عنه فقال رحمه الله تعالى:
"الفصل الحادي عشر"
قال الرافضي: وعن عامر بن واثلة قال: كنت مع علي وهو يقول لهم لأحتجن عليكم بما لا يستطيع عربيكم ولا عجميكم تغيير ذلك، ثم قال: أنشدكم بالله أيها النفر جميعا، أفيكم أحد وحد الله تعالى فبلي؟ قالوا: اللهم لا، قال: أنشدكم بالله هل فيكم أحد له أخ مثل أخي جعفر الطيار في الجنة مع الملائكة غيري؟ قالوا: اللهم لا، قال: فأنشدكم بالله هل فيكم أحد له عم مثل عمي حمزة أسد الله وأسد رسوله سيد الشهداء غيري؟ قالوا: اللهم لا، قال: فأنشدكم بالله هل فيكم أحد له زوجة مثل زوجتي فاطمة بنت محمد سيدة نساء أهل الجنة غيري؟ قالوا: اللهم لا، قال: فأنشدكم بالله هل فيكم من له سبطان مثل سبطي الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة غيري؟ قالوا: اللهم لا، "وذكر أشياء أخر غير هذا اقتصرنا منها على ما ذكره منها صاحب النظم".
فقال شيخ الإسلام في جوابه: أما قوله عن عامر بن واثلة وما ذكره يوم الشورى، فهذا كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث، ولم يقل علي ﵁ يوم الشورى شيئا من هذا ولا ما يشابهه،"ثم ذكر كلاما إلى أن قال": وفي هذا الحديث الذي ذكره الرافضي أنواع من الأكاذيب التي نزه الله تعالى عليا عنها، مثل احتجاجه بأخيه وعمه وزوجته، وعلي ﵁ أفضل من هؤلاء وهو يعلم أن أكرم الخلق عند الله أتقاهم ولو قال العباس:
стр. 37
هل فيكم أحد مثل أخي حمزة ومثل أولاد أخي أي محمد وعلي وجعفر لكانت هذه الحجة من جنس تلك بل احتجاج الإنسان ببني إخوته أعظم من احتجاجه بعمه ولو قال عثمان هل فيكم من تزوج بنتي نبي لكان من جنس قول القائل هل فيكم من زوجته مثل زوجتي وكانت فاطمة قد ماتت قبل الشورى كما ماتت زوجتا عثمان فإنها ماتت بعد موت النبي ﷺ بستة أشهر، وكذلك قوله: هل فيكم أحد له ولد كولدي وفيه أكاذيب متعددة - إلى آخر ما ذكر رحمه الله تعالى. هذا ملخص ما ذكر الشيخ في المنهاج في الجزء الثالث في صفحة خمسة عشر ولكن العجب كل العجب أنك لما ذكرت أحاديث المهدي ذكرت أنه لم يثبت فيها حديث واحد، وقد تقدم ما ذكره حفاظ أهل الحديث كأبي داود وأبي عيسى الترمذي من تحسين أحاديث المهدي وتصحيحها وذكرت ما ذكرت من أنه لا يجب اعتقاد محبيء هذا المهدي ولا ندين الله به، ثم ذكرت هذه المفاخرة المكذوبة الموضوعة التي لا أصل لها فذكرتها في فضائل علي ومناقبه وأقررتها فكان الحق والواجب على مثلك أن لا تذكر هذه الأبيات الموضوعة المكذوبة وأن لا تذكر في أحاديث المهدي إلا ما ذكره أهل الحديث الذين هم القدوة وبهم الأسوة وحسبك السير على منهاجهم فإنهم كانوا على الصراط المستقيم، والمنهج القويم، ومن عداهم من أهل الكلام، الذين فارقوا به أئمة أهل الإسلام فإنما يأخذون بمقاييس عقولهم وآرائهم، وقد تبعوا في ذلك أهواءهم قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا
стр. 38
كثيراً وضلوا عن سواء السبيل.
واعلم يا أخي أبي ما كتبت لك إلا ما قاله المحققون من أهل العلم الذين هم أئمة هذا الشأن من سادات الحنابلة وأئمتهم الذين ينفون عن دين الله تحريف الغالين، وانتحال المطلين، ليتبين لك طريقة السلف الصالح والصدر الأول، فعض عليه بالنواجذ ولا يكن في صدرك حرج منه، فإنه الحق، وقد تركت أشياء مما ذكره المعترض في ورقته إما لسوء فهمه أو لعدم معرفته واطلاعه وأمورا ً أخر لم أرفع بها رأسا ولم أكتب لك إلا ما وقفت عليه مزبوراً في الشرح فاعلم ذلك وبالله التوفيق وبه الثقة والعصمة.
стр. 39
معنى الوحدانية عند السلف وعند المتكلمين
...
"فصل"
إذا تبين لك ما قدمته لك من كلام علماءالمحققين وكان المقصود هو ظهور الحق وبيانه فهنا أشياء أخر يجب التنبيه عليها ولا ينبغي السكوت عنها. "منها" قولة في الصفحة الثمانية عشرة قول الشارح: فيجب على كل مكلف أن يعرف الله تعالى بصفات الكمال ويجزم بأنه سبحانه واحد لا يتجزأ ولا ينقسم، أحد، لا من عدد، فرد صمد، إلى آخره، فأقول وبالله التوفيق:
اعلم أن قول القائل: ويجزم بأنه واحد لا يتجزأ ولا ينقسم، قول مبتدع مخترع لم يقله أحد من السلف رضوان الله عليهم وليس مذكورا في عقائد أهل السنة والجماعة بل هو من جنس ما يذكره أهل
стр. 40
البدع من قولهم: ليس بجوهر ولا عرض ولا جسم وليس له أعراض ولا أغراض ولا أبعاض إلى غير ذلك مما خالفوا به سلف الأمة وأئمتها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في كتابه المسمى بالعقل والنقل الذي قال ابن القيم رحمه الله تعالى فيه:
واذكر كتاب العقل والنقل الذي ... ما في الوجود له نظير ثان
قال بعد كلام له: وكثير من أهل الكلام يقول: التوحيد له ثلاث معان وهو: واحد في ذاته لا قسيم له ولا جزء له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وهذا المعني الذي تتناوله هذه العبارة فيها ما جاء به الرسول ﷺ ، وفيها ما يخالف ما جاء الرسول – فذكر كلاما حسنا إلى أن قال- فإنهم إذا قالوا: لا قسيم له ولا جزء له ولا شبيه له فهذا اللفظ وإن كان يراد به معنى صحيح فإن الله ليس كمثله شيء وهو سبحانه لا يجوز عليه أن يتفرق ولا يفسد ولا يستحيل بل هو أحد صمد، والصمد الذي لا جوف له، وهو السيد الذي كمل سؤدده، فإنهم يدرجون في هذه نفي علوه على خلقه ومباينته لمصنوعاته ونفي ما ينفونه من صفاته ويقولون إن إثبات ذلك يقتضي أن يكون مركبا منقسما وأن يكون له شبيه. وأهل العلم يعلمون أن مثل هذا لا يسمى في لغة العرب التي نزل بها القرآن تركيبا وانقساما ولا تمثيلا، وهكذا الكلام في مسمى الجسم والعرض والجوهر والتحيز وحلول الحوادث، وأمثال ذلك، فإن هذه الألفاظ يدخلون في مسماها الذي ينفونه أموراً مما ووصفه به رسوله
стр. 41
فيدخلون فيها نفي علمه وقدرته وكلامه ويقولون إن القرآن مخلوق لم يتكلم الله به، وينفون بها رؤيته لا رؤيته١ على اصطلاحهم لا تكون إلا لمتحيز في جهة وهو جسم، ثم يقولون والله منزه عن ذلك فلا تجوز رؤيته، ولذلك يقولون: المتكلم إلا جسما متحيزاً والله ليس بجسم متحيز، فلا يكون متكلما، ويقولون لو كان فوق العرش لكان جسما متحيزاً والله سحا نه وتعالى ليس بجسم متحيز فلا يكون فوق العرش، وأمثال ذلك إلى آخر كلامه وهو في صفحة ثلاث وثلاثين ومائة.
