← Мантык

Мантык · id 1112

المغالطات المنطقية

عادل مصطفى

Полный текст (259 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

شيءٌ من المنطق المغالطات المنطقية طبيعتنا الثانية وخبزنا اليومي (فصول في المنطق غير الصوري)

стр. 2

الإهداء إلى الأخ الكريم اللواء د. هاني مصطفى خضر نابغة جراحة الأنف والأذن والحنجرة صديق العمر وشريك الذكريات. عادل مصطفى

стр. 3

كم يكون رائعًا لو أمكننا أن نُقَيِّض لكلِّ خُدْعةٍ جدلية اسمًا مختصرًا وبَيِّنَ الملاءمة، بحيث يَتَسنَّى لنا كلَّما ارتَكَبَ أحدٌ هذه الخدعة المعينة أو تلك أن نُوبِّخَهُ عليها للتو واللحظة. آرثر شوبنهاور

стр. 4

مُقدِّمة الحكيم هو من يُفَصِّل اعتقادَه عَلى قَدِّ البيِّنَة. ديفيد هيوم *** دفعني إلى كتابة هذه الفصول ما أشاهده كل يومٍ في الفضائيات التليفزيونية، ووسائل الإعلام الأخرى من أغلاطٍ أساسية في منطق الحوار والجدل، تجعل المناقشات غير مجديةٍ من الأصل، وتجعلها عقيمةً أو مجهَضةً منذ البداية، فلم أجِد بدًّا من العودة بالقارئ إلى أصول الحوار المثمِر وقواعد الجدل الصحيح، التي أصبحت الآن مبحثًا قائمًا بذاته هو «المنطق غير الصوري» Informal logic (أو «المنطق العملي» practical logic). وإذ أخَذْتُ نفسي دائمًا بأن أحاول، جهد ما أستطيع، أن «أُعلِّم القارئَ كيف يصطاد بدلًا من أقدم إليه سمكًا» - فقد رأيتُ أن أعود إلى هذا المبحث، الحديث نسبيًّا، وأسلط عليه الضوء، وأقدمه إلى القارئ بطريقةٍ سائغةٍ قريبة المأخذ، مُرتكزًا في ذلك على الجانب السلبي من المبحث، وهو «المغالطات المنطقية»: تعريفها وتشريحها، وكيف نكشفها ونتجنبها، والحالات التي تَصِحُّ فيها ولا تعودُ مغالطة.

стр. 5

(١) ما هو المنطق غير الصوري؟ المنطق غير الصوري هو استخدامُ المنطق في تَعرُّف الحجج، وتحليلها وتقييمها، كما تَرِد في سياقات الحديث العادي ومداولات الحياة اليومية: (١) في المحادثات الشخصية، والإعلانات، والجدل السياسي والقضائي، وفي شتى ألوان التعليقات التي نصادفها في الصحف والإذاعة المرئية والمسموعة وشبكة الإنترنت وغير ذلك من وسائل الإعلام. كان الدافع من وراء نشأة هذا المبحث الجديد هو الرغبة في إيجاد سبلٍ لتحليل الاستدلال العادي وتقييمه، سُبُلٍ يمكن أن تندرج كجزءٍ من التعليم العام، ويمكن أن تُرْشِد تفكير الناس وترتقي بالمناقشات والمساجلات اليومية، من هذه الوجهة تلتقي هموم المنطق غير الصوري بهموم «حركة التفكير النقدي» Critical Thinking Movement التي تهدف إلى تطوير نموذج للتعليم يولي اهتمامًا أكبر بالتساؤل النقدي، ويُفضِي إلى فهم علاقة اللغة بالمنطق، فيُمكِّن الطالبَ من تحليل الأفكار ونقدِها والدفاع عنها، ومن التفكير الاستقرائي والاستنباطي، ومن استخلاص نتائج وقائعيةٍ حصيفةٍ قائمة على استدلالاتٍ سليمة مُستقاة من قضايا، معرفية أو اعتقادية، واضحةٍ لا لبس فيها. (٢) ترتبط نشأةُ المنطق غير الصوري بالحركات الاجتماعية والسياسية في ستينيات القرن العشرين، وما صَحِبها من دعوةٍ إلى تعليمٍ عالٍ أوثق اتصالًا بالحياة والتصاقًا بالواقع المعيش، هنالك ألحَّت الحاجة إلى تطبيق التحليل المنطقي على أمثلةٍ حَيَّةٍ ملموسةٍ من تفكير الحياة اليومية، والتخلِّي عن الأمثلة المصطنعة والحجج المفتعلة التي تعجُّ بها كتبُ المنطق القديمة، على أن المنطق غير الصوري لم يتأسس كفرعٍ بحثي مستقل إلا في أواخر السبعينيات من أعمال رالف جونسون وأنتوني بلير، الفردية والمشتركة، وإصدارِهما صحيفة «المنطق غير الصوري». وعلى الرغم من مرور أكثر من ربع قرنٍ على نشأة المنطق غير الصوري، فإنه ما زال في طور التكوين، تصطَرِع فيه تياراتٌ متباينة وتتنازعه اتجاهاتٌ مختلفة، وما زال يتلمسُ طريقه ويفتش عن هوِيَّته، وما زال يتساءل عن جدوَى نظرية المغالطات ومبادئ المنطق الصوري بالنسبة إليه، وعن أهمية استخدام الرسوم البيانية، وعن دور نظريات التواصل

стр. 6

والاعتبارات الديالكتيكية والحوارية في تقييم الحُجج، وما زال في كلِّ ذلك يلتمسُ العونَ من أفرعٍ بحثيةٍ قريبةٍ ويتداخل معها: علم البلاغة (الخطابة)، علم اللغة، الذكاء الصناعي، علم النفس المعرفي، التواصل الكلامي … إلخ. كان اهتمامُ المنطق غير الصوري في بداياته مُنْصَبًّا على «المغالطات المنطقية» logical fallacies، غير أنه تجاوزَ مبحثَ المغالطات وجعل يوسِّع من حقله كلما تَبَيَّن له أن دراسة الحجج المصوغة باللغة العادية تتطلب ارتيادَ أصقاعٍ جديدة من البحث، تتضمن هذه الدراسةُ المكونات التالية: التمييز بين الأصناف المختلفة من الحوار التي يمكن للحجة أن تَرِد فيه (النقاش العلمي مثلًا غير التفاوض أو عقد الصفقات). تحديد المعايير العامة للحجة الصائبة (الاستنباطية والاستقرائية … ) دراسة مفهوم اللزوم - أو الترتُّب - المنطقي، الذي يُفسِّر لنا متى يصح أن نقول إن هذه الجملة تترتب منطقيًّا عن تلك. دراسة المغالطات المنطقية وأهميتها في تقييم الحجج. دراسة المواضع التي يصِحُّ فيها ما نأخذُه عادةً مأخذ المغالطة (الاحتكام الصائب إلى السلطة، الهجوم المبرَّر على شخص الخصم، التفكير الدائري الصحيح … إلخ). تَفَهُّم الدور الذي تضطلع به المشاعر (الباثوس) والشخصية (الإيثوس) وغيرهما من المفاهيم البلاغية في تحليل الحجة وتقييمها. تبيان الواجبات الجدلية المنوطة بالحجج في أنواعٍ معينةٍ من السياقات. (٢) أهمية الإلمام بالمنطق غير الصوري يقول أفلاطون في محاورة جورجياس: «في جدالٍ حول الغذاء يدور أمام جمهورٍ من الأطفال فإنَّ الحلواني كفيلٌ بأن يهزم الطبيب، وفي جدالٍ أمام جمهورٍ من الكبار فإن سياسيًّا تَسَلَّح بالقدرة الخطابية وحِيَلِ الإقناع كفيلٌ بأن يَهزمَ أيَّ مهندسٍ أو عسكري، حتى لو كان موضوعُ الجدال هو من تخصص هذين الأخيرين، وليكن تشييد الحصون أو الثغور! إن دغدغة عواطف الجمهور ورغباته لَأشَدُّ إقناعًا من أي احتكامٍ إلى العقل.» حقًّا … ليس بالحق وحدَه تَكسِبُ جدالًا أو تقهر خصمًا أو تُقنِع الناس، من هنا يتبين لنا أهميةُ دراسة الحجة كما تَرِدُ في الحياة الحقيقية وتتجسد في اللغة العادية.

стр. 7

ذلك أن الحجة حين تَرِد في الواقع الحي لا تأتي مجردةً مُصَفَّاة، ولا تَكشفُ صيغتَها المنطقية للمتلقي بسهولةٍ وطواعية؛ إذن لَكان تمحيصُها أيسرَ عليه بما لا يُحد، إنما تأتي الحجة دائمًا ممتزجةً بلحم اللغة ودمها، متلفعةً بانفعالات الناس وأعرافِهم، مُؤَرَّبَةً بتضاريس الواقع، وبشئون الناس وشجونها. وما تُشَكِّل الصيغةُ المجردةُ للحجة (المقدمات المؤدية إلى نتائج) إلا لُبًّا ضئيلًا أو هيكلًا نحيلًا متواريًا وراء طبقةٍ كثيفةٍ من الاعتبارات الدلالية semantic والتداولية pragmatic للغة، (١) ومن طبيعة الخصم وأيديولوجيته وسيكولوجيته، ومن مقام الحديث وسياق الجدل، ومن عواطف جمهور الحاضرين وانتماءاتهم وتحيزاتهم. ونحن في مجال المنطق غير الصوري إنما يَنصَبُّ جهدُنا على هذه الطبقة الكثيفة التي تغلف اللب الصوري للحجة، نتلمَّسها ونتناولها بالتحليل والتفتيت، ونَنْفُذ منها إلى ذلك اللُّبِّ الصوري المفترض. في مجال المغالطات، على سبيل المثال، يكون عملُنا أشبهَ ب «أخذ صورة أشعة» x-raying للحجة المطروحة، عسانا نَطَّلِع على هيكلها الصوري المطمور، ونُقَدِّرُ نصيبه من الصواب والخطأ، ويكون معيارُنا في ذلك هو المعيار المنطقي الصوري العتيد: صدق المقدمات وصواب الاستدلال، وكثيرًا ما تَجْبَهُنا صورة الأشعة بغياب أي لُبٍّ صوري وانعدام أي هيكلٍ منطقي في الحجة! (٢ - ١) أمثلة لعملية التجريد في المنطق غير الصوري مثال ١ نقتبس هذا المثال من بين تلك «الحجج المندمجة» coalescent arguments التي أشار إليها ميشيل جلبرت، والتي تعبر في زعمه عن جملةٍ من المواقف سئ والاعتقادات والمشاعر والحدوس التي تميز صاحب الحجة، فهذه طالبةٌ جامعية تبكي في مكتب الأستاذ؛ كي تبثَّه

