس مبررًا للأخذ بالقول الضعيف (١).
دليل القول الثالث: أن الإلزام بالوعد لكلا الطرفين يصيره عقدًا، فيدخل في بيع الإنسان ما ليس عنده، أما إن كان الوعد من أحد الطرفين فإن المحاذير الشرعية تنتفي (٢).
نوقش: بأن هذه التفرقة تفتقر إلى الدليل، والمحاذير الشرعية في إلزام الطرفين، موجودة في إلزام أحدهما، سواء كان الآمر أو المأمور، ومنها أن الطرف الملزم لم يتحقق فيه شرط الرضا عند إجراء العقد (٣).
الترجيح: بعد عرض الأقوال، وأدلتها، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، تبين لي-والله أعلم- أن الإلزام بالوعد يصيره عقدًا، وأقوى دليل للمانعين على ذلك هو أن البائع يبيع ما ليس عنده، أما الأدلة الأخرى فلا تسلم من المناقشة، والمختار في تفسير"لا تبع ماليس عندك" هو: أن يكون البيع لعين يبيعها، وهي ليست ملكه، بل ملك غيره ثم يسعى في تحصيلها، أو بيع ما لا يقدر على تسليمه، فيكون قد ضمن له شيئا لا يدري هل يحصل أو لا يحصل؟، أما إذا باع موصوفًا بالذمة مما يقدر على تسليمة فلا يدخل في النهي، وعلى هذا التفسير فلا يجوز بيع المرابحة للآمر بالشراء بالوعد الملزم إن كانت العين مملوكة ثم يسعى
стр. 359
في تحصيلها، أو بيع ما لا يقدر على تسليمه، ويجوز بيع المرابحة للآمر بالشراء بالوعد الملزم إذا كان البيع لموصوف بالذمة مما يقدر على تسليمه في وقته.
الفرع الثاني: أثر الهندسة المالية في بيع المرابحة للآمر بالشراء
على القول الذي يبيح بيع الرابحة للآمر بالشراء إذا كان الوعد ملزمًا للطرفين، أو لأحدهما، وعلى القول الراجح الذي يبيح بيع المرابحة للآمر بالشراء إذا كان الوعد فيها غير ملزم لأحد الطرفين، أو كان المبيع فيها موصوفًا بالذمة مما يقدر على تسليمه، فإن الهندسة المالية الإسلامية أنتجت بيع المرابحة للآمر بالشراء؛ لأنه يغطي جانبًا من جوانب الحاجة التي لا يمكن تحقيقها عن طريق المضاربة والمشاركة، فيحدد صاحب الحاجة ما يرغب فيه، ويقوم المصرف بالشراء بناءً على طلب صاحب الحاجة، مع ما يتمتع به من مرونة وملائمة لطبيعة العمل المصرفي، فالمصرف ليس تاجرًا يقتني السلع والبضائع والخدمات، ولكنه مدير مدبر للاحتياجات، إلى غير ذلك من فوائد المرابحة للآمر بالشراء (١)، أما على القول الذي يحرم بيع المرابحة للآمر بالشراء مطلقًا، أو إذا كان الوعد فيها ملزمًا، أو كان المبيع لعين مملوكة ثم يسعى المصرف في شرائها، أو موصوفة في الذمة ولا يقدر المصرف على تسليمها وقت الأداء، فإن الهندسة المالية في بيع المرابحة للآمر بالشراء لا تعد إسلامية، وهي سبب لتحريم العقد؛ لأن حقيقة هذه المعاملة حيلة ربوية، سواء كان الوعد ملزمًا أو غير ملزم، وأن الإلزام يصير الوعد عقدًا فتدخل المعاملة في المحاذير الشرعية التي نبه لها أصحاب القول الأول، وستركن المصارف إلى هذه المعاملة، ولا يكون لها مساهمة في تنمية الاقتصاد، وانتشار المشاريع الاستثمارية المتنوعة النافعة للمجتمع (٢).
стр. 360
المبحث السادس:
الإجارة المنتهية بالتمليك
المطلب الأول: تعريف الإجارة المنتهية بالتمليك
سبق تعريف الإجارة، أما التمليك لغة فهو مصدر ملك، والمَلْكُ: ما ملكت اليد من مال (١)، والملك في الاصطلاح لا يخرج عن معناه اللغوي.
أما تعريف مصطلح الإجارة المنتهية بالتمليك؛ فقد عرف بأنه: " عقد بين طرفين يؤجر فيه أحدهما لآخر سلعة معينة مقابل أجرة معينة يدفعها المستأجر على أقساط خلال مدة محددة، تنتقل بعدها ملكية السلعة للمستأجر عند سداده لآخر قسط بعقد جديد" (٢).
ويؤخذ على هذا التعريف أنه غير جامع؛ فهناك صور من الإجارة المنتهية بالتمليك لا تدخل ضمن هذا التعريف، كما لو كان العقد فيها واحدًا.
وعرف بأنه: "إجارة يقترن بها الوعد بتمليك العين المؤجرة إلى المستأجر في نهاية مدة الإجارة أو في أثنائها، ويتم التمليك بإحدى الطرق المبينة في المعيار" (٣).
وانتُقد هذا التعريف بأنه غير جامعٍ أيضًا؛ لأنه يختص بالإيجارة المنتهية بالتمليك حسب الصيغ المقترح لها لتكون شرعية، ويخرج ما عداها من الصور التي لا تتفق مع رؤية الهيئة (٤).
стр. 361
وعرف كذلك بأنه: " تمليك المنفعة، ثم تمليك العين نفسها في آخر المدة" (١).
وهذا التعريف أجود التعريفات، وهناك تعريفات أخرى قريبة منه (٢)، لكن هذا أخصرها، ويؤدي مؤداها.
وللإجارة المنتهية بالتمليك مصطلحات أخرى، منها: الإيجار الساتر للبيع، والإجارة مع الوعد بالتمليك، والإجارة التمليكية، والإجارة التمويلية (٣).
المطلب الثاني: الهندسة المالية الإسلامية في الإجارة المنتهية بالتمليك
-الأصل في الإجارة العادية أن تعود العين إلى المؤجر بعد انتهاء الإجارة، أما في الإجارة المنتهية بالتمليك ففيها تطوير وهندسة مالية على عقد الإجارة بأن تنتقل ملكية العين إلى المستأجر بعد انتهاء مدة الإجارة، إما تلقائيًا دون عقد، أو بعقد بيع جديد، أو هبة العين المستأجرة (٤).
