← Фикх общий

Фикх общий · id 11122

تمام المنة في التعليق على فقه السنة

ناصر الدين الألباني

Полный текст (464 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وأشعث هذا هو ابن سوار الكوفي قال الحافظ في "التقريب": "ضعيف". ولعل تحسين الترمذي إياه إنما هو لشواهده كحديث معاذ الذي ذكره المؤلف قبله وحديث عمران الذي بعده. قوله: "وعن طاوس قال: كان في كتاب معاذ: من خرج من مخلاف إلى مخلاف فان صدقته وعشره في مخلاف عشيرته. رواه الأثرم في سننه". قلت: هذا منقطع بين طاوس ومعاذ فإنه لم يسمع منه كما قال الحافظ في متن آخر تقدم تحت عنوان: "دفع القيمة بدل العين" وهذا أخرجه ابن زنجويه ١١٩٣ نحوه. ثم قال المؤلف: "فعن عمرو بن شعيب أن معاذ بن جبل لم يزل بالجند إذ بعثه رسول الله ﷺ ... رواه أبو عبيد". هذا الإسناد منقطع فإن عمرو بن شعيب لم يدرك معاذا وبين وفاتيهما مائة سنة. فائدة: "جند" بفتحتين بلد باليمن كما في "القاموس" وغيره.

стр. 422

ومن زكاة الفطر قوله تحت عنوان: قدرها: "قال أبو سعيد الخدري: كنا إذا كان فينا رسول الله ﷺ نخرج زكاة الفطر ... صاعا من طعام أو صاعا من أقط أو صاعا من شعير أو صاعا من تمر أو صاعا من زبيب ... رواه الجماعة". استدل المؤلف بهذا على أن الواجب في القمح صاع لقوله فيه: "صاعا من طعام" وذلك يناء على ما حكاه الخطابي أن المراد بـ "الطعام" هنا الحنطة لكن رد ذلك ابن المنذر بأن أبا سعيد أجمل الطعام ثم فسره ثم أورد حديث أبي سعيد عند البخاري بلفظ: "كنا نخرج في عهد رسول الله ﷺ يوم الفطر صاعا من طعام قال أبو سعيد: وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر". قال الحافظ: "وهي ظاهرة فيما قال" وأخرجه الطحاوي نحوه وقال فيه: "ولا يخرج غيره". ثم ذكر الحافظ لحديث أبي سعيد طرقا وألفاظا أخرى ثم قال: "وهذه الطرق كلها تدل على أن المراد بالطعام في حديث أبي سعيد غير الحنطة فيحتمل أن تكون الذرة فإنه المعروف عند أهل الحجاز الآن وهي قوت غالب لهم". قلت: فتبين أنه لا دليل في الحديث على ما ذكره المؤلف ثم إن صنيعه يشير إلى أنه ليس لمذهب أبي حنيفة القائل بإخراج نصف صاع من القمح دليل غير ما جاء في حديث أبي سعيد من تعديل معاوية مدين من القمح بصاع من تمر وليس الأمر كذلك بل فيه أحاديث مرفوعة إلى النبي ﷺ أصحها حديث عروة بن

стр. 423

الزبير: "أن أسماء بنت أبي بكر كانت تخرج على عهد رسول الله ﷺ عن أهلها - الحر منهم والمملوك - مدين من حنطة أو صاعا من تمر بالمد أو بالصاع الذي يقتاتون به". أخرجه الطحاوي واللفظ له وابن أبي شيبة وأحمد وسنده صحيح على شرط الشيخين. وفي الباب آثار مرسلة ومسندة يقوي بعضها بعضا كما قال ابن القيم في "الزاد" وقد ساقها فيه فليراجعها من شاء وخرجتها أنا في "التعليقات الجياد". فثبت من ذلك أن الواجب في صدقة الفطر من القمح نصف صاع وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية كما في "الاختيارات" ص ٦٠ وإليه مال ابن القيم كما سبق وهو الحق إن شاء الله تعالى. قوله تحت عنوان: مصرفها: "مصرف زكاة الفطر مصرف الزكاة أي أنها توزع على الأصناف الثمانية المذكورة في آية: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ ١" قلت: ليس في السنة العملية ما يشهد لهذا التوزيع بل قوله ﷺ في حديث ابن عباس: " ... وطعمة للمساكين" يفيد حصرها بالمساكين والآية إنما هي في صدقات الأموال لا صدقة الفطر بدليل ما قبلها وهو قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا﴾ وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وله في ذلك فتوى مفيدة ج ٢ - ص ٨١ - ٨٤ من "الفتاوى" وبه قال

стр. 424

الشوكاني في "السيل الجرار" ٢ / ٨٦ - ٨٧ ولذلك قال ابن القيم في "الزاد ": "وكان من هديه ﷺ تخصيص المساكين بهذه الصدقة ... ". قوله تحت عنوان: "مصرفها": "ولما رواه البيهقي والدارقطني عن ابن عمر قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر وقال: أغنوهم في هذا اليوم". قلت: صنيع المؤلف يوهم أن البيهقي خرجه وسكت عليه وليس كذلك بل أشار إلى تضعيفه بقوله ٤ / ١٧٥: "أبو معشر هذا - يعني أحد رواته - نجيح السندي المديني غيره أوثق منه". وقال الحافظ في ترجمته من "التقريب": "ضعيف أسن واختلط". ولذلك جزم الحافظ بضعف الحديث في "بلوغ المرام" وسبقه النووي في "المجموع" ٦ / ١٢٦ ويغني عنه حديث ابن عباس الذي قبله. قوله تحت عنوان: إعطاؤها للذمي: "أجاز الزهري وأبو حنيفة ومحمد وابن شبرمة إعطاء الذمي من زكاة الفطر لقول الله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ١". قلت: لا يظهر في الآية دليل على الجواز لأن الظاهر منها الإحسان إليهم على وجه الصلة من الصدقات غير الواجبة فقد روى أبو عبيد رقم ١٩٩١ بسند صحيح عن ابن عباس قال: "كان ناس لهم أنسباء وقرابة من قريظة والنضير وكانوا يتقون أن يتصدقوا

стр. 425

عليهم ويريدونهم على الإسلام فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ " فهذه الآية مثل التي قبلها. ثم روى بسند صحيح إلى سعيد بن المسيب: "أن رسول الله ﷺ تصدق بصدقة على أهل بيت من اليهود فهي تجري عليهم". وروى عن الحسن - وهو البصري - قال: "ليس لأهل الذمة في شيء من الواجب حق ولكن إن شاء الرجل تصدق عليهم من غير ذلك". فهذا هو الذي ثبت في الشرع وجرى عليه العمل من السلف وأما إعطاؤهم زكاة الفطر فما علمنا أحدا من الصحابة فعل ذلك وفهم ذلك من الآية فيه بعد بل هو تحميل للآية ما لا تتحمل. وما رواه أبو إسحاق عن أبي ميسرة قال: "كانوا يجمعون إليه صدقة الفطر فيعطيها أو يعطي منها الرهبان". رواه أبو عبيد ٦١٣ / ١٩٩٦ وابن زنجويه ١٢٧٦. فهو مع كونه مقطوعا موقوفا على أبي ميسرة واسمه عمرو بن شرحبيل فلا يصح عنه لأن أبا إسحاق هو السبيعي مختلط مدلس وقد عنعنه. ويؤيد اختصاص زكاة الفطر بالمسلمين الحديث المتقدم: " ... وطعمة للمساكين" فإن الظاهر منه أنه أراد مساكين المسلمين لا مساكين الأمم كلها. فتأمل.

