← Общие книги

Общие книги · id 11136

أصول الدعوة وطرقها 1 - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (278 стр.). Показаны 246–278 · переход к 251.

стр. 246

أخطأ بالتوبة والاستغفار، قال ﷺ : ((كلّ بني آدم خطّاء، وخيْر الخطّائين التّوابّون)). ولذلك خفّف الإسلام من عقوبة القتل الخطإ، وأثاب على اجتهاد الحكّام والعلماء، وجعل لهم أجراً عن الخطإ وأجريْن عن الصواب؛ فعن عمر بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا حَكَم الحاكم فاجتهد ثم أصاب، فله أجران. وإذا حَكَم فاجتهد ثم أخطأ، فله أجْر))، رواه الشيخان. كذلك من أمَارات دفْع الحرج ودفْع المشقّة: رفْع المؤاخذة عن المُكره إذا أُُرغم على قوْل أو فعْل يخالف الإسلام، ولم يستطع الصّمود والمقاومة؛ قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النحل:١٠٦). أمَارات الوسطيّة والاعتدال في الدّعوة خامساً: من أمَارات الوسطية والاعتدال في الدّعوة إلى الله: مراعاة غرائز الإنسان، وتحقيق مطالب النّفْس والجسد. لقد أودع الله داخل الإنسان أنواعاً من الغرائز تتفاعل داخل كيانه، وتتدافع في تعادل دقيق وتوازن مُعجز، وهي أمر مشترك بين البشر جميعاً؛ غير أنهم متفاوتون فيها، إما بانضباطها والارتقاء بها والاعتدال في ممارستها، أو الانحراف بها عن الطريق السّويّ والسلوك المهذّب. فالغرائز استعداد فطري لا يحتاج إلى تعلّم، تدفع الكائن إلى القيام بسلوك خاص. والدوافع التي تكمن وراء الغرائز صنّفها العلماء إلى أربعة أنواع:

стр. 247

النوع الأول: دوافع تَكْفل المحافظة على بقاء الفرد، كالجوع والعطش اللّذان يُحرِّكان غريزة البحث عن الطعام. النوع الثاني: دوافع تَكْفل المحافظة على بقاء النوع، كالجنس والأبوّة اللّذان يدفعان غريزتَيْ تجاذب الرّجُل للمرأة من خلال الحبّ الفطري الذي يوثِّقه عقد الزواج. النوع الثالث: دوافع الطوارئ، وهي وثيقة الصّلة بالمحافظة على بقاء الفرد والنوع، كدافع المقاتلة، والخوف، والهرب. النوع الرابع: دوافع تمكّن الفرْد من التّعرّف على البيئة التي حوله، كدافع الاجتماع، والتّعاون، وحبّ الاستطلاع. وهذه الغرائز إن لم تُحكم بميزان الشّرع أو تُضبط بمقاييس العقل السليم، فإنها تنطلق مسعورةً لإشباع حاجاتها دون رويّة وتدبّر، ودون الْتفات لأوامر الله، متجاهلة الأحكام الشرعية، ومحطِّمة للتقاليد الاجتماعية. ولقد وضع الإسلام هذه الغرائز في حدود ما خلَقها الله مِن أجْله، ووضَع لها الضوابط وفْقَ ما شرعه الله من ثواب وعقاب وإقامة الحدود، وجعل السلوك الإنساني في إشباع تلك الغرائز يسير حسب سنن الفطرة، دون كبْت أو حرمان أو قهرٍ لها. ولم يترك الإسلام لها الحبْل على الغارب، لتندفع هائجة تُحطِّم القِيَم وتنتهك الأعراض. فغريزة الجنس وضَع لها الإسلام الضوابط، حيث جعَل علاقة الرجل بالمرأة لا يتمّ إلاّ في إطار عقد الزواج، وسمّاه: ﴿مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾ (الأحزاب:٧)، ويسّر سُبل الزواج، وأباح التّعدّد لِمَن يقدر على ذلك. وأيّ علاقة بين الرجُل والمرأة بعيدة عن علاقات الزوجيّة فهي علاقة آثمة، ومن الكبائر التي توجب إقامة الحدّ في الدنيا وعذاب الله في الآخِرة، إن لم يعلن ذوو هذه العلاقة عن توبتهما.

