Полный текст (464 стр.). Показаны 456–464 · переход к 461.
стр. 456
مكروهة".
وإن مما ينبغي التنبيه عليه هنا أمرين:
الأول: أن كون الإنزال بغير جماع لا يفطر شيء ومباشرة الصائم شيء آخر ذلك أننا لا ننصح الصائم وبخاصة إذا كان قوي الشهوة أن يباشر وهو صائم خشية أن يقع في المحظور الجماع وهذا سدا للذريعة المستفادة من عديد من أدلة الشريعة منها قوله ﷺ : "ومن حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه" وكأن السيدة عائشة ﵂ أشارت إلى ذلك بقولها حين روت مباشرة النبي ﷺ وهو صائم:
"وأيكم يملك إربه؟ ".
والأمر الآخر: أن المؤلف لما ذكر الاستمناء باليد فلا يجوز لأحد أن ينسب إليه أنه مباح عنده لأنه إنما ذكره لبيان أنه مبطل للصوم عنده.
وأما حكم الاستمناء نفسه فلبيانه مجال آخر وهو قد فصل القول فيه في "كتاب النكاح" وحكى أقوال العلماء واختلافهم فيه وإن كان القارئ لا يخرج مما ذكره هناك برأي واضح للمؤلف كما هو الغالب من عادته فيما اختلف فيه.
وأما نحن فنرى أن الحق مع الذين حرموه مستدلين بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ , إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ , فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾
ولا نقول بجوازه لمن خاف الوقوع في الزنا إلا إذا استعمل الطب النبوي وهو قوله ﷺ للشباب في الحديث المعروف الآمر لهم بالزواج:
"فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء".
ولذلك فإننا ننكر أشد الإنكار على الذين يفتون الشباب بجوازه خشية الزنا دون أن يأمروهم بهذا الطب النبوي الكريم.
قوله: "قال الشوكاني: وقد وقع في الروايات ما يدل على الترتيب والتخيير يعني في كفارة الإفطار بالجماع والذين رووا الترتيب أكثر ومعهم الزيادة".
قلت: قد ذكر ابن القيم لرواية الترتيب مرجحات ستة إحداها ما ذكره الشوكاني ومن وقف عليها لا يشك في أرجحيتها فراجعها في "تهذيب السنن" ٣ / ٢٦٩ – ٢٧٢.
стр. 457
ومن قضاء رمضان
قوله: "قضاء رمضان لا يجب على الفور بل يجب وجوبا موسعا في أي وقت وكذلك الكفارة".
قلت: هذا يتنافى مع قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] فالحق وجوب المبادرة إلى القضاء حين الاستطاعة وهو مذهب ابن حزم ٦ / ٢٦٠ وليس يصح في السنة ما يعارض ذلك.
وأما استدلال المؤلف على عدم الوجوب بقوله:
"فقد صح عن عائشة أنها كانت تقضي ما عليها من رمضان في شعبان. رواه أحمد ومسلم ولم تكن تقضيه عند قدرتها على القضاء".
فليس بصواب لأنه ليس في حديث عائشة أنها كانت تقدر أن تقضيه فورا بل فيه عكس ذلك فإن لفظ الحديث عند مسلم ٣ / ١٥٤ - ١٥٥:
стр. 458
"كان يكون على الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان الشغل من رسول الله ﷺ أو برسول الله ﷺ ".
وهكذا أخرجه البخاري أيضا في "صحيحه" خلافا لما أوهمه تخريج المصنف وفي رواية لمسلم عنها قالت:
"إن كانت إحدانا لتفطر في زمان رسول الله ﷺ فما تقدر على أن تقضيه مع رسول الله ﷺ حتى يأتي شعبان".
فالحديث بروايتيه صريح في أنها كانت لا تستطيع ولا تقدر على القضاء قبل شعبان وفيه إشعار بأنها لو استطاعت لما أخرته فهو حجة على المؤلف ومن سبقه ولذلك قال الزين بن المنير ﵀:
"وظاهر صنيع عائشة يقتضي إيثار المبادرة إلى القضاء لولا ما منعها من الشغل فيشعر بأن من كان بغير عذر لا ينبغي له التأخير".
واعلم أن ابن القيم والحافظ وغيرهما قد بينا أن قوله في الحديث: "الشغل من رسول الله ﷺ أو برسول الله ﷺ مدرج في الحديث ليس من كلام عائشة بل من كلام أحد رواته وهو يحيى بن سعيد ومن الدليل على ذلك قول يحيى في رواية لمسلم: "فظننت أن ذلك لمكانها من النبي ﷺ ".
ولكن هذا لا يخدج فيما ذكرنا لأننا لم نستدل عليه بهذا المدرج بل بقولها: "فما أستطيع ... والمدرج إنما هو بيان لسبب عدم الاستطاعة وهذا لا يهمنا في الموضوع ولا أدري كيف خفي هذا على الحافظ حيث قال في خاتمة شرح الحديث:
"وفي الحديث دلالة على جواز تأخير قضاء رمضان مطلقا سواء كان لعذر أو لغير عذر لأن الزيادة كما بيناه مدرجة ... "؟!
