بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الطبعة الثانية:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين القائل فيما جاء في "الصحيحين": "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" وعلى آله وصحبه الميامين ومن تبعهم على فقههم وهديهم إلى يوم الدين.
أما بعد فهذه هي الطبعة الثانية لكتابي "تمام المنة في التعليق على فقه السنة" وقد مضى على الطبعة الأولى قرابة ربع قرن من الزمان لم يتيسر لي إعادة النظر فيها وإعدادها للطبع مرة أخرى إلا في هذه الآونة الأخيرة من استقراري في عمان - الأردن فقد تيسر لي - والحمد لله - أن أطبع فيها بعض مؤلفاتي تحت إشرافي وتصحيحي مباشرة مع مساعدة بعض الموظفين في المكتبة الإسلامية وبذلك أتفادى أن يقع فيها قليل أو كثير من الأخطاء الفاحشة أو أن يسقط بعض السطور منها عند تصحيحها أو تصويرها دون إشراف دقيق عليها وقد تمكنا حتى الآن أن نطبع - تحت إشرافي - بعض المؤلفات أذكر على سبيل المثال: المجلد الثالث من "سلسلة الأحاديث الضعيفة" والرابع تحت الطبع والرابع من "سلسلة الأحاديث الصحيحة" والخامس تحت الطبع والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
стр. 2
ولهذه الطبعة الثانية من "تمام المنة" مزايا مهمة كثيرة أهمها أنني ضممت إليها بقية ما كان عندي من التعليق وهي التعليق على الجزء الثالث من الأجزاء الصغيرة التي كان "فقه السنة" طبع عليها أول الأمر وهو يبدأ بأول كتاب "الزكاة" وينتهي بآخر كتاب "الصيام" وبهذه الضميمة نكون قد علقنا على نحو ربع "فقه السنة" بفضل الله ﵎ راجيا منه أن ييسر لي تمام التعليق عليه إذا نسأ الله في العمر وبارك في الوقت أو على الأقل أن أجرد بقية ما فيه من الأحاديث الضعيفة والمنكرة ليكون القراء على علم بها ومعرفة بحقيقة قدر المسائل التي أقيمت عليها كمثل الحديث المذكور في أول كتاب الجنائز وهو يلي الصيام -: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي" ... الخ فإنه ضعيف على شهرته في كتب السيرة ومن هنا أتى المؤلف وقد خرجته وبينت ضعفه في "تخريج فقه السيرة" ص ١٣١ ثم في "الضعيفة" ٢٩٣٣ وكحديث: "العلم ثلاثة وما سوى ذلك فضل: آية محكمة" وسنة قائمة فريضة عادلة "فإنه ضعيف أيضا وبيانه في "تخريج المشكاة" ٢٣٩ والإرواء ١٦٦٤ و "ضعيف أبي داود" ٤٩٦ وهو في آخر كتاب من كتب "فقه السنة"
الفرائض وبين هذا وكتاب الجنائز كتب أخرى فيها عشرات - إن لم أقل مئات - الأحاديث الواهية
هذا ولعلي لا أفشي سرا إذا ذكرت ما يأتي: لقد كان أحد إخواننا الجامعيين اقترح علي أن أرسل إلى الشيخ السيد سابق - تعاونا معه على الخير والعلم وتحري الحقائق - مقدمة كتابي هذا مع الجزء الأول وهما بخط يدي وقبل الطبع فاستجبت لاقتراحه وأرسلتهما
стр. 3
معه إليه فبقيا لديه أكثر من سنة ثم أعاد إلي بواسطة أحد إخواننا المقيمين في القاهرة الجزء المذكور دون المقدمة قد كنت استنسخت نسخة منها احتياطا والحمد لله تعالى.
رجع الجزء إلي دون أن يأتيني من فضيلة الشيخ شيء ينبئني عن رأيه فيه وفي المقدمة ولذلك بادرت إلى طبعهما مع الجزء الثاني في أول فرصة سنحت لي يومئذ على الآلة الكاتبة ثم الساحبة ستانسل.
وقد تبين لي من مقابلتي بعض المسائل في الطبعة القديمة التي وضعت عليها "تمام المنة" ببعض الطبعات الجديدة وبخاصة منها طبعة دار الكتاب العربي ذات المجلدات الثلاثة أن الشيخ لم يستفد من كتابي هذا شيئا يذكر لا فرق في ذلك بين ما كنت أرسلته إليه أو ما طبع منه بعد معه فقد لاحظت أن الأخطاء الحديثية والفقهية بقيت كما هي دون أي تعديل أو تغيير اللهم إلا في بعض المسائل المحدودة جدا فلا أدري أذلك لعدم تفرغه لقراءة ذلك أم لعدم قناعته بما فيه من النقد العلمي الخالص؟ ولعل الأقرب الأول فإن في كتابي من القواعد التي يجب على كل عالم التزامها ومن المسائل والأحاديث ما لا يجوز للعالم أن يمر بها دون أن يحدد موقفه منها نقدا أو تأييدا تضعيفا أو تصحيحا فيما لو وقف عليها كما سيرى القراء من ذلك الكثير والكثير جدا.
ولكن يحول بيني وبين الجزم بهذا الاحتمال أنني رأيته قد استفاد من نقدي إياه في عدة مواضع نبهت على بعضها تعليقا على الصفحات ٤٤ و٦٢ و١٠٤ و١٣٧ و١٤٥ ومن ذلك موقفه من مسألة الوضوء من المحرم الإبل "فإنه في الطبعة التي وضعت التعليق عليها كان قد أورد على ترجيح
стр. 4
الإمام النووي وجوب الوضوء منها إشكالا يصرف ضعفاء العلم ومقلدة المذاهب عن العمل بالحديث فعقب على النووي بقوله:
"إلا أنه يقال: كيف خفي حديث جابر والبراء على الخلفاء الراشدين.."الخ.
فرددت عليه بما يبطل هذا الإشكال من أصله كما ستراه في محله فكان من آثار ذلك أن المؤلف خضع للحق - جزاه الله خيرا - وحذف الإشكال المزعوم ولكنه لم ينوه بمن كان السبب في ذلك!.
وثمة مثال آخر فقد انتقدته في تصديره لحديث: "أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة" بصيغة التمريض الدالة على ضعف الحديث وبينت أنه حسن لغيره وألزمته أن يقول بذلك كما ستراه في الصفحة ٣٨ فإذا به يقع في خطأ جديد هو أفحش من الذي قبله من جهة وهو أنه عزاه لمسلم ولا أصل له عنده ومع ذلك فهو دليل على أنه وقف على نقدي إياه في هذا الحديث وأراد أن يصحح موقفه منه فكان ما رأيت!.
