← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1111

فقه الهندسة المالية الإسلامية

مرضي العنزي

Полный текст (444 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

المطلب الثالث: دراسة للهندسة المالية الإسلامية في السلم الموازي الفرع الأول: حكم السلم، والسلم الموازي المسألة الأولى: حكم السلم أجمع العلماء على جواز السلم (١)، واستدلوا على ذلك بالأدلة التالية: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٢). وجه الدلالة من الآية: أن الآية دلت على جواز الدَين، والسلم نوع من أنواع الديون (٣)، وقد جاء في مصنف عبدالرزاق وغيره عن ابن عباس ﵄، قال: "أَشْهَدُ أَنَّ السَّلَفَ الْمَضْمُونَ إِلَى أَجَلٍ قَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ، وَأَذِنَ فِيهِ، ثم قرأ هذه الآية" (٤).

стр. 317

الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵁، قال: "قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون بالتمر السنتين والثلاث، فقال: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ، فَفِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» " متفق عليه (١). وجه الدلالة من الحديث: أن في أمر النبي ﷺ أن يكون السلم في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم؛ دلالة على جوازه بهذه الشروط. الدليل الثالث: عبد الرحمن بن أبزى، وعبد الله بن أبي أوفى، ﵄، قالا: «كُنَّا نُصِيبُ المَغَانِمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكَانَ يَأْتِينَا أَنْبَاطٌ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّامِ، فَنُسْلِفُهُمْ فِي الحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالزَّبِيبِ، إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى» رواه البخاري (٢). وجه الدلالة من الحديث: أن الصحابة ﵃ كانوا يتعاملون بالسلم في عصر النبي ﷺ ، ولم ينههم عنه؛ مما يدل على جوازه. الدليل الرابع: إجماع العلماء على جواز السلم (٣)، قال ابن المنذر: " أجمع أهل العلم على أن من باع معلوماً من السلع، بمعلوم من الثمن، على أجل معلوم من شهور العرب، أو إلى أيام معروفة العدد، أن البيع جائز، وكذلك قالوا في السلم إلى الأجل المعلوم" (٤). المسألة الثانية: حكم السلم الموازي اختلف الفقهاء المعاصرون في حكم السلم الموازي على قولين:

стр. 318

القول الأول: جواز السلم الموازي إذا تحقق فيه الفصل بين العقدين. وهذا رأي جمهور الفقهاء المعاصرين (١)، بل قال الدكتور نزيه حماد: "وهذا السلم الموازي لا خلاف بين الفقهاء في جوازه ومشروعيته" (٢). القول الثاني: منع السلم الموازي إلا للضرورة. وهو رأي الدكتور الصديق الضرير (٣). أدلة القول الأول: أدلة القول الأول هي أدلة السلم السابقة، وعدم وجود دليل يمنع من السلم الموازي (٤). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: أن السلم الموازي يتخذ حيلة للربا، وبخاصة إذا اتخذ هذا الأسلوب من السلم المتوازي بقصد التجارة والربح، وتكرر السلم المتوازي للمعاملة الأولى (٥).

стр. 319

يناقش: بأن لجواز السلم الموازي شروطًا لا بد من مراعاتها، كما أن للسلم شروطًا لابد من مراعاتها، والبيع في السلم الموازي الثاني لموصوف في الذمة غير المسلم فيه الأول، فالعقدان غير مرتبطين، والتحايل في السلم الموازي على الربا وعلى المحظور عمومًا، لا يكون سببًا لمنعه من أصله؛ لأن السلم أيضًا قد يتخذ حيلة على المحظور، ومع ذلك لم يمنعه الرسول ﷺ ، بل الأصل جواز السلم، والمعاملة التي يتحايل فيها على المحظور هي التي تمنع، وقصد الربح والتجارة في السلم الموازي جائز، كما أن قصد الربح والتجارة في السلم جائز، فالسلم الموازي لا يخرج عن السلم، ومن منعه فعليه أن يمنع السلم. الدليل الثاني: أن في السلم الموازي ضررًا يصيب المستهلك من ارتفاع سعر السلعة قبل أن تصل إليه، بسبب انتقالها لأكثر من تاجر (١). نوقش: بأن الضرر الذي يوجد في ارتفاع سعر السلعة بسبب انتقالها لأكثر من تاجر في السلم الموازي يوجد في التجارة والبيع عمومًا، فقد يرتفع سعر بعض السلع بسبب انتقالها لأكثر من تاجر، ومع ذلك لا تمنع التجارة أو البيع بسبب ذلك، وهذا الضرر يقابله مصالح أكبر للمصارف الإسلامية، وللتجار، وللمستهلكين، ويؤدي إلى نهضة اقتصادية (٢). الترجيح: بعد عرض الأقوال، وأدلتها، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، تبين لي -والله أعلم- أن الراجح هو القول الأول القائل أن السلم الموازي جائز إذا تحقق فيه الفصل بين العقدين؛ وذلك لقوة أدلته مقابل ضعف أدلة القول الثاني أمام ما ورد عليها من المناقشة، ولأن الأصل في المعاملات الصحة والجواز، وللمصالح الاقتصادية التي يحققها السلم الموازي فقد جاء في

стр. 320

مؤتمر المستجدات الفقهية في معاملات البنوك الإسلامية: "ويوصي المؤتمر المصارف الإسلامية والمؤسسات المالية الإسلامية بإحياء هذين العقدين-السلم والاستصناع- في التمويل؛ لما يترتب عليهما من مصالح في تنشيط التجارة، والصناعة، والزراعة" (١) الفرع الثاني: أثر الهندسة المالية في السلم الموازي على القول الراجح الذي عليه جمهور العلماء المعاصرين فإن الهندسة المالية الإسلامية أنتجت السلم الموازي للمصالح الكبيرة التي يحققها، فعن طريق السلم الموازي يتم تمويل المنتجين ليحققوا نفعًا بالغًا ويدفع عنهم مشقة العجز المالي عن تحقيق إنتاجهم (٢)، ويمكن تمويل صغار المنتجين الزراعيين، والصناعيين، عن طريق إمدادهم بمستلزمات الإنتاج في صورة معدات، وآلات، أو مواد أولية كرأس مال سلم مقابل الحصول على بعض منتجاتهم وإعادة تسويقها (٣)، إلى غيرها من المصالح؛ فالسلم الموازي"أداة تمويل ذات كفاءة عالية في الاقتصاد الإسلامي وفي نشاطات المصارف الإسلامية، من حيث مرونتها واستجابتها لحاجات التمويل المختلفة، سواء أكان تمويلًا قصير الأجل أم متوسطه أم طويله، واستجابتها لحاجات شرائح مختلفة ومتعددة من العملاء، سواء أكانوا من المنتجين الزراعيين أم الصناعيين أم المقاولين أم من التجار، واستجابتها لتمويل نفقات التشغيل والنفقات الرأسمالية الأخرى" (٤)، أما على القول الثاني الذي يحرم السلم الموازي فإن الهندسة المالية فيه لا تعد إسلامية، وهي سبب لتحريمه؛ لأنها حيلة على الربا.

