يوغل العقل، البدائي بخاصة، إلى حد أنسنة أرواح الأشياء والظواهر الطبيعية، الرياح والأنهار والرعد … إلخ، والأحداث كالحرب والموت … إلخ، والمفاهيم المجردة كالحب والكره والجمال والخصام … إلخ!
(١) في الميثولوجيا والثيولوجيا
كانت الآلهة في الميثولوجيا الإغريقية أنثروبومورفية قلبًا وقالبًا، سواء في هيئتها أو في علاقاتها العائلية والاجتماعية، ففي قصائد هوميروس نجد الآلهة تسكر وتتزوج وتختصم وتتزين، شأنها شأن البشر تمامًا، ولكي يميز الإغريق بين الآلهة والبشر فقد أضفوا على الآلهة وحدهم صفتي الخلود والشباب الدائم، كان للآلهة طعامٌ خاص يتكون من النكتار nectar والأمبروزه ambrosia (التي تعني حرفيًّا «غير فان») يصير إلى سائلٍ مختلف عن الدم البشري يجري في أجسادهم اسمه أيكور ichor.
وكان بالإمكان في الميثولوجيا الإغريقية أن يتهاجن الآلهة والبشر، وانفرد الآلهة بالقدرة على اتخاذ هيئة غير هيئتهم البشرية بواسطة «التحول» (الميتامورفوسيس) metamorphosis، وظل الخلود والشباب الدائم حكرًا على الآلهة، ومن طرائف الأساطير الإغريقية أن إيوس إلهة الفجر أحبت الفاني تيثونوس ووعدته أن تلبي له أي شيء يطلبه، فطلب الخلود، ونسي أن يذكر معه الشباب الدائم، ومن ثم فقد أخذ يشيخ ويشيخ حتى لم يبق من ذاته الجسدية إلا صوته!
كان الفيلسوف اليوناني زينوفان Xenophanes (ولد على الأرجح عام ٥٦٥ ق. م) أول من استخدم مصطلح الأنثروبومورفية، ليصف كيف كان الناس يتصورون آلهتهم شبيهة بهم في شكلهم ودوافعهم، فكانت الآلهة عند اليونان شقراء الشعر زرقاء الأعين، بينما كانت آلهة الأثيوبيين سمراء الجلد سوداء الأعين، وبعبارة أخرى فقد كانت الأوصاف الأنثروبومورفية تكشف عن واصفيها من البشر أكثر مما تكشف عن المقدس. صوَّب زينوفان سهام نقده إلى الأنثروبومورفية قائلًا: «إن الإله الأعظم لا يُشبه الإنسان لا في صورته ولا في عقله.» وشن هجومًا عنيفًا على الآلهة التقليدية، وكان هدفه الرئيسي استئصال مجموعة آلهة الأوليمب التي اتخذ كلٌّ منها صورة الإنسان. (١)
стр. 247
وكان أفلاطون أيضًا مناوئًا للتمثيل البشري للآلهة، وفي محاورة «الجمهورية» بصفةٍ خاصة يعترض على عملية إسباغ المثالب البشرية على كائنات إلهية. كان أفلاطون، شأنه شأن زينوفان، يرمي إلى تطهير العقيدة بتنقيتها من العناصر التي يعدها بدائية وفجَّة.
جاءت الديانات السماوية مُناوِئةً بشدة للأنثروبومورفية، ومنزهة للرب عن أيِّ شبه بالإنسان، صحيح أننا نصادف في الكتاب المقدس كثيرًا من التعبيرات الأنثروبومورفية مثل «صورة الرب»، «يد الرب»، «ذراعه الممدودة»، «عيني الرب»، «مسند قدميه» … إلا أن التأويل السائد هو أن التوراة تتحدث بلغة الناس، وأن الكتاب المقدس يستخدم مثل هذه الألفاظ لأنها اللغة الوحيدة التي يمكن للبشر أن يفهموها، غير أن عليهم ألا يأخذوها بمعناها الحَرفي، إن هي إلا استعاراتٌ لوصف ما يستحيل وصفه على أي نحو آخر؛ لذا كان أحبار الحقبة التلمودية يلجئون إلى تعبيرات عديدة لتفادي الفهم الحرفي: تعبيرات مثل «إن جاز أن نقول ذلك»، وكان المترجمون يضيفون أحيانًا كلمة أو كلمتين لدرء التشبيه: من ذلك أن الآية ٨: ١٢ من سِفر العدد «سأتحدث إليه فمًا لفم» ترِد في النسخة اليونانية هكذا: «سأتحدث إليه فمًا لفمٍ ظاهريًّا.»
(٢) الأنسنة استراتيجية إدراكية
إن المبدأ عينٌ نرَى بها.
