← Акыда

Акыда · id 11123

تنبيه ذوي الألباب السليمة عن والوقوع في الألفاظ المبتدعة الوخيمة

سليمان بن سحمان

Полный текст (105 стр.). Показаны 71–105 · переход к 76.

стр. 71

قدم صفاته وما ورد في وصفه بالإستواء والنزول والمجيء لفصل القضاء ... "ومنها" ما ذكره في صفحة ثمان وسبعين على قول الناظم: فسائر الصفات والأفعال ... قديمة لله ذي الجلال قال الشارح: وسائر الأفعال من الاستواء أو النزول والإتيان والمجيء والتكوين ونحوها قديمة عند سلف الأمة وأئمتها لله ذي الجلال والإكرام ليس منها شيء محدث وإلا لكان محلا للحوادث وما حلت به الحوادث فهو حادث تعالى الله عن ذلك، انتهى. فأقول: اعلم أنا قد قدمنا فيما قبل من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وكلام تلميذه ابن القيم الذين هم سادات الحنابلة وأئمتهم ما فيه الكفاية، ولكن لابد من التنبيه على بعض ذلك ليتبين لك أن نسبة ذلك إلى سلف الأمة وأئمتها من الكذب عليهم وإنما هو كلام سلف أئمة أهل البدع والضلال الذين ينتسبون إلى مذهب أهل السنة والجماعة. فمن ذلك أن شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ذكرا أن مذهب السلف وأئمتها أن أفعال الله قديمة النوع حادثة الآحاد، وأن الله سبحانه لم يزل متكلما إذا شاء ولم يزل فاعلا إذا شاء أولم تزل الإرادات والكلمات تقوم بذاته شيئا بعد شيء ونحو ذلك. فإذا عرفت هذا تبين لك أن قول الشارح في أفعال الله الاختيارية: ليس منها شيء محدث وإلا كان محلا للحوادث وما حلت به الحوادث فهو حادث تعالى الله عن ذلك - ليس هو من كلام السلف وأئمتها، بل هو

стр. 72

من كلام أهل البدع المخالفين للسلف كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى. وأما حلول الحوادث فير يدون به: أنه لا يتكلم بقدرته ومشيئته ولا ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا ولا يأتي يوم القيامة ولا يجيء ولا يغضب بعد أن كان راضيا ولا يرضى بعد أن كان غضبان ولا يقوم به فعل البتة ولا أمر مجدد بعد أن لم يكن ولا يريد شيئا بعد أن لم يكن مريداً له فلا يقول له كن حقيقة ولا استوى على عرشه بعد أن لم يكن مستويا ولا يغضب يوم القيامة غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ولا ينادي عباده يوم القيامة بعد أن لم يكن مناديا ولا يقول للمصلي: ".. إذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حمدني عبدي، فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال: أثني علي عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال: مجدني عبدي.."، فإن هذه كلها حوادث، وهو منزه عن حلول الحوادث، انتهى. وقد تقدم كلام شيخ الإسلام، وفيه الكفاية. ثم إن من المعلوم عند من له إلمام بالمعارف والعلوم أن نزول الله إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر وكذلك مجيئه لفصل القضاء بين العباد يوم القيامة لم يكن قديماً قبل أن يخلق السموات والأرض في الأزل بل ذلك فيما لم يزل إلى يوم القيامة بمشيئته وقدرته وإرادته كما يشاء أن ينزل وكما يشاء أن يجيء ويأتي على ما يليق بعظمته وجلاله. ومن تأمل كلام شمس الدين ابن القيم حق التأمل تبين له ما قاله أئمة السلف وتبين له أيضا ما يقوله أئمة أهل البدع وما تحت ألفاظهم المجملة التي لم ينطق بها كتاب ولاسنة ولم يتكلم بها أصحاب رسول الله

стр. 73

صلى الله عليه وسلم ولا التابعون ولا من بعدهم من الأئمة المهتدين، والله أعلم. وكذلك ما قاله الشارح بعد هذا، قال سفيان بن عيينة كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته، والسكوت عنه ليس لأحد أن يفسره إلا الله ورسوله ﷺ . فأقول قد تقدم الكلام على ذلك وإنما مقصود السلف بذلك تأويله وصرفه عن ظاهره. وأما قوله وسمع الإمام أحمد ﵀ شخصا يروي حديث النزول ويقول: ينزل بغير حركة ولا انتقال، ولا تغير حال، فأنكر الإمام أحمد عليه ذلك وقال: قل كما قال رسول الله ﷺ ، فهو أغير على ربه منك، فأقول نعم، قد كان أحمد ينكر هذه الألفاظ التي لم يأت بها كتاب ولا سنة ولا نطق بها أصحاب رسول الله ﷺ ولا من بعدهم من التابعين وكان يحب السكوت عن ذلك كما قدمنا ذلك عنه في الحد.

стр. 74

ما جاء عن المتقدمين من وصفه بالحركة والإنتقال ... ولأئمة السلف ومنهم أحمد كلام في الحركة والانتقال، فنذكر من ذلك ما يتبين به صحة مذهب السلف وبطلان ما خالفهم من كلام أهل البدع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في العقل والنقل بعد كلام طويل قال فيه: والفعل صفة كمال لا صفة نقص كالكلام والقدرة وعدم الفعل صفة نقص، كعدم الكلام وعدم القدرة، فدل العقل على صحة ما دل عليه الشرع وهو المطلوب. وكان الناس قبل أبي محمد بن كلاب صنفين، فأهل السنة والجماعة يثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها، والجهمية من المعتزلة وغيرهم تنكر هذا.

стр. 75

وهذا فأثبت ابن كلاب قيام الصفات اللازمة به ونفى أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها، ووافقه على ذلك أبو العباس القلانسي وأبو الحسن الأشعري وغيرهما، وأما الحارث المحاسبي فكان ينتسب إلى قول ابن كلاب ولهذا أمر أحمد بهجره، وكان أحمد يحذر عن ابن كلاب وأتباعه، ثم قيل عن الحادث أنه رجع عن قوله، وقد ذكر الحارث في كتاب فهم القرآن عن أهل السنة في هذه المسألة قولين ورجح قول ابن كلاب، وذكر ذلك في قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ ، وأمثال ذلك.

