بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ال مقدمة:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه، وبعد:
فإن القرآن الكريم بحر لا يدرك غوره، ولا تنفد درره، ولا تنقضي عجائبه، فما أحق الأعمار أن تفنى فيه، والأزمان أن تشغل به، ومما يسعدني أن أشارك في هذه الندوة المباركة التي يعزم مجمع خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة على عقدها بعنوان: عناية المملكة العربية السعودية بالقرآن الكريم وعلومه بكتابة بحث في موضوع: جمع القرآن الكريم في عهد الخلفاء الراشدين.
ولا شك أن المملكة العربية السعودية منذ نشأتها وتوحيدها على يد مؤسسها صقر الجزيرة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود "يرحمه الله" سباقة إلى كل خير في مختلف المجالات، وتقدم للمسلمين في أرجاء المعمورة – دون تمييز بين الأبيض والأسود – كل ما ينفعهم في الدارين، من عقيدة صافية، ومنهج سديد، وكتاب مفيد، وجو آمن، وعيش رغيد. ومن سلسلة أعمالها الخيرة – التي لا تأتي في الحصر – قيام هذا الصرح الشامخ للعناية بكتاب الله تعالى باسم "مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف" بالمدينة النبوية على يد منظم المملكة ومطورها خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود "رزقه الله الصحة والعافية، وأمد في عمره في طاعته".
стр. 2
وهذه – في الحقيقة - سلسلة مترابطة ومتواصلة لعناية المسلمين حكاماً وشعوباً وأفراداً وجماعات بالقرآن الكريم – كلام الله - عملاً بقول المصطفى ﷺ :
"القرآن أفضل من كل شيء، فمن وقَّر القرآن فقد وقَّر الله، ومن استخف بالقرآن فقد استخفّ بحق الله تعالى"١.
والأمة الإسلامية عنيت بالقرآن الكريم عناية فائقة من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، فقد حفظت لفظه، وكشفت عن معانيه، واستقامت على العمل به عملاً بقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ (فصلت: ٣٠) ، وأفنت أعمارها في البحث والدراسة فيه، وفي الكشف عن أسراره، ولم يترك علماء المسلمين ناحية من نواحيه إلا أشبعوها بحثاً وتمحيصاً، وألفوا في ذلك مؤلفات قيمة في التفسير، والقراءات وما يتعلق بها من علوم كعلم الرسم والضبط والفواصل (عد الآي) والوقف والابتداء، وتوجيه القراءات، وألفوا في فضائل القرآن وآداب تلاوته، وأحكام القرآن، وفي الناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، وفي إعجاز القرآن، وغريبه، وإعرابه، وقصصه، وفي أمثاله وأقسامه، ومنهم من ألف في تناسب آياته وسوره... إلى غير ذلك من علوم ومعارف يقول فيها الإمام بدر الدين الزركشي٢:
стр. 3
" ما من نوع من هذه الأنواع إلا ولو أراد الإنسان استقصاءه لاستفرغ عمره، ثم لم يحكم أمره،.."١
وكل ذلك بتسخير من الله (عزوجل) منزّل هذا الكتاب العزيز مصداقاً لقوله ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩) ، وليس هذا إلا معجزة من معجزات هذا الكتاب الذي قال الله تعالى في وصفه: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت:٤٢) ، ثم خص به من شاء من بريته وأورثه من اصطفاه من خليقته: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ (فاطر: ٣٢) .
هذا، وأسأل الله تعالى أن يوفقني لكتابة ما ينفعني وينفع الأمة الإسلامية في الدنيا والآخرة، ويكون إسهاماً مني في مجال إبراز دور المملكة العربية السعودية في خدمة القرآن الكريم وعلومه.
والله الموفق والمعين،،،
стр. 4
خطة البحث:
لقد قسمت البحث إلى: تمهيد، وثلاثة مباحث، وخاتمة.
أما التمهيد: فيحتوي على:
(١) تعريف القرآن الكريم لغة واصطلاحاً.
(٢) مفهوم جمع القرآن الكريم.
(٣) صلة القرآن بالقراءات.
المبحث الأول:
جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق ﵁، وتحته مطالب:
المطلب الأول: أبو بكر وعهده.
المطلب الثاني: بواعث الجمع وأسبابه.
المطلب الثالث: المكلّف بالجمع.
المطلب الرابع: كيفية الجمع.
المطلب الخامس: وسائل الجمع.
المطلب السادس: نتائج الجمع وفوائده.
المبحث الثاني:
جمع القرآن في عهد عثمان بن عفان ﵁ وتحته مطالب:
المطلب الأول: عثمان بن عفان وعهده.
المطلب الثاني: بواعث الجمع وأسبابه.
المطلب الثالث: اللجنة المكلفة بالجمع.
المطلب الرابع: كيفية الجمع.
стр. 5
المطلب الخامس: عدد مصاحف عثمان، وإلى أين أرسلت؟
المطلب السادس: قضية الرسم المصحفي، من حيث كونه توقيفياً أو غير توقيفي.
المطلب السابع: قضية إتقان الكتابة لدى الصحابة.
المطلب الثامن: نتائج الجمع وفوائده.
المبحث الثالث: وفيه مطلبان:
(١) الفروق المميزة بين الجمعين.
(٢) الأحرف السبعة ومراعاتها في الجمعين.
الخاتمة:
أهم نتائج البحث والدراسة.
منهجي في البحث:
لقد حاولت بقدر المستطاع أن تكون المعلومات مستقاة من المصادر الأصيلة. وترجمت للأعلام –عدا أشهر الصحابة – الوارد ذكرهم في ثنايا البحث في الحواشي.
