وصفوة القول في المقامرة إن ما تم حدوثه حتى اللحظة الآنية هو شيء لا يُقدم ولا يُؤخِّر في احتمالات السحبة القادمة، ولا يُؤثر على أرجحيتها، بحد ذاتها، مثقال ذرة من التأثير، فاحتمال «الصورة» في رمية العملة القادمة هو ٥٠? مهما تكن النتائج السابقة، واحتمال فوز أي رقم في اليانصيب الأسبوعي للمملكة المتحدة هو واحد إلى أربعة عشر مليونًا.
стр. 212
الفصل الثلاثون
المظهر فوق الجوهر
style over substance
وسَرى في فؤاده زُخرُف القَو … لِ يراه مستعذبًا وهو داءُ
شوقي
بني الآداب سرَّتكم قديمًا … زخارفُ مثلُ زَمزمةِ الذبابِ
المعري
اللهم إنَّا نعوذ بك من فتنة القول كما نعوذ بك من فتنة العمل.
الجاحظ، البيان والتبيين
ليس بالأمرِ جديرًا … كلُّ من ألقَى خطابا
أو رأى أُميةً فاخـ … ـتَلَب الجهلَ اختلابا
شوقي
стр. 213
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
(البقرة: ٢٠٤)
***
يقع المرء في هذه المغالطة عندما يولي أهمية زائدة للأسلوب الذي تم به عرضُ حُجةٍ ما، بينما يهمِّش، أو يتغافل، مضمونَ الحجة ومحتواها.
للطلاء دائمًا رونقٌ يموه ما تحته، ورواءٌ يَشغَل العينَ عن تَبَيُّن الثغرات والتشققات والتجاعيد والأخاديد، وللبيان دائمًا سحرٌ يعمل عملَه بمعزلٍ عن الفَحوَى، وللقول سحرٌ يفتن المرء عن المقول، هكذا يقر في رُوع الناس أن مظهر الحجة ينم عن جوهرها ويضيف إلى مفادها ومؤداها، ويؤثر بطريقةٍ ما في تحديد قيمة صدقها.
أمثلة
(١) من المؤكد أن حجة رئيس المجلس ضعيفة وأنه قد خسر الجدال، ألا ترى كم كان جبينه يتفصد عرقًا ووجهه يحمر ارتباكًا؟
(٢) لا شكَّ أن هذه الغسالة الكهربائية هي الأفضل صنعةً والأطول عمرًا من غيرها؛ لأن البائع كان يتحدَّث عنها بطلاقة وإقناع، كما أنه شديد التأنق والوسامة وتبدو عليه أمارات الذكاء والفهم.
(٣) إن مرسي يعرف كيف يختلب الجمهور، لا ريب أنه على صواب فيما يقول.
(٤) مربع ثلاثة هو تسعة. تسع رصاصات يفقأن عينك أيها الفاشل الأبله. بل ستة، ولا داعي لهذه البذاءة وهذا التجريح.
(لاحظ أن البذاءة والإفحاش في القول لا دخل لهما في صواب العبارة: «مربع ثلاثة هو تسعة» قولٌ صائب وإن كرهنا بذاءة قائله وإقذاعه في الحديث، «مربع ثلاثة هو ستة» قولٌ خطأ ولو شفَعَهُ قائله بنهجِ البردة!)
стр. 214
الفصل الحادي والثلاثون
الاحتكام إلى القديم (الاحتكام إلى التقاليد)
Appeal to antiquity; appeal to tradition Ad antiquitatem; ad traditio
﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾
(الزخرف: ٢٣)
التغيرُ يحفظ نظام الأشياء، ويبقي العالم صبيًّا على الدوام.
ماركوس أوريليوس
الإنسان يحيا بالتغير، الحياةُ لم تُعطَ له لكي يحفظها، بل لكي يُغيرها.
أدونيس
عارٌ على الجنس البشري أن يُستكشف العالمُ المادي على هذا النحو المذهِل بينما تبقَى حدودُ العالم الفكري محصورةً في الكشوف الضيقة للقدماء.
فرنسيس بيكون
стр. 215
عارٌ أن نظل يقودنا أطفالٌ سذجٌ قليلو العلم والتجارب، يُقال لهم الأجداد!
لا معنى للتمسك ببناءٍ فوقي بعد أن انفصم عن بنائه التحتي الذي أفرَزَه.
فليكن النقدُ بالنسبة لنا هو العادة والتقليد والعُرف.
***
يُعد الاحتكام إلى القِدم، أو إلى التقاليد، نوعًا من «الاحتكام إلى سلطة» ad verecundiam، وهي هنا سلطة العُرف أو التقاليد الجمعية، والحق أن هناك فرقًا دقيقًا بين الاحتكام إلى القِدم والاحتكام إلى التقاليد، وما جَمَعنا بينهما إلا توخيًا للتبسيط.
ف «الاحتكام إلى القِدم» appeal to antiquity يجعل من عُمر الفكرة معيارًا لصوابها، ومن مجرد قِدَمها دليلًا على صحتها، وصورته:
س قديم؛
إذن «س» صائب.
أما الاحتكام إلى التقاليد الثقافية الراسخة، وصورته:
س تقليدي؛
إذن «س» صائب.
فإنه يضيف شيئًا ما إلى قِدم الفكرة؛ فالتقليد أو العُرف ليس مجرد شيء قديم، إنه شيءٌ «مجرَّب»، شيءٌ اختبره الأقدمون وأثبت نجاعةً، فتَبَنَّته الأجيال اللاحقة جيلًا بعد جيل، وترسَّخ في وعيها (أو في لا وعيها) بوصفه حقًّا بذاته ولذاته وفي غِنًى عن مزيدٍ من الاختبار والنقد. لقد تَكَفَّل السلف بالاختبار وأَعفَى الخلف من مئونته، وها هم يتَّبعون آباءهم ولا يعرفون - ولا يلزمهم أن يعرفوا - لماذا يفعلون ذلك، إن من الأسلم والأضمن والآمن لك أن تأخذ بما هو مجرَّب ومألوفٌ ومعروف.
•••
стр. 216
وبعد، فمن البَيِّن أن عمر الفكرة «غير ذي صلة» irrelevant (١) بِنصيبِها من الصواب أو الخطأ إلا بقدر ما يعكس ثباتها لاختباراتٍ متعاقبةٍ وقاسية، أما القِدَم بحد ذاته فليس ضامنًا لصواب فكرة، وكم من فكرةٍ اعتنقتها الأجيال أحقابًا طويلةً ثم تَبَيَّن خطؤها الذريع، وكم من نظامٍ تَفَشَّى في الأمم دهورًا ثم هجرته لما تَبَيَّن لها ضرره وفساده.
أمثلة
نظام الرق.
وأد الإناث.
ختان الإناث.
الاعتقاد بأن السحرة والأرواح الشريرة سببٌ لكثيرٍ من الأمراض الجسمية والنفسية.
الاعتقاد بثبات الأرض، ومركزية الأرض، وانبساط الأرض، وضخامة الأرض بالنسبة لحجم الكون.
الاعتقاد بأن القلب هو عضو الشعور والتفكير.
(١) فرنسيس بيكون: تحليل مفهوم «القِدَم»
للفيلسوف الإنجليزي فرنسيس بيكون (١٥٦١ - ١٦٢٦) وقفة عِزٍّ مع هذه المغالطة، ففي كتابه «الأورجانون الجديد» novum organum يحذِّرنا بيكون مما أسماه «أوهام المسرح» idola theatri المتمثلة، أحيانًا، فيما تكتسبه المذاهب والنظريات القديمة من نفوذ بحُكمِ قِدَمها لا بحكم صدقها، ويعتبر هذا الوهم وغيره عيوبًا في تركيب العقل يحب أن نعالجه منها لكي يعود لوحًا مصقولًا تنطبع عليه أشياء الوجود كما هي في الواقع ودون تدخل وتشويش من ذواتنا، ويُسفِّه القديم إلى حد أن اعتبر القِدَمَ قرينةً تنتقص من نصيب الفكرة من الحق، بعكس ما يراه العقل الصنمي المريض بالأوهام الأربعة.
стр. 217
يحلل بيكون لفظة «القِدم» antiquity نفسَها، ويكشف تهافت فهمنا لها في هذا المقام، يقول بيكون في الشذرة ٨٤ من الكتاب الأول من «الأورجانون الجديد»: «إن توقير العصور القديمة، ونفوذ الرجال الذين حظوا بمكانة كبيرة في الفلسفة، والإجماع العام، كل أولئك أمورٌ عاقت الناسَ عن التقدم في العلم، وأسَرَتهم إلى حد كبير، أما عن الإجماع فقد تناولتُه فيما سبق، وأما عن الرأي الذي يرفع به الناسُ من قيمة القِدَم فهو رأي عقيم تمامًا ولا يكاد يتفق مع اللفظة؛ ذلك لأن كِبر العالَم وتقدمه في العمر هو ما ينبغي أن يُعتبر «قِدمًا» في حقيقة الأمر، وهذه هي الصفة المميزة لزمننا نحن لا للعمر المبكر للعالم في أزمنة القدماء، فإذا كان هؤلاء الأخيرون بالنسبة لنا قدماء مسنِّين فإنهم بالنسبة للعالم مُحدثون صغار، ولما كنا نتوقع من الشخص الأكبر معرفة أكبر بالشئون البشرية وحكمًا أنضج مما نتوقعه من الصغير، بفضل خبرة الكبير وبفضل كثرة، وتنوع، ما رآه وسمعه وتأمل فيه، فإن لنا أن نتوقع من عصرنا أمورًا أعظم مما نتوقعه من العصور القديمة، ما دام العالم قد تقدم في العمر وازدادت ذخيرتُه واكتنزت بما لا نهاية له من التجارب والملاحظات، وينبغي أيضًا أن نأخذ في اعتبارنا أن كثيرًا من الأشياء الجديرة بأن تُلقِي الضوءَ على الفلسفة قد اكتُشِفت، وأُميط عنها اللثام بفضل الرحلات والأسفار الطويلة التي زَخَرَت بها أيامُنا، إنه لَيكونُ مخزيًا حقًّا للجنس البشري أن تُستكشف أصقاعُ العالم المادي - الأرض، والبحر، والنجوم - وتُستظهر على هذا النحو المذهِل، بينما تَبقَى حدودُ العالم الفكري محصورةً في الكشوف الضيقة للقدماء.»
(٢) جراهام سَمنَر والمنشأ البدائي للتقاليد
الأعرافُ لا تحفز الفكر بل تثبطه … الأعراف ليست أسئلةً بل أجوبة.