стр. 8

قلقَها للأهمية التي يوليها الأستاذ لحصول الطالب على درجة A في مادةٍ معينة، (١) بوسعنا أن نؤوِّل هذا على أنه «قياسٌ مضمر» enthymeme (٢) تقديره: إنه لمن أشد دواعي البؤس والجزع ألَّا أحصل على درجة A. (مقدمة ١) إنَّ عليك ألَّا ترمي بي في حضيض البؤس والجزع. (مقدمة ٢) عليك، إذن، أن تمنحني درجة A. (النتيجة) ورغم أننا نُسَلِّم بأن هذه الحجة تندرج ضمن فئة «الحجج الانفعالية» التي تَحَدَّث عنها جلبرت، فليس ما يمنع أن نعاملَها كغيرها من الحجج، فنفحص مقدماتها ونُقيِّمها من حيث القبول والرفض، وننظر فيما إذا كانت النتيجة فيها تلزم عن المقدمات. ولا يخفى على القارئ الآن أن المقدمة «٢» فيها نظر! فالأستاذ، بعد كل شيء، يعمل بمَرفق التعليم العالي وليس بمرفق الشئون الاجتماعية، إن عليه أن يُعِين الطالبَ ويدعمه بأن يقرِّب إليه مادتَه العلمية ويُذلل قطفها، وليس بأي طريق آخر، والحجة من ثم تندرج في مغالطة «الاحتكام إلى الشفقة» ad misericordiam. مثال ٢ هذا إعلانٌ مصوَّرٌ عبارة عن رأس أسد يزأر مكتوب عليه «كينا بسليري الحديدية»، إذا تأملنا إعلانًا كهذا وجدنا أنه لا يعدو أن يكون «استعارة بصرية» visual metaphor مُفادُها أن تناول كينا بسليري الحديدية بانتظام تجعل المرء قويًّا مفعمًا بالنشاط، وبالنظر إلى أنه إعلانٌ تجاري فإن بوسعنا تأويله إلى «قياس مضمر» أيضًا تقديرُهُ: إذا تناولت كينا بسليري صِرت قويًّا مفعمًا بالنشاط. (مقدمة ١) النشاط والقوة أمران مرغوبان. (مقدمة ٢) إذن من المرغوب فيه أن تتناول كينا بسليري (تشتريها). (النتيجة)

стр. 9

فإذا ما أَمْعَنَّا في التجريد خلصنا إلى الصورة التالية: «ق» تلزم عنها «ك»، «ك» مرغوبة؛ إذن «ق» مرغوبة. وهو قياس مغلوط صوريًّا لأنه يقع في خطأ «إثبات التالي» affirming the consequent، بوسعنا تبيان خطأ هذا القياس بأمثلة كثيرة مثل: (١) منعُ مباريات الكرة كفيلٌ بمنع حوادث الشغب في الملاعب. منع الشغب في الملاعب أمرٌ مرغوب؛ إذن علينا منع مباريات الكرة. (٢) إلغاء خطوط السكك الحديدية يُفضي إلى انتفاء تصادم القطارات. انتفاء تصادم القطارات أمر مرغوب؛ إذن ينبغي إلغاء خطوط السكك الحديدية. (٣) وجودي في العتبة يعني أنني في القاهرة. أنا الآن في القاهرة؛ إذن أنا الآن في العتبة. (٣) أهمية دراسة المغالطات المنطقية قلنا إنَّ اهتمام المنطق غير الصوري كان متركزًا في البداية على مبحث المغالطات، وكان التعريف التقليدي للمغالطات هو «تلك الأنماط من الحجج الباطلة التي تتخذ مظهر الحجج الصحيحة»، ولعل من الأصوب أن نقول إنها أنماطٌ شائعة من الحجج الباطلة التي يمكن كشفها في عملية تقييم الاستدلال غير الصوري. لمنطق المغالطات آباء قدامى، يأتي في مقدمتهم أفلاطون في محاورة «يوثيديموس» Euthydemus وأرسطو في كتابه on sophistical refutations، ويلحق بهما في القرون التالية فلاسفة كثيرون من أبرزهم جون لوك، وواتلي، وشوبنهاور، وجون ستيوارت مِل، وجريمي بنتام، وما يزال مبحثُ المغالطات يُثير اهتمام كثيرٍ من المناطقة حتى اليوم، غير أن هذا الاهتمام بدأ ينحسر بعض الشيء مع تطور المنطق غير الصوري وارتياده آفاقًا

стр. 10

جديدة من البحث. وقد ذهب بعضُ المناطقة، وبخاصة منهم من تأثَّر بنظرية التواصل، إلى أن دراسة المغالطات ليست بديلًا عن دراسة مبادئ الاستدلال الصحيح، فما دامت المغالطات هي انحراف عن القواعد الضمنية التي تحكم شتى أصناف التداول الحِواري فإن الأجدر بنا أن نركز على دراسة هذه القواعد وألا نقنع بدراسة الانحرافات، يرى هؤلاء أن دراسة المغالطات لا تكفي لإجادة التفكير الاستدلالي مثلما أن معرفة الأخطاء في لعبة كرة القدم مثلًا لا تكفي لإجادة اللعب، إنما ينبغي أن نتجه مباشرةً إلى دراسة قواعد الجدل الصحيح ومعايير الاستدلال الصائب. ورغم وجاهة هذا الرأي فإن تَفَشِّي المغالطات المنطقية في واقعنا اليومي، وطغيانها على تفكيرنا كله، حقيقٌ بأن يَرُدَّ إلى نظرية المغالطات أهميتَها الأولى ويُعيدَها إلى الصدارة من جديد، يقول مالبرانش: «لا يكفي أن يقال إن العقل قاصر، بل لا بُدَّ من إشعاره بما هو عليه من قصور، ولا يكفي أن يقال إنه عرضةٌ للخطأ، بل يجب أن نكشف له عن حقيقة هذا الخطأ.» وهذا قولٌ صادق، إذ لا يكفي من أجل تمييز الحق أن نُحدد شروطه فحسب، بل لا بُدَّ أيضًا لكي يكون التمييز واضحًا كل الوضوح أن نُبيِّنَ أين يكون الغلطُ حتى يظهرَ الحقُّ أجلى وأوضح، كالنور يكون أجلى بجوار الظلمة منه لو أخذ وسط فيض آخر من النور، ثم إن الأضداد إن لم تكن واحدة كما يقول هيجل، فهي على الأقل مرتبطة تمام الارتباط سواء من الناحية العقلية ومن الناحية الوجودية؛ ولهذا كان العلم بالأضداد كما يقول أرسطو علمًا واحدًا، فإذا كان تمييز اليقين في التفكير الإنساني موضوع المنطق، فكذلك تمييز الخطأ فيه يدخل في بابه، (١) يؤثَرُ عن الإمام الشافعي قوله: «مَثَلُ مَنْ يطلب العلم جُزافًا كمثل حاطب ليلٍ يقطع حزمة حطبٍ فيحملها، ولعل فيها أفعى تلدغه وهو لا يدري.» ويقول شوبنهاور: «يتوجَّب على مَنْ يدخل في مناظرة أن يعرف ما هي حِيَل الخداع، ذلك أن من المحتم عليه أن يصادفَها ويتعاملَ معها.» عليك إذن أن تلم إلمامًا جيدًا بالمغالطات المنطقية حتى يتسنَّى لك أن تتجنب الطرقَ المسدودة أثناء الحوار وتتعرف على «النقلات الخاطئة» في الجدل، وأن تُظهِرَ خصمَك على الخطأ الاستدلالي الذي ارتكبَه، بل أن تُقيِّض لهذا الخطأ اسمًا؛ لكي يعلم الخَصمُ أنك تجيد التفكير، وتفهم حجته ربما أكثر منه! كما

стр. 11

أن كشف المغالطة وتسميتها وتحليلها من شأنه أن يُقصِي الحجة الباطلة من ساحة الجدل إقصاءً نهائيًّا ولا يكتفي بإضعافها أو تحجيمها، ذلك أن الخصوم المتمرسين بالجدل والمِراء لديهم من الخبرة والمهارة ما يُمكِّنهم من إنعاش حجتهم الجريحة وإعادة تجنيدها في حلبة الصراع. (٤) فن التعامل مع المغالطات غير أنَّ النَّاس - الخصم الفكري أو السياسي، والقضاة، وجمهور الحاضرين - ليسوا جميعًا مناطقةً ملِمِّين بفقهِ المغالطات وسُبُل كشفِها وإقصائها؛ ومن ثم فإن عليك أن تتقن فن التعامل مع المغالطات وكشفها وإقصائها؛ حتى لا تفشلَ حملتُك وتأتي بعكس المرجو منها وتجعلك غرَضًا للتهكم والسخرية، عليك باختصار أن تجعل ردَّك جزءًا من مساق الحديث، غير ناشزٍ أو مُستغرَب، عليك أن تُسمِّي المغالطة باسمها، بالعربية واللاتينية إن استطعت، وأن تُبادر بتبيان ما تعنيه المغالطة، ولماذا هي مغالطة، وأن تفعل ذلك بليونةٍ وخِفَّةٍ وإيجاز، دون أن تعلوك سيماءُ التعالم والتكلف والحذلقة، عليك أن تَذْكُر اسمَ المغالطة وفحواها كما لو كنت تُعِيد على مسامع القاضي الذكي شيئًا بسيطًا يعرفه من الأصل، ثم تُثنِّي بمثالٍ بالغِ الوضوح يَزِيد مقصدَك جلاءً وسطوعًا، ثم تختم حجتَك وكأنك تداوي خصمَك وتفتح له طريقًا آخر للجدل غير مغالطته البائدة، قل شيئًا كهذا: «إن توجُّهك يا سيدي يتكئُ بشدةٍ على التأييد الشعبي وعلى فوزه الساحق في الاستفتاء الأخير، لقد صَوَّت أغلبُ الناس لهذا التوجه، نعم وهذا حقُّهم في بلدٍ ديمقراطي يتولى فيه الشعبُ حكمَ نفسه وعلى مسئوليته، غير أنه لا يجعل من الرأي السائد حقًّا بالضرورة، إنه خطأ .. «الاحتكام إلى عامة الناس» ad populum كما تعلمون إن عدد الأصوات المؤيِّدة ليس معيارًا للحق ولا يجعل الرأي حقًّا بالضرورة، فالحق والباطل لهما معاييرُ أخرى تعرفونها، لقد قفز هتلر إلى السلطة من صناديق الاقتراع، وقاد ألمانيا إلى الهاوية بتأييدٍ شعبي عارم، لقد حَظِي الرِّقُّ يومًا ما بتأييد الأغلبية في بعض الولايات الأمريكية، لقد كانت الأرضُ ذاتَ يومٍ هي مركز الكون في اعتقاد الجميع عدا جاليليو، دعنا إذن من هذه الحجة المغالطة، ولننصرف الآن عن التفكير بصندوق الاقتراع إلى التفكير بالعقل، يبقى أن حجتَك الأكثر وجاهةً وسدادًا هي … »

стр. 12

(٥) التفكير النقدي مرحلة متقدمة من النمو المعرفي يُقَسِّم جان بياجيه مراحلَ النمو المعرفي للإنسان إلى أربع مراحل، يعدها بيولوجية عمومية تشمل أفراد البشر جميعًا: الأولى: هي المرحلة الحسية الحركية sensorimotor «من الولادة إلى سن سنتين» حيث لا توجد بناءات ذِهنية (مخطَّطات)، وحيث يَسعى الرَّضيع إلى تكوين هذه البناءات من خلال استكشاف البيئة. والمرحلة الثانية: هي مرحلة ما قبل العمليات pre-operational «من سن سنتين إلى سبع»، وفيها يكتسب الطفل اللغة، ويكوِّن بناءات ذهنية أكثر تعقيدًا، وإن تكن قبل-منطقية pre-logical، فما يزال غير قادر على أن يفهم أن جوهر الشيء لا يتغير، وإن تغير شكله وهيئته، ولا يزال غير قادر على «فض المركزية» decentering أي الانفصال عن ذاته ورؤية الأشياء من منظورٍ مختلف. والمرحلة الثالثة: هي مرحلة تفكير العمليات العيانية concrete operational «من سن سبع سنوات وحتى المراهقة»، وفيها يتفهم ثبات الجوهر، ويتخذ منظورات مغايرة، ويبدأ في التساؤل عن الحياة ويحل المشكلات ولكن بشكلٍ عشوائي، إنها عمليات منطقية ولكنها ما تزال لصيقة بالعالم المادي العياني والأفعال المادية العيانية. والمرحلة الرابعة: هي مرحلة العمليات الصورية Formal operational، وفيها تواتيه القدرة على التفكير المنطقي المعقد، والتفكير التجريدي غير المرتبط بالأشياء والأحداث المادية، والتفكير الافتراضي، والحل المنطقي للمشكلات. يقترح بعض المنظِّرين إضافة مرحلة خامسة أرقى من هذه المراحل الأربع، هي مرحلة التفكير الجدلي Dialectical thinking، وهي مرحلة بعد - منطقية، إن صح التعبير، وفيها يكتسب المرءُ التفكير النقدي، ويدرك مفارقات الحياة، ويتناول الأسس التحتية التي يقوم عليها المنطق ويحللها ويضعها موضع التساؤل والنقد، وهي مرحلة غير عمومية وغير بيولوجية ولا يبلُغُها المرء إلا بالتعلُّم والتدريب والممارسة. يتألف التفكير النقدي من ثلاث مراحل: (١) الوعي بوجود افتراضات assumptions (١) أساسية. (٢) التصريح بهذه الافتراضات وإخراجها إلى واضحة النهار. (٣) تسليط أضواء النقد على هذه الافتراضات: هل هي ذات معنى؟ هل تنسجم مع الواقع كما نفهمه ونعيشه؟ متى تَصِح هذه الافتراضات ومتى تبطل؟