стр. 321

المبحث الثاني: الاستصناع الموازي المطلب الأول: تعريف الاستصناع الموازي قبل تعريف مصطلح الاستصناع الموازي، نعرف الاستصناع أولًا. فالاستصناع لغة: طلب الصنع، والصنع: الفعل (١)، قال ابن فارس: " الصاد والنون والعين أصل صحيح واحد، وهو عمل الشيء صنعا" (٢)؛ يقال: اصطنع فلان خاتماً إذا سأل رجلاً أن يصنع له خاتماً (٣). والاستصناع اصطلاحًا: "عقد على مبيع في الذمة وشرط عمله على الصانع" (٤). ويعد الاستصناع عند الحنفية عقدًا مستقلًا له أحكامه الخاصة (٥)، أما المذاهب الفقهية الأخرى فالاستصناع داخل في عقد السلم، ولا يعدونه عقدًا مستقلًا (٦). وقد سبق تعريف كلمة الموازي في المبحث السابق (٧).

стр. 322

أما الاستصناع الموازي فقد عرف بأنه: "عقد الاستصناع الذي يوقعه المصرف مع الصانع النهائي لتنفيذ المشروع" (١)، ويؤخذ على هذا التعريف أنه غير جامع؛ فهو لم يبين وجود عقدين في الاستصناع الموازي؛ عقد يكون فيه البنك صانعًا، وعقد يكون فيه مستصنعًا دون ربط بينهما. ولعل التعريف الأقرب للاستصناع الموازي هو: إبرام عقدين منفصلين، أحدهما مع العميل يكون المصرف فيه صانعًا، والعقد الآخر مع الصانع يكون البنك فيه مستصنعًا لما طلبه العميل في العقد الأول (٢). المطلب الثاني: الهندسة المالية الإسلامية في الاستصناع الموازي في الاستصناع هندسة مالية فهو إما أن يكون تطويرًا لعقد السلم، فالسلم يشترط فيه تعجيل رأس مال السلم، وأما الاستصناع فلا يشترط فيه ذلك (٣)، أو ابتكارًا لعقد جديد لا علاقة له بالسلم ولا بغيره من العقود (٤)، والاستصناع الموازي يعد هندسةً وتطويرًا على عقد الاستصناع الأصلي؛ لدوره الكبير في تنشيط الصناعة، وفي فتح مجالات واسعة

стр. 323

للتمويل والنهوض بالاقتصاد الإسلامي؛ بحيث يتم إبرام عقدين كل عقد منهما منفصل عن العقد الآخر، يكون المصرف صانعًا في عقد ومستصنعًا في العقد الآخر لما طلبه العميل بنفس المواصفات المحددة في العقد الأول، فللمصرف أن يبرم عقد استصناع بصفته مستصنعًا مع الصانع للحصول على مصنوعات منضبطة بالصفة، ثم يبيع لطرف آخر بعقد استصناع مواز مصنوعات مطابقة للصفات التي تم تحديدها في العقد الأول، أو يبرم عقد استصناع بصفته صانعًا، ثم يتعاقد مع صانع بعقد استصناع مواز لشراء المصنوعات التي تم تحديدها في العقد الأول، دون ربط بين العقدين (١). المطلب الثالث: دراسة للهندسة المالية الإسلامية في الاستصناع الموازي الفرع الأول: حكم الاستصناع، والاستصناع الموازي المسألة الأولى: حكم الاستصناع اختلف الفقهاء في حكم الاستصناع على قولين: القول الأول: عدم جواز عقد الاستصناع. وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥).

стр. 324

القول الثاني: جواز عقد الاستصناع. وهو مذهب الحنفية (١)، وقول عند الحنابلة (٢). أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن حكيم بن حزام ﵁، قال: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَأْتِينِي الرَّجُلُ فَيُرِيدُ مِنِّي الْبَيْعَ لَيْسَ عِنْدِي أَفَأَبْتَاعُهُ لَهُ مِنَ السُّوقِ؟ فَقَالَ ﷺ : «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» "رواه أبو داود وغيره (٣). وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ نهى عن بيع ما ليس عند البائع، وقد أجمع العلماء على ذلك (٤)، والاستصناع بيع لما ليس عند البائع، فهو داخل في النهي (٥).

стр. 325

نوقش: بأن النهي عن بيع ما ليس عند البائع، إذا كانت عينًا معينة يبيعها، وهي ليست ملكه، بل ملك غيره ثم يسعى في تحصيلها، أو بيع ما لا يقدر على تسليمه فيكون قد ضمن له شيئا لا يدري هل يحصل أو لا يحصل؟ (١)، أما الاستصناع فليس كذلك؛ إذ هو بيع لموصوف في الذمة، وليس بيعًا لعين معينة، ويغلب على الظن حصوله وقت الوفاء؛ لأن الاستصناع لا يكون إلا بما جرى العرف التعامل به، والقدرة على تسليمه (٢). الدليل الثاني: عن ابن عمر ﵁، أن النبي ﷺ : «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ» رواه الدارقطني وغيره (٣). وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ، أي الدين بالدين (٤)، وأجمع العلماء على النهي عن بيع الدين بالدين (٥)، وعقد الاستصناع فيه تأجيل البدلين فهو بيع دين بدين (٦).

