← Мантык

Мантык · id 1112

المغالطات المنطقية

عادل مصطفى

Полный текст (259 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الفصل الثامن مناشدة الشفقة (استدرار العطف) Ad misericordiam; appeal to pity إذا قِيل حلمًا قال للحِلم مَوضِعٌ … وحِلْمُ الفَتى في غير مَوضعه جَهْلُ المتنبي في الثمانينيات من القرن التاسع عشر أثبتَ الادعاء، في محكمة فرجينيا بالدليل الدامغ ضلوعَ صبي بقتل والديه بفأس، فما كان من الدفاع سوى أن دَفَعَ ببراءة الصبي قائلًا: «أليس يكفي أنه أصبح يتيمًا لا أحد يتولَّى أمره؟!» ووَضْع النَّدى في مَوضِعِ السيف بالعُلا … مُضرٌ كوَضع السيف في موضِعِ النَّدى المتنبي ***

стр. 72

العطف شعورٌ نبيل يتحلى به كل ذي أصلٍ كريمٍ، والشفقة عاطفة نبيلة يتسم بها كل ذي معدنٍ طيب، لا بأس قَطُّ باستدرار العطف والشفقة إذا استدعى السياق وخلصَت النية، إنما يكمن الخطأ في أن تسنِد إلى العطف وظيفةَ البَيِّنة، وأن تأخذ الشفقة مأخذ الحُجة. أمثلة (١) « … فَلتَأخُذكم الشفقة بهذه المتهمة يا حضرات القضاة، فإنها إذا أودِعتِ السجن فسوف تتحطم حياتها وحياة من تقوم برعايتهم. أليس الأَوْلَى أن ننقذ حياةً لا أن نحطم حياة؟» (ليست الشفقة هنا في غير موضعها فحسب (لم يذكر الدفاع حال المجني عليه الآن وحال عياله!) بل إنها خارجة عن الموضوع وغير ذات صلة بعملية الدفع.) (٢) « … لا بُدَّ أن الحل الذي توصلتُ إليه لهذه المسألة الرياضية هو حل صحيح: لقد توصلت إليه بعد عناء خمس ساعات من اعتصار الفكر والتركيز المتصل.» (إن الفكرة الخطأ هي فكرة خطأ سواء كانت نتاجًا لخمس دقائق من التفكير أو لخمسة عقود! وإن الزمن الذي أُنفِق أو الجهد الذي بُذِل في فكرةٍ ما لا يُنبِئنا بشيء عن صوابها أو خطئها، إنه، ببساطة، خارج عن الموضوع.) (٣) « … ينبغي تيسير الامتحانات على جميع الطلبة؛ لأنكم تعرفون مدى البؤس الذين يَرِين على الطالب المتوسط أو الضعيف حين يحصل على درجات متدنية أو حين يرسب.» (للحلم «موضعٌ» حقًّا، هو بالنسبة لهذا المثال في وزارة الشئون الاجتماعية لا في وزارة التربية والتعليم أو وزارة التعليم العالي، وما أفسد التعليمَ مثل هذا «التيسير» الذي يتملق الحشود ويذبح النوابغ ويطمس بَريقَهم ويُسوِّيهم بالأواسط الأنصاف mediocres، وينتخب ثُفالةً من الحَفَظة وعادمي المَلَكة يليق بهم القَعْر، ويضعهم على قمة الهرم الاجتماعي والعلمي، ثم يطلب منهم أن يجروا المجتمع إلى الأمام! وما هكذا تتقدم المجتمعات وتُقلع الأمم.) (١) (٤) « … كيف ترفض رسالتي للدكتوراه؟ لقد عكفتُ على كتابتها سبعَ سنواتٍ متصلة!» (٥) «كيف تقول إن الكرة خارج الخط؟ إنها داخله، ثم إني مهزومٌ عشرة إلى واحد!»

стр. 73

(٦) «نحن نأمل أيها الزملاء أن تقبلوا خطتَنا التي تقدمنا بها، لقد بذلنا في إعدادها ثلاثة أشهر من العمل الإضافي المضني.» (٧) «ينبغي أن تمنحني درجة A في هذا الفصل: إن جدتي مريضةٌ ولو سمعت بأني رسبتُ ربما تموت بنوبةٍ قلبية.» قد تكون مخاطبة الوجدان أو مناشدة العطف، أو غيره من الانفعالات، مشروعةً منطقيًّا، وذلك حين يكون هذا الانفعال هو نفسه موضوع الحُجة، أو يكون سببًا ذا صلة بقبول النتيجة: فقد أختار أن أشتري نفس الجريدة بنفس السعر من بائعٍ ضرير؛ لكي أهوِّن عليه عملَه الشريف، وقد يُقدِّر الأستاذ ظروف طالبٍ صَدَمَته شاحنةٌ في طريقه إلى الامتحان فيحتفظ له بامتحان إكمال، وفي رواية كنديد يستعرض فولتير أمثلةً للبؤس المستشري في العالم لكي يُفنِّد مذهب لَيْبِنِتْز القائل بأن هذا هو أفضل العوالم الممكنة جميعًا. ••• ومهما يكن مِنْ شيءٍ فإن انفعال العطف ليس من جنس الحُجة: للعطف أن يدفعنا إلى استباق الخيرات واجتراح المكارم، ولكن هيهات له أن ينهض دليلًا على رأي أو أساسًا لاعتقاد.

стр. 74

الفصل التاسع الاحتكام إلى عامة الناس ad populum; appeal to people; appeal to gallery; appeal to the mob إن موافقةَ الكثرة ليست دليلًا على الحقائق العسيرة الكشف، وإنه لَأقربُ إلى الاحتمال أن يجدها رجلٌ واحدٌ من أن تجدها أمةٌ بأسرها. ديكارت إنَّ واقعة أن رأيًا ما قد انتشر على نطاقٍ واسعٍ ليست دليلًا البتة على أن هذا الرأي ليس باطلًا كل البطلان، والحق أنه بالنظر إلى سخف أغلبية بني الإنسان، فإنه لَأقربُ إلى الاحتمال أن يكون الاعتقاد الواسع الانتشار اعتقادًا سخيفًا من أن يكون اعتقادًا معقولًا! برتراند رسل ما يزال بالإنسان شيءٌ من أسلافه القردة، ليس هذا فحسب، بل إن به خَصلةً متبقية من أسلافه الخِراف! كلايف بل

стр. 75

لا رأيَ للناس في نفعٍ ولا ضررٍ … وما لهم قطُّ من حُكمٍ وتقدير العقاد *** تتضمن هذه المغالطة الاحتكامَ إلى الناس بدلًا من الاحتكام إلى العقل (أو على حساب العقل)، ومحاولة انتزاع التصديق على فكرة معينة بإثارة مشاعر الحشود وعواطفهم بدلًا من تقديم حجة منطقية صائبة، تكاد هذه الطريقة أن تكون أداةً من أدوات عمل رجال الدعاية والإعلان، والديماجوجيين من الساسة ورجال الأحزاب والدعاية الانتخابية، فإذا كان «الجميع يعتقد ذلك» أو «الكل يفعل ذلك» أو «استطلاعات الرأي تُشير إلى ذلك» فلا بُدَّ من أن يكون «ذلك» صحيحًا! غير أن التاريخ يُعلِّمنا أن أفكار الكثرة واعتقاداتهم كثيرًا ما تَبَيَّن خطؤها الذريع وبطلانها التام، وقد تكرر ذلك وتواتر بما يكفي لدعم قاعدةٍ تفيد أن قبول الحشود من البشر لقضيةٍ معينةٍ على أنها حق لا يقدم ضمانًا عقليًّا بأنها كذلك، وقد كان يَسَع المرءَ أن يمضي إلى نهاية الشوط فيقول: إنَّ التاريخ ربما يعلمنا، على العكس، أن اعتقاد الجموع بشيءٍ ما يُرَجِّح بطلان هذا الشيء، لولا أن هذه الطريقة ما هي إلا الوجهُ الآخر لذات المغالطة. ذلك أن «الاعتقاد» غير «البيِّنة»، وأن اتساع نطاق الاعتقاد بقضيةٍ ما هو أمرٌ غيرُ ذي صلة بصدق القضية ذاتها أو كذبها، إنما يتحدد ذلك بالوسائل العقلانية الخاصة التي تستخدم الأدلة والمعلومات الصحيحة التي يمكن أن تُستمد منها النتائج بطريقة منطقية. يعود رواج هذه المغالطة وانتشارها إلى ميل الكائنات البشرية إلى أن تسلك مَسلَكَ الخِراف، فتنضوي معًا حول المريح والمألوف والسائد، ويروقها الانقيادُ والائتلاف ومجاراة القطيع في وجهته. في عمق الروح الإنسانية التي أُلقِي بها في حومَة الوجود على غير اختيارٍ منها تقبع حاجةٌ إلى الاتصال بآخرين من صِنوِها، حاجةٌ تبلغ من الإلحاح والشدة مَبلَغًا يضطر الناس إلى أن تُسْلِم ضميرها وبصيرتها لطغيان ثقافتها الجاهزة وتقاليدها الموروثة، حتى لو كانت تلك ثقافةً جاهلةً وتقاليدَ حمقاء، وقليلٌ هم الأفرادُ الذين يمكنُهم أن