ترجمت للخليفتين الراشدين (أبي بكر وعثمان) ولأعلام اللجنة المكلفة بجمع القرآن الكريم في صلب البحث، لما لهم من أهمية بالغة ودور كبير في المهمة.
وعرفت بلفظ (القرآن) لغةً واصطلاحاً، وأوضحت مفهوم الجمع، وبينت صلة القرآن بالقراءات في التمهيد لأهمية كل ذلك، وصلته الوثيقة بالموضوع.
стр. 6
وتعرضت لجمع القرآن الكريم في عهد الخليفتين الراشدين (أبي بكر وعثمان) فقط، حيث إن جمعهما هو الجمع الرسمي، أما ما قيل في جمعه من قبل غيرهما فلا أصل له.
وحاولت بقدر المستطاع أن يمتاز البحث بالجدية، والعمق والأصالة، والتركيز وحسن الترتيب، مع مراعاة كونه مفهوماً لدى عامة الناس ومقبولاً لدى خواصهم.
ملاحظة: لم أتطرق لسرد شبهات حول النص القرآني وجمعه وتفنيدها، لكونه عنواناً مستقلاً، وخامس محاور الندوة.
هذا ما تهيأ لي، فإن كنت موقفاً فهو من الله تعالى، وله الشكر والمنة، وإن كان غير ذلك فلا ألومنّ إلا نفسي، واسأل الله العفو والصفح.
стр. 7
التمهيد
تعريف القرآن:
القرآن (لغةً) مأخوذ من (قرأ) بمعنى: تلا،وهو مصدر مرادف للقراءة، وقد ورد بهذا المعنى في قوله تعالى ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ (القيامة: ١٧-١٨) أي قراءته.
ومنه قول حسان بن ثابت١رضي الله عنه في رثاء عثمان بن عفان رضي الله عنه٢:
ضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحاً وقرآناً
أي: قراءة ٣.
و (القرآن) على وزن فعلان كغفران وشكران، وهو مهموز كما في قراءة جمهور القراء، ويقرأ بالتخفيف (قران) كما في قراءة ابن كثير٤.
وأصله من (القرء) بمعنى الجمع والضم، يقال: قرأت الماء في الحوض، بمعنى جمعته فيه، يقال: ما قرأت الناقة جنيناً، أي لم تضمَّ رحمها على ولد.
وسمى القرآن قرآناً لأنه يجمع الآيات والسور ويضم بعضها إلى بعض٥.
стр. 8
ولقد أصبح (القرآن) علماً شخصياً على كلام الله تعالى، ومنه قوله تعالى ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ ١.
واصطلاحاً:
" هو كلام الله تعالى المنزل على محمد ﷺ للبيان والإعجاز، المجموع بين دفتي المصحف،، المتعبد بتلاوته المنقول بالتواتر جيلاً بعد جيل" وحول هذا المعنى تدور تعريفات كثير من الأصوليين، والفقهاء للقرآن الكريم٢.
يقول الدكتور/ محمد عبد الله دراز ٣:
" روعي في تسميته قرآنا كونه متلواً بالألسن، كما روعي في تسميته كتاباً كونه مدوناً بالأقلام، فكلتا التسميتين من تسمية شيء بالمعنى الواقع عليه، وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين لا في موضع واحد، أعني أنه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعاً (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) ،فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم
стр. 9
المجمع عليه من الأصحاب، المنقول إلينا جيلاً بعد جيل على هيئته التي وضع عليها أول مرة، ولا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر ١".
مفهوم جمع القرآن:
جمع القرآن يعني أمرين اثنين،وهما:
أ-حفظه واستظهاره في الصدور٢:
فقد حفظ الرسول ﷺ كل ما نزل عليه من الوحي في صدره الشريف، وليس أدل على ذلك من قوله تعالى ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ (الأعلى: ٦) ، وكان الرسول ﷺ يعارض جبريل بالقرآن في كل عام مرة، وفي العام الذي انتقل فيه إلى رفيقه الأعلى عارضه مرتين.
كما ثبت ذلك في صحيح البخاري وغيره عن عائشة عن فاطمة ﵄ أنها قالت: أسَرَّ إليَّ النبيُّ ﷺ أنَّ جبريلَ كانَ يعارضُنِي بالقرآنِ كلَّ سنةٍ وأنهُ عارضَنِي العامَ مرَّتينِ ولا أراهُ إلا حضَرَ أجَلِي ٣".
وفي ذلك يقول الإمام أبو عمرو الداني٤:
стр. 10
وكان يعرض على جبريل ... في كل عام جملة التنزيل
فكان يقريه في كل عرضة ... بواحد من الحروف السبعة
حتى إذا كان بقرب الحين ... عرضه عليه مرتين١
كما حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب جم غفير من الصحابة، منهم الخلفاء الراشدون: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وكذلك أبي بن كعب، وعبد الله ابن مسعود، وزيد بن ثابت وأبو الدرداء، وأبو موسى الأشعري، وغيرهم من الصحابة ﵃ وهم الذين دارت أسانيد قراءات الأئمة العشرة عليهم٢.
يقول العلامة ابن الجزري٣:
" ثم إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور، لا على حفظ المصاحف والكتب، وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة، ففي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم أن النبي ﷺ قال: "إن ربي قال لي: قم في قريش فأنذرهم، فقلت له: رب إذاً يثلغوا٤ رأسي حتى يدعوه خبزةً، فقال: مبتليك ومبتلى بك، ومنزل عليك كتاباً لا يغسله الماء تقرؤه نائماً ويقظان، فابعث جنداً أبعث مثلهم، وقاتل بمن أطاعك من عصاك، وأنفق ينفق
стр. 11
عليك" ١، فأخبر تعالى أن القرآن لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء بل يقرؤه في كل حال، كما جاء في صفة أمته" أناجيلهم في صدورهم٢".