سَمنَر
في مقاله الشهير «الأخلاق نسبية» يذهب عالم الاجتماع الأمريكي وليام جراهام سمنر إلى أن منهج المحاولة والخطأ، ومعيار اللذة والألم يتحكمان في اختيار الجماعات البشرية الأولى للطرق الأنسب عمليًّا لفعل الأشياء، أي الطرق التي يثبت نفعها، وكان الجميع في بداية الأمر يتبنون نفس الطريقة للوصول إلى نفس الغرض، ومِن ثَمَّ تحولت الطرق إلى عادات اجتماعية وأصبحت ظواهر جمعية … تتصف «الطرق الشعبية» folkways بالاطراد والشمول والطابع الآمر والثبات، وبمرور الزمن تزداد طبيعتُها التعسفية
стр. 218
والقطعية والأمرية، وإذا سُئِل البدائيون لماذا يسلكون بطريقةٍ معينة في حالاتٍ معينة، فإنهم يجيبون دائمًا بأنهم هم وأسلافهم كانوا دائمًا يفعلون ذلك. (١)
الطرق الشعبية إذن لا يبتكرها البشر عن عمدٍ أو تفطُّن، إنها أشبه بنواتج قوى الطبيعة التي يديرها الإنسان عن غير وعي، أو هي أشبه بالطرق الغريزية للحيوان؛ إذ تنجم من الخبرة وتصل إلى شكل نهائي يحقق أقصى تكيف بإزاء غرضٍ ما، وتصير تقليدًا ينتقل من جيل إلى جيل ولا تقبل استثناءً أو شذوذًا، غير أنها يمكن أن تتغير لتوافق ظروفًا جديدة ولكن تغيرها يتم في حدود الطرق نفسها ودون تَفَكُّر أو قصدٍ عقلي.
تتحدد الطرق من جانبها السلبي؛ أي بواسطة «المحرمات» taboos، والطريقة الصحيحة هي الطريقة التي اتبعها الأسلاف، والتي أورثوها الأخلافَ، التقليد هو برهان ذاته ومسوِّغ نفسه، التقاليد تحمل في ذاتها مبرراتها، فهي لا تقع في النفس موقعًا يُعَرِّضها للتحقيق بالخبرة، إن فكرة «الصواب» قابعةٌ في الطرق الشعبية، الصواب لا يأتي من الخارج، من مصدرٍ مستقل، لكي يختبرها ويتحقق منها، فأيما شيء تقوله الطرق الشعبية فهو حق؛ ذلك لأنها تقليدية موروثة تنطوي في داخلها على سلطة أرواح السلف.
هكذا ينبغي أن نتصور الأعراف على أنها نسقٌ عريض من الأحكام التي تشمل الحياةَ كلها وتخدم مصالحها جميعًا، وتحمل في ذاتها مبرراتها عن طريق التقليد الموروث والاستخدام والعادة، ويسلم الناس بها خضوعًا لسطوةٍ سريةٍ باطنةٍ إلى أن تؤسس، عن طريق التأمل العقلي، تعميماتها الفلسفية والأخلاقية الخاصة، والتي ترقَى عندئذٍ لتصبح «مبادئ» الحق والصواب.
تسيطر الأعراف على كلِّ جيلٍ ناشئ وتُخضِعه لسلطانها، والأعراف لا تحفز الفكر بل تثبطه، فالتفكير قد تم وقُضِي أمره وتجسد في الأعراف، ولا تحمل الأعراف على الإطلاق أي احتمالات بمراجعتها وتعديلها، فالأعراف ليست أسئلة بل أجوبة - أجوبة عن مسائل الحياة، وهي تقدم نفسَها كشيءٍ نهائي وغير قابل للتغيير؛ لأنها تمثل أجوبةً مقدمة بوصفها «الحقيقة».
стр. 219
ليس بوسع أية فلسفة شعبية أن تقدم نفسَها كشيءٍ مرحلي وغير مكتمل وقابل للدحض غدًا مع نمو المعرفة، فهذا التوجه الفلسفي حديثٌ للغاية، ذلك أنه يكلف المرء عنتًا ذهنيًّا شديدًا، إن جميع الشعوب التي نرى أعرافَها أدنى مستوى من أعرافنا هي على قناعةٍ تامةٍ بما لديها من أعراف مثلما نحن على قناعة بما لدينا، فالأعراف إنما تُقَيَّم بمدى تجاوبها مع ظروف الحياة ومصالحها في زمان ومكان معينين، ومِن ثَم فمن الصلاح والتيسير ألا يوليها أحدٌ تفكيرًا أو تأملًا بل أن يتعاون الجميع في تنفيذها غريزيًّا.
(٣) اختبار الزمن
قد يقول قائل: ولكن كيف يتسنَّى لاعتقادٍ ما أن يدوم كلَّ هذا الزمن لو لم يكن هذا الاعتقاد حقًّا وصوابًا؟! أليس بقاء الفكرة أو العادة ردحًا طويلًا من الزمن دليلًا على نجاحها وصحَّتها وإسعافها للناس في حياتهم على الأرض؟ أليس دليلًا على أنها قد «اجتازت اختبار الزمن» passed the test of time، وأثبتت فاعليتَها في مواقف متتالية وتجارب متعاقبة؟ ألا يُقيم العلم نفسُه وزنًا لما يسمَّى «اختبار الزمن»، ولما يسمَّى «تكرار التجربة» replication؟
«الحق أن الاحتكام إلى التقاليد كثيرًا ما يعكس ضروبًا معقدةً من التكيف مع البيئة، ما إن تنشأ هذه التكيفات حتى تنتقل على نحوٍ ثقافي وليس كحجةٍ ممنطقةٍ، فيكون الناس على وعي بحكمة تقاليدهم أو على غير وعي، وأغلب الاحتمال أن تكون التقاليد صائبةً في البيئة الثابتة حيث أتيح لكثير من الاختلافات أن تُختبر في الماضي، على أن التقاليد تميل إلى أن تَبلَى وتندثر في البيئة السريعة التغير.» (١)(٤) الوراثة الثقافية والضغط الانتخابي
في كتابه «التكيف البشري» يذهب ستيفن تولمن إلى أن تطور الأفكار العلمية شبيه بالعمليات التطورية الأخرى، وإن لم يكن تطورًا داروينيًّا بالمعنى الحرفي: ف «المتخالفات»
стр. 220
(المتغايرات) variants في العلم ليست «سمات» traits بل «أفكارًا» مخالفة، والضغط الانتخابي في العالم الفكري يعود إلى «شدة النقد»، إن «التفكير النقدي» لَيقدم لنا بديلًا عن «الانتخاب الطبيعي». (١)
من الواضح أن تولمن متأثر في دراساته بأفكار كارل بوبر عن تطور المعرفة البشرية والنظريات العلمية، يذهب بوبر إلى أننا نحقق تقدمًا في معرفتنا، ونقارب الحقيقة، بواسطة عملية محاولة وخطأ، ويُقدم نظرية تطورية لنمو المعرفة، مفادها أننا نبدأ من مشكلة معينة (م ١)، نقوم إزاءها باقتراح «حل اختباري» tentative solution أو «نظرية اختبارية»، ثم نحاول عندئذٍ استبعاد النظريات الكاذبة بتعريضها لاختبارٍ قاسٍ ونقدٍ شديد، عندئذٍ يبرز موقفٌ جديد أو مشكلة جديدة (م ٢) نتناولها على نفس النحو، وهكذا تنمو المعرفة باطراد، في حلقات متتالية تبدأ من مشكلة وتنتهي بمشكلة، لكنها ليست دائرية، فهي لا تنتهي من حيث بدأت، بل تنتهي بموقف جديد ومشاكل جديدة، هذه الجِدة هي التي تكفل التقدم المستمر للمعرفة. (٢)
صفوة القول إن «الوراثة الثقافية» cultural inheritance قد تُعد تكيفية، وأن الثقافات قد تتطور لأنها تقدم للجنس البشري «مزايا انتخابية»، ففي البيئة الثابتة يمكن أن تتطور تقاليد ثقافية تكيفية، من أمثلة ذلك استمرار عادة أكل الباقلاء fava beans ألوفًا من السنين بين شعوبٍ متوسطية عديدة، برغم خطره على بعض من لديهم استعداد جيني معين، فقد تَبَيَّن أن الجين الذي يؤدي إلى حساسية للباقلاء يُضفي أيضًا مقاومةً للملاريا، ومِن ثَمَّ فقد كان هذا الجين يُنتخَب طبيعيًّا في المناطق الموبوءة بالملاريا، وهكذا كان لأكَلة الباقلاء في هذه المناطق مزايا بقاء جعلتهم أكثر عددًا بفضل مقاومتهم للملاريا، وهكذا فإن سمةً ثقافيةً انتقلت من جيلٍ إلى جيل قد انتُخِبت طبيعيًّا، وسادت المجتمع بعد أجيال عديدة. (٣)
стр. 221
ومن ذلك أيضًا أن فلاحي الريف الأوروبي الإقطاعي درجوا على أكل البطاطس والجبن والبيض، دون أن يعانوا من زيادة دهون الدم ومن تصلب الشرايين، وغير ذلك من الأمراض المتوقعة من مثل هذا الطعام الدهني أو العالي السعرات، توارثَ الناس أكل هذا الطعام وأصبح عادةً راسخة، ولم يفطنوا إلى السبب من وراء ذلك: فقد كانت الكثافة السكانية آنذاك عالية ومصادر الطعام شحيحة، ومِن ثَمَّ كان هذا الطعام هو الأنسب لمن يعيش على الكَفاف.
ومن ذلك عادة أكل الطَّفل (الطين) في جبال بيرو! لقد ترسخت لدى السكان هذه العادة الغريبة دون أن يسألوا عن السبب من وراء ذلك، كان هؤلاء السكان يأكلون صنفًا معينًا من البطاطس مغذيًا ولكنه سام، وقد تبين أن أكل الطَّفل مع هذا الطعام هو بمثابة ترياقٍ له إذ يمتص المواد الكيميائية السامة. (١)
غير أن اختبار الزمن في الممارسات الاجتماعية قد تم في بيئة محددة وظروفٍ بعينها، وينبغي أن نكون على استعداد لإعادة تقييمها إذا ما تغيرت الظروف:
فإذا ما تبنَّت البلاد الموبوءة بالملاريا مشاريع صرفٍ ونجحت برامج مكافحة البعوض في القضاء على الملاريا، هنالك قد يغدو أكلُ الباقلاء عادةً بالية.
وإذا قُدِّر لشخصٍ أوروبي حديث (حيث وفرة الطعام وقلة المجهود) أن يعيش حياتَه على البطاطس والجبن والبيض فبشِّره بطول بقاءٍ في العناية المركز لأمراض الشريان التاجي. (٢)
وإذا ما تقدمت المجتمعات اقتصاديًّا وتكنولوجيًّا لم يعد ثمة معنى لبقاء المرأة في البيت، وقد صار بوسعها تَقَلُّد وظيفةٍ مريحةٍ ومضاعفة دخل الأسرة.
زِد أن الممارسات المنتخَبة إنما هي محض «تكيفٍ» مع الموقف وليست «مبررًا» له بحال.
стр. 222
(٥) هابرماس وعلاقات القوة في الوراثة الثقافية
ليكن النقد والتمحيص والتنقيح هو العادة والتقليد والعُرف.