стр. 76

يأتمروا بأوامر عقولهم الخاصة ويهتدوا بهدي بصائرهم الشخصية حتى عندما تكون تلك مُغايِرةً للشائع ومُخالِفة للمألوف. في مسرحية شكسبير «يوليوس قيصر» يَعمِد مارك أنطونيو، في خطبة الجنازة المشهورة، إلى استثارة انفعالات الجمهور، ولا يفوته أيضًا أن يُهيب بمصالحهم الشخصية، لقد كانت القضيةُ التي استُدعِيَ الملأ لمواجهتها هي: (١) هل كان قيصر مذنبًا بالتآمر للإطاحة بالجمهورية وتنصيب نفسه ملكًا؟ (٢) هل ينبغي اتخاذ أي إجراء ضد قاتليه؟ لا تَعرِض خطبة أنطونيو لهذه القضية، وبدلًا من ذلك يعمِد أنطونيو إلى تذكير الرومانيين بأنهم كانوا يحبون قيصر ذات يوم: كلكم أحببتموه ذات مرة، لا لغير سبب، … فأي شيء يمنعكم إذن أن تندبوه؟ ويؤكد لهم أنه، أنطونيو، ليس داهيةً وليس مفوَّهًا (وأنه من ثم جديرٌ بالتصديق). فما أنا بالخطيب مثل بروتس، … لكني كما تعرفونني جميعًا رجلٌ غرٌّ صريح، … أحب صديقي، وهم إذ يعرفون ذلك حق المعرفة، … أذنوا لي على الملأ بالتحدث عنه. غير أنه يبرع في إثارة عواطفهم ضد بروتس وشركائه ببلاغة اللغة وبلاغة الدم: لاحظوا كيف تبعها دم قيصر، … كأنما اندفع يطل من الباب ليتأكد، … أهو بروتس الذي طرق هذه الطرقةَ المنكرة، أم سواه؟ … فلقد كان بروتس كما تعلمون ملاكَ قيصر .... اشهدوا أيها الآلهة بأي إعزازٍ أحبَّه قيصر! … هذه كانت أقسى الطعنات جميعًا … فإن قيصر النبيل لما رآه يطعن … كان الجحود، وهو أفتك من أسلحة الخونة، … هو الذي أجهز عليه! فعندما انصدع فؤاده الكبير ...... سقط قيصر العظيم …

стр. 77

وأية سقطة كانت يا بني وطني؟ … حينئذ سقَطتُ أنا، وسقطتم أنتم، وسقطنا جميعًا … بينما تشامخت الخيانة السفاكة علينا ...... ذلك أني لا أملك من البديهة، ولا من الألفاظ، ولا من القيمة أو العمل، … ولا من الذلاقة، ولا من قوة الخطاب، ما أهيج به دماء الناس، … وإنما أنا أتكلم على رِسلي، فأخبركم بما تعرفونه أنفسكم، … وأريكم جراحَ قيصر الحنون، تلك الأفواه الخرساء المسكينة، … وأسألها أن تتكلم نيابةً عني، غير أني لو كنت بروتس وكان بروتس أنطونيو، … لكان ثمة أنطونيو يضرم في نفوسكم نارًا، ويصنع لسانًا … في كل جرح من جراح قيصر، خليقًا بأن يحرك … حجارةَ روما لكي تهب وتثور. ويختتم أنطونيو خطبتَه بتذكير الجمهور بمصالحهم الشخصية، فيتم له استهواءُ العامة واختلابهم وتحريكهم حيث شاء: ها هي ذي وصية قيصر … إنه يَهَبُ كلَّ مواطن روماني، … كل رجل بمفرده، خمسة وسبعين دراخما ...... عدا هذا، ترك لكم كلَّ جنائنه، … وعرائشه الخاصة، وبساتينه الحديثة الغرس، … على هذا الجانب من «التيبر»، ترك ذلك لكم، … ولذراريكم إلى الأبد، رياضًا مشاعة .... تتنزهون فيه وتروِّحون عن أنفسكم … ذلك كان قيصر، فمتى يجود الزمان بمثله؟ ومتى هاجت عواطف الدهماء وسال لعابها فقد انفلتت الفتنة من عقالها، وتنحَّى العقل أو ديس تحت سنابك المغالطات: أيتها الفتنةُ، إنك لَعَلَى ساق … فاسلكي أي سبيلٍ تشائين ......

стр. 78

إن القدَرَ منشرحُ الصدر، … وهو في هذه الحال لا يضِنُّ علينا بشيء. هناك ثلاثة أشكال أساسية لمغالطة «الاحتكام إلى الناس»: (١) عربة الفرقة (الموسيقية) bandwagon هذا الطريق المعبَّد ينحدر ليصل إلى تلك الأنوار المتلألئة في الجهة المقابلة، … العجول محمولة بالشاحنات ثلاثةً ثلاثة، … رءوسها تَنُوس بثقلٍ وراحة بال، … العجول محمولة بالشاحنات، … لا أحد يمكن أن يفهمها: … إنها ذاهبة إلى المذبح! … رءوسها تنوس بثقل وراحة بال. «إلى المذبح»، ناظم حكمت ألا تَعتبر نفسَك مفنَّدًا منذ البداية يا سقراط حين تَطرح آراءً لا يمكن أن يقبلها أحد؟ عجبًا … اسأل أيَّ شخصٍ من الحضور! أفلاطون، محاورة جورجياس في أيِّ مجتمعٍ كبير، مِنْ الآمَن لك أن تكون مخطئًا مع الأغلبية من أن تكون صائبًا وحدك. جون كينيث جلبرايت الغوغاءُ أقربُ إلى أن يقعوا ضحيةَ كذبةٍ كبيرة منهم إلى كذبةٍ صغيرة. أدولف هتلر، كفاحي

стр. 79

تتجه مغالطة «عربة الفرقة» bandwagon إلى ميلنا الغرزي لأن ننضوي مع الحشد، ومفادها أنه ما دام عامة الناس تعتقد شيئًا ما أو تختار مسلكًا معينًا من الفعل، فلا بُدَّ أن يكون هذا الاعتقاد صحيحًا وأن يكون هذا المسلك أحق أن يُتَّبع. وتأتي التسمية من «عربة الفرقة الموسيقية»: فقد كان المرشَّحون فيما مضى يستقلون، في حملاتهم الانتخابية، عربة كبيرة تتسع لفرقة موسيقية، ويجوبون المدينة، وكان الناس يُعبِّرون عن تأييدهم للمرشَّح باعتلاء العربة أو الصعود إلى ظهرها، ومنها تأتي عبارة «هلم إلى عربة الموسيقى»، «اقفز إلى العربة»، أي شارك الحشد وانضم إلى «الزفة»، التي صارت تعني الانضواء في أمرٍ ما بحكم شعبيته، ويمكن تجريد صورتها كالتالي: الفكرة «ق» رائجة؛ إذن الفكرة «ق» صحيحة. وفي مجال علم النفس يتحدث السيكولوجيون عن «أثر عربة الفرقة» (ظاهرة عربة الفرقة) bandwagon effect، وهي ظاهرة اجتماعية يشعر فيها الأشخاص بضغط الانصياع لموقف معين، أو رأي، عندما يدركونه على أنه موقف، أو رأي، الأغلبية في جماعتهم أو مجتمعهم. وفي مجال الدعاية هناك ما يُعرف ب «تكنيك عربة الفرقة» bandwagon technique، ويتضمن الادعاء بأن أغلبية من الناس يتخذون موقفًا أو اعتقادًا ما؛ وذلك لكي يتسنَّى إقناعُ آخرين بتبنِّي ذلك الموقف أو الاعتقاد. أمثلة (١) الناس كلها، أو معظمها، تفضل الماركة «س». إذن عليَّ أيضًا أن أشتري الماركة «س». (٢) «ثمانية مليون فرنسي لا يمكن أن يكونوا على خطأ.» (٣) في يوم من الأيام كان أغلب البشر في بقاعٍ كثيرة من الأرض يعتقدون برسوخ أن الأرض مسطحة، أو أن الأرض هي مركز الكون، أو أن الشمس تدور حول الأرض، وقد تبين أن كل ذلك باطل.

стр. 80

(٤) في يومٍ من الأيام كان أغلب البشر (بما فيهم أرسطو وغيره من خيرة العقول) يعتقدون أن القلب هو عضو الشعور والتفكير، وهو اعتقاد غير صحيح. (٥) كان أغلب البشر فيما مضى يعتقدون أن الصرع هو روح شريرة تتلبَّس المريض، وقد تبين بالدليل العلمي الدقيق أن الصرع هو اضطراب في النشاط الكهربي لخلايا المخ. (٦) كان البشر يومًا يعتقدون أن الإنسان لا يمكنه مواصلةُ الحياة وهو على سرعةٍ أكبرَ من خمسة وعشرين ميلًا في الساعة! (٧) استطلاعات الرأي تُشير إلى فوزٍ ساحق للحزب الوطني، ومِن ثَمَّ ينبغي أن تصوِّت للحزب الوطني. (٨) كان أينشتين مناصرًا لمذهب اللاعنف، فأراد جماعة من العلماء أن يُفندوا رأيه في ذلك ويضادوا تأثيره ويسجلوا مناوأتهم لمذهب اللاعنف، فنشروا مجموعة مقالات في كتاب أسموه «مائة عالِم ضد أينشتين»، حين سمع أينشتين بهذا العنوان قال: «لو كنتُ على خطأ فقد كان يكفي عالمٌ واحد!» (٩) في القرن التاسع عشر كانت أغلبية الناس في بعض الولايات الأمريكية تعتبر العبودية أمرًا مقبولًا، إلا أن هذا الرأي لا يجعلها كذلك. (٢) التَّنفُّج (التَّأسِّي بالنخبة) snob appeal في هذه المغالطة يتم الاقتداء بالصفوة المختارة بدلًا من عامة الناس، وصورتها: جميع، أو أغلب، الممتازين من الناس يعتقدون، أو يفعلون «ق» إذن «ق» صحيحة. أمثلة (١) سَراةُ الناس يفضلون الماركة «س»؛ إذن عليَّ أنا أيضًا أن أستعمل «س». (٢) صفوة المثقفين يعنقون الماركسية هذه الأيام؛ إذن الماركسية هي الفلسفة الصحيحة وعليَّ أن أعتنقَها.