стр. 248

وغريزة حبّ المال وجمْعه وإنفاقه، وضَع لها الإسلام النّظم والتشريعات التي تُشبع هذه الغريزة؛ فجعل جمْعه لا يكون إلاّ من حلال، ولا يُنفق إلاّ على الأهل أو في وجوه الخير، مع الاعتدال في النفقة. وقد أباح الإسلام حرّيّة التّملّك والتّصرّف، ولكن في حدود ضوابط الشرع وأحكامه. وكذلك حرّم الله بعض المطعومات والمشروبات التي تَدفع بالإنسان إلى ضياع عقْله وهلاك صحّته، لتستقيم بذلك حياةُ الإنسان في تعادل وتناسق وتوازن يتلاءم مع فطرة الله التي فطر الإنسان عليها. قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (الروم:٣٠). ولهذا حرّم الإسلام بعض الأمور التي قد تعود على الإنسان بالضرر، قال نعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ (المائدة:٣). هذه بعضُ خصائص الدّعوة إلى الله التي تفرّد بها وتتميّز عن كافّة الشرائع والنُّظم الأخرى، قال تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ (البقرة:١٣٨). هذا وبالله التوفيق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 249

الدرس: ١٤ من صفات الدعاة .

стр. 250

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الرابع عشر (من صفات الدعاة) ١ - مِن صِفات الدّعاة من صفات الدعاة: التمهيد التمهيد: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: فإنّ تاريخ البشرية الضّارب في أعماق الزمن، والمُمتدّ عقِب قرون طويلة وحقبٍ متتابعة، ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالدّعوة إلى الله، وامتزج بوحي السماء ورسالات الأنبياء، امتزاجاً بتغلغل داخل النفْس البشرية، فأثّر في مشاعرها وسلوكها. وتطلّعت الإنسانية واشرأبّت أعناقها، وتعلّقت آمالها إلى تلك الكوكبة من الأنبياء والمرسَلين، الذين اصطفاهم الله من بيْن خلْقه، وربّاهم تربية خاصة، يتمثل فيهم الكمالُ الإنساني بأسمى صُوَره وأنبل مُثُلِه، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ﴾ (الحج:٧٥). وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (آل عمران:٣٣، ٣٤). وذكَر القرآن الكريم صُنْع الله المُتقَن في تكوين الأنبياء والمرسلين، وإعدادهم الدقيق ليتحمّلوا أعباء الدعوة إلى الله؛ فقال الله عن موسى ﵇: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ (طه:٣٩). وتحدّث القرآن عن يوسف ﵇، فقال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (القصص:١٤). وأخبر القرآن الكريم عن إعداده لِيحيى ﵇ وهو ما زال صبياً، فقال تعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً﴾ (مريم:١٢). وتُوِّج هذا الإعداد والاصطفاء والاختيار بأشرف الخلْق وخاتم الرّسُل: محمد ﷺ ، الذي أعدّه الله للنبوّة والرسالة قبل خلْق آدم ﵇؛ فعن العرباض بن سارية

стр. 251

قال: قال رسول الله ﷺ : ((إني عند الله لَخاتَمُ النّبيِّين، وإنّ آدم لَمُجَنْدَلٌ في طينَتِه))، مسند الإمام أحمد. قال تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ (الشعراء:٢١٩). عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: "تقلّبك من نبيّ إلى نبيّ حتى أخرجْتُك نبياً". قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفَسِكُمْ﴾ (التوبة:١٢٨) -بفتح الفاء-، وقرأ جمهور القراء بالضّمّ. وروى عليّ بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿مِنْ أَنْفَسِكُمْ﴾، قال: ((نَسَباً، وصِهراً، وحَسَباً؛ ليس في آبائي مِن لدن آدم سِفاح. كلّها نكاح)). وهذا الإعداد الإلهي، أشار إليه القرآن الكريم في مطلع سورة (النجم)، قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ (النجم:١ - ٥). ولقد وصَفه الحق ﵎ بأوصاف انفرد بها ﷺ عن غيره؛ فهو نور، قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ (المائدة:١٥). وهو سراج منير، قال تعالى: ﴿وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ (الفرقان:٦١). وهو خالد الذِّكر إلى يوم القيامة وما بعدها، قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (الشَّرح:٤). قال قتادة: "رفَع الله تعالى ذكْره في الدنيا والآخرة؛ فليس خطيب، ولا مُتشهِّد، ولا صاحب صلاة، إلاّ يقول: "أشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله". وروى أبو سعيد الخُدْري ﵁، أن النبي ﷺ قال: ((أتاني جبريل ﵇ فقال: إنّ ربّي وربّك يقول: تدري كيف رفعتُ ذكْرَك؟ قلتُ: الله ورسوله أعلم. قال: إذا ذُكرتُ، ذُكرْتَ معي)).