وقد ساعدهم على حفظه نزوله منجماً ومفرقاً، ولم يكن هم الصحابة حفظ ألفاظ القرآن فحسب، بل جمعوا إلى حفظ اللفظ فهم المعنى، وتدبر المراد، والعمل بمقتضى ما تضمنه من الأحكام والآداب.
قال أبو عبد الرحمن السلمي٣: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن.. أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً٤.
ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة الواحدة، وهذا هو السر فيما روى أن ابن عمر ﵄ أقام على حفظ سورة البقرة ثمان سنين٥.
أ - كتابته كله حروفاً وكلمات وآيات وسوراً.
وقد حدث ذلك في الصدر الأول ثلاث مرات:
الأولى: في عهد النبي ﷺ ، حيث كان النبي ﷺ ينادي واحداً من كتاب الوحي فيأمره بكتابة ما نزل عليه من الوحي، وكان ﷺ يرشدهم
стр. 12
إلى مواضع الآيات من السور (١، ولم ينتقل الرسول ﷺ إلى رفيقه الأعلى إلا والقرآن كله كان مكتوباً، مرتب الآيات في سورها، غير أنه لم يكن مرتب السور، ولا مجموعاً في مصحف واحد، ولا موجوداً في مكان واحد، بل كان مفرقاً لدى الصحابة، وكان ذلك لما كان يتوقع من نزول ناسخ لآية حكماً أو تلاوة٢.
والثانية: في خلافة أبي بكر ﵁ ٣.
والثالثة: على عهد عثمان بن عفان ﵁ ٤.
وسيأتي تفصيل كل ذلك في الصفحات التالية.
صلة القرآن بالقراءات:
هنا سؤال يطرح نفسه، هو أنه: هل القرآن والقراءات شيء واحدا؟ أي بينهما اتحاد كلّي، أو أنهما شيئان متغايران؟ أي بينهما تغاير كلي.
بين المتأخرين والمعاصرين من علماء القراءات في ذلك خلاف.
أ-يرى بعض المتأخرين من العلماء أن بينهما تغايراً كلياً، أي هما شيئان مختلفان، لأن القرآن هو الوحي المنزل على محمد ﷺ للبيان والإعجاز، والقراءات: هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في الحروف أو في كيفيتها من تخفيف وتشديد وغيرهما...٥
стр. 13
ب-ويرى بعض المعاصرين أنهما حقيقتان بمعنى واحد – أي بينهما اتحاد كلي -، وذلك لأن القرآن: مصدر مرادف للقراءة، والقراءات: جمع قراءة، إذاً فهماً حقيقتان بمعنى واحد، كما أن أحاديث نزول القرآن على الأحرف السبعة تدل دلالة واضحة على أنه لا فرق بينهما، إذ كل منهما وحي منزل١.
ج- والذي نراه هنا – والله أعلم – هو أن نفصل القول في القراءات.
فالقراءات قسمان: المقبولة والمردودة.
أما المقبولة، فهي التي تتوفر فيها الشروط الثلاثة المتفق عليها لقبولها، وهي:
أن تكون القراءة متواترة، وأن توافق وجهاً من وجوه اللغة العربية، وأن توافق أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً.
وهذا القسم هو الذي قال فيه العلماء:
стр. 14
وإريتريا والصومال وما جاورها برواية الإمام الدوري عن أبي عمرو، وقراءة الإمام أبي عمرو هي التي كانت رائجة في أكثر البلاد الإسلامية في عهد الإمام ابن الجزري (أي في القرن الثامن والتاسع الهجري) ١ كما هو حال رواية الإمام حفص اليوم، حيث تقرأ في أكثر من ثلثي العالم الإسلامي.
وعلى هذا، فالقرآن هو عين القراءات المتواترة، وبالعكس كذلك، فهما حقيقتان بمعنى واحد، أي بينهما اتحاد كلي.
وأما المردودة، فهي التي اختل فيها أحد الشروط الثلاثة لقبولها، أو كلها، وهي التي يطلق عليها: الشاذة، وقد قال العلماء فيها:
(١) لا يجوز اعتقاد قرآنيتها.
(٢) لا تجوز القراءة بها تعبداً.
(٣) يجب تعزير من أصر على قراءتها تعبداً وإقراءً.
وعلى هذا، فالقراءات: هي غير القرآن، وبينهما تغاير كلي، لأن الشاذة حتى لو ثبتت قراءة منها بسند صحيح لا يعتقد قرآنيتها، بل تعتبر من الأخبار الآحاد، والخبر الواحد من أقسام الحديث، والحديث غير القرآن٢.