стр. 81

(٣) التلويح بالعلم؛ التذرُّع بالوطنية flag waving appeal to patriotism الوطنية هي آخر ملاجئ الأوغاد. صموئيل جونسون في هذه المغالطة يلجأ المتحدث إلى المشاعر القومية أو الوطنية ليدعم بها حجته أو موقفه، أو ليقوِّض موقفًا آخر باعتباره منافيًا للوطنية أو القومية، ويندرج في هذه المغالطة التلويح بأيِّ رمز أو التلفع بأيِّ راية: سياسية أو مذهبية أو دينية، حين يكون ذلك افتعالًا وتكلُّفًا غيرَ ذي صلة بالحجة المَعنية؛ تصديقًا لقول موليير «ما أبعد البَونَ بين الوجه والقناع.» (٣ - ١) الاحتكام الصائب إلى الأغلبية ليست الحقيقة ديمقراطيةً بالضرورة، فقد يصيبُ شخصٌ واحد في التفكير مثلما يُصيب مائة شخص، وقد يُخطئ مائةٌ مثلما يُخطئ واحد، وما ينبغي لموقفٍ ما أن يكون حقًّا لمجرد أنه موقف أغلب الناس، ولا لموقف أن يكون باطلًا لمجرد أنه موقف القِلَّة، تلك حقيقة ما يزال يُلِحُّ عليها درس المنطق ودرس التاريخ، إنما تستند الحُجَّة على دعائمها المنطقية الخاصة وليس على عدد مؤيديها، وكم اعتقد الناسُ اعتقاداتٍ بلغت مرتبةَ اليقين وجرت مجرى البديهيات، ثم تبين بعد ذلك أن تلك الاعتقادات الكبرى كانت أخطاءً كبرى! غير أن علينا أن نتجنب الغلو في الاستهانة برأي الأغلبية، وبخاصة إذا كان العدد هنا يحمل مغزى المراجعة ويضطلع بوظيفة التدقيق والتنقيح والتحقيق: وإلا فما معنى مراجعة الحسابات (وهو عمل محاسبين متعاقبين)، ومراجعة النظراء peer review في مجال البحث العلمي، وشرط تعدد الشهود في الجرائم، واتفاق القضاة والمحلَّفين في الأحكام، وتكرار التجارب replication في العلم؟! العقلانية إذن تعني التذرع بالمبررات العقلية التي تَثْبُت للنقد العام، أي التمحيص، قد يكون الفرد شاذًّا في مبررات اعتقاده، ولا يصبح عقلانيًّا بحق إلا حين يُدرك أن عليه ألا يكتفي بإقناع نفسه بل أن يُقْنِع كلَّ

стр. 82

من يتفحص أدلته وبراهينه، الحقيقة ليست ديمقراطية … نعم ولكن التبرير العقلي يجب أن يكون منفتحًا على النقد العام وأن يتم في وضح النهار. ثمة أيضًا حالات يكون فيها التذرع بالجموع مبررًا وغير خارج عن الموضوع، وذلك عندما يكون اعتقادُ الأغلبية، أو اعتقاد النخبة المنتقاة، هو المحدِّد للحقيقة في المسألة المعْنِيَّة: تعريفات الألفاظ مثلًا هي مسألة اصطلاحية تتوقف على ما اتفق عليه عموم الأشخاص في جماعة لغوية معينة. الاستخدام القياسي للرموز في جماعة بعينها هو أمرٌ يتوقف على اتفاق الناس ككتلة وحشد. صيحات الأزياء وغيرها من الموضات في شتى المجالات هي، بحكم التعريف، ميل الأغلبية من الناس، أو ميل سراة الناس وصفوتهم، في مجال معين في زمن معين. التوجه السياسي في البلاد الديمقراطية يحدده الشعب بوصفه شعبًا، ومِن ثَمَّ فلا مفرَّ في هذا المجال من الاحتكام إلى الاقتراع العام والاحتكام إلى اختيار الأغلبية، «تستند هذه الأشكال السياسية الديمقراطية إلى فكرة أنه ليس هناك فردٌ بلغ من الحكمة أن يعرف للآخرين مصالحهم ووسائل سعادتهم وخيرهم أكثر منهم وأن يفرضها عليهم بغير رضاهم، كل فرد يتأثر في فعله ومتعته بحالته المترتبة على النظام السياسي الذي يعيش في ظله، ومِن ثَمَّ فإن له حقًّا في تحديد هذا النظام.» (١)

стр. 83

الفصل العاشر الاحتكام إلى القوة (منطق العصا، اللجوء إلى التهديد) ad baculum; appeal to force جلوا صارمًا وتلوا باطلًا … وقالوا: صدقنا؟ فقلنا: نعم المعري ليست هذه هي الطريقة التي ينبغي على الكائن العاقل أن يعتنق بها الحقيقة، ليس هذا عرفانًا بالحقيقة، وما الحقيقةُ التي يُعتقَد بها على هذا النحو سوى خرافةٍ كبيرةٍ التصقَتْ بالمصادفة بالألفاظ التي تُشير إلى حقيقة. جون ستيوارت مِل، عن الحرية إلى أوكسفورد أرسل الملك فرقةً من الفرسان؛ … لأن التوريين لا يعرفون الحجةَ بل القوة، … وإلى كمبردج أرسل نفس القدر كتبًا؛ … لأن الهوجيين لا يُسَلِّمون بالقوة بل بالحجة. وليم براون

стр. 84

حين يقول ستالين: «ارقُص» فإن الرجلَ الحكيمَ يرقص. خروتشوف *** ليست الحرية شيئًا «يُضاف» إلى الفكر، فيكون لدينا فكرٌ حرٌّ بعد أن كان لدينا فكرٌ غير حر، فالفكر الحقيقي لا يكون إلا حرًّا، الفكر حرٌّ بحُكم ماهيته وحكم تعريفه، الحرية ليست «محمولًا» predicate للفكر بل «كيفية وجود» أو «أسلوب كينونة»، الحرية ليست شيئًا «يَعرِض» للفكر بل هي شيءٌ «يَكُونه»! بدون حرية أنت لا تفكر … بل تُردِّد وتُكرِّر … وتصفر كجنادب الليل … وتبيع إحدى جوارحك كالبغيِّ لتشتري السلامةَ، والفكر غير الحر ليس فكرًا، وإنما هو ک «النقطة الممتدة» و «المربع المستدير» … تناقضٌ ذاتي. (١) تعني كلمة baculum باللاتينية: العصا، ومن ثم تعني هذه المغالطة اللجوء إلى التهديد والوعيد من أجل إثبات دعوى لا تتصل منطقيًّا بانفعال الخشية والرعب الذي تهيب به، تقبع في صميم هذه المغالطة فكرة «القوة تصنع الحق» might makes right، وهي مغالطة لأن التهديد يعمل على مستوى دافعي مغاير لمستوى القناعة الفكرية، بوسعك أن تفرض السلوك القويم بالقوة، ولكن ليس بوسع أحد قط أن يفرض الرأي العقلي بالقوة، وإن ألف سيفٍ مُصْلَتٍ على رقبتك لن تنهض لك دليلًا على أن اثنين واثنين تساوي خمسة مثلًا! قد تشتري رقبتَكَ بالطبع وتُسَلِّم للمأفونين بأنها لكذلك، ولكن الانصياع لا يعني الاقتناع.

стр. 85

هكذا فَعَل جاليليو حين أذعن للتفتيش وآثَرَ السلامة، وبقيت الأرض تدور في مِلَّته واعتقاده حيث لا تفتيش ثم ولا محاكم، وهذا ما لم يفعله جيوردانو برونو G.Bruno (١٥٤٨ - ١٦٠٠) من قبله، فقد ذهب برونو إلى أن هناك أنظمةً شمسية عديدة تسبح في فضاء لا نهائي، وهَدَّدته الكنيسةُ بالموت ما لم يغير آراءه، إلا أنه لم يرضخ لمنطق العصا، وآثر الموت حرقًا على الخازوق عام ١٦٠٠. أمثلة (١) ينبغي أن توافق على السياسة الجديدة للشركة، هذا إذا كنت تريد أن تحتفظ بوظيفتك. (٢) هناك براهين وفيرةٌ على صدق الكتاب المقدس، وكل من يرفض التسليم بهذا الصدق سيكون مصيره العذاب. (٣) أتعرف يا دكتور أدهم أني بحاجة إلى تقدير «ممتاز» في هذه المادة؟ يسرني أن أمُرَّ عليك فيما بعد لنتحدث في ذلك، إنني سأكون بجوار مكتبك على أيِّ حال أزور والدي، إنه عميدُ كليتك بالمناسبة، مع السلامة، أراك بخير. يمكن تجريد مغالطة العصا في الصورة التالية: اقبل الحجةَ «أ» وإلا فإن الحدث «س» سوف يحدث الحدث «س» مؤذٍ أو مدمِّر أو مهدِّد إذن الحجة «أ» حجة سديدة. غنيٌّ عن البيان هنا أن القياس خاطئ بل عابِث، وأن انفعال الخوف أو الرعب الذي يثيره ليس من جنس الحجة ولا من عنصر البرهان، ومِن ثَمَّ فإنه لا يمس القضية التي يريد دَحضَها ولا تتقابل قرونهما في نِطاح، (١) لا معنى على الإطلاق لأن تفرض رأيًا

стр. 86

بالقوة؛ لأن بين القوة والرأي فجوةً لا تُعبر، تُذكِّرنا ب «فجوة هيوم» بين عالم القيمة وعالم الوقائع من حيث تَبايُنُ العالمين واستحالة العبور من أحدهما إلى الآخر. (١) متى تكون العصا صائبةً منطقيًّا؟ قد يكون التهديد، أو التذكير بالخطر، صائبًا منطقيًّا، وذلك حين يكون ذا صلة مباشرة بنتيجة الحجة، أو حين يكون الخطرُ هو نفسه موضوع الحجة: مثال ١: «توقفوا عن التجارب النووية في هذه المنطقة القريبة من القطب؛ لأنها ربما تُعقِبُ زلازلَ وفيضاناتٍ وإشعاعات.» في هذا المثال يناهض أنصارُ البيئة إجراء التجارب النووية، وفيه نجد أن الخطر متصل منطقيًّا بالحجة؛ لأن احتمال حدوث النتائج الخطرة هنا مترتبٌ سببيًّا وليس صادرًا عن قرار أو توجيه. مثال ٢: «ذاكر جيدًا وإلا انخفضت درجاتُك.» ••• من المؤسف حقًّا أن شطرًا كبيرًا من الحوار عندما لم يَعُد محتكمًا إلى العقل بل إلى العصا، إنه أقرب إلى لعبة «التحطيب» منه إلى لعبة الجدل، فنحن لا ننظر إلى الاختلاف في الرأي على أنه ثراءٌ وخصب، بل على أنه انحرافٌ وخيانة، وما نزال نُلوِّح بالعصا كلما أعوَزَتنا الحجة، ومن المؤسف في أمر العصا أن التهديدات، الصريحة أو المستترة، الظاهرة أو المقدَّرة، بوسعها أن تخلق وهمًا بأن امرءًا ما قد تم إقناعُه أو إفحامُه، وبوسعها أن تُخرِس الخصمَ فعلًا وتَثنيه عن المضي في الجدال، وتترك انطباعًا زائفًا بأنه قد خسر المناظرة. العصا أفشلُ أداةٍ للإقناع، وأفشل مفتاحٍ للعقل والقلب. واللجوء إلى العنف لدعم قضيةٍ كاللجوء إلى المِمحاة لإزالة الظل! يوشك العنفُ أن يكون اعترافًا بغياب أي منطق وانعدام أي دليل. بوسع العصا أن تشج الرأس وبوسعها أن تزهق الروح، ولكن هيهات لها أن تُقيم برهانًا أو تثبت حجة، وقلَّما يكون التلويح بالعصا سببًا لاعتقاد أيِّ شيء، فهو في أمثل الأحوال «وازع» أو «دافع» لتغيير السلوك لا لتغيير الرأي، وكثيرًا ما يدفع الناس إلى