يذهب الفيلسوف الألماني يورجين هابرماس J.Habermas إلى أن التقاليد قد تَخلُق بُنَى اجتماعية وعلاقات قوة كفيلة بدورها أن تقمع الحجة وفقًا للعلاقات القائمة على السلطة أو الثروة، ومِن ثَمَّ فإن على المرء أن يميز بين تقليدٍ تؤيده أجيالٌ من الاختبارات وتقليدٍ تفرضه السيطرة والطغيان وتَحُول دون اختباره: إن التقاليد قد تُفرَض بالقوة لكي تَصُب في مصلحة الطبقة المسيطرة، وإن الظلم الاجتماعي لَيعوق تطور المجتمعات إذ يمنع انتخاب التنوعات التكيفية. (١)
وإذا كانت الممارسات الثقافية الثابتة هي أفضل ما أتيح تجريبه في الماضي، فقد تكون بعض التنويعات الجديدة التي لم يتم تجريبها جديرةً بأن تأخذ حظها من الاختبار الحصيف، وها هنا يكون الاتصال بين المجتمعات مصدرًا ثريًا للبدائل الجديدة والتحسينات الممكنة، ربما يكون الطب الشعبي، على سبيل المثال، أفضل العلاجات المكتشفة لدى ثقافةٍ ما، ولكن أفضلية الطب الحديث في علاج الأمراض المعقدة، كالسرطان، هي أمر لم يَعُد محل جدال.
صحيح أن التقاليد القديمة كانت عملياتٍ منتقاةً بالضغط الانتخابي، عمليات مجرَّبة أثبتت نجاعةً في زمنها وتحت ظروفها، ولكن ليس من الحكمة التمسك ببناءٍ فوقي بعد أن انفصم عن بنائه التحتي الخاص، وليس من الحكمة التشبث بتقاليد عتيقة بعد أن انبتَّت صلتها بأساسها القديم ولم تَعُد تلائم الأزمنة المتغيرة.
من الحكمة، كما يقول جون ستيوارت مِل، إن نفسح المجال لشيءٍ من «التجريب» في الفعل والسلوك، وأن نتحلَّى برحابة الصدر والعقل تجاه كل غريبٍ مختلف، ذلك أن تعدد التجارب البشرية دليل ثراء وخصب، مثلما أنه سبيل تقدم وارتقاء، ومن شأن الزمن وحده أن يبين لنا أي هذه التجارب هو الأفضل والأجدى والأنجع فنأخذ به كعادةٍ ونكتسبه اكتسابًا. (٢)
стр. 223
لم يشهد تاريخ البشرية حقبةً تزعزعَت فيها الروابط بين المجال البيئي والمجال الاجتماعي مثل هذه الحقبة التي نعيش فيها: النمو السكاني، الميكنة، التجديدات التكنولوجية المتسارعة، نحن اليوم بإزاء إيقاع من تغير الظروف بَلَغَ من السرعة مبلغًا لم تعرفه الأجيال السابقة، يَفرِض علينا أن نُعوِّل على مَلَكاتنا النقدية، وأن نغامر بتجريب طرائق جديدة واختبارها وانتخاب أفضلها، وأن نجعل النقد نفسه، والتجريب والاختبار، تقليدًا وعادةً وديدنًا.
(٦) التطويع الاجتماعي؛ غسيل الدماغ المحتوم
«تتم صياغة «الأنا الأعلى» super-ego (أو «البيئة المُدخلة» internalized environment) في فترة دقيقة خاصة من حياة الكائن البشري: فترة طفولة جبرية طويلة، فيها يتصل الكائن بالواقع لأول مرة، معتمدًا في إشباعاته على مَنْ يحيطونه من الوالدين وأشباههما من البالغين السابقين في تجربة الوجود، غير قَوِي على غير الخضوع والطاعة التماسًا للإشباع وتجنبًا للحرمان.
في هذه الفترة المتطاولة من الضعف والاعتمادية يتم دمج النماذج السلوكية الموروثة والمعايير الخُلُقية المقررة، يتم دمجها في الذات العليا مُشَكِّلةً أصل ما يُسمَّى بالضمير، وجذور ما يسمَّى بال «محافظة» (السياسية - الأخلاقية - الفنية - اللاهوتية … إلخ) التي تتحدد مهمتها في إطالة عمر «الوضع القائم» status quo ودعم التقاليد والنظم الاجتماعية السائدة التي أفرزتها ضروراتُ اقتصادية واجتماعية سالفة، وربطها بأعماق النفس وتغليفها بالهيبة والقداسة، ومقاومة كل تغيير فكري أو اجتماعي مهما تكن بداهتُه ووجاهته وجدارته بتخفيف آلام المجتمع وتحسين أحواله.
في هذه الفترة المستطيلة من الضعف والاعتمادية يتم بتر الدهشة وإخصاء التساؤل واصطياد «النقد» في الماء العكر.
وإن شيئًا تمت صياغتُه في ظروف من القهر والجبر، وفي حدود مما كان ومما هو كائن، لا يجمل ائتمانه على ما يأتي ولا استفتاؤه فيما ينبغي.» (١)
стр. 224
«وإنه لَيُعجِزنا أن نحزر كيف كان يمكن أن يكون حالُ عالمنا لو لم يداخل الشك بعض العقول الباسلة والبصائر النبيلة، فيسوِّل لها أن تركل كهفَها الدافئ وتذبح أمانَها السمين، كيما تستنطِق الحقَّ وتستجوِب الطبيعة، وكيف كان يمكن أن يكون حالُه لو أن كل رهطٍ من البشر ظلوا قابعين في حظيرتهم، مُتَحَكِّكين كالخِراف، غيرَ مُنبتِّين عن جهالة الآباء أو متجاوزين «لطفولة» الأجداد!» (١)(٧) متى يكون القِدَم معيارًا صائبًا؟
يزداد شغفي بك على مرِّ الليالي، … كأنك الخمر أو العطر أو العود أو اللؤلؤ، … أو أيٌّ من تلك الأشياء المحظية القليلة … التي استأثرها الزمن بمودته، … وتبناها الفَلَك في دورته، … فهو يُرضعها ولا يدوسها … ويُكرمها ولا يهينها، … ويُغليها ولا يُرخِصها.
غني عن القول أن القدم قد يكون معيارًا للجودة في بعض السياقات:
فبعض الآلات الموسيقية يزداد رنينُها بقدر ما يجف خشبُها بفعل الزمن.
والنبيذ المعتق، والجبن المعتق، والعطر القديم
والأثر التاريخي، والوثيقة التاريخية، والأثر الفني
واللؤلؤ جوهر نفيس يستغرق تكوينه زمنًا هائلًا في جوف المحارة.
والصداقة، وغيرها من العلاقات الإنسانية، تتقَوَّت بالزمن، وتزداد مع الأيام قوةً ورسوخًا.
ها هنا يكون الزمنُ طرفًا فاعلًا، ويكون القِدم «ذا صلة» relevant بقيمة الشيء.
стр. 225
(٨) الاحتكام إلى الجِدة appeal to novelty
بعض العقول مُغرَم بالقديم، وبعضُها متيَّم بالجديد … بينما الحقيقة ينبغي ألا تُلتمسَ في هناءة أي عصرٍ، فذاك شيء غير مستقر، بل تُلتمس في ضوء الطبيعة والتجربة، فذاك شيء خالد.
فرنسيس بيكون
مغالطة الاحتكام إلى الجِدة هي معكوس المغالطة السابقة، وتفترض أن جِدة الفكرة دليل على صدقها، وصورتها:
س جديد؛
إذن «س» صحيح أو أفضل.
ومن ثم تعد هذه المغالطة وثيقة الصلة ب «مغالطة عربة الفرقة» bandwagon fallacy.
أمثلة
هذا المنتج حديث؛ إذن فهو أفضل.
هذه الأغنية جديدة؛ إذن فهي جيدة.
هذه النظرية أحدث؛ إذن فهي أصوب.
هذا الاتجاه الفكري أحدث؛ إذن فهو أصوب.
تستقي هذه المغالطة جاذبيتها من مصادر كثيرة:
منها ذلك الالتزام الشديد للثقافة الغربية بفكرة أن الأشياء الجديدة لا بُدَّ أن تكون أفضل من الأشياء القديمة.
ومنها فكرة «التقدم» progress أي الاعتقاد بأن الأزمنة المتأخرة هي تحسينات على الأزمنة المتقدمة، وأن الأشياء الأحدث عهدًا أرقى من الأشياء الأقدم، ويبدو أنه اعتقاد مستمد جزئيًّا من فكرة «التطور» evolution.
ومنها وسائط الدعاية التي كثيرًا ما تدس رسالةً ضمنية بأن الأحدث لا بُدَّ أن يكون هو الأفضل.
стр. 226
بديه أن عمر الفكرة لا صلة له بنصيبها من الحق أو الصواب، وأن كون الشيء جديدًا هو أمر لا يضمن جودة ذلك الشيء، ويكفي أن نذكر أنه ما من فكرةٍ باليةٍ نرفضها اليوم باعتبارها هراءً باطلًا إلا وكانت فكرةً جديدةً في يومٍ من الأيام!
(٩) متى تكون الجِدةُ معيارًا صائبًا؟
الاحتكام إلى الجِدة، شأنه شأن غيره من المغالطات، قد يصح في بعض السياقات ويكون له ما يبرره: متى يصح الاحتكام إلى الجِدة؟ عندما تكون الجِدة ذات صلة بالجودة:
فلبن اليوم لا شكَّ أفضل من لبن الأمس لأنه طازجٌ لم تعمل فيه عوامل الفساد.
وعلوم العصر أصوبُ من العلوم القديمة؛ لأنها تُراكِم عليها وتُصحح أخطاءها.
ومدارِكُ الناس، من ثم، في زمننا أوسع بما لا يُقاس من مدارك الأسلاف في القرون الغابرة.
стр. 227
الفصل الثاني والثلاثون
النبوءة المحقِّقة لذاتها
Self-fulfilling prophecy
ثمة صنفٌ من النبوءات يتصف بصفةٍ عجيبة: أنه يَصدُقُ إذا صدَّقناه! يُطلَق على مثل هذه النبوءات «النبوءات المحقِّقة لذاتها».
النبوءة المحققة لذاتها هي تنبؤٌ يؤدي بنفسه، على نحو مباشر أو غير مباشر، إلى أن يصبح حقًّا، فرغم أنه في البداية تحديدٌ زائف للموقف، إلا أنه يحفز سلوكًا جديدًا من شأنه أن يجعل التصور الزائف الأصلي يتحقق ويصير واقعًا، يعمل هذا الصواب الخادع للنبوءة على استتباب الخطأ ودوامه؛ لأن المتنبئ سوف يستشهد بالمجرى الفعلي للأحداث كبرهانٍ على أنه كان صادقًا منذ البداية، وبعبارة أخرى: فإن تنبؤًا معلنًا على أنه صادق (بينما هو في الحقيقة كاذب) قد يؤثر في الناس (من خلال الخوف، أو الخلط المنطقي، أو الإحجام، أو الإقدام، أو الحماس، أو الفتور، أو التشجيع، أو التثبيط … ) بحيث تُفضي استجاباتهم في النهاية إلى تحقيق التنبؤ الذي كان كاذبًا من قبل.