стр. 252

هذا الاجتباء والاصطفاء والاختيار والإعداد لرسول الله ﷺ شَمل فضلُه وشرفُه هذه الأمّة. قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران:١١٠). فازدادت مكانة الأمّة وعلا شأنها بين العالمين بِشرف اتّباعهم لرسول الله ﷺ ، والتزامهم بشرْعه، وحمْلهم لدعْوته، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف: ١٥٦، ١٥٧). وعن فضْل رسول الله ﷺ وفضْل أمّته، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ (البقرة:١٤٣). فهذه الأمّة نبْت طيِّب مبارك، غُرستْ جذورها، وتسامتْ فروعها، وامتدّ خيْرها، وعمّ نفعُها العالمين، مِن خلال القرآن الكريم وسُنّة الرسول ﷺ . فهي تتحمّل على عاتقها وحْدها دون سواها من الأمم، حفْظ وتبليغ وحْي السماء، ورسالات الأنبياء، وسلوك الأتقياء، ومطالَبَةٌ شرْعاً، وواجبٌ عليها: أن تَحمل أمانة الماضي والحاضر والمستقبل؛ فسعادة البشرية في الدنيا والآخرة مرتبطة بهذه الأمّة، ومرتبطة بدعْوتها إلى الله، قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران:١٠٤).

стр. 253

فأمّة الدّعوة إلى الله مطالبةٌ وجوباً وشرعاً: أن تصحّح عقائد البشرية، وأن توجّهها إلى الصراط المستقيم والسلوك القويم، وأن تُقيم موازين الحقّ والعدل والأمْن في العالم، قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام:١٥١، ١٥٣). هذه الوصايا هي الأسس العقائدية والسلوكية التي جاء بها الأنبياء والمرسلون، وتُمثِّل وحدة التربية العقائدية والعقلية، والتزكية القلبية، والطهارة النفسية للبشرية، والتي قامت عليها الدّعوة إلى الله والتزكية عبر مسيرة الإنسانية، حتى وصلت إلى خاتَم الرسل ﷺ . وتحمّل المسلمون شرَف تبليغها، والجهاد من أجلها، حتى يرث الله الأرض ومن عليها؛ قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ (الزُّخرُف:٤٤). ولقد ذكَر القرآن الكريم أنّ عُلوّ مكانة المسلمين، وارتفاع شأنهم وذِكْرهم بين العالمين، لن يكون إلا بهذا الدِّين؛ قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ (الأنبياء:١٠). ولن يتسنّى تحقيقُ هذا الواجب الشرعيّ على المسلمين إلاّ بوجود دُعاة إلى الله ذوي مواهب خاصّة، وملَكات معيّنة، وقدرات متميّزة، لأنهم يدْعون إلى وحي السماء ورسالات الأنبياء.

стр. 254

إنهم دُعاة إلى الله، فهم يتحرّرون من التّبعيّة لأيّ عقيدة وفكْر غير الإسلام، ولا يخضعون لرأي يُخالف ثوابتهم الدِّينية أصولَهم العقائدية. إنهم يحملون في صدورهم خير الأعمال منزلةً وأشرفها مكانةً، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فُصِّلَت:٣٣). ويجب أن يعرف الدّعاة أن الدّعوة إلى الله هي تاجٌ على رؤوسهم، وشرَف يزيّن جباهَهم، لأنهم يضمّون بين حنايا قلوبهم وطوايا نفوسهم أشرفّ عمل لأعظم رسالة، وأسمى هدف لأكرم غاية، توجب على الناس السماعَ إليهم وإجابة دعوتهم، قال تعالى: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لاَ يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (الأحقاف:٣١، ٣٢). وعلى الأمّة أن تنتقي مِن بين أبنائها صفْوة العقول وخلاصَة النابهين، وأن تُعِدّهم إعداداً عقائدياً وفكرياً وسلوكياً للقيام بأعباء الدّعوة إلى الله. هذا هو الواجب المأمول وما ينبغي أن يكون. غير أنّ واقع الدّعاة في جميع بلاد المسلمين يُرثى له ويؤسَف عليه؛ فالدعوة إلى الله وما يتعلّق بشوؤنها تأتي في مؤخّرة الاهتمامات، وأقسام الدّعوة في الكلّيّات تكاد تغلق أبوابها من قلّة الراغبين فيها، ولا يلتحق بها إلاّ أصحاب المجامع المتدنِّية والقُدرات المتواضعة. وقد يبرز من بين هؤلاء من وهَبَهم الله ملَكات الدّعوة ومقوّماتها، ولكنّ عدَدهم في كلّ دفعة لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، ليتحقّق بهم قول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحِجر:٩). وسوف نبيِّن في المباحث التالية صفات الداعي، وما يجب أن يتحلّى به خُلُقياً وفكرياً وعملياً.