стр. 13

في غياب التفكير النقدي نكون رهائن للمؤثرات المحيطة: فلا يسعنا إلَّا أن نُكرر، تكرارًا أعمى، تلك الاستجابات التي تعلمناها من قبل، ولا يسعنا إلا أن نقبل، قبولًا أعمى، كل ما يقال لنا في أبواق الدعاية السياسية والتجارية، وفي الصحافة والكتب، وكل رأي يصدر عن «سلطة». إن التفكير النقدي والعلمي ليس شيئًا فطريًّا نأتيه بالطبيعة ونعرفه بالسليقة، وإنما هو عمل حرفي يتطلب حذقًا ومهارة، ليس من الصحيح أن لدينا قدرة طبيعية على التفكير الواضح والنقدي بغير تعلم وبغير ممارسة، ولا ينبغي أن نتوقع من غير المدرَّب أن يُفكِّر تفكيرًا واضحًا أكثر مما نتوقع من غير المدرَّب أن يجيد لعب التنس أو الجولف أو العزف على البيانو. ذلك أننا إذ نمارس التفكير العلمي والنقدي إنما نمضي ضد مقاومةٍ شديدة ونسبح ضد تيارٍ عارم من التحيزات المتأصِّلة والأوهام الجِبِلِّية، ونتجشم اجتياز العديد من العوائق «الطبيعية» التي تحول بيننا وبين التفكير الواضح: فنحن بطبيعتنا لا نتحمل الغموض ولا نطيق معايشة السر! وإن بنا نزوعًا طبيعيًّا إلى طلب اليقين حيث لا يقين، والتماس الإجابات البسيطة عن الأسئلة المعقدة، وشغفًا بالدعاوى العريضة و «نظريات كل شيء» محمولة على ظهر بيِّنةٍ ضامرة هزيلة، وميلًا إلى الأخذ بالفرضيات التي تُرضِي رغائبنا وتدغدغ أمانينا، والالتفات إلى أضغاثٍ من الأمثلة التي تُؤَيِّد فرضيتنا وغض الطرف عن تلال من الأمثلة المفنِّدة، وإلى تذكر الرميات الصائبة وتناسي الرميات الخائبة، وإلى أخذ الاستعارات التوضيحية والتشبيهات المقرِّبة مأخذ الدليل، وإلى الانضواء مع القطيع والتلفُّع بالرايات والانضمام إلى «الزفة»، وإلى قتل الرسل بدلًا من تفنيد الرسالة، وإلى التخلص من عبء البرهان وإلقائه على عاتق الخصم، وإلى الاستدلالات الدائرية وتحصيلات الحاصل، وإلى التعويل الزائد على السلطة والانبهار الزائد بالمشاهير، وإلى التعميم الكاسح المتسرع، وإلى تحويل التعاقُب أو الاقتران إلى عِلِّيَّة، … إلى آخر تلك الأغاليط التي نغرق فيها إلى الأذقان، والتي يتناولها هذا الكتاب بالتحليل والدرْس. يمضي التفكير النقدي ضد هذه المقاومات الشرسة، فيحتاج إلى طاقة نفسية كبيرة، غير مقصورة على الذكاء الذهني المحض … يحتاج إلى شيء من «الذكاء الانفعالي» emotional intelligence: إلى التسامح، والتعاطف، و «المواجدة» empathy أي قدرة المرء على أن يضع نفسَه موضعَ الآخر، ويرى الأمور من وجهة نظر الآخر، ويتخذ الإطار المرجعي

стр. 14

للآخر، القدرة على اكتشاف «ماذا يشبه أن يكون» what it is like أن يعتقد المرء تلك الأفكار التي يضعها موضع التساؤل (١) قبل أن يهم بتقويضها. إنها رحلة طويلة شاقة، ليس لها خرائط محددة، غير أننا لا نعدم بعض المبادئ المرشدة: فكِّر بنفسك لنفسك؛ ذلك لأن التقدم في التفكير النقدي لا يتم إلا كرحلة فردية وكدحٍ شخصي، صحيح أن هناك سُبُلًا كثيرة يمكن أن تجعل من الفلسفة جهدًا مشتركًا ومهمة جماعية، شأنها في ذلك شأن العلم، إلا أن على كل شخص في النهاية أن يفكر لنفسه، وألا يَكِلَ إلى غيره أن يفهم نيابةً عنه («افهم لي ذلك من فضلك» هو نموذج لطلبٍ مستحيل!) (٢) اكتسب القدرة على الانفصال عن رأيك، و «مَوضَعَتِه»، ووضعه على محك التحليل والنقد، مثلما تفعل مع آراء الغير. لا تُصدِّق كلَّ ما تسمع، ونصفَ ما ترى! ولا تبخل بجهدٍ من أجل الخروج من «مركزية العرق» ethnocentrism … من كهف الآراء الشائعة في عُرف جماعتنا الإثنية، والتمييز بين حقائق العالم وبين مجرد المسايرة لما تَصادَفَ أن يكون هو رأي الأسلاف أو اتَّفق أن يكون هو الرأي السائد في مسقط رأسنا وزمان وجودنا. كن على استعداد، من حيث المبدأ، للتخلي عن رأيك إذا ما تَبَيَّن خطؤه، اسأل سؤالًا حقيقيًّا، سؤال مَنْ يبحث عن الحق لا عن مجرد تبرير لما يعتقده سلفًا. تعلَّم كيف تَسُل الافتراضات التي تتبطن الرأي، وتضعها تحت أضواء النقد، ليكن ولعُك بالأسس، وانتحاؤك إلى الأسس. لا تُسقط رغباتِك على الأشياء ولا تجعل من أمانيك معيارًا للحق، فأكبر الظن أن العالم لم يُخلق من أجلها ولم يُفصَّل على مقاسها. «خذ» البلاغة، ولا «تؤخذ» بها، وفرِّق دائمًا بين الخطابة والبرهان، ولا يَخْلِبك زخرفُ القول عن جوهر الحجة، ولا تقف عند التشبيه البليغ وتظنه المحطة النهائية وتأخذه مأخذ الدليل.

стр. 15

لا تجعل من درجة حرارة الاعتقاد معيارًا لصوابه، فكثيرًا ما تتناسب قوة هذا الانفعال عكسيًّا مع قوة البينة، بحيث يمكننا تعريف «التحيز اللامعقول» بأنه «ما يجلب الغضب عند مساءلته»، ويمكننا أن نحدد مكمن تحيزاتنا بأن نلاحظ متى أخرجتنا الآراءُ الأخرى عن طورنا وأثارت غضبنا! ومهما بلغ نضجُك في التفكير النقدي ستظل بحاجة أبدًا إلى تحصيل العلم واكتساب المادة المعرفية التي تُعمِل فيها فكرَك النقدي، ولا يَغِب عن بالك قولُ رَسِل «المنطق والرياضيات هما أبجدية كتاب الطبيعة، وليسا الكتاب نفسه!» وأخيرًا، تَعَوَّد صحبةَ السِّر، وتَذَوَّق لذةَ التساؤل. الأجوبةُ تُثقِلُك وتُطفِئُكَ وتُجمِّدُك، وَحدَها الأسئلة ما يَشُوقُك ويهزك ويحدوك، وربما اقتضى المرءَ عمرَه كله كي يَعرِفَ أن هذا الشوقَ وهذا الولوع هو الغاية القصوى والثروة النهائية. عادل مصطفى Philoadel@yahoo.com

стр. 16

الفصل الأول المصادرة على المطلوب begging the question; petitio principii وفسَّر الماءَ بعد الجهد بالماءِ. *** المصادرة على المطلوب هي التسليمُ بالمسألة المطلوب البرهنةُ عليها من أجل البرهنة عليها! وذلك بأن تفترض صحة القضية التي تريد البرهنة عليها وتضعها بشكل صريح أو ضمني في إحدى مقدمات الاستدلال، وأنت بذلك تجعل النتيجة مقدمةً وتجعل المشكلةَ حلًّا وتجعل الدعوى دليلًا! وهو ضرب من الحجة الدائرية arguing in a circle، والاستدلال الدائري ليس مغالِطًا في صميمه، ولكنه يغدو كذلك حيثما استُخدِم لكي يموِّه على فشلٍ في حمل عبء البرهان، وتنجم المشكلة حيثما كانت النتيجةُ المراد إثباتها مفترضةً أصلًا داخل المقدمات التي يتعين على الخصم أن يُسلِّم بها ويبدأ منها. (١)

стр. 17

ذلك أنَّ الأصل في البرهان أن يكون أوضح وأوثق معرفةً مما يُراد البرهنة عليه، ومن البديهي أننا حين نختلف حول شيء فإننا نلجأ إلى شيء آخر لا نختلف حوله، ونحاول أن نستدل منه على ذلك الشيء الخلافي، ولكي تكون للحجة قوة إبستمولوجية أو ديالكتيكية يتوجب أن تبدأ من مقدمات معروفة ومقبولة أصلًا لدى الحضور، ثم نتقدم منها لكي نستخلص النتيجة غير المعروفة أو غير المقبولة، أما أن «نصادر على المطلوب» ونستند إلى ذات النتيجة الخلافية وقد تَنَكَّرت كمقدمة، وأما أن ندور في حلقة مفرغة ونحاول أن نَخْلُص إلى نتيجة تستند إلى مقدماتٍ ملقمةٍ بها أصلًا (أي تستند إلى ذاتها!) فهذا فكرٌ عبثي فارغ لا يمكن أن يفضي إلى أيِّ تقدم في المعرفة البشرية. تتلون المصادرة على المطلوب بألوانٍ كثيرة، وتتخذ أشكالًا متعددة، وتُجِيد التخفي أحيانًا في هيئةٍ يتعذَّر كشفها إلا على المنطقي الخبير. من أبسط صور المصادرة على المطلوب وأكثرها شيوعًا أن تجعل المقدمة صيغة أخرى من النتيجة المراد البرهنة عليها، مثال ذلك: تستلزم العدالة أجورًا مرتفعة؛ وذلك لأن من الحق والصواب أن يكون الناس أقدر على الكسب الوفير. (وهي لا تعدو أن تقول إن العدالة تتطلب زيادة الأجور لأن العدالة تتطلب زيادة الأجور!) يجب إلغاء المواد غير المفيدة كاللغة الإنجليزية من مقررات الكلية؛ وذلك لأن إنفاق اعتمادات لمادة غير مفيدة للطالب هو شيء لا يقره أحد. (نحن أيضًا لا نوافق على تبديد أموال في تدريس مواد غير مفيدة، غير أن الحجة هنا لم تثبت لنا أن الإنجليزية مادة غير مفيدة، وهو لب المسألة، وكل ما فعلَتْه هو أن «صادرت على المطلوب» وكررت النتيجة في المقدمات، دون التفات إلى المقدمة المحذوفة في هذا «القياس المضمر» enthymeme، وهي: «اللغة الإنجليزية مادة غير مفيدة».) أيُّما شيء أقل كثافةً من الماء سوف يطفو فوقه؛ وذلك لأن مثل هذه الأشياء لا يمكن أن تغطس في الماء. ما دُمت لا أكذب، فأنا إذن أقول الحقيقة. قد يبدو للقارئ المبتدئ أن المصادرة على المطلوب هي مغالطة واضحة للعيان سهلة الانكشاف، وليست بحاجة إلى دراسة وتحليل يختلق صعوبةً حيث لا صعوبة، غير أن الأمر ليس دائمًا ببساطة الأمثلة السابقة، ويكفي أن نقول إن عقلًا بحجم عقل أرسطو، المعلم