يعود مصطلح «النبوءة المحققة لذاتها» self-fulfilling prophecy إلى عالم الاجتماع في القرن العشرين روبرت مرتون، ويستند مفهومه إلى «مبرهنة توماس» القائلة بأنه «إذا عَرَّف الناس المواقف على أنها حقيقية تكون حقيقية في نتائجها.» يذهب توماس إلى أن الناس لا تستجيب للمواقف فحسب، بل تستجيب أيضًا، وبصفة أساسية في الغالب، للطريقة التي يدركون بها المواقف والمعنى الذي يضفونه على هذه المواقف، وبالتالي فإن سلوكهم يحدده (جزئيًّا) هذا الإدراك وهذا المعنى لا المواقف ذاتها، فما إن
стр. 228
يقتنع الناسُ أنفسهم بأن لموقفٍ معين معنى معينًا على الحقيقة، وبغض النَّظر عما إن كان كذلك بالفعل، فسوف يتخذون من جرائه أفعالًا جِدَّ حقيقية.
أمثلة
(١) إفلاس مصرف
تصور مصرفًا (بنكًا)، كأفضل وأمْثَل ما يكون المصرف، يُدار على نحوٍ أمينٍ قويم، وهو كأي مصرف لديه سيولة نقدية معقولة، ولكن معظم أصوله بطبيعة الحال مستثمرة في أعمالٍ ومشروعات، وذات يوم تصادف أن كان هناك تزاحم على المصرف، وهو ما أزعج العملاء فسَرَت شائعة بأن المصرف موشك على الإفلاس، وسرعان ما تقاطر بقيةُ العملاء على المصرف يطالبون بسحب ودائعهم، وبالطبع لم تتوافر السيولة الكافية لسد مطالبهم، فنَفِدت السيولة وأعلن المصرف إفلاسَه!
تُبين لنا هذه الحكاية الخيالية أن التعريفات الشائعة لموقفٍ ما (التنبؤات أو التوقعات) تصبح جزءًا مدمجًا بالموقف، وتؤثر بذلك على التطورات اللاحقة، وهو أمر يخص الشئون البشرية ولا يوجد في الطبيعة المستقلة عن الفعل الإنساني: من ذلك أن التنبؤات بعودة مذنب هالي لا تؤثر في مداره الفعلي، بينما أثرت إشاعة إفلاس المصرف في المآل الفعلي للمصرف، إن نبوءة الإفلاس أدت إلى تحقيق ذاتها! ويخلص مرتون إلى أن الطريقة الوحيدة لكسر حلقة «النبوءة المحققة لذاتها» هي أن نُعيد تحديد القضايا التي تستند إليها من الأصل افتراضاتها الكاذبة.
(٢) التلاميذ وتوقعات المدرس
وفي المجال التربوي لوحظ دائمًا أن أداء التلاميذ يأتي متفقًا مع توقعات مدرسيهم، وفي دراسة شهيرة أجريت عام ١٩٦٨ أنبأ الباحثون عددًا من مدرسي المرحلة الابتدائية بأن بعض تلاميذهم تَبَين امتلاكهم قدراتٍ كبيرةً للنمو المعرفي، على حين أن هؤلاء التلاميذ كان قد تم تحديدهم عشوائيًّا! وبعد انقضاء ثمانية أشهر أجريت اختبارات ذكاء على تلاميذ المدرسة، فحصل هؤلاء التلاميذ المحددون عشوائيًّا على درجات أعلى بصفة عامة من أقرانهم، وقد صارت هذه الظاهرة تعرف باسم «أثر بيجماليون» Pygmalion effect نسبة إلى مسرحية برنارد شو.
стр. 229
(٣) النعي المُميت!
ومن الحكايات الواقعية الشهيرة ما حدث في يناير عام ١٩٤٠: فقد كان ماركوس جرافي، داعية التعاون الأفريقي، يعاني سكتة دماغية نجا منها بالفعل، غير أنه فُوجئ بنعيه منشورًا بطريق الخطأ في جريدة شيكاغو دفندر، واصفًا إياه بأنه «انسحق وحيدًا مغمورًا»، فصُدم جرافي حين قرأ هذا النعي صدمةً شديدة أصابته بسكتة دماغية ثانية تُوفي على أثرها، وبذلك صدق النعي!
(٤) كارل بوبر و «الأثر الأوديبي»
وقد أشار كارل بوبر إلى هذه الظاهرة وأسماها «الأثر الأوديبي» Oedipal effect، بمعنى تأثير النظرية أو التوقع أو النبوءة على الحدث الذي تتنبأ به أو تصفه، إذ كانت السلسلة السببية التي أدت إلى قتل أوديب لوالده في الأسطورة قد بدأت بنبوءة «الوحي» بهذا الحدث، يقول بوبر في «عقم المذهب التاريخي»: « … أود أن أطلق اسم الأثر الأوديبي على تأثير النبوءة في الحادث المُتَنبأ به، أو على تأثير المعرفة عامةً في وقوع الحادث أو في منعه … ومن أمثلة التأثير المنعِي أن التنبؤ بأن سعر الأسهم سوف يأخذ في الارتفاع على مدى ثلاثة أيام، ثم يهبط بعدها سوف يدفع الناس إلى أن تبيع أسهمها في اليوم الثالث، وبذلك يهبط السعر ويكذب التنبؤ، نحن إذن في العلوم الاجتماعية بإزاء تفاعل شامل معقد بين المشاهِد والمشاهَد، بين الذات والموضوع، ومن المحتمل أن يكون لوعينا بوجود الاتجاهات التي قد تسبب في المستقبل حادثًا معينًا، ولإدراكنا أيضًا أن التنبؤ قد يؤثر هو نفسُه في الحوادث المتنبأ بها - من المحتمل أن تكون لكل ذلك آثاره في مضمون التنبؤ، وقد يكون من شأن هذه الآثار أن تخل بموضوعية التنبؤات وغيرها من نتائج البحث في العلوم الاجتماعية.»
(٥) النبوءة المحققة لذاتها في البيولوجيا!
ويقول بوبر في كتابه Unended Quest: «كنت أعتقد يومًا أن الأثر الأوديبي يميز العلومَ الاجتماعية عن العلوم الطبيعية، ولكن في البيولوجيا أيضًا، وحتى في البيولوجيا الجزيئية، كثيرًا ما تلعب التوقعات دورًا في إحداث ما كان متوقَّعًا.»
стр. 230
للدكتور رسل فيرنالد R.D.Fernald، عالم الأعصاب في ستانفورد، أبحاثٌ كثيرة مثيرة عن تأثير التغيرات الاجتماعية على خلايا المخ (مثال ساطع على «العِلِّيَّة الهابطة» downward causality)، من ذلك أبحاثه الشهيرة على سمك البلطي الأفريقي التي أيدت الرأي القائل بأن كيفية التفاعل الاجتماعي لِذَكر السمك تُغير خلايا دماغِه المسئولة عن حجمه ولونه وقدرته على التكاثر، فقد وجد أن الذكر العدواني المسيطر على منطقة نفوذٍ كبيرة تكون الخلايا الدماغية في مهاده التحتي hypothalamus أضخم ستة أضعاف من خلايا الذكور الألطف طبعًا، وقد وجد فضلًا عن ذلك أن أبعاد هذه الخلايا ذات «طواعية» plasticity ومرونة: فإذا ما صادف الذكر المسيطر ذكرًا آخر أكبر منه وأشد عدوانيةً فإن نيورونات (خلايا عصبية) المهاد التحتي للذكر المهزوم سرعان ما تنكمش، وكذلك تنكمش خُصِيه وتقل قدرتُه على الإنجاب، ومن الممكن إحداث هذه التغيرات في المختبر بدفع الذكر الفرد بيئيًّا إلى اتخاذ الدور المسيطر أو الخاضع، فتتبع ذلك مباشرةً تغيراتُ خلايا الدماغ، لقد تم التحقق بدقة من أن التغيرات السلوكية تحدث أولًا وتفضي إلى التغيرات الدماغية.
(لمعرفة المزيد عن التأثيرات السلوكية على الدماغ انظر بحث د. رسل د. فيرنالد بالاشتراك مع س. أ. هوايت: Behavioral influences on the brain.Progress in Hormone Research، ٥٢: ٤٥٥ - ٤٧٤.)
(٦) في الدراسات السلوكية للفعل الإنساني
«في مجال دراسة النفس البشرية كثيرًا ما يتعذر التحقق من الفروض بالطريقة العلمية المعيارية من خلال تكرار المواقف، وضبط التفاعلات بين الأحداث واستجابات الأشخاص موضوع الدراسة، وفي العلوم الإنسانية بعامة فإن تكرار موقف تاريخي فردي أو جماعي هو أمر مستحيل في الأساس، ورغم ظهور ما يبدو أنه تكرار، فإنه في كل حالة نتاج جهدٍ خادع وهمي لتجريد الذات من التاريخ، وهي طريقة أساسية تستخدم لاختزال المسئولية الفردية وما يصاحبها من قلق، وفي محاولة ضبط المتغيرات، فإن النموذج العلمي المعاصر يعزو دورًا سلبيًّا ضمنيًّا للأشخاص، ففي مثل هذه التجارب يُعرَّض الشخص لمنبه، ويُخضَع لظروف مضبوطة معينة، ويُعامل على أنه شيءٌ من الأشياء! وتُدرس الاستجابة المجزَّأة المضبوطة بعناية بدلًا من أن يُدرس الفعل الإنساني، ومِن ثَمَّ فإن السلوك يُخطَّط له بصورة يصعب فيها التعرف عليه، ومن الواضح أن ذلك نوعٌ من
стр. 231
«النبوءة المحققة لذاتها» يتعرض فيه الناس لقواعد تتحكم في التجربة، وتحرمهم من المبادأة والابتكارية أو حرية الفعل … إن الأشخاص الذين يعاملون بهذه الطريقة يغلب أن يستجيبوا طبقًا لذلك، وطبقًا لنفس القواعد الوظيفية للسلوك كما تفعل الحمائم أو الفئران أو الأسماك، ويقرر زيمباردو أنه في الظروف المعيارية يستطيع القائم بالتجربة أن يفترض وجود استمرارية في السلوك، وقد خلقها بصورةٍ مصطنعة.» (١)(٧) أثر المُجرِّب (القائم بالتجربة) experimenter effect
ثمة دلائل متزايدة على أن فرضية العالم السلوكي يمكن أن تعمل بمثابة «نبوءة محقِّقة لذاتها» من خلال عمليات تواصلٍ خفية دقيقة بين المجرِّب والمجرَّب عليه.
ذات يوم في هارفارد وجد عالم الاجتماع و. روزنثال نفسَه مدفوعًا إلى أن يعيد التحليل الإحصائي لبيانات رسالته للدكتوراه عن آلية «الإسقاط» الدفاعية الفرويدية، غير جادٍّ وغير مضطر، فوجد أن تحليله يومئ بشدة إلى أن فرضيته أو توقُّعه عما ينبغي أن تكون عليه استجابة مفحوصيه كان يُستَشَفُّ من جانبهم بطريقةٍ ما بحيث يُحتمَل أن تكون فرضيته قد صارت نبوءةً محققةً لذاتها! عكف روزنثال أكثر من ثلاثين عامًا على دراسة ما أسماه «أثر التوقع» expectancy effect أو «الأثر المُجرِّب» experimenter effects.
