اختباراتٍ قاسية، وقد لاحظ أينشتين من قبل أنه بينما يمكن للنظرية أن تُختبر بالبينة evidence فليس هناك طريقٌ من البينة إلى النظرية! ويُظْهِرنا تاريخ الممارسة العلمية على أن الاقتحامات الكبرى في العلم تأتي عن طريق الحدس، ثمة دائمًا قفزة إبداعية تتجاوز المعلومات المتاحة وتضيف إليها شيئًا ما مستجدًّا، وأحيانًا ما تأتي ومضة الاستضاءة من الأحلام بالمعنى الحرفي!
أحيانًا ما يحلم العلماء نظرياتهم حلمًا! وفي كتابهما «الإبداعية العالية: تحرير اللاوعي من أجل انطلاق الاستبصارات» يعرض وليز هارمن وهوارد راينجولد عددًا هائلًا من الأحلام العلمية، مثل: حلم كيكوليه بِبِنية حلقة البنزين إذ رأى في منامه أفعى تعض ذيلها (وقيل عدة أفاعٍ تعض كل واحدة ذيل تاليتها)، وحلم نيلز بور بالنظام الشمسي كنموذج للذرات، وحلم ديمتري مندليف بالجدول الدوري للعناصر، لا لم يكن مصدرُ النظرية مما يعني بوبر من قريب أو بعيد، فلتأتِ النظرية من حيث تأتي، المهم أن تكون علمًا، أي قولًا يحمل نبأ عن العالم المحدد الذي وُجدنا فيه، ويحمل في تضاعيفه تنبؤات قابلة للاختبار. (١)
ويُذْكَر أن نظرية التطور خطرت لألفرد والاس بينما كان في حالة هذيان delirium، ومن الأحاديث الشهيرة ما يؤثَر عن أرشيميدس من أنه توصل إلى مبدأ الثقل النوعي وقانون الطفو (الإزاحة) بينما كان يغتسل، فقفز من الحمام صائحًا «وجدتها!» Eureka!.
(١ - ١) منشأ الدولة عند هوبز
ذهب هوبز إلى أن أصل الدولة يرجع إلى العداوة والمنازعات المستمرة بين أشخاص أنانيين، يعيشون خارج نطاق أي نظام اجتماعي، وأن الدولة تنشأ من محاولة الحد من هذه العداوات، ولكن حتى لو صح هذا، لما كان تفسيرًا بالضرورة لطبيعة الدولة في الوقت الراهن، فمن الممكن أن تتجاوز الدولة نطاق وظيفتها الأصلية، وتضع لنفسها أهدافًا مختلفة كل الاختلاف، وتركيبًا من نوعٍ آخر، وعندئذٍ لا يمكننا القول إنَّ من طبيعة الدولة ذاتها أن تقوم بالقمع والتنظيم، فمن الممكن أن يكون تبرير سلطتها
стр. 37
مختلفًا كل الاختلاف عما تصوره هوبز، الذي انتهى إلى موقفه هذا استدلالًا من وصفه «المنشئي» genetic. (١)
(١ - ٢) منشأ العمل الفني
في مجال تذوق الأعمال الفنية، وتفسيرها وتقييمها، نكون عُرضة بصفة خاصة لارتكاب المغالطة المنشئية، وذلك حين نتجه باهتمامنا كله إلى حياة الفنان وشخصيته وسيرته الذاتية، ونظن أننا بذلك نقارب العملَ مقاربةً فنية جمالية، بينما نحن نبتعد عن عالم الفن بقدر ما نلج في عالم الفنان الشخصي ومفردات حياته، ليس ما يهمنا، من وجهة النظر الجمالية، هو تاريخ العمل وظروف نشأته، وإنما العمل ذاته، واقفًا على قدميه، قد يتمكن الباحث الفرويدي، على سبيل المثال من أن يُبيِّن كيف دخل التخييل في العمل ذاته، غير أن هذا لا يؤدي في ذاته إلى تفسير قيمة العمل، فالعمل ليس مجرد تخييل، وإنما هو تخييل صِيغَ وشُكِّلَ في بناءٍ فني وباستخدام وسائل فنية، وهو قد أصبح جزءًا لا يتجزَّأ من نموذجٍ من الألوان أو الأصوات أو الكلمات، فعلينا ألا ننسى أبدًا عناصر العمل التي تجعله على ما هو عليه في طبيعته الباطنة. (٢)
كذلك يمكن أن يؤثر نوعٌ متشابه تمامًا من الإحباط (على مذهب فرويد) في فنانين مختلفين، وقد يتخيلان إشباعًا بديلًا من نوع مماثل إلى حد بعيد، ومع ذلك فإن الأعمال التي يبدعانها قد تكون مختلفة تمامًا من حيث القيمة، فيكون أحدُهما ضئيل القيمة والآخر عظيمًا، وعندئذٍ يكون ذلك راجعًا إلى عوامل مثل الجاذبية لا يمكن أن توجد إلا في العمل الفني، لا في منشئه.
وما إن نفهم المغالطة المنشئية حتى يصبح كلامنا وتفكيرنا أشد حذرًا ودقة، إذ إن هذا الفهم يجعلنا نحذر الاستدلالات المتسرعة، غير النقدية، من حياة الفنان عن طبيعة عمله، فليس في وسعنا أن نفترض بسهولة أن كون الفنان في حالة نفسية معينة في وقت الخلق الفني يؤدي بالضرورة إلى انعكاس هذه الحالة النفسية على العمل، ذلك أن للعمل طابعًا خاصًّا به، بل إن هناك في الواقع فارقًا هائلًا بين الحالة النفسية التي تشيع
стр. 38
في العمل، وبين حالة الفنان في وقت خلقه لهذا العمل، من ذلك أن السيمفونية الثانية البهيجة لبتهوفن كُتِبت في وقتٍ كان يُعاني فيه ألمًا شخصيًّا مبرحًا، ومن ذلك أيضًا شهادة تشايكوفسكي الشخصية إذ يقول: «إن العمل الذي يُؤلَّف في أسعد الظروف قد يصطبغ بألوان قاتمة كئيبة.» (١) وهناك شهادة أخرى لكاتبة أمريكية كبيرة هي كاترين آن بورتر، تفرق بدورها بين الحالة النفسية للخلق وبين العمل الفني، فتقول: «ليس في وسعي أن أقول لك ما الذي يضفي على العمل حرارة حقيقية … إنها ليست متعلقة بما تشعر به في أية لحظة بعينها، وليست قطعًا متعلقة بما تشعر به لحظة الكتابة، وربما كان البرود هو أنسب الحالات لذلك، في معظم الأحيان.»
كذلك ينبغي تجنب مغالطة الأصل عندما يكون العامل المنشئ اجتماعيًّا لا شخصيًّا، مثال ذلك أن كثيرًا من موضوعات الفن البدائي التي نضعها في المتاحف كانت في الأصل تُستخدم لأغراض عملية، فهذه الأواني والملاعق والأوعية كانت من قبل موضوعات عادية تُستخدم في الحياة اليومية، ومع ذلك لا يمكننا القول إن النظر إليها بطريقة جمالية، بدلًا من الطريقة العملية، ينطوي على تشويه لطبيعتها الحقة، ففي هذا القول خلط بين الموضوع، الذي يمكن النظر إليه على أنحاء شتى، وبين منشئه. (٢)
(١ - ٣) المنشأ السيكولوجي (والاجتماعي) للأفكار
ليس هناك أدنى شك في أنَّ العوامل الاجتماعية والنفسية ضالعة في نشأة الأفكار والمذاهب، وأنَّ فهم هذه العوامل هو شرط لا بُدَّ منه لفهم هذه المذاهب وتقييمها، وقد دَبَّج «فيلسوف القرن» برتراند رَسِل سِفرًا ضخمًا في تاريخ الفلسفة أسماه: «تاريخ الفلسفة الغربية: وصلته بالظروف السياسية والاجتماعية منذ أقدم العصور إلى اليوم» (نعني أنه عرَفَ صلة هذه الظروف بفكر الفلاسفة، ولا نعني أنه اقتصر عليها).
غير أنَّ الاقتصار على تقييم الأفكار وفقًا للظروف الاجتماعية التي اكتنفتها والدوافع السيكولوجية التي أوقدتها، والاكتفاء بتحليل هذه الدوافع كبدليل عن تناول الحجج
стр. 39
ذاتها - يُعَد سقوطًا مزريًا في المغالطة المنشئية، فإذا أمكن لعلم النفس أن يكشف شيئًا من الآليات السيكولوجية التي كانت تعتمل بنفس المفكر وهو يبدع مذهبه، فإنه يقف أعزلَ أمام البناء الاستنباطي للمذهب والنسيج المنطقي للأفكار، فإذا ما نزغ له مبحثه السيكولوجي أن يُعْمِل أدواته ومقولاته في تلك الأقاليم المنطقية فإنه يَهزِل ويهتر، ويُغرِب ويغترب، ويقع في «خطأ مقولي» category mistake (١) فاضح فيصف الشيء بما لا يوصف به!
هذا ما يمكن أن يحدث في أمثل الأحوال ومع أعتى علماء النفس وأفقههم، أما ما يحدث في الواقع الفعلي ويُغْثِينَا كلَّ يوم في الجرائد والكتب والدوريات ووسائل الإعلام فهو ضرب من «السيكولوجيا الشعبية» pop psychology الركيكة التي ترتجل الديناميات النفسية ارتجالًا وتكتفي لتفنيد الفكرة بإلصاق دوافع سلبية لا دليل عليها، بَلْه أن تكون دليلًا على خطأ الفكرة.
فهذا معارضٌ للحكومة لأنه عانى في طفولته من علاقات متعسرة مع والديه أدَّت به إلى صعوبة في تَقَبُّل السلطة، وفي تقبل كل «صورة والديه» parental figure!
وهذا نشأ في أسرة مفككة، أو أسرة مُعدَمة، أو أسرة ثرية بورجوازية، وهذا تَعَرَّض للإيذاء في طفولته الباكرة، وهذا أفرط أبواه في تدليله (أو تكديره)، وهذا كان أبوه قاسيًا (أو لَيِّنًا) … إلخ.
ومهما تكن أوضاع الخصم فلن تعدم أن تقيِّض له دوافع سيكولوجية تُوظف لتقويض فكرته!
стр. 40
الفصل الثالث
التعميم المتسرع
hasty generalization
ولا تُشيِّد صرحًا من الأوهام المزعجة على أساسٍ غير متينٍ من ملاحظاته الناقصة.
شكسبير، عطيل
ما نكادُ نتلقَّى «حبَّةً» من الوقائع facts حتى نشيِّد منها «قبةً» من التعميمات.
جوردور أولبورت
تقول الدِّيكة الرومية:
الفلاح قدَّم الذرة لنا اليوم، … الفلاح قدَّم الذرة لنا أمس، … الفلاح قدَّم الذرة أمس الأول، … الفلاح يقدِّم لنا الذرة منذ أشهر عديدة، … الفلاح سيظل يقدم لنا الذرة إلى الأبد، … الفلاح يحبنا ويحرص على حياتنا وراحتنا.
***
стр. 41
افترِض أنك كنت في مكتبةٍ فلاحظت أنَّ الكتب المرصوصة في قسمٍ معين تتضمن عناوين مثل: ميرامار، بين القصرين، المعذبون في الأرض، عودة الروح، وا إسلاماه، شيء من الخوف، سارة، بين الأطلال، قد تستنتج من ذلك أن كل، أو أغلب، الكتب في هذا القسم هي في الرواية، إن مقدمتك تقوم على ملاحظتك لمجموعة بعينها من الكتب، وإن نتيجتك معَمَّمة لتشمل المجموعة الأكبر من الكتب التي يشتمل عليها هذا القسم من المكتبة.