- الأصل في البيع بالتقسيط أن تنتقل ملكية العين إلى المشتري عند عقد البيع، إلا أنه في هذا العقد المسمى بالإجارة المنتهية بالتمليك تطوير وهندسة مالية على البيع بالتقسيط
стр. 362
بأن يشترط البائع على المشتري ألا تنتقل له ملكية السيارة إلا بعد انتهائه من سداد الأقساط جميعها (١).
وللإجارة المنتهية بالتمليك عدة صور، أشهرها: الصورة الأولى: عقد إجارة تنتهي بتملك السلعة تلقائيًا بعد سداد جميع الأقساط دون إنشاء عقد آخر، الصورة الثانية: عقد إجارة مع الوعد بالبيع، الصورة الثالثة: عقد إجارة مع الوعد بالهبة، الصورة الرابعة: عقد إجارة مع شرط البيع أو الهبة على الانتهاء من السداد (٢).
المطلب الثالث: دراسة للهندسة المالية الإسلامية الإجارة المنتهية بالتمليك
الفرع الأول: حكم الإجارة المنتهية بالتمليك
القول الأول: أنها جائزة. وهو قول بعض المعاصرين (٣).
стр. 363
القول الثاني: أنها جائزة بشرط أن يفصل بين الإجارة والتمليك (١). وهو قول جمهور المعاصرين (٢).
القول الثالث: أنها محرمة. وهو قول جمع من المعاصرين (٣).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: أن حقيقة هذا العقد أنه بيع تقسيط مشروط بعدم انتقال الملكية للمشتري إلا بعد سداد الأقساط جميعها، والإجارة ستر للعقد الحقيقي، فهي صورية، والعبرة في العقود بالحقائق، والأصل في الشروط الصحة إلا ما دل الدليل على منعه (٤).
نوقش من وجوه: الوجه الأول: بأن من شروط العقد أن يكون ضمان العين على المؤجر مما يدل على أن الإجارة حقيقية، وليست صورية (٥).
стр. 364
الوجه الثاني: أن القول بصحة العقد بناءً على أنه بيع تقسيط بشرط عدم نقل الملكية إلا بعد سداد الأقساط لا يسلم؛ لأن هذا الشرط يناقض مقتضى العقد، فإن مقتضى العقد نقل الملكية للمشتري بمجرد العقد (١).
يجاب: بأن كل الشروط تنافي مقتضى العقد، فمقتضى العقد الإطلاق وعدم التقييد، والشرط المنافي لمقتضى العقد شرط صحيح إذا كان لأحد المتعاقدين قصد صحيح في اشتراطه، والمهم في الشرط ألا ينافي مقصود العقد، أو مقصود الشارع، وشرط عدم نقل الملكية للمشتري لا ينافي المقصود من العقد، وليس فيه مخالفة للشارع؛ فالمشتري ينتفع بالعين في هذه الفترة، لكنه لا يتصرف بها في بيع أو هبة فهو كرهن العين، وفيه قصد صحيح للبائع ليحفظ حقه، وشرط التجارة التراضي، فإذا رضي المشتري بذلك فهذا له، والأصل في الشروط الصحة إلا ما دل الدليل على منعه، ولا دليل يمنع منه (٢).
الوجه الثالث: أنه يشتمل على الغرر؛ فإنه في حالة انفساخ العقد قبل اكتمال السداد لأي ظرف فإن البائع يجمع بين العوض والمعوض (٣)، والمشتري يضيع عليه جميع ما دفعه، وهذه الأقساط دفعت على أنها أجرة للعين المؤجرة، فكيف تتحول إلى ثمن للعين المؤجرة في نهاية المدة؟، والعقد في هذه الفترة يكون مترددًا بين حصول البيع وعدمه، فالقول بجوازه على أنه عقد بيع بثمن مقسط تكتنفه في الفقه الإسلامي صعوبات كثيرة تحول دون القول بذلك (٤).
стр. 365
الدليل الثاني: أن عقود الإجارة المنتهية بالتمليك لا تخرج عن كونها عقود بيع ورهن للعين، فلا يتصرف بها المشتري ببيع أو هبة حتى يسدد كامل الثمن، وهما عقدان صحيحان لازمان (١).
نوقش: بما نوقش به الدليل الأول بأن هذا يشتمل على الغرر في حال انفساخ العقد، وتردد العقد بين حصول البيع وعدمه، وأن عقد البيع لازم للمتعاقدين، أما عقد الإجارة المنتهية بالتمليك فهو عقد لازم للمؤجر، وغير لازم للمستأجر فله إنهاء المدة، ورد العين للمؤجر (٢).
دليل القول الثاني: أنه إذا تمايز عقد الإجارة عن عقد التمليك، وأجريت أحكام كل عقد في المدة التي يسري فيها، فالعقد صحيح ولا مانع منه، ويتم ذلك عن طريق اشتراط بيع العين، أو هبتها للمستأجر بعد الانتهاء من السداد، أو أن يعد المؤجر المستأجر ببيع العين، أو هبتها له بعد انتهاء مدة الإجارة (٣).
стр. 366
نوقش من وجوه: الوجه الأول: أن الهبة في عقد الإجارة المنتهية بالتمليك إنما هي مقابل العوض، وليست هي من عقود التبرع، فالمؤجر يهب العين مقابل العوض الذي يدفعه المستأجر، فهي هبة ثواب، وحكمها حكم البيع (١).
يجاب: بأنه لا يسلم بأن الهبة مقابل للعوض الذي يدفعه المستأجر، فالعوض في مقابل منفعة العين المستأجرة، سواء كانت الأجرة كأجرة المثل كما اختاره بعض الباحثين (٢)، أو كانت الأجرة أكثر، فهما تعاقدا على هذه الأجرة برضاهما، ولهما الحرية في الاتفاق على الأجرة التي يريدان، والهبة في مقابل التزام المستأجر بسداد ما عليه، فهي ليست من هبة الثواب.