стр. 326

نوقش: بأن الحديث ضعيف لايصلح الاحتجاج به (١)، وأما الإجماع على أن بيع الدين بالدين لا يجوز، فلا ينطبق على جميع الصور التي يشملها بيع الدين بالدين (٢)، والمنهي عنه في صورة بيع الدين بالدين هو ما لم يكن للناس به حاجة، أو مصلحة؛ لأن الذمتين تنشغلان بغير فائدة، فإنه لم يتعجل أحدهما ما يأخذه فينتفع بتعجيله وينتفع صاحب المؤخر بربحه، بل كلاهما اشتغلت ذمته بغير فائدة (٣)، وهذا بخلاف الاستصناع فإن الحاجة ماسة لتأخير العوضين، والفائدة موجودة في شغل الذمتين، لاسيما في هذا العصر (٤). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: الأحاديث التي وردت في صنع النبي ﷺ للخاتم، وصنع الصحابة للخواتم، منها: عن عبدالله بن عمر ﵄: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اصْطَنَعَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، وَجَعَلَ فَصَّهُ فِي بَطْنِ كَفِّهِ إِذَا لَبِسَهُ، فَاصْطَنَعَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ مِنْ ذَهَبٍ، فَرَقِيَ المِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، فَقَالَ: «إِنِّي كُنْتُ اصْطَنَعْتُهُ، وَإِنِّي لَا أَلْبَسُهُ» فَنَبَذَهُ، فَنَبَذَ النَّاسُ"متفق عليه (٥). وعن أنس بن مالك ﵁: «أَنَّهُ رَأَى فِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ يَوْمًا وَاحِدًا، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اصْطَنَعُوا الخَوَاتِيمَ مِنْ وَرِقٍ وَلَبِسُوهَا، فَطَرَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

стр. 327

خَاتَمَهُ، فَطَرَحَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ» متفق عليه (١). وعن أنس بن مالك ﵁: "صَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ خَاتَمًا، قَالَ: «إِنَّا اتَّخَذْنَا خَاتَمًا، وَنَقَشْنَا فِيهِ نَقْشًا، فَلَا يَنْقُشَنَّ عَلَيْهِ أَحَدٌ» "متفق عليه (٢). وجه الدلالة من الأحاديث: أن النبي ﷺ وصحابته الكرام ﵃ استصنعوا الخواتم؛ مما يدل على جواز الاستصناع، وطرح النبي ﷺ للخاتم؛ لأنه من الذهب، ولا علاقة له بحكم الاستصناع (٣). نوقش: بأنه من المحتمل أن النبي ﷺ وصحابته ﵃ قد دفعوا الثمن في مجلس العقد، فيكون استصناعًا بشرط السلم، أو دفعوا المادة الخام للخاتم، فيكون العقد إجارة لا استصناعاً، وهو جائز عند الجميع (٤). أجيب: بأنه لو وقع شيء من ذلك لنقل إلينا؛ لأن هذا مما تتوفر الدواعي على نقله، ثم إن كثيرًا من الصحابة فقراء، لا يملكون المادة التي يصنع منها الخاتم (٥). رُد: بأنه لا يصلح الاستدلال بهذه الأحاديث على جواز الاستصناع المؤجل؛ لأن الاستصناع في الذهب والفضة لا يجوز، فإن من المحتمل أن يكون النبي ﷺ أعطاه

стр. 328

المادة الخام، أو استصنعه والنبي ﷺ قائم عنده من غير تأجيل، وليس في الحديث ما يدل على أن العقد لم يقع ناجزًا (١). الدليل الثاني: عن سهل ﵁، قَالَ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى فُلَانَةَ - امْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ - «مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ، أَنْ يَعْمَلَ لِي أَعْوَادًا، أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ» فَأَمَرَتْهُ فَعَمِلَهَا مِنْ طَرْفَاءِ الغَابَةِ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَرَ بِهَا فَوُضِعَتْ هَا هُنَا" متفق عليه (٢). وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ استصنع المنبر، وفيه دلالة على جواز الاستصناع (٣). نوقش: بأن المرأة متبرعة، وهي التي طلبت من النبي ﷺ أن تعمل له منبرًا، كما جاء عند البخاري عن جابر ﵁: " أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتِ» فَعَمِلَتِ المِنْبَرَ" (٤)، "فلما حصل لها القبول أمكن أن يبطئ الغلام بعمله، فأرسل يستنجزها إتمامه لعلمه بطيب نفسها بما بذلته" (٥). الدليل الثالث: أنه لا يكاد يخلو عصر إلى يومنا هذا، إلا وأهل العلم وغيرهم يتعاقدون بالاستصناع على عمل شيء مما يحتاجونه دون نكير من أحد، وهذا إجماع عملي،

стр. 329

وهو من أقوى الحجج على جوازه (١). نوقش: بأن عمل الناس لا يعد حجة، والذين رأوا عدم الجواز هم الجمهور، وهم أكثر من الذين رأوا جوازه (٢). الدليل الرابع: "أن الحاجة تدعو إليه؛ لأن الإنسان قد يحتاج إلى خف أو نعل من جنس مخصوص، ونوع مخصوص، على قدر مخصوص وصفة مخصوصة، وقلما يتفق وجوده مصنوعًا؛ فيحتاج إلى أن يستصنع، فلو لم يجز؛ لوقع الناس في الحرج" (٣). نوقش: بأن هذا الحرج يمكن أن يرفع بما أباحه الله من العقود؛ كالسلم في الصناعات، والإجارة، والمواعدة (٤). أجيب: بأن الحاجة إلى الاستصناع قائمة والعقود الأخرى لا تفي بحاجة الناس، فالسلم يشترط لصحته تعجيل الثمن، وفيه من المخاطر الشيء الكثير الذي قد يجعل المستصنع في جهد ومشقة بحيث يخشى على ماله المدفوع من الإنكار، ويخشى الغش في المصنوع، والإجارة فيها تقديم المواد الخام، والمستصنع لا دراية عنده بأنواع المواد الخام ومواصفاتها، خاصة في الصناعات الكبيرة؛ كالطيارات، والباخرات، وغيرها، ولو أخل الصانع بالشروط خسر المواد التي قدمها، وربما لم يحض بالتعويض إلا بعد محاكمة قد تطول، والمواعدة فيها خطر على الصانع بأن المستصنع قد لا يفي بما وعد، فيتضرر خاصة