والمقصود أن قول أهل البدع في الواحد أنه الذي لا ينقسم ولا يتجزأ قول مبتدع لم يقل به أحد من سلف الأمة وأئمتها بل هو من كلام من ينتسب إلى أهل السنة والجماعة من المتكلمين وغيرهم.
وأما قول الشارح في الأحد أنه أحد لا من عدد، فهو كلام لا طائل تحته ولا يفيد شيئا من المعاني بل الذي ينبغي أن يقال ما قاله فيه شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه حيث قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ فأدخل اللام في الصمد ولم يدخلها في أحد لأنه ليس في الموجودات ما يسمي أحداً في الإثبات مفرداً غير مضاف بخلاف النفي وما في معناه كالشرط والاستفهام فإنه يقال هل عندك أحد إلا أكرمته وإنما استعمل
стр. 42
في العدد المطلق وقال ١ أحد اثنان يقال أحد عشر وفي أول الأيام يقال يوم الأحد إلى أن قال: والمقصود هنا أن لفظ الأحد لم يوصف به شيء من الأعيان إلا الله وحده، وإنما يستعمل في غير الله في النفي، قال أهل اللغة: تقول لا أحد في الدار، ولا تقل فيها أحد، ولهذا لم يجيء في القرآن إلا في غير الموجب كقوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ ، وكقوله: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاء﴾ ، وقوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْه﴾ وفي الإضافة كقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُم﴾ ﴿جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ﴾ ، والله أعلم.
стр. 43
آيات الصفات وأحاديثها والمحكم والمتشابه منها وكلام السلف عليها
...
"ومنها" ما ذكره الشارح في الكواكب في صفحة ثلاثة عشر:
فكل ما جاء من الآيات ... أو صح في الأخبار عن ثقات
من الأحاديث نمره كما ... قد جاء فاسمع من نظامي واعلما
قوله: فكل ما جاء أي عن الله تعالى من الآيات القرآنية أو صح مجيئه في الأخبار بالأسانيد الصحيحة بخلاف الضعيفة فإن وجودها كعدمها فلابد من أن تكون الأخبار عن رواة ثقات في النقل من الأحاديث والآثار فما يوهم تشبيها فهو من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله نؤمن به وبأنه من عند الله ونمره كما قد جاء عنه تعالى أو عن رسوله. فمذهب السلف عدم الخوض في هذا والسكوت عنه ونفوض علمه إلى الله. قال ابن عباس هذا من المكتوم الذي لا يفسر وكذا قال غيره من الصحابة والتابعين. وأما أهل التأويل فأبوا إلا أن يفسروا ويؤولوا حتى خالفوا سلف الأمة
стр. 44
وأئمتها وابتدعوا في ذلك كل بدعة ضلالة انتهى.
فأقول: اعلم وفقك الله أن هذا الكلام الذي أوردته في هذا المقام لا ينبغي أن يؤخذ على إطلاقه ونسبته إلى مذهب أهل السنة والجماعة من السلف رضوان الله تعالى عليهم بل فيه ما هو حق من كلام السلف وفيه ما هو من بعض أقوال المتكلمين الذين ينتسبون إلى أهل السنة ممن كثر في باب أسماء الله وصفاته اضطرابهم وكشف عن معرفته حجابهم فإن السلف رضوان الله عليهم لا يدخلون أسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة في المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله، نعم فيه ما ذكر عن السلف أنهم يمرون آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت وسيأتي بيان معنى ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في الرسالة المسماة بالإكليل في المتشابه والتأويل:
فصل
وأما إدخال أسماء الله وصفاته أو بعض ذلك في المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله أو اعتقاد أن ذلك هو المتشابه الذي استأثر الله بعلم تأويله كما يقول كل واحد من القولين طوائف من أصحابنا وغيرهم فإنهم وإن أصابوا كثير مما يقولونه ونجوا من بدع وقع فيها غيرهم فالكلام على هذا من وجهين: الأول من قال إن هذا من المشابه وأنه لا يفهم معناه، فنقول: أما الدليل على ذلك فأني ما أعلم عن أحد من سلف الأمة ولا من الأئمة لا أحمد بن حنبل، ولا غيره أنه جعل ذلك من المتشابه الداخل في
стр. 45
في هذه الآية ونفى أحد أن يعلم معناه ١ وجعلوا أسماء الله وصفاته بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يفهم ولا قالوا إن الله ينزل كلاما لا يفهم أحد معناه وإنما قالوا كلمات لها معان صحيحة، قالوا في أحاديث الصفات تمر كما جاءت ونهوا عن تأويلات الجهمية وردوها وأبطلوها التي مضمونها تعطيل النصوص عن عما دلت عليه ونصوص أحمد أجمد والأئمة قبله بينة في أنهم كانوا يبطلون تأويلات الجهمية ويقرون النصوص على ما دلت عليه من معناها ويفهمون منه للبعض ما دلت عليه كما يفهمون ذلك في سائر نصوص الوعد والوعيد والفضائل وغير ذلك، وأحمد قد قال في غير أحاديث الصفات تمر كما جاءت في أحاديث الوعيد مثل قوله: "من غشنا فليس منا" وأحاديث فضائل ومقصوده أن الحديث لا يحرف كلمه عن مواضعه كما يفعله من يحرفه ويسمى تحريفه تأويلا بالعرف المتأخر، فتأويل هؤلاء المتأخرين عند الأئمة تحريف باطل وكذلك نص أحمد في كتاب الرد على الزنادقة والجهمية أنهم تمسكوا بمتشابه القرآن وتكلم أحمد على ذلك المتشابه وبين معناه وتفسيره بما يخالف تأويل الجهمية وجرى في ذلك على سنن الأئمة قبله، فهذا اتفاق من الأئمة على أنهم يعلمون معنى هذا المتشابه وأن لا يسكت عن بيانه وتفسيره بل يبين ويفسر، فاتفاق الأئمة من غير تحريف له عن مواضعه أو الحاد في أسماء الله وآياته. انتهى.