الوجه الثاني: أن اشتراط البيع في عقد الإجارة فيه جمع بين عقدين متناقضين في عقد واحد، وفيه غرر؛ لأن العين بعد تمام مدة الإجارة لا بد أن تتغير صفتها، خاصة وأن مدة الإجارة طويلة في الغالب، بل قد تتلف العين، فيكون عقد البيع قد وقع على مبيع مجهول الصفة، وفي ربط ثمن العين بالقيمة السوقية سيكون الثمن مجهولًا أيضًا بعد تمام المدة، فالثمن والمثمن مجهولان (٣).
يجاب: بأن المنهي عنه في الجمع بين العقدين إذا كانا متناقضين وتترتب أحكامهما على العين في وقت واحد، أما إذا كان وقتهما مختلفًا فأحكام
стр. 367
الإجارة في وقت الإجارة، وأحكام البيع في وقت البيع، فلا يدخل في النهي في الجمع بين العقدين، والصحيح جواز تعليق البيع على شرط، وهو ما اختاره بعض المحققين (١)، فإن حصل المشروط فحقهما محفوظ، وإن لم يحصل فمالهما محفوظ، وليس فيه أكل للمال بالباطل، والغرر الذي فيها ليس فاحشًا فجهالة الثمن والمثمن مآلها إلى العلم، وربط الثمن بسعر السوق أقرب للعدل؛ لأنه سيراعي ما حصل في العين من تغير في صفاتها (٢).
الوجه الثالث: أن الوعد في عقد الإجارة المنتهية بالتمليك لا يكون إلا ملزمًا (٣)، وقد سبق بيان أن الإلزام بالوعد يصيره عقدًا (٤).
أجيب: بالتسليم بأن الإلزام يصير الوعد عقدًا، لكن العين في مسألتنا موجودة، وهي تختلف عن مسألة المرابحة التي لا توجد فيها العين، فتكون من بيع ماليس عند البائع (٥)، وما فيها من تأجيل البدلين، فإن الصحيح هو جواز تأجيل البدلين متى ما كان هناك فائدة ومصلحة (٦)؛ كمن يبيع بيعًا ويشترط الانتفاع به زمنًا، فلهما ذلك مع تأجيل البدلين، وقد اشترى النبي ﷺ الجمل من جابر ﵁، وتأخر تسليم البدلين إلى وصول المدينة.
стр. 368
الوجه الرابع: أن كل هذه الوسائل المتخذة عبارة عن حيل للتوصل للبيع الذي هو المقصد الحقيقي للمتعاقدين (١).
يجاب: بأن الوسيلة مباحة، والمقصد مباح، وقد سبق بيان أن العلماء اتفقوا على جواز الحيلة إذا كانت الوسيلة مباحة، والمقصد مباحًا (٢).
أدلة القول الثالث:
الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁، قال: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ» رواه الترمذي وغيره (٣).
وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة، وهذا يصدق على بيع الإجارة المنتهي بالتمليك حيث إنه جمع بين عقدين على عين واحدة، وهو غير مستقر على أحدهما، وهما مختلفان في الحكم متنافيان فيه، فالبيع يوجب انتقال العين بمنافعها إلى المشتري، والإجارة توجب انتقال منافع العين فقط إلى المستأجر، والمبيع مضمون على المشتري بعينه ومنافعه، والعين المستأجرة من ضمان مؤجرها (٤).
نوقش: بأن هذا يصدق إذا كان الجمع بين عقد البيع والإجارة على العين الواحدة في وقت واحد، وهذا غير موجود في الإجارة المنتهية بالتمليك حيث يتم فيها الفصل بين العقدين، ولا يردان على العين في وقت واحد (٥).
стр. 369
الدليل الثاني: أن العقد يشتمل على غرر لتردده بين البيع والإجارة (١)، ويشتمل على غبن؛ فالأجرة فيها أعلى من أجرة المثل، فإن أعسر بالقسط الأخير مثلاً سحبت منه العين باعتبار أنها مؤجرة، ولا يرد عليه ما أخذ منه؛ بناءً على أنه استوفى المنفعة، ولا يخفى ما في هذا من الظلم، وأكل لأموال الناس بالباطل (٢).
نوقش: بأنه لا تخلو معاملة من غرر، والإجارة المنتهية بالتمليك لا تحتوي على غرر فاحش؛ لأن المستأجر يدخل فيها على بينة، وأنه عقد إجارة، يترتب عليه كل أحكام الإجارة، ويوقع على شرط رد العين متى أخل بالأقساط بكامل رضاه (٣)، وإذا سحبت منه العين فما دفعه فهو مقابل المنفعة، وهو قد رضي بهذه الأجرة، ويتحمل تقصيره إن كان منه تقصير، وإن لم يكن منه تقصير بأن كان الفسخ من المؤجر، أو قوة قاهرة، أو غير ذلك فيجب أن يرد له ما زاد على أجرة المثل، ويجب أن ينص في العقد على ذلك حفظًا للحقوق (٤).
الدليل الثالث: "أن هذا العقد وأمثاله أدى إلى تساهل الفقراء في الديون حتى أصبحت ذمم كثير منهم مشغولة منهكة، وربما يؤدي إلى إفلاس بعض الدائنين لضياع حقوقهم في ذمم الفقراء" (٥).
стр. 370
نوقش: بأن هذا لا يصح دليلًا للمنع؛ لأنه سيؤدي إلى منع البيع إلى أجل، ومنع القرض، فكلها تؤدي مؤداه (١)، إضافة إلى أن الإجارة المنتهية بالتمليك تيسر للفقراء أن ينتفعوا بأعيان، ويتملكوا أعيانًا لا يستطيعون دفع أثمانها بالبيع (٢).
الترجيح: بعد عرض الأقوال، وأدلة كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة تبين لي-والله أعلم- أن الراجح جواز عقد الإجارة المنتهية بالتمليك متى ما تم الفصل بين العقدين، فلا تجري أحكامهما على العين بوقت واحد، ويجوز أن يتم العقد منذ البداية على أنه عقد بيع، للمشتري غنمه، وعليه غرمه، ويشترط عليه عدم نقل الملكية إلا بعد الانتهاء من سداد الأقساط، أو أن تنتقل ملكيته للمشتري، له غنمه وعليه غرمه، مع رهن العين واشتراط عدم التصرف بالمبيع حتى يؤدي كامل الثمن؛ وذلك لأن الأصل في المعاملات الصحة والجواز إلا ما دل الدليل على منعه، ولم يثبت دليل يمنع الإجارة المنتهية بالتمليك إلا إذا كانت أحكام الإجارة وأحكام الملك تسري على العين في وقت واحد.