стр. 330

في الصفقات التجارية الضخمة، وقد تعددت سبل الاحتيال والتزوير والغش مما يجعل المال في خطر، والحاجة إلى الاستصناع قائمة؛ لأنه يحمي الصانع والمستصنع من كل هذه الأخطار (١). الترجيح: بعد عرض القولين الواردين في هذه المسألة، وأدلة كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، تبين لي-والله أعلم- أن القول الراجح هو القول الثاني، القائل بجواز عقد الاستصناع؛ وذلك أن الاستصناع ممنوع للغرر، والحاجة تجيز الغرر بشروط كما سبق بيان ذلك (٢)، فالحاجة ماسة إلى الاستصناع، وفيه من المصالح الكبيرة للمجتمع، ومنعه يوقع الناس في حرج شديد، خاصة أن الناس في هذا العصر ليسوا كالسابق يستصنعون سيفاً أو آنيةً أو خفاً، بل توسعت دائرة الاستصناع بحيث شملت كل الصناعات الثقيلة، والخفيفة، والمتوسطة، البرية، والبحرية، والجوية؛ كالسيارات والمعدات، والسفن والطائرات ونحوها، وقد وضع العلماء لجوازه شروطًا؛ فجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن عقد الاستصناع: "١ - إن عقد الاستصناع -وهو عقد وارد على العمل والعين في الذمة- ملزم للطرفين، إذا توافرت فيه الأركان والشروط. ٢ - يشترط في عقد الاستصناع ما يلي: أ - بيان جنس المستصنع، ونوعه، وقدره، وأوصافه المطلوبة.

стр. 331

ب - أن يحدد فيه الأجل. ٣ - يجوز في عقد الاستصناع تأجيل الثمن كله، أو تقسيطه إلى أقساط معلومة لآجال محددة" (١). المسألة الثانية: حكم الاستصناع الموازي الاستصناع الموازي جائز على رأي جمهور الفقهاء المعاصرين المجيزين لعقد الاستصناع الأصلي إذا تم بشروطه (٢)؛ جاء في مؤتمر المستجدات الفقهية في معاملات البنوك الإسلامية: "يرى المؤتمر جواز استعمال السلم الموازي، والاستصناع الموازي … يوصي المؤتمر هيئات الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية بوضع النماذج والضوابط لعقدي السلم والاستصناع، وخاصة السلم الموازي والاستصناع الموازي، بما يتفق مع الأحكام الشرعية؛ لئلا يتحول مع التطبيق العملي غير المنضبط إلى الوقوع في المحذورات الشرعية" (٣). والشروط التي يجب مراعاتها كي يتفق عقد الاستصناع الموازي مع الأحكام الشرعية: أن يتم الفصل بين عقدي الاستصناع، وأن يتملك المصرف السلعة تملكًا حقيقيًا قبل

стр. 332

بيعها، وأن يقبضها قبضًا حقيقيًا قبل بيعها، وأن يكون ضمان السلعة عليه تجاه المستصنِع (١). الفرع الثاني: أثر الهندسة المالية في الاستصناع الموازي الهندسة المالية الإسلامية أنتجت الاستصناع الموازي لدوره الكبير في تنشيط الصناعة، وفي فتح مجالات واسعة للتمويل والنهوض بالاقتصاد الإسلامي (٢)، ويمكن تطبيقه للتمويل في جميع المشاريع الصناعية، ومشاريع البناء ونحوها مما دخلت فيه الصناعة (٣)، والأمثلة التي يمكن تطبيقها بعقد الاستصناع الموازي كثيرة (٤).

стр. 333

المبحث الثالث: الصكوك الإسلامية المطلب الأول: تعريف الصكوك الإسلامية الصكوك جمع صك، وهو في اللغة الضرب (١)، قال ابن فارس: "الصاد والكاف أصل يدل على تلاقي شيئين بقوة وشدة، حتى كأن أحدهما يضرب الآخر" (٢)، ويطلق الصك ويراد به الكتاب الذي تكتب فيه المعاملات والأقارير (٣)، وهو تعريب لكلمة جك الفارسية (٤). أما الصكوك اصطلاحًا؛ فقد عرفت بأنها: "وثائق متساوية القيمة تمثل حصصًا شائعة في ملكية أعيان، أو منافع، أو خدمات، أو موجودات مشروع معين، أو نشاط استثماري خاص، وذلك بعد تحصيل قيمة الصكوك، وقفل باب الاكتتاب، وبدء استخدامها فيما أصدرت من أجله" (٥). وعرفت بأنها: "أوراق مالية محددة المدة، تمثل حصصًا شائعة في ملكية أعيان، أو منافع، أو خدمات، تخول مالكها منافع، وتحمله مسؤوليات بمقدار ملكيته" (٦) ويمكن تعريف الصكوك الإسلامية، بأنها: أوراق مالية محددة المدة، تمثل حصصًا شائعةً، قابلة للتداول، وفق الضوابط الشرعية.

стр. 334

ويطلق مصطلح السندات ويراد بها الصكوك، إلا أن الغالب إطلاق مصطلح الصكوك على السندات الشرعية، للتفريق بينها وبين السندات المحرمة (١). المطلب الثاني: الهندسة المالية الإسلامية في الصكوك الإسلامية السندات وثيقة يلتزم المصدر بموجبها أن يدفع لحاملها القيمة الاسمية عند الاستحقاق مع فائدة متفق عليها، أو ترتيب نفع مشروط (٢)، فالسند عبارة عن معاملة ربوية (٣)، أما الصك فيمثل حصة شائعة، وحامله ممول للمشروع، أو النشاط الاستثماري، وعوائده ناشئة عن ربح، أو غلة العقود التي بنيت هيكلة الصكوك عليها، فلحامله غنمه، وعليه غرمه (٤)، فالصكوك تطوير وهندسة مالية إسلامية للسندات، وهو من أحسن البدائل لها متى ما روعيت فيه الضوابط الشرعية (٥). وللصكوك أنواع متعددة بحسب العقد المراد تصكيكه، ويمكن إصدارها بجميع صيغ العقود الإسلامية من مضاربة، وإجارة، ومرابحة، وسلم، واستصناع، ومزارعة (٦).