هذه هي عملية «التعميم الاستقرائي» inductive generalization التي من خلالها نستمد خصائص فئة كلية من خصائص «عينة» sample من هذه الفئة، أو نستخلص نتيجة حول «جميع» الأعضاء في مجموعة ما من خلال ملاحظات عن «بعض» أعضاء هذه المجموعة:
ملاحظة ١: «س ١» يتسم بالخاصة «ص».
ملاحظة ٢: «س ٢» يتسم بالخاصة «ص».
ملاحظة ٣: «س ٣» يتسم بالخاصة «ص».
وهكذا
إذن كل «س» يتسم بالخاصة «ص».
يُستخدم التعميم الاستقرائي في مجالات كثيرة مثل البحث العلمي والمسح الاجتماعي واستطلاعات الرأي السياسية … إلخ، غني عن القول إن ملاحظة جميع الأفراد (المجتمع الأصلي population) في المجموعات الهائلة العدد هو أمر صعب ومكلِّف وكثيرًا ما يكون مستحيلًا عمليًّا، الأمر الذي يُلجِئنا إلى إجراء «أخذ عينة» sampling، وفحص هذه العينة لِتَبيُّن خصائصِها، ثم «تعميم» generalization هذه الخصائص على جميع أعضاء المجموعة الأصلية (المجتمع الأصلي)، ولكي يكون هذا التعميم صائبًا أو قريبًا من الصواب ينبغي أن تكون العينة «مُمَثِّلة» representative للمجموعة بكاملها غير متحيزة لجانب دون جانب أو مأخوذة من ركنٍ دون ركن.
هناك طرق كثيرة لاختيار العينة بحيث تقترب من النموذج المثالي لما ينبغي أن تكونه العينة، مثل طريقة «الاختيار العشوائي» random sampling، ولكي توصف العينة بالعشوائية لا بُدَّ من أن تخضع للقرعة وأن تكون أمام جميع أفراد «المجتمع الأصلي المدروس» population فرص متساوية للوقوع في العينة.
والطريقة الثانية هي أخذ «عينة طبقية» stratified sample، بحيث تكون ممثلة للمجتمع الأصلي أو المجموعة الأصلية ومُسْتَلَّة من جميع أطرافها وتضاعيفها وزواياها،
стр. 42
فتشتمل على فئاتها كافة وعلى خصائصها الأساسية وبنفس نسب تواجدها في المجموعة الأصلية، فإذا كانت المجموعة الأصلية تتكوَّن من ثلثين من الذكور وثلث من الإناث، وكان نصفها من القاهرة وربعها من شمالها وربعها الباقي من جنوبها لَتَوَجَّب أن تكون هذه النسب جميعًا منطبقة أيضًا في العينة.
والطريقة الثالثة هي أخذ عينة (عشوائية أو طبقية) ثم العودة لأخذ عينة أخرى على أقل تقدير بعد انقضاء فترة دالة من الزمن، ومقارنة العينتين لتبين أي تغيرات طرأت، بذلك تكون العينة أكثرَ إحاطةً بالمجتمع المدروس لأنها تمثل أفراده في أكثر من فترة زمنية واحدة، وتُسمَّى هذه العينة time-lapse sample.
يميل الناس كثيرًا إلى التحيز في أخذ العينة، إما بسبب ميلهم (عمدًا أو غير عمد) إلى التماس العينات التي توافق نظريتهم، وإما بسبب الرعونة والكسل والاستسهال الذي يدفعهم إلى انتقاء ما هو مُواتٍ قريبُ المأخذ ويصرفهم عن بذل العناء والوقت من أجل استخلاص عينة صحيحة.
•••
هَبْ أن لديك دلوًا به كرياتٌ من البلي حمراء وخضراء وصفراء وبيضاء، إن عينة مكونة من ثلاث كريات من المحال أن تمثل المجموعة الكلية أيًّا كان عددها، وفي المقابل، هب أن لديك قدرًا ضخمًا من الحساء أو من المعكرونة قيد الطبخ، إن بإمكانك الحُكم على ملوحة الحساء بتذوق ملعقة واحدة، وبإمكانك الحُكم على درجة نضج المعكرونة بتذوق واحدة منها، ذلك أن التجانس تام في هاتين المجموعتين بحيث تكفي عينة مكونة من فرد واحد للحكم على الكل، كذلك الحال بإزاء مجموعة كبيرة من الفئران المستنسخة التي يكاد كل فرد منها يُطابق الآخر مطابقة تامة، لعلك الآن قد تبينتَ الصعوبة الكامنة في تحديد كم العينة التي تعد كافية لتمثيل مجتمع من المجتمعات أو مجموعة من المجموعات، والذي قد يتطلب تقنيات إحصائية ورياضية معقدة، ويبقى رغم ذلك أمرًا غير يقيني ويهيب بملَكة الحُكم لدينا وربما باعتقاداتنا المسبقة عن أفراد المجموعة المعْنِيَّة.
ويزداد الأمر تعقيدًا عندما نكون بإزاء مجموعة ضخمة مترامية الأطراف متعددة الأطياف غير متجانسة، هنالك يتطلب الأمر شرطًا آخر بالإضافة إلى حجم العينة: أن تكون «ممثِّلة كيفيًّا» أي عشوائية وطبقية تتوزع بالقسطاس على المجموعة المفحوصة بحيث تمثلها بكلِّ نواحيها وأرجائها، إن ثمانية شبان متحلِّقين على طاولة في مقهى أرستقراطي لا يمكن أن يكونوا عينة كافية لتحديد الميول السياسية داخل بلد بأكمله، تلك عينةٌ غير كافية من جهة، وغير عشوائية ولا طبقية من جهة أخرى.
стр. 43
من الأمثلة التاريخية الصارخة لعينةٍ غير موفقة، لا بسبب صغرها بل بسبب تحيزها وعدم تمثيلها للمجتمع الأصلي، ذلك الاستطلاع الذي قامت به مجلة Literary Digest قبيل الانتخابات الأمريكية عام ١٩٣٦ م لمحاولة التنبؤ بمن يفوز بالرئاسة فرانكلين روزفلت أم ألفرد لاندون، حيث تمَّ جمع مليونين وثلاثمائة ألف رأي، كانت نتيجتها تُشير إلى فوز لاندون بأغلبية كبيرة، وقد جاءت نتيجة الانتخابات الفعلية مخيبة لهذا الاستطلاع إذ فاز روزفلت بأغلبية ستين بالمائة، فأين كان يكمن الخطأ؟!
كانت المجلة ترسل بطاقات الاستطلاع إلى أسماء اختارتها عشوائيًّا من واقع دليل التليفونات ومن قوائم المشتركين في المجلة نفسها ومن قوائم مالكي السيارات، المشكلة أن مالكي الهواتف والسيارات ومشتركي المجلة كانوا في الأغلب من الطبقة الأعلى دخلًا بالولايات المتحدة، ومِن ثَمَّ فهي لم تمثل الطبقات الأدنى دخلًا من المجتمع الأمريكي في زمنٍ كان فيه مستوى الدخل ذا صلة قوية بالميول السياسية والحزبية، ومن ثم، فعلى الرغم من ضخامة العينة المُختارة فإنها كانت «عينة متحيزة» biased sample «غير ممثِّلة» unrepresentative للمجتمع الأمريكي بجميع شرائحه وطبقاته.
يفضي هذان الخطآن في عملية اختيار العينة (الصغر والتحيز) إلى ما يُسمى مغالطة «التعميم المتسرع» hasty generalization.
(١) أمثلة للعينة غير الممثِّلة كميًّا (الصغيرة/ غير الكافية) Quantitatively unrepresentative sample
(١) «كلَّما شاهدتُ الأخبار في هذه القناة الفضائية وجدت زنوجًا يجري القبض عليهم لجرائم سرقة، إذن جميع الزنوج، أو معظمهم، لصوص.»
(٢) «جلست إلى هذه الصديقة ثلاث مرات، وتبين لي في كل مرة أن مزاجنا مؤتلف وذوقنا متفق في كلِّ شيء، إذن هذه أصلح امرأة في العالم لأن تكون زوجة لي.»
(٣) «تزوجتُ مرتين وفي كل مرة كان زوجي يطمع في ثروتي ولا يخلص لشخصي؛ ولذا قررت ألا أتزوج إلى الأبد لأن الرجال كلهم يفتقرون إلى النزاهة والإخلاص.»
(٤) «ما كِدتُ أخطو خطوتين في مطار لندن حتى وجدت موظف الجمارك دمثًا ودودًا، وعندما خرجتُ وجدتُ سائق الأجرة مبتسمًا كريمًا، فعرفت أن الإنجليز شعب طيب مفرط في الود والسماحة.» (يقول المثل المصري: لا تذم ولا تشكر إلا بعد سنة و «ست» اشهُر.)
стр. 44
(٥) «لماذا كل هذه الجلبة التي تُثيرها لي كلَّما انعطفتُ بالسيارة على طريق رئيسي؟! إنني أقود سيارتي منذ عشر سنوات ولا أتوقف عند منعطفات الطرق الرئيسية ولم أُصَب بحادث واحد؟!»
(٦) «كان صديقًا مثاليًّا لي طيلة عقدين من الزمان، ولكن منذ عَبَسَ في وجهي في ذلك الاجتماع الكبير أيقنتُ أنه ليس بالصديق الوفي، وقررتُ أن أتركه.» (يقول المتنبي: (١) فإن يكن الفعل الذي ساءَ واحدًا … فأفعالُه اللائي سَرَرْنَ ألوفُ)
(٧) «كنت جدتي تُعاني من هذا الألم اللعين نفسه، وقد وُصِف لها خل التفاح ممزوجًا بصفراء العجل، فلما تناولته شُفِيت على الفور، ولم يعد ينتابها هذا الألم، فلماذا تذهب إلى الأطباء وتُبدِّد نقودك وتُدخل نفسك في دوامةٍ موبقة من الفحوصات والعمليات لن تخرج منها إلا إلى القبر؟!»
(٨) «فشلت هذه المرأة في قيادة المقاتلة النفاثة وحطمت طائرتها في أول طلعة لها، وهذا دليل على أن النساء لا يصلُحن لقيادة الطائرات المقاتلة.»
(٢) أمثلة للعينات غير الممثلة كيفيًّا (المتحيزة) qualitatively unrepresentative sample
(١) «استطلعنا رأي مائتي طالب بمدرسة المساعي المشكورة، فأجمعوا على أن امتحان الرياضيات كان عسيرًا جدًّا هذا العام؛ ولذا قدَّمنا مذكرة عاجلة بذلك للوزارة للنظر في تعديل النتيجة.»
(٢) التفاحات على وجه الصندوق تتألق نضرةً وبهاءً، إذن جميع التفاحات في الصندوق من الصنف الممتاز.
стр. 45
(٣) يقينًا إن دخل المحامين في مصر مرتفع جدًّا، هناك خمس عشرة فيلا فاخرة في مارينا يتملكها محامون مصريون.
(٤) في استطلاع ضخم في الإسكندرية وبورسعيد تبين أن اثنين وثلاثين بالمائة ممن شملهم الاستطلاع يقضون شهرًا على الأقل كل عام على شاطئ البحر، إذن يمكننا أن نستنتج أن حوالي ثُلُث سكان مصر يقضون شهرًا على الأقل على البحر.