إمرسون
الحقيقة أن إسناد فاعلية بشرية للأشياء والظواهر هو استراتيجية تفسيرية عظيمة الفاعلية رغم فشلها في بعض الأحيان، فنحن بعد كل شيء نعيش في بيئة يشكل البشرُ جانبَها الأهم والأكثر تواترًا وأشد تأثيرًا؛ ومِن ثم فلا مفرَّ لنا من أخذ كل ما هو بشري في الاعتبار الأول، ولا مفر لنا في حالة عدم وضوح الرؤية من الرهان على التفسير الأنثروبومورفي، إن بناءاتنا التصورية والإدراكية لَتميلُ بنا غرزيًّا إلى النزعة الإحيائية animism والنزعة الأنثروبومورفية، كما أن توصيل الحقيقة إلى البشر لا يتسنَّى له أن يتم إلا عبر وسيط من الأفكار البشرية، ولا يمكن التعبير عنه إلا بلغة ملائمة لفهم البشر.
стр. 248
إن مقولات الفهم ومخططات الإدراك المبيَّتة في أدمغتنا قد شيدتها تجارب بشرية ولغات بشرية ومواضعات بشرية، ولا مندوحة لنا عن استخدام هذه المقولات categories وتلك المخططات schemata إنْ كان لنا أن نحظَى بأيِّ إدراك أو فهم على الإطلاق.
إن العالمَ يتراءى أمام أعيننا في تدفق كاليدوسكوبي مضطرب، ونحن نحدس أو نخمن بما نراه وفقًا للنموذج القائم في أدمغتنا عن العالم، والذي شيدته أدمغتُنا خلال تخمينات سابقة وما آلت إليه تلك التخمينات، في سلسلةٍ لا نهاية لها من المحاولة والخطأ، وبعبارة أخرى فإن ما نراه يتوقف على النموذج الذي نستخدمه، وإن النموذج الذي نستخدمه إنما شيدته تجاربُنا السابقة في الرؤية. يلخص توماس كون هذه الفكرة بقوله في كتابه «بنية الثورات العلمية»: «شيء يشبه البارادايم paradigm (النموذج الشارح) هو متطلب أساسي حتى في الإدراك نفسه، إن ما يراه المرء يعتمد على ما ينظر إليه لتوه، بالإضافة إلى خبرته البصرية السابقة وما علَّمَتْه أن يرى.» ويقول فييرابند: «حين نُعطَى مثيراتٍ ملائمة ولكن مع أنساق مختلفة من التصنيف (تهيؤ ذهني مختلف) فإن جهازنا الإدراكي ينتج موضوعات إدراكية لا تمكن المقارنة بينها بسهولة.» ويقول الأنثروبولوجي جون بيتي: «إنما يرى الناس ما يتوقعون أن يروه، ذلك أن تصنيفات إدراكهم تحددها إلى حد كبير، إن لم يكن كليًّا، خلفيتهم الاجتماعية والثقافية.» ويلخص فيلسوف العلم نوروود رسل هانسون N.R.Hanson كل ذلك في تعبير واحد أصبح مصطلحًا مأثورًا ومفهومًا محوريًّا في فلسفة العلم، هو أن الإدراك «مُحمَّل بالنظرية» theory-laden، ذلك أن خلفيتنا النظرية، تصوراتنا واعتقاداتنا وتوقعاتنا، تؤثر فيما نراه، أو على الأقل في كيفية رؤيتنا له. (١)
ويذهب الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر إلى أن من المحال أن يتم فهمٌ على الإطلاق بغير فروض مسبقة أو «تحيزٍ» prejudice ما! فمحاولة الوصول إلى تأويل مُبرَّأ من أي تحيز أو فهم مسبق هي محاولة عابثة؛ لأنها تمضي في الحقيقة ضد الطريقة التي يتم بها الفهم. إن ما يظهر من الشيء أو «الموضوع» object هو ما يسمح له المرءُ أن يظهر، وذاك أمرٌ يتوقف على فروضه المسبقة ومنظومته اللغوية، ومن السذاجة أن نفترض
стр. 249
أن ما هو «هناك حقًّا» هو أمر «واضح بذاته»، بل إن تعريف ما نفترض وضوحه الذاتي هو نفسه شيء يقوم على حشدٍ غير مرئي من الفروض المسبقة، تلك الفروض الحاضرة العتيدة في كل بناء تأويلي يُشيده المُؤوِّل الذي يظن نفسَه «موضوعيًّا» وبريئًا من الفروض المسبقة. لقد أماط هيدجر اللثام عن هذا الحشد من الفروض المسبقة القائمة والمندسة في كل تأويل ممكن، وذلك في تحليله لعملية الفهم. (١)(٣) ستيوارت جوثري: «وجوهٌ في الغمام»
في كتابه Faces in the Clouds (وجوه في السحاب أو الغمام) يذهب جوثري S.Guthrie إلى أن ميلنا إلى أن نعثر على خصائص إنسانية في العالم غير الإنساني ينجم عن استراتيجية إدراكية غائرة: فبإزاء اللايقين الشامل بما نراه فنحن «نراهن» على التأويل الأوثق دلالةً بالنسبة لنا: فإذا كنا في الغاب مثلًا ولمحنا شبحًا داكنًا من بعيد قد يكون صخرةً وقد يكون دبًّا، فمن الحصافة أن نظنه دبًّا: فإذا كنا على خطأ لم نخسر شيئًا، وإذا كان على حق فقد ربحنا الكثير!