стр. 87

التظاهر باعتقاد ما لا يعتقدونه، فالتهديد، كما أسلفنا، ليس من فصيلة الحجة، ومِن ثَمَّ فهو لا يُخلف الاعتقاد بل النفاق، ولا يؤتي من الثمار إلا أنكدَها، هكذا تتجلَّى لنا روعةُ الآية الكريمة التي تحسم أمرَ التهديد حسمًا منطقيًّا سديدًا، ولا توليه إلا استفهامًا «إنكاريًّا» ساخرًا: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: ٩٩).

стр. 88

الفصل الحادي عشر الاحتكام إلى النتائج ad consequentiam appeal to consequences إن كايوس فانٍ حقًّا، وإن حقًّا عليه أن يموت، أما أنا … إيفان إليش، بكل أفكاري وعواطفي، فشيءٌ مختلفٌ تمامًا، إن من المستبعَد أنني ينبغي أن أموت، إن ذلك لَيكون شيئًا مرعبًا غاية الرعب. تولستوي، موت إيفان إليش الحقيقة ليست ملزمةً بأن تتَّبع أهواءنا، وإنما نحن الملزمون بأن نُتَّبعَ الحقيقة. *** ليس الفكرُ عبدًا «يُخدِّم» على أهوائنا ويدغدغ أمانينا، ويعمل على راحتنا واسترخائنا، وإنما هو «وظيفة بشرية» تتعلق بِتَعرُّف الحقيقة كما هي وإماطة الوهم كيفما كان، ومِن ثَمَّ فإن من المغالطة أن نستخدم «النتائج» (العواقب، التَّبِعات، المترتَّبات، اللوازم، التوالي) consequences، السلبية أو الإيجابية، المترتبة على اعتقادٍ ما كدليلٍ على كذب هذا الاعتقاد أو صدقه.

стр. 89

يمكن تجريد الصورة المنطقية لهذه المغالطة كالتالي: الاعتقاد بأن «ق» يؤدي إلى نتائج مرغوبة؛ حيث النتائج المرغوبة غير ذات صلة بصدق «ق»؛ إذن «ق» صادقة. أو كالتالي: الاعتقاد بأن «ق» يؤدي إلى نتائج بغيضة؛ حيث النتائج البغيضة غير ذات صلة بكذب «ق»؛ إذن «ق» كاذبة. إن القضية الصادقة هي قضيةٌ صادقة، بغضِّ النظر عن شعورنا تجاه نتائجها، ومن الحصافة أن نُسلِّم بأن العالم لم يُفَصَّل حسب طلبنا، وأن الأشياء لا تأتي على مقاس رغباتنا ومصالحنا، وأن ما نود أن يكون عليه الحال هو أمر غير ذي صلة بما هو عليه الحال بالفعل، ليس ثمة علاقة منطقية تربط ما بين نتائج اعتقادنا في قضية ما وبين «قيمة صدق» هذه القضية (أي نصيبها من الصدق والكذب). ربما يستدعي ذلك في الذهن قول فرويد في «محاضرات تمهيدية في التحليل النفسي»: «أُوذِيَ الإنسان ثلاث مراتٍ في غروره واعتزازه بنفسه وبمكانته في العالم: كانت المرة الأولى عندما تم التحول الأكبر في عصر النهضة من مركزية الأرض إلى مركزية الشمس على يد كوبرنيكوس (١٤٧٣ - ١٥٤٣ م) الذي افترض أن أرضنا ليست هي مركز الكون، وكان من الضروري أن يستخلص الإنسان من ذلك أنه ليس تاج الخليقة وأن العالم لم يُخلق من أجله، وكانت المرة الثانية عندما قدَّم تشارلس دارون (١٨٠٩ - ١٨٨٢ م) كتابه عن أصل الأنواع عن طريق الانتخاب الطبيعي، فأثَّرت نظريته في التصور الديني بوجهٍ خاصٍّ عن كون الإنسان صورةَ الله وخليفته في الأرض، أما المرة لثالثة فكان الأذى أشد قسوةً وأعمق جرحًا، إذ جاء من جانب البحث السيكولوجي الراهن الذي يريد أن يُثبت للأنا أنها لا تملك حتى أن تكون سيدةً في بيتها الخاص، وإنما تظل معتمدةً على أنباءٍ شحيحةٍ عما يجري بصورةٍ غير واعية في حياتها النفسية» (محاضرات تمهيدية في التحليل النفسي، محاضرة ١٨).

стр. 90

أمثلة (١) لا بُدَّ من أن تكون «مركزية الأرض» geocentrism نظريةً صحيحة، وإلا لكان الإنسان كائنًا هامشيًّا شديد التفاهة وليس صورة الله وخليفته في الأرض. (٢) من المؤكد أن «نظرية التطور» نظرية مغلوطة، وإلا لكان الإنسان قريبًا لبقية الحيوانات، وكان له أن يفعل فعلَها ويسلك مسلكَها. (٣) اعتقاد الطفل في وجود بابا نويل يجعله سعيدًا ومستبشرًا ومهذبًا، إذن بابا نويل موجود. (٤) من المحال أن تنشب حرب نووية في أيِّ وقت من الأوقات، إن ذلك كفيلٌ بأن يجعلني متوجسًا هلعًا لا أذوق للنوم طعمًا. (١) رهان بَسكال pascal's wager تقوم حجة الرهان الشهيرة للفيلسوف الفرنسي بليز بسكال على الموازنة بين النتائج المترتبة على الإيمان وتلك المترتبة على عدم الإيمان، وقد آثَرتُ أن أفرد لرهان بسكال عنوانًا منفصلًا؛ وذلك لأنه محل خلاف بين الفلاسفة منذ زمن طويل، فهو مغالطة أكيدة لدى البعض، وبخاصةً من أصحاب المذهب الطبيعي، وهو حجة سديدة لدى البعض الآخر، مثل وليم جيمس الذي أسهب في تبيانه في كتابه «إرادة الاعتقاد» the will to believe، يقول بسكال في «الخواطر» Les Pensées: «إما أن الله موجود أو غير موجود، ولا يملك العقل وحده أن يحسم هذا الأمر، وما دام الاختيار هنا لا بُدَّ منه فلتنظر إليه على أنه «رهان»: إذا ما راهنتَ على أن الله موجود وسلكت في حياتك وفقًا لذلك ثم ربحت ربحتَ نعيمًا أبديًّا، أما إذا خسرت فلن تخسر شيئًا يُذْكَر.» وقد سبق لأبي العلاء المعري أن صاغ هذه الحجة عينَها صياغةً بليغةً محكمة في لزومياته إذ يقول: قال المُنجِّم والطبيبُ كلاهما … لا تُحشر الأجساد قلتُ إليكما إن صَحَّ قولكُما فَلَستُ بخاسرٍ … أو صحَّ قولي فالخَسارُ عليكما يقول وليم كليفورد William K.Clifford في «أخلاق الاعتقاد» ethics of belief مُفنِّدًا حجة الرهان: «إن الإيمان يفقد قداسته إذا ما تعلق بعبارات لا دليل عليها ولم

стр. 91

توضع موضع التساؤل، لمجرد راحة المؤمن ولذته الشخصية، فلو قُبل الإيمان على أساس أدلة غير كافية فإن اللذة تكون لذة مختلَسة، حتى لو كان الإيمان صحيحًا.» يرى البعض أن المراهنة على الرب تحمل المرء على أن يختان نفسه وينتهك بذلك واجبًا «كانتيًّا» تجاه ذاته، ويُصر كليفورد على أن اعتقاد الفرد في شيءٍ بلا دليلٍ كافٍ هو أمرٌ يُؤذي المجتمع كله؛ لأنه يُعزز السذاجة ويُعدي مثلما تعدي الأوبئة! «وإنه لمن الخطأ دائمًا وفي كل مكان، ولكل شخص، أن يؤمن بأي شيء على أساس أدلة غير كافية.» (٢) متى يكون الاحتكام إلى النتائج صائبًا منطقيًّا؟ فطن الفلاسفة منذ أرسطو إلى أهمية الاحتكام إلى النتائج للمفاضلة بين القضايا المختلفة في حالة تساويها في كلِّ شيء، يقول أرسطو في «الطوبيقا»: «حين يكون شيئان من التماثل بحيث يصعب تفضيل أحدهما على الآخر فإن علينا أن نحتكم إلى نتائجهما، وذلك الشيء الذي يُفضِي إلى نتائج أفضل هو الجدير بالاختيار، أما إذا كانت نتائج كليهما شرًّا فإن علينا أن نختار أقلَّهما شرًّا.» غير أن أرسطو، وغيره من الفلاسفة، إنما يحتكمون إلى النتائج في مجال «العقل العملي» لا النظري؛ أي حين يكون الاختيار هو بين مسارين من الفعل، أو بين نهجين من السلوك، والحق أنه من الوضوح الذي يجري مجرى البدائه ونوافل القول إن الموازنة بين الأفعال إنما يتم بالموازنة بين تَبِعاتها ونتائجها المتوقَّعة، أما إذا كان السؤال هو عن الحق أو الصواب فإن الاحتكام إلى النتائج يكون أمرًا خارجًا عن الموضوع، ومن الخطأ دائمًا أن نوجسَ من كلِّ نظرية علمية جديدة تكشف جانبًا من الحقيقة، أو نرفضَها، لا لشيءٍ إلا لأنها تتحدى قناعاتنا الثقافية، أو تجرح كبرياءنا البشرية، أو تمس عواطفنا الاجتماعية.