والخلاصة: لقد كنت آمل من المؤلف حفظه الله تعالى أن يستجيب لرغبتي ويحقق رجائي الذي أودعته في مقدمة الطبعة الأولى وأطلعته عليها قبلها - كما تقدم - وهو أن "يعيد النظر فيما كتب حتى الآن ويصحح الأخطاء التي تبينت له ويتريث في إصدار أجزاء الكتاب الأخرى".
كنت أرجو ذلك منه ولكن خاب الرجاء ومضى الرجل في إصدار بقية الكتاب على النهج المنتقد الذي جرى عليه في الأجزاء الأولى دون أن يلتزم تلك القواعد العلمية التي كنت أرسلتها إليه ودون أي تعديل أو تغيير في
стр. 5
منهجه! والعلم - كما هو معروف - في تقدم مستمر لا يعرف للجمود معنى وفي كل يوم تخرج المطابع مصادر علمية جديدة لم تكن معروفة من قبل مما يساعد الباحثين المحققين على تحسين مؤلفاتهم وتنقيحها وتغذيتها بفوائد جديدة وتحقيقات لم تكن متيسرة للكثيرين من قبل!.
من أجل ذلك فإني لما رأيت "فقه السنة" جامدا هكذا على مر السنين كما وضعه المؤلف قبل نحو نصف قرن من الزمان مع تكرر طبعه مرات ومرات بدا لي أن أعيد النظر فيما عندي من "تمام المنة في التعليق على فقه السنة" فنقحته وزدت فيه مسائل عدة وفوائد جمة ذكرت أهمها في مطلع هذه الكلمة فكان ذلك كله من دواعي إعادة طبعه ونشره على الناس في ثوبه الجديد سائلا المولى أن يجعله وسائر مؤلفاتي عملا صالحا ولوجهه خالصا وأن لا يجعل لأحد فيه شيئا.
وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
عمان / ١ رجب سنة ١٤٠٨هـ
وكتب محمد ناصر الدين الألباني أبو عبد الرحمن
стр. 6
مقدمة الطبعة الأولى:
"إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ .
﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ ١.
стр. 7
أما بعد فإن كتاب فقه السنة للشيخ سيد سابق من أحسن الكتب التي وقفت عليها مما ألف في موضوعه في حسن تبويب وسلاسة أسلوب مع البعد عن العبارات المعقدة التي قلما يخلو منها كتاب من كتب الفقه الأمر الذي رغب الشباب المسلم في الإقبال عليه والتفقه في دين الله به وفتح أمامهم آفاق البحث في السنة المطهرة وحفزهم على استخراج ما فيها من الكنوز والعلوم التي لا يستغني عنها مسلم أراد الله به خيرا كما قال ﷺ : "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" متفق عليه وهو مخرج في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" ١١٩٤
ولقد كان صدور هذا الكتاب - فيما أرى - ضرورة من ضرورات العصر الحاضر حيث تبين فيه لكثير من المسلمين أن لا نجاة مما هم فيه من الانحراف والاختلاف والانهيار وتغلب الكفار والفساق عليهم إلا بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ يأخذون منها فقط ومن القرآن أمور دينهم ومسائل فقههم فكان لهذا لا بد لعامتهم من مصدر قريب التناول يمكن الاعتماد عليه والرجوع إليه حين يقتضيهم الأمر ويغنيهم عن المراجعات الكثيرة في الموسوعات العديدة من أجل مسائل قليلة أو كثيرة
فكان أن ألهم الله تعالى الأستاذ السيد سابق فأخرج لهم هذا الكتاب "فقه السنة" فقرب لهم الطريق وأنار لهم السبيل جزاه الله خيرا..
من أجل ذلك كنت ولا أزال أحض على اقتنائه والاستفادة مما فيه من السنة والحق - ومنذ صدور الجزء الأول منه من الحجم الصغير القديم - كل راغب في السنة وناصر للحق حتى انتشرت نسخه بين صفوف إخواننا السلفيين وغيرهم في دمشق وغيرها من البلاد السورية وغيرها فكان من نتيجة
стр. 8
ذلك أن توجهت إلي منهم أسئلة كثيرة عن غير قليل من المسائل والأحاديث الواردة فيه فكنت أجيبهم عنها بما أعلمه وكثيرا ما كان الجواب مخالفا لما في الكتاب فقد كنت أضعف كثيرا من أحاديثه وأخطئ عديدا من مسائله فلما رأى ذلك بعض الغيورين على فقه السنة والحريصين على نشرها صحيحة بين صفوف الأمة اقترح على أن أسجل ما آخذه على الكتاب وأنشره بين الناس فاعتذرت عن ذلك أول الأمر ثم لما تكرر الطلب فيه وألح به كثير غيره رأيت أنه لا بد من إجابة طلبتهم وتحقيق رغبتهم لما في ذلك من خدمة للكتاب بل الفكرة التي يحملها ويدعو الناس إليها وهي "جمعهم على الكتاب والسنة والقضاء على الخلاف وبدعة التعصب للمذاهب ... " كما صرح في مقدمته.
وعلاوة على ذلك ففيه تنزيه للكتاب مما وقع فيه من الأخطاء الفقهية والأحاديث الضعيفة التي يتنافى وجودها مع "فقه السنة" وبهذا أكون قد حققت شيئا من الرغبة التي كان أبداها للطرفين أحد إخواننا لما ذهب إلى مصر وهي التعاون في سبيل الفكرة المذكورة عن كثب وقرب ولكن حال دون ذلك عدة أسباب أهمها: بعد الدار وتعذر اللقاء فإذ قد فاتني ذلك فلا أقل من التعاون فيها عن بعد لأنه كما قيل: ما لا يدرك كله لا يترك جله..
فلما شرح الله لذلك صدري واطمأن له قلبي شرعت في قراءة ما صدر من أجزاء الكتاب قراءة إمعان وتدبر فكنت كلما تبين لي منه شيء يستحق ذكره والتنبيه عليه سجلته عندي وعلقته في وريقاتي فما أن انتهيت من التعليق عليها حتى تأكد لدي ضرورة ما صنعت ذلك لأنني وقفت فيها بعد
стр. 9
هذه الدراسة على أخطاء كثيرة بعضها مهمة جدا ما كنت أتصور وجودها فيها ولذلك فإني رأيت أنه لا بد من بيانها وقد وفق الله لذلك وله الحمد والمنة.