فتأمل ما ذكره شيخ الإسلام ﵀ حيث قال: فهذا اتفاق من
стр. 46
الأئمة على أنهم يعلمون معنى هذا المتشابه وأن لا يسكت عن بيانه وتفسيره بل يبين ويفسر، فاتفاق الأئمة من غير تحريف له عن مواضعه أو الحاد في أسماء الله وآياته. ثم تأمل ما ذكر الشارح يقوله: فمذهب السلف عدم الخوض في هذا والسكوت عنه فإنه يخالف ما ذكره شيخ الإسلام عن اتفاق الأئمة على أنهم يعلمون معنى هذا المتشابه، وأن لا يسكت عن بيانه في تفسيره، فتبين أن هذا ليس هو مذهب السلف وأنه من القول عليهم بلا علم ولا برهان يدل على ذلك.
ثم قال شيخ الإسلام: ومما يوضح لك ما وقع هنا من الاضطراب أن أهل السنة متفقون على إبطال تأويلات الجهمية ونحوهم من المحرفين الملحدين، والتأويل المردود هو صرف الكلام عن ظاهره إلى ما يخالف ظاهره، فلو قيل: إن هذا هو التأويل المذكور في الآية وأنه لا يعلمه إلا الله وليس هذا مذهب السلف والأئمة وإنما مذهبهم نقي هذه التأويلات وردها لا التوقف عنها، وعندهم قراءة الآية والحديث تفسيرها وتمر كما جاءت دالة على المعاني لا تحرف ولا يلحد فيها. وذكر كلاما طويلا أجاد فيه وأفاد، وبلغ غاية المراد، فمن أراد الوقوف عليه فهو في الرسالة المسماة بالإكليل في المتشابه والتأويل، وإنما لم نذكره خوف الإطالة إذ المقصود التنبيه على هذه الورطات.
стр. 47
مذهب المفوضين في الصفات
...
وأما قول الشارح فمذهب السلف عدم الخوض هذا والسكوت عنه وتفويض علمه إلى الله، فاعلم يا أخي أن شيخ الإسلام ابن تيمية ذكر
стр. 48
في العقل والنقل أقوال أهل التفويض فنذكر من ذلك ما يدل على بطلانه وأنه من شر أقوال أهل البدع والإلحاد. قال شيخ الإسلام قدس الله روحه في صفحة خمسة عشر ومائة في الوجه السادس عشر وأما التفويض فمن المعلوم أن الله تعالى أمرنا أن نتدبر القرآن وحضنا على عقله وفهمه فكيف يجوز مع ذلك أن يراد منا الإعراض عن فهمه ومعرفته وعقله؟ فذكر أقوال الفلاسفة ثم قال: والجهمية والمعتزله وأمثالهم يقولون أنه أراد أن يعتقدوا الحق على ما هو عليه مع علمهم بأنه لم يبين ذلك في الكتاب والسنة بل النصوص تدل على نقيض ذلك فأولئك يقولون أراد منهم اعتقاد الباطل وأمرهم به، وهؤلاء يقولون أراد اعتقاد ما لم يدلهم إلا على نقيضه، والمؤمن يعلم بالاضطرار أن كلا القولين باطلا ولابد للنفاة أهل التأويل من هذا أو هذا، وإذا كان كلاهما باطلا كان تأويل النفاة للنصوص باطلا فيكون نقيضه حقا وهو إقرار الأدلة الشرعية على مدلولاتها ومن خرج عن ذلك لزمه الفساد ما لا يقوله أهل الإلحاد، وما ذكرناه من لوازم قول أهل التفويض هو لازم لقولهم الظاهر المعروف بينهم إذ قالوا إن الرسول كان يعلم معاني هذه النصوص المشكلة المتشابهة ولكن لم يبين للناس مراده بها ولا أوضحه إيضاحا يقطع به النزاع. وأما على قول أكابرهم إن معاني هذه النصوص المشكلة المتشابهة لا يعلمه إلا الله، وأن معناها الذي أراده الله بها هو ما يوجب صرفها عن ظواهر – فعلى قول هؤلاء يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني ما أنزل الله عليهم من هذه النصوص ولا
стр. 49
الملائكة ولا السابقون الأولون وحينئذ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن أو كثير مما وصف الله به نفسه لا يعلم
الأنبياء معناه بل بقولون كلاما لا يعقلون معناه، وذلك نصوص المثبتين للقدر عند طائفة والنصوص المثبتة للأمر والنهي والوعد والوعيد عند طائفة، والنصوص المثبتة للمعاد عند طائفة، ومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء إذ كان الله أنزل القرآن وأخبر أنه جعله هدى وبيانا للناس، وأمر الرسول أن يبلغ البلاغ المبين وأن يبين للناس ما نزل إليهم، وأمر بتبدبر القرآن وعقله ومع هذا فأشرف ما فيه وهو ما أخبر به الرب عن صفاته أو عن كونه خالقا لكل شيء وهو بكل شيء عليم أو عن كونه أمر ونهى ووعد وتوعد أو عما أخبر به عن اليوم الآخر لا يعلم أحد معناه فلا يعقل ولا يتدبر ولا يكون الرسول بين للنا س ما نزل إليهم ولا بلغ البلاغ المبين، وعلى هذا التقدير فيقول كل ملحد ومبتدع: الحق في نفس الأمر ما علمته برأيي وعقلي وليس في النصوص ما ينافي ذلك، لأن تلك النصوص مشكلة متشابهة ولا يعلم أحد معناها وما لا يعلم أحد معناه لا يجوز أن يستدل به فيبقي هذا الكلام سداً لباب الهدى والبيان من جهة الأنبياء وفتحا لباب من يعارضهم ويقول أن الهدى والبيان في طريقنا لا في طريق الأنبياء لأنا نحن نعلم ما نقول ونبينه بالأدلة العقلية والأنبياء لم يعلموا ما يقولون فضلا عن أن يبينوا مرادهم. فتبين أن قول أهل التقويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شر أقوال أهل البدع والإلحاد آخر إلى كلامه رحمه الله
стр. 50
وأما قول الشارح قال ابن عباس هذا من المكتوم الذي لا يفسر وكذا قال غيره من الصحابة والتابعين، وأما أهل التأويل فأبوا إلا أن يفسروا ويؤولوا حتى خالفوا سلف الأمة وأئمتها وابتدعوا في ذلك وكل بدعة ضلالة انتهى.