стр. 92

الفصل الثاني عشر الألفاظ الملقمة: الألفاظ المشحونة (المفَخَّخَة) Loaded words; prejudiced language; question-begging epithets بواسطة الدعاية الذكية والمتواصلة يمكنك أن تحمل الناس على أن ترى الفردوسَ جحيمًا، والعكس أيضًا أن ترى أشقى أنماط الحياة على أنها النعيمُ المقيم. أدولف هتلر، كفاحي «أنا» صارم … «أنتَ» عنيد … «هو» خنزيري الرأس. برتراند رسل ولأني كهلٌ غروبي فظلالي دائمًا أطول مني، وهي أَرَقُّ مني وأدق وأكثر نفاذًا وبثًّا، لم أكن أتنقل إلا حاملًا خنجري تحت العباءة

стр. 93

ترافقني ظلالي الطويلة، … وتلازمني حاشيةٌ هائلة. توبة اللفظ *** لكل لفظٍ من ألفاظ اللغة ضربان من المعنى أو الدلالة: المعنى الحقيقي (المباشر/ الإشاري/ المعجمي/ الأوَّلي) denotation والمعنى الضمني (الإضافي/ الإيحائي/ الثانوي) connotation، أما المعنى الحقيقي فهو المعنى الذي يُعبر عن العلاقة الموضوعية بين اللفظ والواقع الذي يشير إليه: فمعنى كلمة «زهرة» هو ذلك الجزء من النبات الذي يضطلع بإنتاج البذور، ويُعبر عن طور من أطوار نموه، ومعنى كلمة «وردي» هو لون ذو خصائص فيزيائية محددة، وأما المعنى الضمني فهو المتضمنات الانفعالية والتقويمية التي يستحضرها المعنى في الذهن والتي تعبر عن الجانب الشخصي من المعنى، وربما تختلف من شخص لآخر ومن جماعة لأخرى، فكلمة «باص» على سبيل المثال قد تستدعي في أذهان البعض انطباعاتٍ من قبيل الرخص، الازدحام، الفقر … وقد تستدعي في أذهان التلامذة معاني الراحة والمرح والزمالة، غير أن المتضمنات تكون مشتركة في أغلب الأحوال؛ وذلك لِتَشارُك الناس في كثير من الخبرات وظروف المعيشة، من ذلك أن كلمة «وسط المدينة» تستدعي في ذهن معظم الناس متضمناتٍ من قبيل: الصخب، الزحام، الإثارة، التراب، اللهو، الذنب … إلخ. حين أقول «هذا كَذِبٌ» فإن ما أقوله هو عبارةٌ بسيطةٌ من حيث الصيغة اللغوية، غير أنها بساطةٌ خادعة: فإذا ما قمنا بتحليل لمعنى العبارة «ق كذب» وجدنا أنها تَصدُق إذا ما توافرت الشروطُ الأربعة التالية: (١) «ق» غير صادقة. (٢) قائل «ق» يعرف أنها غير صادقة، (٣) القائل يقصد أن يقول «ق»، (٤) القائل يقصد أن يجعل المستمع يعتقد «ق». رغم أن كلًّا من هذه الشروط هو شرط «ضروري» necessary لمعنى كلمة «كَذِب» فإن الشروط الأربعة ليست «كافية» sufficient؛ ذلك أنها لا تفي إلا بالمعنى

стр. 94

الإشاري المباشر denotation لكلمة «كَذِب»، ويظل هناك نطاق عريض لمعانٍ إضافية ضمنية connotation، فالمرء لا يمكن أن يكون جادًّا في قوله «هذا كذب» ما لم يَعمِد أيضًا إلى إهانة القائل ووصمه وتقريعه؛ ومِن ثَمَّ فكلمة «كذب» تعني أيضًا، فيما تعني، الازدراء، السخط، الإدانة، الشجب، الردع … إلخ. تلك هي الوظيفة «الإيعازية» perlocutionary للغة، التي تحدث عنها جون أوستن J.Austin (١٩١١ - ١٩٦٠ م) رائد نظرية «أفعال الكلام» speech acts. في هذا المستوى من الأفعال الكلامية يريد القائل من قوله أن يُحدِث تأثيرات في المتلقي: إقناعًا، خشية، رهبة، ردعًا، إسخاطًا … إلخ. وتلك أيضًا هي الوظيفة الانفعالية emotive function للغة، التي تحدث عنها أوجدن ورتشاردز، ومنذ أن أشارا إلى أهمية الوظيفة الانفعالية للغة في كتابهما «معنى المعنى» تخلَّقَ اتجاهٌ إلى شجب المصاحِبات الانفعالية المحتومة للكلمات والجزع من كثرة الظلال الإضافية للألفاظ كمصدرٍ للزلل والمغالطة، وما تَقَدَّم العلمُ تقدمًا متصلًا إلا لالتماسه لغةً محايدةً دقيقة للتواصل، وتَخلِّيه عن المتضمنات العاطفية والخيالية للألفاظ في لغته ومعادلاته، وقد أدرك المفكرون أهمية أن تحذو المناقشات السياسية والدراسات الإنسانية في ذلك حذوَ العلم، وتشيِّد نماذج لغويةً خاليةً من الضوضاء الانفعالية قدر المستطاع، ومنذ أفلاطون، في حقيقة الأمر، نهضت تياراتٌ تستنكر ميلَ البشر إلى الاستمالة العاطفية بدلًا من الإقناع العقلي، وتُحذِّر من إساءة استخدام الوظيفة الانفعالية للغة في إعاقة التفكير المنطقي والتعتيم على الحقيقة، وفي زمننا المعاصر عَلَت صيحاتٌ مدوية ضد «الألفاظ الملونة» colored words وضد «استبداد الكلمات» tyranny of words. حين تكون اللفظةُ محمَّلةً بمتضمناتٍ انفعالية وتقويمية زائدة، بالإضافة إلى معناها المباشر، يقال لها «لفظة مُلقَمة» loaded word أو مشحونة، فالكلمة الملقمة مثل البندقية الملقمة بالذخيرة، والمعنى الانفعالي أو التقويمي هو الرصاصة، حين أستعمل لفظة «بهيمة» بدلًا من «حيوان»، ولفظة «رشوة» بدلًا من «حافز» … إلخ، فأنا عندئذٍ أستخدم ألفاظًا ملقمة تفعل فعلًا آخر غيرَ مجردِ رصد الحالة الموضوعية: إنها تحكُمُ وتقوِّم وتحرِّض وتُوعز، انظر أيضًا في هذه القائمة من الكلمات: صارم عنيد واثق متعجرف

стр. 95

ودود مداهِن مجامِل متملِّق متساهل متسيِّب سهو إهمال كائن متعايش طفيل مجتمعٌ نامٍ مجتمع متخلف بدائي همجي بسيط ساذج يقول يدَّعي مدقِّق مُوسْوس ليست كل لغة مشحونة هي لغة مغالطة بالضرورة، وإلا لكان كثير من الدراسات، وكل الأدب والشعر، ركامًا من المغالطات! ونحن نريد، في حقيقة الأمر، أن نكون قادرين في بعض الأحيان أن نُسَخِّر الطاقات الانفعالية والخيالية للكلمات في خدمة الحقيقة، نريد أن نقول للقتلة الدمويين: أنتم سفاحون مجرمون، ولا نقول: أنتم حراس النظام الجديد ومبطلو الثورة المضادة! ونريد أن نقول للإرهابي: أنت أناني مشوَّش تتوهم حلًّا سحريًّا لمأزقك الوجودي وتُؤمِّن لنفسك مستقبلًا أخرويًّا على حساب غيرك. وأن نقول للمتزمتين: أنتم تغالبون ربكم، وتريدون إزالة اللون من لوحة الدنيا، وأن تجعلوا الحياة هامشًا سمجًا على متن الموت. ما أتعسنا حقًّا لو تخلينا عن انفعالية اللغة وقصَصنا أجنحة الكلمات، وكم تَرِينُ البلادة على أحاديثنا لو أننا توخينا الحيادَ العلمي في كلِّ شيء، وبدلًا من أن نقول مع الشاعر (الشريف الرضي): وتلَفَّتت عيني فمذ خَفِيت … عني الطلولُ تلفَّت القلبُ قلنا (وما أبْلَدَنا إذ نقول): وبقيت أدرك الأطلال بحاسة البصر، فلما أصبحت خارج مجالي البصري بدأت أستدعيها في الذاكرة.