ولعل من الفائدة أن أشير إلى نوع تلك الأخطاء بصورة مجملة ليأخذ القارئ عنها فكرة عامة فتتبين له أهمية هذا التعليق فأقول:
يمكن حصر هذه الأخطاء على وجه التقريب فيما يلي:
١ - أحاديث كثيرة سكت المؤلف عليها وهي ضعيفة.
٢ - أحاديث أخرى قواها وهي عند التحقيق واهية.
٣ - أحاديث ضعفها وهي صحيحة أو لها أسانيد أخرى صحيحة.
٤ - أحاديث ينسبها لغير "الصحيحين" وهي فيهما أو في أحدهما.
٥ - أحاديث يعزوها لأحد "الصحيحين" وغيرها ولا أصل لها فيهما.
٦ - أحاديث يوردها ولا وجود لها في شيء من كتب السنة.
٧ - سوق الحديث من طريق صحابي يسميه برواية جماعة من المحدثين وهو عند بعضهم عن صحابي آخر أو أكثر.
٨ - عزوه الحديث لمخرجه ساكتا عليه مع أن مخرجه الذي نسبه إليه عقبه بما يقدح في صحته
٩ - عدم تتبعه أدلة المسائل فكثيرا ما يسوق المسائل دون دليل يؤيدها وأحيانا يحتج لها بالقياس مع أنه يوجد فيها حديث صحيح وتارة يستدل بالعموم وفيها دليل خاص.
стр. 10
١٠ - عدم استقصائه مسائل الفصل مثل "الأغسال المستحبة" ونحوها.
١١ - إيراده في المسالة الواحدة أقوالا متعارضة دون أن يرجح إحداها على الأخرى.
١٢ - اضطراب رأيه في بعض المسائل في المكان الواحد فيختار في أول البحث ما ينقضه في خاتمته.
١٣ - ترجيحه من الأقوال والآراء المتعارضة ما لا يستحق الترجيح لضعف دليله وقوة دليل مخالفه.
١٤ - مخالفته الحديث الصحيح الذي لا معارض له من الحديث في غير ما مسألة.
وهذا النوع الأخير من أنكر ما وقع للمؤلف فإنه لا يتفق في شيء مع توجيه المؤلف في الكتاب الناس إلى الأخذ بالسنة ولاسيما إذا عرفت أن عذره في المخالفة المشار إليها هو عدم أخذ الجمهور بالحديث في بعض المسائل أو عدم علمه بمن عمل به في مسألة أخرى وهذه هي شبهة المقلدين في رد السنن ومحاربتها وسيأتي كلام الإمام الشافعي الذي يبطل هذه الشبهة ويستأصل شأفتها جزاه الله خيرا
وقد يكون من نافلة القول أن أذكر أنني لا أريد بالتعليق على الكتاب وبيان أخطائه أن أحط من قدره شيئا أو أبخس من حقه بل إنما أريد الانتصار للحق بالحق وصيانة "فقه السنة" عن الخطأ ما أمكن فإن ذلك أدعى لإقبال الناس عليه والاستفادة منه وأحرى أن يقطع ألسنة خصوم الفكرة عن التكلم فيه بحق أو بباطل فلعل المؤلف - زاده الله توفيقا - يعيد النظر
стр. 11
فيما كتب حتى الآن ويصحح الأخطاء التي تبينت له ويتريث في إصدار أجزاء الكتاب الأخرى١ إلا بعد أن يتبين من صحتها وسلامتها من الأخطاء ويجردها من الأحاديث الضعيفة فإن في الصحيح ما يغني عن الضعيف.
هذا وإنني لما بدأت في التعليق على الكتاب ترددت في طريقة نقلي لكلامه أأنقله برمته أو بغالبه الذي يدل عليه أم أكتفي بنقل طرفه الأول الذي يشير إلى تتمته كما هي العادة في التعليقات؟ فأخذت الطريقة الأولى وهي وإن كانت تستلزم شيئا من التكرار بالنسبة لمن عنده الأصل "فقه السنة" فإنه أكثر فائدة ووضوحا لمن ليس عنده الأصل لأنه يستطيع أن يفهم الكلام المنتقدة والحديث المضعف ونحو ذلك دون أن يرجع إلى الأصل وقد سميته:
"تمام المنة في التعليق على فقه السنة".
والله تعالى أسال أن يجعله خالصا لوجه الله الكريم وأن ينفع به النفع العميم إنه سميع مجيب.
стр. 12
مقدمة علمية هامة:
وقبل الشروع في المقصود لا بد من أن أقدم بين يدي ذلك بعض القواعد الأساسية التي لا يستغني عن معرفتها من كان يعنيه أمر التفقه في السنة ولاسيما أن طريقة التأليف تستلزم ذلك لكي نتمكن من الإحالة إليها عندما تأتي مناسبتها وبذلك أوفر علي وعلى القراء وقتا غير قليل ونعفي أنفسنا من كثير من الإعادة التي لا ضرورة إليها كما سيرى القارئ الكريم.
стр. 13
القاعدة الأولى رد الحديث الشاذ
اعلم أن من شروط الحديث الصحيح أن لا يكون شاذا فإن تعريف الحديث الصحيح عند المحدثين:
"هو الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه ولا يكون شاذا ولا معللا ففي هذه الأوصاف احتراز عن المرسل والمنقطع والشاذ وما فيه علة قادحة مما في روايته نوع جرح"١.
стр. 14
والحديث الشاذ ما رواه الثقة المقبول مخالفا لمن هو أولى منه على ما هو المعتمد عند المحدثين١ وأوضح ذلك ابن الصلاح في "المقدمة" فقال ص ٨٦
"إذا انفرد الراوي بشيء نظر فيه فإن كان مما انفرد به مخالفا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ أو أضبط كان ما انفرد به شاذا مردودا وإن لم تكن فيه مخالفة لما رواه غيره وإنما رواه هو ولم يروه غيره فينظر في هذا الراوي المنفرد فإن كان عدلا حافظا موثوقا بإتقانه وضبطه قبل ما انفرد به ولم يقدح الانفراد به وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده خارما له مزحزحا له عن حيز الصحيح ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول تفرده استحسنا حديثه ذلك ولم نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف وإن كان بعيدا من ذلك رددنا ما انفرد به وكان من قبيل الشاذ المنكر..".
والشذوذ يكون في السند ويكون في المتن ولكل منهما أمثلة كثيرة سيأتي التنبيه على بعضها في مواطنها إن شاء الله تعالى.