هكذا كلَّما تفرَّسنا العالم فنحن نفتش فيه عما يَعنينا أكثر من غيره نفتش عن الأشياء الحية، وبخاصة الأشياء البشرية، وحتى الحيوانات تفتش عن الخصائص والأمارات البشرية، مثلما يتبدَّى عندما تتجنب الطيور الفَزَّاعات (خيال المآتة)! وباختصار فنحن نتبع مبدأ السلامة، ذلك المبدأ الذي أعان الجنس البشري على البقاء حين كان الرهانُ الإدراكي باهظًا.
هكذا يتحلَّى الإدراك الأنثروبومورفي بقيمة بقاءٍ جعلت الضغوط التطورية تنتخب أولئك الذين اتَّبعوا مبدأَ السلامة ورهنوا على الرؤية الأنثروبومورفية، وهكذا أورَثَنا أسلافنا هذه النزعة الطبيعية: أن نخطئ، إن أخطأنا، في جانب السلامة، وهكذا صار مُبيَّتًا في الدماغ البشري أن يتوسم وجود بشر آخرين، أو آثار بشر، في الظواهر الطبيعية. (٢)
стр. 250
في كتابه «علم البيولوجيا» يقول و. ت. كيتون: «إن كل ألفاظنا تقريبًا تشتمل على نوعٍ من الدلالة البشرية، ومن تضمين الدافعية البشرية والغرض البشري، غير أن هذه الدافعية والغرض قد لا تكون لها صلة بسلوك الحيوانات الأخرى، وعلينا دائمًا الاحتراز من إضفاء خصائص بشرية لا مسوِّغ لها على الأجناس الأخرى، فالتفكير الأنثروبومورفي والغائي لا مكان له في الدراسة العلمية لسلوك الحيوان … واللغة الإنجليزية، شأنها شأن جميع اللغات الإنسانية، إذ تَنَشَّأت حول الأنشطة البشرية والتفسيرات البشرية، لم يكن لها بُدٌّ من أن تعكس هذه الأنشطة والتفسيرات … ومِن ثَمَّ ينبغي أن يتفطَّن المرء إلى المزالِق التي ينطوي عليها أي تطبيق للغة ذات التوجه البشري على أنشطة الحيوانات الأخرى.» (١)
وقد جرى العرفُ في المجتمع العلمي على الانتقاص من اللغة الأنثروبومورفية التي تُومِئ إلى أن الحيوانات لديها مقاصد وعواطف، واعتبارها دليلًا على افتقاد الموضوعية، وقد دأب علماء البيولوجيا على تجنب الفرضية القائلة بأن الحيوانات تشارك البشر نفس القدرات العقلية والاجتماعية والانفعالية، مُعَوِّلين بدلًا من ذلك على الأدلة القابلة للملاحظة بشكلٍ صارم، فالحيوانات كما يقول بافلوف «ينبغي أن تُدرَس دون حاجة إلى اللجوء إلى تأملات خيالية عن احتمال وجود أيِّ حالات ذاتية.» والمنهج العلمي يتضمن ملاحظات وتعريفات وقياسات لموضوع البحث، أما «المُواجَدة» empathy فلا تُعد أداةً نافعة عند جمهور العلماء.
غير أن دراسة القردة العليا في بيئتها الخاصة قد غيرت المواقف تجاه الأنثروبومورفية، فقد غدا من المقبول على نطاق واسع أن المواجدة قد تلعب دورًا مهمًّا في البحث، يقول فرانس دي وال «لقد طالما اعتُبر خطيئةً علمية أن نسبغ عواطف إنسانية على الحيوانات، غير أننا إذ نفعل ذلك نغامر بفقدان شيء أساسي عن الحيوانات وعن البشر معًا.» (٢) وقد واكب ذلك بزوغُ وعي متزايد بالقدرات اللغوية للقردة العليا، وتُبين أنها صانعة للأدوات وأن لديها فرديةً وحضارة.