فاعلم يا أخي أن هذا القول الذي نسبة الشارح إلى ابن عباس ﵁ وغيره من الصحابة إن كان صحيحا ثابتا فليس معناه ما توهمه الشارح من أن نصوص الكتاب والسنة الواردة في أسماء الله وصفاته أن ١ مما يوهم تشبيها فيكون من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، وأنه مما لا يعقل معناها ٢ وأنها لا تفسر وقد تقدم بيان ذلك في معنى التفويض ونزيد ذلك إيضاحا بما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في هذا الكتاب حيث قال: وأما تأويل ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر فهو نفس الحقيقة التي أخبر عنها، وذلك في حق الله هو كنه ذاته وصفاته التي لا يعلمها غيره. ولهذا قال مالك وربيعة وغيرهما: الاستواء معلوم، والكيف مجهول.
стр. 51
تفسير أحمد والسلف لآيات الصفات وبيان التأويل المقبول والمردود
...
وكذلك قال ابن الماجشون وأحمد بن حنبل وغيرهما من السلف يقولون: إنا لا نعلم كيفية ما أخبر الله عن نفسه وإن علمنا تفسيره ومعناه. ولهذا
стр. 52
رد أحمد بن حنبل على الجهمية والزنادقة فيما طعنوا فيه من متشابه القرآن وتأولوه على غير تأويله فرد على من حمله على غير ما أريد به وفسر هو جميع الآيات المتشابهة وبين المراد به. وكذلك الصحابة والتابعون فسروا جميع القرآن وكانوا يقولون إن العلماء يعلمون تفسيره وما أريد به وإن لم يعلموا كيفية ما أخبر الله به عن نفسه وكذلك لا يعلمون كيفيات الغيب فإن ما أعده الله لأوليائه من النعيم ما لا عين رأته ولا أذن سمعته ولا خطر على قلب بشر، فذاك الذي أخبر به لا يعلمه إلا الله بهذا المعنى فهذا حق. وأما من قال إن التأويل الذي هو تفسيره وبيان المراد به لا يعلمه إلا الله فهذا ينازعه فيه عامة الصحابة والتابعين الذين فسروا القرآن كله، وقالوا إنهم يعلمون معناه كما قال مجاهد عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقف عند كل آية واسأله عنها، وقال ابن مسعود ما في كتاب الله آية لا وأنا أعلم فيم أنزلت، وقال الحسن البصري ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم ما أراد بها. ولهذا كانوا يجعلون القرآن يحيط بكل ما يطلب من علم الدين، كما قال مسروق ما نسأل أصحاب محمد عن شيء إلا وعلمه في القرآن ولكن علمنا قصر عنه. وقال الشعبي ما ابتدع قوم بدعة إلا في كتاب الله بيانها، وأمثال ذلك من الآثار الكثيرة المذكورة بالأسانيد الثابتة مما ليس هذا موضع بسطه. انتهى
فهذا ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه من علم الكيفية عما أخبر الله به عن نفسه وكذلك لا يعلمون كيفيات الغيب فإن ما أعده
стр. 53
الله لأوليائه من النعيم مما لا عين رأته ولا أذن سمعته ولا خطر على قلب بشر، فذاك الذي أخبر الله به لا يعلمه إلا الله بهذا المعنى، فهذا الذي ذكره شيخ الإسلام هو الذي يحمل عليه قول ابن عباس وغيره من الصحابة إن كان النقل بذلك ثابتا عنهم. وقد تقدم أن السلف رضوان الله عليهم كانوا يقولون: إنا لا نعلم كيفية ما أخبر الله عن نفسه وإن علمنا تفسيره ومعناه فكان من المعلوم أن ابن عباس وغيره من الصحابة وأئمة السلف كانوا يفسرون ما تشابه من القرآن يعلمون معني ذلك ولم يسكتوا عن بيان ذلك.
"وأما قول الشيخ": وأما أهل التأويل فأبوا إلا أن يفسروا ويؤولوا حتى خالفوا سلف الأمة وأئمتها وابتدعوا في ذلك وكل بدعة ضلالة. انتهى.
فاعلم يا أخي أن التأويل المردود الذي سلكه الجهمية ومن تبعهم من المتكلمين هو صرف الكلام عن ظاهره فلو قيل: إن هذا هو التأويل المذكور في الآية وأنه لا يعلمه إلا الله لكان في هذا تسليم للجهمية أن للآية تأويلا يخالف دلالتها لكن ذلك لا يعلمه إلا لله وليس هذا مذهب السلف والأئمة وإنما مذهبهم نفي هذه التأويلات وردها لا التوقف عنها، وعندهم قراءة الآية والحديث تفسيرها وتمر كما جاءت دالة على المعاني لا تحرف ولا يلحد فيها، فكان من المعلوم أن السلف الذي قالوا لا يعلم تأويله إلا الله كانوا يتكلمون بلغتهم المعروفة بينهم ولم يكن
стр. 54
لفظ التأويل عندهم يراد به معنى التأويل الاصطلاحي الخاص وهو صرف اللفظ عن المعنى المدلول عليه المفهوم منه إلى معنى يخالف ذلك فان تسمية هذا المعنى وحده تأويلا إنما هو اصطلاح طائفة من المتأخرين من الفقهاء والمتكلمين وغيرهم ليس هو عرف السلف من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه، والله اعلم. إذا تبين لك هذا فاعلم أن مراد من قال من السلف رضي لله عنهم أنه لا يفسر يعنون أنه لايؤول ويحرف فيصرف عن ظاهره إلى ما لا يدل عليه ظاهره كما أولوا الاستواء وفسروه بأنه الاستيلاء وكما فسروا اليد بالنعمة وهذا هو الذي نهى السلف عن تفسيره وتأويله بهذا المعنى. والله أعلم.
стр. 55
كلام السلف في الحد لله إثباتا ونفيا وكلام المتكلمين فيه
...
" فصل "
ومنها ما ذكره في الوجه الرابع والعشرين على قول الناظم:
سبحانه قد استوى كما ورد ... من غير كيف قد تعالى أن يحد
فقال: تعالى الله أن يحد. وفيه الرد على من زعم أن يلزم من كونه مستويا على عرشه أن يحد تعالى الله عن ذلك إذ المحدود محدث، والمحدث مفتقر للخالق، والخالق سبحانه ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ، الأول من غير بداية، والآخر من غير نهاية، والظاهر من غير تحديد، والباطن من غير تخصيص، موجود بالوجود القديم من غير تشبيه ولا تكييف.