стр. 426

ومن صدقة التطوع قوله: "١ - وقال رسول الله ﷺ : "إن الصدقة تطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء". رواه الترمذي وحسنه". قلت: لكن العلماء تعقبوه ولم يرتضوا منه تحسينه لأنه رواه ٢ / ٢٣ من طريق عبد الله بن عيسى الخزاز عن يونس بن عبيد عن الحسن عن أنس مرفوعا وقال: "حديث حسن غريب". وعبد الله هذا كنيته أبو خلف وهو ضعيف اتفاقا ولم يوثقه أحد ولذلك أنكر العلماء على الترمذي تحسينه لهذا الحديث ففي "فيض القدير" قال عبد الحق: "ولم يبين المانع من صحته وعلته ضعف راويه أبي خلف يعني الخزاز هذا إذ هو منكر الحديث قال ابن القطان: فالحديث ضعيف لا حسن. انتهى. وجزم العراقي بضعفه قال ابن حجر: أعله ابن حبان والعقيلي وابن طاهر وابن القطان وقال ابن عدي: لا يتابع عليه". كذا في "فيض القدير". وللحديث علة أخرى وهى عنعنة الحسن البصري فإنه كان مدلسا وقد أورده في "المدلسين" الحافظ العسقلاني وكذا الحافظ برهان الدين بن العجمي وقال: "إنه من المشهورين بالتدليس". وهو مخرج في "إرواء الغليل" ٨٨٥ وقد قلت فيه:

стр. 427

" أما الشطر الأول من الحديث فهو قوي لأن له شواهد كثيرة خرجتها في "الصحيحة" ١٩٠٨ - المجلد الرابع وهو مطبوع. قوله: ٢ - وروى كذلك أن رسول الله ﷺ قال: "إن صدقة المسلم تزيد في العمر وتمنع ميتة السوء ويذهب الله بها الكبر والفخر". قلت: هذا الحديث لم يروه الترمذي ولم يحسنه وكأن المؤلف - حفظه الله تعالى - أخذ ذلك من قول المنذري في تخريج الحديث: "رواه الطبراني من طريق كثير بن عبد الله عن أبيه عند جده عن عمرو بن عوف وقد حسنها الترمذي وصححها ابن خزيمة لغير هذا المتن". ولكن هذا صريح في أن الترمذي لم يخرجه وإنما حسن هذه الطريق في غير هذا الحديث فكأنه - من استعجاله في النقل - لم يقع بصره على قول المنذري: "لغير هذا المتن". فتأمل. ثم إن الحديث ضعيف أو ضعيف جدا لأن كثيرا هذا متروك كما قال الدارقطني وغيره وقال أبو داود: "ركن من أركان الكذب"! وتحسين الترمذي لحديثه من تساهله الذي عرف به وقد قال الذهبي في ترجمة كثير هذا: "وأما الترمذي فروى من حديثه: "الصلح جائز بين المسلمين" وصححه فلهذا لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي"! لكن الجملة الأولى من الحديث ثابتة في حديث آخر كما سيأتي.

стр. 428

قوله: "٤ - وقال ﷺ : "صنائع المعروف تقي مصارع السوء والصدقة خفيا تطفئ غضب الرب وصلة الرحم تزيد في العمر وكل معروف صدقة وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة وأهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة وأول من يدخل الجنة أهل المعروف". رواه الطبراني في "الأوسط" وسكت عليه المنذري". قلت: كلا لم يسكت عليه المنذري بل ضعفه حيث صدره بقوله: "وروي عن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ... فذكره". انظر المقدمة ... وقد بين الهيثمي علة الحديث فقال في "المجمع" ٣ / ١١٥: " ... وفيه عبد الله بن الوليد الوصافي وهو ضعيف". ولذلك صرح العزيزي في "شرح الجامع الصغير" بأنه ضعيف فلا يغتر برمز السيوطي له بالصحة لما بيناه في المقدمة. نعم يظهر أن الحديث غالبه ثابت من طرق أخرى فإن أوله إلى قوله: "تزيد في العمر" رواه الطبراني في "الكبير" من حديث أبي أمامة وحسن إسناده المنذري والهيثمي ورواه في "الأوسط" من حديث معاوية بن حيدة قال الهيثمي ٨ / ١٩٤: "وفيه أصبغ غير معروف وبقية رجاله وثقوا وفيهم خلاف". وروى الشيخان وغيرهما من حديث أنس مرفوعا: "من أحب أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه" وقوله فيه: "كل معروف صدقة" حديث صحيح رواه جماعة من الصحابة

стр. 429

منهم جابر عند البخاري وغيره وحذيفة عند مسلم وغيره. وبقية الحديث له طرق كثيرة يشد بعضها بعضا انظر "الروض النضير" ١٠٢٠ - ١٠٨٢ إلا أن عندي وقفة في قوله في آخره: "وأول من يدخل الجنة أهل المعروف" فإني لم أجد له الآن غير شاهد واحد من حديث أبي أمامة رواه الطبراني قال الهيثمي: "وفيه من لم أعرفه". والله أعلم. ثم وقفت على إسناده وخرجته في "الضعيفة" ٥٨١٥ وتبينت لي ثمة حقيقة مرة وهي أن سند هذا هو عين الإسناد الذي حسنه المنذري والهيثمي آنفا! قوله تحت عنوان: جواز التصدق بكل المال: "فعن جابر قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ جاء رجل بمثل بيضة من ذهب فقال: يا رسول الله أصبت هذه من معدن فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها فأعرض عنه رسول الله ﷺ ... ثم قال: "يأتي أحدكم بماله كله يتصدق به ثم يجلس بعد ذلك يتكفف الناس إنما الصدقة عن ظهر غنى". رواه أبو داود والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم وفيه محمد بن إسحاق". قلت: يعني أن ابن إسحاق مدلس وقد عنعنه وكذلك رواه الدارمي والبيهقي معنعنا. قال النووي في "المجموع" ٦ / ٢٣٦: "ومحمد بن إسحاق مدلس والمدلس إذا قال: "عن" لا يحتج به". قلت: فالحديث من أجل ذلك ضعيف لكن موضع الشاهد منه وهو قوله: "إنما الصدقة عن ظهر غنى" صحيح فإن له طريقا أخرى عن جابر. أخرجه أحمد ٣ / ٣٤٦ وله شاهد من حديث أبي هريرة عند البخاري وغيره وهو مخرج في "الإرواء" ٣ / ٣١٦.

стр. 430

ومن الصيام قوله تحت عنوان: فضله: "٣ - وعن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: "الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة ... ". رواه أحمد بسند صحيح". قلت: بل إسناد أحمد ضعيف لأن فيه ابن لهيعة وهو ضعيف من قبل حفظه وإنما نشأ هذا الخطأ من اختصار المؤلف لتخريج المنذري للحديث اختصارا مخلا فقد قال في "الترغيب": "رواه أحمد والطبراني في "الكبير" ورجاله محتج بهم في الصحيح". ففهم المؤلف أن الضمير في قوله: "ورجاله" راجع إلى الحديث وبناء عليه استجاز عزوه لأحمد عندما اختصر الطبراني وليس كذلك بل الضمير راجع إلى الطبراني لأنه أقرب مذكور وقد صرح به الهيثمي فقال: "رواه أحمد والطبراني في "الكبير" ورجال الطبراني رجال الصحيح". ثم استلزم المؤلف من قول المنذري: "ورجاله محتج بهم في الصحيح" أن الإسناد صحيح فصرح هو بذلك وليس بلازم لما حققناه في المقدمة. نعم الحديث لم يتفرد به ابن لهيعة كما يفيده صريح كلام الهيثمي وهو الواقع فقد تابعه عبد الله بن وهب عند ابن نصر في "قيام الليل" ص ١٣ والحاكم ١ / ٥٥٤ وقال: "صحيح على شرط مسلم" ووافقه الذهبي وقد وهما فإن شيخ ابن وهب وكذا ابن لهيعة فيه حيي بن عبد الله ولم يخرج له مسلم شيئا ثم إنه تكلم فيه بعضهم بما لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن إن شاء الله تعالى.