الفرع الثاني: أثر الهندسة المالية في الإجارة المنتهية بالتمليك
على القول الذي يبيح الإجارة المنتهية بالتمليك فإن الهندسة المالية الإسلامية أنتجت الإجارة المنتهية بالتمليك للمصالح التي تحققها لطرفي المعاملة، فالمشتري يحصل على أعيان بسهولة ومرونة لا تتحقق بعقد البيع، والبائع يضمن حقه، فمتى أخل المشتري بالأقساط له استرداد العين المؤجرة، إلى غير ذلك من فوائد العقد (٣)، أما على القول الذي
стр. 371
يحرم الإجارة المنتهية بالتمليك فإن الهندسة المالية فيها لا تعد إسلامية، وهي سبب لتحريمها؛ للمحاذير الشرعية التي تترتب عليها كالجمع بين عقدين متناقضين، وتردد المعاملة بين البيع والإجارة، وحصول الغرر فيها.
стр. 372
المبحث السابع:
المشاركة المنتهية بالتمليك
المطلب الأول: تعريف المشاركة المنتهية بالتمليك
المشاركة لغة مفاعلة من شَرَك، وهو يدل على مقارنة وخلاف انفراد، ويقال: شاركت فلانًا في الشيء، إذا صرت شريكه (١). والمشاركة في اصطلاح الفقهاء لا تخرج عن المعنى اللغوي (٢).
وسبق تعريف التمليك، أما المشاركة المنتهية بالتمليك فقد عرفت بأنها: "شركة يعطي المصرف فيها الحق للشريك في الحلول محلة في الملكية دفعة واحدة، أو على دفعات حسبما تقتضيه الشروط المتفق عليها" (٣).
والتعريفات الأخرى للمشاركة المنتهية بالتمليك قريبة من هذا التعريف (٤).
وتسمى المشاركة المنتهية بالتمليك بأسماء أخرى: كالمشاركة المتناقصة، والمضاربة المنتهية بالتمليك (٥).
стр. 373
المطلب الثاني: الهندسة المالية الإسلامية في المشاركة المنتهية بالتمليك
المشاركة المنتهية بالتمليك تعد من الابتكارات التي ابتكرتها البنوك الإسلامية، وفيها تركيب بين العقود المالية، فهي تجمع بين أكثر من عقد كالشركة والبيع، أو كالشركة والبيع والإجارة، والمشاركة التي فيها تطوير للمشاركة الدائمة، فهي تختلف عن المشاركة الدائمة في عنصر واحد وهو: الاستمرارية (١)، فالهندسة المالية في المشاركة المنتهية بالتمليك تجمع بين الابتكار، والتطوير.
المطلب الثالث: دراسة للهندسة المالية الإسلامية في المشاركة المنتهية بالتمليك
الفرع الأول: حكم المشاركة المنتهية بالتمليك
اختلف الفقهاء المعاصرون في حكم المشاركة المنتهية بالتمليك على قولين:
القول الأول: أنها جائزة. وهو قول جمهور المعاصرين (٢).
القول الثاني: أنها محرمة. وهو قول بعض المعاصرين (٣).
стр. 374
دليل القول الأول: أن الأصل في المعاملات الصحة والجواز إلا ما دل الدليل على منعه، وحقيقة المشاركة المنتهية بالتمليك أن الشريك يشتري حصة شريكة، ولا يوجد دليل يمنع من ذلك فهي باقية على أصل الجواز (١).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: أن حقيقة المشاركة المنتهية بالتمليك قرض جر نفعًا، فهي تمويل وليست مشاركة، وهي شبيهة ببيع الوفاء المحرم، بل هي أسوأ منه؛ لأن الآخر ملتزم بمبلغ يدفعه، إنما في بيع الوفاء إن لم يرد العين فلا يدفع شيئا (٢).
نوقش: بالفرق بين بيع الوفاء، والمشاركة المنتهية بالتمليك؛ فالمشتري في بيع الوفاء يكون مالكًا للسلعة بموجب العقد، وغير مالك لها بموجب الشرط فيلزمه رد السلعة متى ما رد البائع الثمن، أما المشاركة المنتهية بالتمليك فيشترك فيها الطرفان في الربح والخسارة، ولكل شخص منهما حقوق، وعليه التزامات، فبينهما فرق كبير (٣).
الدليل الثاني: أن المشاركة المنتهية بالتمليك إحدى نماذج بيوع العينة المحرمة؛ حيث ينص في عقد البيع على أن يعيد المشتري بيع الأصل الذي اشتراه إلى نفس البائع المالك الأصلي، وهذه هي نفس حالة عقد المشاركة المنتهية بالتمليك (٤).
стр. 375
نوقش: بالفرق بين بيع العينة والمشاركة المنتهية بالتمليك، فبيع العينة بين طرفين، والمشاركة المنتهية بالتمليك يشتري الشريكان أصلا يشتركان فيه من طرف ثالث، ولا يشتري أحدهما من الآخر ثم يعيد البيع عليه بالأجل (١)، وبيع العينة في الوقت نفسه، والمشاركة بعد وقت طويل، وبيع العينة لا بد أن يكون السعر لم يتغير وفي المشاركة في الغالب تتغير الأسعار (٢).
الدليل الثالث: أنه في المشاركة المنتهية بالتمليك يتم الوعد الملزم ببيع عين معينة غير مملوكة للشريك قبل قيام الشركة؛ والإلزام بالوعد يصيره عقدًا، فيدخل البائع في بيع ماليس عنده (٣).
يناقش: بأن هذا الدليل لا يكون سببًا لتحريم المشاركة المنتهية بالتمليك بجميع صورها، بل إذا حصلت هذه الصورة فهي محرمة، وما عداها على أصل الإباحة حتى يرد الدليل بمنعه.
الدليل الرابع: أن اشتراط أحد الشريكين على شريكه شراء حصته من الشركة، فإن في هذا ضمانًا لرأس المال يحوله إلى قرض، والربح الذي يأخذه منفعة على القرض، فيؤول إلى الربا (٤).