стр. 96

ومهما يكن من شيءٍ فإن الألفاظ المشحونة كثيرًا ما تكون فخاخًا منطقية تدفع المرءَ إلى أن يقفز إلى استنتاجاتٍ تقويمية غير مشروعة، وتأتي المغالطة حين يستخدم المجادِلُ ألفاظًا مشحونةً بدلًا من الحجة، أو حين يتأثر المتلقي باللغة الملونة التي تغلَّف بها الحجة بدلًا من أن يلتفت إلى مناقب الحجة بحد ذاتها. أمثلة (١) يَدَّعي السيد نبيل سالم أن التصدير سوف يؤدي إلى ارتفاع الأسعار. (لاحظ أن كلمة «يدعي» تفترض ضمنًا أن ما يقوله السيد نبيل كاذب أو باطل.) (٢) بديه أن يجدَ اقتراحُنا رفضًا من البيروقراطية الحكومية. (قارن: بديه أن يجد اقتراحنا رفضًا من مسئولي الحكومة.) (٣) كل عاقل في هذا البلد يعرف أن الإجراءات المُتخذة لا تصب في مصلحة المواطن. (لاحظ أن كلمة «عاقل» قد صادرت بصواب العبارة المطروحة.) (٤) مرة ثانية تُضبَط إنجلترا وهي تتملق الديكتاتوريات. (قارن: مرة ثانية نرى إنجلترا تَعمِد إلى أن تحتفظ بعلاقات ود مع الأنظمة المتشددة.) (٥) سرقت اسكتلندا هدفًا في الشوط الأول، ولكن إنجلترا في الشوط الثاني نشطت واستفاقت، وتُوِّجت جهودُها بهدف. (بوسعك بالطبع أن تتعرف على انتماء المعلِّق.) (٦) بوسع الجماهير أن تفرق بين رشاوى مرشحي العُمَّال وعربونات مرشحي المحافظين. (٧) ألستَ متأثرًا بالقضية العادلة التي يلهج بها ألوف المتظاهرين الواعين بالخارج؟ هيهات أن أنجرف بثُغاء حشدٍ من الغوغاء! (١) النعوت المصادِرة على المطلوب من البَيِّن أن اللغة المشحونة تنطوي دائمًا على «مصادرة على المطلوب» begging the question؛ لأنها تفترض مسبقًا حكمًا تقويميًّا لم تتم البرهنة عليه بعد؛ ولذا كان جِريمي بنتام J.Bentham يُطلق على هذه المغالطة اسم «النعوت المُصادِرة على المطلوب» question-begging epithets، إنها تَدسُّ مواقفَ انفعاليةً في داخل العبارة التي تحملها، وهذه المواقف ليست جزءًا من الحُجة، وإنما جرَى استدعاؤها على نحوٍ

стр. 97

غير مشروع لكي تؤتي أثرًا ما كان للحجة أن تؤتيه بمفردها، وبعبارةٍ أخرى تُعَد هذه المواقف الانفعالية غير ذات صلة بقيمة صدق العبارة؛ أي بتأسيس صدق العبارة المطروحة أو كذبها. وصفوة القول أنَّ الحجة السديدة تتطلب أن يبذلَ المرءُ جهدًا واعيًا لكي يصوغَ حجتَه صياغة محايدة قدر المستطاع، بحيث تقف حجتُه على قدميها ولا تتوكأ على عكازاتٍ انفعالية وتقويمية مقحَمة عليها ومن غير جنسها.

стр. 98

الفصل الثالث عشر المنحدر الزلِق (أنف الجَمَل) slippery slope; camel's nose قال البدوي لنفسه: «إذا تركتُ الجملَ يدس أنفَه في خيمتي في هذه الليلة الباردة، فإنه يُوشك بعد ذلك أن يدس رأسَه كله، ثم لا يلبث أن يدسَّ رقبتَه، وسرعان ما أجِدُ الجملَ برمَّته وقد اقتحم عليَّ الخيمة.» *** هكذا شيَّد البدويُّ في خياله سيناريو تنتهي فيه الأحداث أسوأ نهاية، وتُفضي إلى كارثةٍ تَزَعه أن يتخذ الخطوة الأولى. تعني مغالطة المنحدر الزلق أن فعلًا ما، ضئيلًا أو تافهًا بحد ذاته، سوف يجر وراءه سلسلةً محتومة من العواقب تُؤدي في نهاية المطاف إلى نتيجة كارثية، كل حدث في هذه السلسلة هو نتيجة ضرورية لما قبله وسبب للحدث الذي يليه، الأمر هنا أشبه بخطوات الشيطان إذا خطوت منها خطوةً واحدة فسوف تتبعها خطوات تنتهي بك إلى الجحيم ضربةَ لازب، أو أشبه بالتفاعل الذري المتسلسل إذا بدأ فسوف يمضي في تتابع لا مَرَدَّ له ينتهي بانفجارٍ نووي هائل، أو أشبه بالمنحدر الزلق يكفي أن تطأه وطأةً واحدةً حتى تَزلَّ قدمُك وتَهوِي مترديًا إلى القاع.

стр. 99

إن الحذرَ وجيهٌ تمامًا إذا انطبقت هذه التشبيهات، غير أنها في مغالطة المنحدر الزلق لا تنطبق (وإلا لما كانت مغالطة)، ويمكننا تجريد الصورة المنطقية لهذه المغالطة كالتالي: إذا كان «أ» كان «ب»، إذا كان «ب» كان «ج»، وهكذا حتى «ن». (حيث «ن» نتيجة كارثية، وحيث لا يوجد لزوم منطقي في موضع أو أكثر من السلسلة المفترضة، ولا يوجد سبب لافتراض أننا لا يمكننا أن نتوقف ببساطة عند نقطة ما في هذا المنحدر.) أمثلة (١) إذا استثنَيتُكَ أنتَ من هذا القرار فسوف يكون عليَّ أن أستثني الجميع. (٢) إذا أقرضتُكَ جنيهًا اليوم، فسوف تقترض مني غدًا جنيهين، ثم عشرة جنيهات، ولن يمضي وقتٌ طويل حتى تقترض مني ألوفًا وتأتي على كل ثروتي. (٣) إذا سمحنا اليوم ببعض الضوابط القانونية على الحديث العام أو الكتابة الصحفية، فسوف نسمح غدًا بمزيدٍ من القيود، وهكذا حتى يأتي اليوم الذي نجد أنفسنا فيه نعيش في ظل دولةٍ بوليسية فاشية. (٤) إذا سمحنا للناس باختيار نوع الجنين، فسوف نسمح لهم غدًا باختيار لون عينيه وشعره، وما نزال نترخَّص في هذا الأمر حتى نسمح لهم بإنسال أطفالٍ بمواصفاتٍ حسب الطلب. (٥) إذا أكلت أيس كريم جالاكسي فسوف يزداد وزنُك، وزيادة وزنك باطِّرادٍ تعني أنك تصاب بالسمنة، وما تزال السمنة تتفاقم حتى تموت بانسداد الشريان التاجي، إذن أيس كريم جالاكسي يُسبب الوفاة فلا تقربه. (٦) ينبغي أن يبقى اختيار المقررات التي تُدرَّس بالجامعات أمرًا متروكًا للأساتذة؛ لأننا إذا سمحنا لرغبات الطلبة بالتأثير في هذا الاختيار فسوف يتصورون أنهم يُديرون التعليم، ومن شأن هذا أن يؤدي إلى انهيار النظام، وسرعان ما نجدنا بإزاء جامعات لا تُعلِّم شيئًا.

стр. 100

الفصل الرابع عشر الإحراج الزائف (القسمة الثنائية الزائفة) false dilemma; bifurcation; black and white fallacy «أبيض» أو «أسود» عكازان يتوكأ عليهما كلُّ ذهنٍ مُقْعَد، عاجزٍ عن التحليق في الفضاء الحقيقي الرمادي. *** يقعُ المرء في هذه المغالطة عندما يبني حجتَه على افتراضِ أن هناك خيارين فقط أو نتيجتين ممكنتين لا أكثر، بينما هناك خيارات أو نتائج أخرى، إنه يغلق عالَمَ البدائل الممكنة أو الاحتمالات الخاصة بموقفٍ ما، مبقيًا على خيارين اثنين لا ثالث لهما، أحدُهما واضحُ البطلان والثاني هو رأيُه دامَ فضلُه. أمثلة (١) إما أنك معنا وإما أنك ضدنا. (٢) America love it or leave it. (٣) إما أن توافق على خفض الضرائب، وإما أن تكون راضيًا عن الخراب العاجل الذي سيحيق بهذا البلد.

стр. 101

(٤) إما أن تشن معنا هذه الحرب من أجل الحفاظ على منهجنا في الحياة، وإما أن تكون خائنًا جبانًا. (٥) إما أن توافق على خفض الدعم الحكومي، وإما أن تكون سعيدًا بفشلنا في علاج عجز الميزانية. (٦) إما أن تستعمل صابون دوف، وإما أن تُعرِّض جلدك لضروب خطيرة من التهيج والحساسية. (٧) إما أن نفرض حظرًا على «س» من الأمور، وإما أن نترك شخصيتنا ومنظومتنا الحياتية مهددة بالخطر. (٨) علينا أن نُبِيحَ الإجهاض دون قيدٍ أو شرط، وإلا فإننا نرغم الأطفال على أن ينشئوا في كنف آباء لا يريدونهم. (٩) إما أن نُسرِّح نصف الموظفين وإِمَّا أن تفلس الدولة قبل يناير القادم. (١٠) إما أنني موهوبٌ بقدراتٍ نفسية خارقة، وإما أنني دجَّال مخادع، ولكنني لست دجالًا ولم أخدع في حياتي أحدًا قط! (هناك احتمالٌ ثالثٌ تم إغفاله: وهو أن أكون موهومًا.) (١١) إما أن يكون هذا الشاهد قد رأى حقًّا مخلوقات فضائية، وإما أن يكون مجنونًا، ولكنه غير مجنونٍ، ولم نعرف عنه ولا شهدنا من تصرفاته ما ينم على أيِّ خلل ذهني على الإطلاق. (١٢) إما أن تكون هذه السيدة قد اختُطفت حقًّا في أطباقٍ طائرة وأعيدَت ثانيةً إلى الأرض، وإما أنها تُعاني من ذُهانٍ متقدِّم، ولكنها في تمام العقل والاتزان وملتزمة في عملها ولم يسبق لها قَط أن أدخِلت إلى مصحة للأمراض العقلية. تروج هذه المغالطة بصفة خاصة في أقوال الباعة ومندوبي الدعاية الذين يُضَيِّقون على العميل نطاقَ الخيارات حتى لا يبقى له خيارٌ إلا في سلعتهم المعروضة؛ وتروج على ألسنة السياسيين الذين يُحيلون كل من ليس مواليًا لهم إلى عدوٍّ مبين، ولا يتركون خانةً للحياديين مثلًا في منظومتهم التصنيفية المتصوَّرة؛ وتروج في خطاب المتطرفين الدينيين على اختلاف مشاربهم، أولئك الذين يُقدِّمون للسذج وكسالى العقل تأويلًا للعالم مفرطًا في التبسيط والتسطيح والزيف والتشويه.