يروِي روزنثال قصةً مثيرةً عن تجربة بحثية أجراها تلاميذه على فئران متاهة، فقد أنبأ تلاميذَه أنه قد طوَّر سلالةً من الفئران حادة الذكاء يمكنها أن تجتاز المتاهة بسرعة، ثم دفع لهم بفئرانٍ عاديةٍ تمامًا على نحوٍ عشوائي، قائلًا لنصف التلاميذ إن لديهم الفئران «الذكية»، وللنصف الآخر أن لديهم الفئران «الغبية».
كانت النتيجة أن الفئران المزعوم ذكاؤها كانت تتحسن يومًا بعد يوم في اجتياز المتاهة، فكانت تجري بشكلٍ أكثر سرعةً ودقة، كانت الفئران «الغبية» تحرن عن نقطة البداية ٢٩? من الوقت، بينما كانت الفئران «الذكية» تحرن ١١? من الوقت فقط!
ربما كان التلاميذ يتعجَّلون ضغط زر المؤقِّت بعض الشيء في حالة الفئران «الذكية».
стр. 232
وربما كانوا يتناولون فئران كل من الفئتين قبيل الجري تناولًا مختلفًا.
وربما كانت الفئران تتأثر بطريقةٍ ما بتوقعات المجرِّبين.
وربما كان التلاميذ يقدِّمون لأستاذهم البيانات التي يرون أن أستاذهم كان يتوقعها.
غير أن «تأثر التوقع» قد وقع! وقد سجَّل روزنثال تأثيراتٍ للتوقع في عديد من المواقف والسياقات: يتأثر المستخدَم بتوقعات مستخدِمه ويُقدم له ما يتوقعه من أداء، وكذلك يفعل التلميذ تجاه مدرسِّه، والمريض تجاه طبيبه، ثمة تواصلٌ غير لفظي: نغمة الصوت، حركات الجسم، تعبيرات الوجه، يجعل توقعات الطرف الأول تصل إلى الطرف الآخر عفويًّا وتلقائيًّا وضمنيًّا، ويحفز الطرف الثاني على أن يُلبي هذه التوقعات ويكون على مستواها.
يُستخدَم الوجه الإيجابي لظاهرة «النبوءة المحققة لذاتها» في التعامل مع الأمراض النفسية المزمنة مثل اضطراب القلق أو الألم المزمن، وتشير الدراسات المعرفية السلوكية إلى أن إدراك مسار مرضٍ ما وإدراك مآله يمكن أن يؤثر في خبرة المرض، يركز العلاج المعرفي السلوكي على تعلم تغيير الإدراك من أجل تخفيف الألم المزمن أو تقليل أحداثٍ مثل نوبات الهَلَع، بهذه الطريقة أدى فهمنا للنبوءة المحققة لذاتها إلى نجاحٍ أكبر في علاج الأمراض العَصِية.
(٨) العربية عاجزةٌ عن نقل العلوم … نبوءةٌ محققة لذاتها!
نحن نهملها فتذبل، ونستصعبها فتصعب.
حين نتنبأ بأن العربية عاجزة عن نقل العلوم فإننا نتردد ونتلكأ في التعريب، ويطول هجرنا وإهمالنا للعربية فتجف وتَضْمُر، وتهزل وتذبل، وتعجز عن العطاء لأنها حُرِمت من الأخذ! ومن ثم يرفع نُذُر الشؤم عقيرَتَهم ويعلنون عجزها وقد جعله تنبؤنا حقًّا!
يقول الأستاذ ساطع الحصري (رائد القومية العربية): «لا شكَّ أنها إن أمست اليوم عاجزة وفقيرة، بعد أن كانت بالأمس غنية وقديرة، فما ذلك إلا لأن المتكلمين بها قد انقطعوا عن مزاولة العلوم منذ قرون، ولأنهم حبسوا أذهانهم في دائرة ضيقة من الأدبيات والشرعيات، منصرفين إليها عن كل ما سواها، وكأني باللغة العربية قد ظلت
стр. 233
داخل هذه الشرنقة المعنوية جامدة خامدة، لا تتحول ولا تتكيف، ولا تنمو ولا تتطور.» (١) ويقول أ. حسام الخطيب: «إن اللغة العربية غير مخدومة لغويًّا وعلميًّا وتربويًّا وإعلاميًّا، وإنها تحتاج إلى جهود علمية-عملية حتى تنتقل من عبء نفسي عند مستخدميها إلى بهجة ويسر ودافع إيجابي.» (٢) ويقول الأستاذ إبراهيم اليازجي: «اللغة بأهلها، تَشِبُّ بشبابهم وتهرم بهَرَمِهم، وإنما هي عبارة عما يتداولونه بينهم، لا تعدو ألسنتهم ما في خواطرهم، ولا تُمثل ألسنتهم إلا صور ما في أذهانهم … ولذلك فإن كان ثمة هرمٌ فإنما هو في الأمة لا في اللغة؛ لأن ما عرض لها من الهجر والإهمال غير لاحقٍ بها ولا ملحقٍ بها وهنًا وعجزًا، وإنما هو عجزٌ في ألسنة الأمة ومداركِها وتأخرٌ في أحوالها واستعدادها.» (٣)
اللغةُ، جوهريًّا، استعمال، منشأ اللغة الاستعمال، واستواء اللغة بالاستعمال، وتطور اللغة في الاستعمال، تموت اللغة حين تَهجر اللسان، نحن لا نستعمل العربية، وبمنطق «النبوءة المحقِّقة لذاتها» فإننا نهملها فتذبل، ونستصعبها فتصعب، ونجفوها فتشحب وتنسحب، ولا يزال الناعي الكاذب ينعب حتى يَصدُق نعيُه!
стр. 234
الفصل الثالث والثلاثون
الخطأ المقولي (خلط المقولات، خلط الأوراق)
category mistake
تريد أن تقطع الجبال بموسى الحلاقة؟
أن تتخذ تلسكوبًا لقراءة الجريدة؟
أن تتخذ ممحاةً لإزالة الظل؟
أفِق لقد أطبَقَ عليك عَمَهُ المقولة.
***
المقولة category تعني: فئة، جنس، عائلة، نمط، نوع … إلخ، وهو مصطلح يستخدم ليدل على شريحة أساسية في تصنيف الواقع. (١)
стр. 235
والخطأ المقولي هو أن تضع الشيء في الفئة الخطأ، أو أن تعرض أشياء أو وقائع من نوع ما كما لو كانت تنتمي إلى نوع آخر، أو أن تنسب لشيء ما خاصية لا يمكن أن تخص هذا الشيء.
أن ترتكب خطأ مقوليًّا هو أن تقرن أشياء من تصنيفات مختلفة لا يجوز عقلًا أن تجتمع، كأن تقول: أعداد حمراء، فضائل بدينة، قضايا غير قابلة للأكل، (١) أو أن ترى الاعتقادات على أنها أشياء تشغل حيزًا مكانيًّا في الرأس، أو ترى الأعداد كأشياء مكانية كبيرة، أو الزمن كشيء يتدفق … إلخ.
ولما كانت جميع الأخطاء القضوية تتضمن ضربًا ما من الإسناد الخاطئ للخصائص، فإن بإمكاننا القول بأن أي خطأ هو، بمعنى ما، «خطأ مقولي»: وضع شيء ما في فئة غير فئته الصحيحة، أو إدراجه في تصنيف أو شريحة لا تخصه، على أن مصطلح «خطأ مقولي» في الاستخدام الفلسفي الدارج يبدو أسوأ أنواع الإسناد الخاطئ، إذ يتضمن التصديق على ما هو في الحقيقة «محال منطقيًّا».
стр. 236
أن تقول «هذه الذاكرة بنفسجية» فأنت تضفي على كيانٍ معين خاصةً «لا يمكن» أن يمتلكها هذا الكيان، لا مجرد أنه «تصادف» ألا يمتلكها، أما حين تقول «معظم الأمريكيين سود» فأنت رغم خطأ عبارتك لا ترتكب «خطأ مقوليًّا»: ذلك أن كون معظم الأمريكيين بيضًا هو صدق «عَرَضي» (طارئ، حادث) contingent فحسب، وليس ثمة استحالة منطقية في أن تنتظم الوقائع وتنصرف الأمور بحيث يكون معظمهم سودًا، لكي يكشف المرء خطأ مقوليًّا يتعين أن يبين أنه ما إن يفهم الظاهرة المعنية فهمًا صحيحًا حتى يتجلى لعقله أن الدعوى المطروحة لا يمكن «من حيث المبدأ» in principle أن تكون حقًّا.
تلتقي جميع ضروب الخطأ المقولي في أنها تتضمن إساءة فهم لطبائع الأشياء التي تتحدث عنها، فهي تتجاوز الأخطاء العادية والبسيطة كالتي تحدث حين ننسب لشيءٍ صفةً لا يتصف بها ولكن كان من الجائز أن يتصف بها: الخطأ المقولي هو أن ننسب للشيء صفةً من المحال منطقيًّا، وفي جميع الأحوال الممكنة، أن يتصف بها.
(١) جلبرت رايل والخطأ الديكارتي
كان جلبرت رايل G.Ryle (١٨٤٨ م) هو مَنْ أدخل فكرة «الخطأ المقولي» كطريقةٍ لتبديد الخلط المتفشي في نظرية ديكارت في العقل، وتبديد الكثير من المشكلات الظاهرة في فلسفة العقل، افترض ديكارت أن العقل «شيءٌ» بنفس الطريقة التي يكون بها الجسد شيئًا، ثم طفق يتساءل: كيف يتفاعل هذان الشيئان؟
ذهب رايل إلى أن من الخطأ أن نعامل العقل على أنه شيء مكون من جوهر لا مادي؛ لأن محمولات الجوهر غير ذات معنى إذا كنا بإزاء مجموعة من الاستعدادات والميول والقدرات (أي العقل)، إن ديكارت «يُشَيِّئ» الأحداث العقلية بدلًا من أن ينظر إلى الأوصاف العقلية على أنها مجرد نوعٍ واحد من وصف الأشخاص واستعداداتهم.
يضرب رايل ثلاثة أمثلة للخطأ المقولي:
(١) فهذا زائر غريب لجامعة أكسفورد، اطَّلع على مختلف المدرجات والمكتبات والمعامل والملاعب والمكاتب الإدارية … إلخ، وإذا به يسأل بعد كل ذلك: «حسن، ولكن أين الجامعة؟» لقد أخطأ الزائر إذ افترض أن الجامعة شيء آخر يُضاف إلى ما رآه، إنما
стр. 237
الجامعة اسم كلي ينتمي لنمط منطقي أعلى من نمط المكاتب والملاعب والمكتبات والمعامل والمدرجات، الجامعة هي الطريقة التي تنتظم بها كل تلك الأشياء التي شهدها الزائر، وليست شيئًا من بينها.