стр. 251
لعل الموقف الصائب هو موقفٌ بين بين: فرغم أنه من الواضح أن للحيوانات انفعالات معينة، إلا أنه قد لا تكون انفعالات بشرية تمامًا، وقد يميل عشاق الحيوانات المنزلية المدللة إلى إضفاء صفات إنسانية على حيواناتهم، غير أن الطفل المحب لقطته قد يُصدَم حين يراها تقتل فرخَ طائر صغير مدفوعةً بالغريزة، ومُسَيَّرة بإشارات خاصة بها لا يدري عنها شيئًا، وإذا كانت الأنسنة تسهِّل فهمنا للأشياء التي تبدو غريبةً، فإنها إذا تجاوزت حدَّها فقد تُفضي بنا إلى عمى إدراكي يعوقنا عن اتخاذ المنظور الصحيح للكائنات الأخرى.
(٥) في العلوم الطبيعية
الطبيعة تكره الفراغ.
الهواء يكره التزاحم، وعندما يُضغط سيحاول الهرب إلى منطقة أقل ضغطًا.
الجسم المتحرك، بسبب كتلته، يريد أن يبقى متحركًا.
تريد الكرة أن تتدحرج إلى أسفل التل.
لا تستطيع مادةٌ أن تشتعل في غياب الأكسجين؛ لأن الأكسجين يساعدها على الاشتعال.
قد يظن أستاذ العلوم الطبيعية أنه يساعد تلاميذه على فهم الظواهر الطبيعية باستخدام استعارات أنثروبومورفية من هذا القبيل، غير أنه في أغلب الأحيان لا يعدو أن يشوش فهمهم للسبب الذي يجعل العالم الطبيعي يسلك بالطريقة التي يسلك بها، ويرتد بهم إلى صوفية القرون الوسطى، ويحول بين أفهامهم وبين الاستبصارات الحديثة إزاء سلوك الطبيعة.
لست مضطرًّا حين تشرح سلوك العالم الطبيعي إلى أن تفسر «لماذا» يسلك هذا المسلك، وبحسبك أن «تصفه»، فإذا كان عليك أن تقدم تفسيرًا فليكن تفسيرًا علميًّا صحيحًا لا مصادرةً أنثروبومورفية لا دليل عليها مفادها أن «الطبيعة تحاكِي سلوكَ الإنسان».
لقد أورَثَنا أسلافُنا إرثًا ذهنيًّا مغلوطًا حين تصوروا العالمَ الطبيعي على شاكلة بيئتهم البشرية، ذلك التصور الذي أعانهم على البقاء واجتَبَته ضغوطهم الانتخابية الخاصة بزمنهم، إن حقيقة أن معظم عمليات الكون وظواهره تنجم عن قوى لا
стр. 252
شخصية ذاتية التنظيم لا عن أفعال قصدية، هذه الحقيقة هي شيء لا يقع لنا على نحو طبيعي غرزي، لقد استغرق الأمرُ قرونًا طويلةً من التجريب الدقيق والعمل النظري الشاق لكي تُسفِر الحقيقةُ عن وجهها، على أننا حين نُسْلِم فروضنا للنظام الصارم للعلم الطبيعي الحديث نحس باغتراب عن عملياتنا الفكرية الطبيعية … وذلك عندما نكتشف كم هي متمركزة على الإنسان نظرتُنا إلى العالم، وكم هي أنثروبومورفية هذه النظرة في حقيقة الأمر.
«يبدو أن تخلص الفكر الإنساني من الأنثروبومورفية هو شيء بعيد الاحتمال جدًّا، في المستقبل المنظور على أقل تقدير، ولا نحن راغبون في ذلك، فمثل هذا التخلص قد يكون له آثار جانبية غير مرغوبة، ليس أقلها فقدان الإبداعية والخيال، والقدرة على استبانة دببةٍ في الغاب، لقد أثبتت الأنثروبومورفية أنها موصولة ببقائنا كنوعٍ بحيث غدت، ربما، جزءًا من الكائن الإنساني يتعذر اقتلاعه، ومِن ثَمَّ فقصارى ما نأمله عندما ندرك ونخلق أشكالًا في السحاب هو أن ننمي القدرة على أن ننظر فيما وراء إدراكاتنا، أن نكتشف وجهًا، وأن نعترف بجماله، وأن نُسَلِّم بأنه لا وجود له.» (١)(٦) متى تصح الأنثروبومورفية؟
لا بأس بالأنسنة عند تناول الإنسان.
هايك
في كتابه (المشترك) «النفس ودماغها» يقول كارل بوبر بمعرض حديثه عن تشبيه أفلاطون للعقل بربان سفينة الجسم: «هذه امتدادات قد تُرفَض على أنها ضروب من الأنثروبومورفيزم (الأنسنة)، ولكن لا بأس بأن يكون المرء أنثروبومورفيًّا في تناول الإنسان كما قد ذكَّرنا هايك.»