стр. 15
المبحث الأول جمع القرآن على عهد أبي بكر الصديق ﵁
المطلب الأول: أبو بكر وعهده:
هو عبد الله بن عثمان (أبي قحافة) بن عامر بن كعب التيمي القرشي، أبو بكر الصديق، صهر رسول الله ﷺ ، أول الخلفاء الراشدين، ولد بمكة بعد الرسول ﷺ بسنتين وأشهر، وبها نشأ، وهو أول من أسلم من الرجال، وأول من صلى مع الرسول ﷺ ، وكان سباقاً إلى تصديق الرسول ﷺ فمن ثم لقب بالصديق، وهو مزامل النبي في هجرته، وضحى بنفسه وماله في الهجرة، وهو أفضل الناس بعد الرسول ﷺ بإجماع أهل السنة، وقد نزل فيه قرآن كثير١، ونشأ سيداً من سادات قريش، وغنياً من كبار أثريائهم وعالماً بأنساب القبائل وأخبارها وسياستها، له في عصر النبوة مواقف مشرقة وجليلة، وهو صاحب المواقف البطولية يوم وفاة الرسول ﷺ ، وفي قضية أهل الردة والمتنبئين، ففي عهده قضي على المرتدين، وقتل مسيلمة الكذاب، وفتحت اليمامة، وهو الذي نفذ جيش أسامة٢
ويمتد عهد خلافته من عام ١١ –١٣هـ، لمدة سنتين وبضعة أشهر، حيث بويع بالخلافة قبل دفن جثمان الرسول ﷺ وتوفي ﵁ بالمدينة في شهر جمادي الآخرة سنة ١٣هـ.
стр. 16
وفيه قال حسان بن ثابت ﵁ ١:
إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية أتقاها وأعدلها ... إلا النبي وأوفاها بما حملا
والثاني التالي المحمود مشهده ... وأول الناس منهم صدق الرسلا (٢)
стр. 17
المطلب الثاني: بواعث الجمع وأسبابه:
بعد تولي أبي بكر ﵁ إمارة المسلمين واجهته أحداث جسيمة، خصوصاً ما كان من قبل أهل الردة، وما دار بعد ذلك من حروب طاحنة ومعارك عنيفة، خصوصاً ما كان في موقعة اليمامة٣، حيث استشهد فيها عدد كبير من الصحابة، منهم أكثر من سبعين من قراء الصحابة، فاشتد ذلك على الصحابة، ولا سيما على عمر ﵁ فاقترح على أبي بكر ﵁ أن يجمع القرآن، خشية ضياعه بموت الحفاظ وقتل القراء، فتردد أبو بكر لأول الأمر ثم شرح الله صدره لما شرح له صدر عمر ﵁، فكان هو أول من جمع القرآن بين اللوحين٤، وكان أحد الذين حفظوا القرآن كله٥.
стр. 18
ويتضح ذلك من الحديث الصحيح الذي روي عن زيد بن ثابت ﵁ وكان من كتاب الوحي، وقال فيه:
" أَرْسَلَ إِلِيَّ أَبُوبكرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ اليَمَامةِ وعندهُ عُمرُ فقالَ أبو بكرٍ إن عمر أتاني فقال إن القتل قد استحرَّ١ يوم اليمامةِ بالنّاس وإِنِّي أخشَى أن يستَحرَّ القَتْلُ بالقرّاءِ في المواطن فيذْهبَ كثيرٌ من القرآن إلا أن تجمعوه وإني لأرى أن تجمعَ القرآن. قال أبو بكر قلتُ لعمرَ كيفَ أفعلُ شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ فقال عمرُ: هو واللهِ خيرٌ فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري ورأيت الذي رأى عمر. قال زيد بن ثابت وعمر عنده جالسٌ لا يتكلم فقال أبو بكر إنك رجلٌ شابٌ عاقلٌ ولا نتهمك كنتَ تكتبُ الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فاجمعه فو الله لو كلفني نقل جبلٍ من الجبال ما كانَ أثقلَ عليّ مما أمرني به من جمع القرآن. قلتُ كيف تفعلان شيئاً لم يفعله النبي ﷺ فقال أبو بكر هو والله خيرٌ فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرحَ الله له صدر أبي بكرٍ وعمر فقمتُ فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسُبِ وصدور الرجال حتى وجدتُ من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحدٍ غيره ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ (التوبة: ١٢٨،١٢٩) إلى آخرهما وكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفّاه الله ثم عند عمر حتى توفّاه الله ثم عند حفصة بنت عمر٢".
وعلى هذا، فقد بدأ جمع القرآن في عهد أبي بكر ﵁ سنة ١٢هـ.
стр. 19
المطلب الثالث: المكلف بالجمع:
ذكر أبو بكر بن أبي داود عن هشام بن عروة عن أبيه قال: لما استحر القتل بالقراء يومئذ فَرِقَ أبو بكر على القرآن أن يضيع، فقال لعمر بن الخطاب ولزيد بن ثابت اقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه١.
ويبدو من هذا الأثر أن المكلف بجمع المصاحف في عهد أبي بكر اثنان، وهما: عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت.
غير أن جمهور العلماء على أن المكلف بالجمع هو زيد بن ثابت وحده، أما عمر ﵁ فلم يثبت أنه كان مكلفاً بالجمع، والأثر المذكور سابقاً منقطع، فلا يحتج به، وإن سُلّم فيكون المراد: الإشراف على الجمع، والنظر في الشهادة والكتابة.
وزيد هذا، هو:
ابن ثابت بن الضحاك الأنصاري الخزرجي، ولد في المدينة، ونشأ بمكة، وقتل أبوه وهو ابن ست سنين، وهاجر مع النبي ﷺ وهو ابن (١١) سنة، تعلم السريانية في سبعة عشر يوماً٢، وحفظ القرآن الكريم كله عن ظهر قلب في حياة الرسول ﷺ وكان من كتاب الوحي لرسول الله ﷺ مشهوراً بالصدق والأمانة، وتفقه في الدين حتى أصبح رأساً بالمدينة في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض على عهد عمر وعثمان وعلي ﵁، وكان يعد من
стр. 20
الراسخين في العلم، توفي سنة ٤٥هـ، ولما توفي رثاه حسان بن ثابت، وقال أبو هريرة: اليوم مات حبر هذه الأمة وعسى الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفاً١.