стр. 18

الأول ومؤسس المنطق الصوري، قد ارتكب مصادرةً على المطلوب بَيَّنها جاليليو «حينما أراد أرسطو أن يُثبت أن الأرض في وسط العالم، فقال: الأجسام الثقيلة تميل بطبعها إلى مركز العالم والأجسام الخفيفة تبتعد بطبعها عنه، والتجربة تدلنا على أن الأجسام الثقيلة تميل إلى مركز الأرض والخفيفة تتبعد عنه؛ إذن مركز الأرض هو بعينه مركز العالم.» (إن المقدمة الكبرى هنا فيها مصادرة على المطلوب، فإن التجربة تدلنا حقًّا على أن الأجسام الثقيلة تميل إلى مركز الأرض والخفيفة تبتعد عنه، ولكن من أين يقول لنا أرسطو إنها تميل إلى مركز العالم، إذ لم يكن يفترض أن مركز الأرض هو بعينه مركز العالم؟ وهذا هو المطلوب البرهنة عليه!) (١) بديه أن أرسطو كان ممتلئًا ب «مركزية الأرض» geocentrism وهو يصوغ هذه الحجة، وإنه لمن العسير حقًّا أن تصوغ حججًا مُنِتجةً لميولٍ أيديولوجية أو التزاماتٍ انفعالية، ولعل هذا هو السبب الذي يجعل السياسيين يخدعون الناس عن قصد ويخدعون أنفسهم عن غير قصد، ويمطروننا بوابلٍ من المصادرات على المطلوب التي تبدو دائمًا كفرضٍ عام يُقدِّمونه لكي يدعم حالةً جزئية، بينما الحالة الجزئية لا تعدو أن تكون شطرًا من ذلك الفرض العام، انظر إلى المثال التالي: يجب ألا نسمح ببيع هذه القطع من مقتنيات توت عنخ آمون إلى أيِّ بلد أجنبي مهما كان الثمن؛ وذلك لأن آثار مصر العظيمة ليست للتصدير. نحن أيضًا نأبى أن يُباع أيُّ شيء من الآثار المصرية مهما غلا الثمن، غير أن الحجة لم تقل لنا لماذا، وكل ما فعلته هو أن أعادت صياغة النتيجة (لا بيع لبلدٍ أجنبي) في المقدمة (لا تصدير). (٢) ليس من المستغرَب أن تكون أحفلُ الحجج بالمصادرة على المطلوب هي الحجج الأيديولوجية والأخلاقية، ذلك أن هذه الحجج تكون موجهةً غالبًا إلى الشكاك، وأنها تتناول مجالات تفتقر بطبعها إلى قضايا وقائعية factual يلمسها الجميع؛ ومِن ثَمَّ تكون المصادرة

стр. 19

على المطلوب خطرًا محدقًا بها ومنزلقًا سهلًا، وكثيرًا ما تكون الألفاظ المستخدمة في هذه الحجج هي ألفاظ مُلْقَمة (مشحونة) loaded؛ أي ألفاظ تختزن داخلَها افتراضاتٍ خفيةً ونظرياتٍ بتمامها (مثال ذلك: رجعي، انتحاري، استشهادي، ضحية، اضطهاد، إرهاب … ) وكأنها مصادراتٌ «جاهزةٌ» للاستعمال الفوري، يخوض المفكرون معاركهم وفي جعبتهم مخزون ضخم من هذه الألفاظ، وبخاصة حين يريدون أن يخبرونا ماذا نفعل وكيف نسلك، إن الواجبات التي يريدون أن يفرضوها علينا إنما هي مخبوءة سلفًا في هذه الألفاظ المفَخَّخة، تبدو هذه الألفاظ كأنها تصف «وقائع» facts خالصةً لا شِيَة فيها، غير أنها تنطوي على «يَنْبَغِيَّةٍ» oughtness مطمورة في ثناياها و «إلزامٍ» مضمَر، ولكي تتم الخدعة يجب أن تبدو المصادرة على المطلوب في هيئة حجة، أي تُتلى بمفاصل منطقية من قبيل: لأن، حيث إن، بما أن، إذن، وبناءً عليه، ومِن ثَمَّ … إلخ، حتى لو كانت المسألة مجرد تكرارٍ بسيط للألفاظ. أمثلة (١) «ينبغي ألا نُصدر أسلحةً لماليزيا؛ لأنَّ من الخطأ أن نُزود الأمم الأخرى بأدوات القتل.» قد يبدو هذا كأنه حجة أو برهان، غير أنه مجرد إعادة صياغة لنفس العبارة بألفاظ أخرى: من الخطأ أن = ينبغي ألا. نزوِّد = نصدر. الأمم الأخرى = الهند والصين وغانا … وماليزيا … إلى آخر قائمة الأمم. أدوات القتل = الأسلحة. في ضوء هذا التحليل البسيط يتكشف أن الحجة لم تقل أكثر من: «ق» صادقة؛ لأن «ق» صادقة. (٢) «التجارة الحرة سوف تكون خيرًا لهذا البلد؛ والسبب في ذلك واضح للغاية: أليس من الواضح أن العلاقات التجارية غير المقيدة سوف تغدق على هذا البلد كل أنواع المنافع التي تنجم عندما لا تكون ثمة عوائق تعترض تدفق البضائع فيما بين بلدان العالم؟»

стр. 20

لا يعدو الأمر هنا أيضًا أن يكون إعادة صياغة، أو تكرارًا للعبارة نفسها بألفاظ أخرى، (لاحظ أن «العلاقات التجارية غير المقيدة» هو تعبير مطوَّل بعض الشيء عن «التجارة الحرة»، وأن بقية العبارة هي تعبير مطول أكثر عن قولك «خير لهذا البلد».) (٣) «السرقة فعل غير مشروع؛ لأنها لو لم تكن كذلك لما كان حرَّمها القانون.» تتظاهر هذه الحجة بأنها تُبيِّن السبب الذي من أجله تُعَد السرقة خطأ أو عملًا غير مشروع، غير أنها ليست أكثر من تكرار للقول نفسه بصيغة أخرى، ولا تعدو في نهاية التحليل أن تقول: السرقة ضد القانون لأن السرقة ضد القانون، أو: السرقة غير مشروعة لأن السرقة غير مشروعة! (٤) «التلباثي (التخاطر) خرافة لا وجود لها؛ لأن الانتقال المباشر للأفكار بين الأشخاص هو أمر مستحيل.» (التلباثي = الانتقال المباشر للأفكار بين الأشخاص؛ خرافة = مستحيل.) (٥) «إن السماح لكلِّ إنسان بحرية مطلقة في الحديث ينبغي أن نعده أمرًا في مصلحة الدولة؛ وذلك لأن من الأمور التي تصب دائمًا في مصلحة المجتمع أن يتمتع كل فرد بحرية كاملة غير منقوصة في التعبير عن عواطفه.» (٦) «القتل الرحيم active euthanasia مقبولٌ أخلاقيًّا، إن من اللطف والرحمة وحسن الخلق أن تعين كائنًا إنسانيًّا آخر على أن ينجو من المعاناة والألم من خلال الموت.» لنضع ذلك في صورة مقدمة ونتيجة: من اللطف وحسن الخلق … إلخ أن تعين إنسانًا … من خلال الموت؛ إذن القتل الرحيم مقبول أخلاقيًّا. والآن إذًا نحن ترجمنا المقدمة سنجد أن القائل لم يَعْدُ في حقيقة الأمر أن كرَّر الشيء نفسه مرتين: «من اللطف وحسن الخلق» تعني شيئًا قريبًا جدًّا من «مقبول أخلاقيًّا»، «تعين إنسانًا آخر … من خلال الموت» تعني «القتل الرحيم»، هكذا نجد أن الحجة لم تُقدِّم لنا أسبابًا عقلية تجعل القتل الرحيم مبررًا أخلاقيًّا، وتترك السؤال لدى المتلقي مفتوحًا: «حسن، لماذا إذن نعتقد أن القتل الرحيم جائز؟»

стр. 21

(٧) الإجهاض هو القتل غير المبرَّر لكائن إنساني، وهو، من ثم، قتل، وما دام القتل جريمةً نكراء، فالإجهاض جريمة في جميع الأحوال. نحن أيضًا لا نريد إباحة الإجهاض دون قيد أو شرط؛ غير أن الحجة السابقة تجعل النتيجة متضمَّنةً سلفًا في المقدمات، وتصادر منذ البداية بأن الإجهاض قتلٌ غير مبرر دون أن تبين لنا لماذا كان ذلك. (١) الاستدلال الدائري reasoning in a circle «هناك أحوال أخرى فيها لا يُفترَض مباشرةً صحة المطلوب معبرًا عنه في المقدمات بطريقة أخرى، وأما الذي يُفترض فهو شيء تتوقف صحته على صحة النتيجة؛ أي لا يمكن البرهنة عليه إلا بالنتيجة فيكون هنا حينئذٍ دور vicious circle»، (١) يمكن تجريد الصورة المنطقية لهذا الدور كالتالي: «أ» صادقة لأن «ب» صادقة. «ب» صادقة لأن «أ» صادقة. نحن إذن بإزاء شكل من أشكال المصادرة على المطلوب يعتمد فيه صدق الدعوى المقدمة على دليل يعتمد بدوره على الدعوى ذاتها التي يُفترَض أن يبرهن عليها، وبذلك يدور البرهان في دائرة مغلقة وتعتمد كل قضية فيه على الأخرى. وقد تطول سلسلة الدائرة أكثر من ذلك، بحيث تعتمد كل قضية على تاليتها، وتعتمد القضية الأخيرة بدورها على الأولى فتنغلق الدائرة، ولا يتوافر خارج السلسلة دليل مستقل عنها: «أ» صادقة لأن «ب» صادقة. «ب» ...... «ج» «ج» ...... «أ» ويُعَد الاستدلال الدائري مغالطة لنفس السبب الذي يجعل المصادرة على المطلوب مغالطة: وهو أنه لا يُقدِّم لنا دليلًا مستقلًّا عن الدعوى ذاتها، وأنه يفشل في أن يربط لنا ما