كان الفيلسوف جيامباتيستا فيكو G.Vico في كتابه «العلم الجديد» يُنكر إمكانية تطبيق نماذج العلم الطبيعي على الطبيعة الإنسانية، ويعلن أن الدراسة العلمية للطبيعة
стр. 253
الإنسانية لا بُدَّ لها أن تقوم على أساس صيغة إنسانية بحتة من التفاعل والتفاهم، يرى فيكو أن هناك هوة لا يمكن اجتيازها بين البشري والطبيعي، بين ما شيده البشر وما هو مُعطى في الطبيعة … ويرى أن منتجات العمل البشري، كالفن والقانون والتاريخ نفسه، وبالضبط لأنها من صنع الإنسان، يمكن فهمها فهمًا أفضل من فهم العالم الطبيعي، حيث إن العالم الطبيعي هو عالم مغاير لنا بشكل لا حيلة فيه وغير قابل لأن نعرف حقيقته النهائية. (١)
في كتابه «ضد التيار، مقالات في تاريخ الأفكار»، يلخص إيزايا برلين حجة فيكو في قوله: «إذا كانت الأنسنة هي أن نسبغ على عالم الجماد عقلًا وإرادة دون وجه حق، فهناك عالم لعل من الصواب أن نضفي عليه هذه الصفات بالتحديد، هذا العالم هو عالم الإنسان، عليه يمكن القول إن أية محاولة لدراسة البشر على أنهم كيانات طبيعية صرف، شأنهم شأن الأنهار والنباتات والأحجار، هي عمل يقوم على خطأ أساسي، ونحن البشر نُعَد فيما يتعلق بأنفسنا ملاحظين نتمتع بامتياز خاص هو الرؤية من الداخل (الرؤية الباطنة)، ويُعد تجاهل ذلك سعيًا وراء مثال من العلم الموحد لكل ما هو موجود وطريقة عالمية مفردة للبحث، يعد إصرارًا على الجهل وتعمدًا له». (٢)
стр. 254
الفصل الخامس والثلاثون
الأمن المنطقي
حديث صحفي مع طلبة السنة الرابعة بكلية الإعلام، جامعة القاهرة.
حول كتاب «المغالطات المنطقية»
بإشراف الطالبة/ حنان إبراهيم
• هل من الممكن أن تتفشى مغالطة بعينها حسب المجتمع الذي يحيا فيه الفرد؟
- بكل تأكيد … فإذا كان اللُّب أو الهيكل الصوري للحجج يندرج تحت «المنطق الصوري»، وهو شيء عالمي عمومي شأنه شأن الرياضيات، فإن الغلاف الكثيف الذي يُطبِق على هذا الهيكل النحيل هو شيء نسبي يختلف من مجتمعٍ إلى آخر؛ لأنه ممتزج بلغة الناس وهمومهم وانفعالاتهم وانتماءاتهم وتحيزاتهم، بل بمناخهم وتضاريس واقعهم.
• هل الخلفية المرجعية أو أيدلوجية الشخص تلعب دورًا في كثرة وقوعه في مغالطة بعينها أكثر من غيرها … بمعنى، هل يتحد الماركسيون مثلًا في الوقوع في مغالطة «س» بينما يتفق الإسلاميون في الوقوع في المغالطة ك؟
- نعم، إلى حد كبير، فأغلب الأيديولوجيات تنطوي على مصاعب منطقية لا تتسنَّى تسويتُها (ظاهريًّا) إلا بشيء من المغالطة، هناك أيديولوجيات لا تسترد اتساقها (الظاهري) إلا بمغالطات من قبيل: التأييد دون التفنيد، التخلص من عبء البرهان وإلقائه على عاتق الخصم، الأنالوجي الزائف أو التفكير التشبيهي، الاحتكام إلى سلطة … إلخ، بل إن بعض الأيديولوجيات لا تعدو أن تكون مصادرةً كبيرة على المطلوب: فهي
стр. 255
تنطلق من مسلَّماتٍ أُولى لا دليل عليها تنسج منها وعليها نسيجًا هائلًا من التفكير الدائري وتحصيلات الحاصل!