стр. 431

وجملة القول أن الحديث حسن الإسناد. والله أعلم. قوله تحت عنوان: فضل شهر رمضان وفضل العمل فيه: "١ - عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال - لما حضر رمضان -: "قد جاءكم شهر مبارك ... . فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم". رواه أحمد والنسائي والبيهقي". قلت: هو منقطع فإنهم أخرجوه من طريق أبي قلابة عنه قال المنذري: "ولم يسمع منه فيما أعلم". قلت: لكنه صحيح لغيره فإن قضية فتح أبواب الجنة وغلق أبواب النيران وغل الشياطين ثابتة في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة أيضا وهو مخرج في "الصحيحة" برقم ١٣٠٧ وباقيه عند ابن ماجه من حديث أنس بسند حسن وقد حسنه المنذري. قوله: "٤ - وعن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: "من صام رمضان وعرف حدوده وتحفظ مما كان ينبغي أن يتحفظ منه كفر ما قبله". رواه أحمد والبيهقي بسند جيد". قلت: كذا قال وفيه نظر لأن في سندهما عبد الله بن قريط قال الهيثمي: "ذكره ابن أبي حاتم فلم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا". قلت: فهو في عداد المجهولين وتوثيق ابن حبان له لا يدفع الجهالة عنه لما بينا مرارا أن من مذهبه توثيق المجهول ولذلك قال الحسيني في "رجال المسند": "مجهول". كما في "التعجيل" وهو مخرج في "الضعيفة" ٥٠٨٣. قوله: "٥ - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه". رواه أحمد وأصحاب السنن". قلت: لقد أبعد المؤلف النجعة فالحديث عنه في "الصحيحين" بهذا اللفظ تماما وهو مخرج في "الإرواء" ٩٠٦.

стр. 432

ومن الترهيب من الفطر في رمضان قوله: "١ - عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: عرى الإسلام ... ". قلت: ذكره المؤلف في حكم ترك الصلاة وقد بينت ضعفه هناك فأغنى عن الإعادة. قوله: "٢ - وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من أفطر يوما من رمضان في غير رخصة رخصها الله له لم يقض عنه صيام الدهر كله وإن صامه". رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال البخاري: ويذكر عن أبي هريرة رفعه ... ". قلت: الحديث ضعيف وقد أشار لذلك البخاري بقوله: "ويذكر" وضعفه ابن خزيمة في "صحيحه" ٣ / ٢٣٨ والمنذري والبغوي والقرطبي والذهبي والدميري فيما نقله المناوى والحافظ ابن حجر وذكر له ثلاث علل: الاضطراب والجهالة والانقطاع راجع لها "فتح الباري" ٤ / ١٦١ ولكنه اخطأ في قوله: "وصححه ابن خزيمة" والصواب أن يقال: رواه في صحيحه وضعفه في الترجمة بقوله: "إن صح الخبر فإني لا أعرف ابن المطوس ولا أباه". وكذلك أخطأ خطأ فاحشا أحد إخواننا ﵀ في تأليفه "الأحاديث الصحيحة" اختارها من "صحيح البخاري" لأنه لم يعلم أنه معلق عنده وأن معلقاته ليست كلها صحيحة عنده فضلا عن غيره وأن هذا مما ضعفه هو نفسه إشارة كما ذكرت آنفا. وقد كنت لفت نظره إلى ذلك في طبعة الكتاب الأولى فوعد خيرا فلا أدري إذا كان قد تمكن من إعاده طبعه وحذفه منه وفاء بوعده؟ فإني كنت أظن فيه خيرا.

стр. 433

ومن اختلاف المطالع تحت هذا العنوان ذكر المؤلف ثلاثة مذاهب: الأول: مذهب الجمهور أنه لا عبرة باختلاف المطالع لعموم قوله ﷺ : "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته". متفق عليه وهو مخرج في "إرواء الغليل" ٩٠٢ من طرق عن أبي هريرة وغيره. الثاني: أن لكل بلد رؤيتهم ولا يلزمهم رؤية غيرهم ... واحتج لهم بحديث ابن عباس عند مسلم وغيره. الثالث: لزوم أهل بلد الرؤية وما يتصل بها من الجهات التي على سمتها. واختار المؤلف هذا المذهب الأخير معلقا عليه بقوله:

стр. 434

"هذا هو المشاهد ويتفق مع الواقع". قلت: وهذا كلام عجيب غريب لأنه ان صح أنه مشاهد موافق للواقع فليس فيه أنه موافق للشرع أولا ولأن الجهات - كالمطالع - أمور نسبية ليس لها حدود مادية يمكن للناس أن يتبينوها ويقفوا عندها ثانيا. وأنا - والله - لا أدري ما الذي حمل المؤلف على اختيار هذا الرأي الشاذ وأن يعرض عن الأخذ بعموم الحديث الصحيح وبخاصة أنه مذهب الجمهور كما ذكره هو نفسه وقد اختاره كثير من العلماء المحققين مثل شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى المجلد ٢٥ والشوكاني في "نيل الأوطار" وصديق حسن خان في "الروضة الندية" ١ / ٢٢٤ - ٢٢٥ وغيره فهو الحق الذي لا يصح سواه ولا يعارضه حديث ابن عباس لأمور ذكرها الشوكاني ﵀ ولعل الأقوى أن يقال: إن حديث ابن عباس ورد فيمن صام على رؤية بلده ثم بلغه في أثناء رمضان أنهم رأوا الهلال في بلد آخر قبله بيوم ففي هذه الحالة يستمر في الصيام مع أهل بلده حتى يكملوا ثلاثين أو يروا هلالهم. وبذلك يزول الإشكال ويبقى حديث أبي هريرة وغيره على عمومه يشمل كل من بلغه رؤية الهلال من أي بلد أو إقليم من غير تحديد مسافة أصلا كما قال ابن تيمية في "الفتاوى" ٢٥ / ١٥٧ وهذا أمر متيسر اليوم للغاية كما هـ معلوم ولكنه يتطلب شيئا من اهتمام الدول الإسلامية حتى تجعله حقيقة واقعية إن شاء الله ﵎. وإلى أن تجتمع الدول الإسلامية على ذلك فإني أرى على شعب كل دولة أن يصوم مع دولته ولا ينقسم على نفسه فيصوم بعضهم معها وبعضهم مع غيرها ممن تقدمت في صيامها أو تأخرت لما في ذلك من توسيع دائرة الخلاف في الشعب الواحد كما وقع في بعض الدول العربية منذ بضع سنين. والله

стр. 435

المستعان. ومن من رأى الهلال وحده: وتحت هذا العنوان الجانبي قال: "واتفقت أئمة الفقه على أن من أبصر هلال الصوم وحده - أن يصوم". فأقول: هذا ليس على إطلاقه بل فيه تفصيل ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في فتوى له فقال ٢٥ / ١١٤: "إذا رأى هلال الصوم وحده أو هلال الفطر وحده فهل عليه أن يصوم برؤية نفسه أو يفطر برؤية نفسه؟ أم لا يصوم ولا يفطر إلا مع الناس؟ على ثلاثة أقوال هي ثلاث روايات عن أحمد". ثم ذكرها والذي يهمنا ذكره منها ما وافق الحديث وهو قوله: "والثالث: يصوم مع الناس ويفطر مع الناس وهذا أظهر الأقوال لقول النبي ﷺ : "صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون". رواه الترمذي وقال: حسن غريب. قال: وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: إنما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس". وهذا الحديث مخرج في "الصحيحة" ٢٢٤ و "الإرواء" ٩٠٥ من طرق عن أبي هريرة فمن شاء رجع إليها. ثم قال ابن تيمية ١١٧: "لكن من كان في مكان ليس فيه غيره إذا رآه صام فإنه ليس هناك غيره".