стр. 255

من صِفات الدّاعي إلى الله أولاً: الالتزام بما يدعو إليه: إنّ أُولى خُطوات نجاح الدّاعي في دعْوته، واستماع الناس له، وتأثّرهم به والتفافهم من حوله، يرجع إلى القُدوة الحسَنة والأسْوة الطّيِّبة، وأن يكون في تصرّفاته ومعاملاته مرآةً صادقة ونموذجاً حياً لِمَا يدعو إليه. ولقد كان من أبرز عوامل نجاح الرسول ﷺ في دعْوته إلى الله: أنه كان يجسِّد الكمال البشريّ أمام قوْمه، حتى أنهم قبل البعثة كانوا يُلقِّبونه بـ"الصادق الأمين". وظهرت أخلاقه الحميدة وسجاياه الكريمة منذ أن كان شاباً؛ فقد تحدّث عمّه أبو طالب عنه حينما ذهب يخطب إليه السيدة خديجة ﵂ مِن عمّها: عمرو بن أسد، وممّا جاء في خطبة القِران: "ثم إنّ هذا محمدٌ بن عبد الله، لا يوزن به رجُلٌ إلاّ رجح به شرفاً ونبلاً وفضلاً وعقلاً. وإن كان في المال قلّ، فإنّ المال ظلّ زائل، وأمْر حائل، وعارية مُسترجَعة. وهو -والله- بعد هذا له نبأ عظيم وخطْبٌ جليل". فقال عمرو بن أسد عمّ السيدة خديجة ﵂، عن رسول الله ﷺ : هو الفحل لا يُجدع أنفُه". وحينما وقف النبي ﷺ على جبل الصفا يُعلن على أهل مكة الإسلام، فقال لهم: ((لو أخبرتُكم أنّ خيلاً وراء هذا الوادي تُريد أن تُغير عليكم، أكنتم مُصدِّقيّ؟))، قالوا: "نعم؛ ما جرّبنا عليك كذباً قط".

стр. 256

فلقد كان ﷺ موضع ثقة قريش، ومحلّ احترامها. وكان له الفضل الكبير قبل البعثة في رأب الصدع، ومنْع الحرب التي كادت تنشب حينما اختلفوا على مَن ينال منهم شرَف وضْع الحجر الأسود مكانَه عند إعادة بناء الكعبة. وحينما أبصروه ﷺ قالوا: "هذا هو الأمين! ارتضيناه حَكَماً". إذا كان هذا خُلُق الرسول ﷺ قبل البعثة التي تفرّد بها بين أقرانه، فإنّ الأمْر بعد البعثة وخلال مراحل الدّعوة في مكة المكرمة والمدينة المنورة اختلف اختلافاً كثيراً؛ فلقد أصبح ﷺ رسول الله إلى الإنسانية جمعاء؛ قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ (الأعراف:١٥٨)، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء:١٠٧). ومن ثَم، أصبح ﷺ القُدوة الحسَنة والأسوة الطيبة، فكان بحقّ قرآناً يمشي على الأرض. فقد سئلت السيدة عائشة ﵂ عن خُلُقه ﷺ ، فقالت: ((كان خُلُقه: القرآن)). وأخبر القرآن الكريم عن خُلقه ﷺ بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم:٤). ولقد وجد الصحابة -رضوان الله عليهم- في الرسول ﷺ المَثَل الأعلى والنموذج العظيم في الخُلُق الكريم، والأدب الرفيع، والسلوك المهذّب العالي؛ فاقتدَوْا به، والتزموا بأقواله وأفعاله. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ (الأحزاب:٢١). يقول ابن كثير: "هذه الآية: أصل كبير في التّأسّي برسول الله ﷺ في أقواله وأفعاله وأحواله؛ ولهذا أمَر الله ﵎ الناس بالتّأسي بالنبيّ ﷺ يوم