стр. 22

هو غير معروف أو غير مقبول بما هو معروف ومقبول، وفقًا لقاعدة «الأصل في البرهان أن يكون أوضح وأوثق معرفةً مما يُراد البرهنة عليه»، وكل ما يفعله الاستدلال الدائري هو أنه يقدم لنا مجهولين (أو أكثر) كلٌّ منهما مشغولٌ بتعقُّب ذيل الآخر! بحيث لا يتسنى له أبدًا أن يصل نفسه بالواقع. أمثلة (١) الروح جوهر بسيط لأنها خالدة، لا تتجزأ ولا تتحلل ولا تفسد. والروح لا بُدَّ لها مَنْ أن تكون خالدة؛ لأنها جوهر بسيط. (٢) أنا لم أفعلها أيها المعلم، وزميلي عليٌّ يضمن لك صدقي. ولماذا يتعين عليَّ أن أثق بكلام عليٍّ؟ عليَّ؟! إنني الضامن لك أنه صادق أيها المعلم. (٣) نحن نعرف عن طبيعة الرب وصفاته من الإنجيل. ونحن نعرف أن ثقتنا في الإنجيل مطلقة؛ لأنه مُوحَى به من الرب. (٤) إنني أطلب منك أن تضطلع بهذه المهمة لأنني أُقدِّر كفاءتك. وكيف أعرف أنك تقدر كفاءتي؟ هل كنتُ أطلب منك أن تضطلع بمثل هذه المهمة لو لم أكن أقدر كفاءتك؟! (٥) هذه اللآلئ السبع التي سرقناها سوف نقسِّمها على ثلاثتنا: خذ أنت اثنتين، وأنت اثنتين، وأنا آخذ ثلاثًا. ولماذا تستأثر لنفسك بثلاث؟ لأنني «الريس». وما الذي نصَّبك «ريسًا» علينا؟! لأن لَدَى كلٍّ منكما لؤلؤتين ولَدَيَّ ثلاث لآلئ أيها الغبي! (١ - ١) هل كل استدلال دائري هو مغالطة بالضرورة؟ إذا نظرنا إلى المنطق الاستنباطي للقضايا فإن المصادرة على المطلوب («ق» إذن «ق») صائبةٌ استنباطيًّا، أين يكمن الخطأ إذن؟! ومتى تكون المصادرة على المطلوب أو الحجة الدائرية مغالطة؟

стр. 23

إذا عدنا تاريخيًّا إلى المعلم الأول، أرسطو، نجده يتناول المصادرة على المطلوب تناولًا مزدوجًا: في «التحليلات (الأنالوطيقا) الأولى» يتناول المصادرة على المطلوب في ضوء قوله المأثور بأن البرهان يمضي مما هو أكثر يقينًا أو أوثق معرفةً: فإذا حاول المرء أن يثبت ما هو غير واضح بذاته عن طريق افتراضه والتسليم به بادئ ذي بدء، فإنه بذلك يصادر على المطلوب الأول، أو يُسِلِّم بالمسألة الأصلية، إنه يفترض ما ينبغي عليه إثباته، يُعَد هذا توصيفًا إبستيميًّا للمغالطة: فأن تُصادر على المطلوب هو أن تنتهك المبدأ الإبستيمي القائل بالأولوية المعرفية للمقدمات فوق النتيجة في أيِّ برهان من البراهين. غير أن أرسطو في «الطوبيقا» (المواضع الجدلية) يتناول المصادرة على المطلوب من حيث هي واردة في نزاع جدلي بين طرفين أو خصمين: تقع المصادرة على المطلوب عندما يطلب صاحب دعوى ما «ق» إلى خصمه المعارِض أن يُسلِّم ب «ق» إلى خصمه المعارِض أن يُسلِّم ب «ق» كمقدمةٍ عليه قبولها، ويُعَدُّ هذا توصيفًا جدليًّا للمغالطة. يُقدِّم أرسطو خمس طرق يمكن للحجة بها أن تصادر على المطلوب، ويتفاوت تناوله للمغالطة بعض الشيء بحسب السياق الذي يتناول فيه المغالطة: السياق الإبستيمي (في تناوله للبرهان على سبيل المثال) أو السياق الجدلي (كما في الطوبيقا). ربما يكون ذلك هو الخيط الذي يمكن أن يوصلنا إلى فهم اللغز: متى تكون الحجة الدائرية خطأ منطقيًّا؟ يبدو أن هناك عاملًا إضافيًّا يحسم أمر الحجة الدائرية ويحدد نصيبها من الصواب المنطقي: ذلك هو «السياق» context، ونعني به السياق الجدلي الذي تنسلك فيه الحجة، أو سياق الجدل القائم بين متحاورَين لكلٍّ منهم التزاماته الاعتقادية الخاصة. من هنا يجب أن نميز بين «الدلالة» (السيمانطيقا) و «التداولية» (البراجماطيقا) في المنطق، مثلما ميَّز أرسطو قديمًا بين السياق الإبستيمي والسياق الجدلي، تُعرَّف «السيمانطيقا» Semantics أو علم دلالة الألفاظ، أو المعاني، بأنها الدراسة التي تتناول علاقة العلامات اللغوية بالعالم الواقع خارج اللغة extra-linguistic world،

стр. 24

أما «البراجماطيقا» (التداولية) pragmatics فتُعرَّف بأنها العلاقة بين العلامات اللغوية ومستخدميها من بني البشر، فليست اللغة بأية حال شيئًا مُخزَّنًا بالمعاجم وكتب النحو، بل هي شيء في استخدامٍ متصل بين بني الإنسان، وللبشر طرائقهم في تداول اللغة فيما بينهم بما يتجاوز الدلالة المباشرة للعلامات ويتجاوز النحو وتركيب الجملة بحد ذاته، من أهم الموضوعات التي تندرج في مبحث التداولية: الأفعال الكلامية speech acts، والإضمار الحواري conversational implicature، التفرقة بين المعجم والموسوعة، وبين الاستعمال والذِّكر … إلخ. في ضوء هذه التفرقة الأساسية بين الدلالة والتداولية يمكننا أن نمضي فنقول إن الحجج الدائرية ليست مغالطة بالضرورة، وإنما يتوقف الأمر على السياق الحواري للحجة وعلى الالتزامات الاعتقادية لدى المتحاورين، يمكننا بتعبير تقني أن نقول إن المصادرة على المطلوب أو الحجة الدائرية هي «مغالطة تداولية» pragmatic fallacy: أي قصور يتعين تقييمه بالنظر إلى الطريقة التي استخدمت بها الحجة في سياق حواري معين، لا تكون المصادرة على المطلوب مغالطة إلا إذا فشلت في تحقيق وظيفة مهمة من وظائف الحجة هي الوظيفة البرهانية؛ أي إذا لم تغير شيئًا في درجة الثقة التي يكِنُّها الخصمُ في النتيجة المعنِيَّة (المسألة المطلوب إثباتها)، الأمر هنا يتوقف على ما يعتقده متلقِّي الحجة وعلى درجة الثقة التي كان يُوليها للمسألة التي يتم البرهنة عليها، الأمر هنا يتفاوت بحسب الالتزامات الاعتقادية الأصلية للطرف المتلقي، فإذا كانت الحجة تكرر النتيجة في المقدمات (أي تثبت المسألة بذاتها أو تفترض ما يطلب الخصم إثباتَه) متوجهة بذلك إلى خصم لا يعتقد أصلًا في هذه النتيجة ولا يلتزم بها، فإنها عندئذٍ لا تؤدي وظيفتها البرهانية المنوطة بها، وهي بهذا المعنى وفي هذا السياق تعتبر مغالطة. أما عندما تُقدَّم نفس الحجة (من الوجهة السيمانتية/ هُوِيَّة سيمانتية) إلى طرفٍ متلقٍّ يعتقد في النتيجة ويلتزم بها اعتقاديًّا، فإنها في هذا السياق التداولي المختلف لا تعتبر مغالطة. ولمزيد من التبيان نقول: إنَّ من أهم وظائف الحجة «الوظيفة البرهانية» probative function، أي وظيفة إزالة الشك (أو خفضه)، والتي تفترض الإطار التالي للحوار: ثمة طرف «المُتلقِّي» لديه شكوك أو تساؤلات تتصل بنتيجة معينة، وثمة طرف آخر «صاحب الحجة أو الداعي» مهمته في الحوار هي إثبات هذه النتيجة إثباتًا يُقنع المتلقي ويرضيه

стр. 25

وفقًا لمقتضيات عبء البرهان المناسبة لنوع الحوار وللحالة المعْنِيَّة، فالآن إذا طرح الداعي حجةً دائريةً من الصنف الذي لا يتسنى فيه خفض شكوك المتلقي أو تدعيم المقدمات إلا بإثباتها من النتيجة، عندئذٍ تكون الحجة مصادرة على المطلوب، مثال ذلك هذا الحوار بين مؤمن وشاك: - سيظل القرآن الكريم إلى يوم القيامة محفوظًا من كلِّ التصحيف والتحريف. - ما الدليل على ذلك؟ - الدليل أن الله يقول في كتابه العزيز: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. من البين أن هذه الحجة تنطوي على مصادرة على المطلوب لأن المتلقي ليس لديه التزامٌ عقائدي بالقرآن، ومِن ثَمَّ فإن الدليل المطروح لا يضمن عنده أن يبقى القرآن محفوظًا بما فيه ﴿إِنَّا نَحْنُ﴾. أما عندما ترد هذه الحجة بحذافيرها في سياق تداولي آخر يجري بين داعٍ مؤمن ومُتلقٍّ مؤمن أيضًا ولديه التزام عقائدي بالقرآن، هنالك تضطلع الحجة بوظيفتها البرهانية وتكون حجة صائبة مائة بالمائة وبريئة من أية مصادرة على المطلوب، هكذا تتجلَّى أهمية أن يُتقن «الداعية» (١) منطق الجدل، وألا يغفل لحظةً هويةَ المخاطَب والتزاماته الاعتقادية المبدئية، وأن يتجنَّب تأييد المذهب «من داخله» (المصادرة على المطلوب)، ويلتزم دائمًا بالحجج التي تُؤيد المذهب «من خارجه». ها نحن بإزاء حجة واحدة (من حيث الصورة السيمانتية) تُصادر في حالة ولا تصادر في أخرى؛ وذلك لاختلاف السياق التداولي، إنها ترد في سياق تداولي فتكون مغالطة ومصادرة على المطلوب، وترد في سياق تداولي آخر فتكون صحيحة لا شِيَةَ فيها، نَخْلُصُ من ذلك إلى أن المصادرة على المطلوب هي مغالطة تداولية بالدرجة الأساس. (٢) في كتابه «نسق في المنطق» a system of logic ذهب جون ستيوارت مِل إلى أن جميع صور الاستدلال الاستنباطي ترتكب مغالطة «المصادرة على المطلوب»، فالقياس syllogism

стр. 26

يتضمن دورًا أو مصادرة على المطلوب؛ لأنَّ المقدمة الكبرى فيه تفترض صحة النتيجة، يذكر مِل هذا القياس الشهير: كل إنسان فانٍ، أفلاطون إنسان؛ إذن أفلاطون فانٍ. ويقول: إنَّ المقدمة الكبرى «كل إنسان فان» تفترض النتيجة مسبقًا بمعنى أننا لا يمكن أن نُوقن بصدقها ما لم نكن موقنين بصدق النتيجة «أفلاطون فان»، فإذا كان من المشكوك فيه أن أفلاطون فان فسوف يكون من المشكوك فيه، بنفس الدرجة على أقل تقدير، أن جميع البشر فانون. هنا أيضًا يسعفنا تصور «السياق التداولي» pragmatic context كمِحَكٍّ لهذه المغالطة، هل ثمة دور منطقي في القياس السابق؟ ذلك أمر يتوقف على ما إذا كان سياق الحجة يتضمن (ربما استقرائيًّا) بينة على المقدمة الكبرى «كل إنسان فان» مستقلة عن النتيجة … بينة بيولوجية مثلًا على فناء الحيوانات، غير أن هذا يطرح سؤالًا مربكًا عن دور البَيِّنة الخلفية background evidence في سياق الحجة، ويعود بنا من ثم إلى مشكلة ما الذي يمكن أن يُعَد، أو لا يُعَد، «مقدمة» premise لحجة معينة. (١) (١ - ٢) أمثلة أخرى للحجة الدائرية (أ) الخطة القومية يذكر البريطانيون تلك «الخطة القومية ١٩٦٤ - ١٩٧٠ م»، وهي ممارسة للتخطيط الاقتصادي القومي الذي كان صيحة رائجة في ذلك الوقت: فقد طُلِبَ من الشركات أن تتخذ معدل نمو قدره ٣?٨?، وأن تُقَدِّر على هذا الأساس ما ستكونه خططها الخاصة للتوسُّع، ثم أضافت الحكومة هذه التقديرات المختلفة، واستنتجت أن الخطط المشتركة للصناعة البريطانية تُومئ إلى معدل نمو قدره ٣?٨?! لا غرو كانت الخطة القومية لا قيمة