• إلى أي مدى يساهم غياب التفكير النقدي في ظهور المغالطات المنطقية؟ وما أكثر المغالطات شيوعًا نتيجة لذلك؟
- التفكير النقدي مرحلة متقدمة من النمو المعرفي، حيث يرتقي العقل النامي إلى الوعي بوجود افتراضات تحتية أساسية يقوم عليها بناؤه الفكري، وإخراج هذه الافتراضات إلى واضحة النهار، ووضعها تحت أضواء النقد، التفكير النقدي ليس شيئًا سليقيًّا فطريًّا، بل يحتاج إلى تعَلُّم وممارسة، في البدء كان الخطأ، في البدء كانت المغالطة، في البدء كانت التحيزات المتأصلة والأوهام الموروثة الغائرة، وحين يمارس المرء التفكير النقدي إنما يسبح ضد هذا التيار ويجتاز هذه «العوائق الطبيعية». في غياب التفكير النقدي تتدفق المغالطات تدفقًا تلقائيًّا طبيعيًّا غيرَ موقوفةٍ وغير مُعترَضة unopposed، ومن ثم فإن أكثر المغالطات شيوعًا هي تلك المغالطات المبيَّتة في بنية الدماغ البشري نفسه: الأنالوجي الزائف، والتعميم المتسرع، والتشييء، والبروكروستية، ومن أكثر المغالطات شيوعًا بصفةٍ خاصة تلك الطرائق من التفكير التي خدمت الجنسَ البشري في مراحله الأولى، وأعانته على البقاء حين كان الرهان الإدراكي والتفسيري باهظًا: مغالطة المنشأ، والأنسنة (تشبيه اللاإنساني بالإنساني)، والاحتكام إلى التقاليد.
• الأصل في التدليل على الحجة هو رد ما هو غير مقبول إلى ما هو مألوف … إلى أي مدى يكون هناك نجاح في الوصول إلى أصل مقبول أو مألوف لجميع الناس؟
- كثيرًا ما تكون المماحكة في الجدل ميسورةً حتى في أكثر الأفكار خطلًا وبُعدًا عن العقل، وقد أوضح كارل بوبر أن تجنب التفنيد هو أمر ميسور دائمًا، وأفاض في تبيان آليات ذلك، غير أن من البين المتواتر أيضًا أنه كلما توافر للناس حججٌ أكثر قبولًا وصلابة ازداد بُعدهم عن الحجج المغالطة. إن الوقائع facts الصلبة قائمة مشهودة قلما يختلف عليها الناس، وقوانين الفكر الثلاثة (الهوية، عدم التناقض، الثالث المرفوع) وقوانين المنطق الصوري بصفة عامة هي شيء عمومي لا خلاف عليه، من الممكن في أغلب الأحوال أن ننصرف عن الشيء الذي نختلف حوله إلى شيءٍ آخر لا نختلف حوله، ونحاول أن نستدل منه على ذلك الشيء، على أن نعترف في النهاية بأن من الناس من يعتصم في جدله بدرجةٍ من التنَطُّع والمماحكة يستحيل معها أي نقاشٍ مُنتِج.
стр. 256
• أجرينا استبيانًا على عينة من المثقفين حول قضية «الدولة الدينية والدولة العلمانية»، وجاءت أكثر المغالطات ظهورًا في العينة مغالطة «تجاهل المطلوب» تليها «المصادرة على المطلوب» … ما دلالة ذلك من وجهة نظرك؟
- مغالطة «تجاهل المطلوب» ignoratio elenchi مغالطةٌ جذابة حقًّا! لأن الحجة فيها منتِجة، غير أنها منتِجة لشيءٍ آخر غير الشيء المطلوب البرهنة عليه، الأهداف التي تسعَى إليها الدولة الدينية (وغير الدينية في حقيقة الأمر) هي أهدافٌ نبيلة مرجوة، ولكن السؤال الصعب حقًّا هو: هل البرنامج المحدد لهذه الدولة كفيلٌ ببلوغ هذه الأهداف؟ وهل هو أجدَى في بلوغ هذه الأهداف من غيره من البرامج الممكنة؟ إن التغافل عن هذا السؤال الأصلي وتغييبه في عمومياتٍ براقة وغايات كبرى، يجعلنا «نحيد عن المسألة» ونطيش عن المرمى، ونقع في مغالطة «تجاهل المطلوب».
أما «المصادرة على المطلوب» begging the question فهي طريقة أثيرة لدى أصحاب الدعوات الكبرى. إن من السهل دائمًا أن يجرفنا انفعالنا الأيديولوجي ويقيننا المذهبي ويَعصبَ أعيننا عن رؤية أننا في حقيقة الأمر نفترض مقدمًا صدق ما نريد أن نبرهن عليه. ثمة فرق كبير بين السبب الذي يجعلك تعتقد شيئًا ratio credentis وبين السبب الذي يجعل هذا الشيء حقًّا أو صوابًا ratio veritatis.