стр. 15
القاعدة الثانية رد الحديث المضطرب
علم مما سبق آنفا أن من شروط الحديث الصحيح أن لا يكون معللا فاعلم أن من علل الحديث الاضطراب وقد قالوا في وصف الحديث المضطرب:
"هو الذي تختلف الرواية فيه فيرويه بعضهم على وجه وبعضهم على وجه آخر مخالف له وإنما نسميه مضطربا إذا تساوت الروايتان أما إذا ترجحت إحداهما بحيث لا تقاومها الأخرى بأن يكون راويها أحفظ أو أكثر صحبة للمروي عنه أو غير ذلك من وجوه الترجيحات المعتمدة فالحكم للراجحة ولا يطلق عليه حينئذ وصف المضطرب ولا له حكمه.
ثم قد يقع الاضطراب في متن الحديث وقد يقع في الإسناد وقد يقع ذلك في راو واحد وقد يقع من رواة له جماعة والاضطراب موجب ضعف الحديث لإشعاره بأنه لم يضبط"١.
ثم ضرب على ذلك مثلا حديث الخط الذي قواه المؤلف وسيأتي الرد عليه بإذنه تعالى في فصل السترة.
стр. 16
القاعدة الثالثة رد الحديث المدلس
التدليس ثلاثة أقسام:
١ - تدليس الإسناد وهو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه موهما أنه سمعه وقد يكون بينها واحد أو أكثر ومن شأنه أنه لا يقول في ذلك: أخبرنا فلان ولا: حدثنا وما أشبهها وإنما يقول: قال فلان أو: عن فلان.. ونحو ذلك من الصيغ الموهمة للسماع.
٢ - تدليس الشيوخ وهو أن يروي عن شيخ حديثا سمعه منه فيسميه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما لا يعرف به كي لا يعرف.
٣ - تدليس التسوية وهو أن يجئ المدلس إلى حديث سمعه من شيخ ثقة وقد سمعة ذلك الشيخ الثقة من شيخ ضعيف وذلك الشيخ الضعيف يرويه عن شيخ ثقة.
فيعمد المدلس الذي سمع الحديث من الثقة الأول فيسقط منه شيخ شيخه الضعيف ويجعله من رواية شيخه الثقة عن الثقة الثاني بلفظ محتمل كالعنعنة ونحوها فيصير الإسناد كله ثقات ويصرح هو بالاتصال بينه وبين شيخه لأنه قد سمعه منه فلا يظهر حينئذ في الإسناد ما يقتضي عدم قبوله إلا لأهل النقد والمعرفة بالعلل ولذلك كان شر أقسام التدليس ويتلوه الأول ثم الثاني١.
وحكم من ثبت عنه التدليس إذا كان عدلا أن لا يقبل منه إلا ما صرح
стр. 17
فيه بالتحديث وبعضهم لا يقبل حديثه مطلقا والأصح الأول كما قال الحافظ ابن حجر١ على تفصيل لهم في ذلك فليراجع من شاء كتب "المصطلح".
стр. 18
القاعدة الرابعة رد حديث المجهول
قال الخطيب في "الكفاية" ص ٨٨:
" المجهول عند أصحاب الحديث هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه ولا عرفه العلماء به ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد".
وأقل ما ترتفع به الجهالة أن يروي عن الرجل اثنان فصاعدا من المشهورين بالعلم كذلك.
قلت: إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه وقد زعم قوم أن عدالته تثبت بذلك.
ثم ذكر فساد قولهم في باب خاص عقب هذا فليراجعه من شاء.
قلت: والمجهول الذي لم يرو عنه إلا واحد هو المعروف بمجهول العين وهذه هي الجهالة التي ترتفع برواية اثنين عنه فأكثر وهو المجهول الحال والمستور وقد قبل روايته جماعة بغير قيد وردها الجمهور كما في "شرح النخبة" ص ٢٤ قال:
стр. 19
"والتحقيق أن رواية المستور ونحوه مما فيه الاحتمال لا يطلق القول بردها ولا بقبولها بل يقال: هي موقوفة إلى استبانة حاله كما جزم به إمام الحرمين".
قلت: وإنما يمكن أن يتبين لنا حاله بأن يوثقه إمام معتمد في توثيقه وكأن الحافظ أشار إلى هذا بقوله: إن مجهول الحال هو الذي روى عنه اثنان فصاعدا ولم يوثق"وإنما قلت: "معتمد في توثيقه" لأن هناك بعض المحدثين لا يعتمد عليهم في ذلك لأنهم شذوا عن الجمهور فوثقوا المجهول منهم ابن حبان وهذا ما بينته في القاعدة التالية
نعم يمكن أن تقبل روايته إذا روى عنه جمع من الثقات ولم يتبين في حديثه ما ينكر عليه وعلى هذا عمل المتأخرين من الحفاظ كابن كثير والعراقي والعسقلاني وغيرهم. وانظر بعض الأمثلة فيما يأتي ٢٠٤ – ٢٠٧.
стр. 20
القاعدة الخامسة عدم الاعتماد على توثيق ابن حبان
قد علمت مما سبق آنفا أن المجهول بقسميه لا يقبل حديثه عند جمهور العلماء وقد شذ عنهم ابن حبان فقبل حديثه واحتج به وأورده في "صحيحه" قال الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان ":
"قال ابن حبان: من كان منكر الحديث على قلته لا يجوز تعديله إلا بعد السبر ولو كان ممن يروي المناكير ووافق الثقات في الأخبار لكان عدلا مقبول الرواية إذ الناس أقوالهم على الصلاح والعدالة حتى يتبين منهم ما يوجب القدح [فيجرح بما ظهر منه من الجرح] هذا حكم المشاهير من
стр. 21
الرواة فأما المجاهيل الذين لم يرو عنهم إلا الضعفاء فهم متروكون على الأحوال كلها". " الضعفاء" ٢ / ١٩٢ - ١٩٣ والزيادة من ترجمة عائذ الله المجاشعي.
ثم قال الحافظ:
"قلت: وهذا الذي ذهب إليه ابن حبان من أن الرجل إذا انتفت جهالة عينه كان على العدالة حتى يتبين جرحه مذهب عجيب والجمهور على خلافه وهذا مسلك ابن حبان في "كتاب الثقات" الذي ألفه فإنه يذكر خلقا نص عليهم أبو حاتم وغيره على أنهم مجهولون وكان عند ابن حبان أن جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور وهو مذهب شيخه ابن خزيمة ولكن جهالة حاله باقية عند غيره". هذا كله كلام الحافظ.