стр. 436

قوله تحت عنوان: من يرخص لهم في الفطر ويجب عليهم القضاء: "وعن عبيد بن جبير قال: ركبت مع أبي بصرة الغفاري في سفينة من الفسطاط في رمضان فدفع - ثم قرب غداءه ثم قال: اقترب فقلت: ألست بين البيوت؟ فقال أبو بصرة: أرغبت عن سنة رسول الله ﷺ ؟ رواه أحمد وأبو داود ورجاله ثقات". قلت: كذا قال المؤلف تبعا للشوكاني وفيه نظر من وجهين: الأول: أن عبيد بن جبير مجهول وقيل في اسم أبيه: "حنين" فإن كان ابنه فهو ثقة. والآخر: الراوي عنه كليب بن ذهل قال ابن خزيمة: "لا أعرفه بعدالة". وأفاد الحافظ في "التقريب" أنه لين الحديث. لكن يشهد له الحديث الآتي بعده وحديث آخر عن أنس وسنده صحيح كما حققته في رسالتي "تصحيح حديث إفطار الصائم قبل سفره بعد الفجر" وهي مطبوعة. وقوله: "وقد روى أحمد وأبو داود والبيهقي والطحاوي عن منصور الكلبي أن دحية بن خليفة خرج من قرية من دمشق مرة إلى قدر عقبة من الفسطاط في رمضان ثم إنه أفطر ... وجميع رواة الحديث ثقات إلا منصور الكلبي وقد وثقه العجلي". قلت: توثيق العجلي في منزلة توثيق ابن حبان ولذلك لم يعتمده ههنا الذهبي وغيره من المحققين فقال الذهبي في ترجمته من "الميزان":

стр. 437

" ما روى عنه سوى مرثد المزني هذا الحديث ولم يصححه عبد الحق". وقال ابن المديني: "مجهول لا أعرفه". وقال ابن خزيمة: "لا أعرفه". والحافظ مع ذكره لتوثيق العجلي له في "التهذيب" لم يتبنه في "التقريب" حيث قال: "مستور". ولهذا ضعف الحديث الخطابي في "المعالم" فقال: "ليس بالقوي وفي إسناده رجل ليس بالمشهور". لكن يقويه الحديث الذي قبله وحديث أنس الذي أشرت إليه آنفا.

стр. 438

ومن الأيام المنهي عن صيامها قوله تحت عنوان: ١ النهي عن صيام يومي العيدين: "لقول عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن صيام هذين اليومين أما يوم الفطر ... رواه أحمد والأربعة". قلت: هو في "الصحيحين" أيضا بمعناه وهو مخرج في "الإرواء" ٩٦٢. قوله تحت عنوان: ٢ النهي عن صوم أيام التشريق: "وروى الطبراني في "الأوسط" عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ أرسل صائحا يصيح: "أن لا تصوموا هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وبعال". قلت: لنا عليه مؤاخذتان: الأولى: أن الحديث نقله عن "مجمع الزوائد" فأساء العزو أو النقل لأن الهيثمي قال عقبه ٣ / ٢٠٣: "رواه الطبراني في "الكبير" وفي رواية له في "الأوسط" و "الكبير" أيضا أن النبي ﷺ بعث بديل بن ورقاء وإسناد الأول حسن". أقول: من الواضح أن هذا اللفظ هو في "المعجم الكبير" للطبراني دون "الأوسط" له فعزو المؤلف إياه ل "الأوسط" خطأ على الهيثمي وعلى الطبراني أما أنه خطأ على الهيثمي فواضح من تخريجه الذي نقلته آنفا. وأما أنه خطأ على الطبراني فلأنه لم يروه في "الأوسط" بهذا اللفظ له وإنما بلفظ آخر مخالف لهذا في طرف منه وقد أشار الهيثمي إلى مخالفته في طرفه الأول وليته ساقه بتمامه ليتبين للقارئ الفرق الجوهري بينه وبين اللفظ الأول ولو أنه فعل لم يقع المؤلف في هذا الخطأ إن شاء الله تعالى.

стр. 439

والمؤاخذة الأخرى: أن الحديث بهذا السياق الذي في آخره زيادة: "وبعال" ضعيف الإسناد وإن حسنه الهيثمي لأن الطبراني أخرجه في "المعجم الكبير" ١١ / ٢٣٢ / ١٥٨٧ من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس به. وإبراهيم هذا ضعفه الجمهور من قبل حفظه حتى قال البخاري وأبو حاتم فيه: "منكر الحديث" والترمذي مع تساهله. المعروف لما روى له حديثين قال عقب كل منهما: "يضعف في الحديث". قلت: وإن مما يدلك على ضعفه روايته في الحديث زيادة: "وبعال". فإنها لم ترد في الإسناد الآخر الذي ذكر الهيثمي طرف متنه الأول فقد أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" أيضا ١١ / ١١٠ / ٢٠٣ وفي "المعجم الأوسط" ٢ / ١٤٢ / ٧١٩٨ من طريق أبي جميلة المفضل ووقع في مطبوعة "الكبير": الفضل وهو خطأ مطبعي بن صالح عن عمرو بن دينار عن ابن عباس: أن النبي ﷺ بعث بديل بن ورقاء بـ منى فنادى: "إن هذه أيام أكل وشرب فلا تصوموها". وهذا إسناد ضعيف أيضا المفضل بن صالح ضعيف أيضا كما في "التقريب" لكن المتن دون الزيادة صحيح لأنه جاء عن جمع من الصحابة

стр. 440

دونها خرجت الكثير الطيب منها في "الإرواء" ٤ / ١٢٨ - ١٣١ بعضها من حديث نبيشة عند أحمد ومسلم. نعم وقعت هذه الزيادة في طريقين آخرين عند الطحاوي ١ / ٤٢٨ - ٤٢٩ في الأولى منهما محمد بن أبي حميد وفي الأخرى موسى بن عبيدة وكلاهما ضعيف. وبالجملة فهذه الزيادة منكرة رواية ومعنى أما الرواية؟ فقد عرفتها مما سبق وأما المعنى فلمخالفتها لما في بعض الطرق الصحيحة بلفظ: "وذكر الله" ولأن "البعال" لا يمكن تحقيقه عمليا في أيام التشريق تحت الخيام الكثيرة المزدحمة المتلاصقة كما هو ظاهر. والله أعلم. تنبيه هام: في "النهاية" لابن الأثير: "البعال: النكاح وملاعبة الرجل أهله". إذا عرفت هذا فقد أخطأ الشيخ عبد الله الغماري في كتابه الذي كان أسماه ب "الكنز الثمين في أحاديث النبي الأمين" خطأ فاحشا في حديث نبيشة المشار إليه آنفا. فإنه أورده بزيادة: "وبعال" برواية "حم م" عنه. وهذا باطل من وجوه: أولا: أن هذه الزيادة: "وبعال" مع ضعفها كما تقدم فلم يروها المذكوران ولا غيرهما عن نبيشة فهو خطأ عليهم جميعا. ثانيا: أنه خطأ على السيوطي أيضا فإن الحديث عنده في "الجامع الصغير" برواية المذكورين عنه دون الزيادة.