стр. 335

المطلب الثالث: دراسة للهندسة المالية الإسلامية في الصكوك الإسلامية الفرع الأول: حكم الصكوك الإسلامية الصكوك الإسلامية بديل شرعي عن السندات، وهي جائزة بالإجماع متى ما تم فيها مراعاة الضوابط الشرعية (١)؛ جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن السندات: "من البدائل للسندات المحرمة -إصدارًا أو شراءً أو تداولًا- السندات أو الصكوك القائمة على أساس المضاربة لمشروع أو نشاط استثماري معين؛ بحيث لا يكون لمالكيها فائدة أو نفع مقطوع، وإنما تكون لهم نسبة من ربح هذا المشروع بقدر ما يملكون من هذه السندات أو الصكوك ولا ينالون هذا الربح إلا إذا تحقق فعلًا" (٢). وتختلف أحكام الصك تبعًا لاختلاف العقد أو الصيغ الاستثمارية التي صدر الصك على أساسها، فصكوك المضاربة تحكمها أحكام المضاربة، وصكوك الإجارة تحكمها أحكام الإجارة، وصكوك المزارعة تحكمها أحكام المزارعة، وهكذا في سائر العقود الإسلامية (٣)، وبما أن الصكوك الإسلامية بديل شرعي عن السندات الربوية فلابد أن تبتعد كل البعد عن التعامل بالربا؛ لذا يجب أن يتم مراعاة الأمور التالية: الأمر الأول: إذا كان التداول قبل العمل في المشروع فتطبق عليه أحكام الصرف؛ لأنه مبادلة مال بمال (٤).

стр. 336

الأمر الثاني: إذا كان التداول بعد العمل بالمشروع وموجوداته ديونًا فيأخذ أحكام التعامل بالديون (١)، أما إذا كانت موجودات المشروع مختلطة من النقود والديون والأعيان والمنافع؛ فإنه يجوز تداول الصكوك وفقاً للسعر المتراضى عليه، على أن يكون الغالب فيها الأعيان والمنافع (٢). الأمر الثالث: لا يجوز أن يضمن مصدر الصك رأس المال بأن يتعهد بشرائها من حملتها بالقيمة الاسمية بعد الإصدار، أو أن يضمن له ربحًا مقطوعًا أو منسوبًا إلى رأس المال، فلا بد من الاستواء في المغنم والمغرم (٣). الأمر الرابع: لا يجوز إصدار صكوك لا يتصور دخولها في ملكية حملة الصك، كمرافق الدولة التي لا يمكن أن تتنازل عنها؛ لأن البيع سيكون صوريًا، والربح الحاصل لحامل الصك ربح مالم يضمن (٤). الفرع الثاني: أثر الهندسة المالية في الصكوك الإسلامية الهندسة المالية الإسلامية أنتجت الصكوك الإسلامية للمصالح الكبيرة التي تقدمها؛ فهي أداة مهمة لتنشيط الاقتصاد الإسلامي (٥)؛ فالصكوك تسد الحاجات التمويلية لبناء المشاريع بكافة ألوانها، وتستوعب فوائض الأموال، وتفتح للناس مجالات استثمارية

стр. 337

واسعة لتوظيفها في مشاريع تنموية (١)، وتنوع المعروض في الأسواق المالية (٢)، مع اطمئنان حاملها بمشروعيتها، ومخاطرها المنخفضة (٣)، إلى غير ذلك من المصالح التي تحققها الصكوك الإسلامية (٤).

стр. 338

المبحث الرابع: التورق المصرفي المطلب الأول: تعريف التورق المصرفي سبق تعريف التورق لغة واصطلاحًا، أما التورق المصرفي فقد جاء تعريفه في المجمع الفقهي الإسلامي بأنه: "قيام المصرف بعمل نمطي يتم فيه ترتيب بيع سلعة (ليست من الذهب أو الفضة) من أسواق السلع العالمية أو غيرها، على المستورق بثمن آجل، على أن يلتزم المصرف -إما بشرط في العقد أو بحكم العرف والعادة- بأن ينوب عنه في بيعها على مشتر آخر بثمن حاضر، وتسليم ثمنها للمستورق" (١). وعرف أيضًا بأنه: "قيام البائع (المصرف) بترتيب عملية التورق للمشتري؛ بحيث يبيع سلعة على المتورق بثمن آجل، ثم ينوب البائع عن المشتري ببيع السلعة نقدًا على طرف آخر" (٢). والتعريفان متقاربان إلا أن التعريف الأول أدق وأضبط؛ لأنه نص على إن العمل الذي يقوم به المصرف في ترتيب بيع السلعة نمطي، وإن السلعة التي يتم بيعها ليست من الذهب أو الفضة.

стр. 339

المطلب الثاني: الهندسة المالية الإسلامية في التورق المصرفي سبق بيان أن التورق الفردي يعد هندسةً ماليةً وتطويرًا ومخرجًا شرعيًا من الوقوع في الربا، والتورق المصرفي فيه تطوير وهندسة مالية على التورق الفردي في توسط البائع (المصرف) في أن يبيع السلعة بنقد عن المتورق بدلًا من أن يبيعها المتورق بنفسه؛ لتقليل الخسارة على العميل المتورق، ولسرعة إنجاز المعاملة (١)، ويستلم المتورق النقد من البائع بعدما صار مدينًا له بالثمن الآجل وقد كان في التورق الفردي يستلمها من المشتري النهائي مباشرة (٢). المطلب الثالث: دراسة للهندسة المالية الإسلامية في التورق المصرفي الفرع الأول: حكم التورق المصرفي اختلف الفقهاء المعاصرون في حكم التورق المصرفي على قولين: القول الأول: أن التورق المصرفي محرم. وهو رأي جمهور المعاصرين (٣).