стр. 76

ما نقله حرب عن ائمة عصره فيما يجب إعتقاده ... وأئمة السنة والحديث على إثبات النوعين، وهو الذي ذكره عنهم من نقل مذهبهم، كحرب الكرماني، وعثمان ابن سعيد الدارمي وغيرهما، بل صرح هؤلاء بلفظ الحركة وأن ذلك هو مذهب أئمة السنة والحديث من المتقدمين والمتأخرين، وذكر حرب الكرماني قول من لقيه من أئمة السنة؛ كأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور، وقال عثمان بن سعيد وغيره: إن الحركة من لوازم الحياة، فكل حي متحرك، وجعلوا نفي هذا من أقوال الجهمية، نفاة الصفات الذين اتفق السلف والأئمة على تضليلهم وتبديعهم، وطائفة أخرى من السلفيين؛ كنعيم بن حماد الخزاعي، والبخاري صاحب الصحيح، وأبي بكر بن خزيمة، وغيرهم؛ كأبي عمر بن عبد البر وأمثاله يثبتون المعنى الذي يثبته هؤلاء، ويسمون ذلك فعلا ونحوه، لكن يمنعون عن إطلاق لفظ الحركة لكونه

стр. 77

غير مأثور وأصحاب أحمد منهم من يوافق هؤلاء، كأبي بكر عبد العزيز، وأبي عبد الله بن بطة، وأمثالهما، ومنهم من يوافق الأولين: كأبي عبد الله ابن حامد، وأمثاله – ثم ذكر كلاما – طويلا إلى أن قال: وقال أبو محمد حرب بن إسماعيل الكرماني في مسائله المعروفة التي نقلها عن أحمد، وإسحاق، وغيرهما، وذكر معهما من الآثار عن النبي ﷺ والصحابة وغيرهم ما ذكر – إلى أن قال: وأدركت من أدركت من علماء أهل العراق والحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج من الجماعة زائل عن منهج السنة وسبيل الحق، وهو مذهب أحمد، وإسحاق، وإبراهيم بن مخلد، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور، وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم، وذكر الكلام في الإيمان، والقدر، والوعيد، والإمامة، وما أخبر به الرسول من أشراط الساعة، وأمر البرزخ، والقيامة، وغير ذلك، إلى أن قال: وهو سبحانه بائن من خلقه، لا يخلو من علمه مكان، ولله عرش، وللعرش حملة يحملونه، وله حد، الله أعلم بحده، والله على عرشه، عز ذكره، وتعالى جده، ولا إله غيره، والله تعالى سميع لا يشك، بصير لا يرتاب، عليم لا يجهل، جواد لا يبخل، حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسى، يقظان لا يسهو، رقيب لا يغفل، يتكلم، ويتحرك، ويسمع، ويبصر، وينظر، ويقبض، ويبسط، ويحب، ويكره، ويبغض، ويرضى، ويسخط، ويغضب، ويرحم، وعفو، ويغفر، ويعطي، ويمنع، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء، وكما شاء، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾

стр. 78

إلى أن قال: ولم يزل متكلما عالما ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ اهـ ?. والمقصود أنه ذكر عن أئمة السلف في أفعال الله الاختيارية التي تتعلق بمشيئة وقدرته وإرادته الحركة فليس لنا أن نعدل عن قولهم ونأخذ بمذاهب أهل البدع وآرائهم.

стр. 79

نزول الله تعالى إلى سماء الدنيا والرد على راديه ... وقال شيخ الإسلام أيضا في العقل والنقل: وقال عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه المعروف "بنقض عثمان بن سعيد، على المريسي الجهمي العنيد، فيما افترى على الله في التوحيد"، قال: وادعى المعارض أيضا أن قول النبي ﷺ : "إن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يمضي ثلث الليل، فيقول: هل من مستغفر؟ هل من تائب؟، هل من داع؟ " قال: وادعى أن الله لا ينزل بنفسه، إنما ينزل أمره، ورحمته، وهو على العرش، وبكل مكان من غير زوال؛ لأنه الحي القيوم، والقيوم بزعمه من لا يزول. "قال" فيقال لهذا المعارض: وهذا أيضا من حجج النساء والصبيان، ومن ليس عنده بيان، ولا لمذهبه برهان، لأن أمر الله ورحمته ينزل في كل ساعة ووقت وأوان، فما بال النبي ﷺ يحد لنزوله الليل دون النهار ويوقت من الليل شطره والأسحار؟ أفأمره ورحمته يدعوان العباد إلى الاستغفار؟ أو يقدر الأمر والرحمة أن يتكلما دونه؟ فيقولا: "هل من داع فأجيبه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟ " فإن قررت مذهبك لزمك أن تدعي أن الرحمة والأمر هما اللذان يدعوان العباد إلى الإجابة والاستغفار بكلامه دون الله، وهذا محال عند السفهاء، فكيف عند الفقهاء؟ قد علمتم ذلك ولكن تكابرون، وما بال رحمته

стр. 80

وأمره ينزلان من عنده شطر الليل ثم يمكثان إلى طلوع الفجر ثم يرفعان؟ لأن رفاعة راويه يقول في حديثه: "حتى ينفجر الفجر"، قد علمتم إن شاء الله تعالى أن هذا التأويل باطل، ولا يقبله إلا ساهل، وأما دعواك أن تفسير القيوم الذي لا يزول عن مكانه ولا يتحرك فلا يقبل منكم هذا التفسير إلا بأثر صحيح مأثور عن رسول الله ﷺ أو عن بعض أصحابه أو التابعين، لأن الحي القيوم يفعل ما شاء، ويتحرك إذا شاء، ويهبط ويرتفع إذا شاء، ويقبض ويبسط ويقوم ويجلس إذا شاء، لأن أمارة ما بين الحي والميت التحرك. كل حي متحرك لا محالة، كل ميت غير متحرك لا محالة. ومن يلتفت إلى تفسيرك وتفسير صاحبك مع تفسير نبي الرحمة، ورسول رب العزة إذ فسر نزوله مشروعا منصوصا، ووقت لنزوله وقتا مخصوصا، لم يدع لك ولأصحابك فيه لعبا ولا عويصا. انتهى، والله أعلم.