стр. 257

الأحزاب، في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته، وانتظار الفرَج من ربه صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدِّين". وقد أصبح من كمال إيمان المؤمن: الاقتداء برسول الله ﷺ ، والتّحلّي بمكارم الأخلاق، ومحاسن الشِّيم، ومحامد الفضائل، التي اشتهر بها ﷺ . وإذا كان هذا لازماً للمسلمين جميعاً، فإنه للداعي أكثر لزوماً وأشدّ وجوباً. فينبغي أن يكون في سلوكه وتصرّفاته مثلاً أعلى لمَن يَدْعوهم، ونموذجاً يَقتدي به ويحتذي حذْوه الآخَرون. فحيثما يدعو إلى فضيلة من الفضائل، يكون عنوانها والرائد فيها. وإذا ما دعا إلى عمل من أعمال الخير والبِرّ، يكون له قصب السّبْق في هذا المضمار ولو بالقليل. ولو نهى عن منكر يكون أوّل البعيدين عنه. وإن من معوقات الدّعوة، ومن أسباب فشل بعض الدعاة: أنّ أفعالهم تُخالف أقوالهم، وأنّ سلوكهم يتنافى مع ما يَدْعون إليه. فيدعو أحدُهم إلى الكَرَم، وهو لا يجود ببعض ماله -وإن قلّ- في سبيل الله. ويتحدّث عن الشجاعة، وهو يرتعد خائفاً مذعوراً من كلمة حقّ أمام سلطان جائر. ولقد عاتب الله جماعة من المؤمنين، لأنّ أفعالهم تتناقض مع أقوالهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ (الصف:٢، ٣). كما فضح الله سلوك بني إسرائيل ومَنْ على شاكِلتهم ممّن يأمُرون الناس بالبِرّ ولا يفعلونه، وينهوْن عن الفحشاء والمنكر ويرتكبونها، قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة:٤٤). فإنّ من أعظم القبائح والذنوب: أن يعْرف العالِم والدّاعية الخير ويدعو إليه، وهو أبعد الناس عنه، وينهى عن المنكر ويفْعله.

стр. 258

ولقد شبّه الرسول ﷺ مَن يَعِظ غيره ولا يَتّعظ بمن يكون كالسراج: يُضئ للناس ويُحرق نفْسَه. فعن جُندب بن عبد الله ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((مَثَل العالِم الذي يُعلِّم الناسَ الخيْر ولا يعمل به، كمَثَل السِّراج يُضئ للناس ويُحرِق نفْسَه))، رواه الطبراني. وعن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((مررتُ ليلة أُسْرِي بي على قوم تُقرَض شِفاهُهم وألسنتُهم بمقاريض من نارٍ، قلت: مَن هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خُطباء أمّتك الذين يأمرون الناس بالبِرّ وينْسَوْن أنْفسَهم))، رواه ابن حبان. وعن أسامة بن زيد بن حارثة ﵁، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: ((يُؤتَى بالرّجُل يوم القيامة، فيُلقَى في النار، فتندلِق أقتاب بطنه -أي: تخرج أمعاؤه-، فيدور بها كما يدور الحمار في الرّحَى. فيجتمع عليه أهل النار، فيقولون: يا فلان مالَك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهَى عن المنكر؟ فيقول: بلَى، قد كنتُ آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتية))، متفق عليه. وممّا تجدر ملاحظته: أنّ الداعية قد يأمر ويحثّ على فعل خير وليس في استطاعته القيام به؛ فهذا لا حرج عليه، كمَن يدعو إلى الجهاد في سبيل الله، وتمْنعه من المشاركة عاهة أو كِبَر سنّ، أو كمَن يحثّ الأغنياء بدفْع زكاة أموالهم، وهو لا يَملك نصاباً. أمّا الجرم الأكبر: أن يقترف المنكرات، وهو يعلم حرمتها. فعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله يعافي الأمِّيِّين يوم القيامة ما لا يُعافي العلماء))، ابن كثير.