стр. 56
فأقول: اعلم وفقك الله أن هذا الكلام الذي أورده الشارح في هذا المقام من الألفاظ المجملة الموهمة المطلقة المحتملة لمعنيين حق وباطل فلا ينفصل النزاع إلا بتفصيل تلك المعاني وتنزيل ألفاظها عليها كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى على هذه الألفاظ المبتدعة المخترعة التي لم ينطق بها سلف الأمة وأئمتها، ويقولون نحن ننزه الله تعالى عن الأعراض والأغراض والأبعاض والحدود والجهات وحلول الحوادث، فيسمع الغر المخدوع هذه الألفاظ فيتوهم منها أنهم ينزهون الله عما يفهم من معانيها عند الإطلاق من العيوب والنقائص والحاجة فلا يشك أنهم يمجدونه، ويعظمونه ويكشف الناقد البصير ما تحت هذه الألفاظ فيرى تحتها لإلحاد وتكذيب الرسل وتعطيل الرب تعالى عما يستحقه من كماله – إلى آخر كلامه. وقد تقدم.
وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه: وكذلك إذا قالوا إن الله منزه عن الحدود والأحياز والجهات أوهموا الناس بأن مقصودهم بذلك أنه لا تحصره المخلوقات ولا تحوزه المصنوعات، وهذا المعنى صحيح مقصودهم أنه ليس مباينا للخلق ولا منفصلا عنه، وأنه ليس فوق السموات ولا على العرش إله، وأن محمداً لم يعرج به إليه ولم ينزل منه شيء ولا يصعد إليه شيء ولا يتقرب إليه بشيء ولا ترفع الأيدي إليه في الدعاء ولا غيره ونحو ذلك من معاني الجهمية. انتهى.
فإذا تبين لك هذا فاعلم أن قول الشارح على هذه اللفظة المحتملة الموهمة المطلقة حيث قال: تعالى الله أن يحد وفيه الرد على من زعم أنه يلزم
стр. 57
من كونه مستويا على عرشه أن يحد، تعالى الله عن ذلك، إذ المحدود محدث، والمحدث مفتقر للخالق إلى آخر كلامه هو من كلام أهل البدع من الجهمية وغيرهم ممن نحا نحوهم من المتكلمين. فإذا كان هذا هو المفهوم من كلام الناظم والشارح قطعا ولا محيد عنه لإطلاقه ألفاظا لم ينطق بها الكتاب والسنة ولا نطق بها أئمة السلف رضوان الله عليهم بل المتكلم بها من هؤلاء المبتدعة يوهمون الناس أن مقصودهم بذلك أنه لا تحصره المخلوقات، ولا تحوزه المصنوعات، وهذا المعنى صحيح، ولكن مقصودهم هو ما تقدم بيانه عنهم من كلام شيخ الإسلام آنفا. وإذا كان ذلك كذلك فنحن نسوق كلام أئمة السلف رضوان الله تعالى عليهم في هذا المقام ليتبين لك خطأ الناظم والشارح.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في العقل والنقل بعد أن ذكر كلاما طويلا قال: وقال حنبل في موضع آخر عن أحمد قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ في ذاته كما وصف به نفسه قد أجمل ﵎ بالصفة لنفسه فحد لنفسه صفة ليس يشبهه شيء فنعبد الله بصفاته غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف به نفسه، قال فهو سميع بصير بلا حدود ولا تقدير ولا يبلغ الواصفون صفته وصفاته منه وله، ولا نتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه كما وصف نفسه، ولا نتعدى ذلك ولا تبلغه صفة الواصفين؛ نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت وما وصف به نفسه من كلام ونزول وخلوه بعبده
стр. 58
يوم القيامة ووضعه كنفه عليه، هذا يدل على أن الله ﵎ يرى في الآخرة، والتحديد في هذا كله بدعة، والتسليم لله بأمره بغير صفة ولا حد إلا ما وصف به نفسه، سميع بصير لم يزل متكلما، عالما غفورا، عالم الغيب والشهادة علام الغيوب، فهذه صفات وصف بها نفسه لا تدفع ولا ترد، وهو على العرش بلا حد كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ كيف شاء، المشيئة إليه والاستطاعة ليس كمثله شيء وهو خالق كل شيء وكما وصف نفسه سميع بصير بلا حدود ولا تقدير. قال إبراهيم لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾ ، فنثبت أن الله سميع بصير صفاته منه لا نتعدى القرآن والحديث، والخبر: "يضحك الله"، ولا نعلم كيف ذلك إلا بتصديق الرسول، وبتثبيت القرآن، لا يصفه الواصفون، ولا يحده أحد تعالى الله عما تقول الجهمية والمشبهة. "قلت": والمشبهة ما يقولون؟ قال من قال: بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي، فقد شبه الله بخلقه، وهذا يحده – وهذا كلام سوء وهذا محدود والكلام في هذا لا أحبه.
وقال محمد بن مخلد، قال أحمد: نصف الله بما وصفه به نفسه وبما وصفه به رسوله. وقال يوسف بن موسى: إن أبا عبد الله قيل له: ولا يشبه ربنا شيئا من خلقه؟ قال نعم ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ، فقول أحمد أنه ينظر إليهم ويكلمهم كيف شاء، وإذا شاء. وقوله: وهو على العرش بلا حد، كما قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ، كيف شاء، المشيئة إليه والاستطاعة له ليس كمثله شيء يبين أن نظره وتكليمه وعلوه على العرش واستواءه على العرش مما
стр. 59
يتعلق بمشيئته واستطاعته، وقوله بلا حد ولا صفة يبلغها واصف أو يحده أحد ـ نفي به إحاطة علم الخلق به وأن يحدوه أو يصفوه علي ما هو عليه إلا بما أخبر به عن نفسه ليتبين أن عقول الخلق لا تحيط بصفاته، كما قال الشافعي في خطبة الرسالة: الحمد لله الذي هو كما وصف به نفسه وفوق ما يصف به خلقه ١ ولهذا قال أحمد لا تدركه الأبصار يجد ولا غاية. فنفى أن يدرك له حد أو غاية. فهذا أصح القولين في تفسير الإدراك وقد بسط الكلام على شرح هذا الكلام في غير هذا الموضع.