لقد اختاره أبو بكر ﵁ لهذه المهمة العظيمة والخطب الجسيم لما تفرس فيه من الأمانة ورجاحة العقل وقربه من الرسول ﷺ واعتماده ﷺ عليه.
يقول العلامة الزرقاني٢ في ذلك:
" اجتمع فيه من المواهب ذات الأثر في جمع القرآن، ما لم يجتمع في غيره من الرجال، إذ كان من حفاظ القرآن، ومن كتاب الوحي لرسول الله ﷺ ، وشهد العرضة الأخيرة للقرآن في ختام حياته ﷺ وكان فوق ذلك معروفاً بخصوبة عقله، وشدة ورعه، وعظم أمانته، وكمال خلقه، واستقامة دينه٣.
وقال: ويؤيد ورعه ودينه وأمانته قوله (فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال، ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن) ٤.
ويشهد بوفرة عقله تردده وتوقفه أول الأمر ومناقشته لأبي بكر حتى راجعه أبو بكر وأقنعه بوجه الصواب.
وينطق بدقة تحريه قوله:
стр. 21
(فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال)
стр. 22
المطلب الرابع: كيفية الجمع:
استثقل زيد بن ثابت المهمة، إلا أنه حينما شرح الله له صدره باشر بها، وبدأ بجمع القرآن بوضع خطة أساسية للتنفيذ، اعتماداً على مصدرين هامين، وهما:
(١) ما كتب أمام الرسول ﷺ وبإملاء منه، وكان زيد نفسه من كتاب الوحي.
(٢) ما كان محفوظاً لدى الصحابة، وكان هو من حفاظه في حياته ﷺ . وكان لا يقبل شيئاً من المكتوب، حتى يتيقن أنه:
أ-مما كتب بين يدي الرسول ﷺ ، وذلك بشهادة شاهدين عدلين٢.
ب-وأنه مما ثبت في العرضة الأخيرة، ولم تنسخ تلاوته.
يدل على ذلك ما أخرجه ابن أبي داود من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: قدم عمر، فقال: من كان تلقى من رسول الله ﷺ شيئاً من القرآن فليأتنا به، وكانوا كتبوا ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئاً حتى يشهد شاهدان٣.
стр. 23
كما يدل عليه ما أخرجه ابن أبي داود أيضاً، ولكن من طريق هشام بن عروة عن أبيه أن أبا بكر قال لعمر وزيد:"اقعدا على باب المسجد، فمن جاء كما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه١".
قال الحافظ ابن حجر٢ (المراد بالشاهدين: الحفظ والكتابة) ٣.
وقد ذهب العلامة السخاوي٤ إلى أن المراد بشاهدين:
رجلان عدلان يشهدان على أنه كتب بين يدي رسول الله ﷺ ، أو أنه من الوجوه السبعة التي نزل بها القرآن٥.
وقال أبو شامة٦: وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي ﷺ ، لا من مجرد الحفظ.
стр. 24
ولم يعتمد زيد على الحفظ وحده، ولذلك قال في الحديث الذي أوردناه عن البخاري سابقاً، إنه لم يجد آخر سورة براءة إلا مع أبي خزيمة، أي: لم يجدها مكتوبة إلا مع أبي خزيمة الأنصاري، مع أن زيداً كان يحفظها، وكان كثير من الصحابة يحفظونها كذلك، ولكنه أراد أن يجمع بين الحفظ والكتابة، زيادة في التوثق، ومبالغة في الاحتياط.
وعلى هذا الدستور الرشيد تم جمع القرآن في صحف بإشراف أبي بكر وعمر وأكابر الصحابة وأجمعت الأمة على ذلك دون نكير، وكان ذلك منقبة خالدة لا يزال التاريخ يذكرها بالجميل لأبي بكر في الإشراف، ولعمر في الاقتراح، ولزيد في التنفيذ، والصحابة في المعاونة والإقرار.
قال علي كرم الله وجه: " أعظم الناس أجراً في المصاحف أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر، هو أول من جمع بين اللوحين١".
وقد قوبلت تلك الصحف التي جمعها زيد بما تستحق من عناية فائقة، فحفظها أبو بكر عنده مدة حياته، ثم حفظها عمر بعده حتى شهادته، ثم حفظتها أم المؤمنين حفصة بنت عمر بعد وفاة والدها، حتى طلبها منها عثمان ﵁ ليستنسخ منها مصاحفه اعتماداً عليها، ثم ردها إليها إيفاء بالعهد الذي أعطاها إياه، فلم تزل عندها حتى أرسل إليها مروان بن الحكم٢ حينما ولي المدينة فأبت، ثم لما توفيت ﵂ سنة ٤٥هـ، حضر مروان جنازتها،
стр. 25
ثم طلب من أخيها عبد الله بن عمر ﵁ فبعث بها إليه فأخذها مروان وأمر بإحراقها ١.