стр. 441

ثالثا: كأنه لاحظ ما أشرت إليه من نكارة هذه الزيادة ولذلك اقتصر من معناها اللغوي على المقدار الذي لا نكارة فيه ففسرها في التعليق بقوله: "ملاعبة الرجل زوجه" فحذف لفظ "النكاح" الذي هو الغاية عادة من الملاعبة لأنه مستنكر فلو أنه كان على معرفة بالأحاديث الصحيحة ومتونها وما يصح وما لا يصح من ألفاظها لما كان به حاجة إلى أن يقع في هذا الخطأ اللغوي أيضا. وللغماري هذا أخطاء عديدة وتصحيح لأحاديث كثيرة في "كنزه" وغيره نبهت على أنواع كثيرة منها في المجلد الثالث والرابع من "الأحاديث الضعيفة" وراجع مقدمتهما. قوله تحت عنوان: النهي عن صوم يوم الجمعة منفردا: "فعن عبد الله ابن عمرو أن رسول الله ﷺ دخل على جويرية بنت الحارث وهي صائمة في يوم الجمعة فقال لها: "أصمت أمس؟ " فقالت: لا قال: "أتريدين أن تصومي غدا؟ " قالت: لا قال: "فأفطري إذن". رواه أحمد والنسائي بسند جيد". قلت: وقد رواه البخاري من حديث جويرية نفسها والحديث واحد ولكن الرواة اختلفوا فبعضهم رواه من مسند ابن عمرو وبعضهم من مسند جويرية وهو الذي رجحه الحافظ في "الفتح" انظر تعليقي على "صحيح ابن خزيمة" ٢١٦٢ و "صحيح أبي داود" ٢٠٩٣. قوله تحت عنوان: النهي عن إفراد يوم الست بصيام: "عن بسر السلمي عن أخته الصماء أن رسول الله ﷺ قال: "لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم ... ". رواه أحمد وأصحاب السنن والحكم وقال: صحيح على شرط مسلم وحسنه الترمذي". قلت: اختلف العلماء في هذا الحديث فقواه من ذكر المؤلف وقال

стр. 442

مالك: "هذا كذب". وضعفه الإمام أحمد كما في "تهذيب السنن" وقال النسائي: "هو حديث مضطرب" وبه أعله الحافظ في "بلوغ المرام" فقال: "ورجاله ثقات إلا أنه مضطرب وقد أنكره مالك". وقد بين الاضطراب فيه الحافظ في "التلخيص" ٦ / ٤٧٢ فليراجعه من شاء. ثم تبين لي أن الحديث صحيح وأن الاضطراب المشار إليه هو من النوع الذي لا يؤثر في صحة الحديث لأن بعض طرقه سالم منه وقد بينت ذلك في "إرواء الغليل" ٩٦٠ بيانا لا يدع مجالا للشك في صحته. وتأويل الحديث بالنهي عن صوم السبت مفردا يأباه قوله: "إلا فيما افترض عليكم" فإنه كما قال ابن القيم في "تهذيب السنن": "دليل على المنع من صومه في غير الفرض مفردا أو مضافا" لأن الاستثناء دليل التناول وهو يقتضي أن النهي عنه يتناول كل صور صومه إلا صورة الفرض ولو كان إنما يتناول صورة الأفراد لقال: لا تصوموا يوم السبت إلا أن تصوموا يوما قبله أو يوما بعده كما قال في الجمعة فلما خص الصورة المأذون فيها صومها بالفريضة علم تناول النهي لما قابلها". قلت: وأيضا لو كانت صورة الاقتران غير منهي عنها لكان استثناؤها في الحديث أولى من استثناء الفرض لأن شبهة شمول الحديث له أبعد من شموله لصورة الاقتران فإذا استثني الفرض وحده دل على عدم استثناء غيره كما لا

стр. 443

يخفى. وإذ الأمر كذلك فالحديث مخالف للأحاديث المبيحة لصيام يوم السبت كحديث ابن عمرو الذي قبله ونحوه مما ذكره ابن القيم تحت هذا الحديث في بحث له قيم أفاض فيه في ذكر أقوال العلماء فيه وانتهى فيه إلى حمل النهي على إفراد يوم السبت بالصوم جمعا بينه وبين تلك الأحاديث وهو الذي ملت إليه في "الإرواء". والذي أراه - والله أعلم - أن هذا الجمع جيد لولا أمران اثنان: الأول: مخالفته الصريحة للحديث على ما سبق نقله عن ابن القيم. والآخر: أن هناك مجالا آخر للتوفيق والجمع بينه وبين تلك الأحاديث إذا ما أردنا أن نلتزم القواعد العلمية المنصوص عليها في كتب الأصول ومنها: أولا: قولهم: إذا تعارض حاظر ومبيح قدم الحاظر على المبيح. ثانيا: إذا تعارض القول مع الفعل قدم القول على الفعل. ومن تأمل في تلك أحاديث المخالفة لهذا وجدها على نوعين: الأول: من فعله ﷺ وصيامه. الآخر: من قوله ﷺ كحديث ابن عمرو المتقدم. ومن الظاهر البين أن كلا منهما مبيح وحينئذ فالجمع بينها وبين الحديث يقتضي تقديم الحديث على هذا النوع لأنه حاظر وهي مبيحة. وكذلك قوله ﷺ لجويرية: "أتريدين أن تصومي غدا" وما في معناه مبيح أيضا فيقدم الحديث عليه.

стр. 444

هذا ما بدا لي فإن أصبت فمن الله وله الحمد على فضله وتوفيقه وإن أخطأت فمن نفسي وأستغفره من ذنبي. قوله تحت عنوان: النهي عن صوم الدهر: "فإن أفطر يومي العيد وأيام التشريق وصام بقية الأيام انتفت الكراهة". قلت: هذا التأويل خلاف ظاهر الحديث: "لا صام من صام الأبد" وقوله: "لا صام ولا أفطر" وقد بين ذلك العلامة ابن القيم في "زاد المعاد" بما يزيل كل شبهة فقال ﵀: "وليس مراده بهذا من صام الأيام المحرمة ... ". وذكر نحوه الحافظ في "الفتح" ٤ / ١٨٠. قوله في تمام بحثه السابق: "وقد أقر النبي ﷺ حمزة الأسلمي على سرد الصيام وقال له: "صم إن شئت وأفطر إن شئت" وقد تقدم". قلت: نعم تقدم الحديث تحت الكلام عمن يرخص لهم في الفطر ... ولكن بلفظ آخر وليس فيه السرد جاء ذلك في رواية لمسلم بلفظ: "قال يا رسول الله إني رجل أسرد الصوم؟ أفأصوم في السفر؟ قال: "صم إن شئت وأفطر إن شئت". ورواه ابن خزيمة ٢١٥٣. ولا دليل في الحديث على ما ذهب إليه المؤلف لأنه لا تلازم بين السرد وصوم الدهر وقد ذكر الحافظ في "الفتح" استدلال بعض العلماء على الجواز بحديث حمزة هذا ثم عقب عليه بقوله:

стр. 445

"وتعقب بأن سؤال حمزة إنما كان عن الصوم في السفر لا عن صوم الدهر ولا يلزم من سرد الصيام صوم الدهر فقد قال أسامة بن زيد أن النبي ﷺ كان يسرد الصوم فيقال: "لا يفطر". أخرجه أحمد١ ومن المعلوم أن النبي ﷺ لم يكن يصوم الدهر فلا يلزم من ذكر السرد صيام الدهر". ثم قوله أيضا: "والأفضل أن يصوم يوما ويفطر يوما فإن ذلك أحب الصيام إلى الله". قلت: فهذا من الأدلة على كراهة صوم الدهر مع استثناء الأيام المحرمة إذ لو كان صوم الدهر هذا مشروعا أو مستحبا لكان أكثر عملا فيكون أفضل إذ العبادة لا تكون إلا راجحة فلو كان عبادة لم يكن مرجوحا كما تقدم عن ابن القيم.