وما في هذا الكلام من نفي تحديد الخلق وتقديرهم لربهم وبلوغهم صفته لا ينافي ما نص عليه أحمد وغيره من الأئمة كما ذكره الخلال أيضا. قال حدثنا أبو بكر المروذى قال سمعت أبا عبد لله لما قيل له: روى علي بن الحسن ابن شقيق عن ابن المبارك أنه قيل له: كيف نعرف الله ؟ قال على العرش بحد. قال قد بلغني ذلك عنه وأعجبه ثم قال أبو عبد الله، ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَام﴾ ثم قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ . قال الخلال: وأنبأنا محمد بن علي الوراق حدثنا أبو بكر الأثرم حدثني محمد بن إبراهيم القيسي قال قلت لأحمد بن حنبل يحكي عن
стр. 60
ابن المبارك وقيل له نعرف ربنا؟ قال: في السماء السابعة على عرشه بحد فقال أحمد هكذا هو عندنا وأخبرني حرب بن إسماعيل قال: قلت لإسحاق يعني ابن راهويه: هو على العرش بحد؟ قال: نعم بحد، وذكر عن ابن المبارك قال: هو على عرشه بائن من خلقه بحد، قال: وأخبرني المروذي قال: قال إسحاق بن إبراهيم بن راهويه قال الله ﵎: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ، إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى ويعلم كل شيء في أسفل الأرض السابعة وفي قعور البحار ورؤس الآكام وبطون الأودية، وفي كل موضع كما يعلم علم ما في السموات السبع وما فوق العرش، أحاط بكل شيء علما، فلا تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة ظلمات البر والبحر إلا وقد عرف ذلك كله وأحصاه، فلا تعجزه معرفة شيء عن معرفة غيره. فهذا بينوا أن ما أثبتوه له من الحد لا يعلمه غيره، كما قال مالك وربيعة وغيرهما: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، فتبين أن كيفية استوائه مجهولة للعباد، فلم ينفوا ثبوت ذلك في نفس الأمر، ولكن نفوا علم الخلق به، وكذلك مثل هذا في كلام عبد العزيز بن عبد الله بن الماجشون وغير واحد من السلف والأئمة ينفون علم الخلق بقدره وكيفيته، وبنحو ذلك قال عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون في كلامه المعروف. وقد ذكره ابن بطة في الإبانة وأبو بكر الطلمنكي في كتابه الأصول ورواه أبو بكر الأثرم، قال حدثنا عبد الله بن صالح عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة أنه قال: أما بعد، فقد فهمت ما سألت عنه فيما تتابعت فيه الجهمية
стр. 61
ومن خالفها في صفة الرب العظيم الذي فاقت عظمته الوصف والتقدير وكلت الألسن عن تفسير صفته، وانحسرت العقول عن معرفة قدره، إلى أن قال: فإنه لا يعلم كيف هو، وكيف يعرف قدر من لا يموت ولا يبلى؟ وكيف يكون لصفة شيء منه حد أو منتهى يعرفه عارف، أو يحد قدره واصف، الدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته، عجزها عن تحقيق صفة أصغر خلقه، – إلى أن قال: اعرف رحمك الله غناك عن تكلف صفة ما لم يصف الرب من نفسه بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها، إذا لم تعرف قدر ما وصف، فما تكلفك علم ما لم يصف؟ هل تستدل بذلك على شيء من طاعته، أو تنزجر عن شيء من معصيته؟ وذكر كلاما طويلا إلى أن قال: فأما الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقا وتكلفا قد استهوته الشياطين في الأرض حيران، فصار يستدل بزعمه على جحد ما وصف الرب وسمى من نفسه بأن قال: لا بد إن كان له كذا من أن يكون له كذا، فعمي عن البين بالخفي بجحد ما سمى الرب من نفسه ويصف الرب بما لم يسم فلم يزل يملي له الشيطان حتى جحد قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ، فقال لا يراه أحد يوم القيامة، فجحد والله أفضل كرامة الله التي أكرم بها أولياءه يوم القيامة من النظر في وجهه ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ قد قضى أنهم لا يموتون فهم بالنظر إليه ينضرون. وذكر كلاما طويلا كتب في غير هذا الموضع، ثم ذكر بعد هذا كلام الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه الذي سماه "رد عثمان بن
стр. 62
سعيد، على الكافر العنيد، فيما افتراه على الله في التوحيد" فقال:
"باب الحد والعرش"
قال أبو سعيد: وادعى المعارض أيضاً أنه ليس لله حد ولا غاية ولا نهاية، قال: وهذا هو الأصل الذي بنى عليه جهم جميع ضلالاته، واشتق منها جميع أغلوطاته، وهي كلمة لم يبلغنا أنه سبق جهما إليها أحد من العالمين. فقال له قائل ممن يحاوره: قد علمت مرادك أيها الأعجمي، تعني أن الله لا شيء، لأن الخلق كلهم قد علموا أنه ليس شيء يقع عليه اسم شيء إلا وله حد وغاية وصفة، وأن لا شيء ليس له حد ولا غاية ولا صفة، فالشيء أبداً موصوف لا محالة، ولا شيء يوصف بلا حد ولا غاية، وقولك لا حد له تعني أنه لا شيء، قال أبو سعيد: والله تعالى له حد لا يعلمه أحد غيره ولا يجوز لأحد أن يتوهم لحده غاية في نفسه، لكن يؤمن بالحد وبكل علمه. انتهى.
إذا فهمت هذا وتحققته، تبين لك منافاة ما قاله الناظم والشارح لكلام أئمة السلف رضوان الله عليهم، لأن مرادهم في قولهم بلا حد كما قال أحمد وهو على العرش بلا حد، وقوله: وكما وصف نفسه سميع بصير بلا حد، وقوله لا يصفه الواصفون ولا يحده أحد. فمرادهم بقوله بلا حد، معناه ما ذكره شيخ الإسلام قدس الله روحه بقوله بلا حد ولا صفة يبلغها واصف أو يحده أحد نفى به إحاطة علم الخالق به، وأن يحدوه أو يصفوه على ما هو عليه إلا بما أخبر به عن نفسه ليتبين أن عقول الخلق لا تحيط بصفاته كما قال الشافعي في خطبة الرسالة: الحمد لله الذي هو كما وصف به نفسه وفوق
стр. 63
ما يصفه به خلقه. ولهذا قال أحمد: لا تدركه الأبصار بحد ولا غاية، فنفى أن يدرك له حد أو غاية، وكذلك ما ذكره الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون حيث قال: وكيف يكون لصفة شيء منه حد أو منتهى يعرفه عارف، أو يحد قدره واصف إلى آخر كلامه.