стр. 376
يناقش: بأن المجيزين للمشاركة وضعوا لها شروطًا تحميها من الوقوع في ذلك، فمن شروطهم: "عدم التعهد بشراء أحد الطرفين حصة الطرف الآخر بمثل قيمة الحصة عند إنشاء الشركة، لما في ذلك من ضمان الشريك حصة شريكه … " (١).
الترجيح: بعد عرض القولين، وأدلة كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، تبين لي-والله أعلم- أن الراجح هو القول الأول القائل بجواز المشاركة المنتهية بالتمليك؛ لأن الأصل في المعاملات الحل إلا ما دل الدليل على منعه، وأدلة القول الثاني لا تقوى على المنع كما تقدم في مناقشتها، وللضوابط والاحتياطات التي وضعها أصحاب هذا القول التي تحميه -بإذن الله- من الوقوع في المحذور (٢)، جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن المشاركة المتناقصة وضوابطها الشرعية: "المشاركة المتناقصة مشروعة إذا التُزم فيها بالأحكام العامة للشركات، وروعيت فيها الضوابط الآتية:
أ - عدم التعهد بشراء أحد الطرفين حصة الطرف الآخر بمثل قيمة الحصة عند إنشاء الشركة، لما في ذلك من ضمان الشريك حصة شريكه، بل ينبغي أن يتم تحديد ثمن بيع الحصة بالقيمة السوقية يوم البيع، أو بما يتم الاتفاق عليه عند البيع.
ب - عدم اشتراط تحمّل أحد الطرفين مصروفات التأمين أو الصيانة وسائر المصروفات، بل تحمّل على وعاء المشاركة بقدر الحصص.
ج - تحديد أرباح أطراف المشاركة بنسب شائعة، ولا يجوز اشتراط مبلغ مقطوع من الأرباح أو نسبة من مبلغ المساهمة.
стр. 377
د - الفصل بين العقود والالتزامات المتعلقة بالمشاركة.
هـ - منع النص على حق أحد الطرفين في استرداد ما قدمه من مساهمة (تمويل) " (١)، ويضاف عليها إذا كان الوعد ملزمًا قبل تملك العين فلابد أن يكون على موصوف في الذمة مما يقدر على تسليمه في وقته.
الفرع الثاني: أثر الهندسة المالية في المشاركة المنتهية بالتمليك
على القول الراجح الذي يبيح المشاركة المنتهية بالتمليك فإن الهندسة المالية الإسلامية أنتجت المشاركة المنتهية بالتمليك للمصالح الكبيرة التي تحققها للمشتركين، فهي أحد مصادر البنوك الإسلامية، وفيه إعانة للمشتركين معها في تحقيق مشاريعهم، إضافة إلى تنشيط الحركة الزراعية والصناعية والعمرانية، إلى غير ذلك (٢)، أما على القول الذي يحرم المشاركة المنتهية بالتمليك فإن الهندسة المالية فيها لا تعد إسلامية، وهي سبب لتحريمها؛ لأن العقد صار عبارة عن قرض جر نفعًا فهو تمويل، وليس مشاركة.
стр. 378
المبحث الثامن:
بطاقات الائتمان
المطلب الأول: تعريف بطاقات الائتمان
قبل تعريف مصطلح بطاقة الائتمان، لابد من تعريف البطاقة أولًا، ثم الائتمان ثانيًا، الكلمتان اللتان يتركب منهما هذا المصطلح.
فالبطاقة في اللغة: الورقة، والرقعة الصغيرة (١)، جاء في المحكم: "البطاقة: الورقة … والبطاقة: الرقعة الصَّغِيرَة، تكون فِي الثَّوْب وفيهَا رقم ثمنه" (٢). ويقال سميت بذلك؛ لأنها تشد بطاقة من هدب الثوب (٣). والبطاقة في الاصطلاح بمعناها اللغوي.
والائتمان لغة مصدر على وزن افتعال مأخوذ من الأمن، والأمن: ضد الخوف، والأمانة: ضد الخيانة (٤)، يقول ابن فارس: " الهمزة والميم والنون أصلان متقاربان: أحدهما الأمانة التي هي ضد الخيانة" (٥)، ويقال أمنته على كذا، وائتمنته بمعنى واحد: أي وثقت به (٦).
والائتمان مصطلح اقتصادي، وعرف عندهم بأنه: "منح حق استخدام أو امتلاك السلع والخدمات، دون دفع القيمة فورًا" (٧).
стр. 379
أما عند الفقهاء فلا يخرج معنى الائتمان عن معناه اللغوي (١).
أما تعريف مصطلح بطاقة الائتمان فقد عرفها مجمع الفقه بأنها: "مستند يعطيه مصدره لشخص طبيعي أو اعتباري - بناء على عقد بينهما - يمكنه من شراء السلع أو الخدمات، ممن يعتمد المستند، دون دفع الثمن حالًا، لتضمنه التزام المصدر بالدفع، ومن أنواع هذا المستند ما يمكن من سحب نقود من المصارف على حساب المصدر" (٢).
وهناك عدة تعريفات للبطاقة الائتمانية، كلها قريبة من التعريف الذي ذكره المجمع (٣)، ويمكن أن تعرف بتعريف مختصر بأنها: بطاقة تتيح لحاملها شراء حاجاته، والسحب النقدي دينًا على مصدرها، والسداد له آجلًا.
ويرى الدكتور عبدالوهاب أبو سليمان أن العنوان الصحيح لبطاقات الائتمان هو: "بطاقات الإقراض"؛ لأنه هو الوصف المناسب الدال على حقيقتها، وماهيتها، أما كلمة: "ائتمان" فليس عنوانًا صحيحًا، ولا وصفًا مناسبًا؛ إذ إنه لا أثر له أصلًا، أو وضعًا في صحة تكييف العقد فيبنى عليه حكم، ولا يشير أصالة إلى حقيقته، ولا يتفق مع الأصل المترجم عنه (٤)، وخالفه غيره ورأى أن الائتمان هو التسمية الصحيحة لهذه البطاقة (٥)، ولا مشاحة في الاصطلاح، فالعبرة بحقيقة البطاقة لا باسمها.