стр. 446

ومن صيام التطوع قوله تحت عنوان: صوم عشر ذي الحجة: "٤ - عن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله عن صوم يوم عرفة بعرفات". رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه". قلت: وإسناده ضعيف ومداره عند الجميع على مهدي الهجري وهو مجهول كما قال النووي ٦ / ٣٨٠ والحافظ في "التلخيص" ٦ / ٤٦٩ ولذلك ضعفه ابن القيم والشوكاني وغيرهما وهو مخرج في "الأحاديث الضعيفة" ٤٠٤. قوله تحت عنوان: التوسعة يوم عاشوراء: "عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "من وسع على نفسه وأهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته". رواه الب يهقي في "الشعب" وابن عبد البر وللحديث طرق أخرى كلها ضعيفة ولكن إذا ضم بعضها إلى بعض ازدادت قوة كما قال السخاوي". قلت: هذا رأي السخاوي ولا نراه صوابا لأن شرط تقوي الحديث بكثرة الطرق وهو خلوها من متروك أو متهم لم يتحقق في هذا الحديث فانظر مثلا حديث جابر هذا فإن له طريقين: الأول: عن محمد بن يونس: حدثنا عبد الله بن إبراهيم الغفاري: حدثنا عبد الله بن أبي بكر ابن أخي محمد بن المنكدر عن محمد بن المنكدر عنه. أخرجه البيهقي. فهذا إسناد موضوع من أجل محمد بن يونس - وهو الكديمي - فإنه كذاب قال ابن عدي:

стр. 447

"قد اتهم الكديمي بالوضع". وقال ابن حبان: "لعله قد وضع أكثر من ألف حديث". وشيخه عبد الله بن إبراهيم الغفاري قال الذهبي: "وهو عبد الله بن أبي عمرو المدني يدلسونه لوهنه نسبه ابن حبان إلى أنه يضع الحديث وذكر له ابن عدي في فضل أبي بكر وعمر حديثين وهما باطلان تال الحاكم: يروي عن جماعة من الضعفاء أحاديث موضوعة". قلت: وهذا منها فإن شيخه عبد الله بن أبي بكر ابن أخي محمد بن المنكدر ضعيف كما في "الميزان". وأما الطريق الثاني؟ فأخرجه ابن عبد البر في "الاستذكار" من طريق أبي الزبير عنه وهذه الطريق مع أنها أصح طرق الحديث - كما قال السيوطي في "اللآلئ" ٢ / ٦٣ - فقد قال فيها الحافظ ابن حجر: "هذا حديث منكر جدا". كما نقله السيوطي نفسه عنه ولم يتعقبه بشيء وقد حمل فيه الحافظ على الفضل بن الحباب وقال: "لعله حدث به بعد احتراق كتبه". قلت: وفيه علة أخرى وهي عنعنة أبي الزبير فإنه مدلس وقد أورده في "المدلسين" الحافظ وابن العجمي وقالا: "إنه مشهور بالتدليس". وهكذا سائر طرق الحديث مدارها على متروكين أو مجهولين ومن

стр. 448

الممكن أن يكونوا من أعداء الحسين ﵁ الذين وضعوا الأحاديث في فضل الإطعام والاكتحال وغير ذلك يوم عاشوراء معارضة منهم للشيعة الذين جعلوا هذا اليوم يوم حزن على الحسين ﵁ لأن قتله كان فيه. ولذلك جزم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بأن هذا الحديث كذب وذكر أنه سئل الإمام أحمد عنه فلم يره شيئا وأيد ذلك بأن أحدا من السلف لم يستحب التوسعة يوم عاشوراء وأنه لا يعرف شيء من هذه الأحاديث على عهد القرون الفاضلة وقد فصل القول في هذا في "الفتاوى" ٢ / ٢٤٨ - ٢٥٦ فراجعه وقد نقل المناوي عن المجد اللغوي أنه قال: "ما يروى في فضل صوم يوم عاشوراء والصلاة فيه والإنفاق والخضاب والادهان والاكتحال بدعة ابتدعها قتلة الحسين ﵁". قوله تحت عنوان: صيام أكثر شعبان:" وعن أسامة قال: قلت: يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: "ذلك شهر يغفل الناس عنه ... ". رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة". قلت: تبع المؤلف في عزوه لأبي داود الحافظ في "الفتح" والصنعاني في "سبل السلام" والشوكاني في "نيل الأوطار" وهو وهم منهم جميعا تتابعوا عليه فليس هو عند أبي داود وإنما له عن أسامة حديث آخر في صوم الاثنين والخميس ولذلك اقتصر المنذري في "الترغيب" والحافظ في "تبيين العجب بما ورد في فضل رجب على عزوه للنسائي فقط وكذلك النابلسي في "الذخائر" ثم الحديث إسناده عند النسائي حسن.

стр. 449

قوله تحت عنوان: صوم الأشهر الحرم: "فعن رجل من باهلة أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أنا الرجل الذي جئتك عام الأول فقال: " ... صم من الحرم واترك". رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقي بسند جيد". قلت: ليس بجيد الإسناد لأنه اضطرب راويه فيه على وجوه ذكرها الحافظ في "التهذيب" ومن قبله المنذري في "مختصر السنن" ثم قال: "وقد وقع فيه هذا الاختلاف كما تراه وأشار بعض شيوخنا إلى تضعيفه لذلك وهو متوجه". قلت: وفيه علة أخرى وهي الجهالة كما بينته في "ضعيف أبي داود" ٤١٩. قوله تحت عنوان: صوم يومي الاثنين والخميس: "عن أبي هريرة أن النبي ﷺ كان أكثر ما يصوم الاثنين والخميس فقيل له؟ فقال: "إن الأعمال تعرض كل اثنين وخميس ... ". رواه أحمد بسند صحيح". قلت: الحديث صحيح لكن إسناد أحمد غير صحيح فقد أخرجه هو ٢ / ٣٢٩ والترمذي أيضا وابن ماجه من طريق محمد بن رفاعة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عنه. ومحمد بن رفاعة هذا قال الأزدي: "منكر الحديث". وأما ابن حبان فذكره في "الثقات" على قاعدته! ولذلك أفاد ابن حجر في "التقريب" أنه لين الحديث وكل من صحح هذا السند أو وثق هذا الراوي فإنما

стр. 450

عمدته على توثيق ابن حبان وحده وليس بعمدة. ويدل على ضعف ابن رفاعة هذا أنه قد خالفه في متنه مالك وجرير والدراوردي عند مسلم ٧ / ١١ ومعمر عند أحمد ٢ / ٢٦٨ أربعتهم عن سهيل به إلا أنهم لم يذكروا صيامه ﷺ للاثنين والخميس وسؤاله عنه. وكذلك رواه مسلم بن أبي مريم عن أبي صالح به رواه مسلم أيضا وهو مخرج في "الإرواء" ٤ / ١٠٥. وإنما صححت الحديث لأن شطره الثاني صحيح كما ترى وشطره الأول له شواهد منها عن أسامة بن زيد وزاد: "قال: ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم". أخرجه النسائي وأحمد بسند حسن ورواه أبو داود من طريق ثان وابن خزيمة من طريق ثالث انظر "الترغيب" وقد جعل من طريق النسائي وطريق أبي داود واحدا وهو من أوهامه فتنبه. قوله تحت عنوان: صيام ثلاثة أيام من كل شهر: "وجاء عنه ﷺ أنه كان يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس". قلت: الجزم بنسبته إلى النبي ﷺ فيه نظر فإنه من رواية سفيان عن منصور عن خيثمة عن عائشة قالت ... أخرجه الترمذي وقال: "حديث حسن وروى عبد الرحمن بن مهدي هذا الحديث عن سفيان ولم يرفعه".