(٢) وهذا طفل يشاهد عرضًا عسكريًّا لفرقة من الجيش، وبعد أن شهد الكتائب وبطاريات المدفعية وأسراب الطائرات … إلخ، إذا به يسأل: «ومتى ستظهر الفرقة؟» إن العرض لم يكن عرضًا لكتائب وبطاريات وأسراب «و» فرقة and a division، بل كان عرضًا لكتائب وبطاريات وأسراب فرقة of a division.
(٣) وهذا زائر غريب يشاهد مباراة كريكت، وبعد أن أطلعناه على الضاربين والرماة والممسكين والملعبيين … إلخ، إذا به يسأل: «ولكن مَنْ ذا الذي، بَعد، سيجَسِّد روحَ الفريق؟» لقد أخطأ الغريب خطأ مقوليًّا حين وضع نشاط «تجسيد روح الفريق» في نفس النمط أو الفئة الخاصة بالرمي والضرب والإمساك، ذلك أن تجسيد روح الفريق ليس وظيفة خاصة مثل الضرب والرمي والإمساك، وإنما هو طريقة تُؤدَّي بها هذه الوظائف الخاصة. ويقترح رايل محكًّا لكشف «الفروق المقولية» category differences، وهو أن نرى ما إذا كان استبدال تعبير مكان آخر في نفس الجملة يؤدي إلى نوع من اللامعقولية يُطلق عليه absurdity (محال، باطل، خُلف، سخف). (١)
من المعلوم أن ديكارت قال بمذهب «الثنائية» dualism ومفاده أن الإنسان مكوَّن من جوهرين متمايزين: النفس (وهي فكر)، والجسم (وهو امتداد)، وأن بين هذين الجوهرين المختلفين «تفاعلًا» interaction (متبادلًا)، لم ينجح ديكارت بعد أن أكد ثنائية الجوهر في أن يُفسر كيف يحدث هذا التفاعل الثابت والمشهود بين النفس والجسد، وقد تناول رايل هذه الثنائية الديكارتية بالنقد الشديد وأسماها عقيدة «العفريت في الآلة» the ghost in the machine، يقول رايل: «إن هذه العقيدة تؤكد على وجود
стр. 238
أجسام وعقول معًا، وتؤكد على وجود عمليات فيزيائية وعمليات عقلية، وأن هناك أسبابًا آلية للحركات الجسدية وأسبابًا عقلية للحركات الجسدية، وسوف أثبت أن هذه العبارات العطفية محالة، ولكن يجب أن نلاحظ أن الحُجة لن تثبت أن أية قضية من القضايا المعطوفة على نحو غير منطقي محالة في ذاتها، فأنا لا أنكر، مثلًا، وجود عمليات عقلية (فإجراء عملية القسمة الطويلة في الحساب هي عملية عقلية) ولكنني أقول إن عبارة «توجد عمليات عقلية» لا تعني نوع الشيء الذي تعنيه عبارة «توجد عمليات فيزيائية»، ومن ثم لا يكون معقولًا أن نربط بينهما أو نفصلهما.» (١)
لقد أخطأ ديكارت عندما زعم أن العقل جوهر وشيء، ووضعه في نفس مقولة الجسم، ولكنه أضفى عليه مجموعة مركبة من السمات غير الفيزيائية، أما رايل ف «العقل» عنده لا يدل على شيء من أي نوع، سواء كان فيزيائيًّا أو غير فيزيائي، إنه اسم جمعي نستعمله للدلالة على نماذج من السلوك patterns of behavior، واللغة تخدعنا أحيانًا فنظن أن كل اسم لا بُدَّ من أن يدل على شيء ما … فالعقل اسم، ولكن هذا لا يقتضي أن يكون اسمًا لشيء ما، العقل لا يُسمِّي شيئًا على الإطلاق، وإنما هو كلمة عامة نستعملها للدلالة على نماذج السلوك، والميول، والاستعدادات للسلوك بطرق معينة، عندما نقول إن الناس لهم أجسام وعقول، فمن الخطأ أن نُفسر ذلك على أنه يشبه القول إن الطيور لها مناقير وريش أو إن القطط لها أرجل وذيول. (٢)(٢) خطأ مقولي في الميثودولوجيا (المنهج العلمي)
بعد أن بيَّن بوبر أن الملاحظات في العلم «محملة بالنظرية» theory-laden، وأنها سليلة النظرية وليست محايدة، وأنها مِنْ ثم جديرة أن تبدو مدعمة للنظرية ما لم نفطن لذلك ونعتصم بالملاحظات التفنيدية القاسية والمناوِئة وبغير ذلك من عناصر منطق التكذيب ومنهجه - بعد أن أسهب في تبيان ذلك طفق يرسم طريقًا لتقدم العلم في مراحل أربع، يعنينا منها في هذا المقام المرحلة الثانية: بعد التثبت من الاتساق الداخلي (الصوري)
стр. 239
للنظرية والتأكد من غياب أي تناقض منطقي بين فروضها الأساسية، تبدأ مرحلة ثانية «شبه صورية» semiformal يتم فيها التمييز بين العناصر الإمبيريقية والعناصر المنطقية، أي فصل القضايا التي لها نتائج أو مترتبات إمبيريقية عن القضايا التي ليس لها، ذلك أن معظم النظريات تشتمل على عناصر «تحليلية» analytic «قبلية» a priori وأخرى «تركيبية» synthetic «بعدية» a posteriori، وبهذه الخطوة التمييزية يُبرز العالِم الصورةَ المنطقية للنظرية ويجعلها صريحة معلنة، ومن شأن التهرب من هذه الخطوة أن يؤدي إلى «أخطاء مقولية» category mistakes تؤدي بالعالِم إلى أن يسأل السؤال الخطأ، ويفتش عن معطيات إمبيريقية حيث لا توجد معطيات (فلعل النظرية كلها من قبيل «تحصيل الحاصل» tautology)، افترض ديكارت، على سبيل المثال، أن «النفس» جوهر بسيط مفكر (والجسم امتداد قابل للقسمة)، وأنها رغم اختلافها الجوهري عن الجسم فهي ليست حالَّة فيه حلول النوتي في السفينة بل متحدة به اتحادًا جوهريًّا، غير أنه في مواضع أخرى من كتبه يتحدث عن النفس كأنها حالَّة في الجسم مجرد حلول، واختار لها الغدة الصنوبرية مقامًا أو «قمرة قيادة» يحدث عبرها التأثير المتبادل interaction بين النفس والجسم، لقد سأل ديكارت السؤال الخطأ، وفتش في المكان الخطأ (الغدة الصنوبرية) عن شيء لا وجود له في هذا المكان!
(٣) الخطأ المقولي في فهم الفن
(٣ - ١) الفن والحياة
ليس الفن هو الحياة، وإلا لكان إضافةً عديمة النفع ولكان عبثًا لا حاجة لنا به.
سترثرزبيرت، زيف الواقعية
مهما تكن علاقته بالحياة فالفن غير الحياة! صحيح أنه ينبثق عن الإنسان ويشطأ من تربة الحياة، إلا أنه شأنه شأن كل كيان «انبثاقي» emergent - مستقلٌّ عن منشئه مغاير لأصله ولا يمكن «رده» إلى عناصره الأولى، الفن فن والحياة حياة، ومن يتعامل
стр. 240
مع الفن بمنطق الحياة أو يقيسه بمعايير الحياة يقع في «خطأ مقولي» ذريع، وقوله خطلٌ لا تجدر مناقشته، إنه، على حد تعبير كلايف بِل، «يقطع جلاميد صخر بموسى حلاقة، أو يستخدم تلسكوبًا لقراءة جريدة.» (١)
الفن عالمٌ قائم بنفسه شأن عالَم الرياضيات أو عالم الوجد الصوفي … من الخطأ الفادح أن نحاول فهم الموضوع الإستطيقي بإدخاله في إطاراتنا الذهنية المعتادة، فالعمل الفني هو من نفسه بمثابة عالمه الخاص! ولا سبيل إلى فهمه إلا على أرضه، وبلوائحه وشروطه، «ومن شاء أن يحس دلالة الفن فعليه أن يتَّضع أمامه، أما الذين يرون أن الأهمية الرئيسية للفن أو الفلسفة هي في علاقتهما بالسلوك أو النفع العملي، أولئك الذين لا يستطيعون أن يقدروا الأشياء كغاياتٍ في ذاتها، أو كسبيلٍ مباشر إلى الانفعال على أية حال، فما يكون لهم أن يظفروا من أيِّ شيءٍ بخير ما يمكن أن يَمنحه، وأيًّا ما كان عالم التأمل الإستطيقي فهو ليس عالم المشاغل والأهواء البشرية، إنه عالم لا تسمع فيه لغو الوجود المادي وصخبه، أو تسمعه كمجرد صدًى لتوافقٍ آخر أكثر جوهرية.» (٢)
(٣ - ٢) الفن والأخلاق
الشعر نكدٌ بابُه الشر، فإذا دخله الخيرُ ضعف.
الأصمعي
بين الفن والأخلاق علاقة منطقية دقيقة حتى المفارقة، وتحتاج منذ البداية إلى حنكةٍ كبيرةٍ في ترسيم الحدود وفض الاشتباك، وإلا فهي تفضي إلى جدل عقيم لا يثمر، ونزاع طويل لا ينتهي، فالفن مُوكَّل بمقولة «الإستطيقي»، والأخلاق موكلة بمقولة «الخير»، وبديه أن مقولة «الإستطيقي» مختلفة عن مقولة «الخير»، وأن الفن يوصف بالجودة أو الرداءة (الفنية)، ولا يصح أن يوصف بالشر أو الخير (الأخلاقي)، ومن يفعل ذلك
стр. 241
يقع في «خطأ مقولي» category mistake، «إن عادة إقحام اعتبارات أخلاقية في عملية الحكم بين أعمال فنية معينة لن يكون لها ما يبررها، فليُقم الداعية الأخلاقي حكمًا على الفن ككل، وليقيض له ما يرى أنه مكانه الصحيح بين وسائل الخير، ولكن إذا كان المقامُ مقامَ أحكام إستطيقية؛ أي أحكام مقارنة بين أعضاء فئة واحدة، أي بين الأعمال الفنية بوصفها أعمالًا فنية، فليُمسك هذا الداعيةُ لسانه.» (١)
(٣ - ٣) الفن والصدق
جماعةُ القاهرة يظنون أن الصدق في الفن معناه قول الحقيقة!
أمين نخلة
إن في بُرديَّ جسمًا ناحلًا … لو توكَّأت عليه لانهدم
بشار (وكان ضخم الجثة!)