стр. 81

إرادة الله لأعمال العباد من طاعة ومعصية ... "ومنها" ما ذكره الشارح في صفحة ثلاثة وثلاثين على قول الناظم: وكل ما يفعله العباد ... من طاعة أو ضدها مراد لربنا من غير ما اضطرار ... منه لنا فافهم ولا تمار قال الشارح: وكل ما أي فعل يفعله العباد من طاعة وهي متعلق المدح في العاجل، والثواب في الآجل، أو ضدها أي وكل ما يفعله من ضد الطاعة وهي المعصية يعني ما فيه ذم في العاجل، وعقاب أو لوم في الآجل مراد لربنا تعالى داخل تحت إرادته ومشيئته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو على كل شيء قدير. انتهى.

стр. 82

فأقول: اعلم وفقك الله تعالى أن الشارح والناظم أطلقا لفظ الإرادة من غير تفصيل ولا بيان، وهو كلام مجمل موهم من جنس ما تقدم من الألفاظ التي نبهنا عليها من كلام أهل البدع، فإن الظاهر من هذا اللفظ الذي أطلقه الشارح والناظم إنما يراد به الإرادة الكونية القدرية، وفي المسألة تفصيل قد ذكره المحققون من أهل العلم، لأن الإرادة إرادتان، كونية قدرية، وإرادة دينية شرعية وبيان ذلك بما ذكره شيخ الإسلام بن تيمية قدس الله روحه في منهاج السنة حيث قال: "الوجه الثالث" طريقة الأئمة الفقهاء وأهل الحديث وكثير من أهل النظر وغيرهم، أن الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة تتعلق بالأمر، وإرادة تتعلق بالخلق، فالإرادة المتعلقة بالأمر أن يريد من العبد فعل ما أمر به، وأما إرادة الخلق فأن يريد ما يفعله هو، فإرادة الأمور هي المتضمنة للمحبة والرضا، وهي الإرادة الدينية، والإرادة المتعلقة بالخلق هي المشيئة، وهي الإرادة الكونية القدرية، فالأولى، كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر﴾ ، وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُم﴾ إلى قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ ، وقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ الآية والثانية، كقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْس أَهْلَ الْبَيْت﴾ الآية. والثانية، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ ، وقوله: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ ، ومن هذا النوع

стр. 83

قول المسلمين: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ومن الأول: كقولهم لمن يفعل القبائح هذا يفعل ما لا يريده الله منه، فإذا كان كذلك فالكفر والفسوق والعصيان ليس مراداً للرب بالاعتبار الأول، والطاعة موافقة لتلك الإرادة، وموافقة للأمر المستلزم لتلك الإرادة. فأما موافقة مجرد النوع الثاني فلا يكون به مطيعا وحينئذ فالنبي يقول له أن الله يبغض الكفر ولا يحبه ولا يرضاه لك أن تفعله ولا يريده بهذا الاعتبار، والنبي ﷺ يأمره بالإيمان الذي يحبه الله ويرضاه له ويريده بهذا الاعتبار. ثم ذكر كلاما طويلا في منهاج السنة في الجزء الثاني من المجلد الأول في صفحة اثنين وعشرين: فمن أراد الوقوف عليه فليراجعه في محله. وقال أيضا رحمه الله تعالى في موضع آخر: وقد قسم الإرادة أربعة أقسام، فقال ﵀: "الأول" ما تعلقت به الإرادتان، وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة، فإن الله تعالى أرادها إرادة دين وشرع، فأمر به وأحبه ورضيه وأراده إرادة كون، فوقع ولولا ذلك لما كان. "الثاني" ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط، وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة فعصى ذلك الأمر الكفار والفجار فتلك كلها إرادة دين وهو يحبها ويرضاها لو وقعت ولم تقع. "الثالث" ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط، وهو ما قدره وشاءه من الحوادث التي لم يأمر بها كالمباحات والمعاصي، فإنه لم يأمر بها ولم يرضها ولم يحبها إذ هو لا يأمر بالفحشاء ولا يرضي لعباده الكفر ولولا مشيئته وقدرته وخلقه لما كانت ولما وجدت، فإن ما شاء الله كان

стр. 84

وما لم يشأ لم يكن. "الرابع" من أقسام الإرادة الذي لم تتعلق به هذه الإرادة ولا هذه فهذا ما لم يكن من أنواع المباحات والمعاصي، أنتهي. إذا تبين لك هذا فاعلم أن قول الناظم والشارح يوافق ما قالته القدرية الجبرية حين ردوا ما قالته القدرية النفاة لما أنكروا القدر وزعموا أن الأمر أنف فقابلهم أولئك بالقول بالجبر ١ وأنهم لا يخرجون عن قدره وقضائه نظرا منهم إلى أن الأمر كائن بمشيئة الله وقدره، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه تعالى خالق كل شيء وربه ومليكه، ولا يكون في ملكه شيء إلا بقدرته وخلقه ومشيئته، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّه﴾ ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ﴾ ، ونحو ذلك من الآيات. ولا ريب أن هذا أصل عظيم من أصول الإيمان لا بد منه في حصول الإيمان وبإنكاره ضلت القدرية النفاة، وخالفوا جميع الصحابة وأئمة الإسلام، لكن لا بد معه من الإيمان بالإرادة الشرعية الدينية التي نزلت بها الكتب الإيمانية، ودلت عليها النصوص النبوية وأئمة المسلمين قد أثبتوا هذه وهذه، وذكروا الجمع بينهما وآمنوا

стр. 85

بكل من الأصلين، فتفطن، فهذا الموضع يزيل عنك إشكالات كثيرة، والله أعلم.

стр. 86

تنزيه الله عن تعذيب المطيع ... " فصل " ومنها ما ذكره الشارح في صفحة خمس وثلاثين على قول الناظم: وجاز للمولى يعذب الورى ... من غير ما ذنب ولا جرم جرى إلى آخره. قال الشارح: وجاز للمولى ﷻ – وهو رب العالمين – يعذب الورى أي الخلق من غير ذنب أي إثم ولا جرم هو بمعنى ما قبله، وعطفه عليه لزيادة البيان، جرى من العدم إلى قوله: حتى إثابة العاصي وعقوبة المطيع إلى قوله: لأنه تعالى لو عذبهم لعذبهم بعدله الخالص من شائبة الظلم لأنه تعالى تصرف في ملكه، والعدل وضع الشيء في محله من غير اعتراض على الفاعل عكس الظلم – إلى آخر كلامه. فأقول: اعلم وفقك الله أن هذا الكلام الذي قاله الناظم، والشارح يخالف ما قاله المحققون من أهل العلم، بل هو من كلام أهل البدع الذين قابلوا باطلا بباطل المخالفين لأئمة السلف رضوان الله تعالى عليهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه بعد كلام له سبق: وهذه النصوص النافية للظلم تثبت العدل في الجزاء وأنه لا يبخس عاملا عمله، وكذلك قوله فيمن عاقبهم: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْء﴾ ، وقوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾

стр. 87

بين أن عقاب المجرمين عدلا لذنوبهم لا لأنا ظلمناهم فعاقبهم بغير ذنب. والحديث الذي في السنن " لو عذب الله أهل سمواته وأرضه، لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم، لكانت رحمته لهم خيراً من أعمالهم". يبين أن العذاب لو وقع لكان لاستحقاقهم ذلك لا لكونه بغير ذنب. وهذا يبين أن من الظلم المنفي عقوبة من لم يذنب. وكذلك قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ. مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ﴾ يبين أن هذا العقاب لم يكن ظلما بل لاستحقاقهم ذلك، وأن الله لا يريد الظلم. والأمر الذي لا يمكن القدرة عليه لا يصلح أن يمدح الممدوح بعدم إرادته، وإنما يكون المدح بترك الأفعال إذا كان الممدوح قادراً عليها فعلم أن الله قادر على ما نزه نفسه عنه من الظلم وأنه لا يفعله وبذلك يصح قوله: "إني حرمت الظلم على نفسي". وإن التحريم هو المنع. وهذا لا يجوز أن يكون فيما هو ممتنع لذاته فلا يصلح أن يقال حرمت على نفسي أو منعت نفسي من خلق مثلي أو جعل المخلوقات خالقة ونحو ذلك من المحالات، وأكثر ما يقال في تأويل ذلك ما يكون معناه أني أخبرت عن نفسي بأن ما لا يكون مقدوراً لا يكون مني، وهذا المعنى مما يتيقن المؤمن أنه ليس مراد الرب، وأنه يحب تنزيه الله ورسوله عن إرادة مثل هذا المعنى الذي لا يليق الخطاب بمثله إذ هو مع كونه شبه التكرير وإيضاح الواضح، ليس فيه مدح ولا ثناء ولا ما يستفيده المستمع، فعلم أن الذي حرمه على نفسه هو أمر مقدور عليه لكنه لا يفعله

стр. 88

لأنه حرمه على نفسه وهو سبحانه منزه عن فعله مقدس عنه يبين أن ما قاله الناس في حدود الظلم يتناول هذا دون ذلك، كقول بعضهم: الظلم وضع الشيء في غير موضعه، كقولهم: من أشبه أباه فما ظلم، أي فما وضع الشبه غير موضعه. ومعلوم أن الله سبحانه حكم عدل لا يضع الأشياء إلا مواضعها، ووضعها غير مواضعها ليس ممتنعا لذاته بل هو ممكن، لكنه لا يفعله، لأنه لا يريده، بل يكرهه ويبغضه، إذ قد حرمه على نفسه. وكذلك من قال: الظلم إضرار غير مستحق، فإن الله لا يعاقب أحداً بغير حق. وكذلك من قال هو نقص الحق، وذكر أن أصله النقص كقوله: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئا﴾ . وأما من قال: هو التصرف في ملك الغير، فهذا ليس بمطرد ولا منعكس، فقد يتصرف الإنسان في ملك غيره بحق ولا يكون ظالما، وقد يتصرف في ملكه بغير حق فيكون ظالما. وظلم العبد نفسه كثير في القرآن. وكذلك من قال: فعل المأمور خلاف ما أمر به، ونحو ذلك. أتسلم صحة هذا الكلام؟ فالله سبحانه قد كتب على نفسه الرحمة وحرم على نفسه الظلم فهو لا يفعل خلاف ما كتب ولا يفعل ما حرم. وليس هذا الجواب موضع بسط هذه الأمور التي نبهنا عليها فيه، وإنما نشير إلى النكت. وبهذا يتبين القول المتوسط وهو: أن الظلم الذي حرمه الله على نفسه مثل أن يترك حسنات المحسن، فلا يجزيه بها، ويعاقب البريء على ما لم يفعل من السيئات ويعاقب هذا بذنب غيره، أو يحكم بين الناس بغير القسط

стр. 89

ونحو ذلك من الأفعال التي ينزه الرب عنها لقسطه وعدله وهو قادر عليها، وإنما استحق الحمد والثناء لأنه ترك هذا الظلم وهو قادر عليه. وكما أن الله منزه عن صفات النقص والعيب، فهو أيضا منزه عن أفعال النقص والعيب، وعلى قول الفريق الثاني ما ثم فعل يجب تنزيه الله عنه أصلا، والكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها يدل على خلاف ذلك إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى، فمن أراد الوقوف عليه فهو في الجلد الأول من الفتاوى في صفحة اثنتين وأربعين وثلاث مائة. إذا تحققت هذا وتبين لك من شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه أن الله لا يعذب أحداً من عباده بغير ذنب، لأنه نزه نفسه عن ذلك فلا يريده بل يكرهه ويبغضه، لأنه حرمه على نفسه وإن كان قادرً عليه، فتبين بهذا خطأ الناظم والشارح حيث توهما أن ذلك جائز بغير ذنب ولا جرم استحق به العقاب والعذاب، فإن هذا هو حقيقة قول الفريق الثاني الذين قابلوا باطلا بباطل حيث قالوا ما ثم فعل يجب تنزيه الله عنه أصلا. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في شفاء العليل في مناظرة جرت بين سني وجبري، قال السني في جواب الجبري: وصرحت بأنه يجوز عليه أن يعذب أشد العذاب لمن لم يعصه طرفة عين، فإن حكمته ورحمته لا تمنع ذلك بل هو جائز عليه ولولا خبره عن نفسه بأنه لا يفعل ذلك لم تنزهه عنه. وقلت إن تكليفه عباده بما كلفهم به بمنزلة تكليف الأعمى للكتابة، والزمن للطيران، فبغضت الرب إلى من دعوته إلى هذا الاعتقاد ونفرته