стр. 451

قال الحافظ في "الفتح": "وهو أشبه". قلت: وله علة أخرى فقد ذكر في "التهذيب" في ترجمة خيثمة هذا - وهو ابن عبد الرحمن - أنه روى عن ابن مسعود وعمر ولم يسمع منهما ثم قال: "وقال ابن القطان: ينظر في سماعه من عائشة ﵂". قوله عطفا على ما سبق: "وأنه ﵇ كان يصوم الخميس من أول الشهر والاثنين الذي يليه والاثنين الذي يليه". قلت: لم أجد هذا في شيء من كتب السنة ولم يذكره ابن القيم في "هديه ﷺ في صيامه". فأخشى أن يكون هذا الحديث انقلب على المؤلف أو غيره فإن المعروف في السنة أنه ﷺ كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر: يوم الاثنين من أول الشهر والخميس الذي يليه ثم الخميس الذي يليه. أخرجه النسائي ١ / ٣٢٨ وغيره وهو مخرج في "صحيح أبي داود" ٢٠١٧ / ١ من حديث ابن عمر وهو وأبو داود وأحمد عن بعض أزواج النبي ﷺ وسنده حسن. قوله تحت: الدعاء عند الفطر ... : "روى ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: "إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد" وكان عبد الله إذا أفطر يقول: اللهم إني ... ". قلت: سكت عليه فأوهم أنه صحيح وليس كذلك فإن في سنده إسحاق ابن عبيد الله المدني ولا يعرف كما قال المنذري في "الترغيب" ولذلك أشار ابن القيم في "الزاد" إلى تضعيف الحديث وقد خرجته وتكلمت عليه بشيء من

стр. 452

التفصيل في "التعليقات الجياد" ثم في "إرواء الغليل" ٩٢١. قوله أيضا: وروى الترمذي بسند حسن أنه ﷺ قال: "ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر والإمام العادل والمظلوم". قلت: كأنه استلزم حسن إسناده من تحسين الترمذي للحديث ولا تلازم بينهما فقد يكون الحديث حسنا عند الترمذي وغيره لشواهده ولا يكون إسناده الذي ساق الحديث به حسنا وفي مثل هذا يقول المتأخرون: إنه حسن لغيره. فتأمل. ثم إن مدار الحديث عند الترمذي وغيره على أبي مدلة وقد قال ابن المديني: "مجهول". وقال الذهبي: "لا يكاد يعرف". ثم خرجته في "الضعيفة" ١٣٥٨ وذكرت فيه أنه مخالف لحديث آخر مخرج في "الصحيحة" ٥٩٦.

стр. 453

ومن مباحات الصيام قوله تحت هذا العنوان: " ... فإذا طلع الفجر وفي فمه طعام وجب عليه أن يلفظه ... ". قلت: هذا تقليد لبعض الكتب الفقهية وهو مما لا دليل عليه في السنة المحمدية بل هو مخالف لقوله ﷺ : "إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه". أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه هو والذهبي وأخرجه ابن حزم وزاد: "قال عمار يعني: ابن أبي عمار راويه عن أبي هريرة: وكانوا يؤذنون إذا بزغ الفجر". قال حماد يعني: ابن سلمة عن هشام بن عروة: كان أبي يفتي بهذا. وإسناده صحيح على شرط مسلم. وله شواهد ذكرتها في "التعليقات الجياد" ثم في "الصحيحة" ١٣٩٤. وفيه دليل على أن من طلع عليه الفجر وإناء الطعام أو الشراب على يده أنه يجوز له أن لا يضعه حتى يأخذ حاجته منه فهذه الصورة مستثناة من الآية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ١ فلا تعارض بينها وما في معناها من الأحاديث وبين هذا الحديث ولا إجماع يعارضه بل ذهب جماعة من الصحابة وغيرهم إلى أكثر مما أفاده الحديث وهو جواز السحور إلى أن يتضح الفجر وينتشر البياض في الطرق راجع "الفتح ٤ / ١٠٩ – ١١٠. لأن من فوائد هذا الحديث إبطال بدعة الإمساك قبل الفجر بنحو ربع ساعة؟ لأنهم إنما يفعلون ذلك خشية أن يدركهم أذان الفجر وهم يتسحرون ولو علموا هذه الرخصة لما وقعوا في تلك البدعة. فتأمل.

стр. 454

ومن ما يبطل الصيام قوله: "الاستمناء إخراج المني سواء أكان سببه تقبيل الرجل لزوجته أو ضمها إليه أو كان باليد فهذا يبطل الصوم ويوجب القضاء". قلت: لا دليل على الإبطال بذلك وإلحاقه بالجماع غير ظاهر ولذلك قال الصنعاني: "الأظهر أنه لا قضاء ولا كفارة إلا على من جامع وإلحاق غير المجامع به بعيد". وإليه مال الشوكاني وهو مذهب ابن حزم فانظر "المحلى" ٦ / ١٧٥ - ١٧٧ و٢٠٥. ومما يرشدك إلى أن قياس الاستمناء على الجماع قياس مع الفارق أن بعض الذين قالوا به في الإفطار لم يقولوا به في الكفارة قالوا: "لأن الجماع أغلظ والأصل عدم الكفارة". انظر "المهذب" مع "شرحه" للنووي ٦ / ٣٦٨. فكذلك نقول نحن: الأصل عدم الأفطار والجماع أغلظ من الاستمناء

стр. 455

فلا يقاس عليه. فتأمل. وقال الرافعي ٦ / ٣٩٦: "المني إن خرج بالاستمناء أفطر لأن الإيلاج من غير إنزال مبطل فالإنزال بنوع شهوة أولى أن يكون مفطرا". قلت: لو كان هذا صحيحا لكان إيجاب الكفارة في الاستمناء أولى من إيجابها على الإيلاج بدون إنزال وهم لا يقولون أيضا بذلك. فتأمل تناقض القياسيين! أضف إلى ذلك مخالفتهم لبعض الآثار الثابتة عن السلف في أن المباشرة بغير جماع لا تفطر ولو أنزل وقد ذكرت بعضها في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" تحت الأحاديث ٢١٩ - ٢٢١ ومنها قول عائشة ﵂ لمن سألها: ما يحل للرجل من امرأته صائما؟ قالت: "كل شيء إلا الجماع". أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" ٤ / ١٩٠ / ٨٤٣٩ بسند صحيح كما قال الحافظ في "الفتح" واحتج به ابن حزم. وراجع سائرها هناك. وترجم ابن خزيمة ﵀ لبعض الأحاديث المشار إليها بقوله في "صحيحه" ٢ / ٢٤٣: "باب الرخصة في المباشرة التي هي دون الجماع للصائم والدليل على أن اسم الواحد قد يقع عل فعلين: أحدهما مباح والآخر محظور إذ اسم المباشرة قد أوقعه الله في نص كتابه على الجماع ودل الكتاب على أن الجماع في الصوم محظور قال المصطفى ﷺ : "إن الجماع يفطر الصائم" والنبي المصطفى ﷺ قد دل بفعله على أن المباشرة التي هي دون الجماع مباحة في الصوم غير