كَلَّفتمونا حدودَ منطقكم … والشعرُ يُغني عن صدقه كذبه
البحتري
يعلم دارسو الجماليات أن للفن صدقه، وأن الفن يوصف بالصدق والكذب، وأن الصنف الرفيع من الفن صادقٌ بالضرورة، ولكن «الصدق الفني» غير الصدق الوقائعي factual، ومن يخلط بينهما يقع في «خطأ مقولي» ثقيل، ثمة «حقيقة» يعبر عنها العمل الفني، غير أنها ليست من صنف الحقيقة التي نجدها في العلم أو الفلسفة، وإذا لم يتم التخلص من الخلط بين الحقيقة الفنية والحقيقة العلمية «ضاع الوضوح وأصبح الحديث أو
стр. 242
النقاش عقيمًا لأن المتحدثين، ببساطة، لا يتحدثون عن شيء واحد.» (١) قد يُخطئ الشاعر خطأً علميًّا جسيمًا وتبقى قصيدته مثالًا للصدق الفني.
الصدق صفةٌ للقضايا، فتوصف القضية بالصدق إذا كان ما تقرره مطابقًا للوقائع التي يُفترض أنها تصفها، وتوصَف بالكذب إذا كان غير مطابق، بيد أن هناك قطاعات عريضة من التعبير البشري لا تتحدث عن وقائع موضوعية، وبالتالي لا تحتمل الصدق والكذب بالمعنى الدارج، تلك هي الأحكام التقويمية وعبارات الأمر والتمني وغيرها من الصِّيغ التي تُضمِر مشاعر ووجدانات ذاتية تَنِد بطبعها عن التحقق الموضوعي، ومنها بيت بشار السابق الذي يصف نفسه فيه بالنحافة والضعف بينما كان هائل الجِرم كأنه جاموس، (٢) إنه تقريرٌ عن مواجيدَ نفسية وليس تقريرًا طبيًّا يتضمن بنودًا عن الوزن والضغط والنبض وسرعة الترسيب … إنه رقعةٌ فنية، تستعصي بطبعِها على التحقق الموضوعي، غير أن هذا لا يحرمها من أن تتمتع بصدقٍ من صنفٍ آخر، وحقيقةٍ من نوعٍ مختلف.
تلك هي «الحقيقة الفنية» في مقابل «الحقيقة الواقعية»، وهي حقيقة تتحد بمَدَى جودة التعبير وتوفيقه في نقل التجارب التي انبرى لنقلها ومعادلة المشاعر التي اضطلع بمعادلتها، وقديمًا قال أرسطو: «إذا أسهمت الكذبةُ في التأثير الجمالي للعمل فينبغي أن نقبلها.»
نعم … حين يكون الأمرُ أمر تجارب وجدانية ومشاعر ذاتيةٍ يخف وزن الجزئيات الموضوعية بعض الشيء ويتضاءل شأنها، وهل كان لغلطة كيتس الواقعية خطرٌ يُذكر على سونيتته «عند القراءة الأولى لترجمة تشابمان لهوميروس» التي يقول فيها:
عندها شعرتُ بأني أشبَه بكورتيز الفتي،
وهو يحدِّق إلى المحيط الهادي بعيون النسر بينما كل رجاله
стр. 243
يتطلع بعضهم إلى بعضٍ في دهشة بالغة،
وهو واقفٌ في صمتٍ فوق قمة جبل دارين.
كورتيز مكتشف المحيط الهادي! خطأٌ جسيمٌ إذا كان المقام مقام تاريخ بحري، ولكن سيان ان يكون المكتشِف هو كورتيز أو غيره داخل هذا «التكوين الفني» أو هذه «البنية الرمزية» المستقلة التي تتحدد مهمتها في نقل أو معادلة شعور كيتس لحظةَ بَهَرَته قراءة هومر بترجمة تشابمان الإليزابيثي للمرة الأولى، فسونتة كيتس - وهي من عيون الشعر الإنجليزي - لم تُكتب لتُلقي علينا درسًا في التاريخ أو الجغرافيا، ولكن كُتِبَت لتنقل لنا شعورًا بمتعة التذوق ودهشة الفن.
هي «حقيقة ل» truth-to (١) أكثر مما هي «حقيقة عن» truth-about.
وهي «فعل» action (٢) أكثر منها «مقالًا عن فعل».
وهي صادقةٌ إذا ما احترمنا انطواءَها واكتفاءها الذاتي واستقلالها الجمالي، واتخذنا، ولو إلى حين، إطارها الإشاري الخاص، ثم لجأنا بها إلى معيار «التطابق» correspondence، (٣)(٤) مغالطة التركيب والتقسيم خطأٌ مقولي نموذجي
في حديثنا عن مغالطة التركيب composition والتقسيم division قلنا إن الانتقال من خصائص الكل إلى خصائص أجزائه المُكوِّنة (تقسيم division)، أو الانتقال - على العكس - من خصائص المكونات إلى خصائص الكل (تركيب composition) هو انتقالٌ غير مشروع؛ وذلك لأن الكل ينتمي إلى نمط منطقي (أو مقولة) أعلى من النمط الذي تنتمي إليه أجزاؤه، إن خصائص الكل وخصائص الجزء ليست دائمًا بالشيء الواحد، ولا ينبغي أن نتوقع تطابقها في جميع الأحوال. (٤)
стр. 244
(٥) المغالطة الوجدانية خطأ مقولي
المغالطة الوجدانية pathetic fallacy هي إضفاء الخصائص الإنسانية، المشاعر بخاصة، على الطبيعة والجمادات، من مثل قولنا: الأغصان الراقصة، الأمواج القاسية، الهواء الساخن «يريد» أن يصعد لأعلى … إلخ، ويلحق بذلك كل ما هو «أنسنة» (أنثروبومورفيزم) أي إضفاء الصبغة الإنسانية على ما ليس بشريًّا، إن في ذلك خلطًا للمقولات، وفيه مصادرة لا دليل عليها: هي أن الطبيعة (أو الكائنات الأخرى) تحاكي في مسلكها سلوكَ الإنسان! انظر تفاصيل ذلك في موضعها.
أمثلة أخرى
• هأنذا قد اطَّلعت على غرفة الجلوس وغرفة النوم والبهو والشرفة والحمام والمطبخ، حسنٌ فأين البيت؟
• أين ال ١٥،٥ طفل الذين هم «معدل المواليد» في هذا المستشفَى؟
• عدد سكان الصين برتقالي (الحقائق المتعلقة بعدد السكان تنتمي إلى مقولة مختلفة عن الحقائق المتعلقة بالألوان).
• هذا دافع ضرائب، وهذا دافع ضرائب، وهذا وهذا … حسن فأين «الدافع المتوسط» average taxpayer؟
• مَنْ سيحلب هذا الثور؟
• «قيصر عددٌ أصم» (المثال الذي قدَّمه كارنَب).
• ما هي رائحة اللون البنفسجي؟
• إن ألمي أخضر.
• أين زوجة هذا الأعزب؟
• أيهما أكبر: المتر أم اللتر؟
стр. 245
الفصل الرابع والثلاثون
الأنثروبومورفيزم
Anthropomorphism
تتألف كلمة أنثروبومورفيزم من كلمتين يونانيتين: Anthropos وتعني «إنسان»، و morphe وتعني «شكل»، الأنثروبومورفية إذن هي «أنسنة» غير الإنسان، أو أخذ اللاإنساني مأخذ الإنساني، أو إضفاء صبغةٍ بشرية على ما ليس بشرًا، والأنثروبومورفية (الأنسنة) وفقًا لمعجم أكسفورد الفلسفي هي «تمثيل الآلهة، أو الطبيعة، أو الحيوانات غير البشرية، على أن لديها أفكارًا ومقاصد إنسانية، أحيانًا ما يكون ذلك تمثيلًا استعاريًّا معلنًا، فتكون المشكلة إذاك أن نفهم وجه الاستعارة.» (١)
وقريب من ذلك مصطلح «المغالطة الوجدانية» pathetic fallacy، أي إسباغ الخصائص الإنسانية، المشاعر بخاصة (أو الانفعال أو «الوجدان» pathos) على الطبيعة والجمادات، من مثل قولنا: السماء الضاحكة، البحر الغاضب، إعصار لا يرحم، بحيرة هادئة، أشجار حزينة … إلخ.
الأمر كما ترى هو نوع من «التمركز على الإنسان» anthropocentrism يُصادر بأن كل شيء آخر في الوجود لا بُدَّ يشبهنا على نحوٍ ما، أو هو محاولة منا، نحن البشر، لفهم أي شيء لا نملك إليه منفذًا معرفيًّا مباشرًا، فنتخيل أنه يسلك مثلنا تمامًا، وقد
стр. 246
يوغل العقل، البدائي بخاصة، إلى حد أنسنة أرواح الأشياء والظواهر الطبيعية، الرياح والأنهار والرعد … إلخ، والأحداث كالحرب والموت … إلخ، والمفاهيم المجردة كالحب والكره والجمال والخصام … إلخ!
(١) في الميثولوجيا والثيولوجيا
كانت الآلهة في الميثولوجيا الإغريقية أنثروبومورفية قلبًا وقالبًا، سواء في هيئتها أو في علاقاتها العائلية والاجتماعية، ففي قصائد هوميروس نجد الآلهة تسكر وتتزوج وتختصم وتتزين، شأنها شأن البشر تمامًا، ولكي يميز الإغريق بين الآلهة والبشر فقد أضفوا على الآلهة وحدهم صفتي الخلود والشباب الدائم، كان للآلهة طعامٌ خاص يتكون من النكتار nectar والأمبروزه ambrosia (التي تعني حرفيًّا «غير فان») يصير إلى سائلٍ مختلف عن الدم البشري يجري في أجسادهم اسمه أيكور ichor.
وكان بالإمكان في الميثولوجيا الإغريقية أن يتهاجن الآلهة والبشر، وانفرد الآلهة بالقدرة على اتخاذ هيئة غير هيئتهم البشرية بواسطة «التحول» (الميتامورفوسيس) metamorphosis، وظل الخلود والشباب الدائم حكرًا على الآلهة، ومن طرائف الأساطير الإغريقية أن إيوس إلهة الفجر أحبت الفاني تيثونوس ووعدته أن تلبي له أي شيء يطلبه، فطلب الخلود، ونسي أن يذكر معه الشباب الدائم، ومن ثم فقد أخذ يشيخ ويشيخ حتى لم يبق من ذاته الجسدية إلا صوته!
كان الفيلسوف اليوناني زينوفان Xenophanes (ولد على الأرجح عام ٥٦٥ ق. م) أول من استخدم مصطلح الأنثروبومورفية، ليصف كيف كان الناس يتصورون آلهتهم شبيهة بهم في شكلهم ودوافعهم، فكانت الآلهة عند اليونان شقراء الشعر زرقاء الأعين، بينما كانت آلهة الأثيوبيين سمراء الجلد سوداء الأعين، وبعبارة أخرى فقد كانت الأوصاف الأنثروبومورفية تكشف عن واصفيها من البشر أكثر مما تكشف عن المقدس. صوَّب زينوفان سهام نقده إلى الأنثروبومورفية قائلًا: «إن الإله الأعظم لا يُشبه الإنسان لا في صورته ولا في عقله.» وشن هجومًا عنيفًا على الآلهة التقليدية، وكان هدفه الرئيسي استئصال مجموعة آلهة الأوليمب التي اتخذ كلٌّ منها صورة الإنسان. (١)
стр. 247
وكان أفلاطون أيضًا مناوئًا للتمثيل البشري للآلهة، وفي محاورة «الجمهورية» بصفةٍ خاصة يعترض على عملية إسباغ المثالب البشرية على كائنات إلهية. كان أفلاطون، شأنه شأن زينوفان، يرمي إلى تطهير العقيدة بتنقيتها من العناصر التي يعدها بدائية وفجَّة.