فهذا ما ذكره أئمة السلف رضوان الله عليهم في معنى قولهم بلا حد، وهو خلاف ما فهمه الشارح في معنى قولهم بلا حد، فإنه قال: وفيه رد على من زعم أنه يلزم من كونه مستويا على عرشه أن يحد تعالى الله عن ذلك، إذ المحدود محدث، والمحدث مفتقر للخالق، وهذا يوافق ما قاله أهل البدع من أهل الكلام وغيرهم ممن أخذ بأقوال الجهمية المنكرين لعلوه على عرشه، ومباينته لمخلوقاته كما ذكر ذلك عنهم الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في رده على بشر المريسي حيث قال: وادعى المعارض أيضا أنه ليس لله حد ولا غاية ولا نهاية، قال: وهذا هو الأصل الذي بنى عليه جهم جميع ضلالاته واشتق منها جميع أغلوطاته، وهي كلمة لم يبلغنا أنه سبق جهما إليها أحد من العالمين، فقال له قائل ممن يحاوره: قد علمت مرادك أيها الأعجمي، تعني أن الله لا شيء لأن الخلق كلهم قد علموا أنه ليس شيء يقع عليه اسم الشيء إلا وله حد وغاية أو صفة، وأن لا شيء ليس له حد ولا غاية ولا صفة، فالشيء أبداً موصوف لا محالة، ولا شيء يوصف بلا حد ولا غاية، وقولك لا حد له، تعني أنه لا شيء، قال أبو سعيد: والله تعالى له حد لا يعلمه أحد غيره، ولا يجوز لأحد أن يتوهم لحده غاية في نفسه، ولكن يؤمن بالحد، وبكل علم، انتهى.
стр. 64
فإذا كان ذلك كذلك تعين ما ذكره أئمة السلف حيث قالوا: كيف نعرف الله ؟ قال: على العرش بحد كما رواه علي بن الحسين بن شقيق عن عبد الله بن المبارك ﵁، وكما رواه الخلال بإسناده إلى الإمام أحمد أنه قيل له: يحكى عن ابن المبارك وقيل له: كيف تعرف ربنا؟ قال: على عرشه بحد، قال أحمد: هكذا هو عندنا، وذكر أيضا عنه حرب بن إسماعيل قال: قلت لإسحاق، يعني ابن راهويه: هو على العرش بحد؟ قال: نعم بحد. وذكر عن ابن المبارك، قال: هو على عرشه بائن من خلقه بحد. ثم قال شيخ الإسلام بعد أن ذكر أقوال أئمة السلف: إنه بحد، قال ﵀: بينوا أن ما أثبتوه له من الحد لا يعلمه غيره كما قال مالك وربيعة وغيرهما: الاستواء معلوم، والكيف مجهول. فبين أن كيفية استوائه مجهولة للعباد، فلم ينفوا ثبوت ذلك في نفس الأمر، ولكن نفوا علم الخلق به. واعلم أني أعدت هذا الكلام وكررته ليتبين لك ما بين اللفظين من قوله: بلا حد، ومن قوله: بحد، لتعلم الفرق بين هاتين اللفظين كما بينه شيخ الإسلام فيما تقدم. والله أعلم ١
стр. 65
معنى الظاهر والباطن
...
وأما قول الشارح: والخالق هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم، الأول من غير بداية، والآخر من غير نهاية، والظاهر من غير تحديد، والباطن من غير تخصيص، إلى آخر كلامه.
فاعلم وفقك الله أن في هذا الكلام ألفاظ لم يقل بها أحد من أئمة السلف ﵃، كقوله: والظاهر من غير تحديد، والباطن من غير تخصيص، فلنسلم معنى ما ذكره من هذه الألفاظ لما تقدم بيانه.
والذي ذكره أئمة السلف هو ما ذكره ابن القيم ﵀ في سفر الهجرتين حيث قال:
وقد فسر أعلم الخلق بربه هذه الآية، قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ، بأنه هو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، فهذا تفسير أعلم الخلق بربه، ولا حاجة بنا إلى تفسير من لا عصمة في قوله، وقد بينا فيما تقدم أن هذا من كلام أهل البدع، وأنهم يوهمون الناس أن مقصودهم بذلك أن لا تحصره المخلوقات، ولا تحوزه المصنوعات، وهذا المعنى صحيح. ومقصودهم أنه ليس مباينا للخلق، ولا منفصلا عنه، وأنه ليس فوق السموات رب، ولا على العرش إله. وقد تقدم هذا في كلام شيخ الإسلام بتمامه.
стр. 66
وأما قوله: والباطن من غير تخصيص – فهو أيضا من كلام أهل البدع كما ذكره شيخ الإسلام عن ابن التومرت الذي يسمونه المهدي، وهو من نفاة الصفات. والجواب عما ذكره ابن التومرت مذكور في العقل والنقل في صفحة سبع ومائتين في الجلد الأخير في الجزء الثالث، فمن أراد الوقوف عليه فليراجعه هناك، والله أعلم.
стр. 67
وصفه تعالى بالصورة
...
ومنها ما ذكره الشارح في صفحة سبع وعشرين على قوله: "ونهجه" أي نهج اليد والوجه ونحوهما، أي كل ما ورد من الأوصاف من الرجل والقدم والصورة، فأقول:
اعلم أن ما ذكره الشارح من قوله: والصورة إن أراد به ما أخبر به ﷺ في الحديث الصحيح كما في البخاري أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله خلق آدم على صورته"، ورواه الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن النبي ﷺ مرسلا، ولفظه: "خلق آدم على صورة الرحمن". قال شيخ الإسلام: ورواه الأعمش مسندا، وكما ورد في الحديث "فيأتيهم على الصورة التي يعرفونها، فيقول: أنا ربكم". فما أخبر به النبي ﷺ في ذلك فهو الحق الذي لا ريب فيه. ولكن لا نقول إلا ما ورد به النص عن رسول الله عليه وسلم، ولا يجوز لأحد أن يطلق على الله أنه صورة، لأن ذلك لم يرد في الكتاب ولا في السنة لا نفيا ولا إثباتاً، ولا سمى الله به نفسه. فإطلاق هذه الألفاظ على الله من أقوال أهل البدع التي تلقاها من خلف منهم عمن سلف
стр. 68
قال ابن القيم ﵀ في المدارج بعد أن ذكر كلاما سبق: إن الفعل أوسع من الاسم، ولهذا أطلق على نفسه أفعالا لم يتسم منها بأسماء الفاعل، كأراد وشاء وأحدث، ولم يسم بالمريد والمشيء والمحدث، كما لم يسم نفسه بالصانع والفاعل والمتقن وغير ذلك من الأسماء التي أطلق أفعالها على نفسه، فباب الأفعال أوسع من باب الأسماء، وقد أخطأ أقبح خطأ من اشتق له من كل فعل اسما، وبلغ بأسمائه زيادة على الألف، فسماه الماكر والخادع والفاتن والكائد ونحو ذلك، وكذلك باب الإخبار عنه بالاسم أوسع من تسميته به، فإنه يخبر عنه بأنه شيء موجود ومذكور ومعلوم ومراد ولا يسمى بذلك. انتهى.
стр. 69
ما يسمى الله به وما يوصف به مما ورد
...