стр. 340

القول الثاني: أن التورق المصرفي جائز. وهو رأي بعض المعاصرين (١). أدلة القول الأول: استدل بعض أصحاب هذا القول بالأدلة التي تمنع التورق، وقد سبق بيانها وبيان المناقشات الواردة عليها، واستدل الذين يرون جواز التورق الفردي، وتحريم التورق المصرفي، بأن التورق المصرفي تكتنفه بعض المحاذير الشرعية التي تجعله ممنوعًا، وهي: ١ - أن التنظيم في عملية التورق بتوسط المصرف في أن يبيع السلعة وكالة عن المشتري، يؤول إلى ربح مالم يضمن، فليس هناك تملك حقيقي للسلعة ولا قبض حقيقي؛ لأنه ليس للبائع والمشتري غرض في قبض السلعة أو تملكها؛ فهم لا يقومون بتمييزها أو تقييمها، والصورية ظاهرة فيها، والاحتيال، والمخالفة في البيع (٢). ٢ - "أن التزام البائع في عقد التورق بالوكالة في بيع السلعة لمشتر آخر، أو ترتيب من يشتريها يجعلها شبيهة بالعينة الممنوعة شرعاً، سواء أكان الالتزام مشروطاً صراحة أم بحكم العرف والعادة المتبعة" (٣).

стр. 341

٣ - أن المعاملة يكتنفها الكثير من الغموض في الجانب المتعلق بالسوق الدولية على نحو لا تكتشفه حتى الهيئات الشرعية في البنك (١). ٤ - أن واقع هذه المعاملة حيلة للتوصل للربا تقوم على منح تمويل نقدي بزيادة للعميل فيها من المصرف في معاملات البيع والشراء التي تجري منه، والتي هي صورية في معظم أحوالها (٢). أدلة القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بالأدلة التي تدل على جواز التورق الفردي، وقد سبق بيانها، وأضافوا على ذلك: الدليل الأول: أن التورق المصرفي معاملة مستحدثة، والأصل في المعاملات الإباحة إلا ما دل الدليل على منعه، وتحقق الغرض المنشود من التورق الفردي بتكلفة أقل، ودون مشقة أو عناء، والشريعة جاءت لتحصيل المصالح (٣). يناقش: بأن المفاسد في التورق المصرفي أكثر من المصالح التي يحققها، فهو من قبيل المصلحة الملغاة، وقد دلت أدلة القول الأول على منعه.

стр. 342

الدليل الثاني: أنه لا فرق بين التورق الفردي، والتورق المصرفي (١). نوقش: بالفرق بين التورق الذي تكلم عنه الفقهاء المتقدمون، والتورق المصرفي؛ جاء في قرار المجمع الفقهي بشأن موضوع التورق كما تجريه بعض المصارف في الوقت الحاضر: "وهذه المعاملة غير التورق الحقيقي المعروف عند الفقهاء … فالتورق الحقيقي يقوم على شراء حقيقي لسلعة بثمن آجل تدخل في ملك المشتري ويقبضها قبضاً حقيقياً وتقع في ضمانه، ثم يقوم ببيعها هو بثمن حال لحاجته إليه، قد يتمكن من الحصول عليه وقد لا يتمكن، والفرق بين الثمنين الآجل والحال لا يدخل في ملك المصرف الذي طرأ على المعاملة لغرض تسويغ الحصول على زيادة لما قدم من تمويل لهذا الشخص بمعاملات صورية في معظم أحوالها، وهذا لا يتوافر في المعاملة المبينة التي تجريها بعض المصارف" (٢). الترجيح: بعد عرض القولين، وأدلة كل قول، ومناقشة ما يحتاج منها إلى مناقشة، تبين لي-والله أعلم- أن الراجح أن التورق المصرفي محرم؛ وذلك للمحاذير التي ذكرها أصحاب القول الأول، ومتى تم الابتعاد عن هذه المحاذير الشرعية، وضبط التورق المصرفي بالضوابط الشرعية، فلا مانع من القول بجوازه، بأن تكون تلك السلع مملوكة للشركة، ومتعينة لها بموجب الوثائق المعينة لها قبل بيعها للعميل، وألا يكون العميل الذي تبيع عليه الشركة

стр. 343

السلعة آجلًا، هو الذي باع السلعة بصفته مالكًا لها أو لأكثرها؛ لئلا يكون ذلك من بيع العينة، وألا يكون هناك مواطأة أو حيلة على التمويل بالفائدة الربوية (١). وهذا يحتاج لوجود هيئة شرعية مع جهاز رقابة يزود الهيئة بتقارير دورية عن مدى التزام المصرف بالضوابط الشرعية، والبعد عن المحاذير الشرعية (٢). الفرع الثاني: أثر الهندسة المالية في التورق المصرفي على القول الذي يجيز التورق المصرفي فإن الهندسة المالية الإسلامية أنتجت التورق المصرفي للمصالح التي يحققها للمصرف وللعميل من تقليل الخسارة على العميل، وسرعة إنجاز المعاملة (٣)، وانتفاع المصرف بكثرة العملاء الذين سيتعاملون معه للحصول على النقد بأقل تكلفة، ودون مشقة أو عناء (٤)، إلى غير ذلك من المصالح (٥)، أما على القول الراجح الذي يحرم التورق المصرفي فإن الهندسة المالية فيه لا تعد إسلامية، وهي سبب لتحريمه؛ لأنها عبارة عن حيلة ربوية، ولا يختلف التورق المصرفي عن بيع العينة، ولا يتم فيه ملك حقيقي للسلع أو قبض حقيقي لها، إلى غير ذلك من المحاذير الشرعية.

стр. 344

المبحث الخامس: بيع المرابحة للآمر بالشراء المطلب الأول: تعريف بيع المرابحة للآمر بالشراء سبق تعريف البيع لغة واصطلاحًا (١). أما المرابحة في اللغة فهي على وزن مفاعلة من الربح، وهو النماء في التجارة، والزيادة والفضل (٢)، فـ"الراء والباء والحاء أصل واحد، يدل على شف في مبايعة" (٣)، والشف الزيادة والفضل (٤). والمرابحة في الاصطلاح: "البيع برأس المال وربح معلوم" (٥). وتعريفات المرابحة في المذاهب الفقهية قريبة من هذا المعنى (٦). أما بيع المرابحة للآمر بالشراء فقد عرف بأنه: طلب شخص يسمى الآمر، من آخر يسمى المأمور، بأن يشتري له سلعة، ويعده بأنه إذا قام بشرائها، سيشتريها منه، ويربحه فيها مقدارًا محددًا (٧).