стр. 27

لها وما تزال، اللهم إلا لخبراء المغالطة المنطقية ممن يُسعدهم الحظ بالحصول على نسخ منها لدى باعة الكتب المستعملة! (ب) الدور الديكارتي يعرف كل قارئ لديكارت أنه بدأ فلسفته بافتراض الشك في كلِّ شيءٍ على الإطلاق: في شهادة الحواس وأحكام العقل ووجود العالم … إلخ، حتى عثر على اليقين الأول الذي لا يتطرَّق إليه الشك، وهو يقين الفكر، يقين الكوجيتو: «أنا أفكر فأنا إذن موجود»، لقد أثبت وجود الذات بالفكر، ثم التمس للفكر سندًا في الوجود الواقع، فأثبت وجود الله بالفكر ذاته ليكون ضامنًا لمعرفته الواضحة المتميزة عن العالم الخارجي، بذلك يتبين الخطأ المنطقي الذي وقع فيه ديكارت بوضوح تام: فهو لم يخرج من شكِّه إلا بدورٍ منطقي ظاهر: فمن جهة يجب للبرهنة على وجود الله الاعتماد على العقل والأفكار الواضحة كوسائل لا تخدع، ومن جهة أخرى لأجل التحقق من أن العقل والأفكار الواضحة لا تخدع يجب العلم أولًا بوجود الله وصدقه! (١) (ج) التحليل النفسي تَعِج كتابات رائد التحليل النفسي وأتباعه بمصادرات على المطلوب تؤدي لدرس المنطق أضعافَ ما تُؤدِّيه لدرس السيكولوجيا من خدمات! في كتابه «تفسير الأحلام» يقول فرويد بالنص الحرفي: «وأرادت مريضة أخرى (هي أمهر حالماتي) أن تنقض نظريتي في الأحلام، فأمكن أن يحل حلمها حلًّا أقل تعقيدًا وإن ظل متفقًا مع ذات القاعدة: أن عدم تحقق إحدى الرغبات معناه تحقق أخرى، ذلك أنني شرحت لها يومًا أن الحلم يحقق رغبة، فأتتني في اليوم التالي بحلم رأت فيه أنها تسافر مع زوجة أبيها لتقضيا فصل الصيف في الريف، وكنتُ أعلم أنها قد ثارت ثورةً عارمةً على فكرة المصيف قريبًا من زوجة أبيها،

стр. 28

وأنها قبل ذلك بأيام قد أفلحت لحسن حظها في الإفلات من هذه الصُّحبة المخوفة؛ فاستأجرت منزلًا في الريف يبعدها عن حيث كانت امرأة أبيها كل البُعد، وها هو ذا الحلم قد أتى فإذا هو يقلب هذا الوضع رأسًا على عقب، ألا ينقض ذلك نظريتي في تحقق الرغبة بوساطة الحلم أقطع نقض؟ يقينًا، ولا يحتاج المرء إلى أن يستخرج النتيجة التي تخلص من هذا الحلم لكي يحصل على تفسيره: إن الذي يخلص من هذا الحلم هو أنني كنت على خطأ، وهكذا فقد كانت رغبتها هي أن أكون على خطأ والحلم يريها تحقق هذه الرغبة.» (١) يذهب أنصار التحليل النفسي إلى أن المشاهدات الإكلينيكية تؤيد نظرياتهم، من حيث هي وقائع تجريبية تربط النظرية بالعالم ربطًا اختباريًّا فتمنحها الصفة العلمية، غير أن هذه الملاحظات الإكلينيكية، شأنها شأن كل الملاحظات الأخرى، هي تأوُّلات في ضوء النظرية؛ ولهذا السبب وحده تكتسب مظهر المدَعِّم لتلك النظريات التي تم في ضوئها تفسير هذه الملاحظات، إنها أشبه بثوبٍ خُلِع «من» النظرية ثم خُلِع «عليها» … فَهالَهُم أنه انطبق على النظرية وأيَّدَها تأييدًا، وهو منطقٌ معكوس يقع فيه كل من يقرأ فكرتَه ويتأوَّلها في كلِّ شيءٍ ويراها في كلِّ شيءٍ لأنه لا يرى إلا بها! وهو منطق معكوس تجد له أمثلة لا تحصَى في النظريات الميتافيزيقية التي تبدو الوقائعُ مؤيدة لها، ولو دققنا النظر في هذه الوقائع لَتَبَيَّن لنا أنها اختيرت في ضوء النظريات عينِها التي نريد اختبارها بها. قلَّما يخضع التحليل النفسي للاختبار في الممارسة الحقيقية، وحتى حين يعرض للاختبار فإن الاستدلال كثيرًا ما يكون دائريًّا، بمعنى أن تفسير المعطيات نفسها يتطلب افتراض صدق النظرية، مثال ذلك ما ورد عن نتائج دراسة حول عقدة أوديب Oedipus Complex حيث كانت نسبة الفتيات أكبر من نسبة الأولاد بدرجة عالية الدلالة فيما يتصل بتخيل الصورة الذكرية ترتقي الدرَجَ وتدخل الغرفة، وهو بالطبع أقوى دليل على صدق نظرية فرويد، حيث إن ارتقاء السلم في نظرية فرويد هو رمز للجماع، (٢) مثل هذا الدليل مشكوك فيه إلى حد كبير؛ لأن

стр. 29

هذا الفرق المذكور بين الذكور والإناث لا ينهض دليلًا على صدق نظرية فرويد إلا إذا تبنى التفسير الرمزي الذي يتضمن أن الفتيات يُفكرن في الاتصال الجنسي بأبيهن، أي ب «مصادرة على المطلوب»، وما من نتيجة إلا ويمكن أن تكون مؤيَّدة إذا نحن أفرغنا عليها التفسيرَ المطلوبَ تأييده. (٢) تفسيرات تحصيل الحاصل يلحق هذا أيضًا بما يُسمَّى «تفسيرات تحصيل الحاصل» tautological explanations، وهي صفة الفكر الأجوف، والعلم الأجوف الخالي من المحتوى المعلوماتي الحقيقي. و «تحصيل الحاصل» tautology هو عبارة صادقة بالضرورة بسبب صورتها المنطقية ذاتها، مثال ذلك: «إنَّها تمطر أو لا تمطر»، وتُعَد تحصيلات الحاصل بصفة عامة خلوًّا من المعلومات، وتحصيل الحاصل ليس عيبًا وليس سُبةً حين يجول في مجاله: فالمنطق والرياضة البحتة هما من قبيل تحصيل الحاصل، بمعنى أن نتائجهما لا تأتي بجديد لم يكن قابعًا، على طريقته، في المقدمات غير أن العلوم التجريبية تريد أن تخبرنا خبرًا عن العالم المحدد الذي تصادف أننا نعيش فيه، تريد أن تقول شيئًا جديدًا لم يكن لنا به علم، ومِن ثَمَّ يتعين عليها أن تتنكَّب تفسيرات تحصيل الحاصل التي لا تحمل في جعبتها خبرًا جديدًا - لا تحمل «محتوى معلوماتيًّا» يزيدنا عِلمًا، بل تقول لنا ببساطة: إن «أ» هو «أ» (!). ويُعَرَّف «تفسير تحصيل الحاصل» بأنه ذلك التفسير الذي يكون فيه «المفسِّر» explanans (أي القضية التي تضطلع بالتفسير) لا يقول شيئًا أكثر من «المفسَّر» Explanandum (القضية المطلوب تفسيرها)، مثال ذلك سخرية موليير المأثورة من تفسير مهنة الطب في زمنه لظاهرة نوم الناس على أثر تعاطي الأفيون بأن الأفيون يجعل الناس تنام «لأن له تأثيرًا منوِّمًا»، أي أن «الأفيون يُنَوِّم لأنه يُنوِّم!» لاحظ أن هذه العبارة ليست كاذبة بحد ذاتها («أ = أ» عبارة صائبة في حقيقة الأمر)، الخَطب أنها لا تفسر شيئًا ولا تضيف إلى علمنا شيئًا لم نكن نعلمه! وكثير من العلم الزائف والعلم غير الناضج لا يعدو أن يكون من هذا الصنف، يقول ب. ووتون B.Wootton في كتابه «علم الاجتماع والباثولوجيا الاجتماعية» (١٩٥٩ م): «في حالة الفعل المضاد للمجتمع الذي يُقال إنه ينتج عن المرض النفسي، فإن من غير الممكن

стр. 30

أن يُستدل على وجود المرض من حقيقة أن الفعل قد ارتُكب لا أكثر.» (١) لا يعدو هذا التفسير أن يقول: إن الناس تنغمس في العنف والسلوك المضاد للمجتمع؛ لأنهم أناسٌ ينغمسون في العنف والسلوك المضاد للمجتمع! كذلك الشأن في تفسير التحليل النفسي للانتحار والتدمير (تدمير النفس أو الغير) بأنه ناجم عما يسميه غريزة «الموت» thanatos وهي نزوعٌ بالإنسان إلى العودة إلى الحالة الجمادية، نعم هناك انتحار وهناك تدمير وهناك سلوك مضاد للمجتمع … إلخ، ولكن على التفسير العلمي أن يقدم شيئًا أكثر من ترجيع الصَّدى وتحصيل الحاصل. في حديثه عن أرسطو في كتابه «مراجعات في الآداب والفنون» يقدم العقاد لمحةً ذكيةً في نقد «الأخلاق النيقوماخية» فيقول: إنَّ كل فضيلة عند أرسطو هي وسط بين رذيلتين، وكأن الاختلاف بين الفضائل والرذائل في تفسيره لا يكون إلا من قبيل الاختلاف بينها في الدرجات والزيادة والنقصان، وهو رأي منتقَد عابَهُ عليه كانت Kant بحق فقال: «إن الاختلاف بين الفضيلة والرذيلة لا يمكن أن يكون مسألة درجات بل لا بُدَّ أن يعتمد على معادنها الطبيعية أو قوانينها … إن تفسير أرسطو أولًا لا يُبين لنا الحدَّ الذي يجب على كل منهما أن يقف عنده، وثانيًا هو في الواقع «تحصيل حاصل» إذ إن أرسطو يقول «إن الإنسان يجب عليه أن يجتنب الخطأ بالزيادة عن الحد والخطأ بالنقص منه.» (دون أن يبين ما عساه أن يكون ذلك الحد!) فكأن النتيجة أن الواجب هو أن لا تفعل أكثر ولا أقل من الواجب!» وهذا هو تحصيل الحاصل كما يقول كانت؛ لأن تعريفنا الواجب بأنه شيء لا يزيد ولا ينقص عن الواجب هو من اللغو الذي يشبه قول القائل: كأننا والماءُ مِنْ حَولِنا … قومٌ جلوسٌ حَولهم ماءُ (٢) والحق أن كثيرًا من الفكر الأخلاقي الرائج لا يقول أكثر من ذلك! «افعل ما فيه المصلحة» (وما المصلحة؟!) «لا تفعل ما فيه مفسدة» (وما المفسدة؟!) «كن وسطيًّا» (بين ماذا؟!) وقلَّما يدرك المتحدث المخلص أنه في حقيقة الأمر لم يزد مستمعيه علمًا بأي شيء،