стр. 380
المطلب الثاني: الهندسة المالية الإسلامية في بطاقات الائتمان
البطاقات الائتمانية من المعاملات المالية المستجدة، وهي من ابتكارات البنوك التقليدية، وفيها تركيب بين العقود (١)، فهي تجمع بين القرض، والوكالة، والكفالة، أو الحوالة، على حسب التكييف الفقهي للعلاقة بين مصدر البطاقة وحاملها، والعلاقة بين التاجر ومصدر البطاقة (٢)، وقد طورت بعض البنوك الإسلامية البطاقات الائتمانية فلم تشترط فوائد على التأخير؛ لأن معظم بطاقات الائتمان ترتب فوائد على تأخير دفع حامل البطاقة لما استحق عليه إذا تجاوز فترة السماح أو المطالبة (٣)؛ فالهندسة المالية في البطاقات الائتمانية تجمع بين الابتكار، والتطوير.
وتنقسم البطاقات الائتمانية قسمين:
القسم الأول: بطاقات مغطاة، وتسمى بطاقات السحب المباشر من الرصيد؛ وهي تمنح للعميل الذي له حساب في البنك، والخصم يكون من حسابه (٤).
القسم الثاني: بطاقات غير مغطاة؛ وهي تتنوع إلى نوعين:
стр. 381
النوع الأول: بطاقات الائتمان غير المدار، أو غير المتجدد؛ وهي تخول لحاملها الاقتراض من البنك إلى حد معين، فإن سدد، وإلا تلغى بطاقته الائتمانية، مع دفع غرامة مالية على التأخير، وبعض المصارف الإسلامية لا تأخذ فوائد على القرض حين التأخر (١).
النوع الثاني: بطاقات الائتمان المدار أو المتجدد؛ وهي الأكثر انتشارًا في العالم، ويحق لحاملها الاقتراض من البنك إلى حد معين، ويتم تسديد الدين على أقساط مع زيادة ربوية مشروطة، وهو قابل للتجدد، فكلما سدد جزءًا من القرض يحق له الاقتراض مرة أخرى إلى أن يصل الحد الأعلى لبطاقته (٢).
المطلب الثالث: دراسة للهندسة المالية الإسلامية في بطاقات الائتمان
الفرع الأول: حكم بطاقات الائتمان
البطاقات الائتمانية المغطاة لا خلاف في جوازها، ما لم يحصل لها شرط ينقلها من الجواز إلى الحرمة كالشروط الربوية (٣)؛ لأن العميل يسحب من رصيده، وليس فيها إقراض له، يقول الدكتور وهبة الزحيلي: "فلا شك أن بطاقة الائتمان إذا كانت بغطاء
стр. 382
نقدي من حساب العميل فكلنا نتفق على جوازها" (١). وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي، بشأن بطاقات الائتمان: "يجوز إصدار بطاقات الائتمان المغطاة، والتعامل بها، إذا لم تتضمن شروطها دفع الفائدة عند التأخير في السداد" (٢).
أما البطاقات الائتمانية غير المغطاة فهي محرمة (٣)؛ لما تشتمل عليه من الفائدة الربوية، فإن خلت منها فهي جائزة، وهو ما أخذت به المصارف الإسلامية (٤)، جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن موضوع بطاقات الائتمان غير المغطاة: " أولا: لا يجوز إصدار بطاقة الائتمان غير المغطاة، ولا التعامل بها إذا كانت مشروطة بزيادة فائدة ربوية، حتى ولو كان طالب البطاقة عازما على السداد ضمن فترة السماح المجاني.
ثانيا: يجوز إصدار البطاقة غير المغطاة إذا لم تتضمن شرط زيادة ربوية على أصل الدين" (٥).
الفرع الثاني: أثر الهندسة المالية في بطاقات الائتمان
الهندسة المالية الإسلامية أنتجت البطاقات الائتمانية المغطاة وغير المغطاة التي حذف منها شرط الزيادة الربوية للمصالح الكبيرة التي تحققها، فهي تحقق الأمان لحامليها من سرقة النقود، أو ضياعها مع يسر حملها، مع الاستفادة من القرض الحسن في البطاقات
стр. 383
غير المغطاة التي تصدرها المصارف الإسلامية، وتضمن لأصحاب الحقوق أداء حقوقهم من مصدري البطاقة، وهي سبب لزيادة المبيعات في المحلات التجارية، مع انتفاع مصدري البطاقات الائتمانية بكسب مزيد من العملاء، وأخذ الرسوم على الاشتراك والتجديد، والاستبدال مقابل الخدمة التي يقدمها لحاملي البطاقات الائتمانية، مع سلامتها من المحظور الشرعي، إلى غير ذلك من المصالح التي تحققها البطاقات الائتمانية (١)، أما البطاقات الائتمانية غير المغطاة التي لم يحذف منها الشرط الربوي فإن الهندسة المالية فيها لا تعد إسلامية، وهي سبب في تحريمها؛ لما تشتمل عليه من الزيادة الربوية على أصل الدين.
стр. 384
الخاتمة
стр. 385
الخاتمة
وبعد؛ فإني أحمد لله الذي يسر لي كتابة هذا البحث، وأعانني على إتمامه، وفي نهايته أود تدوين أبرز النتائج التي توصلت لها، وأهم التوصيات؛ فأبرز ما توصلت له من نتائج:
١ - إن الهندسة المالية من حيث الممارسة والتعامل قديمة قدم المعاملات المالية، أما من حيث المصطلح فهي حديثة النشأة.
٢ - إن للهندسة المالية الإسلامية أهمية كبيرة فهي تقوم بابتكار عقود، وتطوير عقود منضبطة بالضوابط الشرعية، وتساهم في كسر حلقة التبعية للعالم الغربي، وهي البديل، والعلاج للأزمات المالية التي يشهدها العالم.
٣ - إن للهندسة المالية الإسلامية أهدافًا عظيمة من أهمها إيجاد المؤسسات المصرفية الخالية من المخالفات الشرعية، والتي تمكن تنفيذ معاملات المسلمين وفقًا لمعتقداتهم الدينية.
٤ - تتميز الأدوات التي تبتكرها أو تطورها الهندسة المالية الإسلامية بميزتين: الميزة الأولى: المصداقية الشرعية، الميزة الثانية: الكفاءة الاقتصادية.