стр. 345

والتعريفات الأخرى لبيع المرابحة للآمر بالشراء قريبة من هذا التعريف (١). ولبيع المرابحة للآمر بالشراء مسميات أخرى، فيسمى المرابحة المركبة، أو المرابحة للواعد بالشراء، أو المرابحة المصرفية (٢). المطلب الثاني: الهندسة المالية الإسلامية في بيع المرابحة للآمر بالشراء في بيع المرابحة للآمر بالشراء تطوير وهندسة مالية للمرابحة القديمة عن طريق التلفيق بين الأقوال الفقهية، والتركيب بين العقود، فالمرابحة البسيطة تمر بمرحلة واحدة، أما المرابحة المركبة تمر بمرحلتين مرحلة الوعد، ومرحلة المعاقدة، فهي مركبة من وعد بالشراء من العميل، ووعد من المصرف بالبيع بطريق المرابحة، مع بيع السلعة في المعاقدة النهائية (٣)، وفيها تلفيق بين قول الشافعي بجواز المرابحة مع الوعد (٤)، وقول ابن شبرمة بالإلزام بالوعد (٥)، إذا كان الوعد الذي فيها ملزمًا، فالمواعدة تنقسم إلى مواعدة ملزمة، ومواعدة غير ملزمة (٦).

стр. 346

المطلب الثالث: دراسة للهندسة المالية الإسلامية في بيع المرابحة للآمر بالشراء الفرع الأول: حكم بيع المرابحة للآمر بالشراء المسألة الأولى: حكم بيع المرابحة للآمر بالشراء إذا كان الوعد فيها غير ملزم اختلف الفقهاء في حكم بيع المرابحة للآمر بالشراء إذا كان الوعد فيها غير ملزم على قولين: القول الأول: أنه بيع صحيح. وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، وظاهر اختيار ابن

стр. 347

تيمية (١)، واختاره ابن القيم (٢)، وجمهور المعاصرين (٣).

стр. 348

القول الثاني: أنه بيع محرم. وهو مذهب المالكية (١)، واختاره من المعاصرين ابن عثيمين (٢). دليل القول الأول: أن الأصل في المعاملات الحل، إلا ما دل الدليل على منعه، ولا دليل يدل على منع بيع المرابحة للآمر بالشراء إذا كان الوعد غير ملزم، فإن البائع يشتري لنفسه، وهو يعلم أن المشتري ربما يرجع أو لا يرجع، وقد يشتري أو لا يشتري، وعليه ضمان السلعة لو هلكت، فهذه الدرجة من المخاطرة تجعل المعاملة مباحة (٣). دليل القول الثاني: أن هذه المعاملة حيلة لأكل الربا، فحقيقتها عبارة عن قرض بزيادة، والبيع حيلة للتوصل لها (٤). نوقش: بعدم التسليم فإن البائع يشتري السلعة حقيقة بتملك حقيقي، وقبض حقيقي، ثم يبيعها للآمر، ويتعرض لدرجة من المخاطرة التي سبق ذكرها، ولا يقدح في المعاملة أن يشتري البائع السلعة لغيره، فكل التجار يشترون السلع لغيرهم، وليس من شروط الشراء المباح أن يشتري المرء لينتفع، أو يقتني، أو يستهلك (٥).

стр. 349

الترجيح: بعد عرض القولين، ودليل كل قول، ومناقشة ما احتاج منها إلى مناقشة، تبين لي-والله أعلم- أن الراجح هو القول الأول القائل بجواز بيع المرابحة للآمر بالشراء إذا كان الوعد غير ملزم؛ وذلك لقوة ما استدلوا به، مقابل ضعف دليل القول الثاني أمام ما ورد عليه من مناقشة. المسألة الثانية: حكم بيع المرابحة للآمر بالشراء إذا كان الوعد ملزمًا اختلف الفقهاء المعاصرون في حكم بيع المرابحة للآمر بالشراء إذا كان الوعد ملزمًا، على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه بيع محرم. وهو قول جمع من المعاصرين (١). القول الثاني: أنه بيع صحيح. وهو قول جمع من المعاصرين (٢).

стр. 350

القول الثالث: أنه بيع صحيح إذا كان الإلزام لأحدهما. وهو قول جمع من المعاصرين (١). أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ سَلَفٍ وَبَيْعٍ … وعَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ، وَعَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ» رواه أبو داود وغيره (٢). وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ نهى عن بيع ما ليس عند البائع، وعن ربح مالم يضمن؛ والإلزام بالوعد على شراء السلعة يدخل في النهي؛ لأن الإلزام بالوعد في حقيقته بيع، وإن سمي وعدًا، والعبرة بالحقائق، فالبنك على ذلك يعد بائعًا لما ليس عنده، وداخلًا في ربح مالم يضمن (٣). نوقش من وجهين: الوجه الأول: بأن البنك لم يبع ما ليس عنده، ولم يربح ما لم يضمن؛ لأنه لن يتم العقد حتى يمتلك السلعة، وتدخل في ضمانه، وما يجري بينه وبين المشتري في المرة الأولى إنما هو

стр. 351

وعد، وليس عقدًا (١). أجيب: بأن المتعاقدين ملزمان على إنشاء العقد على الصورة التي تمت بالوعد الأول، وليس لهما الحرية في ترك المبايعة، أو التعديل على الاتفاق السابق؛ مما يدل على أن العقد الثاني إنما هو تحصيل حاصل، وأن البيع تم في المواعدة الأولى وإن سميت وعدًا، فالعبرة في العقود بالمعاني، لا بالألفاظ والمباني (٢). الوجه الثاني: أن النهي عن بيع ما ليس عند البائع، إذا كانت عينًا معينة يبيعها، وهي ليست ملكه، بل ملك غيره ثم يسعى في تحصيلها، أو بيع ما لا يقدر على تسليمه، فيكون قد ضمن له شيئًا لا يدري هل يحصل أو لا يحصل؟ (٣)، وفي بيع المرابحة يكون البيع لموصوف في الذمة مما جرى العرف على إمكان تسليمه في وقته. أجيب: بأن عقد المرابحة قد يقع على أعيان معينة، وقد يقع على ما لا يقدر البائع على تسليمه؛ مما يؤدي إلى النزاع، والمجيزون للإلزام يجيزونها دون تفريق بين العين المعينة، والموصوفة، والتي لا يقدر على تسليمها (٤). يُرد: بأن عدم تفريق المجيزين بين العين المعينة، والموصوفة في الذمة التي لا يقدر على تسليمها لا يكون سببًا لمنع المعاملة كلها، بل يحرم منها العقد على الأعيان المملوكة للغير