(٣) النصوع المضَلِّل misleading vividness
يلحق بالتعميم المتسرع ما يعرف ب «النصوع المضلل»، حيث يؤخذ مثالٌ واحد (أو حفنة من الأمثلة) بأكثر من دلالته الإحصائية بسبب وهجه ودراميته، يعود ذلك إلى الأثر النفسي الذي يتركه الحدث الدرامي في الذهن، وكأنه يقوم في حساب الذاكرة مقام عشرة أحداث عادية خاملة، يعزو السيكولوجيون هذا الأثر النفسي إلى فرضية كشفية معرفية تُسمَّى availability heuristic، من ذلك أن شخصًا نجا من حادث تحطم طائرة قد يميل حقًّا إلى الاعتقاد بأن معدلات كوارث الطيران أكبر من معدلات غيرها من الكوارث، وأن السفر بالطائرة أخطر من السفر بأي وسيلة أخرى، وإن كانت الإحصائيات تقطع بخطأ هذا الاعتقاد.
•••
وبعد، فحين يسمح المرء لعقله أن يشيِّد تعميمات عريضة على أساس معلومات شحيحة أو أدلة هزيلة أو أمثلة قليلة أو عينة غير ممثِّلة فلن يُعْييه أن يُقَيِّضَ أدلةً لكلِّ شيء ويجد بينةً لأي دعوى مهما بلغت من البطلان والسخف، ولن يُعْجِزَه أن يؤيد أي شيء يميل إلى الاعتقاد به ما دام يعنيه الاعتقاد ولا تعنيه الحقيقة.
لعل التعميم المتسرع من أكثر المغالطات شيوعًا، فهو يتبطَّن كثيرًا من التحيزات العرقية والعنصرية والنعرات الشوفينية والطائفية والطبقية والتعصب الديني والأيديولوجي، كذلك يتبطن التعميم المتسرع كثيرًا من الأوصاف النمطية عن الشعوب المختلفة (الإنجليزي، الهندي، الإيطالي … ) وعن أهل الأقاليم المحلية (المنوفي، الشرقاوي، الدمياطي، الطنطاوي، البحيري، الصعيدي … ) وربما يتبطن كثيرًا من اعتقاداتنا حول أصناف المنتجات وماركات الأجهزة التي تقوم في الغالب على بضعة أمثلة من واقع خبرتنا الحياتية القصيرة المحدودة.
стр. 46
والحق أننا مضطرون إلى التعميم في حياتنا العملية، ولا يَسَعُنا إلا التعميم إذا شئنا أن نفكر في أي شيء أو نتخذ أي قرار، ويبقى أن نتبع الأسلوب العلمي في استخلاص التعميمات، وأن نتجنب التعميم المتسرع جهد استطاعتنا، وأن نملك تعميماتنا ولا تملكنا؛ أي أن نجعل منها مجرد فروض عملٍ قابلة للمراجعة والتنقيح لا اعتقادًا دوجماويًّا صلبًا يأخذ علينا سُبُل التأمل ويسد علينا منافذ التفكير.
ملاحظتان
أحيانًا ما نضطر اضطرارًا إلى اتخاذ عينة صغيرة جدًّا، وذلك عندما لا تكون في حوزتنا غيرها، ومن الغبن أن يُتَّهم المرء بالتعميم المتسرع إذا كانت العينة المتاحة للدراسة محدودة جدًّا ولم يتَسَنَّ له أي مصدر آخر للمعلومات، كثيرًا ما يضطر علماء الكتابات القديمة مثلًا إلى استخلاص أصولها من عينات شحيحة للغاية مثل حجر رشيد، وكثيرًا ما يضطر علماء البيولوجيا مثلًا، وبخاصة علماء الحفريات، إلى دارسة عينة وحيدة عن حيوانٍ ما.
قد يُفضي التعميم المتسرع، شأنه شأن أي مغالطة أخرى، إلى نتيجة صادقة، ولا يَندُر أن تأتي نتيجة صادقة عن استدلال مغلوط، ولكن ما دام الاستدلال مغلوطًا فليس ثمة مبرر لقبول نتيجة قائمة على مثل هذا الاستدلال.
стр. 47
الفصل الرابع
تجاهل المطلوب (الحَيْد عن المسألة)
ignoratio elenchi; missing the point
إذا كان الرماةُ رماةَ سَوْءٍ … أَحَلُّوا غيرَ مرماها السهاما
شوقي
المقدمات أخطأَت هدفها،
وحادت عن مرماها
عمدًا أو فرطَ انفعال،
غير أنها تُستقبَل بالتهليل
لأنها تحمل صيدًا على كلِّ حال!
***
في هذه المغالطة يتجاهل المرءُ الشيءَ الذي يتوجب أن يُبرهن عليه، ويبرهن على شيء آخر، وقد يبدو استدلاله معقولًا بحد ذاته، ولكن المغالطة هنا في أنه يبرهن على نتيجة أخرى غير النتيجة المطلوبة التي يتعين عليه أن ينصرف إليها دون غيرها، بذلك تتسم الحُجة بسمَتَين: أنها قد خرجت عن الهدف المُحدد لها، وأنها قد اتجهت مباشرة إلى نتيجة أخرى.
стр. 48
يقف محامي الادعاء في جريمة قتل، وبدلًا من أن يُبرهن بالحُجة على أن المتهم هو مرتكبها، يشرع في إثبات بشاعة القتل وبشاعة الجريمة، قد ينجح الادعاء في تقديم مرافعة عصماء ويثبت هول جريمة القتل بألف حُجَّة، غير أنه إذا جعل من ذلك دليلًا على أن المتهم مذنب بها يكون قد ارتكب مغالطة «تجاهل المطلوب» ignoratio elenchi.
تتمتع هذه الحجة المغالِطة بجاذبية خفية، وتكمن قوتها في أن هناك نتيجة تم إثباتها على نحوٍ صائب، وهذا الصواب هو الذي يَصرف انتباه المستمعين بعيدًا عن المغالَطة.
وتلقى هذه المغالطة رواجًا خاصًّا في مجال التشريع الاجتماعي؛ فكثيرًا ما يُقترح برنامجٌ بعينه لبلوغ غايةٍ كبرى متفَق عليها من الجميع، ثم يدعَّم البرنامج بحجج تثبت بالفعل أهمية هذه الغاية الكبرى، غير أنها لا تقول شيئًا ذا صلة بالبرنامج المَعْنِيِّ، ولا تثبت أن هذه الغاية الكبرى تُبلَغ بهذا البرنامج المحدد دون غيره! قد يتم ذلك عن عمد وقد ينجم عن فرط الحماس لهذه الغاية الكبرى، والذي قد يُغشِّي على أنصار البرنامج المحدد، وعلى مستمعيهم، فلا يرون خروج حجتهم عن الموضوع.
من ذلك أنه في برنامجٍ محدد لمكافحة الفقر، قد يُفيض دعاةُ البرنامج في ترديد حُجج تثبت أن الفقر ينبغي مكافحته والفقراء ينبغي إنصافُهم، دون أن يثبتوا لنا أن ذلك حريٌّ أن يتم من خلال برنامجهم دون غيره!
وعندما نناقش تطوير نظام دفاعي معين باهظ التكلفة فإن حجتنا تخطئ هدفها إذا جعلت تبرهن على أهمية تطوير دفاعتنا دون أن تعرض لهذا النظام المحدد وتثبت حاجتنا الحقيقية إليه وتبرهن على أنه أجدى لنا من غيره على ثقل تكلفته.
كذلك الحال بالنسبة لكلِّ الأهداف الكبرى التي تُطرَح على نحوٍ شديد العمومية: الأمن القومي، السكن الصحي، مكافحة الفقر، مكافحة الجريمة، علاج عجز الميزانية … إلخ، من أيسر الأمور أن نُصَدِّق على هذه الأهداف العامة ونصبو إلى تحقيقها، أما الأسئلة الصعبة حقًّا فهي: هل هذا البرنامج المحدد حقيقٌ ببلوغ هذا الهدف المنشود؟ وهل هو أجدى في بلوغ هذا الهدف من غيره من البرامج الأخرى الممكنة؟ إن تغافل هذه الأسئلة، والتعتيم عليها بتعميمات براقة عن هدفٍ مأمولٍ أكبر، يجعلنا نحيد عن القصد ونطيش عن المرمى ونقع في مغالطة «تجاهل المطلوب».
стр. 49
أمثلة أخرى
(١) محامي الدفاع: «كيف يكون موكلي قد أمر بارتكاب جريمة القتل وقد برهنت لكم بما لا يدع مجالًا للشك أنه لم يكن بالبلد كلها وقت وقوعها؟» (حسن، ولكن هل هذا دليل على أنه لم يأمر بها قبل سفره؟ أو أنه لم يرتبها بالهاتف مثلًا؟)
(٢) ألم يحدث يا سيادة الوزير أن مستويات معيشة الفقراء قد تدنت في زمن تولِّيك بدرجة كبيرة قدَّرَتها إحصائيات علمية بحوالي ٢٨?؟ هذه وثائق رسمية تثبت أننا رفعنا معاش الأرامل بنسبة ٥? ورفعنا أجور قطاع النفط بنسبة ١٠? وزدنا دعم الخبز بنسبة ١٢? وهذا ما لم يفعله خصومنا في فترة تولِّيهم (وهكذا كلما قدَّم منتقدٌ للساسة سؤالًا محددًا فجاءه الرد وابلًا من الدعاية الصاخبة عن مزايا الحكومة، فثم مغالطة «تجاهل المطلوب» ignoratio elenchi).
(٣) «إن إساءة استخدام الدعم وعدم وصوله إلى مستحقيه لَظاهرةٌ تفشَّتْ هذه الأيام بدرجة مخيفة، والبديل الوحيد الذي أراه هو إلغاء الدعم برمته.»
(٤) «لديَّ دراسات تثبت أن رياضة العَدْو في الطريق العام قد تضر بالصحة أكثر مما تفيدها؛ ولذلك أنادي بأن تُحظَر رياضة الجري في الشوارع.» (حتى لو كان ذلك صحيحًا فهل هو حجة تؤيد حظر الجري في الطريق؟)
стр. 50
الفصل الخامس
الرنجة الحمراء
red herring
الكلاب تَجِدُّ في طلب الطريدة،
الرائحة ترسم طريق الطِّراد،
تعبر الرنجة الحمراء، فيتحول المسار؛
ينسَى الطريقُ طريقَه
الرنجة الحمراء، بشميمها الأنفَذ
بَرَكةُ آلهةِ الفرار،
وملاذُ كلِّ من أثْخَنَه الجدل.
***
هي حيلةٌ كان يستخدمها المجرمون الفارون لتضليل كلاب الحراسة التي تتعقبهم، وذلك بسحب سمكة رنجة حمراء عبر مسار المطاردة، فتجتذب الكلابَ رائحتُها الشديدة عن رائحة الطريدة الأصلية، وقد استعيرت للتعبير عن كل محاولة لتحويل الانتباه عن المسألة الرئيسية في الجدل، وذلك بإدخال تفصيلات غير هامة، أو بإلقاء موضوع لافت أو مثير للانفعالات وإن يكن غيرَ ذي صلة بالموضوع المعْنِي ولا يشبهه إلا شبهًا سطحيًّا، فيقذف بالخصم خارج مضمار الحديث.
من دَأب محترفي هذه المغالطة أن يستهلكوا الخصم في تُرَّهاتٍ خارجة عن الجادة، وأن يثيروا مشاعر المستمعين وانتباههم بطرح مسألةٍ براقة أخاذة وإن تكن بعيدة عن
стр. 51
موضوع الحديث، فتَهوِي إليها أفئدة الحضور ولا يعود أحدٌ يذكر الموضوعَ الأصلي، إنهم بذلك لا يُحاجُّون بل يصخبون ويتلاعبون ويتداهون وينفثون سحابات التمويه والتعمية، ويتحدَّثون في أيِّ شيء إلا الشيء المَعْنِي، وكثيرًا ما ينجحون في صرف الانتباه وتحويل مسار الحديث وتبديد النقاش، فينفردون بالساحة حقًّا ويبدون منتصرين في الجدل، وكأنهم يفوزون لتغيُّب الخصم!