فإذا تبين لك هذا، فاعلم أن من أدخل اسم الصورة في أسماء الله قد أخطأ أقبح خطأ، لأن باب الأفعال والإخبار عن الله أوسع من باب الأسماء، ولفظ الصورة لم يذكره أحد من علماء أهل السنة والجماعة في عقائدهم وإنما ذكر ذلك بعض من ينتسب إلى أهل السنة، فمن اشتق من أفعال الله أسماء وأوصافا لم يذكرها الله ولا رسوله إلا على سبيل الإخبار، فنقول في ذلك ما قاله الله ورسوله، وأخبر به في كتابه وسنة رسوله ﷺ لا نتجاوز القرآن والحديث، والله أعلم. وقد تقدم التنبيه على أن السلف رضوان الله عليهم قد فسروا آيات الصفات وأحاديثها، وبينوا من معانيها ونهوا عن تأويلات الجهمية، وذكرنا ما ذكره شيخ الإسلام من أن مذهب أهل التفويض أشر المذاهب وأخبثها، ونسبة ذلك إلى السلف
стр. 70
من الكذب عليهم، والله أعلم.
стр. 71
قدم صفاته وما ورد في وصفه بالإستواء والنزول والمجيء لفصل القضاء
...
"ومنها" ما ذكره في صفحة ثمان وسبعين على قول الناظم:
فسائر الصفات والأفعال ... قديمة لله ذي الجلال
قال الشارح: وسائر الأفعال من الاستواء أو النزول والإتيان والمجيء والتكوين ونحوها قديمة عند سلف الأمة وأئمتها لله ذي الجلال والإكرام ليس منها شيء محدث وإلا لكان محلا للحوادث وما حلت به الحوادث فهو حادث تعالى الله عن ذلك، انتهى.
فأقول: اعلم أنا قد قدمنا فيما قبل من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وكلام تلميذه ابن القيم الذين هم سادات الحنابلة وأئمتهم ما فيه الكفاية، ولكن لابد من التنبيه على بعض ذلك ليتبين لك أن نسبة ذلك إلى سلف الأمة وأئمتها من الكذب عليهم وإنما هو كلام سلف أئمة أهل البدع والضلال الذين ينتسبون إلى مذهب أهل السنة والجماعة. فمن ذلك أن شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ذكرا أن مذهب السلف وأئمتها أن أفعال الله قديمة النوع حادثة الآحاد، وأن الله سبحانه لم يزل متكلما إذا شاء ولم يزل فاعلا إذا شاء أولم تزل الإرادات والكلمات تقوم بذاته شيئا بعد شيء ونحو ذلك. فإذا عرفت هذا تبين لك أن قول الشارح في أفعال الله الاختيارية: ليس منها شيء محدث وإلا كان محلا للحوادث وما حلت به الحوادث فهو حادث تعالى الله عن ذلك - ليس هو من كلام السلف وأئمتها، بل هو
стр. 72
من كلام أهل البدع المخالفين للسلف كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى. وأما حلول الحوادث فير يدون به: أنه لا يتكلم بقدرته ومشيئته ولا ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا ولا يأتي يوم القيامة ولا يجيء ولا يغضب بعد أن كان راضيا ولا يرضى بعد أن كان غضبان ولا يقوم به فعل البتة ولا أمر مجدد بعد أن لم يكن ولا يريد شيئا بعد أن لم يكن مريداً له فلا يقول له كن حقيقة ولا استوى على عرشه بعد أن لم يكن مستويا ولا يغضب يوم القيامة غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ولا ينادي عباده يوم القيامة بعد أن لم يكن مناديا ولا يقول للمصلي: ".. إذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حمدني عبدي، فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال: أثني علي عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال: مجدني عبدي.."، فإن هذه كلها حوادث، وهو منزه عن حلول الحوادث، انتهى. وقد تقدم كلام شيخ الإسلام، وفيه الكفاية.
ثم إن من المعلوم عند من له إلمام بالمعارف والعلوم أن نزول الله إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر وكذلك مجيئه لفصل القضاء بين العباد يوم القيامة لم يكن قديماً قبل أن يخلق السموات والأرض في الأزل بل ذلك فيما لم يزل إلى يوم القيامة بمشيئته وقدرته وإرادته كما يشاء أن ينزل وكما يشاء أن يجيء ويأتي على ما يليق بعظمته وجلاله. ومن تأمل كلام شمس الدين ابن القيم حق التأمل تبين له ما قاله أئمة السلف وتبين له أيضا ما يقوله أئمة أهل البدع وما تحت ألفاظهم المجملة التي لم ينطق بها كتاب ولاسنة ولم يتكلم بها أصحاب رسول الله
стр. 73
صلى الله عليه وسلم ولا التابعون ولا من بعدهم من الأئمة المهتدين، والله أعلم.
وكذلك ما قاله الشارح بعد هذا، قال سفيان بن عيينة كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته، والسكوت عنه ليس لأحد أن يفسره إلا الله ورسوله ﷺ . فأقول قد تقدم الكلام على ذلك وإنما مقصود السلف بذلك تأويله وصرفه عن ظاهره. وأما قوله وسمع الإمام أحمد ﵀ شخصا يروي حديث النزول ويقول: ينزل بغير حركة ولا انتقال، ولا تغير حال، فأنكر الإمام أحمد عليه ذلك وقال: قل كما قال رسول الله ﷺ ، فهو أغير على ربه منك، فأقول نعم، قد كان أحمد ينكر هذه الألفاظ التي لم يأت بها كتاب ولا سنة ولا نطق بها أصحاب رسول الله ﷺ ولا من بعدهم من التابعين وكان يحب السكوت عن ذلك كما قدمنا ذلك عنه في الحد.
стр. 74
ما جاء عن المتقدمين من وصفه بالحركة والإنتقال
...
ولأئمة السلف ومنهم أحمد كلام في الحركة والانتقال، فنذكر من ذلك ما يتبين به صحة مذهب السلف وبطلان ما خالفهم من كلام أهل البدع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في العقل والنقل بعد كلام طويل قال فيه: والفعل صفة كمال لا صفة نقص كالكلام والقدرة وعدم الفعل صفة نقص، كعدم الكلام وعدم القدرة، فدل العقل على صحة ما دل عليه الشرع وهو المطلوب. وكان الناس قبل أبي محمد بن كلاب صنفين، فأهل السنة والجماعة يثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها، والجهمية من المعتزلة وغيرهم تنكر هذا.
стр. 75
وهذا فأثبت ابن كلاب قيام الصفات اللازمة به ونفى أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها، ووافقه على ذلك أبو العباس القلانسي وأبو الحسن الأشعري وغيرهما، وأما الحارث المحاسبي فكان ينتسب إلى قول ابن كلاب ولهذا أمر أحمد بهجره، وكان أحمد يحذر عن ابن كلاب وأتباعه، ثم قيل عن الحادث أنه رجع عن قوله، وقد ذكر الحارث في كتاب فهم القرآن عن أهل السنة في هذه المسألة قولين ورجح قول ابن كلاب، وذكر ذلك في قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ ، وأمثال ذلك.