جاءت الديانات السماوية مُناوِئةً بشدة للأنثروبومورفية، ومنزهة للرب عن أيِّ شبه بالإنسان، صحيح أننا نصادف في الكتاب المقدس كثيرًا من التعبيرات الأنثروبومورفية مثل «صورة الرب»، «يد الرب»، «ذراعه الممدودة»، «عيني الرب»، «مسند قدميه» … إلا أن التأويل السائد هو أن التوراة تتحدث بلغة الناس، وأن الكتاب المقدس يستخدم مثل هذه الألفاظ لأنها اللغة الوحيدة التي يمكن للبشر أن يفهموها، غير أن عليهم ألا يأخذوها بمعناها الحَرفي، إن هي إلا استعاراتٌ لوصف ما يستحيل وصفه على أي نحو آخر؛ لذا كان أحبار الحقبة التلمودية يلجئون إلى تعبيرات عديدة لتفادي الفهم الحرفي: تعبيرات مثل «إن جاز أن نقول ذلك»، وكان المترجمون يضيفون أحيانًا كلمة أو كلمتين لدرء التشبيه: من ذلك أن الآية ٨: ١٢ من سِفر العدد «سأتحدث إليه فمًا لفم» ترِد في النسخة اليونانية هكذا: «سأتحدث إليه فمًا لفمٍ ظاهريًّا.»
(٢) الأنسنة استراتيجية إدراكية
إن المبدأ عينٌ نرَى بها.
إمرسون
الحقيقة أن إسناد فاعلية بشرية للأشياء والظواهر هو استراتيجية تفسيرية عظيمة الفاعلية رغم فشلها في بعض الأحيان، فنحن بعد كل شيء نعيش في بيئة يشكل البشرُ جانبَها الأهم والأكثر تواترًا وأشد تأثيرًا؛ ومِن ثم فلا مفرَّ لنا من أخذ كل ما هو بشري في الاعتبار الأول، ولا مفر لنا في حالة عدم وضوح الرؤية من الرهان على التفسير الأنثروبومورفي، إن بناءاتنا التصورية والإدراكية لَتميلُ بنا غرزيًّا إلى النزعة الإحيائية animism والنزعة الأنثروبومورفية، كما أن توصيل الحقيقة إلى البشر لا يتسنَّى له أن يتم إلا عبر وسيط من الأفكار البشرية، ولا يمكن التعبير عنه إلا بلغة ملائمة لفهم البشر.
стр. 248
إن مقولات الفهم ومخططات الإدراك المبيَّتة في أدمغتنا قد شيدتها تجارب بشرية ولغات بشرية ومواضعات بشرية، ولا مندوحة لنا عن استخدام هذه المقولات categories وتلك المخططات schemata إنْ كان لنا أن نحظَى بأيِّ إدراك أو فهم على الإطلاق.
إن العالمَ يتراءى أمام أعيننا في تدفق كاليدوسكوبي مضطرب، ونحن نحدس أو نخمن بما نراه وفقًا للنموذج القائم في أدمغتنا عن العالم، والذي شيدته أدمغتُنا خلال تخمينات سابقة وما آلت إليه تلك التخمينات، في سلسلةٍ لا نهاية لها من المحاولة والخطأ، وبعبارة أخرى فإن ما نراه يتوقف على النموذج الذي نستخدمه، وإن النموذج الذي نستخدمه إنما شيدته تجاربُنا السابقة في الرؤية. يلخص توماس كون هذه الفكرة بقوله في كتابه «بنية الثورات العلمية»: «شيء يشبه البارادايم paradigm (النموذج الشارح) هو متطلب أساسي حتى في الإدراك نفسه، إن ما يراه المرء يعتمد على ما ينظر إليه لتوه، بالإضافة إلى خبرته البصرية السابقة وما علَّمَتْه أن يرى.» ويقول فييرابند: «حين نُعطَى مثيراتٍ ملائمة ولكن مع أنساق مختلفة من التصنيف (تهيؤ ذهني مختلف) فإن جهازنا الإدراكي ينتج موضوعات إدراكية لا تمكن المقارنة بينها بسهولة.» ويقول الأنثروبولوجي جون بيتي: «إنما يرى الناس ما يتوقعون أن يروه، ذلك أن تصنيفات إدراكهم تحددها إلى حد كبير، إن لم يكن كليًّا، خلفيتهم الاجتماعية والثقافية.» ويلخص فيلسوف العلم نوروود رسل هانسون N.R.Hanson كل ذلك في تعبير واحد أصبح مصطلحًا مأثورًا ومفهومًا محوريًّا في فلسفة العلم، هو أن الإدراك «مُحمَّل بالنظرية» theory-laden، ذلك أن خلفيتنا النظرية، تصوراتنا واعتقاداتنا وتوقعاتنا، تؤثر فيما نراه، أو على الأقل في كيفية رؤيتنا له. (١)
ويذهب الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر إلى أن من المحال أن يتم فهمٌ على الإطلاق بغير فروض مسبقة أو «تحيزٍ» prejudice ما! فمحاولة الوصول إلى تأويل مُبرَّأ من أي تحيز أو فهم مسبق هي محاولة عابثة؛ لأنها تمضي في الحقيقة ضد الطريقة التي يتم بها الفهم. إن ما يظهر من الشيء أو «الموضوع» object هو ما يسمح له المرءُ أن يظهر، وذاك أمرٌ يتوقف على فروضه المسبقة ومنظومته اللغوية، ومن السذاجة أن نفترض
стр. 249
أن ما هو «هناك حقًّا» هو أمر «واضح بذاته»، بل إن تعريف ما نفترض وضوحه الذاتي هو نفسه شيء يقوم على حشدٍ غير مرئي من الفروض المسبقة، تلك الفروض الحاضرة العتيدة في كل بناء تأويلي يُشيده المُؤوِّل الذي يظن نفسَه «موضوعيًّا» وبريئًا من الفروض المسبقة. لقد أماط هيدجر اللثام عن هذا الحشد من الفروض المسبقة القائمة والمندسة في كل تأويل ممكن، وذلك في تحليله لعملية الفهم. (١)(٣) ستيوارت جوثري: «وجوهٌ في الغمام»
في كتابه Faces in the Clouds (وجوه في السحاب أو الغمام) يذهب جوثري S.Guthrie إلى أن ميلنا إلى أن نعثر على خصائص إنسانية في العالم غير الإنساني ينجم عن استراتيجية إدراكية غائرة: فبإزاء اللايقين الشامل بما نراه فنحن «نراهن» على التأويل الأوثق دلالةً بالنسبة لنا: فإذا كنا في الغاب مثلًا ولمحنا شبحًا داكنًا من بعيد قد يكون صخرةً وقد يكون دبًّا، فمن الحصافة أن نظنه دبًّا: فإذا كنا على خطأ لم نخسر شيئًا، وإذا كان على حق فقد ربحنا الكثير!
هكذا كلَّما تفرَّسنا العالم فنحن نفتش فيه عما يَعنينا أكثر من غيره نفتش عن الأشياء الحية، وبخاصة الأشياء البشرية، وحتى الحيوانات تفتش عن الخصائص والأمارات البشرية، مثلما يتبدَّى عندما تتجنب الطيور الفَزَّاعات (خيال المآتة)! وباختصار فنحن نتبع مبدأ السلامة، ذلك المبدأ الذي أعان الجنس البشري على البقاء حين كان الرهانُ الإدراكي باهظًا.
هكذا يتحلَّى الإدراك الأنثروبومورفي بقيمة بقاءٍ جعلت الضغوط التطورية تنتخب أولئك الذين اتَّبعوا مبدأَ السلامة ورهنوا على الرؤية الأنثروبومورفية، وهكذا أورَثَنا أسلافنا هذه النزعة الطبيعية: أن نخطئ، إن أخطأنا، في جانب السلامة، وهكذا صار مُبيَّتًا في الدماغ البشري أن يتوسم وجود بشر آخرين، أو آثار بشر، في الظواهر الطبيعية. (٢)
стр. 250
في كتابه «علم البيولوجيا» يقول و. ت. كيتون: «إن كل ألفاظنا تقريبًا تشتمل على نوعٍ من الدلالة البشرية، ومن تضمين الدافعية البشرية والغرض البشري، غير أن هذه الدافعية والغرض قد لا تكون لها صلة بسلوك الحيوانات الأخرى، وعلينا دائمًا الاحتراز من إضفاء خصائص بشرية لا مسوِّغ لها على الأجناس الأخرى، فالتفكير الأنثروبومورفي والغائي لا مكان له في الدراسة العلمية لسلوك الحيوان … واللغة الإنجليزية، شأنها شأن جميع اللغات الإنسانية، إذ تَنَشَّأت حول الأنشطة البشرية والتفسيرات البشرية، لم يكن لها بُدٌّ من أن تعكس هذه الأنشطة والتفسيرات … ومِن ثَمَّ ينبغي أن يتفطَّن المرء إلى المزالِق التي ينطوي عليها أي تطبيق للغة ذات التوجه البشري على أنشطة الحيوانات الأخرى.» (١)
وقد جرى العرفُ في المجتمع العلمي على الانتقاص من اللغة الأنثروبومورفية التي تُومِئ إلى أن الحيوانات لديها مقاصد وعواطف، واعتبارها دليلًا على افتقاد الموضوعية، وقد دأب علماء البيولوجيا على تجنب الفرضية القائلة بأن الحيوانات تشارك البشر نفس القدرات العقلية والاجتماعية والانفعالية، مُعَوِّلين بدلًا من ذلك على الأدلة القابلة للملاحظة بشكلٍ صارم، فالحيوانات كما يقول بافلوف «ينبغي أن تُدرَس دون حاجة إلى اللجوء إلى تأملات خيالية عن احتمال وجود أيِّ حالات ذاتية.» والمنهج العلمي يتضمن ملاحظات وتعريفات وقياسات لموضوع البحث، أما «المُواجَدة» empathy فلا تُعد أداةً نافعة عند جمهور العلماء.
غير أن دراسة القردة العليا في بيئتها الخاصة قد غيرت المواقف تجاه الأنثروبومورفية، فقد غدا من المقبول على نطاق واسع أن المواجدة قد تلعب دورًا مهمًّا في البحث، يقول فرانس دي وال «لقد طالما اعتُبر خطيئةً علمية أن نسبغ عواطف إنسانية على الحيوانات، غير أننا إذ نفعل ذلك نغامر بفقدان شيء أساسي عن الحيوانات وعن البشر معًا.» (٢) وقد واكب ذلك بزوغُ وعي متزايد بالقدرات اللغوية للقردة العليا، وتُبين أنها صانعة للأدوات وأن لديها فرديةً وحضارة.