стр. 456

مكروهة". وإن مما ينبغي التنبيه عليه هنا أمرين: الأول: أن كون الإنزال بغير جماع لا يفطر شيء ومباشرة الصائم شيء آخر ذلك أننا لا ننصح الصائم وبخاصة إذا كان قوي الشهوة أن يباشر وهو صائم خشية أن يقع في المحظور الجماع وهذا سدا للذريعة المستفادة من عديد من أدلة الشريعة منها قوله ﷺ : "ومن حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه" وكأن السيدة عائشة ﵂ أشارت إلى ذلك بقولها حين روت مباشرة النبي ﷺ وهو صائم: "وأيكم يملك إربه؟ ". والأمر الآخر: أن المؤلف لما ذكر الاستمناء باليد فلا يجوز لأحد أن ينسب إليه أنه مباح عنده لأنه إنما ذكره لبيان أنه مبطل للصوم عنده. وأما حكم الاستمناء نفسه فلبيانه مجال آخر وهو قد فصل القول فيه في "كتاب النكاح" وحكى أقوال العلماء واختلافهم فيه وإن كان القارئ لا يخرج مما ذكره هناك برأي واضح للمؤلف كما هو الغالب من عادته فيما اختلف فيه. وأما نحن فنرى أن الحق مع الذين حرموه مستدلين بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ , إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ , فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ ولا نقول بجوازه لمن خاف الوقوع في الزنا إلا إذا استعمل الطب النبوي وهو قوله ﷺ للشباب في الحديث المعروف الآمر لهم بالزواج: "فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء". ولذلك فإننا ننكر أشد الإنكار على الذين يفتون الشباب بجوازه خشية الزنا دون أن يأمروهم بهذا الطب النبوي الكريم. قوله: "قال الشوكاني: وقد وقع في الروايات ما يدل على الترتيب والتخيير يعني في كفارة الإفطار بالجماع والذين رووا الترتيب أكثر ومعهم الزيادة". قلت: قد ذكر ابن القيم لرواية الترتيب مرجحات ستة إحداها ما ذكره الشوكاني ومن وقف عليها لا يشك في أرجحيتها فراجعها في "تهذيب السنن" ٣ / ٢٦٩ – ٢٧٢.

стр. 457

ومن قضاء رمضان قوله: "قضاء رمضان لا يجب على الفور بل يجب وجوبا موسعا في أي وقت وكذلك الكفارة". قلت: هذا يتنافى مع قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] فالحق وجوب المبادرة إلى القضاء حين الاستطاعة وهو مذهب ابن حزم ٦ / ٢٦٠ وليس يصح في السنة ما يعارض ذلك. وأما استدلال المؤلف على عدم الوجوب بقوله: "فقد صح عن عائشة أنها كانت تقضي ما عليها من رمضان في شعبان. رواه أحمد ومسلم ولم تكن تقضيه عند قدرتها على القضاء". فليس بصواب لأنه ليس في حديث عائشة أنها كانت تقدر أن تقضيه فورا بل فيه عكس ذلك فإن لفظ الحديث عند مسلم ٣ / ١٥٤ - ١٥٥:

стр. 458

"كان يكون على الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان الشغل من رسول الله ﷺ أو برسول الله ﷺ ". وهكذا أخرجه البخاري أيضا في "صحيحه" خلافا لما أوهمه تخريج المصنف وفي رواية لمسلم عنها قالت: "إن كانت إحدانا لتفطر في زمان رسول الله ﷺ فما تقدر على أن تقضيه مع رسول الله ﷺ حتى يأتي شعبان". فالحديث بروايتيه صريح في أنها كانت لا تستطيع ولا تقدر على القضاء قبل شعبان وفيه إشعار بأنها لو استطاعت لما أخرته فهو حجة على المؤلف ومن سبقه ولذلك قال الزين بن المنير ﵀: "وظاهر صنيع عائشة يقتضي إيثار المبادرة إلى القضاء لولا ما منعها من الشغل فيشعر بأن من كان بغير عذر لا ينبغي له التأخير". واعلم أن ابن القيم والحافظ وغيرهما قد بينا أن قوله في الحديث: "الشغل من رسول الله ﷺ أو برسول الله ﷺ مدرج في الحديث ليس من كلام عائشة بل من كلام أحد رواته وهو يحيى بن سعيد ومن الدليل على ذلك قول يحيى في رواية لمسلم: "فظننت أن ذلك لمكانها من النبي ﷺ ". ولكن هذا لا يخدج فيما ذكرنا لأننا لم نستدل عليه بهذا المدرج بل بقولها: "فما أستطيع ... والمدرج إنما هو بيان لسبب عدم الاستطاعة وهذا لا يهمنا في الموضوع ولا أدري كيف خفي هذا على الحافظ حيث قال في خاتمة شرح الحديث: "وفي الحديث دلالة على جواز تأخير قضاء رمضان مطلقا سواء كان لعذر أو لغير عذر لأن الزيادة كما بيناه مدرجة ... "؟!

стр. 459

فخفي عليه أن عدم استطاعتها هو العذر. فتأمل. قوله: "وروى الدارقطني عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال له في قضاء رمضان: "إن شاء فرق وإن شاء تابع". قلت: لو صح هذا لكان دليلا قاطعا للنزاع ولكنه لم يصح فإنه عند الدارقطني ص ٢٤٤ من طريق سفيان بن بشر بسنده عنه ثم قال الدارقطني: "لم يسنده غير سفيان بن بشر". قلت: وهو في عداد المجهولين فإني لم أجد له ذكرا في شيء من كتب الرجال التي عندي وكأنه لذلك صرح بتضعيف إسناده البيهقي في "السنن" ٤ / ٢٥٨ وأشار لتضعيفه الحافظ في "التلخيص" ٦ / ٤٣٤ حيث قال بعد أن عزا الحديث للدارقطني: "قال: ورواه عطاء عن عبيد بن عمير مرسلا. قلت: وإسناده ضعيف أيضا". وأما قول الشوكاني: "وقد صحح الحديث ابن الجوزي وقال: ما علمنا أحدا طعن في سفيان ابن بشر". قلت: هذا القدر لا يكفي في تصحيح الحديث فإن مثل هذا القول يمكن أن يقال في كل مجهول ونقول على سبيل المعارضة: ما علمنا أحدا وثق سفيان ابن بشر. وهذا أقرب إلى القواعد الحديثية لأن صحة الحديث يشترط فيها ثبوت ثقة رجاله بشهادة الأئمة وأما ضعفه فيكفي أن لا تثبت أو لا تعرف الثقة ولو في بعض رواته كما هو معروف عند المشتغلين بعلم السنة ثم نقول: كيف يصح هذا الحديث وقد ضعفه أحد أئمة الحديث ونقاده وهو الإمام البيهقي؟!

стр. 460

ثم هو معارض بما هو أقوى منه وهو حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا صوم بعد النصف من شعبان حتى رمضان ومن كان عليه صوم من رمضان فليسرده ولا يقطعه". أخرجه الدارقطني ص ٢٤٣ وعنه البيهقي من طريق حبان بن هلال: ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم القاص - وهو ثقة -: ثنا العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عنه. وقال الدارقطني: "عبد الرحمن بن إبراهيم ضعيف الحديث". قلت: وهو مختلف فيه وقد وثق في إسناد الدارقطني كما ترى وقد وثقه ابن معين والبخاري وغيرهما ولذلك قال ابن القطان: "فهو مختلف فيه والحديث من روايته حسن" كما في "الجوهر النقي". ونقل الحافظ عن ابن القطان أنه قال: "ولم يأت من ضعفه بحجة والحديث حسن". ثم تعقبه الحافظ بقوله: "قلت: قد صرح ابن أبي حاتم عن أبيه بأنه أنكر هذا الحديث بعينه على عبد الرحمن". قلت: وجملة القول "أنه لا يصح في هذا الباب شيء لا سلبا ولا إيجابا والأمر القرآني بالمسارعة يقتضي وجوب المتابعة إلا لعذر وهو مذهب ابن حزم أيضا ٦ / ٢٦١ قال: "فإن لم يفعل فيقضيها متفرقة وتجزيه لقول الله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ولم يحدد تعالى في ذلك وقتا يبطل القضاء بخروجه وهو قول أبي
следующие страницы →