стр. 90

عنه وزعمت أنك بذلك توحيده، وقد قلعت شجرة التوحيد من أصلها. وأما منافاة الجبر للشرائع فأمر ظاهر لا خفاء به فإن مبنى الشرائع على الأمر والنهي وأمر الآمر لغيره بفعل نفسه لا بفعل المأمور ونهيه عن فعله لا فعل المنهي عبث ظاهر فإن متعلق الأمر والنهي فعل العبد وطاعته ومعصيته، فمن لا فعل له كيف يتصور أن يوقعه بطاعة أومعصيته، وإذا ارتفعت حقيقة الطاعة والمعصية ارتفعت حقيقة الثواب والعقاب وكان ما يفعله الله بعباده يوم القيامة من النعيم والعذاب أحكاما جارية عليهم لمحض المشيئة والقدرة لا أنها بأسباب طاعتهم ومعاصيهم. بل هاهنا أمر آخر وهو أن الجبر مناف للخلق كما هو مناف للأمر، فإن الله سبحانه له الخلق والأمر وما قامت السموات إلا بعدله فالخلق قام بعدله، وبعدله ظهر كما أن الأمر بعدله، وبعدله وجد، فالعدل سبب وجود الخلق والأمر وغايته فهو علية الفاعلية الغائية والجبر لا يجامع العدل ولا يجامع الشرع والتوحيد. انتهى. والمقصود من هذا أنه نفى تجويز عذاب الله عباده على ما لم يفعلوه من الذنوب والجرائم وقد نزه الله نفسه عن ذلك لأنه لا يريده بل يكرهه ويبغضه، والله أعلم. وقال أيضاً ﵀ في عدة الصابرين على قوله سبحانه ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾ . كيف يجد في ضمن هذا الخطاب أن شكره تعالى يأبى تعذيب عباده سدى بغير جرم كما يأبى إضاعة سعيهم باطلا فالشكور لا يضيع أجر محسن ولا يعذب غير مسيء

стр. 91

وفي هذا رد لقول من زعم أنه يكلف عبده مالا يطيقه ثم يعذبه على ما لا يدخل تحت قدرته، تعالى الله عن هذا الظن الكاذب، والحسبان الباطل علواً كبيراً، فشكره سبحانه اقتضى أن لا يعذب المؤمن الشكور، ولا يضيع عمله، وذلك من لوازم هذه الصفة، فهو منزه عن خلاف ذلك كما تنزه عن سائر العيوب والنقائص التي تنافي كماله وغناه وحمده. انتهى. وأما قول الشارح: واستدل بقوله تعالى حكاية عن عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ ، فأقول: هذه الآية لا تدل على ما توهمه الشارح من أنه جائز لله أن يعذب عباده من غير ما ذنب ولا جرم استحقوا به، بل الآية تدل على خلافه كما تقدم بيانه مبينا مفصلا. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في مدارج السالكين على هذه الآية في صفحة مائتين وإحدى عشر: وهذا من أبلغ الأدب مع الله في مثل هذا المقام أي شأن السيد رحمة عبيده والإحسان إليهم، وهؤلاء عبيدك ليسوا عبيدا لغيرك، فإذا عذبتهم مع كونهم عبيدك، فلولا أنهم عبيد سوء من أنجس العبيد وأعتاهم على سيدهم وأعصاهم له لم يعذبهم، لأن قربة العبودية تستدعي إحسان السيد إلى عبده ورحمته له، فلماذا يعذب أرحم الراحمين، وأجود الأجودين، وأعظم المحسنين إحسانا عبيده لولا فرط عتوهم وإبائهم عن طاعته وكمال استحقاقهم للعذاب؟ وقد تقدم قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ أي هم عبادك وأنت أعلم بسرهم وعلانيتهم، فإذا عذبتهم عذبتهم على علم منك بما تعذبهم عليه فهم عبادك وأنت أعلم بما جنوه واكتسبوه فليس في هذا

стр. 92

استعطاف لهم كما يظنه الجهال ولا تفويض إلى محض المشيئة والملك المجرد عن الحكمة كما تظنه القدرية، وإنما هو إفراد واعتراف وثناء عليه بحكمته وعدله وكمال علمه بحالهم واستحقاقهم للعذاب. إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.

стр. 93

الإيمان عند السلف قول وعمل وإعتقاد ونية ... فصل "ومنها" ما ذكره في القول السديد على قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ ، فقال: ومعنى الإيمان بالله أن تعتقد أنه هو الإله المعبود الذي لا يستحق العبادة أحد سواه ومعنى الكفر بالطاغوت أن تعتقد بطلان عبادة غير الله إلى آخر كلامه. فأقول: اعلم وفقك الله أنه لا يكفي في الإيمان بالله مجرد الاعتقاد بالقلب فقط، فإن هذا هو مذهب الجهمية ومن تبعهم من أهل الكلام، بل لا بد مع ذلك من نطق اللسان، واعتقاد الجنان، والعمل بالأركان. فإن اعتقاد القلب وحده لا يكفي في النجاة بل هو مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة وأئمة الحديث وغيرهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في كتاب الإيمان: ومن هذا الباب أقوال السلف وأئمة السنة في تفسير الإيمان، فتارة يقولون: هو قول وعمل، وتارة يقولون: هو قول وعمل ونية، وتارة يقولون: قول وعمل ونية واتباع السنة، وتارة يقولون: قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، وكل هذا صحيح. فإذا قالوا: قول وعمل، فإنه يدخل في القول قول القلب

стр. 94

واللسان جميعا، وهذا هو المفهوم من لفظ القول والكلام ونحو ذلك – إلى أن قال: والمقصود هنا: أن من قال من السلف: الإيمان قول وعمل، أراد قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح، ومن أراد أن لفظ القول لا يفهم منه إلا القول الظاهر أو خاف ذلك فزاد الاعتقاد بالقلب، ومن قال قول وعمل ونية، قال القول يتناول ذلك، ومن زاد اتباع السنة فلأن ذلك كله لا يكون محبوبا لله إلا باتباع السنة، وأولئك لم يريدوا كل قول وعمل، وإنما أرادوا ما كان مشروعا من الأقوال والأعمال، ولكن كان مقصودهم الرد على المرجئة الذين جعلوه قولا فقط، فقالوا بل هو قول وعمل، والذين جعلوه أربعة فسروا مرادهم كما سئل سهل بن عبد الله التستري عن الإيمان ما هو؟ فقال: قول وعمل ونية وسنة، لأن الإيمان إذا كان قولا بلا عمل فهو كفر، وإذا كان قولا وعملا بلا نية فهو نفاق، وإذا كان قول وعمل ونية بلا اتباع سنة فهو بدعة. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب الصلاة: وههنا أصل آخر وهو أن حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل، والقول قسمان: قول القلب، وهو الاعتقاد، وقول اللسان، وهو التكلم بكلمة الإسلام. والعمل قسمان: عمل القلب، وهو نية وإخلاص، وعمل الجوارح. فإذا زالت هذه الأربعة زال الإيمان بكماله، وإذا زال تصديق القلب لم تنفع بقية الأجزاء، فإن تصديق القلب شرط في اعتقادها، وكونها نافعة إلى آخر كلامه ﵀. إذاً المقصود بهذا، التنبيه. فمن أراد الكلام بتمامه فليراجعه هناك.