стр. 31

وأنه في حقيقة الأمر لا يزيدهم إلا رضا ذاتيًّا زائفًا، وأنه لا يغادرهم إلا وقد زاد طبعهم جفاءً وزادَ أرواحَهم غِلظة! ••• وبعد، فمن شأن الحجة السديدة لإثبات دعوى معينة أن تقدم دليلًا مستقلًّا لتبرير الاعتقاد بهذه الدعوى، وأن تتجنب الاعتماد على الدعوى، أو شطرٍ من الدعوى، لإثبات ذاتها، وما يكون لعاقلٍ أن يفترض، كدليل أو بينة، ذات الشيء الذي يحاول أن يُثبته، غير أننا كثيرًا ما يجرفنا الانفعال الأيديولوجي والالتزام بصدق مذهبنا السياسي أو الأخلاقي ويَعْصِب أعيننا عن رؤية أننا، في حقيقة الأمر، نفترض مقدمًا صدق ما نريد أن نبرهن عليه؛ ولذلك تجد المصادرة على المطلوب مرتعًا خصيبًا لها في مثل هذه المجالات، وحيثما فرغت ساحةٌ من البراهين الصلبة والحجج الوقائعية المستقيمة تم استدعاء الحجج الدائرية لتَوَلِّي الأَزِمة واتخاذ اللازم، ولو أن هناك براهين مقنعة على الأيديولوجيات، المتكثرة تَكَثُّر الأهواء والمصالح، لكان عسيرًا على ذوي العقول أن يختلفوا حولها، ومن البين المتواتر أنه كلما توافر للناس حججٌ أكثر قبولًا وصلابة زاد انصرافهم عن الحجج الدائرية لتبرير دعواهم. ربما تخدع المصادرة على المطلوب قائلَها أكثر مما تخدع متلقيها؛ لأنَّ المرء حين يكون مُشْربًا منذ البداية بموقفٍ ما فإن من السهل أن يتراءى له كلُّ مكافئٍ أو صنوٍ لهذا الموقف كأنه برهانٌ عليه، ثمة فرق بين أن تعتنق رأيًا وبين أن تكون قادرًا على تبرير هذا الرأي، وعلى محبي الحكمة أن يتعلَّموا من درس الفلسفة أن هناك فرقًا بين الموقف نفسه وبين الحجج التي يستند إليها الموقف، ومن لم يتعلم هذا التمييز سيكون عُرضةً دائمًا للانخداع بمغالطة «المصادرة على المطلوب».

стр. 32

الفصل الثاني مغالطة المنشأ genetic fallacy; damning the origins الحكمةُ ضالة المؤمن، أنَّى وجدها فإنه أحَقُّ بها. حديث شريف خذ الحكمة ولا يضُرَّكَ من أيِّ وعاءٍ خرجَت. حديث شريف وإن تكن تَغْلِب الغَلْباءُ عنصرَها … فإن في الخمر معنى ليس في العنبِ المتنبي تُولَد الفكرة، … تنهضُ على أرجلها الخاصة، … تَتَوكَّأُ على ذاتها، … وتغادر بيتَ أبيها، … ولا تعود تسقط بسقوطهِ، … أو تَنْجَرحُ بانجراحِه. ***

стр. 33

قوة الفكرة لا تكمن في الأصل الذي يَنْمِيها بل في المنطق الذي يُزكِّيها. وصواب الفكرة لا يحدده مَصْدَرُها الذي منه أَتَت بل الدليلُ الذي إليه تستند. ثمةَ فرقٌ بين السبب الذي يجعل الناس تعتقد في شيءٍ ما ratio credentis وبين السبب الذي يجعل هذا الشيء حقًّا أو صوابًا ratio veritatis. في أمثل الأحوال يكون الحق مبررًا للاعتقاد، غير أنه لا يَندُرُ أن تنعكس الآية ويستخدم المرء مصدرَ اعتقاده (مَرَدَّه وأصله ومنشأه) كما لو كان دليلًا على صدق هذا الاعتقاد، فيقبل الشيءَ أو يرفضه بحسب أصل هذا الشيء ومصدره، وموقع ذلك من نفسه بين القبول والرفض، هنالك يكون قد «خرج عن الموضوع» وتنكَّب «الصلة» relevance ووقع في خطأ منطقي عتيد يطلق عليه «المغالطة المنشئية» genetic fallacy. قد تُعدُّ المغالطة المنشئية ضربًا من «البخل» المعرفي أو الذهني، فالبحث والتقصي لمعرفة التبرير المنطقي لاعتقادٍ ما قد يكون مرهقًا ويتطلب وقتًا وجهدًا سخيًّا، ونحن قلما نسخو بالطاقة الذهنية عندما تتوافر لدينا خياراتٌ أقل كلفة، من ذلك أن ننظر في أصل الاعتقاد ونتخذه معيارًا لتقدير نصيبه من الصدق، لعلنا قد تَبَنَّينا هذا اللون من الاقتصاد الذهني عبر تطورنا النوعي؛ لأنه يسعفنا في أحيان كثيرة، وبخاصةً عندما يكون الاستقصاء الدقيق بطيئًا بدرجة خطرة، غير أنَّ علينا أن نعترف أن هذه الآلية وإن تكن مُعِينةً على البقاء فهي ليست أوثق الطرق لاكتشاف الحقيقة. بالإنسان إذن ولعٌ متأصل بمعرفة مصدر الحجة، وقلَّما يُولي الناسُ ثقتَهم بآراء جاءت من مصدر يمقتونه، بغض النظر عن المزايا الفعلية لهذه الآراء نفسها، وكأنهم يقولون: فلتذهبْ هذه الآراء إلى الجحيم مع أصحابها؛ ربما لذلك تُسمَّى هذه المغالطة أحيانًا damning the origin (لَعْن المصدر أو الأصل)، يتناسَى هؤلاء أن الحجة إنما تنهض على أرجلها الخاصة وتستند إلى معايير صدقها وتقف بمعزل عن أصلها ولا تَستقِي منه قوةً ولا ضعفًا. تجد هذه الآلية الفكرية مرتعًا خصيبًا في عالم الأفكار الرائجة والصيحات الفكرية السائدة، فيكفي أن تجلس في جَمْع من أدعياء الثقافة وتقول «هكذا قال رولان بارت أو جاك دريدا.» أو «هكذا يذهب تيار ما بعد الحداثة.» لكي يحظى قولُك بالإكبار والإعجاب، كذلك حين تأتي التزكيةُ للفكرة، أو للعمل، من مصدرٍ ذي مكانةٍ واعتبار فلا تُدرَك وجاهتُها إلا منعكسةً من وجاهة المصدر، كأنَّما تستعيرُ منه الهيبة والجدارة، يُذكَر أن طاغور عندما أُسندت إليه جائزة نوبل تَنادى قومُه لتكريمه والاحتفال به، فقال في

стр. 34

شيء من الاستهانة والازدراء «إنهم يُكرِّمون التكريم!» أي إنهم لم يَفْطِنوا إلى قيمته من قبل، وإنما جاءوا لتكريمه بعد أن جاءته جائزة نوبل. (١) وفي محاورة فايدروس لأفلاطون يُبيِّن سقراط حجة معينة باختراع أسطورة صغيرة عن المصريين القدماء، فيرد عليه فايدروس بقوله: إن بوسع سقراط بطبيعة الحال أن يخترع قصصًا عن المصريين القدماء أو عن أي مكان يشاء، عندئذٍ يرد سقراط على هذا النقد باختراع أسطورة إضافية: يُرْوَى أن أولى النبوءات قد صدرت عن شجرة بلوط في محراب زيوس في دودونا، ولم يكن الناس قديمًا في بساطتهم على شاكلتكم معاشر الشباب في فلسفتكم، بل كانوا لا يستنكفون أن يسمعوا الحقيقة ولو من شجرة بلوط أو صخرة، فبِحَسْبِهم أنها الحقيقة، أما أنت فلا تقنع فيما يبدو بما إذا كان شيءٌ ما حقًّا أم لا، بل يعنيك مَنْ القائل ومن أي بلاد تأتي الرواية. في هذه الفقرة يذكرنا سقراط بأن ما تعنينا معرفته عن عبارة معينة هو ما إذا كانت حقًّا أم باطلًا، أما المصدر الذي جاءت منه العبارة، سواء كان شجرة أو صخرة أو أسطورة مصطنعة خصيصًا، فأمرٌ خارج عن الموضوع. وفي كتابه «النقد الفني» يصوغ جيروم ستولنيتز المغالطة المنشئية (مغالطة الأصل) صياغةً محكمة فيقول: وبالاختصار فإن منشأ «س» شيء، و «س» ذاتها شيء آخر، وما إن تبدأ «س» في الوجود حتى تصبح لها حياةٌ خاصة بها، إن جاز التعبير، وسوف يصبح لها - شأنها شأن النظرية أو الكائن البشري - تركيب وقيمة، وتدخل في علاقات مع الأشياء الأخرى، لا يمكن فهمها تمامًا من خلال أصلها الأول، فلا بُدَّ لنا من دراسة هذه السمات لكي نعرف كُنهها. (٢)

стр. 35

أمثلة «إن مستشار ألمانيا الحالي كان طفلًا في الثالثة عندما كان هتلر في السلطة، وبالنظر إلى هذه الخلفية فإن خطة «الإصلاح» التي يقدمها ستكون برنامجًا نازيًّا بالضرورة.» «كيف تسمح لنفسك أن تتخذ خاتم زواج (دبلة) وأنت تعلم أن هذا الرمز يعود إلى أصول بدائية همجية، عندما كانت المرأة تُسلسل من أعقابها بعقال، كالدواب المملوكة؛ حتى لا تفر من زوجها؟!» «إن هذا الدواء مستمَد من نباتٍ سام، فهو إذن سيضر بي أشد الضرر إذا أنا استعملته، حتى لو كان طبيبي ينصحني بذلك.» (الخطأ هنا هو في الانتقال غير المشروع من أصل الدواء «النبات السام» إلى استنتاج أنه سام بالضرورة في أي شكل وأي موقف.) «اليوجينيا (تحسين النسل) eugenics علمٌ ضار على نحوٍ مطلق، والعبث بالجينات عملٌ فاشي نازي، هكذا كان هتلر يحاول من قبل، فكيف نمضي في شيءٍ بدأه شخص مثل هتلر؟!» (١) مصدر النظرية العلمية ويُلح فيلسوف العلم كارل بوبر في غير موضع من كتاباته على أن مصدر النظرية العلمية هو أمرٌ لا صلة له البتة بوضعها العلمي، أي بتحديد ما إذا كانت النظرية علمية أم لا، فالنظرية لا تكون علمية ما لم تكن «قابلة للتكذيب» Falsifiable، يستوي في ذلك أن تكون النظرية قد جاءت من المختبر أو من نفحة إلهام، بالطبع قد تكون إحدى الطرق أكثر خصوبة من غيرها كوسيلة لإنتاج نظريات أصيلة، ولكن هذا لا علاقة له بالسؤال عما إذا كانت عبارة ما هي عبارة علمية أم غير علمية، ولا علاقة لها بالسؤال عن مدى أصالتها العلمية إن كانت عبارة علمية، ليست هناك طريقة آلية يمكن بها للعلم أن يحقق تقدمًا، وبوبر في ذلك يرخي العنان للتأمل الخيالي الجريء، فالعلم ليس أقل احتياجًا للخيال من أيِّ فن آخر من الفنون، وفي معرِض نقده لفرويد لم يأخذ عليه طريقته في الكشف ولم يعرض لهذا الأمر قط، فهو لا يعنيه مصدر النظرية بل يعنيه منطق الاختبار، وهو لا يسأل العالِم من أين جاء بنظريته بل يسأله عما أَعَدَّ لها من