ومن عجيب أمر ابن حبان أنه يورد في الكتاب المذكور بناء على هذه القاعدة المرجوحة جماعة يصرح في ترجمتهم بأنه "لا يعرفهم ولا آباءهم"!
فقال في الطبقة الثالثة: "سهل يروي عن شداد بن الهاد روى عنه أبو يعفور ولست أعرفه ولا أدري من أبوه".
ومن شاء الزيادة في الأمثلة فليراجع "الصارم المنكي" ص ٩٢ - ٩٣ وقد قال بعد أن ساقها:
"وقد ذكر ابن حبان في هذا الكتاب خلقا كثيرا من هذا النمط وطريقته فيه أنه يذكر من لم يعرفه بجرح وإن كان مجهولا لم يعرف حاله وينبغي أن ينتبه لهذا ويعرف أن توثيق ابن حبان للرجل بمجرد ذكره في هذا الكتاب من أدنى درجات التوثيق".
стр. 22
ولهذا نجد المحققين من المحدثين كالذهبي والعسقلاني وغيرهما لا يوثقون من تفرد بتوثيقه ابن حبان وستأتي أمثلة كثيرة على ذلك عند الكلام على الأحاديث الضعيفة التي وثق المؤلف - أو من نقل عنه - رجالها مع أن فيها من تفرد ابن حبان بتوثيقهم من المجهولين
ومما ينبغي التنبه له أن قول ابن عبد الهادي:
" وإن كان مجهولا لم يعرف حاله" ليس دقيقا: لأنه يعطي بمفهوم المخالفة أن طريقة ابن حبان في "ثقاته" أن لا يذكر فيه من كان مجهول العين وليس كذلك بدليل قوله المتقدم في "سهل": "لست أعرفه ولا أدري من أبوه". ومثله ما يأتي قريبا.
وكذلك قول الحافظ: "برواية واحد مشهور" يوهم أن ابن حبان لا يوثق إلا من روى عنه واحد مشهور: لأنه إن كان يعني مشهورا بالثقة كما هو الظاهر فهو مخالف للواقع في كثير من ثقاته وإن كان يعني غير ذلك فهو مما لا قيمة له لأنه إما ضعيف أو مجهول ولكل منهما رواة في "كتاب الثقات" وإليك بعض الأمثلة من طبقة التابعين عنده:
١ - إبراهيم بن عبد الرحمن العذري قال ٤ / ١٠:
"يروي المراسيل روى عنه معان بن رفاعة".
ثم ذكر له بإسناده عنه مرسلا: "يرث هذا العلم من كل خلف عدوله..". الحديث.
قلت: ومعان هذا قال الحافظ نفسه فيه:
"لين الحديث".
وقال الذهبي:
стр. 23
"ليس بعمدة ولا سيما أتى بواحد لا يدرى من هو".
يعني إبراهيم هذا فهو مجهول العين وأشار ابن حبان إلى هذا فقال في ترجمة معان من "الضعفاء" ٣ / ٣٦: "منكر الحديث يروي مراسيل كثيرة ويحدث عن أقوام مجاهيل لا يشبه حديثه حديث الأثبات".
٢ - إبراهيم بن إسماعيل. قال ٤ / ١٤ - ١٥:
"يروي عن أبي هريرة روى عنه الحجاج بن يسار".
قلت: الحجاج هذا - ويقال فيه: ابن عبيد - قال الحافظ فيه:
"مجهول".
وكذا قال قبله أبو حاتم وغيره كما في "ميزان" الذهبي وبين وجه ذلك فقال:
"روى عنه ليث بن أبي سليم وحده"!
وليث هذا ضعيف مختلط كما هو معروف حتى عند ابن حبان ٢ / ٢٣١.
٣ - إبراهيم الأنصاري قال ابن حبان ٤ / ١٥:
"يروي عن مسلمة بن مخلد.. روى عنه ابنه إسماعيل بن إبراهيم".
قلت: وإسماعيل هذا مجهول كما قال الحافظ ومن قبله أبو حاتم.
فتبين من هذا التحقيق أن ابن حبان ترتفع جهالة العين عنده برواية واحد ولو كان ضعيفا أو مجهولا خلافا لظاهر كلام الحافظ المتقدم وإن كان
стр. 24
لم يجزم به فإنه قال: "وكأن ابن حبان.." وهو أخذه من قول ابن حبان الذي نقله عنه آنفا: "هذا حكم المشاهير من الرواة فأما المجاهيل.." الخ فهو منقوض بالمثال الثاني كما هو ظاهر.
وبالجملة فالجهالة العينية وحدها ليست جرحا عند ابن حبان وقد ازددت يقينا بذلك بعد أن درست تراجم كتابه "الضعفاء" وقد بلغ عددهم قرابة ألف وأربعمائة راو فلم أر فيهم من طعن فيه بالجهالة اللهم إلا أربعة منهم لكنه طعن فيهم بروايتهم المناكير وليس بالجهالة وهاك أسماءهم وكلامه فيهم:
١ - حميد بن علي بن هارون القيسي. ذكر له ١ / ٢٦٣ - ٢٦٤ بعض المناكير ثم قال:
" فلا يجوز الاحتجاج به بعد روايته مثل هذه الأشياء عن هؤلاء الثقات ... وهذا شيخ ليس يعرفه كثير أحد"
٢ - عبد الله بن أبي ليلى الأنصاري قال ٢ / ٥:
" هذا رجل مجهول ما أعلم له شيئا يرويه غير هذا الحرف المنكر الذي يشهد إجماع المسلمين قاطبة ببطلانه".
٣ - عبد الله بن زياد بن سليم قال ٢ / ٧: "شيخ مجهول روى عنه بقية بن الوليد لست أحفظ له راويا غير بقية وبقية قد ذكرنا ضعفه في أول الكتاب فلا يتهيأ لي القدح فيه على أن ما رواه يجب تركه على الأحوال"
٤ - أبو زيد: قال ٣ / ١٥٨:
стр. 25
" أبو زيد. يروي عن ابن مسعود ما لم يتابع عليه ليس يدرى من هو؟ لا يعرف أبوه ولا بلده والإنسان إذا كان بهذا النعت ثم لم يرو إلا خبرا واحدا خالف فيه الكتاب والسنة والإجماع والقياس والنظر والرأي يستحق مجانبته فيه ولا يحتج به".
ومن هنا قال ابن عبد الهادي فيما تقدم:
"وطريقته فيه أنه يذكر من لم يعرفه بجرح وإن كان مجهولا لم يعرف حاله".
لكن الصواب أن يقال عنه: "لم يعرف عينه" للأمثلة المتقدمة. والله أعلم.