تجتمع لجنة على سبيل المثال لمناقشة إجراء جديد للحد من تلوث الهواء، فينبري أحد الأعضاء ويتحدث عن الأعباء الضريبية التي تثقل كاهل المواطن، ويتصدَّى عضو آخر بحديث مطول عن سطوة الشركات المتعددة الجنسية التي تملك زمام العالم، وينبغي أن نضع حدًّا لهيمنتها وتسلطها، ويفيض ثالث في الحديث عن نوعية المناخ قديمًا وكيف كان الهواء أكثر (أو أقل) نقاءً عندما كان طفلًا يمشي كل يوم ثلاثة كيلومترات ليصل إلى مدرسته البسيطة التي كانت تقدس التعليم وتجعل منه رسالة لا وسيلة للابتزاز والربح … إلخ. انظر هل ترَى في هذه الاستطرادات أيَّ صلة بالموضوع الرئيسي الذي اجتمعت من أجله اللجنة، وهو بالتحديد: هل من شأن هذا الإجراء الجديد أن يحِدَّ من تلوث الهواء؟ هل ستكون إيجابياته أكثر من سلبياته؟ وهل ثمة إجراء أفضل من ذلك للحد من تلوث الهواء؟
(١) متى يكون التحول عن الموضوع مشروعًا؟
كثيرًا ما تتخذ المسائل المعقدة تراتبًا هرميًّا بحيث يتعذر حسم مسألة معينة قبل أن يتم حسم مسألة أخرى، مثال ذلك ما يجري في كثير من محاورات أفلاطون؛ في محاورة الجمهورية، على سبيل المثال، يتحول مسار الحديث إلى مسائل ميتافيزيقية وإبستمولوجية مجردة؛ وذلك لأننا لا يتسنى لنا الإجابة عن أسئلة عملية عن معاقبة المجرمين أو تربية الأطفال حتى نعرف أولًا ما هي «العدالة»، ولن نعرف ما هي العدالة حتى نعرف المقصود بمفهوم «الخير»، وهذه بدورها تتطلب تحليلًا كاملًا لعلاقة الأفكار بالعالم الفيزيقي!
هكذا نتبيَّن أن الوصول إلى اتفاق عقلاني قد يتطلب العودة بالحوار إلى أسئلة أكثر أساسية، ثمة إذن تحولٌ مشروع عن موضوع الحوار في بعض الأحيان: ذلك هو التحول إلى مسألة جذرية تمهد المسرح لمناقشة الموضوع المَعْنِيِّ وتُفْضي إليه، إنها لا تُغَشِّي عليه بل تزيده وضوحًا، ولا تذهب به طي النسيان بل تؤدي إليه وتضعه في نصابه.
стр. 52
أما مغالطة الرنجة الحمراء فليست من ذلك في شيء؛ لأن الموضوع الجديد الذي يُلقَى به في مسار الجدل ليس أكثر أساسيةً بل أكثر بريقًا وشحنًا انفعاليًّا فحسب، ولأن الموضوع الجديد لا يُفضي بطبيعته إلى الموضوع الأصلي بل يُقْصِي عنه ويُنْسِيه ويصرف دونه الانتباه والذاكرة.
(٢) الفرق بين مغالطة الرنجة الحمراء ومغالطة تجاهل المطلوب
في مغالطة «تجاهل المطلوب» ignoratio elenchi ثمة صيدٌ تم الظفر به ولكنه غير المطلوب، وثمة نتيجة محددة تصل إليها الحجة ولكنها غير النتيجة المطلوبة، إنه خطأ في الاستدلال، أما في مغالطة «الرنجة الحمراء» red herring فإن الحجة تنحرف في اتجاهٍ مختلف ولا تصل إلى شيء: فهي إما حيودٌ خارج الموضوع diversionary irrelevance إلى موضوع آخر مثير انفعاليًّا فحسب، وإما تمويهٌ وسحابة تَعْمِية pettifogging لا تُفضي إلى شيء ذي بال، ليس هنا استدلال أخطأَ هدفَه، بل خداع للمستمع واستهلاك له وانحراف عن الموضوع برمته إلى مسألة أخرى.
أمثلة
(١) «كيف توافق على حظر الماريجوانا؟ الماريجوانا لا ضرر منها البتة، إنني لأُحِسُّ بأمان حين يكون السائق يدخن الماريجوانا أكثر بكثير مما أحسه حين يكون السائق تحت تأثير الخمر، إن الخمر حقًّا هي أم المشاكل، أتعرف أن إباحة الخمر تُكلِّف العالم سنويًّا، بين ثمن صناعتها وتعاطيها وثمن الكوارث التي تُلحقها، أكثر من تريليون دولار!» (لاحظ أن الموضوع الأصلي ليس كوارث الخمر، بل كوارث الماريجوانا ومبررات حظرها).
(٢) «مواقف السيارات؟ أعرف أن الأستاذ الدكتور سليم السيد كان يشكو في الاجتماع الأخير من ضيق أماكن الانتظار بالكلية، ولكن هل تدري أنه تم ضبطه في علاقة مشبوهة مع إحدى طالباته؟ إلى متى يحيد التعليم العالي عن هدفه ويتحوَّل إلى كمين للتحرش والابتزاز؟ بالله لا تحدثني عن هذا الرجل مرة أخرى»، (المسألة الأصلية هي ضيق أماكن الانتظار، وليست قصة مثيرة عن علاقة أستاذ بطالبة أو عن فساد التعليم العالي).
(٣) «يقول صديقك: إن قهوة تسترتشويس أفضل مذاقًا من قهوة فولجرز؟ يبدو أنه يتجاهل حقيقة أن تسترتشويس تنتجها شركة «نسله» التي أنتجت ذلك الحليب الذي
стр. 53
أحدث ضجة كبيرة، لقد صَدَّرته لدول العالم الثالث، فراح ضحيتَه آلافُ الأطفال عندما كان الحليب الجاف يمزج بماء ملوث.» (إن مسألة وفيات الأطفال لمثيرة حقًّا، ومِن ثَمَّ كانت جديرة بصرف الانتباه عن الموضوع الأصلي: أي المذاقين أفضل؟)
(٤) «تقول صحيفة كونسيوم ديجست: إن لمبات جي إي أطول عمرًا من لمبات سيلفانيا، ولكن هل تعلم أن جي إي هي أكبر منتج للأسلحة النووية؟ إن الأضرار الناجمة عن سلوكها غير المسئول تفوق التصور، وليس أقلها أنها تخلِّف آلاف الأطنان من النفايات النووية التي لا تعرف أين تواريها.» (لاحظ أن الموضوع الأصلي «أيُّ اللمبات أطول عمرًا؟» قد اختفى تمامًا تحت سحابة الأسلحة الفتاكة والنفايات النووية.)
(٥) «إنَّ أنصار البيئة لَيقيمون الدنيا ويُقعدونها في حديثهم عن مخاطر القوة النووية، غير أن للكهرباء مخاطر جمة بغض النظر عن مصدرها، هناك صواعق طبيعية، وهناك كهرباء المصانع والمصاعد والبيوت، إن آلاف البشر كل عام يُصعَقون بسبب الإهمال والجهل، ومن الممكن تجنب هذه الأخطار المُحِيقة بمزيد من إجراءات الاحتياط والتوعية.»
(٦) ثمة كثير من اللغط هذه الأيام عن الحاجة إلى حظر استخدام المبيدات في حقول الخضروات وبساتين الفواكه، غير أن كثيرًا من هذه الأطعمة ضروري لصحتنا، فالجزر مصدر ممتاز لفيتامين أ، والقرنبيط غني بالحديد، والبرتقال وغيره من الموالح تحتوي على نسب عالية من فيتامين ج … إلخ.
стр. 54
الفصل السادس
الحُجَّة الشخصية (الشخصَنة)
argumentum ad hominem
خُذِي رأيي وحَسْبُك ذاكَ منِّي … على ما فيَّ من عِوَجٍ وأَمْتِ
المعري
هي أن تحاول تسفيه حجةٍ ما بالقَدح في الشخص الذي يعبر عنها فيبدو كأن العكس قد ثبت.
هنري هازلت
الحُجةُ حجةٌ، وأنتَ لا يسعُك إلا أن تأخذ حُجَجَهم بعين الاعتبار ما دامت صائبة، أما الشهادة فيجوز لك أن ترفضها.
صموئيل جونسون، الحياة، ١٧٨٤ م
***
تعني مغالطة «الحجة الشخصية» argumentum ad hominem أن يعمِدَ المغالِطُ إلى الطعن في «شخص» القائل بدلًا من تفنيد «قوله»، أو قتل «الرسول» بدلًا من تفنيد
стр. 55
«الرسالة»، إن ما يحدد قيمة صدق عبارة، وما يحدد صوابَ حُجة، هو في عامة الأحوال أمرٌ لا علاقة له بقائل العبارة أو الحجة من حيث شخصيته ودوافعه وسيكولوجيته، فعبارة «٢ + ٢ = ٤» هي عبارة صحيحة سواء كان قائلها عدوًّا أو مغرضًا أو معتوهًا أو كافرًا، وإن ما يحدد قيمة الصدق في عبارة «السماء تمطر» هو، ببساطة، الطقس المحلي، وهو شيء قائم «هناك» ومستقل تمامًا عن شخص القائل.
وأنتَ تقع في هذه المغالطة حين تقوم في معرِض الجدل بمهاجمة شخص الخصم بدلًا من مهاجمة حجته، فيبدو، بالتداعي association، كأن حجته قد دُمِغَت، مثله، وأصيبت، والحق أنك قد تسدد سهام النقد إلى شخص خصمك (بواعثه ودوافعه، صدقه وإخلاصه، أهوائه وأغراضه، ذكائه وفهمه … ) فتُدميه وتُصْمِيه وحجته بعدُ حيةٌ تُرزَق! فهي من حيث هي حجة تبقى سالمة لم يمسسها سوء، وإن حامت حولها الشكوكُ لحظةً واكتنفتها الرِّيَب، (١) انظر إلى المثال التالي:
«أنتم تعرفون جميعًا أن النائب «س» كذاب غشاش وغير موثوق بذمته المالية ومستفيد أول بخفض الضرائب، فكيف توافقون على مشروعه الضريبي المطروح؟»
قد يكون النائب «س» كذابًا حقًّا ومغرضًا ولديه مصلحة مكتسبة في المشروع الضريبي المطروح للمناقشة، غير أن هذا لا يمس المشروع من حيث هو مشروع، وما هكذا ينبغي أن تناقَش المشروعات، إنما يَجْمل أن نتجه إلى المشروع مباشرة ونُبين ما له وما عليه، لا أن ننصرف إلى شخص القائل بالطعن والتجريح، ونحوِّل مناقشة المشروع من تحليل اقتصادي إلى تحليل سيكولوجي، ونحول منصةَ المجلس من منبرٍ للرأي إلى مسلخٍ للبشر.
هناك أربعة أنواع من مغالطة الحجة الشخصية:
(١) القَدح الشخصي (السب) ad hominem-abusive.
(٢) التعريض ب «الظروف الشخصية» ad hominem-circumstantial.
(٣) مغالطة «أنت أيضًا» (تفعل هذا) tu quoque.
(٤) تسميم البئر poisoning the well.