стр. 459
فخفي عليه أن عدم استطاعتها هو العذر. فتأمل.
قوله: "وروى الدارقطني عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال له في قضاء رمضان: "إن شاء فرق وإن شاء تابع".
قلت: لو صح هذا لكان دليلا قاطعا للنزاع ولكنه لم يصح فإنه عند الدارقطني ص ٢٤٤ من طريق سفيان بن بشر بسنده عنه ثم قال الدارقطني:
"لم يسنده غير سفيان بن بشر".
قلت: وهو في عداد المجهولين فإني لم أجد له ذكرا في شيء من كتب الرجال التي عندي وكأنه لذلك صرح بتضعيف إسناده البيهقي في "السنن" ٤ / ٢٥٨ وأشار لتضعيفه الحافظ في "التلخيص" ٦ / ٤٣٤ حيث قال بعد أن عزا الحديث للدارقطني:
"قال: ورواه عطاء عن عبيد بن عمير مرسلا. قلت: وإسناده ضعيف أيضا".
وأما قول الشوكاني:
"وقد صحح الحديث ابن الجوزي وقال: ما علمنا أحدا طعن في سفيان ابن بشر".
قلت: هذا القدر لا يكفي في تصحيح الحديث فإن مثل هذا القول يمكن أن يقال في كل مجهول ونقول على سبيل المعارضة: ما علمنا أحدا وثق سفيان ابن بشر. وهذا أقرب إلى القواعد الحديثية لأن صحة الحديث يشترط فيها ثبوت ثقة رجاله بشهادة الأئمة وأما ضعفه فيكفي أن لا تثبت أو لا تعرف الثقة ولو في بعض رواته كما هو معروف عند المشتغلين بعلم السنة ثم نقول: كيف يصح هذا الحديث وقد ضعفه أحد أئمة الحديث ونقاده وهو الإمام البيهقي؟!
стр. 460
ثم هو معارض بما هو أقوى منه وهو حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال:
"لا صوم بعد النصف من شعبان حتى رمضان ومن كان عليه صوم من رمضان فليسرده ولا يقطعه".
أخرجه الدارقطني ص ٢٤٣ وعنه البيهقي من طريق حبان بن هلال: ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم القاص - وهو ثقة -: ثنا العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عنه. وقال الدارقطني:
"عبد الرحمن بن إبراهيم ضعيف الحديث".
قلت: وهو مختلف فيه وقد وثق في إسناد الدارقطني كما ترى وقد وثقه ابن معين والبخاري وغيرهما ولذلك قال ابن القطان:
"فهو مختلف فيه والحديث من روايته حسن" كما في "الجوهر النقي".
ونقل الحافظ عن ابن القطان أنه قال:
"ولم يأت من ضعفه بحجة والحديث حسن".
ثم تعقبه الحافظ بقوله:
"قلت: قد صرح ابن أبي حاتم عن أبيه بأنه أنكر هذا الحديث بعينه على عبد الرحمن".
قلت: وجملة القول "أنه لا يصح في هذا الباب شيء لا سلبا ولا إيجابا والأمر القرآني بالمسارعة يقتضي وجوب المتابعة إلا لعذر وهو مذهب ابن حزم أيضا ٦ / ٢٦١ قال:
"فإن لم يفعل فيقضيها متفرقة وتجزيه لقول الله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ولم يحدد تعالى في ذلك وقتا يبطل القضاء بخروجه وهو قول أبي
стр. 461
حنيفة".
فائدة: لم يتعرض المؤلف لقضاء رمضان ممن أفطره عامدا متعمدا هل يشرع له قضاؤه أم لا؟ والظاهر الثاني وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية فقد قال في "الاختيارات" ص ٦٥:
"لا يقضي متعمد بلا عذر صوما ولا صلاة ولا تصح منه وما روي أن النبي ﷺ أمر المجامع في رمضان بالقضاء ضعيف لعدول البخاري ومسلم عنه".
وهو مذهب ابن حزم و - رواه عن أبى بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وأبي هريرة فراجع "المحلى" ٦ / ١٨٠ – ١٨٥.
لكن تعليل ابن تيمية ضعف حديث أمر المجامع في رمضان بالقضاء بعدول البخاري ومسلم عنه ليس بشيء عندي فكم من حديث عدل الشيخان عنه وهو صحيح والحق أنه ثابت صحيح بمجموع طرقه كما قال الحافظ ابن حجر وأحدها صحيح مرسل كما كنت بينته في تعليقي على رسالة ابن تيمية في "الصيام" ص ٢٥ - ٢٧ ثم في "إرواء الغليل" ٤ / ٩٠ - ٩٢ فقضاء المجامع من تمام كفارته فلا يلحق به غيره من المفطرين عمدا ويبقى كلام الشيخ في غيره سليما.