والخلاصة أن توثيق ابن حبان يجب أن يتلقى بكثير من التحفظ والحذر لمخالفته العلماء في توثيقه للمجهولين
لكن ليس ذلك على إطلاقه كما بينه العلامة المعلمي في "التنكيل" ١ / ٤٣٧ - ٤٣٨ مع تعليقي عليه
وراجع لهذا البحث ردي على الشيخ الحبشي فإنه كثير الاعتماد على من وثقه ابن حبان من المجهولين ص ١٨ – ٢١.
وإن مما يجب التنبيه عليه أيضا أنه ينبغي أن يضم إلى ما ذكره المعلمي أمر آخر هام عرفته بالممارسة لهذا العلم قل من نبه عليه وغفل عنه جماهير الطلاب وهو أن من وثقه ابن حبان وقد روى عنه جمع من الثقات ولم يأت بما ينكر عليه فهو صدوق يحتج به.
وبناء على ذلك قويت بعض الأحاديث التي هي من هذا القبيل كحديث العجن في الصلاة فتوهم بعض الناشيءين في هذا العلم أنني
стр. 26
ناقضت نفسي وجاريت ابن حبان في شذوذه وضعف هو حديث العجن وسيأتي الرد عليه مفصلا إن شاء الله مع ذكر عشرة أمثلة من الرواة الذين وثقهم ابن حبان فقط وتبعه الحافظان الذهبي والعسقلاني فاطلب ذلك في بحث "كيفية الرفع من السجود" ص ١٩٧ – ٢٠٧
стр. 27
القاعدة السادسة قولهم: رجاله رجال الصحيح ليس تصحيحا للحديث
علمت من القاعدة الأولى تعريف الحديث الصحيح وأن من شروطه أن يسلم من العلل التي بعضها الشذوذ والاضطراب والتدليس كما تقدم بيانه وعليه فقول بعض المحدثين في حديث ما: "رجاله رجال الصحيح" أو: "رجاله ثقات" أو نحو ذلك لا يساوي قوله: "إسناده صحيح" فإن هذا يثبت وجود جميع شروط الصحة التي منها السلامة من العلل بخلاف القول الأول فإنه لا يثبتها وإنما يثبت شرطا واحدا فقط وهو عدالة الرجال وثقتهم وبهذا لا تثبت الصحة كما لا يخفى.
وثمة ملاحظة أخرى وهي: أنه قد يسلم الحديث المقول فيه ذلك القول من تلك العلل ومع ذلك فلا يكون صحيحا لأنه قد يكون في السند رجل من رجال الصحيح ولكن لم يحتج به وإنما أخرج له استشهادا أو مقرونا بغيره لضعف في حفظه أو يكون ممن تفرد بتوثيقه ابن حبان وكثيرا ما يشير بعض المحققين إلى ذلك بقوله: "ورجاله موثقون" إشارة إلى أن في توثيق بعضهم لينا فهذا كله يمنع من أن تفهم الصحة من قولهم الذي ذكرنا.
والمؤلف كأنه لم ينتبه لهذا كله فجرى في كثير من الأحاديث على تصحيحها لمجرد قول البعض فيها ذلك القول وسنرى في تضاعيف التعليق التنبيه على ذلك.
ثم زدت هذه القاعدة بيانا في مقدمة كتابي "صحيح الترغيب والترهيب" ص ٣٩ - ٤٦ فراجعه فإنه مهم.
стр. 28
القاعدة السابعة عدم الاعتماد على سكوت أبي داود
اشتهر عن أبي داود أنه قال في حق كتابه "السنن":
"ما كان في كتابي هذا من حديث فيه وهن شديد بينته وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح".
فاختلف العلماء في فهم مراده من قوله: "صالح" فذهب بعضهم إلى أنه أراد أنه حسن يحتج به.
وذهب آخرون إلى أنه أراد ما هو أعم من ذلك فيشمل ما يحتج به وما يستشهد به وهو الضيف الذي لم يشتد ضعفه وهذا هو الصواب بقرينة قوله: وما فيه وهن شديد بينته فإنه يدل بمفهومه على أن ما كان فيه وهن غير شديد لا يبين فدل على أنه ليس كل ما سكت عليه حسنا عنده ويشهد لهذا وجود أحاديث كثيرة عنده لا يشك عالم في ضعفها وهي مما سكت أبو داود عليها حتى إن النووي يقول في بعضها: وإنما لم يصرح أبو داود بضعفه لأنه ظاهر"
стр. 29
ومع هذا فقد جرى النووي ﵀ على الاحتجاج بما سكت عنه أبو داود في كثير من الأحاديث ولم يعرج فيها على مراجعة أسانيدها فوقع بسبب ذلك في أخطاء كثيرة.
وقد رجح هذا الذي فهمناه عن أبي داود العلماء المحققون أمثال ابن منده والذهبي وابن عبد الهادي وابن كثير وقد نقلت كلماتهم في مقدمة كتابي "صحيح أبي داود".
ثم وقفت على كلام الحافظ ابن حجر في هذه المسألة وقد ذهب فيه إلى هذا الذي ذكرناه وشرحه واحتج له بما لا تراه لغيره ولولا خشية الإطالة لنقلته هنا فأكتفي بالإحالة إلى مصدره وهو "توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار" ١ / ١٩٦ - ١٩٩ للإمام الصنعاني.
стр. 30
القاعدة الثامنة رموز السيوطي في "الجامع الصغير" لا يوثق بها
اشتهر أيضا بين كثير من العلماء الاعتماد على رمز السيوطي للحديث بالصحة والحسن أو الضعف وتبعهم في ذلك الشيخ السيد سابق ونرى أنه غير سائغ لسببين:
١ - طروء التحريف على رموزه من النساخ فكثيرا ما رأيت الحديث فيه مرموزا له بخلاف ما ينقله شارحه المناوي عن السيوطي نفسه وهو إنما ينقل عن "الجامع" بخط مؤلفه كما صرح بذلك في أوائل الشرح وهو نفسه يقول فيه:
стр. 31
" وأما ما يوجد في بعض النسخ من الرمز إلى الصحيح والحسن والضعيف بصورة رأس "صاد وحاء وضاد" فلا ينبغي الوثوق به لغلبة تحريف النساخ على أنه وقع له ذلك في بعض دون بعض كما رأيته بخطه".