٥ - من العوائق أمام الهندسة المالية الإسلامية غياب الكفاءات البشرية التي تتمتع بمعرفة أساسيات العلوم المالية المصرفية، مع الإلمام بالفقه الإسلامي.
٦ - تتفق الهندسة المالية الإسلامية مع الهندسة المالية التقليدية بأن كلتيهما يبتكر ويطور أدوات مالية، ويختلفان في أن الهندسة المالية الإسلامية ملتزمة بالأحكام الشرعية، خلافًا للهندسة المالية التقليدية التي لا تلتزم بذلك.
٧ - إن للهندسة المالية الإسلامية مستندات شرعية من السنة النبوية، فالسلم عبارة عن هندسة مالية إسلامية، ومن اجتهادات الصحابة، فقد ابتكروا الصكوك إلى العطاء، ومن المقاصد الشرعية، فهي تحقق مصالح عظيمة للناس، وترفع عنهم الحرج، ومن
стр. 386
القواعد الفقهية فإن الأصل في العقود الصحة إلا ما دل الدليل على منعه، والأصل في الشروط الصحة واللزوم إلا ما دل الدليل على منعه.
٨ - تستخدم الهندسة المالية الإسلامية في هندستها للعقود الأدوات التالية: الحيل والمخارج الشرعية، والرخص الشرعية، والاستحسان، وسد الذرائع وفتحها، والتلفيق، وتركيب العقود.
٩ - إن للهندسة المالية الإسلامية ضوابط خاصة بها، وضوابط خاصة بالمهندس المالي، أما الضوابط الخاصة بالمهندس المالي فهي: الخبرة بالعمل المصرفي، والشؤون المصرفية، العلم بالسوق وحاجاته، وأما الضوابط الخاصة بالهندسة المالية الإسلامية فهي: عدم مخالفة الهندسة المالية الإسلامية للشرع، وسلامتها من العيوب الشكلية للعقود.
١٠ - من المخالفات الشرعية للهندسة المالية: مخالفة النص، أو التحايل أو التذرع للتوصل للحرام، أو منافاة الحكمة التي حرمت لأجلها بعض العقود.
١١ - لسلامة الهندسة المالية الإسلامية من العيوب الشكلية للعقود ينبغي ألا تجمع بين العقود المتناقضة، وألا تكون مجرد تغيير في التكييف الفقهي للمعاملات المحرمة، وألا تكون مجرد قيود شكلية.
١٢ - من تطبيقات الهندسة المالية في الفقه الإسلامي بيع الوفاء، وبيع الاستجرار، وبيع العينة، والسُفْتَجة، والتورق، والإجارة الموصوفة في الذمة.
١٣ - إن الهندسة المالية في بيع الوفاء لا تعد إسلامية، وهي سبب لتحريمه؛ لأن حقيقة بيع الوفاء قرض جر نفعًا مشروطًا في بداية العقد.
١٤ - إن الهندسة المالية الإسلامية انتجت بيع الاستجرار إذا كان ثمن السلعة في السوق يتفاوت تفاوتًا يسيرًا، أو كان موحدًا في السوق لينتفع المشتري في تأخير السداد، وينتفع البائع في كثرة العملاء.
١٥ - إن الهندسة المالية في بيع العينة لا تعد إسلامية؛ لأن العينة حيلة للتوصل للربا.
стр. 387
١٦ - إن الهندسة المالية الإسلامية أنتجت السُفْتَجة لينتفع به المقرض والمقترض معًا؛ المقرض ينتفع بأمن خطر الطريق في نقل دراهمه إلى ذلك البلد، وينتفع المقترض أيضا بالوفاء في ذلك البلد وأمن خطر الطريق، فكلاهما منتفع بهذا الاقتراض.
١٧ - إن الهندسة المالية الإسلامية أنتجت التورق مخرجًا شرعيًا عن الربا، يستفيد البائع الربح، ويحصل المشتري على المال، والسلعة تدار في السوق
١٨ - إن الهندسة المالية الإسلامية أنتجت الإجارة الموصوفة في الذمة لتحقق مصالح للمؤجر والمستأجر؛ فالمؤجر يضمن تأجير العين قبل وجودها، وحصوله على النقد عاجلًا أو مقسطًا قبل تسليم العين، وأن العين مسجلة باسمه وبإمكانه أن يبيعها، أو يبرم عقد إجارة جديد بعد انتهاء المدة المحددة، والمستأجر ينتفع بأنه قد لا يجد النقد لبناء عين ذات مواصفات معينة فيتمكن عن طريق الإجارة الموصوفة في الذمة أن يتعاقد مع مؤجر مقتدر يحقق له ذلك، وأن المؤجر يظل مسؤولًا عن العين المؤجرة، ويتطلب منه الاهتمام بالعين وإبرام العديد من العقود كعقود الصيانة الإصلاحية، والصيانة الطارئة، وغيرها، إلى غير ذلك من المصالح التي تعود للطرفين المتعاقدين، وللاقتصاد العام كله.
١٩ - إن الهندسة المالية الإسلامية أنتجت السلم الموازي فللهندسة للمصالح الكبيرة التي يحققها، فعن طريق السلم الموازي يتم تمويل المنتجين ليحققوا نفعا بالغا ويدفع عنهم مشقة العجز المالي عن تحقيق إنتاجهم، ويمكن تمويل صغار المنتجين الزراعيين، والصناعيين، عن طريق إمدادهم بمستلزمات الإنتاج في صورة معدات، وآلات، أو مواد أولية كرأس مال سلم مقابل الحصول على بعض منتجاتهم وإعادة تسويقها.
٢٠ - إن الهندسة المالية الإسلامية أنتجت الاستصناع الموازي لدوره الكبير في تنشيط الصناعة، وفي فتح مجالات واسعة للتمويل والنهوض بالاقتصاد الإسلامي.
٢١ - إن الهندسة المالية الإسلامية أنتجت الصكوك الإسلامية للمصالح الكبيرة التي تقدمها؛ فهي أداة مهمة لتنشيط الاقتصاد الإسلامي.