يقول الإمام أبو عمرو الداني في جمع القرآن في العهد الصديقي:
وذاك بعد محنة وشدة ... جرت على الصحب من أهل الردة
واستشهد القرأة الأكابر ... يومئذ هناك والمشاهر
ووصل الأمر إلى الصديق ... فحمد الله على التوفيق
وقال عند ذلك الفاروق ... مقالة أيدها التوفيق
إني أرى القتل قد استحرا ... بحاملي القرآن واستمرا
وربما قد دار مثل ذاكا ... عليهم فعدموا بذاكا
فاستدرك الأمر وما قد كانا ... واعمل على أن تجمع القرآنا
وراجعَ الصديقَ غير مره ... فشرح الله لذاك صدره
فقال لابن ثابت إذ ذاكا ... إني لهذا الأمر قد أراكا
قد كنت بالغداة والعشي ... تكتب وحي الله للنبي
فأنت عندنا من السُّبَّاق ... فاجمع كتاب الله في الأوراق
ففعل الذي به قد أمره ... معتمدا على الذي قد ذكره
وجمع القرآن في الصحائف ... ولم يميز أحرف التخالف
بل رسم السبع من اللغات ... وكل ما صح من القرات
стр. 26
فكانت الصحف في حياته ... عند أبي بكر إلى مماته
ثُمَّتَ عند عمر الفاروق ... حين انقضت خلافة الصديق
ثمت صارت بعدُ عند حفصه ... لما توفي كما في القصة١
مزايا هذه الصحف:
وامتازت هذه الصحف بميزات مهمة، منها:
أولاً: جمع فيها القرآن الكريم على أدق وجوه البحث والتحري، وأسلم أصول التثبت العلمي.
ثانياً: اقتصر فيها على ما تنسخ تلاوته.
ثالثاً: ظفرت بإجماع الصحابة ﵃ عليها، وعلى تواتر ما فيها.
رابعاً: كان هذا الجمع شاملاً للأحرف السبعة التي بها نزل القرآن تيسيرا على الأمة الإسلامية٢.
أما ما ورد في بعض الروايات٣ بأن علياً ﵁ أول من جمع القرآن بعد رسول الله ﷺ فهي – على وهنها وضعفها – تثبت أن علياً أو بعض الصحابة كان قد كتب القرآن في مصحف، وهي مصاحف فردية، ليست لها تلك
стр. 27
الثقة ولم تنل حظها من الدقة والتحري، والجمع والترتيب، والاقتصار على ما لم تنسخ تلاوته، والمزايا التي ذكرناها سابقاً، ولم يحجر أبو بكر على أحد جمع وكتابة مصحف لنفسه، فكتابة القرآن أمر مسموح لجميع المسلمين، وكان الصحابة يكتبونه لأنفسهم، منهم أبي بن كعب١، وابن مسعود... وغيرهما من الصحابة، وإذا كان بعض المصاحف قد سبق في الوجود على صحف أبي بكر فإن جمع أبي بكر هو الأول من نوعه على كل حال٢.
стр. 28
المطلب الخامس: وسائل الجمع:
لم تكن وسائل الكتابة وأدواتها متوفرة وميسرة في عصر الصحابة وما قبله، فكان الناس يستخدمون لتسجيل أفكارهم وأشعارهم ومعاهداتهم ووثائقهم وسائل مختلفة من الأحجار والجلود والعظام والأخشاب وما إلى ذلك من الأشياء المتوفرة لديهم، وذلك لندرة الورق، وهذه الوسائل نفسها هي التي استخدمها الصحابة لكتابة الوحي في حياة الرسول ﷺ فمما ورد ذكره في روايات مختلفة نستطيع أن نعرف بها تلك الوسائل، وهي كالآتي:
العسب، اللخاف، الرقاع، الأضلاع، الأكتاف، قطع الأديم، القضم، الظرر، القراطيس، الصحف، الكرانيف.
هذه الأشياء هي التي ورد ذكرها في كتابة القرآن الكريم في عهد الصحابة ﵃ وقد حاولت استقصاءها مما يتوفر لدي من مراجع – وفيما يلي نعرف كل ما ذكر من ذلك:
стр. 29
(العسب) : جمع عسيب، وهو جريد النخل، كانوا يكشطون الخُوصَ ويكتبون في الطرف العريض منه١.
(اللخاف) : بكسر اللام وبخاء معجمه خفيفة، آخره فاء، جمع: (لَخْفَةٍ) بفتح اللام وسكون الخاء: وهي الحجارة الرقاق، وقال الخطابي: صفائح الحجارة٢.
(الرقاع) : جمع رُقْعَة، وهي التي تكتب٣، قال العلامة الجزائري٤: وقد تكون من جلد أو ورق أو كاغد٥.
(الأضلاع) : جمع ضلع، بكسر الضاد وفتح اللام (على لغة أهل الحجاز) وبإسكانها (على لغة تميم) ، وهي عظام الجنبين٦.
(الأكتاف) : جمع كَتِف، والكَتِف والكِتْف مثل كَذِب وكِذْب: عظم عريض خلف المنكِب، يكون في أصل كتف الحيوان من الناس والدواب، وهو ما فوق العضد، كانوا إذا جفّ كتبوا عليه٧.
стр. 30
(الأقتاب) : جمع قَتَب،وهو الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه، وفي اللسان: والقِتب والقَتَب:إِكاف البعير.. وقيل: هو الإكاف الصغير الذي على قدر سنام البعير، وفي الصحاح: رَحل صغير على قدر السنام١.
(قطع الأديم) : الأديم: الجلد المدبوغ والجمع: أدم بفتحتين٢.
(القضم) :جمع: قضيم، وهو الجلد الأبيض يكتب فيه، وقيل هي الصحيفة البيضاء، قال ابن منظور: وفي حديث الزهري:قبض رسول الله ﷺ والقرآن في العسب والقضم، هي الجلود البيض، واحدها قضيم، ويجمع أيضاً على قَضَم بفتحتين، كأدم وأديم...، عن اللحياني، قال: وجمعها: قُضُم كصحيفة وصحف،... قال الأزهري: القضيم هنا الرق الأبيض الذي يكتب فيه٣.