стр. 36

اختباراتٍ قاسية، وقد لاحظ أينشتين من قبل أنه بينما يمكن للنظرية أن تُختبر بالبينة evidence فليس هناك طريقٌ من البينة إلى النظرية! ويُظْهِرنا تاريخ الممارسة العلمية على أن الاقتحامات الكبرى في العلم تأتي عن طريق الحدس، ثمة دائمًا قفزة إبداعية تتجاوز المعلومات المتاحة وتضيف إليها شيئًا ما مستجدًّا، وأحيانًا ما تأتي ومضة الاستضاءة من الأحلام بالمعنى الحرفي! أحيانًا ما يحلم العلماء نظرياتهم حلمًا! وفي كتابهما «الإبداعية العالية: تحرير اللاوعي من أجل انطلاق الاستبصارات» يعرض وليز هارمن وهوارد راينجولد عددًا هائلًا من الأحلام العلمية، مثل: حلم كيكوليه بِبِنية حلقة البنزين إذ رأى في منامه أفعى تعض ذيلها (وقيل عدة أفاعٍ تعض كل واحدة ذيل تاليتها)، وحلم نيلز بور بالنظام الشمسي كنموذج للذرات، وحلم ديمتري مندليف بالجدول الدوري للعناصر، لا لم يكن مصدرُ النظرية مما يعني بوبر من قريب أو بعيد، فلتأتِ النظرية من حيث تأتي، المهم أن تكون علمًا، أي قولًا يحمل نبأ عن العالم المحدد الذي وُجدنا فيه، ويحمل في تضاعيفه تنبؤات قابلة للاختبار. (١) ويُذْكَر أن نظرية التطور خطرت لألفرد والاس بينما كان في حالة هذيان delirium، ومن الأحاديث الشهيرة ما يؤثَر عن أرشيميدس من أنه توصل إلى مبدأ الثقل النوعي وقانون الطفو (الإزاحة) بينما كان يغتسل، فقفز من الحمام صائحًا «وجدتها!» Eureka!. (١ - ١) منشأ الدولة عند هوبز ذهب هوبز إلى أن أصل الدولة يرجع إلى العداوة والمنازعات المستمرة بين أشخاص أنانيين، يعيشون خارج نطاق أي نظام اجتماعي، وأن الدولة تنشأ من محاولة الحد من هذه العداوات، ولكن حتى لو صح هذا، لما كان تفسيرًا بالضرورة لطبيعة الدولة في الوقت الراهن، فمن الممكن أن تتجاوز الدولة نطاق وظيفتها الأصلية، وتضع لنفسها أهدافًا مختلفة كل الاختلاف، وتركيبًا من نوعٍ آخر، وعندئذٍ لا يمكننا القول إنَّ من طبيعة الدولة ذاتها أن تقوم بالقمع والتنظيم، فمن الممكن أن يكون تبرير سلطتها

стр. 37

مختلفًا كل الاختلاف عما تصوره هوبز، الذي انتهى إلى موقفه هذا استدلالًا من وصفه «المنشئي» genetic. (١) (١ - ٢) منشأ العمل الفني في مجال تذوق الأعمال الفنية، وتفسيرها وتقييمها، نكون عُرضة بصفة خاصة لارتكاب المغالطة المنشئية، وذلك حين نتجه باهتمامنا كله إلى حياة الفنان وشخصيته وسيرته الذاتية، ونظن أننا بذلك نقارب العملَ مقاربةً فنية جمالية، بينما نحن نبتعد عن عالم الفن بقدر ما نلج في عالم الفنان الشخصي ومفردات حياته، ليس ما يهمنا، من وجهة النظر الجمالية، هو تاريخ العمل وظروف نشأته، وإنما العمل ذاته، واقفًا على قدميه، قد يتمكن الباحث الفرويدي، على سبيل المثال من أن يُبيِّن كيف دخل التخييل في العمل ذاته، غير أن هذا لا يؤدي في ذاته إلى تفسير قيمة العمل، فالعمل ليس مجرد تخييل، وإنما هو تخييل صِيغَ وشُكِّلَ في بناءٍ فني وباستخدام وسائل فنية، وهو قد أصبح جزءًا لا يتجزَّأ من نموذجٍ من الألوان أو الأصوات أو الكلمات، فعلينا ألا ننسى أبدًا عناصر العمل التي تجعله على ما هو عليه في طبيعته الباطنة. (٢) كذلك يمكن أن يؤثر نوعٌ متشابه تمامًا من الإحباط (على مذهب فرويد) في فنانين مختلفين، وقد يتخيلان إشباعًا بديلًا من نوع مماثل إلى حد بعيد، ومع ذلك فإن الأعمال التي يبدعانها قد تكون مختلفة تمامًا من حيث القيمة، فيكون أحدُهما ضئيل القيمة والآخر عظيمًا، وعندئذٍ يكون ذلك راجعًا إلى عوامل مثل الجاذبية لا يمكن أن توجد إلا في العمل الفني، لا في منشئه. وما إن نفهم المغالطة المنشئية حتى يصبح كلامنا وتفكيرنا أشد حذرًا ودقة، إذ إن هذا الفهم يجعلنا نحذر الاستدلالات المتسرعة، غير النقدية، من حياة الفنان عن طبيعة عمله، فليس في وسعنا أن نفترض بسهولة أن كون الفنان في حالة نفسية معينة في وقت الخلق الفني يؤدي بالضرورة إلى انعكاس هذه الحالة النفسية على العمل، ذلك أن للعمل طابعًا خاصًّا به، بل إن هناك في الواقع فارقًا هائلًا بين الحالة النفسية التي تشيع

стр. 38

في العمل، وبين حالة الفنان في وقت خلقه لهذا العمل، من ذلك أن السيمفونية الثانية البهيجة لبتهوفن كُتِبت في وقتٍ كان يُعاني فيه ألمًا شخصيًّا مبرحًا، ومن ذلك أيضًا شهادة تشايكوفسكي الشخصية إذ يقول: «إن العمل الذي يُؤلَّف في أسعد الظروف قد يصطبغ بألوان قاتمة كئيبة.» (١) وهناك شهادة أخرى لكاتبة أمريكية كبيرة هي كاترين آن بورتر، تفرق بدورها بين الحالة النفسية للخلق وبين العمل الفني، فتقول: «ليس في وسعي أن أقول لك ما الذي يضفي على العمل حرارة حقيقية … إنها ليست متعلقة بما تشعر به في أية لحظة بعينها، وليست قطعًا متعلقة بما تشعر به لحظة الكتابة، وربما كان البرود هو أنسب الحالات لذلك، في معظم الأحيان.» كذلك ينبغي تجنب مغالطة الأصل عندما يكون العامل المنشئ اجتماعيًّا لا شخصيًّا، مثال ذلك أن كثيرًا من موضوعات الفن البدائي التي نضعها في المتاحف كانت في الأصل تُستخدم لأغراض عملية، فهذه الأواني والملاعق والأوعية كانت من قبل موضوعات عادية تُستخدم في الحياة اليومية، ومع ذلك لا يمكننا القول إن النظر إليها بطريقة جمالية، بدلًا من الطريقة العملية، ينطوي على تشويه لطبيعتها الحقة، ففي هذا القول خلط بين الموضوع، الذي يمكن النظر إليه على أنحاء شتى، وبين منشئه. (٢) (١ - ٣) المنشأ السيكولوجي (والاجتماعي) للأفكار ليس هناك أدنى شك في أنَّ العوامل الاجتماعية والنفسية ضالعة في نشأة الأفكار والمذاهب، وأنَّ فهم هذه العوامل هو شرط لا بُدَّ منه لفهم هذه المذاهب وتقييمها، وقد دَبَّج «فيلسوف القرن» برتراند رَسِل سِفرًا ضخمًا في تاريخ الفلسفة أسماه: «تاريخ الفلسفة الغربية: وصلته بالظروف السياسية والاجتماعية منذ أقدم العصور إلى اليوم» (نعني أنه عرَفَ صلة هذه الظروف بفكر الفلاسفة، ولا نعني أنه اقتصر عليها). غير أنَّ الاقتصار على تقييم الأفكار وفقًا للظروف الاجتماعية التي اكتنفتها والدوافع السيكولوجية التي أوقدتها، والاكتفاء بتحليل هذه الدوافع كبدليل عن تناول الحجج

стр. 39

ذاتها - يُعَد سقوطًا مزريًا في المغالطة المنشئية، فإذا أمكن لعلم النفس أن يكشف شيئًا من الآليات السيكولوجية التي كانت تعتمل بنفس المفكر وهو يبدع مذهبه، فإنه يقف أعزلَ أمام البناء الاستنباطي للمذهب والنسيج المنطقي للأفكار، فإذا ما نزغ له مبحثه السيكولوجي أن يُعْمِل أدواته ومقولاته في تلك الأقاليم المنطقية فإنه يَهزِل ويهتر، ويُغرِب ويغترب، ويقع في «خطأ مقولي» category mistake (١) فاضح فيصف الشيء بما لا يوصف به! هذا ما يمكن أن يحدث في أمثل الأحوال ومع أعتى علماء النفس وأفقههم، أما ما يحدث في الواقع الفعلي ويُغْثِينَا كلَّ يوم في الجرائد والكتب والدوريات ووسائل الإعلام فهو ضرب من «السيكولوجيا الشعبية» pop psychology الركيكة التي ترتجل الديناميات النفسية ارتجالًا وتكتفي لتفنيد الفكرة بإلصاق دوافع سلبية لا دليل عليها، بَلْه أن تكون دليلًا على خطأ الفكرة. فهذا معارضٌ للحكومة لأنه عانى في طفولته من علاقات متعسرة مع والديه أدَّت به إلى صعوبة في تَقَبُّل السلطة، وفي تقبل كل «صورة والديه» parental figure! وهذا نشأ في أسرة مفككة، أو أسرة مُعدَمة، أو أسرة ثرية بورجوازية، وهذا تَعَرَّض للإيذاء في طفولته الباكرة، وهذا أفرط أبواه في تدليله (أو تكديره)، وهذا كان أبوه قاسيًا (أو لَيِّنًا) … إلخ. ومهما تكن أوضاع الخصم فلن تعدم أن تقيِّض له دوافع سيكولوجية تُوظف لتقويض فكرته!

стр. 40

الفصل الثالث التعميم المتسرع hasty generalization ولا تُشيِّد صرحًا من الأوهام المزعجة على أساسٍ غير متينٍ من ملاحظاته الناقصة. شكسبير، عطيل ما نكادُ نتلقَّى «حبَّةً» من الوقائع facts حتى نشيِّد منها «قبةً» من التعميمات. جوردور أولبورت تقول الدِّيكة الرومية: الفلاح قدَّم الذرة لنا اليوم، … الفلاح قدَّم الذرة لنا أمس، … الفلاح قدَّم الذرة أمس الأول، … الفلاح يقدِّم لنا الذرة منذ أشهر عديدة، … الفلاح سيظل يقدم لنا الذرة إلى الأبد، … الفلاح يحبنا ويحرص على حياتنا وراحتنا. ***
следующие страницы →