стр. 259

روى الوليد بن عقبة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: ((إنّ أناساً من أهل الجنّة يطّلعون على أناس من أهل النار، فيقولون: بِم دخلْتم النار؟ فوالله ما دخلنا الجنّة إلا بما تعلّمْنا منكم. فيقولون: إنّا كنّا نقول ولا نفعل))، المرجع السابق. قال الإمام علي بن أبي طالب ﵁: "من نصّب نفسه إماماً للناس، فلْيبْدأْ بتعليم نفْسه قبْل تعليم غيره، ولْيَكنْ تهذيبه بسيرته قبل تهذيبه بلسانه. ومعلّم نفْسه ومُهذِّبها أحق بالإجلال من معلِّم الناس ومهذِّبهم". وهل يجني الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ولا يتّعظون، ويُرشدون ولا يسترشدون، إلا سخرية العباد وسُخط ربّ العباد. ولهذا قيل: "فِعْل رجل في ألْف رجُل، أقوى من قول ألْف رجُل في رجُل". وعلى الدّاعية: أن يكون أحرص على إصلاح سِرّه منه على إصلاح جَهره، وليكن اهتمامه بنظافة باطنه أكثر من اهتمامه بنظافة ظاهره. وعلى الدّاعية: أن يكون صريحاً من نفسه، فلا يخادعها، ومع الناس فلا يرائيهم؛ وليس هذا شأن الدعاة فحسب، ولكن شأن كلّ مَن يلي أمراً من أمور المؤمنين في كلّ شؤون الحياة. ولقد تحدّث الشعراء والأدباء عن أولئك البعض الذين يقولون ما لا يفعلون ومن ذلك: يا واعظ الناس قد أصبحت مُتّهَماً ... إذا عِبت أموراً أنت تأتيها أصبحت تنصحُهم بالوعظ مُجتهداً ... والموبقات لَعَمري أنت جانيها تعيب دنيا وناساً راغبين لها ... وأنت أكثرُ الناسِ رغبةً فيها ومن عيون الشعر العربي: لا تَنْه عن خُلُق وتأتي مثْلَه ... عارٌ عليك إذا فعَلتَ عظيمُ

стр. 260

وإنه من عوامل نجاح الدّعاة إلى الله: أن تتحقّق فيهم الأمور التالية: الأول: عُمق الإيمان بما يَدْعون إليه، وكمالُ الاقتناع بما ينصحون به. وهذا الشرط واجب التّحقيق في كل داعٍ. فإن تستّر بستار زائف من الإيمان الظاهري الذي لم يتغلغل في عقله ويستقرّ في مشاعره وعواطفه، وإن تظاهر في صورة حَمل وديع، ولكنّ قلبه قلب ذئب مفترس، فقد نقله الشّرع من جماعة المؤمنين إلى زمرة المنافقين؛ قال ﷺ : ((آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذَب، وإذا وعَد أخلف، وإذا اؤتُمِن خان)). فإنّ هؤلاء يخدعون أنفسهم، قال تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (البقرة:٩). الأمر الثاني: القيام الفعليّ بأداء الدّاعي ما يدعو إليه أو ينصح به. إنّ قيام الدّعاة إلى الله بأداء ما افترض الله على عباده من عبادات، وما أمَر به من طاعات: معيار النّجاح في دعْوتهم واقتناع الناس بهم؛ ولذلك أمَر الله الرسول ﷺ والمسلمين معه بالاستقامة في أداء العبادات واجتناب المنهيّات، قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (هود:١١٢). وقال تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (الشورى:١٥). ولقد كانت أهمّ عوامل انتشار الإسلام، واقتناع الناس به: أنهم وجدوا في أقوال الرسول ﷺ وأفعاله صورة صادقةً وواقعاً ملموساً لِما يدعو إليه. وهذا ما بيّنه جيفر بن الجلَنْدى ملك عُمان عن سبب إسلامه بعد أن أرسل ﷺ له برسالة مع عمرو بن العاص،