стр. 56
(١) القَدح الشخصي (السب) ad hominem-abusive
أَقِلِّي اللومَ عاذِلَ والعِتابا … وَقُولي أنْ أصَبْت لقد أصابا
جرير
في هذا الصنف من المغالطة يقوم القدحُ الشخصي بصرف الانتباه «عن» الحجة الأصلية «إلى» شخص قائلها وعيوبه ومثالبه، فيبدو، من خلال التداعي السيكولوجي، كأن حجته أيضًا هي معيبةٌ مثله!
أمثلة
(١) «إن سياسات لنكولن كلها حمقاء مفسدة، فهو سكير وقرد وبليد ومأفون ومضلل» (صحافة الجنوب في ستينيات القرن التاسع عشر).
(٢) «لا أثق في فلسفة فرنسيس بيكون؛ لقد كان رجلًا غير أمين، وقد جُرِّد من منصب قاضي القضاة لتقاضيه رشاوى.»
(٣) «لماذا أبالي بآراء هؤلاء الصحفيين؟ إنهم حفنة من المرتزِقة.»
(٤) «كان ألبرت أينشتين موظفًا حقيرًا يوم كتب نظرياته؛ إذن الطاقة لا تساوي الكتلة مضروبةً في مربع سرعة الضوء.»
(٥) «والآن نأتي إلى اقتراح السيد سليم النقيب بضم الشركتين معًا، لم أكن أود أن أنكأ جروحًا قديمة ولكني مضطر إلى أن أُطْلِعَكم على محاضرَ تفيد بأنه كان متورطًا منذ عشر سنوات في قضية تحرش وفي قضية سُكْر.»
في الأمثلة السابقة نجد الصورة المنطقية التالية:
«س» يقدم الدعوى «ق»،
«س» يتصف بالعيب «ك»؛
إذن الدعوى «ق» باطلة.
стр. 57
إن القدح الشخصي ليس مغالطة بحد ذاته، إنما تأتي المغالطة حين نجعل العيب الشخصي أساسًا لرفض دعوى غير ذات صلة بهذا العيب، فالحجج إنما ينبغي أن تقوم على أرجلها الخاصة أو تسقط بعيبها الخاص.
(٢) متى يكون القدحُ الشخصي غير مغالط
هناك مواطن وسياقات يكون فيها شخص القائل ذا صلة بالدعوى المطروحة: في الحملات الانتخابية مثلًا وفي مقابلات التوظيف وفي الشهادة القضائية تكون السمات الخلقية، وربما الجسدية، هي المسألة المعْنِيَّة على وجه التحديد، فنحن لا نتصور مصرفًا على استعداد لتعيين موظف غير أمين، ولا ناخبين يسرهم التصويت لمرشح غير ذكي أو سياسي غير مخلص، وفي سياق استجواب الشهود في المحاكمات القضائية، وفي كل سياق يتضمن «شهادة» testimony لا «حجة» argument في واقع الأمر، يكون الطعن في شخص الشاهد، من حيث السمات الأخلاقية والسلوكية والكفاية العقلية والإدراكية واتساق عباراته، غير خارج عن موضوع الشهادة وبالتالي غير مغالط من الوجهة المنطقية.
ربما يستند ذلك إلى «استدلال استقرائي» inductive inference مفاده أن الشخص الذي سبق له أن أدلى بمعلومات غير صحيحة أو اعتاد سلوكًا غير قويم في الماضي هو شخص قمين بأن يفعل مثل ذلك في المستقبل، صحيح أن الاستدلال الاستقرائي هو استدلال ظني في أفضل الأحوال، غير أنه كفيل في مواضع كثيرة أن يجرح الشهادة أو الجدارة وأن ينقل عبء البَيِّنة.
في ضوء هذه الحالات التي يكون فيها القدحُ الشخصي غيرَ مغالط يليق بنا أن نعدل الصورةَ المنطقية للمغالطة الشخصية، لتغدو أكثرَ تحوطًا ودقة، إلى الصورة التالية:
«س» يقدم الدعوى «ق»،
«س» يتصف بالعيب «ك»،
«ك» غير ذي صلة بالدعوى «ق»؛
إذن الدعوى «ق» باطلة.
стр. 58
(٣) التعريض بالظروف الشخصية
«الحجة الشخصية الظرفية» ad hominem-circumstantial
في هذه المغالطة «يكتفي» المغالِط بأن يشير إلى أن ظروفَ خصمِه الخاصة هي التي ألجأته إلى تبني الرأي الذي يتبناه وأن له مصلحة مكتسبة في أن يمرر هذا الرأي ويسود، ونحن لا نريد أن نُهوِّن من سطوة الظروف والمصالح بشتى أنواعها على سيكولوجية الفرد وطريقة تفكيره، غير أننا إذا شئنا أن نتناول حُجَّة الخصم تناولًا منطقيًّا فإن ظروفه الخاصة لا يعود لها ثقلٌ منطقي ولا تعود لها صلة بالحجة بما هي حجة argument qua argument.
أمثلة
(١) «أنت تقول بأن خطط المحافظين الضريبية كفيلة بتقليص ميزانية الخدمات الصحية، ولكنك ليبرالي وتود لو تتخلص من الخدمة الصحية برمتها.»
(٢) بالطبع نحن لا نتوقع منك إلا أن تؤيد قرار رفع ميزانية التسليح، فقد عرفنا أنك تعمل في مؤسسة كبرى لتجارة الأسلحة.
(٣) نفهم أنك لا بُدَّ أن تبغض نظرية التطور evolutionism، فأنت كاهنٌ تعِظ بنظرية الخلق creationism ليلًا ونهارًا، وتكسب قوتَك من تلاوة سفر التكوين Genesis.
(٤) إن لك عذرًا في أن ترى هذا الرأي الخاطئ، فأنت من عُتاة الديمقراطيين (الجمهوريين، الشيوعيين، الإسلاميين، … إلخ).
(٥) أنت بورجوازيٌّ مرتهنٌ لوضعك الطبقي، معصوبُ العين عن رؤية أي شيء يتجاوز مصالحك الطبقية، ومِن ثَمَّ فإن كتاباتك لا قيمة لها مهما بلغت مزاياها الشكلية والأسلوبية.
إننا نولي انتباهًا شديدًا لصراع المصالح في سياقات كثيرة: وبخاصة السياق القضائي والصحفي والسياسي والتجاري، ولدينا في ذلك كل الحق، فنحن نطالب قضاتنا، على سبيل المثال، بإعفاء أنفسهم من القضايا التي يمكن لمصالحهم الشخصية أن تؤثر فيها
стр. 59
على قرارهم النزيه، ونحن نجزع كثيرًا إذا اكتشفنا أن قادتنا السياسيين إنما تسهم في تمويل حملاتهم الانتخابية شركات لديها مصلحة في منحاهم السياسي الخاص ومنهجهم في إقرار المشروعات، لقد عَلَّمتنا التجارب أن القرارات تتأثر بالمصالح المكتسبة لصانعها، وإن لدينا ما يدفعنا إلى الاحتياط والتوقي بإزاء صراعات المصالح.
وإنما تفعل مغالطةُ الظروف الشخصية فعلها لأنها تحاكي حذرنا المشروع من صراع المصالح أو تلعب على وتره، غير أن الحجج شيءٌ والقرارات شيءٌ آخر: فقد يؤدي صراع المصالح بشخص ما إلى التفكير الخطأ وبالتالي إلى القرار الخطأ، غير أن صراعه الخاص ينبغي ألا يؤثر على تقييمنا لحُجَّته، وعلينا أن نُقرر أنقبل حجته أم لا نقبلها، فالقرار الآن هو قرارُنا نحن لا قراره، وعليه فمن الحصافة الآن أن نتوقى صراع مصالحنا نحن، أما صراع مصالحه فهو تشتيت خارج عن الموضوع.
(٤) أنت أيضًا (تفعل ذلك) Tu quoque
يا أيها الرجلُ المعلِّم غيره … هلَّا لنفسِك كان ذا التعليمُ
لا تنهَ عن خُلقٍ وتأتِ بمثله … عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ
؟؟
يُحرِّم فيكم الصَّهباء صبحًا … ويشربها على عمدٍ مساءَ
إذا فعل الفتى ما عنه يَنْهَى … فمن جهتين لا جهةٍ أساءَ
المعري
تعني عبارة tu quoque: أنت أيضًا؛ أي أنت أيضًا تفعل ذلك، هنا يقلب المغالط الطاولة على خصمه، باعتباره لا يفعل ما يعِظُ به، أو لا يجتنب ما يَنهَى عنه، ويظن المغالط أنه قد تم له بذلك تفنيد الخصم ورد سهمه إلى نحره، وكأن الخطأ يُشَرِّع الخطأ أو كان «خطأين يصنعان صوابًا» two wrong make a right.
стр. 60
أمثلة
(١) أقلِع عن التدخين يا بني فهو ضار بالصحة متلِف للمال. لستُ أقبل حجتك يا أبي فقد اعتدتَ أنتَ نفسك التدخينَ حين كنتَ في مثل سني.
(٢) «كيف أستمع إلى نصيحة هذا الطبيب بخفض وزني إذا كان هو نفسُه بدينًا كالدب؟!»
تعمِد هذه المغالطة إلى صرف الانتباه عن حجة الخصم إلى سلوكه، أو إلى أفكاره الأخرى، الراهن منها أو الماضي، فالحق أن تورط الخصم في ذات الخطأ لن يُحوِّل الخطأ إلى صواب، وأن الدفع بتورط الغير في الفعل نفسه إنما هو تشتيت لا صلة له بصدق التهمة الأصلية، على أنه تكتيك يضلل الخصم عن صُلب الموضوع ويؤثر تأثيرًا بالغًا في مسار الجدل، إذ إنه يضع الخصم في موضوع دفاع وكثيرًا ما يستنفد جهده في الدفاع عن نفسه! إن المغالط هنا لم يتناول التهمة المطروحة ولم يُجب عن السؤال الموجه، بل حَوَّل التهمة ببساطة إلى الخصم أو السؤال إلى السائل! لقد خرج عن الموضوع وغالط لأن اتهامه للخصم حتى لو صَحَّ فهو لا يمس التهمة الأولى ولا يتصل بالسؤال الأصلي، وأقصى ما يمكنه تحقيقه هو أن يثبت أن الخصم منافق لا أن حجته باطلة.
ولعل أفضل تَصَرُّف تأتيه إذا واجهك خصمُك بهذه المغالطة هو أن تبتسم معترفًا، ثم ترده في الحال إلى حجتك الأصلية التي لم يَرُد عليها بعد، بذلك تحبطه عن تشتيتك وإخراجك عن الموضوع، وبوسعك، إن شئت، أن ترجئ انتصافك لنفسك إلى مقام آخر.
(٤ - ١) دفع الظلم بالظلم
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ (المؤمنون: ٩٦).
أجدَرُ بمن ذاق مرارة الظلم أن يُعفِي منه ضحايا جُدُدًا.
يبدو أن العدالة تقتضي أن يكون الطرف المتضرِّر هو نفسه بريء الساحة، يتجلى ذلك فيما نأخذ به عادةً من مبادئ تحملنا على كفِّ الملام عن الطرف المتهم إذا كان المجني عليه يرتكب الفعلَ ذاتَه:
من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر.
اللي بيته من إزاز
стр. 61
وكثيرًا ما يُستغل هذا الميل الفطري لدى البشر لخلق تعاطفٍ مع المتهم وصرف الانتباه عن جريمته النكراء بتبيان أن المتضرِّر نفسه يرتكبها، ذلك منطقُ الاستحلال والاستباحة، وهو منطق مغلوط؛ لأنَّ قُصارَى ما يمكن أن يبرهن عليه هو أن الطرفين كليهما على خطأ.