• في إحدى فقرات الكتاب تقول «وفي محاورة فايدروس يُبيِّن سقراط حجة معينة باختراع أسطورة صغيرة عن القدماء المصريين، فيرد عليه فايدروس بقوله إن بوسع سقراط أن يخترع قصصًا عن المصريين القدماء أو عن أي مكان يشاء، عندئذٍ يرد سقراط باختراع أسطورة أخرى … » إن كان فايدروس قد وقع في مغالطة المنشأ … أفلا يعتبر الاعتماد على أساطير في تبرير الحجة مثلما فعل أفلاطون مغالطة منطقية؟
- لا، ولو قلنا ذلك لوقعنا نحن في «مغالطة المنشأ»، إن للحق أو الصدق معايير ليس من بينها منشأ القضية، هب أن مجنونًا قال لك إن ٢ + ٢ = ٤ فهل تَعُد جنونَه دليلًا على خطأ العبارة؟! والحقيقة أننا نظلم الميثولوجيا كثيرًا لو فهمناها بهذه الطريقة وأخذناها هذا المأخذ، إنما الأسطورةُ استعارةٌ كبيرة! وينبغي أن نفهمها فهمًا مجازيًّا استعاريًّا، وقد سبق لي أن تناولت هذه القضية في كتابي «فهم الفهم» وتساءلتُ: ما الذي يخاطبنا في الأسطورة ومن خلالها؟ ليست الأسطورة وهمًا او كذبةً أو خرافة، إنها حقيقةٌ كبرى نضجت على مهلٍ في ضمير الأجيال كما ينضج اللؤلؤ في ضمير الصَّدف، فاكتسبت قوامًا واتخذت شكلًا وصارت مشهدًا حيًّا يملأ علينا مسارح الوجدان ويأخذ بمجامع الوعي، ويوقظ فينا شيئًا هاجعًا ما كنا لِنذكرَه، وما كنا لننساه.
стр. 257
• في فقرة أخرى خاصة بمغالطة الحجة الشخصية … ذكرت أن «بيكون» أثناء مثوله أمام القضاء لم يدافع عن نفسه بقوله إنه ليس الأول والأخير الذي يقبل هدايا من الطرفين المتنازعين … لكن قال في نهاية دفاعه «ولكن أناشد سيادتكم وحسب أن تأخذكم الرأفة ببوصة منكسرة.» ألم يقع «بيكون» بقوله هنا في مغالطة مناشدة الشفقة؟
- نعم لو أنه أراد بذلك إثبات أي شيء، إنه يقول صراحة: «لا أُبرئ نفسي، إنني لأعترف بأنني مذنب وأرفض كلَّ الدفوع.» الشفقة ليست من جنس الحجة، والشفقة هنا تجول على مستوى مختلف عن مستوى الحجة، فرنسيس بيكون عقل كبير، وهو هنا لا يريد من شيخوخته وضعفه إلا أن يكونا بمثابة ظرفٍ خاص يُراعَى من أجل «تخفيف المسئولية» diminishing responsibility بمصطلح أهل القانون.
• هل هناك ترافق في حدوث بعض المغالطات … مثل مغالطة إغفال المقيدات وسرير بروكرست، التركيب والتقسيم والتعميم المتسرع؟
- لقد وضعت يدك هنا على خاصةٍ أساسية في المغالطات المنطقية، فالحقيقة أن المغالطات جميعًا متداخلة متشابكة، بل متبادلة «متعاوضة» interchangeable في أحيان كثيرة، في كل مغالطةٍ شيءٌ من المغالطات الأخرى! ولا نَنْسَ أن المنطق غير الصوري مبحثٌ حديث ما زال في طور التكوين، وربما يشهد في المستقبل كثيرًا من الصقل والتحسين والتطوير. هناك خلافات كثيرة بين روَّاد هذا المبحث في مسائل كثيرة: هناك مغالطات صورية بحتة (مثل «إثبات التالي» و «إنكار المقدَّم») وهناك مغالطات ليس حجةً أصلًا حتى تكون مغالطة (مثل الاحتكام إلى القوة مثلًا)، إلى غير ذلك من الاشتباهات والالتباسات، غير أن هذا لا ينفي أهمية مبحث المغالطات - حتى في صورته الراهنة الناقصة - في تنبيهنا إلى طرائق خاطئة من التفكير، وحثنا على تجنبِها.
• أحيانًا قد يتضمن تبرير حجة ما تناقضًا في مضمونه … ألَا يُعتَبر الوقوع في التناقض مغالطة منطقية؟
- الوقوع في التناقض خطأ في جميع الأحوال، و «قانون التناقض» law of contradiction (أو عدم التناقض في حقيقة الأمر) من قوانين الفكر الأرسطية الثلاثة، وهي من أسس المنطق الصوري، ولا نَنْسَ أن المنطق الصوري عمومي، وأنه هو المعيار النهائي حتى في مجال المنطق غير الصوري، فنحن في مجال المغالطات المنطقية يكون عملنا أشبه ب «أخذ صورة أشعة» x-raying للحجة المطروحة، تُصوِّر هيكلها الصوري
стр. 258
المطمور، لكي نُقدِّر نصيبَه من الصواب والخطأ وفقًا للمعيار المنطقي الصوري العتيد: صدق المقدمات وصواب الاستدلال.