стр. 95

وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كشف الشبهات ما ذكره بقوله: ولنختم الكلام إن شاء الله بمسألة عظيمة مهمة جداً – فذكر كلاما ثم قال: فنقول: لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلما، فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند كفرعون وإبليس وأمثالهما إلى أن قال: فإن عمل بالتوحيد عملا ظاهراً وهو لا يفهمه ولا يعتقده بقلبه فهو منافق، وهو شر من الكافر الخالص إلى آخر كلامه. وكذلك الكفر بالطاغوت لا يكفي في ذلك مجرد اعتقاد القلب فقط كما قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد: باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان، وقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ، قال في المسائل في معنى الطاغوت: "الرابعة": وهي من أهمها: ما معنى الإيمان بالجبت والطاغوت؟ هل هو اعتقاد القلب أو هو موافقة أصحابها مع بغضها ومعرفة بطلانها؟ انتهى. فإذا تبين لك هذا فاعلم أن اعتقاد بطلان عبادة غير الله لا يكفي في النجاة وحده بل لا بد مع ذلك من تكفيرهم والبراء منهم ومن دينهم والتصريح لهم بذلك وإظهار العداوة والبغضاء لهم كما قال شيخنا عبد الرحمن بن حسن على ما ذكر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بقوله: أصل الإسلام وقاعدته أمران: "الأول": الأمر بعبادة الله وحده

стр. 96

لا شريك له، والتحريض على ذلك والموالاة فيه وتكفير من تركه. "الثاني": الإنذار عن الشرك في عبادة الله، والتلفظ في ذلك والمعادة فيه وتكفير من فعله، فذكر كلاما طويلا ثم قال رحمه الله تعالى: وقد وسم أهل الشرك بالكفر فيما لا يحصى من الآيات، فلا بد من تكفيرهم، وأيضا هذا هو مقتضى لا إله إلا الله كلمة الإخلاص، فلا يتم معناها إلا بتكفير من جعل لله شريكا في عبادته كما في الحديث الصحيح "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله". فقوله: وكفر بما يعبد من دون الله – تأكيد للنفي فلا يكون معصوم الدم والمال إلا بذلك، فلو شك أو تردد لم يعصم دمه وماله، فهذه الأمور هي تمام التوحيد، لأن لا إله إلا الله قيدت في الأحاديث بقيود ثقال بالعلم والإخلاص والصدق واليقين وعدم الشك، فلا يكون المرء موحداً إلا باجتماع هذا كله واعتقاده وقبوله ومحبته والمعاداة فيه والموالاة. انتهى. ثم إني بعد ما حررت هذه الكلمات وقفت على ما ذكره في القول السديد أن أركان الإيمان ثلاثة، قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان. فقلت من التعجب ليت شعري ... أأيقاظ أمية أم نيام فإذا كان هذا هو الحق وتعتقد أنها أركان الإيمان، فكيف ساغ لك أن تذكر أن معنى الإيمان بالله أن تعتقد أنه هو الإله المعبود الذي لا يستحق العبادة أحد سواه، وقد ذكر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كشف الشبهات أنه لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب

стр. 97

واللسان والعمل، فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلما، وأنت لم تذكر في معنى الإيمان بالله في هذا الموضع إلا ركنا واحدا وهو الاعتقاد فقط، وقد علمت أنه لا بد من الركنين الآخرين لأنه لا يكون الرجل مسلما إلا بالقيام بهذه الأركان الثلاثة، وقد تقدم أن مذهب الجهمية هو التصديق فقط، وتقدم أقوال أئمة السلف في معنى الإيمان، فلا بد من المصير إلى ما ذكروه وقرروه، وكذلك ما ذكرته في معنى الطاغوت أن تعتقد بطلان عبادة غير الله، وقد كان من المعلوم أنه لا بد مع ذلك من تكفير من فعل الشرك والبراءة منه والتصريح لهم بالعداوة والبغضاء، فتأمل ذلك، والله الموفق للصواب.

стр. 98

الذات لا يكون منها بل يكون مفارقا لها، ومن المعلوم أن ما كان مفارقا للذات لا يكون من الصفات القائمة بذاته بل يكون مخلوقا من مخلوقاته، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وقد قال الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في رده على الزيدية لما أثبت الصفات اللازمة القائمة بذات الله. قال الزيدي: فإن ترد أنها تدل على صفات زائدة على الذات لزمك ما لزم الأشاعرة وهو أن يكون مع الله قدماء، وهي المعاني التي لحقت ذاته تعالى بالوصف، ونحن نبرأ من هذا نحن وأنت، قال الشيخ عبد الله في جوابه: فيقال أهل السنة والجماعة يقولون: إن الله ﵎ موجود كامل بجميع صفاته، فإذا قال القائل دعوت الله أو عبدت الله كان اسم الله متناولا للذات المتضمنة لصفاتها ليس اسم الله اسما لذات مجردة عن صفاتها اللازمة لها، وحقيقة ذلك أنه لا يكون نفسه إلا بنفسه، ولا تكون ذاته إلا بصفاته، ولا يكون نفسه إلا بما هو داخل في مسمى اسما لذات مجردة عن صفاتها اللازمة لها وحقيقة ذلك أنه لا يكون نفسه إلا بنفسه ولا تكون ذاته إلا بصفاته، ولا يكون نفسه إلا بما هو داخل في مسمى اسمها، ولكن قول القائل إنه يلزم أن يكون مع الله قدماء، تلبيس – فإن ذلك يشعر أن مع الله قدماء منفصلة عنه، وهذا لا يقوله إلا من هو من أكفر الناس وأجهلهم بالله كالفلاسفة، لأن لفظ الغير يراد به ما كان مفارقا له بوجود أو زمان أو مكان ويراد به ما أمكن العلم به دونه، فالصفة لا تسمى غيراً له، فعلى المعنى الأول يمتنع أن يكون معه غيره. وأما المعنى الثاني فلا يمتنع أن يكون وجوده مشروطا بصفات، وأن يكون مستلزما لصفات لازمة له وإثبات المعاني القائمة التي