لا شك أنَّ العدالة تقتضي المعاملة بالمثل، غير أنَّ هذا المبدأ نفسه لا يجعل من الخطأ صوابًا، وإلا اختلطت الأمور واغتُفِرت الجرائم وبُرِّئَ المجرمون، بل كوفِئوا، بالنظر إلى أن الآخرين قد ارتكبوا في حقهم نفس الظلم.
تتغذى العداواتُ والضغائن، بين الأفراد وبين الشعوب، على هذه المغالطة العتيدة، وعليها تقوم جريمة الثأر وتجد تبريرًا وجيهًا، فمظالم الماضي تظل حيةً صارخةً تُفسد على الناس حاضرهم وتهدِّد مستقبلَهم، إنما الدولة هي مَنْ يتولَّى تصويب أخطاء الأفراد، والمجتمع الدولي هو مَنْ ينبغي عليه أن يتولى تقويم زيغ الشعوب؛ حتى لا نقنع بدفع الظلم بالظلم وتصويب الخطأ بالخطأ.
(٤ - ٢) خطآن يصنعان صوابًا Two wrongs make a right
تُعَد مغالطة «أنتَ أيضًا» فرعًا من مغالطةٍ أعمَّ هي «الإشارة إلى خط آخر» pointing to another wrong أو «خطآن يصنعان صوابًا»، حيث يُستبدَل بضمير المخاطب second person ضمير الغائب third person، في هذه المغالطة الأعم يتذَرَّع المغالِطُ بأن هناك من يصنع الشيء نفسه، أو يُنوِّه بأن الخطأ الذي يرتكبه إنما هو حقيقة قائمة في طرف آخر من أطراف الأرض وأمرٌ واقع في بقعةٍ أخرى من بقع العالم.
ليشتدَّ التعذيب في سجوننا، فإن التعذيبَ لَشديدٌ في سجونٍ أخرى من العالم.
لماذا كلُّ هذا الجزع من الفساد في بلادنا، إن الفساد لينخر في أرقى بلاد العالم.
لقد وقع ظلمٌ من قبل على البولنديين في وارسو، ينبغي إذن أن يقع ظلمٌ مماثل على الألمان في برسلو.
وقد تتمادى المغالطة في الشطط والغلو حتى تأخذ المُفترَض المقَدَّر مأخذ الواقع الحاصل! وتتخذ صيغة «هو أيضًا كان جديرًا أن يفعل ذلك لو استطاع»، أو «هم أيضًا كانوا سيفعلون نفس فعلتنا لو وضعوا موضِعنا» … إلخ.
стр. 62
لنسرق هؤلاء اللصوص فإنهم لو تمكنوا منا لجرَّدونا من ثيابنا.
لنخرب ديارهم ونُيتم أطفالهم، فوالله إنهم لو حُكِّموا فينا لما فعلوا أقل من ذلك.
يجسِّد المتنبي هذا المنطق تجسيدًا بديعًا يستبد بالذاكرة ويجري مجرى الأمثال:
ومَن عَرَف الأيامَ معرفتي بها … وبالناس روَّى رُمحَه غيرَ راحمِ
فليس بمرحومٍ إذا ظَفِروا به … ولا في الرَّدى الجاري عليهم بآثم
يريد أن مَنْ عرف الناسَ حقَّ المعرفة - كمعرفته هو بهم - قتلهم غيرَ راحمٍ لهم؛ لأنهم إذا ظفروا بغريمهم لم يرحموه، فإذا قتلهم، إذن، فلا إثم عليه، على أنه إذا لم يبادر بقتلهم فإنهم ميتون حتف أنفهم على كلِّ حال!
•••
كان فرنسيس بيكون، الفيلسوف الإنجليزي الكبير، يتولى منصب قاضي القضاة في عهد جيمس الأول، وفي عام ١٦٢٠ تم عزله وإدانته بتقاضي رشاوى (في صورة هدايا) من كلا الطرفين المتنازعين في القضايا التي تولاها، وقد تعلَّل جميعُ كُتَّاب سيرته الذاتية بأن تقاضي هدايا من كلا الطرفين المتنازعين كان عُرفًا شائعًا على نطاقٍ واسع في ذلك العصر، ومن الدالِّ حقًّا في هذا الصدد أن بيكون نفسَه لم يستند إلى هذه الحجة حين تحدث في المحاكمة بالأصالة عن نفسه، بل قال ببساطة: «لا أُبرِّئُ نفسي، إنني لأعترف بصراحةٍ ووضوحٍ بأنني مذنبٌ بالفساد، وإنني لأرفض كل الدفوع، وإنما أناشد سيادتكم فحسب أن تأخذكم الرأفةُ بقصبةٍ منكسرة.»
(٥) تسميم البئر Poisoning the well
تلك المحاولة الدنيئة من جانبه لكي يشق الأرض من تحت قدمي - يسمِّم مقدمًا عقول الناس ضدي، أنا جون هنري نيومان، ويغرس في مخيلة قُرَّائي الشك والارتياب في كل شيء عساني قائله في الرد عليه، ذلك أسميه تسميم الآبار.
الكاردينال جون هنري نيومان
стр. 63
أنْ تُسمم بئرًا هو أن تبادِرَ بضربةٍ وقائية ضد خصمك، وتَصِمه بأن لا يُولي الحقيقة أي اعتبار فيتضمن ذلك أنه مهما يقل فيما بعد فلن يثقَ به أحد، قد يكون التسميم، شأنه في ذلك شأن الحجة الشخصية الاعتيادية، إما بالسب abusive وإما بالتعريض بالظروف الشخصية circumstantial.
أمثلة
(١) لا تصدق ما «سيقول»، إنه وغد. (تسميم بالسب.)
(٢) ليس سوى مأفون مَنْ يعارض إضافة الفلورين إلى الماء. (تسميم بالسب.)
(٣) إن خصمي طبيب أسنان وبالطبع سوف يُعارض إضافة الفلورين إلى الماء، فذلك سوف يُفْقِده كثيرًا من الزبائن. (تسميم بالتعريض بالظروف الشخصية.)
(٤) لَكَم كنت أود لو بإمكان الرجال أن يتفهموا هذه المسألة (الإجهاض)، غير أنهم بحكم موقعهم الذكوري لا يملكون رؤية هذا الأمر من منظور المرأة، وكم كنت أتمنى لو أن هناك عددًا أكبر من النساء في هذا المجلس لكي يتحدثن في هذا الشأن من زاوية نسوية، فالرجال لا ناقة لهم فيه ولا جمل، ولا ينبغي أن يُصدروا فيه حكمًا، وإن أصدروا فليحفظوه لأنفسهم. (تسميم بالتعريض بالظروف الشخصية.)
(٥) هذا رجل فاشي معروف، وأي رأي يبدر منه «سيكون» محل ارتياب ويصب في مصلحة العدو في نهاية المطاف. (تسميم بالسب.)
الفرق، كما ترى، بين تسميم البئر وبقية ضروب الحجة الشخصية، هو أن التسميم يتم مقدَّمًا؛ أي قبل أن يأخذ الخصم فرصةً لعرض قضيته، وقد يكون له تأثير عظيم على مسار الجدل وقد يحبط المعارضة ويعيقها بدرجة كبيرة، وعلى كل من يدخل نقاشًا كهذا أن يخطو بجسارةٍ فوق الإهانة وأن يلج إلى صميم الموضوع، والحق أن تسميم البئر ليس مغالطة بالمعنى الدقيق؛ لأنه ليس حجة، إنه أشبه، بالأحرى، بشَرَك غفلةٍ منصوبٍ لكي يغري الجمهور الغافل بارتكاب مغالطة الحجة الشخصية ad hominem، وعلينا في هذا المقام، كما في غيره، أن نتذكر أن الحجة ينبغي أن تقف على أرجلها الخاصة أو تسقط بعيبها الخاص، بغض النظر عن شخص قائلها أو عيوبه.
стр. 64
الفصل السابع
الاحتكام إلى سُلطة
ad verecundiam; appeal to authority
إياك واحذر أن تكو … نَ من الثِّقات على ثِقَة
ابن فارس
كذبَ الظنُّ لا إمام سوى العقـ … ـل مُشيرًا في صبحِه والمساءِ
المعري
***
يعني «مذهب السلطة» (في الأخلاق وغيرها) authoritarianism أنَّ المصدر النهائي للمعرفة هو سلطةٌ من نوعٍ ماء، سلطةٌ قيِّمة على أمرٍ بعينه، قد تكون هذه السلطة نظامًا كالكنيسة، أو نصًّا كالكتاب المقدس، أو قانونًا أخلاقيًّا أو مدنيًّا، أو شخصًا، سلطة أهل العلم والاختصاص كل في مجاله، في العصور الوسطى المتأخرة، على سبيل المثال، صارت فلسفة أرسطو عقيدةً راسخة لا تناقش وكانت أقواله تُستحضر لحسم
стр. 65
الجدال لا لإثرائه، وقد بلغ شخص أرسطو من الجلال والهيبة بحيث صار يعرف ب Ille Philosophus (الفيلسوف، بألف لام التعريف)، وصار الاستشهاد بقوله يعرف ب ipse dixit (هو، نفسُه، قال … )
يقع المرء في مغالطة «الاحتكام إلى سُلْطة» ad verecundiam عندما يعتقد بصدق قضية أو فكرة لا سند لها إلا سلطة قائلها، قد تكون الفكرة صائبة بطبيعة الحال، وإنما تكمن المغالطةُ في اعتبارِ السلطة بديلًا عن البيِّنة، أو اتخاذها بينةً من دون البينة!
لا بأس على الإطلاق في الاحتكام إلى سلطة، وإننا لنحتكم بالفعل إلى سلطة الخبراء في كلِّ مجال كلَّما أعوزتنا الخبرة أو المعرفة الكافية في ذلك المجال، فالمعرفة تخصصٌ، والخبراء هم الأشخاص الذين نذروا عمرهم في دراسة مجالٍ بعينه والتمرس به حتى حصَّلوا فيه معرفةً تجعلهم أبصر بأصوله وفروعه وأقربَ صلةً بالحقيقة في شئونه وشجونه، ومِن ثَمَّ فإن لنا كل الحق في أن نستفتيهم ونسألهم الرأي والمشورة في مجالهم لأن لدينا ما يدعونا إلى الاعتقاد بأن رأيهم في ذلك أقوم من رأينا وخبرتَهم أصدقُ من خبرتنا، فإذا ألمَّ بالمرء مرضٌ لا خبرة له به فإنه يلجأ إلى الطبيب المختص ويأخذ بمشورته ويتبع إرشاداته، وإذا استعصى عليه خلل بجهاز الحاسوب فإنه يلجأ إلى خبيرٍ بالحواسيب ليُصلح له الخلل، وهكذا الحياة وبخاصة في العصر الحديث: تخصصاتٌ وأفرعٌ موكلٌ بها خبراءُ متخصصون نثق برأيهم ونأتمر بأمرهم ونحتكم إلى سلطتهم، ليس في الأمر هنا حجبٌ للدليل أو استهانة بالبينة، بل توجُّهٌ إليهما والتماسٌ لهما (في مظانِّهما)! فما جعل الخبيرَ خبيرًا في نظرنا إلا ثقتنا بأن عنده الدليلَ ولديه البيِّنة.