стр. 261

قال جيْفر: "إنه -والله- لقد دلّني على هذا النبي الأمّي: أنه لا يأمر بخير إلاّ كان أوّل مَن أخذ به، ولا ينهى عن شرّ إلاّ كان أوّل تاركٍ له، وأنه يَغلب فلا يَبطر، ويُغلب فلا يَضجر، وأنه يفي بالعهد ويُنجز الوعد". الأمر الثالث: الدّعوة إلى الله على بصيرة. فإنّ من عوامل نجاح الدّعاة إلى الله: أن يكونوا على علْم وافٍ لِما يدعون إليه، وعلى بصيرة بأمور الدِّين، ووعي تامّ بأحوال المجتمعات التي يدعون إلى الله فيها، وأن تكون لديهم رؤية ثاقبة ونظرة فاحصة لِما يطرأ على ميادين الدّعوة إلى الله من موانع ومعوقات، وكيف يتعاملون معها بالحكمة والموعظة الحسَنة دون إثارة الشحناء والبغضاء؛ قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف:١٠٨). وسوف نوضّح مفهوم الدّعوة على بصيرة في مبحث خاص -إن شاء الله تعالى-. الاقتداء برسول الله والتّأسّي به ﷺ - ثانياً: من صِفات الدّاعي إلى الله: الاقتداء بالرسول ﷺ والتّأسّي به. لقد تجمّعت ينابيعُ وروافدُ الرسالات السماوية التي أنزلها الله على أنبيائه ورسُله عبر تاريخ الإنسانية في رافد واحد وهو: الإسلام، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ (آل عمران:١٩). وتجسّدت أخلاق وشمائل الأنبياء والمرسلين جميعاً في شخص سيّدنا محمد ﷺ الذي نسختْ رسالته كلّ الرسالات، وختم الله به الأنبياء والرسُل، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠).

стр. 262

وشخصية الرسول ﷺ تَكمن فيها جوانب العظمة، ويتعدّد فيها الكمال البشريّ المتوّج بوحي الله، فيزيده تألّقاً وجلالاً وجمالاً. وقد وصَفه القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم:٤). إنّ شخصية الرسول ﷺ كنجوم السماء المتلألئة التي تُبدِّد ظلمة الليل وتُبشِّر بضوء الصباح، ولا يعرف الناس عن أحجامها وأجرامها إلاّ القليل؛ ومهما استجلى حقيقتَها العلماء ورصدتْها المراصد والمطالع الفلَكية، فإنها لا تحصل إلاّ على النّزر اليسير عن مقدارها. والرسول ﷺ اصطفاه الله من بين البشر، وفضّله على سائر الخلْق، وأسبغ عليه من فضائل الأخلاق ومحامد الصفات وحسن الأقوال والأفعال، ما لا يُمكن حصْره، ممّا جعَله قدوة حسَنة وأسوة طيّبة ورحمة للعالمين؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء:١٠٧). ولقد حدّد القرآن الكريم معالم وملامح الرسول ﷺ ، وبيّن هدف رسالته والغاية المرجوّة فيها في آيتيْن، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ (الكهف:١١٠). وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة:١٢٨). وحياة الرسول ﷺ غزيرة العطاء، كثيرة المحامد، تتعادل كلّها وتتوازن في تناسق وتكامل، فلا يبرز خُلُق عن خُلُق آخر، ولا تعلو صفة على صفة أخرى. فهو ﷺ مَعين لا يَنضب لكلّ خُلُق، ونهر عذب فرات يروي ظمأ كل مغترف منه. فهو البشر الرسول المؤيَّد بالوحي، المعصوم من الزلل والخطإ. تتألّف فيه شخصية المربِّي والمعلِّم والموجِّه لأصحابه إلى مجامع الخير. وهو القائد البارع الذي