٢ - أن السيوطي معروف بتساهله في التصحيح والتضعيف فالأحاديث التي صححها أو حسنها فيه قسم كبير منها ردها عليه الشارح المناوي وهي تبلغ المئات إن لم نقل أكثر من ذلك وكذلك وقع فيه أحاديث كثيرة موضوعة مع أنه قال في مقدمته: "وصنته عما تفرد به وضاع أو كذاب".
وقد تتبعتها بصورة سريعة وهي تبلغ الألف تزيد قليلا أو تنقص كذلك وأرجو أن أوفق لإعادة النظر فيها وإجراء قلم التحقيق عليها وإخراجها للناس ومن الغريب أن قسما غير قليل فيها شهد السيوطي نفسه بوضعها في غير هذا الكتاب فهذا كله يجعل الثقة به ضعيفة نسأل الله العصمة.
ثم يسر الله ﵎ فجعلت "الجامع الصغير وزيادته" المسمى ب "الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير" قسمين: "صحيح الجامع.." و "ضعيف الجامع.." وعدد أحاديث هذا ٦٤٦٩ حديثا والموضوع منها ٩٨٠ حديثا على وجه التقريب وهو مطبوع كالصحيح والحمد لله تعالى.
стр. 32
القاعدة التاسعة سكوت المنذري على الحديث في "الترغيب" ليس تقوية له
الأصل أنه لا يجوز إيراد الحديث الضعيف إلا ببيان حاله كما سيأتي بيانه ولذلك يظن بعضهم أن ما سكت عليه المنذري في "الترغيب والترهيب" يدل على أنه غير ضعيف عنده وعليه جرى الشيخ السيد سابق في غير ما حديث وهو ذهول عن اصطلاح المنذري الذي صرح به في مقدمة الكتاب حيث قال ﵀ ص ٤: "فإذا كان إسناد الحديث صحيحا أو حسنا أو ما قاربهما صدرته بلفظة "عن" وكذلك إذا كان مرسلا أو منقطعا أو معضلا أو في إسناده راو مبهم أو ضعيف وثق أو ثقة ضعف وبقية رواة الإسناد ثقات أو فيهم كلام لا يضر أو روي مرفوعا والصحيح وقفه أو متصلا والصحيح إرساله أو كان إسناده ضعيفا لكن صححه أو حسنه بعض من خرجه أصدره أيضا بلفظة "عن" ثم أشير إلى إرساله أو انقطاعه أو عضله أو ذلك الراوي المختلف فيه فأقول رواه فلان من رواية فلان أو من طريق فلان أو في إسناده فلان أو نحو هذه العبارة.
وإذا كان في الإسناد من قيل فيه: كذاب أو وضاع أو متهم أو مجمع على تركه أو ضعفه أو ذاهب الحديث أو هالك أو ساقط أو ليس بشيء أو ضعيف جدا أو ضعيف فقط أو لم أر فيه توثيقا بحيث لا يتطرق إليه احتمال التحسين صدرته بلفظة "روي" ولا أذكر ذلك الراوي ولا ما قيل فيه البتة فيكون للإسناد الضعيف دلالتان: تصديره بلفظة "روي" وإهمال الكلام عليه في آخره"
وقد فصلت القول على كلامه هذا وما فيه من الإجمال والغموض والمؤاخذات في مقدمة "صحيح الترغيب" فراجعها فإنها مهمة جدا.
стр. 33
القاعدة العاشرة تقوية الحديث بكثرة الطرق ليس على إطلاقه
من المشهور عند أهل العلم أن الحديث إذا جاء من طرق متعددة فإنه يتقوى بها ويصير حجة وإن كان كل طريق منها على انفراده ضعيفا ولكن هذا ليس على إطلاقه بل هو مقيد عند المحققين منهم بما إذا كان ضعف رواته في مختلف طرقه ناشيءا من سوء حفظهم لا من تهمة في صدقهم أو دينهم وإلا فإنه لا يتقوى مهما كثرت طرقه وهذا ما نقله المحقق المناوي في "فيض القدير" عن العلماء قالوا:
"وإذا قوي الضعف لا ينجبر بوروده من وجه آخر وإن كثرت طرقه ومن ثم اتفقوا على ضعف حديث: "من حفظ على أمتي أربعين حديثا"١ مع كثرة طرقه لقوة ضعفه وقصورها عن الجبر خلاف ما خف ضعفه ولم يقصر الجابر عن جبره فإنه ينجبر ويعتضد".
وراجع لهذا "قواعد التحديث" ص ٩٠ و "شرح النخبة" ص ٢٥.
وعلى هذا فلا بد لمن يريد أن يقوي الحديث بكثرة طرقه أن يقف على
стр. 34
رجال كل طريق منها حتى يتبين له مبلغ الضعف فيها ومن المؤسف أن القليل جدا من العلماء من يفعل ذلك ولا سيما المتأخرين منهم فإنهم يذهبون إلى تقوية الحديث لمجرد نقلهم عن غيرهم أن له طرقا دون أن يقفوا عليها ويعرفوا ماهية ضعفها والأمثلة على ذلك كثيرة من ابتغاها وجدها في كتب التخريج وبخاصة في كتابي "سلسلة الأحاديث الضعيفة".
стр. 35
القاعدة الحادية عشرة لا يجوز ذكر الحديث الضعيف إلا مع بيان ضعفه
لقد جرى كثير من المؤلفين ولا سيما في العصر الحاضر على اختلاف مذاهبهم واختصاصاتهم على رواية الأحاديث المنسوبة إلى النبي ﷺ دون أن ينبهوا على الضعيفة منها جهلا منهم بالسنة أو رغبة أو كسلا منهم عن الرجوع إلى كتب المتخصصين فيها وبعض هؤلاء - أعني المتخصصين - يتساهلون في ذلك في أحاديث فضائل الأعمال خاصة!
قال أبو شامة١:
"وهذا عند المحققين من أهل الحديث وعند علماء الأصول والفقه خطأ بل ينبغي أن يبين أمره إن علم وإلا دخل تحت الوعيد في قوله ﷺ : "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" رواه مسلم.
هذا حكم من سكت عن الأحاديث الضعيفة في الفضائل! فكيف إذا
стр. 36
كانت في الأحكام ونحوها؟
واعلم أن من يفعل ذلك فهو أحد رجلين:
١ - إما أن يعرف ضعف تلك الأحاديث ولا ينبه على ضعفها فهو غاش للمسلمين وداخل حتما في الوعيد المذكور. قال ابن حبان في كتابه "الضعفاء" ١ / ٧ - ٨:
"في هذا الخبر دليل على أن المحدث إذا روى ما لم يصح عن النبي مما تقول عليه وهو يعلم ذلك يكون كأحد الكاذبين على أن ظاهر الخبر ما هو أشد قال ﷺ : "من روى عني حديثا وهو يرى أنه كذب ... " - ولم يقل:
إنه تيقن أنه كذب - فكل شاك فيما يروي أنه صحيح أو غير صحيح داخل في ظاهر خطاب هذا الخبر"
ونقله ابن عبد الهادي في "الصارم المنكي" ص ١٦٥ - ١٦٦ وأقره.