стр. 99

يوصف بها الذات لا بد منها لكل عاقل، ولا خروج عن ذلك إلا بجحد وجود الموجودات مطلقا، وأما من جعل وجود العلم هو وجود القدرة، ووجود القدرة هو وجود الإرادة فطرد هذه المقالة يستلزم أن يكون وجود كل شيء هو عين وجود الخالق تعالى وهذا منتهى الاتحاد وهو مما يعلم بالحس والعقل والشرع أنه في غاية الفساد، ولا مخلص من هذا إلا بإثبات الصفات، مع نفى مماثلة المخلوقات وهو دين الذين آمنوا وعملوا الصالحات – ثم ذكر كلاما طويلا تركناه خشية الإطالة. وقال الإمام أحمد في الرد الزنادقة: فقالت الجهمية لنا – لما وصفنا الله: هذه الصفات إن زعمتم أن الله ونوره، والله وعظمته، والله وقدرته، فقد قلتم بقول النصارى حين زعمتم أن الله لم يزل ونوره ولم يزل وقدرته. فقلنا لا نقول: إن الله لم يزل وقدرته ونوره، ولكن نقول: لم يزل بقدرته وبنور، لا متي قدر ولا كيف قدر؟ وقالوا: لا تكونوا موحدين أبدا حتى تقولوا: كان الله ولا شيء. فقلنا: نحن نقول كان الله ولا شيء، ولكن إذا قلنا إن الله لم يزل بصفاته كلها أليس إنما نصف إلها واحدا بجميع صفاته، وضربنا لهم في ذلك مثلا، فقلنا: أخبرونا عن هذه النخلة أليس لها جذوع وكرب وليف وسعف وخوص وجُمّار واسمها اسم شيء واحد، نخلة. سميت نخلة بجميع صفاتها، فكذلك الله ، وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله واحد، ولا نقول إنه كان في وقت من الأوقات ولا قدرة حتى خلق القدرة والذي ليس له قدرة هو عاجز، ولا نقول قد في وقت من الأوقات ولا

стр. 100

علم له حتى خلق العلم، والذي لا يعلم هو جاهل، ولكن نقول لم يزل الله عالما قادراً مالكا لا متى ولا كيف، وقد سمى الله رجلا كافرا اسمه الوليد بن المغيرة المخزومي، فقال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ وقد كان هذا الذي سماه الله وحيدا، وله عينان وأذنان ولسان وشفتان ويدان ورجلان وجوارح كثيرة فقد سماه الله وحيدا بجميع صفاته، فكذلك الله تعالى وله المثل الأعلى هو بجميع صفاته إله واحد. انتهى. فتبين بما ذكره الإمام أحمد أن الله إله واحد بجميع صفاته اللازمة القائمة بذاته ولم يقل إن من هذه الصفات صفة زائدة على ذاته كالسمع والبصر كما أن النخلة بجذوعها وكربها وليفها وسعفها وخوصها وجمارها نخلة واحدة بجميع هذه الصفات لها ولا يمكن في العقل أن السعف والليف زائدان على مسمى النخلة إذ جعل هذه المسميات من مسمى واحد، وليس منها شيء زائد على ذاته، والله أعلم. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في بدائع الفوائد بعد كلام سبق: حلوا لنا شبه من قال باتحادهما ليتم الدليل، فإنكم أقمتم دليلا وعليكم الجواب عن المعارض، فمنها أن الله وحده هو الخالق وما سواه مخلوق، فلو كانت أسماؤه غيره لكانت مخلوقة وللزم ألا يكون له اسم في الأزل ولا صفة، لأن أسماءه صفات، وهذا هو السؤال الأعظم الذي قاد متكلمي الإثبات إلى أن يقولوا الاسم هو المسمى فما عندكم في دفعه؟ والجواب: أن منشأ الغلط في هذا الباب من إطلاق ألفاظ مجملة محتملة

стр. 101

لمعنيين: حق وباطل فلا ينفصل النزاع إلا بتفصيل تلك المعاني وتنزيل ألفاظها عليها. ولا ريب أن الله ﵎ لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات الكمال المشتقة أسماؤه منها، فلم يزل بصفاته وأسمائه وهو إله واحد له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وصفاته وأسماؤه داخلة في مسمى اسمه وإن كان لا يطلق على الصفة وحدها أنها إله يخلق ويرزق فليست صفاته وأسماؤه غيره، وليست هي نفس الإله. وبلاء القوم من لفظة الغير فإنها يراد بها معنيين: أحدهما: المغاير لتلك الذات المسماة بالله وكل ما غاير الله مغايرة محضة بهذا الاعتبار فلا يكون إلا مخلوقا، ويراد به مغايرة الصفة للذات إذا جردت عنها. فإذا قيل علم الله وكلام الله غيره بمعنى أنه غير الذات المجردة عن العلم والكلام كان المعنى صحيحا ولكن الإطلاق باطل، فإذا أريد أن العلم هو الكلام "؟ " المغاير الحقيقة المختصة التي امتاز بهما عن غيره كان باطلا لفظا ومعنى، وبهذا أجاب أهل السنة المعتزلة القائلين بخلق القرآن، قالوا كلامه تعالى داخل في مسمى اسمه، فالله تعالى اسم للذات الموصوفة بصفات الكمال، ومن تلك الصفات صفة الكلام كما أن علمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره غير مخلوق، ولا يقال إنه غير الله، فكيف يقال إن بعض ما تضمنه وهو أسماؤه مخلوقة، وهي غيره، فقد حصحص الحق بحمد لله، وانحسم الإشكال، وأن أسماءه الحسنى التي في القرآن من كلامه، وكلامه غير مخلوق، ولا يقال: هو غيره، ولا هو هو، وهذا المذهب مخالف لمذهب المعتزلة الذين يقولون أسماؤه تعالى غيره، وهي مخلوقة، ولمذهب من رد عليهم