على أن الأمور على صعيد الواقع لا تسير دائمًا هذا السير الهَيِّن ولا تسلك دائمًا هذا الجَدَد الآمن، يبدأ التعثر والوقوع في الاحتكام المغالط إلى السلطة في الأحوال التالية:
(١) إذا كان الاحتكام إلى السلطة غير ضروري
ذلك أن كثيرًا من الأمور تخضع للملاحظة المباشرة أو الحساب المحض، هنالك يلتقي المرءُ التقاءً مباشرًا بالبينة ويكون الالتجاء إلى السلطة لطلب البينة هو عبث لا معنى له وكسل يستوجب اللوم، إنه أشبه بالتيمم وقد حضر الوضوء! ذلك أن الملاحظة المباشرة أعلى يقينًا من السلطة وتجُبُّ أيَّ سلطة، هكذا كانت ثورة «النهضة» ضد سلطة أرسطو وسلطة الكتاب المقدس، تلك الثورة التي أعقبت تطورًا علميًّا حقيقيًّا لم تشهد البشرية مثلَه في العصور السوالف، لقد كان رأي أرسطو في العصور الوسطى يؤخذ مأخذ
стр. 66
التسليم حتى في الأمور الإمبيريقية التي تمكن معرفتُها بسهولة بواسطة الملاحظة، وكأن ذهن أرسطو أصدق رؤية من نواظر الخلق!
كذلك كان يستَشهَد بالكتاب المقدس كسلطةٍ لا مُعقِّب لها، حتى في المسائل التجريبية والرياضية ومن الطريف أن قيمة ال pi (النسبة بين طول محيط الدائرة وقطرها، ط) كانوا يدعون أنها ثلاثة استنادًا إلى فقرات معينة بالعهد القديم! غير أن قيمة ط هي مسألة رياضية يحددها علم الحساب (وهي اثنان وعشرون على سبعة) والالتجاء فيها إلى السلطة هو أمر غير ذي صلة.
وكيف تنسى البشرية زمنَها الذي ضاع ودماءَها التي أُريقت من جراء الخضوع لسلطة الكنيسة طيلة العصور الوسطى، حين ارتهن الناسُ لديها حواسَّهم وملكاتهم الإدراكية التي أُودِعوها لتكون أوثقَ الأدلة وأصدقَ الرسل، وأُخذوا على الاعتقاد بأن الشمس تدور حول الأرض فهكذا يقول الكتاب المقدس ولو كان كتابُ الكون يقول غير ذلك، وأخذوا على الاعتقاد بأن تاريخ البشر على الأرض لا يعدو السبعة آلاف سنة، ولو دَلَّ علمُ الحفريات على أنهم أقدم من ذلك بما لا يُقاس.
(٢) إذا كانت الدعوى غير داخلة في مجال خبرة الشخص الذي يُحتكَم إليه كسلطة
حين يطرح الشخص دعوى معينة في مسألة تخرج عن نطاق خبرته فإنه لا يعود خبيرًا في هذا السياق الجديد، ولا يعود بإمكانه أن يدعم رأيه بالدرجة المطلوبة من الخبرة، ولا يعود هناك فرق بين رأيه في هذا الأمر ورأي سواه من عامة الناس، لقد تركَته سلطته لدى الباب فدخل وحده وصار في هذا المجال الغريب واحدًا من «غير المتخصصين» laymen.
ومن الأهمية بمكان أن نتذكر في هذا الصدد أن تضخم المعارف في العصر الحديث قد جعل التخصص الدقيق فرضًا محتَّمًا على كل من يريد أن ينجز في العلم إنجازًا حقيقيًّا وتستوي لديه خبرةٌ كافية في مجالٍ ما، الأمر الذي يجعل الخبراء الحقيقيين في أغلب الأحيان على غير دراية كبيرة بما يقع خارج تخصصاتهم، ليس هذا فحسب، بل إنه كثيرًا ما يحدث أن يكون تعليم المرء وخبرته في ميدان معين عائقًا فعليًّا في وجه قدرته على إصدار أحكامٍ خبيرة في ميدان معين آخر، يُطلق على هذا الصنف من العجز الناجم عن التمرس الكبير بمجال معين «العجز المكتسب» learned incapacity، فالتعليم العلمي مثلًا قد يحول بين المرء وبين إصدار أحكام في الميدانين الفني والأدبي.
стр. 67
ومن الأمور الشائعة في عصرنا - ذلك الاستغلال للسلطة، المُسمَّى بالإعلان عن طريق الشهادة testimonial advertising، حيث يقوم نجوم الشاشة والرياضة ومعبودو الجماهير في مختلف الميادين بالإعراب عن إعجابهم بأنواع من السجائر والصابون وغير ذلك من السلع، ففي كل الأحوال تقريبًا لا تكون لهذه الأحكام أية قيمة مشروعة؛ لأن العلاقة بين من يصدر الحُكم وبين السلعة هي ذاتها العلاقة بين المستهلك العادي وبين هذه السلعة ذاتها، فعندما تعلن ممثلة السينما الآنسة «س» أنها تُدخِّن سيجارة من نوع «ص» وحده، فإنها لا تعبر دون شك إلا عن تفضيل شخصي، قد لا يكون أعمق في نقده أو تحليله من رأي المدخن العادي، والنتيجة الضمنية التي يودُّ المُعلِن أن يحملها إلى أذهان الجمهور هي أن ذوقها في السجائر على مستوًى يتناسب مع شهرتها من حيث هي شخصية من شخصيات الشاشة، أما مسألة كون المعلن ينجح في ذلك أم لا، فينبغي أن تُترك للمسئولين عن ميزانيات هذا النوع من الإعلان، فلا بُدَّ أن يكون أصحاب الإعلانات مقتنعين بأن الإهابة بسلطة النفوذ هي وسيلة مُربحة. (١)(٣) إذا كان هناك خلاف بين الخبراء في المسألة المعْنِيَّة
في هذه الحالة تكون كل من الدعوى ونقيضها مدعمًا برأي بعض الخبراء الثقات، بحيث لا يعود ممكنًا حسم المسألة بمجرد الالتجاء إلى رأي الخبراء.
ثمة مجالات علمية كثيرة تعجُّ بالخلافات الداخلية بين أهلها حتى في المسائل المحورية والأسس الكبرى للتخصص، من هذه المجالات علم الاقتصاد، فقد يذهب بعض خبرائه الثقات إلى أن «العجز» هو العامل المفتاحي في مجال الاقتصاد بينما يذهب آخرون، ليسوا أقل خبرة، إلى العكس، من ذلك تمامًا، ومن المجالات المشهرة بالخلافات بين خبرائها علم النفس والطب النفسي، حيث نجد مدارس مصطرعة بينها شقاق حاد في تصور السواء والمرض وفي منهج التشخيص والعلاج.
يتبين من ذلك أن الخبير الذي يُحتكَم إليه في شأن من الشئون التخصصية قد لا يكون ممثلًا لرأي جميع الخبراء في ذلك المجال، والحق أنه في قطاعات كبيرة من البحث
стр. 68
البشري يكون بوسع المرء أن يجد خبيرًا يدعم له أي رأي يراه أو موقف يريده، يذَكِّرنا ذلك بالقول المأثور: «افعل أي شيء تقررُه وستجد نصًّا يُبررُه!»
ذلك أن الخبراء هم في النهاية بشر، يُصيبون ويخطئون، حتى في مجال تخصصهم، ولعل هذا هو ما يُبرر أخذ «رأي ثانٍ» (وربما ثالث) في الحالات الطبية حين يكون تشخيصها غامضًا غير محسوم، يَفهَم أغلبُ الناس المغزَى في أخذ رأي ثانٍ حين يتعلق الأمر بحياتهم وصحتهم، غير أنهم كثيرًا ما يتشبثون برأيٍ واحد لا يمثل آراء الخبراء جميعًا حين يكون هذا الرأي موافقًا لهواهم ومدعِّمًا لتحيزاتهم.
(٤) إذا كان الخبير متحيزًا أو تكتنفه شبهة التحيز
قلنا إن الخبراء بشر، والبشر غير معصومين من التحيز والهوى كيفما كانوا، وليس ثمة شخص يمكنه أن يدَّعي الموضوعية المطلقة، ومهما يبلغ أحدنا من النزاهة والحياد يبقَ لديه شيء من الهوى والميل تجاه آرائه الخاصة، وربما كان علينا أن نقبل درجةً ما من التحيز لدى كل شخص ما دامت ضئيلة الأثر، أما في الحالات التي يكون الخبير فيها في موقع يميل به ميلًا شديدًا في اتجاه رأي بعينه فإن لنا كل الحق في أن ننصرف عن الاحتكام إلى رأيه بوصفه «مجروحًا» على أعلى تقدير، من ذلك على سبيل المثال نتائج أبحاث خبراء طبيين عن أضرار التدخين على غير المدخنين حين تمولها شركات التدخين الكبرى ذاتها!
قد يأخذ التحيز والميل ألوانًا أخرى عديدة، من ذلك أن الخبير قد يتأثر بموضعه الشخصي ومآزقه الخاصة، فالمحامي الذي يدافع عن نفسه، والطبيب الذي يحاول تشخيص مرضه الخاص (أو مرض أحد أبنائه)، هو عُرضة للميل والحيود، وقمين بالخطأ الناجم عن التفكير الآمل Wishful thinking أو الخوف.
(٥) إذا كان مجال خبرة ذلك الخبير هو علم زائف أو مبحث معرفي غير مشروع
الخبرة بالوهم ليست خبرة على الإطلاق، ولا قيمة من ثم لأي خبرة مهما كبرت، ومهما ازدانت بالشهادات والرُّخص، إذا كان مجالها نفسه علمًا زائفًا أو مبحثًا معرفيًّا كاذبًا، من ذلك على سبيل المثال لا الحصر: التنجيم astrology والفأل، الفراسة وتحديد الشخصية من شكل الجمجمة phrenology، العلاج بطرد الأرواح الشريرة.
стр. 69
(٦) إذا كانت الخبرة، أو الفتوى، غير معاصرة
لأن المعرفةَ تتقدم بسرعةٍ هائلة، والتقدم في المعرفة يكاد يكون مرادفًا للمراجعة والتصحيح، الأمر الذي يجعل كثيرًا من الآراء العلمية عرضةً للنسخ والتعديل خلال سنواتٍ قليلة وربما أشهر.
(٧) إذا كان الخبير المزعوم مجهولًا أو غير محدد
حين تكون السلطة غير محددة فإنه يكون من المحال التحقق مما إذا كانت تلك سلطة على الإطلاق، وكثيرًا ما يلجأ الناس إلى تدعيم مواقفهم بادعاء أنها مصدَّقة من جانب خبراء ثقات أو مؤسسات أو منظمات، دون تحديد شيء من ذلك بالاسم، ودون ذكر البينة التي تستند إليها هذه المنظمات أو أولئك الخبراء، وكثيرًا ما يُشار إلى هذه السلطة المجهولة بلفظ عام من قبيل: «العلماء»، «الأطباء»، «القادة»، «المختصون»، أو حتى بمجرد «شخص ما»، «هم يقولون»، «قرأت في صحيفة»، «قرأت في بحث»، «شاهدت في التلفاز» … إلخ.
والحق أننا كثيرًا ما نُشير باللفظ العام إلى فئة الخبراء، ويكون ذلك معقولًا تمامًا وبخاصةً إذا كان هناك إجماع بين أهل المجال على الرأي الذي نطرحه، والأجدى على كل حال أن نشفع ذلك بذكر البينة التي تستند إليها هذه السلطة غير المُسماة، غير أن الأمور ليست دائمًا بهذه البراءة، فكثيرًا ما يدل هذا الأسلوب على التميع والغموض وعدم الإلمام بالمسألة، وإلا فإن ذكر الخبير بالاسم ليس بالأمر العسير، وكثيرًا ما يتبين أن الدعوى المطروحة هي مجرد إشاعة، والإشاعات كما نعلم هي دعاوى مجهولة المصدر في الأغلب الأعم، وكثيرًا ما تُنسَج عمدًا لتشويه صورة الخصم.