стр. 388
٢٢ - إن الهندسة المالية في التورق المصرفي لا تعد إسلامية؛ وذلك للمحاذير الشرعية في التورق المصرفي فهو لا يختلف عن معاملة العينة، ولا يتم فيه ملك حقيقي للسلع أو قبض حقيقي لها.
٢٣ - إن الهندسة المالية الإسلامية أنتجت بيع المرابحة للآمر بالشراء إذا كان الوعد غير ملزم، أو كان ملزمًا وكان البيع لموصوف بالذمة مما يقدر على تسليمه في وقته؛ لأنه يغطي جانبًا من جوانب الحاجة التي لا يمكن تحقيقها عن طريق المضاربة والمشاركة فيحدد صاحب الحاجة ما يرغب فيه ويقوم المصرف بالشراء بناء على طلب صاحب الحاجة، مع ما يتمتع به من مرونة وملائمة لطبيعة العمل المصرفي.
٢٤ - إن الهندسة المالية الإسلامية أنتجت الإجارة المنتهية بالتمليك للمصالح التي تحققها لطرفي المعاملة، فالمشتري يحصل على أعيان بسهولة ومرونة لا تتحقق بعقد البيع، والبائع يضمن حقه، فمتى أخل المشتري بالأقساط له استرداد العين المؤجرة، إلى غير ذلك من فوائد العقد.
٢٥ - إن الهندسة المالية الإسلامية أنتجت المشاركة المنتهية بالتمليك للمصالح الكبيرة التي تحققها للمشتركين، فهي أحد مصادر البنوك الإسلامية، وفيه إعانة للمتشاركين معها في تحقيق مشاريعهم، إضافة إلى تنشيط الحركة الزراعية والصناعية والعمرانية.
٢٦ - إن الهندسة المالية الإسلامية أنتجت البطاقات الائتمانية المغطاة وغير المغطاة التي حذف منها شرط الزيادة الربوية للمصالح الكبيرة التي تحققها فهي تحقق الأمان لحامليها من سرقة النقود، أو ضياعها مع يسر حملها، إلى غير ذلك من المصالح التي تحققها، أما البطاقات الائتمانية غير المغطاة التي لم يحذف منها الشرط الربوي فإن الهندسة المالية فيها لا تعد إسلامية، وهي سبب في تحريمها؛ لما تشتمل عليه من الزيادة الربوية على أصل الدين.
стр. 389
هذه هي أبرز النتائج، أما أهم التوصيات، فهي:
١ - أن يكون هناك تعاون بين المصارف الإسلامية، والكليات الشرعية، ومن الأمور التي يمكن التعاون عليها:
أ- أن يزود المصرف الإسلامي الكليات الشرعية بما استجد عنده من العقود؛ ليقوم الدكاترة بدراستها في بحوث الترقية، أو يكلف طلاب الدراسات العليا ببحثها.
ب- أن ترتب الكليات الشرعية للطلاب زيارات للمصارف الإسلامية خاصة طلاب الدراسات العليا الذين يدرسون المعاملات المعاصرة فيجمعوا بين الجانب النظري، والتطبيقي للعقود التي درسوها، فمشاهدة التطبيق يساعد على فهم العقود أكثر من قراءتها من الكتب.
ج- أن تقام دورات شرعية في المصارف الإسلامية من قبل دكاترة الشريعة، وتقام دورات اقتصادية في الكليات الشرعية من قبل الاقتصاديين الذين يعملون في المصارف الإسلامية.
٢ - أن تضاف مقررات في برامج الدراسات العليا في الفقه الإسلامي فيها بيان المصطلحات الاقتصادية الوضعية، وفهم مقصودها، والعلاقة بينها وبين المصطلحات الشرعية، خاصة أن غالب اللجان الشرعية في المصارف الإسلامية مكونة من طلاب الكليات الشرعية وهم بحاجة إلى معرفة المصطلحات الاقتصادية الوضعية.
٣ - أن موضوع الهندسة المالية الإسلامية مهم، وهو بحاجة إلى العديد من الدورات، وورش العمل، وحلقات النقاش في الهندسة المالية الإسلامية بالمشاركة من الاقتصاديين، والفقهاء الشرعيين.
٤ - أن يشارك طلاب الدراسات العليا، والدكاترة في الفقه الإسلامي في الكتابة في الهندسة المالية الإسلامية، فموضوعها كبير، وهناك مباحث يمكن أن تفرد في رسالة مستقلة، فمثلًا أي أداة من أدوات الهندسة المالية الإسلامية يمكن أن تكون عنوان رسالة مستقلة مع بيان التطبيقات الخاصة بهذه الأداة في الهندسة المالية الإسلامية.
стр. 390
٥ - أن تحرص المصارف الإسلامية على أن يكون المهندس المالي مرتاضًا في الشريعة، بصيرًا بالمصالح المعتبرة فيها، وإذا لم تجد من يمتلك هذا الصفات، فعليها أن تعرض العقود بعد هندستها على أهل العلم في المجامع، والهيئات الشرعية، وأن تلتزم بما قالوا، وأن تراعي الشروط التي يضعونها لصحة العقد، فإن عدم مراعاة الضوابط الشرعية التي يضعها أهل العلم لجواز المعاملات يجعل بعض المعاملات لا تختلف عن نظيرتها في البنوك الربوية، وهذا يؤثر على سمعة المصرف الإسلامي ويفتح ألسنة بعض الناس بنقده، والتشكيك في مصداقية معاملاته، وفي نزاهة هيئته الشرعية.
٦ - أن تبتعد المصارف الإسلامية في هندسة العقود المالية عن التحايل على العقود المحرمة، فإن الناس لم يتوجهوا لها إلا طلبًا لمرضاة الله، والتحايل على المحرمات لا يرضي الله تعالى.
٧ - على المصارف الإسلامية أن تحرص في هندستها المالية للعقود أن تجمع بين المصداقية الشرعية، والكفاءة الاقتصادية، فمن أبرز ما يميز الهندسة المالية الإسلامية جمعها بين هذين العنصرين.
هذه هي أبرز النتائج، وأهم التوصيات، وما كان في هذه الرسالة من خطأ فمن نفسي والشيطان، وما كان فيها من صواب فمن الله وحده. أسأل الله أن يكتب لها القبول، وأن ينفع بها، وأن يجعلها خالصة لوجهه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبة أجمعين.