стр. 102

يمكن تجريد الصورة المنطقية للإحراج الزائف كما يلي: إما «ق» وإما «ك»، لا «ق»؛ إذن «ك». من الواضح أن هذا القياس صحيح بحد ذاته ولا غبار عليه، مثال ذلك: إما أن سليمان ميت وإما أنه حي، سليمان ليس ميتًا؛ إذن سليمان حي. ومثال آخر: إما أن عمرَ لديه رخصةُ قيادة وإما أنه غير مسموح له بالقيادة، عمر لم يحصل على رخصة قيادة؛ إذن عمر غير مسموح له بالقيادة. ويأتي الخللُ دائمًا إذا كانت «ق» و «ك» لا تَستغرقان جميعَ الاحتمالات القائمة بحيث يحق لنا تجريدُ الصورة المنطقية للإحراج الزائف، بُغْيَةَ الإيضاح والدقة، كما يلي: (١) إما أن تختار «ق» وإما أن تختار «ك»، (٢) ليس هناك اختيارات أخرى، (٣) لا يمكنك أن تختار «ق»؛ إذن لا بديل لك من أن تختار «ك». ويكمن الخلل هنا في كذب المقدمة ٢؛ ومِن ثَمَّ لا يلزمك لكي تفند للخصم حجته وتظهره على خطئه سوى أن تكشف له هذه المقدمة المضمرة أو الافتراض المسبق: «ليس هناك بدائل أخرى»، وتخرجه إلى واضحة النهار. حين يعم الاستقطاب الذهني ويتواتر يصبح سمةً شخصيةً تميز الفرد، أو أيديولوجية جمعية تميز الجماعة، وهو على المستويين لا يورِث إلا العجز والجمود، يقول د. آرون بك رائد العلاج المعرفي: «يميل العصابيُّ إلى التطرف والشطط في التفكير حين

стр. 103

تكتنفه مواقفُ تمس الجوانب الحساسة من نفسه، مثل تقديره لذاته في حالة الاكتئاب، واحتمالات الخطر الشخصي في حالة عصاب القلق، وقد يقتصر الشطط الفكري على مناطق قليلة، ويعني الشطط (التطرف الفكري thinking in extremes) أن نَسِمَ الأحداث والوقائع بأنها بيضاء أو سوداء، حسنة أو سيئة، رائعة أو فظيعة، وقد أُطلِق على هذه الخاصة اسم «التفكير المنقسم» dichotomous thinking أو «التفكير ثنائي القطبية» bipolar thinking، شأن المقدمات الأساسية التحتية لهذا النوع من التفكير أن تصاغ في حدود مطلقة مثل «دائمًا» أو «مطلقًا».» (١) ويتجلَّى الاستقطابُ الذهني الجمعي في أوضح صورة في ظاهرة العنصرية أو ما يعرف بمركزية العِرق ethnocentrism، وتعني مركزية العِرق النظر إلى الأشياء على أن جماعتنا هي محور كل شيء والإطار المرجعي الذي يُقاس عليه كل شيء آخر وتقيَّم به كل الجماعات الأخرى: جماعتنا هي الصواب وغيرها الخطأ … هي الحق وغيرها الباطل، هذه العنصرية الصميمة هي التي تحمل كل شعب على أن يغلو في أية عناصر يجدها خاصة به وحده ومميزة له عن الآخرين، وهذا الاستقطاب الذهني هو الذي يُفضِي بالحضارات إلى التجمد والذبول، وهو الذي يذكي الضغائن بين الجماعات المختلفة ويورطها في صراعات منهِكة ويزجي بها إلى حروبٍ مقدسةٍ في وهم الطرفين، ويعطلها في هذا العصر عن الاندماج في المجتمع الكوكبي الجديد. إن أول ما يحيد بالجماعات عن المنطق السديد وعن الاندماج الجديد هو التفكير المستقطب: عقلية «نحن-مقابل-هم»، حيث يُقيَّم كل طرفٍ بتبسيطٍ مفرِط: فإما خيرٌ كله وإما شرٌّ كله. (٢)

стр. 104

الفصل الخامس عشر السبب الزائف (أخْذُ ما ليس بعلةٍ عِلةً) false cause; non causa pro causa تتقاطَرُ الأحداثُ في الزمان، لا تأبَقُ منه موثوقةً بآناتها دائمًا، ولكن غير موثوقة بجاراتها بالضرورة. *** (١) لماذا تحدُثُ الأشياء؟ يميل البشرُ بطبيعتهم إلى تفسير الأحداث وإدراك سببها؛ ولذلك أسَّسُوا العلم، الأصيلَ منه والزائف. ما سببُ المرض؟ ما سبب الدمار، والحروب، والكسوف والخسوف، والزلازل، والأعاصير، والركود الاقتصادي … ؟ إن في جِبلَّة العقل البشري أن يربط الأشياء لِتُكوِّن نمطًا أو هيئةً أو شكلًا، وأن يصل النقاطَ المنفصلة، ويملأ الثغرات، لِيَستوِي له نمطٌ ذو معنى لديه، وهو يرتبك ويتأزم إذا لم يميز أنماطًا؛ لأن به ولوعًا بالتنبؤ، ورغبةً في السيطرة على الأحداث.

стр. 105

تَطَّرِد الأحداثُ أمام الإدراك البشري في أنماطٍ معينة من التصاحب والتعاقب والتجاور في المكان والزمان، فيَسْتَلُّ من ذلك «علاقات ارتباط» تثير فيه عادة «التوقع»، وقد تترسخ فيه عادة التوقع فتحول علاقة «الارتباط» correlation إلى «عِلِّية» (سببية) causality، (١) فكلما ارتبط حدثان معًا في الزمان والمكان كان ذلك دليلًا عنده على أن أحدهما «عِلَّة» (سبب) cause للآخر، وكلما تَعاقَب حدثان كان سابقُهما سببًا للاحق. كل ذلك حسنٌ وجميل، وهل العمل العلمي، في شطرٍ كبيرٍ منه إلا اقتفاء للارتباطات التجريبية وتشييد نظريات علمية تفسر هذه الارتباطات بلغة الضرورة القانونية nomic necessity؟ (٢) تأتي المغالطة، على كل حال، عندما يخلط العقل بين «المعية» togetherness/ association و «السببية» causality، ويجعل مجرد الارتباط بين حدثين دليلًا على أن أحدهما سبب للآخر، دون أي بَيِّنةٍ أبعد من ذلك cum hoc ergo propter hoc. إن إثبات وجود علاقة سببية بين حدثين يستلزم أكثر من مجرد الارتباط: يستلزم الاطِّراد الدائم، والارتباط الدائم بين نمطي الحدثين، إيجابًا وسلبًا، وعدم وجود أي أمثلة مضادة، ذلك أن مجرد «المعية» قد يكون مَرَدُّه إلى: (١) المصادفة البحتة coincidence. (٢) وجود سببٍ ثالثٍ أعم من وراء كلا الحدثين، وتسمى المغالطة عندئذ: «إغفال سببٍ مشترك» ignoring a common cause، أو «المعلول المزدوج» joint effect. (٣) كما أن الاتجاه الحقيقي للعلاقة السببية قد يكون معكوسًا، وتسمى المغالطة هنا: «الاتجاه الخطأ» wrong direction.

стр. 106

(٢) الخلط بين السببية ومجرد المصادفة (١) وُجِدت ارتباطات شبه تامة بين معدل الوَفَيات في حيدر أباد بالهند من ١٩١١ إلى ١٩١٩ وبين تغييرات في عضوية الرابطة الدولية لعلماء الميكانيكا خلال نفس الفترة، ولا يمكن لأي عاقل أن يعتقد حقًّا في وجود أي شيء يتجاوز المصادفة المحضة في هذه الواقعة العجيبة (والتافهة في الوقت نفسه!) (٢) وُجد ارتباطٌ إحصائي وثيق بين مستويات تمويل الفنون في بريطانيا وبين أعداد طائر البطريق في القطب الجنوبي! (٣) وُجد ارتباط كبير بين أعداد طائر اللقلق في أماكن معينة من أوروبا وبين معدل المواليد من الأطفال. (من الخَطَل أن نستدِل من هذا الارتباط وحده على أن وجود طائر اللقلق سبب لولادة الأطفال!) (٣) إغفال سبب مشترك neglect of a common cause (المعلول المزدوج joint effect) يكثر الخلط بين المَعِية والسببية حين يتم إغفال سببٍ مشترك للحدثين كليهما؛ أي حين يكون الحدثان ناتجين عن حدثٍ ثالث، أو معلولين لعلةٍ مشتركة. أمثلة (١) قبيل اندلاع الحروب يتزايد معدل التسليح لدى الأطراف المتصارعة؛ إذن زيادة التسليح تؤدي إلى اندلاع الحروب. (ربما يكون الصواب أن التوتر والخلاف بين الأمم يفضي إلى كل من التسلح والحرب.) (٢) الحمى (ارتفاع الحرارة) تؤدي إلى الطفح الجلدي. (قد يكون فيروس الحصبة هو السبب من وراء كلٍّ من الحمى والطفح الجلدي.) (٣) وُجد ارتباطٌ قويٌّ بين معدلات بيع الأيس كريم وبين معدلات الجريمة؛ إذن تناول الأيس كريم يؤدي إلى ارتكاب الجرائم! (الصواب أن ارتفاع حرارة الجو هو السبب في ارتفاع معدلات الجريمة (بما يُفضي إليه من توتر قلق) وفي ارتفاع مبيعات الأيس كريم.)