٢ - وإما أن لا يعرف ضعفها فهو آثم أيضا لإقدامه على نسبتها إليه ﷺ " دون علم وقد قال ﷺ : "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع"١ فله حظ من إثم الكاذب على رسول الله صلى الله عليه وسلملأنه قد أشار ﷺ أن من حدث بكل ما سمعه - ومثله من كتبه - أنه واقع في الكذب عليه ﷺ محالة فكان بسبب ذلك أحد الكاذبين. الأول: الذي افتراه والآخر: هذا الذي نشره قال ابن حبان أيضا ١ / ٩:
" في هذا الخبر زجر للمرء أن يحدث بكل ما سمع حتى يعلم علم اليقين صحته".
стр. 37
وقد صرح النووي بأن من لا يعرف ضعف الحديث لا يحل له أن يهجم على الاحتجاج به من غير بحث عليه بالتفتيش عنه إن كان عارفا أو بسؤال أهل العلم إن لم يكن عارفا١وراجع "التمهيد" في مقدمة الضيفة ص ١٠ – ١٢.
стр. 38
القاعدة الثانية عشرة ترك العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال
اشتهر بين كثير من أهل العلم وطلابه أن الحديث الضعيف يجوز العمل به في فضائل الأعمال
ويظنون أنه لا خلاف في ذلك. كيف لا والنووي ﵀ نقل الاتفاق عليه في أكثر من كتاب واحد من كتبه؟ وفيما نقله نظر بين لأن الخلاف في ذلك معروف فإن بعض العلماء المحققين على أنه لا يعمل به مطلقا لا في الأحكام ولا في الفضائل. قال الشيخ القاسمي ﵀ في "قواعد التحديث" ص ٩٤:
"حكاه ابن سيد الناس في "عيون الأثر" عن يحيى بن معين ونسبه في "فتح المغيث" لأبي بكر بن العربي والظاهر أن مذهب البخاري ومسلم ذلك أيضا.. وهو مذهب ابن حزم..".
قلت: وهذا هو الحق الذي لا شك فيه عندي لأمور:
الأول: أن الحديث الضعيف إنما يفيد الظن المرجوح ولا يجوز العمل به اتفاقا فمن أخرج من ذلك العمل بالحديث الضيف في الفضائل
стр. 39
لابد أن يأتي بدليل وهيهات!
الثاني: أنني أفهم من قولهم: " ... في فضائل الأعمال" أي الأعمال التي ثبتت مشروعيتها بما تقوم الحجة به شرعا ويكون معه حديث ضعيف يسمى أجرا خاصا لمن عمل به ففي مثل هذا يعمل به في فضائل الأعمال لأنه ليس فيه تشريع ذلك العمل به وإنما فيه بيان فضل خاص يرجى أن يناله العامل به. وعلى هذا المعنى حمل القول المذكور بعض العلماء كالشيخ علي القاري ﵀ فقال في "المرقاة" ٢ / ٣٨١:
"قوله: إن الحديث الضعيف يعمل به في الفضائل وإن لم يعتضد إجماعا كما قاله النووي محله الفضائل الثابتة من كتاب أو سنة".
وعلى هذا فالعمل به جائز إن ثبت مشروعية العمل الذي فيه بغيره مما تقوم به الحجة ولكني أعتقد أن جمهور القائلين بهذا القول لا يريدون منه هذا المعنى مع وضوحه لأننا نراهم يعملون بأحاديث ضعيفة لم يثبت ما تضمنته من العمل في غيره من الأحاديث الثابتة مثل استحباب النووي وتبعه المؤلف إجابة المقيم في كلمتي الإقامة بقوله: "أقامها الله وأدامها" مع أن الحديث الوارد في ذلك ضعيف كما سيأتي بيانه فهذا قول لم يثبت مشروعيته في غير هذا الحديث الضعيف ومع ذلك فقد استحبوا ذلك مع أن الاستحباب حكم من الأحكام الخمسة التي لا بد لإثباتها من دليل تقوم به الحجة وكم هناك من أمور عديدة شرعوها للناس واستحبوها لهم إنما شرعوها بأحاديث ضعيفة لا أصل لما تضمنته من العمل في السنة الصحيحة ولا يتسع المقام لضرب الأمثلة على ذلك وحسبنا ما ذكرته من هذا المثال وفي الكتاب أمثلة كثيرة سيأتي التنبيه عليها في مواطنها إن شاء الله.
стр. 40
على أن المهم ههنا أن يعلم المخالفون أن العمل بالحديث الضعيف في الفضائل ليس على إطلاقه عند القائلين به فقد قال الحافظ ابن حجر في "تبيين العجب" ص ٣ - ٤:
"اشتهر أن أهل العلم يتساهلون في إيراد الأحاديث في الفضائل وإن كان فيها ضعف ما لم تكن موضوعة وينبغي مع ذلك اشتراط أن يعتقد العامل كون ذلك الحديث ضعيفا وأن لا يشهر ذلك لئلا يعمل المرء بحديث ضيف فيشرع ما ليس بشرع أو يراه بعض الجهال فيظن أنه سنة صحيحة وقد صرح بمعنى ذلك الأستاذ أبو محمد بن عبد السلام وغيره وليحذر المرء من دخوله تحت قوله ﷺ ": "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" فكيف بمن عمل به؟! ولا فرق في العمل بالحديث في الأحكام أو في الفضائل إذ الكل شرع".
فهذه شروط ثلاثة مهمة لجواز العمل به:
١ - أن لا يكون موضوعا.
٢ - أن يعرف العامل به كونه ضعيفا.
٣ - أن لا يشهر العمل به.
ومن المؤسف أن نرى كثيرا من العلماء فضلا عن العامة متساهلين بهذه الشروط فهم يعملون بالحديث دون أن يعرفوا صحته من ضعفه وإذا عرفوا ضعفه لم يعرفوا مقداره وهل هو يسير أو شديد يمنع العمل به. ثم هم يشهرون العمل به كما لو كان حديثا صحيحا ولذلك كثرت العبادات التي لا تصح بين المسلمين وصرفتهم عن العبادات الصحيحة التي وردت بالأسانيد.