стр. 352

قبل تملكها، والأعيان التي لا يقدر على تسليمها، أما الموصوفة في الذمة مما يقدر على تسليمها فلا دليل يدل على منع العقد عليها. الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁، قال: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ» رواه الترمذي وغيره (١). وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة، والإلزام بالوعد صيره بيعًا، فجمعت المعاملة بين بيعتين في بيعة (٢). يناقش: بعدم التسليم فبيع المرابحة للآمر بالشراء لايجمع بين بيعتين، بل هو عبارة عن بيعة واحدة، فإذا كان الإلزام بالوعد يصيره بيعًا، فالبيعة واحدة تأخر فيها تسليم المبيع، وإذا كان الإلزام بالوعد لا يصيره بيعًا، فالبيعة واحدة تتم عند تسليم المبيع، فلا يصح الاستدلال بهذا الحديث للنهي عن بيع المرابحة للآمر بالشراء. الدليل الثالث: أن حقيقة بيع المرابحة للآمر بالشراء مع الإلزام بالوعد حيلة لبيع نقد بنقد أكثر منه إلى أجل بينهما سلعة محللة فغايته قرض بفائدة (٣). نوقش: بعدم التسليم؛ فالبيع فيها حقيقي، لا صوري، والسلعة مقصود فيها حقيقة التملك للاستعمال، أو الاتجار، فهو خالي من الحيلة الربوية (٤)، ولو أراد المصرف الحيلة الربوية لاتخذ العديد من الحيل التي هي أقل كلفة من المرابحة، وأكثر دخلًا منها.

стр. 353

الدليل الرابع: أن العلماء أجمعوا على النهي عن بيع الدين بالدين (١)، و بيع المرابحة مع الإلزام بالوعد مؤجل البدلين، فلا البنك يسلم السلعة في الحال، ولا العميل يسلم الثمن (٢). نوقش من وجهين: الوجه الأول: أن البيع ليس مؤجل البدلين، فإن الذي يحدث أولًا بين العميل والمصرف وعد لا بيع، وعند تملك المصرف السلعة المأمور بشرائها وحيازتها، وعندئذ يتم العقد والتسليم للمبيع، وتأجيل الثمن كله أو بعضه (٣). أجيب: بأن هذا مسلم في صورة المرابحة مع الوعد غير الملزم، أما مع الوعد الملزم فقد تمت المبايعة في المواعدة الأولى، وتسليم السلعة والثمن مؤجلان فيها (٤). الوجه الثاني: أن الإجماع على تحريم بيع الدين بالدين لا ينطبق على جميع الصور التي يشملها بيع الدين بالدين (٥)، والمنهي عنه في صورة بيع الدين بالدين هو ما لم يكن للناس به حاجة، وليس فيه مصلحة؛ لأن الذمتين تنشغلان بغير فائدة، أما إذا كان شغل الذمة بفائدة فلا يدخل في النهي (٦)، وبيع المرابحة للآمر بالشراء لا يدخل في النهي عن بيع الدين بالدين، لانشغال الذمتين بما فيه فائدة تعود للطرفين.

стр. 354

الدليل الخامس: أن الشارع فرض لكل من المتبايعين حقًا في خيار المجلس، وفي بيع المرابحة مع الإلزام بالوعد إسقاط لهذا الحق الذي فرضه الشارع لهما (١). نوقش: بأن خيار المجلس حق جعله الشارع للعاقد لمصلحته للتروي والنظر، فإذا رضي إسقاطه سقط (٢). الدليل السادس: أن الرضا التام حين التعاقد شرط من شروط العقود، والإلزام بالوعد في المرابحة يتنافى مع الرضا المطلوب شرعًا؛ لأن المتعاقدين مجبران على العقد الثاني، فيكون العقد باطلًا؛ لعدم توفر شرط الرضا (٣). يناقش: بأنه إذا كان الإلزام يصير الوعد عقدًا، فإن الرضا موجود حين الوعد من المتعاقدين. أدلة القول الثاني: الدليل الأول: أن الأصل في المعاملات الحل إلا ما دل الدليل على تحريمه، ولا دليل يدل على تحريم المربحة مع الوعد الملزم، فتكون مباحة بناءً على الأصل (٤). نوقش: بجميع أدلة القول الأول التي تدل على تحريم هذه المعاملة، وقد تقدم ذكرها.

стр. 355

الدليل الثاني: أن بيع المرابحة يتفق مع قول العلماء الذين يرون الإلزام بالوعد مطلقًا (١)، أو على رأي المالكية الذين يرون الإلزام بالوعد إذا دخل الموعود بسببه في شيء (٢)؛ فالمأمور اشترى السلعة ودخل في هذه المخاطرة لأجل الواعد، وحتى على رأي من يرى الإلزام بالوعد ديانة من العلماء (٣)، فإنا يمكننا أن نلزم به قضاءً إذا اقتضت المصلحة ذلك، وقد اقتضت المصلحة في بيع المرابحة الإلزام بالوعد (٤). نوقش من وجوه: الوجه الأول: بأن المقصود بالإلزام بالوعد عند العلماء المتقدمين هو الوعد بالمعروف، أما الوعد في المعاوضة فلم يكن مقصودهم؛ لأنه يصير حينئذ عقداً (٥). يجاب: بأنه لا يسلم أن الإلزام بالوعد عند العلماء المتقدمين إنما كان في المعروف فقط، بل جاء عن بعض المتقدمين الإلزام بالوعد في عقود المعاوضات، لكن لم يرد عنهم الإلزام من الطرفين، فقد جاء في فتاوى قاضي خان (٦): " وإن ذكر البيع من غير شرط ثم ذكر الشرط على وجه المواعدة جاز البيع ويلزمه الوفاء بالوعد؛ لأن المواعدة قد تكون لازمة فتجعل لازمة لحاجة الناس" (٧). وقال الحطاب: " قال في معين الحكام: ويجوز للمشتري أن يتطوع للبائع بعد العقد بأنه إن جاء بالثمن إلى أجل كذا، فالمبيع له، ويلزم المشتري متى
следующие страницы →