(الظرر) : حجر له حد كحد السكين، جمع: ظِرار، مثل: رُطب ورِطاب، ورُبع ورِباع، وظِرَّان أيضاً مثل: صُرر وصِردان٤.
(القراطيس) : جمع قرطاس، مثلثة القاف، وهي الصحيفة الثابتة – من أي شيء كانت – التي يكتب فيها، أو الكاغد، ويقال للأديم الذي ينصب للنضال: قرطاس كذلك٥.
وقد وردت الكلمة في سورة الأنعام بالإفراد والجمع في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ (الأنعام: ٧) .
стр. 31
وفي قوله تعالى: ﴿َتجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا﴾ الأنعام:٩١) .
ونقل العلامة السيوطي١ رواية موطأ ابن وهب عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: جمع أبو بكر القرآن في قراطيس٢.
(الألواح) : مفرده: اللوح، وهو: كل صحيفة عريضة من خشب أو عظم كتف إذا كتب عليه٣.
(الصحف) : جمع صحيفة، وهي قطعة من جلد أو قرطاس كتب فيه، والجمع: صحف بضمتين وصحائف، مثل: كريم وكرائم٤.
(الكرانيف) : جمع كُرْنَافَة، بالضم والكسر، وهي أصول الكَرَب – السعف الغلاظ العراض- تبقى في الجذع بعد قطع السعف٥.
هذا، وقد وقع في مغازي موسى بن عقبة٦ –كما نقل عنه السيوطي – عن ابن شهاب قال: لما أصيب المسلمون باليمامة فزع أبو بكر وخاف أن يذهب
стр. 32
من القرآن طائفة، فأقبل الناس بما كان معهم وعندهم حتى جُمِعَ على عهد أبي بكر في الورق، فكان أبو بكر أول من جمع القرآن في الصحف١.
فهذه الرواية، وما نقلنا قبلها من موطأ ابن وهب تثبت بأن وسائل الكتابة المذكورة سابقاً هي ما كتب عليها القرآن الكريم قبل عهد أبي بكر ﵁، أما في عهده ﵁ فقد كتب المصحف كله في الورق.
وقد أيد ذلك الحافظ ابن حجر حيث قال: " إنما كان في الأديم والعسب أولاً، قبل أن يجمع في عهد أبي بكر، ثم جمع في الصحف في عهد أبي بكر، كما دلت عليه الأخبار الصحيحة المترادفة٢.
стр. 33
المطلب السادس: نتائج الجمع وفوائده:
كان من نتائج الجمع في العهد الصديقي:
* أن سجل كامل القرآن الكريم وقيد بالكتابة.
* زال الخوف من ضياعه بوفاة حملته وقرائه.
* حفظ كله في موضع واحد، بعد ما كان مبعثراً في أماكن متفرقة.
* أجمع الصحابة كلهم على ما سجل فيه.
* أصبح بمنزلة وثيقة وسجل يرجع إليه وقت الضرورة.
* زالت شبهة بدعة الجمع من أذهان كثير من الصحابة.
стр. 34
المبحث الثاني جمع القرآن في عهد عثمان بن عفان ﵁
المطلب الأول: عثمان بن عفان وعهده:
عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، أمير المؤمنين وذو النورين، ختن رسول الله ﷺ على ابنتيه، وثالث الخلفاء الراشدين، وأحد المبشرين بالجنة، ولد بمكة سنة: (٤٧) ق هـ، وأسلم بعد البعثة بقليل، كان من أغنياء قريش، وأشرافهم، ومن كتاب الوحي لرسول الله ﷺ ، وهو من السابقين الأولين، ورابع أربعة ممن دخل في الإسلام، وأول المهاجرين مع أهله الهجرتين إلى الحبشة١، ثم إلى المدينة، وأحد الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، وأحد الذين جمعوا القرآن في حياة الرسول ﷺ وحفظوه٢ وكان أشبه الناس بإبراهيم ﵇ وسيدنا محمد ﷺ ٣، واستشهد صبيحة عيد الأضحى في بيته بالمدينة وهو يقرأ القرآن سنة: ٣٥هـ٤.
يبدأ عهد عثمان ﵁ بعد استشهاد عمر ﵁ في: غرة محرم عام: ٢٤هـ، حيث بويع بالخلافة بعد دفن عمر بثلاث ليال، وقد اتسعت الفتوحات في زمنه ﵁، ففي عهده فتحت الري، وحصون كثيرة من الروم، وتوسع في المسجد النبوي، وفتحت الأندلس، واصطخر، وبلاد كثيرة من خراسان،
стр. 35
ونيسابور، وطوس وسرخس ومرو وبيهق وغيرها من البلاد١، وكثر العمران، وتفرق المسلمون في أرجاء البلاد الإسلامية وأقطارها، ونشأ جيل جديد، وطال عهد الناس بالرسول والوحي، وكان أهل كل إقليم من أقاليم الإسلام، يأخذون بقراءة من اشتهر بينهم من الصحابة، فكان بينهم اختلاف في حروف الأداء ووجوه القراءة، بصورة فتحت باب الشقاق والنزاع في المسلمين في أمر القراءة، أشبه بما كان بين الصحابة قبل أن يعلموا أن القرآن نزل على سبعة أحرف، بل كان هذا الشقاق أشد، لبعد عهد هؤلاء بالنبوة، وعدم وجود فيصل بينهم يطمئنون إلى حكمه، ويصدرون جميعاً عن رأيه، واستفحل الداء حتى خطأ بعضهم بعضاً، وكادت تكون فتنة في الأرض وفساد كبير.