стр. 107

(٤) كلَّما كبر مقاس حذاء الطفل كان خطُّه أفضل! إذن كبر حجم القدم يُسهِّل عملية الكتابة! (الصواب أن النمو المتصل للطفل يؤدي إلى كلٍّ من زيادة حجم القدم ونمو القدرات المدرسية جميعًا بما فيها خط اليد.) (٥) ثمة انخفاض ملحوظ في البارومتر أثناء هبوب عاصفة؛ إذن العاصفة سببت انخفاض البارومتر. (الصواب أن انخفاض الضغط الجوي هو سبب كل من العاصفة وانخفاض البارومتر.) (٦) كشفت التحليلات وجود بكتريا معينة بكمية كبيرة لدى أحد المرضى، فاستنتج الطبيب أن البكتريا هي سبب المرض، ثم تبيَّن أن البكتريا غير ذات خطر وأن هناك فيروسًا هو سبب كلِّ من المرض ونمو البكتريا الانتهازية التي تكاثرت نتيجة ضعف المريض. (٧) خلال العشر سنوات الأولى من انتشار أجهزة التليفزيون في أي بلد من البلدان وُجِد أن معدلات جرائم القتل ترتفع إلى الضعف؛ إذن التليفزيون هو السبب في العنف. (الصواب أن انتشار أجهزة التليفزيون هو مجرد عَرَض لتغيرات اجتماعية عريضة النطاق، تشمل اكتمال بنيةٍ تحتيةٍ كهربائية، وتَكَوُّن طبقة وسطى كبيرة قادرة على شراء أجهزة التليفزيون وغيرها من الأدوات، من السذاجة إذن أن نَعُد التليفزيون في هذه الحالة متغيرًا مستقلًّا تمامًا.) (٨) في بعض الولايات الأمريكية وُجد أن معدلات الإدمان تتزايد مع زيادة الفقر؛ إذن الفقر يؤدي إلى الإدمان. (الصواب أن التمييز العنصري في هذه الولايات كان يُفضي إلى الإحباط والتراخي فيؤدي إلى كلٍّ من الفقر والإدمان معًا.) مثل هذه الطريقة التبسيطية في التفكير لن تؤدي إلا إلى حلول تبسيطية، ولن تؤدي الحلول التبسيطية إلا إلى الفشل وإهدار الوقت والجهد، ما دام «السبب المشترك» common cause يَقْبَع هناك آمنًا من الملاحظة والرصد، وبالتالي من التناول والعلاج. (٤) الاتجاه الخطأ (للعلاقة السببية) wrong direction في هذه المغالطة نجد العلاقة بين العلة والمعلول (السبب والنتيجة) معكوسة، حيث يؤخذ المعلول كعلة وتؤخذ العلة كمعلول.

стр. 108

أمثلة (١) انتشار مرض الإيدز ناتج عن زيادة الثقافة الجنسية. (العكس هو الصحيح: وهو أن زيادة الثقافة الجنسية ناتجة عن انتشار الإيدز وتَخَوُّف الناس منه.) (٢) يزداد انتشار الأمراض الفِصامية بين الطبقات الاجتماعية الدنيا؛ إذن تَدَنِّي الطبقة الاجتماعية يُؤدِّي إلى الفصام العقلي. (الصواب أن المرض العقلي المزمن يؤدي إلى تدهور أداء المريض الدراسي والمهني والاجتماعي، فيهبط به شيئًا فشيئًا إلى طبقة اجتماعية أدنى، وهكذا من يُصاب وراثيًّا من نسله، وتُسمى هذه الظاهرة drift phenomenon) (٣) وُجِد أن هناك ارتباطًا بين معدل امتلاك السلاح في بعض الولايات ومعدل ارتكاب الجرائم؛ إذن امتلاك السلاح يؤدي إلى انتشار الجرائم. (الصواب أن انتشار الجرائم يُقلِق المواطنين الآمنين فيستخرجون رخص الأسلحة للتحوُّط والحماية.) (٥) بعد هذا إذن بسبب هذا (المغالطة البَعدِية/ بِعَقِبِه إذن بسببه) post-hoc ergo propter hoc a posteriori fallacy ذات يومٍ في الزمان … أخذ الديك غرورٌ قاتل، … فصاح معجبًا: إنني حقًّا ملك المزبلة، بل مَلكُ العالم، … إني لأستلُّ الفجر من مكمنِه بصياحي، … وبوسعي إن شئت أن أكُفَّ عن الصياح فأجعل الليل سرمدًا، … جذب الصوت شقيًّا كان يفتشُ في المزبلة عن رزقٍ، … فجعلَ من الديك وجبةً دسمة ......... هذا ولم يزل الفجر يطلع على الأرض إلى يومنا هذا. يصيح الديك قبل الفجر، ثم يأتي الفجر وينبلج الصباح، إذن صياح الديك يُطلع الصبحَ ويسُلُّ الشمسَ من مكمَنِها، هكذا فَكَّر الديكُ وهكذا تمضي «المغالطة البعدية» a posteriori fallacy، تفيد المغالطة البعدية أنه ما دام شيءٌ ما قد أتى بعد شيءٍ آخر

стр. 109

فهو إذن قد أتى بسببه، لقد حدث بعَقِبِه إذن فقد حدث بسببه، أليست المعلولات دائمًا تأتي في أعقاب العِلل؟ إن المعلومات لتأتي حقًّا بعد عِلَلها، غير أن هذا «شرطٌ ضروريٌّ» necessary condition لعلاقة العلية وليس «شرطًا كافيًا» sufficient condition، فلكي يوصف حدث ما «أ» بأنه «سبب» لحدث آخر «ب» ليس يكفي أن يأتي قبله، فإثبات علاقة العلية يتطلب ما هو أكثر من مجرد التعاقب أو الارتباط: يتطلب أن جميع أفراد فئة «ب»، في عينات وافرة وممثِّلة للفئة «ب»، تأتي دائمًا وأبدًا بعد جميع أفراد فئة «أ»، وتغيب دائمًا «ب» في غياب «أ»، مع شيء من التجاور في المكان والزمان، وغياب أي عامل آخر قد يكون وراء حدوث الاثنين معًا … إلى آخر ذلك مما فَصَّله البحث العلمي عن شروط إثبات العلاقة السببية، والطرائق العملية والإحصائية لإثبات ذلك. أما الاكتفاء بمجرد التعاقب الزمني كدليل على علاقة السببية فهو تفكير شديد الفجاجة والسوقية، وهو سوقي لأنه يتسم بالشيوع والدخل، وبه يَتَقَوَّم كلُّ التفكير الخرافي والسحري وحكايا العجائز والوصفات الطبية الشعبية وثرثرة مجالس الفراغ والتبطُّل. حين نضع جانبًا ذلك التصور اليومي عن العلة والمعلول، ونتأمل الأمر بدقة وحيدة وعمق نجد أننا، رغم توهمنا فهم الآليات التي يؤدي بها كل حدث إلى الآخر، لا نشهد في الحقيقة شيئًا اسمه «العِلِّيَّة»، وكل ما نشهده هو تواترات وارتباطات وتتابعات من الأحداث، بحيث تَئُول فكرة السببية في النهاية إلى «توقعنا» للاطراد والارتباط، تقترب الإصبعُ من اللهب فتتألم، فنسمي اللهب «سببًا» cause والألم «مسبَّبًا» effect أو «معلولًا» أو «نتيجة»؛ لأننا نتوقع الثاني كلما حدث الأول، ونحن بالطبع نلفق تفسيرات لنملأ الثغرات غير المرئية بين الحدثين، فكيف عرفنا أن هذه الأحداث غير المنظورة هي الأسباب حقًّا؟! لا شيء … إنها تتوالى دائمًا ويعقب بعضها بعضًا! (١) هذه الفجوة في معرفتنا هي مرتعٌ خطيبٌ وملاذٌ آمنٌ للمغالطات. كان مؤرخو الإغريق دائمًا يُفسِّرون الكوارث الطبيعية كنتاجٍ لأفعال البشر، فإذا حدث زلزالٌ مروِّعٌ مثلًا ودَمَّر مدينةً بكاملها، فإن هيرودوت يعمد بهمةٍ وجد إلى تفصيل

стр. 110

الأحداث البشرية السابقة على الزلزال، ثم يستنتج أن المذبحة التي ارتكبها أهل المدينة، مثلًا، قبل الزلزال كانت سببًا في وقوعه. وقد قدم عالم الاجتماع الأمريكي جراهام سَمنَر نظريته فيما أسماه ب «الطرق الشعبية» أو «العادات الشعبية» folkways، التي ترد الأحكام الأخلاقية إلى مظاهر لا عقلية في أساسها، لقوى اجتماعية هي ذاتها غير عقلية، هذه الطرق الشعبية هي عادات شعبية مستقلة عن أفكارنا عنها، ولا تسير حسب قواعد معقولة، وهي لا تتفق إلا مع المزاج أو الموقف العام لزمانها ومكانها المعينين، ولها ما يمكن أن يُعد حياةً خاصة بها، ذلك أن سمنر يرى أنها تولد وتكبر وتموت ولا يمكن أن يؤثر فيها تأثيرًا يُذكر إلا قوى قليلة (منها التعليم)، (١) من هذه الطرق ما هو ناتج عن استدلال خاطئ، وبخاصة خطأ «السبب الزائف»، يقول سمنر: إنَّ الطرق الشعبية قد تكوَّنت بطريق المصادفة، أو بواسطة فعلٍ غير عقلاني وقائم على معرفةٍ زائفة، من ذلك أن وباء الطاعون لما تَفَشَّى في مولمبو Molembo عقب وفاة أحد البرتغاليين اتخذ الأهالي كل الاحتياطات الممكنة لكي لا يموت رجلٌ أبيض بعد ذلك في بلدهم، ومن ذلك ما حدث في جزر نيكوبار على أثر وفاة بعض من السكان الأصليين كانوا قد بدءوا لتوهم في مزاولة حرفة الخزف، إذ انفض الجميع عن مزاولة هذا الفن ولم يَقرَبه أحد بعد ذلك على الإطلاق، ومن ذلك ما حدث في إحدى قرى جنوب أفريقيا حين أهدى البيضُ رجلًا من البوشمن عصا مرصعة بالأزرار كرمزٍ للسيادة، إذ توفي الرجل وخلف العصا لابنه، وسرعان ما توفي الابن، فأعاد البوشمن العصا إلى من أهداها خشية أن يموت الجميع، وقد تصادف مرة أن انتشر الجدري بين شعب الياكات بعد أن شهدوا جَمَلًا لأول مرة، فوقر في ظنهم أن الجمل هو الذي أحدث المرض … وبوسعنا أن نجمع ما لا يُحصى من هذه الشواهد، وهي في الحقيقة تمثل الطريقة المتبعة في الاستدلال العقلي لدى الشعوب البدائية، فمن عادة هؤلاء الأقوام إذا حدث شيءٌ «بعد» شيء آخر أن يستدلوا من ذلك أنه حدث «بسببه». (٢)
следующие страницы →