أمثلة
(١) الشمس تدور حول الأرض لأن الكتاب المقدس يقول ذلك بوضوحٍ لا لبس فيه.
(٢) يؤكد العالِم الكبير وليم جينكينز الحائز على نوبل في الفيزياء أن فيروس الإنفلونزا سوف يتم القضاء عليه بجميع أنواعه بحلول عام ألفين وخمسين، ومثل هذا العالِم الفذ لا يُستهان برأيه. (خبير في غير مجاله.)
(٣) ليس للتدخين كبيرُ ضررٍ على المدخنين، هكذا أثبتت دراسة فريق الأطباء الباحثين الذين يعملون لدى شركة مارلبورو. (خبرة متحيزة أو مجروحة.)
стр. 70
(٤) لقد حددتُ رقم حظي وتعرَّفت على شريك حياتي الملائم: لقد استشرت في ذلك الأستاذ جبور جبور الفلكي الشهير في عيادته. (مبحث معرفي زائف.)
(٥) يقول «المتخصصون» إن سنسوداين هو أفضل معجون يضمن سلامة الأسنان. (خبرة غير محددة.)
(٦) لا شكَّ أن برسيل هو مسحوق الغسيل الأفضل لجميع الألوان، هكذا أثبتت «الأبحاث العلمية».
(٧) لا أستعمل غير عطر أوبيام؛ لأنه أفضل العطور جميعًا، هكذا يقول عمر الشريف في الإعلان.
ومهما يكن من شأن السلطة وهيبتها وجدواها فهي في نهاية المطاف ليست معرفة من المنبع first hand بل معرفة بالوساطة second hand، وهي في نهاية المطاف معيار غير أساسي وغير مباشر، بل مشتقٌ من غيره ومتكئٌ على سواه، ويعلمنا التاريخ قديمه وحديثه أن السلطات تخطئ وتجهل وتتضارب وتصطرع، وتتخذ هي ذاتُها معايير للحق متباينة مختلفة؛ ولذا فإن المعرفة المستمدة من السلطة لا تعدو أن تكون «ظنًّا» أو «دوكسا»، ولا ترقى إلى أن تكون معرفة بالمعنى الدقيق للكلمة، ويجمل بنا بعد كل شيء أن نتجنب الاحتكام فلنشفعه بعرض البينة التي تستند إليها هذه السلطة بقدر ما يسعفنا الإلمامُ والفهم.
стр. 71
الفصل الثامن
مناشدة الشفقة (استدرار العطف)
Ad misericordiam; appeal to pity
إذا قِيل حلمًا قال للحِلم مَوضِعٌ … وحِلْمُ الفَتى في غير مَوضعه جَهْلُ
المتنبي
في الثمانينيات من القرن التاسع عشر أثبتَ الادعاء، في محكمة فرجينيا بالدليل الدامغ ضلوعَ صبي بقتل والديه بفأس، فما كان من الدفاع سوى أن دَفَعَ ببراءة الصبي قائلًا: «أليس يكفي أنه أصبح يتيمًا لا أحد يتولَّى أمره؟!»
ووَضْع النَّدى في مَوضِعِ السيف بالعُلا … مُضرٌ كوَضع السيف في موضِعِ النَّدى
المتنبي
***
стр. 72
العطف شعورٌ نبيل يتحلى به كل ذي أصلٍ كريمٍ، والشفقة عاطفة نبيلة يتسم بها كل ذي معدنٍ طيب، لا بأس قَطُّ باستدرار العطف والشفقة إذا استدعى السياق وخلصَت النية، إنما يكمن الخطأ في أن تسنِد إلى العطف وظيفةَ البَيِّنة، وأن تأخذ الشفقة مأخذ الحُجة.
أمثلة
(١) « … فَلتَأخُذكم الشفقة بهذه المتهمة يا حضرات القضاة، فإنها إذا أودِعتِ السجن فسوف تتحطم حياتها وحياة من تقوم برعايتهم. أليس الأَوْلَى أن ننقذ حياةً لا أن نحطم حياة؟» (ليست الشفقة هنا في غير موضعها فحسب (لم يذكر الدفاع حال المجني عليه الآن وحال عياله!) بل إنها خارجة عن الموضوع وغير ذات صلة بعملية الدفع.)
(٢) « … لا بُدَّ أن الحل الذي توصلتُ إليه لهذه المسألة الرياضية هو حل صحيح: لقد توصلت إليه بعد عناء خمس ساعات من اعتصار الفكر والتركيز المتصل.» (إن الفكرة الخطأ هي فكرة خطأ سواء كانت نتاجًا لخمس دقائق من التفكير أو لخمسة عقود! وإن الزمن الذي أُنفِق أو الجهد الذي بُذِل في فكرةٍ ما لا يُنبِئنا بشيء عن صوابها أو خطئها، إنه، ببساطة، خارج عن الموضوع.)
(٣) « … ينبغي تيسير الامتحانات على جميع الطلبة؛ لأنكم تعرفون مدى البؤس الذين يَرِين على الطالب المتوسط أو الضعيف حين يحصل على درجات متدنية أو حين يرسب.» (للحلم «موضعٌ» حقًّا، هو بالنسبة لهذا المثال في وزارة الشئون الاجتماعية لا في وزارة التربية والتعليم أو وزارة التعليم العالي، وما أفسد التعليمَ مثل هذا «التيسير» الذي يتملق الحشود ويذبح النوابغ ويطمس بَريقَهم ويُسوِّيهم بالأواسط الأنصاف mediocres، وينتخب ثُفالةً من الحَفَظة وعادمي المَلَكة يليق بهم القَعْر، ويضعهم على قمة الهرم الاجتماعي والعلمي، ثم يطلب منهم أن يجروا المجتمع إلى الأمام! وما هكذا تتقدم المجتمعات وتُقلع الأمم.) (١)(٤) « … كيف ترفض رسالتي للدكتوراه؟ لقد عكفتُ على كتابتها سبعَ سنواتٍ متصلة!»
(٥) «كيف تقول إن الكرة خارج الخط؟ إنها داخله، ثم إني مهزومٌ عشرة إلى واحد!»
стр. 73
(٦) «نحن نأمل أيها الزملاء أن تقبلوا خطتَنا التي تقدمنا بها، لقد بذلنا في إعدادها ثلاثة أشهر من العمل الإضافي المضني.»
(٧) «ينبغي أن تمنحني درجة A في هذا الفصل: إن جدتي مريضةٌ ولو سمعت بأني رسبتُ ربما تموت بنوبةٍ قلبية.»
قد تكون مخاطبة الوجدان أو مناشدة العطف، أو غيره من الانفعالات، مشروعةً منطقيًّا، وذلك حين يكون هذا الانفعال هو نفسه موضوع الحُجة، أو يكون سببًا ذا صلة بقبول النتيجة: فقد أختار أن أشتري نفس الجريدة بنفس السعر من بائعٍ ضرير؛ لكي أهوِّن عليه عملَه الشريف، وقد يُقدِّر الأستاذ ظروف طالبٍ صَدَمَته شاحنةٌ في طريقه إلى الامتحان فيحتفظ له بامتحان إكمال، وفي رواية كنديد يستعرض فولتير أمثلةً للبؤس المستشري في العالم لكي يُفنِّد مذهب لَيْبِنِتْز القائل بأن هذا هو أفضل العوالم الممكنة جميعًا.
•••
ومهما يكن مِنْ شيءٍ فإن انفعال العطف ليس من جنس الحُجة: للعطف أن يدفعنا إلى استباق الخيرات واجتراح المكارم، ولكن هيهات له أن ينهض دليلًا على رأي أو أساسًا لاعتقاد.
стр. 74
الفصل التاسع
الاحتكام إلى عامة الناس
ad populum; appeal to people; appeal to gallery; appeal to the mob
إن موافقةَ الكثرة ليست دليلًا على الحقائق العسيرة الكشف، وإنه لَأقربُ إلى الاحتمال أن يجدها رجلٌ واحدٌ من أن تجدها أمةٌ بأسرها.
ديكارت
إنَّ واقعة أن رأيًا ما قد انتشر على نطاقٍ واسعٍ ليست دليلًا البتة على أن هذا الرأي ليس باطلًا كل البطلان، والحق أنه بالنظر إلى سخف أغلبية بني الإنسان، فإنه لَأقربُ إلى الاحتمال أن يكون الاعتقاد الواسع الانتشار اعتقادًا سخيفًا من أن يكون اعتقادًا معقولًا!
برتراند رسل
ما يزال بالإنسان شيءٌ من أسلافه القردة، ليس هذا فحسب، بل إن به خَصلةً متبقية من أسلافه الخِراف!
كلايف بل
стр. 75
لا رأيَ للناس في نفعٍ ولا ضررٍ … وما لهم قطُّ من حُكمٍ وتقدير
العقاد
***
تتضمن هذه المغالطة الاحتكامَ إلى الناس بدلًا من الاحتكام إلى العقل (أو على حساب العقل)، ومحاولة انتزاع التصديق على فكرة معينة بإثارة مشاعر الحشود وعواطفهم بدلًا من تقديم حجة منطقية صائبة، تكاد هذه الطريقة أن تكون أداةً من أدوات عمل رجال الدعاية والإعلان، والديماجوجيين من الساسة ورجال الأحزاب والدعاية الانتخابية، فإذا كان «الجميع يعتقد ذلك» أو «الكل يفعل ذلك» أو «استطلاعات الرأي تُشير إلى ذلك» فلا بُدَّ من أن يكون «ذلك» صحيحًا!
غير أن التاريخ يُعلِّمنا أن أفكار الكثرة واعتقاداتهم كثيرًا ما تَبَيَّن خطؤها الذريع وبطلانها التام، وقد تكرر ذلك وتواتر بما يكفي لدعم قاعدةٍ تفيد أن قبول الحشود من البشر لقضيةٍ معينةٍ على أنها حق لا يقدم ضمانًا عقليًّا بأنها كذلك، وقد كان يَسَع المرءَ أن يمضي إلى نهاية الشوط فيقول: إنَّ التاريخ ربما يعلمنا، على العكس، أن اعتقاد الجموع بشيءٍ ما يُرَجِّح بطلان هذا الشيء، لولا أن هذه الطريقة ما هي إلا الوجهُ الآخر لذات المغالطة.
ذلك أن «الاعتقاد» غير «البيِّنة»، وأن اتساع نطاق الاعتقاد بقضيةٍ ما هو أمرٌ غيرُ ذي صلة بصدق القضية ذاتها أو كذبها، إنما يتحدد ذلك بالوسائل العقلانية الخاصة التي تستخدم الأدلة والمعلومات الصحيحة التي يمكن أن تُستمد منها النتائج بطريقة منطقية. يعود رواج هذه المغالطة وانتشارها إلى ميل الكائنات البشرية إلى أن تسلك مَسلَكَ الخِراف، فتنضوي معًا حول المريح والمألوف والسائد، ويروقها الانقيادُ والائتلاف ومجاراة القطيع في وجهته.
في عمق الروح الإنسانية التي أُلقِي بها في حومَة الوجود على غير اختيارٍ منها تقبع حاجةٌ إلى الاتصال بآخرين من صِنوِها، حاجةٌ تبلغ من الإلحاح والشدة مَبلَغًا يضطر الناس إلى أن تُسْلِم ضميرها وبصيرتها لطغيان ثقافتها الجاهزة وتقاليدها الموروثة، حتى لو كانت تلك ثقافةً جاهلةً وتقاليدَ حمقاء، وقليلٌ هم الأفرادُ الذين يمكنُهم أن