стр. 36
المطلب الثاني: بواعث الجمع في العهد العثماني:
الباعث الأساس في جمع القرآن في عهد عثمان ﵁ هو: استدراك اختلاف القراء في وجوه قراءة القرآن الكريم وتخطئه بعضهم البعض، بل وصل الأمر – أحياناً – إلى تكفير بعضهم البعض، فأراد ﵁ جمع الأمة على مصحف موحد مجمع عليه.
روى الإمام البخاري ﵀ في صحيحه: عن ابن شهاب أن أنس بن مالكٍ حدَّثه أنّ حذيفة بن اليمان٢ قدِمَ على عثمانَ وكانَ يغازي أهلَ الشام في فتح
стр. 37
إِرْمينية١ وأذربيجان٢ مع أهل العراقِ فأفزَعَ حُذيفةَ اختلافُهم في القراءةِ فقالَ حُذيفة لعثمانَ: يا أميرَ المؤمنينَ أدركْ هذه الأمّةَ قبلَ أن يختلِفُوا في الكتابِ اختلافَ اليهودِ والنصارى فأرْسَلَ عثمانُ إلى حفصةَ أن أرسلي إلينا بالصُّحف ننسخُها في المصاحفِ ثم نردُّها إليكِ فأرسلتْ بها حفصَةُ إلى عثمانَ فأمَرَ زيدَ بن ثابت وعبد الله بن الزبيرِ وسعيدَ بن العاصِ وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف٣.
وأخرج ابن أبي داود٤ من طريق أبي قلابة أنه قال:
(لما كانت خلافة عثمان، جعل المعلم يعلم قراءة الرجل، والمعلم يعلم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يتلقون فيختلفون حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين، قال أيوب: لا أعلمه إلا قال: حتى كفر بعضهم بقراءة بعض، فبلغ ذلك عثمان، فقام خطيباً فقال: أنتم عندي تختلفون وتلحنون، فمن نأى عني من الأمصار
стр. 38
أشد فيه اختلافاً وأشد لحناً، اجتمعوا يا أصحاب محمد فاكتبوه للناس إماماً١.
وأخرج ابن أبي داود من طريق سويد بن غفلة الجعفي قول علي ﵁.
(يا أيها الناس: لا تغلوا في عثمان ولا تقولوا له إلا خيراً.. فو الله ما فعل الذي فعل المصاحف إلا من ملأ منا جميعاً، فقال: ما تقولون في هذه القراءة؟ فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد أن يكون كفراً، قلنا: فما ترى؟ قال: نرى أن يجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة ولا يكون اختلاف، قلنا: فنعم ما رأيت.. قال: قال علي: والله لو وليت لفعلت مثل الذي فعل) ٢.
لهذه الأسباب والأحداث، رأى عثمان بثاقب رأيه، وصادق نظره، أن يتدارك الأمر، فجمع أعلام الصحابة وذوي البصر منهم، وأجال الرأي بينه وبينهم في علاج هذه الفتنة، فأجمعوا أمرهم على استنساخ مصاحف لإرسالها إلى الأمصار، فيؤمر الناس باعتمادها، والتزام القراءة بما يوافقها، وبإحراق كل ما عداها، وتعتبر تلك المصاحف العثمانية الرسمية الأساس والمرجع المعتمد لحسم الخلاف وقطع النزاع والمراء٣.
وقد نظم ذلك الإمام أبو عمرو الداني ﵀ فقال:
وولي الناسَ الرضا عثمانُ ... وبايع الكل له ودانوا
стр. 39
فحضهم معا على الجهاد ... فانبعث القوم على ميعاد
وقصدوا مصححين النية ... نحو أذربيجان وأرمينيه
فاجتمع الشامي والعراقي ... في ذلك الغزو على وفاق
فسمع البعض قراةَ العبض ... فقابلوا قراتهم بالنقض
واختلفوا في أحرف التلاوة ... حتى بدت بينهم العداوة
ووصل الأمر إلى عثمانِ ... أخبره حذيفةٌ بالشان
وما جرى بينهم هناكا ... وما رأى من أمرهم في ذاكا
وقال هذا الأمر فأدركه ... فهو معضل فلا تتركه
فجمع الإمام من في الدار ... من المهاجرين والأنصار
وقال: قد رأيت أمراً فيه ... مصلحة وهو ما أحكيه
رأيت أن أجمع هذه الصحف ... في مصحف بصورة لا تختلف
أدخله ما بين دفتين ... فصوّب الكل لذي النورين
مقاله وما رأى من ذاكا ... ولم يكن مخالف هناكا١
стр. 40
المطلب الثالث: لجنة الجمع في العهد العثماني:
وقع خلاف في عدد اللجنة المكلفة بالجمع في العهد العثماني:
فقيل: هم خمسة: زيد، وابن الزبير، وابن عباس، عبد الله بن عمرو بن العاص، عبد الرحمن بن الحارث١.
وقيل: هم اثنا عشر رجلاً من قريش وأنصار، فيهم أبي.. ٢
وفي بعض الآثار: يملي سعيد، ويكتب زيد٣.
غير أن ما عليه الجمهور:
أنهم أربعة: زيد بن ثابت من الأنصار، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام (الثلاثة من قريش) ٤.
أما زيد بن ثابت فقد سبقت ترجمته، وأما الثلاثة فهم:
عبد الله بن الزبير:
هو عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، أبو بكر، أمه: أسماء بنت أبي بكر الصديق، أحد العبادلة الأربعة، فارس قريش في زمنه، من خطباء قريش المعدودين، وأول مولود في المدينة بعد الهجرة، بويع له بالخلافة بعد