أما الصلاة فهو مختار المصنف أيضا تبعا لابن حزم وقد كان نقل كلامه في ذلك ملخصا في "الصلاة" قبيل "الجمعة" وكان يلزمه أن يختار مثله في الصوم فإن دليل عدم القضاء فيه مثله في الصلاة ولا سيما أنه مذهب ابن حزم أيضا فقد قال:
"برهان ذلك أن وجوب القضاء في تعمد القئ قد صح عن رسول الله ﷺ كما ذكرنا قبل ولم يأت في فساد الصوم بالتعمد للأكل أو الشرب أو الوطء نص
стр. 462
بإيجاب القضاء لأنما افترض تعالى رمضان لا غيره على الصحيح المقيم العاقل البالغ فإيجاب صيام غيره بدلا منه إيجاب شرع لم يأذن الله تعالى به فهو باطل ولا فرق بين أن يوجب الله تعالى صوم شهر مسمى فيقول قائل: إن صوم غيره ينوب عنه بغير نص وارد في ذلك وبين من قال: إن الحج إلى غير مكة ينوب عن الحج إلى مكة والصلاة إلى غير الكعبة تنوب عن الصلاة إلى الكعبة وهكذا في كل شيء قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ ".
ثم شرع يرد على المخالفين قياسهم كل مفطر بعمد على المفطر بالقئ وعلى المجامع في رمضان.
ثم روى مثل قوله عن الخلفاء الراشدين حاشا عثمان وعن ابن مسعود وأبي هريرة
فراجعه.
قلت: لكن المجامع في رمضان قد صح أنه أمره ﷺ بالقضاء أيضا.
стр. 463
ومن مات وعلية صيام
...
ومن من مات وعليه صيام
قوله: "وكذلك أجمعوا على أن من عجز عن الصيام لا يصوم عنه أحد أثناء حياته".
قلت: الظاهر أن لا إجماع في هذه المسالة فقد خالف فيها ابن تيمية فقال في "الاختيارات" ص ٦٤:
"وإن تبرع إنسان بالصوم عمن لا يطيقه لكبره ونحوه أو عن ميت وهما معسران توجه جوازه لأنه أقرب إلى المماثلة من المال وحكى القاضي في صوم النذر في حياة الناذر نحو ذاك".
وقد نقلته على سبيل الاطلاع لا التبني فإني لا أراه صوابا لمنافاته لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] , وأما هو فقد أول الآية بما لا يتعارض مع مذهبه ولا يتسع المقال لتفصيل ذلك فليرجع إليه من شاء زيادة المعرفة.
قوله في مذهب الشافعية المختار: أنه يستحب لولي الميت أن يصوم عنه: "واستدلوا بما رواه أحمد والشيخان عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" , زاد البزار لفظ: "إن شاء" وقال في التعليق: سندها حسن".
قلت: كلا بل هذه الزيادة ضعيفة منكرة فإن مدارها على ابن لهيعة وهو ضعيف وقد تفرد بها كما قال الحافظ في "الفتح" وقال في "التلخيص":
"وهي ضعيفة لأنها من طريق ابن لهيعة".
والمؤلف كأنه تبع في تحسينها صديق خان في "الروضة" وهو تبع الهيثمي
стр. 464
في "المجمع" وهو خطأ أو تساهل منهم جميعا.
ثم إن هذا الحديث حمله الحنابلة على صوم النذر فهو الذي يصومه الولي عنه وأما صوم الفرض فلا يصومه أحد عن أحد وهو مذهب راوية الحديث عائشة وكذا ابن عباس راوي الحديث الآتي بعده وقد ذكرت أقوالهما في ذلك في "أحكام الجنائز" في المبحث ١٠٦ وهو الذي تقتضيه أصول الشريعة وحكمتها وقد انتصر لهذا ابن القيم في "تهذيب السنن" وكذا في "إعلام الموقعين" ونقلت كلامه منه في الكتاب المشار إليه وهو نفيس فليراجع.
قوله: "وروى أحمد وأصحاب السنن عن ابن عباس أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن أمي ماتت وعليها صيام شهر أفأقضيه عنها؟ ... قال: "نعم" ... ".
قلت: هذا يوهم أنه لم يخرجه من هو أرقي في الصحة من المذكورين وليس كذلك فقد أخرجه الشيخان في "الصوم" عن ابن عباس وفي رواية لهما:
"ماتت وعليها صوم نذر".
فهذا الحديث إذن وارد في صوم النذر فلا يجوز الاستدلال به على صوم الفرض كما فعل المؤلف وبعبارة أخرى الحديث دليل للحنابلة لا للشافعية فتنبه!
انتهى تسويد الجزء الثالث بتاريخ ١٩ / ٨ / ٧٣ هـ وهو آخر ما عندي من التعليق على "فقه السنة" والله أسأل أن يجعله معينا لطلاب العلم ومنهجا يسيرون عليه للتفقه في الدين وأن يتقبله مني انه هو السميع العليم.