• هل يمكن اعتبار مغالطة الاحتكام إلى السلطة جزءًا من مغالطة المنشأ؟
- التداخل واردٌ جدًّا في حالات كثيرة، قد يكون الاحتكام إلى سلطة احتكامًا إلى مصدرٍ أُجِلُّه وأحبه وأثق فيه، والعكس أيضًا قد يصح في أحوال كثيرة، فقد أعتبر مصدر الفكرة سلطة قيِّمةً على الأمر المعنيِّ وأبصر مني بأصوله وفروعه.
• متى يمكن اعتبار مناشدة الشفقة جزءًا من الحجة وليس مغالطة منطقية؟
- حين يكون انفعالُ العطف هو نفسه موضوع الحجة، أو حين يكون سببًا ذا صلة بقبول النتيجة: هذا طالبٌ أصيب وهو في طريقه للامتحان إصابةً بليغة، إن من حقه «إذن» أن يُمتحَن لاحقًا وأن يُحتفَظ له بالتقدير، بل أن أُيَسِّر عليه بعض التيسير ما دمت مقتنعًا بمُصابه مقدِّرًا لظروفه مدرِكًا لأثر الإصابة على استعداده وعلى أدائه.
• ما هو الخط الفاصل بين استقراء الواقع والخروج من ذلك بنتائج والوقوع في مغالطة المنحدر الزلق؟
- توجيه الاتهام بمغالطة «المنحدَر الزلق» يستلزم أولًا استقراء الواقع بيقظةٍ ودقة، والتيقن من أن الكوارث المتوقعة بعيدةُ الاحتمال، وأن من الممكن التوقف ببساطة عند نقطةٍ ما على ذلك المنحدر. إذا كان استقراء الواقع يُنبئ فعلًا بحدوث العواقب المذكورة في الحجة فلا مغالطة في الأمر، أما إذا كانت سلسلة الأحداث المنتهية بكارثة هي مجرد مبالغة وتنطُّع ووسواس لا وجود له إلا في عقل صاحبه فهي مغالطة «المنحدر الزلق» أو «أنف الجَمَل»، الخط هنا خط تقديري يتوقف على الحالة المذكورة.
• كيف يمكن الحيد بأفراد المجتمع عن الوقوع في المغالطات المنطقية؟ وهل ترى كيفية معينة من خلالها يمكن التوعية بمبادئ المنطق غير الصوري؟
- دراسة المغالطات المنطقية ينبغي أن تكون جزءًا من التعليم الأساسي، وجزءًا من برامجنا الثقافية، وحتى الترفيهية، على جميع الوسائط؛ وينبغي أن نجندَ لها كل المرافق التربوية وكل المنابر الإعلامية. الفراغُ الفلسفي والمنطقي هو أفتَكُ ضروبِ الفراغ؛ لأن الدماغ البشري يبغض الفراغ، ويبحث عما يملؤه، وفي غياب المناخ التنويري الصحي فإن «الخرافة» هي أسرع ما يملأ هذا الفراغ، العقولُ الفارغةُ الكسولة الموقوفة النمو، ربيبة عقودِ الفساد والتجهيل المنظم، تستمرئُ الخرافة وتستزيدها؛ لأنها تقدِّم لها أجوبةً سهلةً على الأسئلة الصعبة، ولا تُجشِّمها جهدًا يُذكر لاستيعاب هذه الأجوبة، ها هو
стр. 259
خبزنا اليومي: مصادراتٌ صفيقةٌ على المطلوب، تفكير دائري يفسر الماء بالماء، احتكام إلى سلطةٍ مزعومة سرقت صولجان السلطة في غفلةٍ من الزمن، احتكام إلى الأغلبية ولو كانت الأغلبية غُثاءً كغثاء السيل، هجوم شخصي رقيعٌ يؤذي الشخص ولا يَمَس حجتَه، تحويل المخالِفين إلى دُمى من القش، تَلَفُّعٌ بالرايات واحتماء بالقطيع وانضمام إلى الزفة، تلويح بالعصا (أفشل أداةٍ للإقناع وأفشل مفتاح للعقل والقلب) تَمَحُّل أمثلةٍ مؤيدة وغض الطرف عن تلال الأمثلة المفندة، تلفيق البيانات وملأ الثغرات ولَيُّ أعناق النصوص وإكراهها على البغاء!
لقد أصبحت تربية التفكير النقدي ضرورة بقاء لنا جميعًا؛ لأن الجهل الذي عشَّش في دارنا عقودًا وباض وأفرخَ وطاب له المُقام لن يتركنا بسهولة ولن يفارقنا طوعًا، وها هو التفكير البدائي الضيق يهز قاربنا بعنفٍ ويهدد وحدتَنا ويوشك أن يُودي بالجميع، الأمن الحقيقي في مثل هذه القلاقل الناجمة عن عللٍ «عقلية» غائرة إنما هو أمنٌ «عقلي» بالدرجة الأساس، أمنٌ فلسفي، أمنٌ منطقي!