стр. 102

ممن يقول أسماؤه نفس ذاته لا غيره، وبالتفصيل تزول الشبهة ويتبين الصواب، والحمد لله. انتهى. إذا تبين هذا فقد كان معلوما بالاضطرار أن أسماء الله وصفاته من الله، وأنها داخلة في مسمى اسمه لا مغايرة له ولا منفصلة عنه. وقال الشيخ عبد الله بن شيخ الإسلام محمد أيضا في رده على الزيدية بعد كلام ذكره عن أهل البدع في لفظ الغير: ولهذا أطلق كثير من مثبتة الصفات عليها أنها أغيار للذات، وقالوا يقولون "؟ " إنها غير الذات، ولا يقول إنها غير الله، فإن لفظ الذات لا يتضمن الصفات بخلاف اسم الله فإنه يتناول الصفات، ولهذا كان الصواب على قول أهل السنة أن لا يقال في الصفات إنها زائدة على اسم الله بل من قال ذلك فقد غلط عليهم، وإذا قيل هل هي زائدة على الذات أم لا؟ كان الجواب أن الذات الموجودة في نفس الأمر مستلزمة للصفات فلا يمكن وجود الذات مجردة عن الصفات، بل ولا يوجد شيء من الذوات مجردا عن جميع الصفات، بل لفظ الذات تأنيث "ذو" ولفظ "ذو" مستلزم للإضافة، وهذا اللفظ مولد، وأصله أن يقال: ذات علم، وذات قدرة وذات سمع، كما قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُم﴾ ، ويقال: فلانة ذات مال وجمال، ثم لما علموا أن نفس الرب ذات علم وقدرة وسمع وبصر ردا على من نفى صفاتها عرفوا لفظ الذات وصار التعريف يقوم مقام الإضافة بحيث إذا قيل لفظ الذات فهو ذات كذا، فالذات لا يكون إلا ذات علم قدرة ونحوه من الصفات لفظا ومعنى، وإنما يريد محققو أهل السنة بقولهم

стр. 103

الصفات زائدة على الذات أنها زائدة على ما أثبته نفاة الصفات من الذات، فإنهم أثبتوا ذاتا مجردة لا صفات لها، فأثبت أهل السنة الصفات زائدة على ما أثبته هؤلاء فهي زيادة في العلم والاعتقاد والخبر لا زيادة على نفس الله ﷻ ، بل نفسه المقدسة متصفة بهذه الصفات لا يمكن أن تفارقها ولا توجد الصفات بدون الذات ولا الذات بدون الصفات. والمقصود هنا بيان بطلان كلام المعترض. إذا تأملت هذا فاعلم أن ما قاله محققو أهل السنة حيث قالوا إن الصفات زائدة على الذات إنما مرادهم بذلك أنها زائدة على ما أثبته نفاة الصفات من الذات، فإنهم أثبتوا ذاتا مجردة لا صفات لها، ومقصود أهل السنة أنها زائدة على ما أثبته هؤلاء النفاة فهي زيادة في العلم والاعتقاد والخبر، لا زيادة على نفس الله ﷻ ، بل نفسه المقدسة متصفة بهذه الصفات لا يمكن أن تفارقها ولا توجد الصفات بدون الذات، ولا الذات بدون الصفات كما تقدم بيانه. إذا تحققت هذا فتخصيص الشارح السمع والبصر بأنهما صفتان زائدتان على الذات تخصيص لا أدري ما مقصوده بذلك، وأهل السنة أطلقوا لفظ الصفات ولم يخصوا السمع والبصر، فتأمل ذلك مع أن الإجمال والإطلاق في هذا الموضع وغيره من غير تفصيل ولا تبيين لما أرادوه من إثبات الصفات الزائدة على ما أثبته النفاة من الذات يوهم من لا معرفة له بكلام أهل السنة رضوان الله عليهم أن المقصود بذلك أنها زائدة على نفس الله

стр. 104

جل جلاله، وهذا من أبطل الباطل، وأمحل المحال، وقد قال ابن القيم ﵀ في الكافية الشافية: فعليك بالتبيين والتفصيل فال ... إطلاق والإجمال دون بيان كم أفسدا هذا الوجود وخبطا ال ... آراء والأذهان كل زمان ثم لا يخفى عن المحب أن أهل السنة لم يقولوا إن الصفات زائدة على الذات فقط كما توهمه الشارح، وإنما قالوا: إنها زائدة على ما أثبته النفاة من الذات، لأنهم إنما أثبتوا ذاتا مجردة عن الصفات فتأمل ذلك، والله أعلم. وهذا آخر ما أردنا من التنبيه على هذه الورطات التي لا مخلص منها إلا باتباع مذهب السلف من أهل السنة المحضة الذين هم الأسوة وبهم القدوة في مسائل هذا الباب وغيره. إذا تحققت هذا فنحن لم نذكر في هذا التنبيه إلا ما ذكره أئمة الحنابلة وساداتهم الذين أخذوا بأقوال سلف هذه الأمة وأئمتها، وهذا الذي ذكرناه عن الأئمة هو الذي ندين الله به وهو الحق والصواب، الذي لا شك فيه ولا ارتياب، وما خالفه فهو كلام أهل البدع المخالفين لأهل السنة والجماعة. و ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَق﴾ . وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين. "تم طبع الكتاب"

стр. 105

صفات الله لا يقال فيها زائدة على الذات ولا عين الذات ... ومنها ما ذكره في الكواكب في صفحة العشرين حيث قال في البصر: ولا على سبيل تأثر حاسة. فأقول: اعلم أن هذه اللفظة من جملة الألفاظ المخترعة المبتدعة التي لم ينطق بها السلف رضوان الله عليهم لا نفيا ولا إثباتا، فاعلم ذلك. وكذلك ما ذكره الشارح بقوله في السمع والبصر: إنهما صفتان زائدتان على الذات، وهذا القول الذي ذكره الشارح من أقوال أهل البدع، كالأشاعرة وغيرهم، وكما ذكره شيخ الإسلام عن ابن رشد وغيره، وإذا كان من المعلوم بالاضطرار أن السمع والبصر من الصفات اللازمة القائمة بذات الرب ، فكيف يجوز أن يقال: إنهما صفتان زائدتان على الذات، وهذا من أمحل المحال، وأبطل الباطل. فإن ما كان من الصفات زائداً على