стр. 263

يقود الجيوش، ويبعث بالسرايا، ويُعطي المَثَل الأعلى في تنظيم الجيوش وآداب الحروب. وفي ميدان السياسة، فهو ﷺ السّياسيّ البارع الذي يملك نواصي القلوب بالحكمة والموعظة الحسنة، يستقبل الوفود، ويرسل الرسل، ويبعث بالكتب إلى أكاسرة الفُرس وقياصرة الرّوم وأمراء الجزيرة. وهو ﷺ خير زوج يُحسن معاملة زوجاته، ويَعدل بينهنّ، ويستمع إليهن، ويأخذ برأيهنّ، وتتملّكه الرحمة والشفقة بالمؤمنين وبالإنسانية جمعاء، وعلى كلّ من حوله حتى الحيوانات. وهكذا كلّ ميدان من ميادين الحياة الدِّينية والاجتماعية، تتألق فيها عظمة الرسول ﷺ ، ويكون هو الرائد فيها، والمَثَل الأعلى لأمّته وللإنسانية إلى قيام الساعة. وما انتكست البشرية في أخلاقها، وما تدهورت أوضاعُها، وما فقد العالَم الأمن والأمان، إلا بسبب عدم الاقتداء برسول الله ﷺ ؛ قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ (الأنعام:١٠٤). والاقتداء برسول الله ﷺ ليس ترفاً فكرياً، أو سلوكاً اختيارياً، تأخذ به الأمّة متى شاءت، وتتغاضى عنه متى أرادت؛ بل هو أصْل من أصول الإسلام، وجوهر عقيدة هذا الدَِّين، ومعْلم بارز من ثوابت هذه الأمّة وملامح شخصيّتها التي تميّزت بها عن الناس جميعاً؛ قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ (التوبة:١٢٨). وحبّ الرسول ﷺ ليس كلمات تُردَّد، وأناشيد يشدو بها المُنشِدون، ولكنه حبّ عميق، والتزام بشرْعه، واقتداء بسنّته واتِّباع لشخصه؛ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (آل عمران:٣١).

стр. 264

هذا الاقتداء والحبّ يجب أن يضَعَه المسلم في مقدّمة أموره، ويجعله من أوّليات حياته، وأن لا يعادل به الدنيا بأسرها، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة:٢٤). ولقد بيّن القرآن الكريم: أن الاستجابة لأمْر الله والاقتداء برسول الله هو إكسير الحياة الكريمة العزيزة لهذه الأمّة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (الأنفال:٢٤). ولقد وضحت شفقةُ الرسول ﷺ على هذه الأمّة، ورحمتُه بها، ومدى حاجتها إلى سُنّته والاقتداء به، ولا سيما الدّعاة إلى الله؛ فعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مَثَلي ومَثَلكم كمَثَل رجل أوقد ناراً، فجعل الجنادب والفراش يقعْن فيها، وهو يذبّهن عنها. وأنا آخذ بحُجزكم عن النار، وأنتم تفلّتون من يديّ))، رواه مسلم. الجنادب: مثل الجراد والفراش الذي ينجذب للنار، والحُجُز: جمع حُجزة، وهو: معقد الإزار. ولقد تعدّدت النصوص من القرآن والسُّنّة على وجوب الاقتداء بالرسول ﷺ . فمن القرآن الكريم: - قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (النساء:٥٩). - وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه﴾ (النساء:٨٠).

стр. 265

- وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور:٦٣). ومِن السنة: ١ - عن العرباض بن سارية ﵁، قال: وعَظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغةً، وجلتْ منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله. كأنها موعظة مودِّع، فأوْصنا! قال: ((أوصيكم بتقوى الله، والسّمع والطاعة، وإن تأمّر عليكم عبدٌ حبشيّ. وإنه مَن يعِشْ منكم فسيرى اختلافاً كثيراً. فعليْكم بسُنّتي وسُنّة الخلفاء الراشدين المهديِّين! عَضّوا عليها بالنواجذ! وإيّاكم ومُحدَثات الأمور! فإنّ كل محدَثَة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة))، رواه أبو داود، والترمذي وقال: "حديث حسن صحيح". ٢ - قال ﷺ : ((تركْتُ فيكم ما إن تمسّكتُم به لن تضِلّوا بعدي أبداً: كتاب الله وسُنّتي)). وإذا كان الاقتداء برسول الله ﷺ أمْراً واجباً على مجموع الأمّة، فهو على الدّعاة إلى الله أشدّ وجوباً، لأنّ العلماء هم ورَثة الأنبياء، وينبغي عليهم أن يتّبعوا خُطى النبي ﷺ في دعْوته، وأن ينهجوا نهجه في وسائل الدّعوة وأساليبها، ويتأسّوْن به ﷺ في التّغلّب على معوقات الدّعوة والصبر على القيام بها. ويجب على الدّعاة إلى الله أن لا يقف الأمر على مجرّد الاقتداء والاتّباع، ولكن ينبغي عليهم أن يُدافعوا عن سُنّة الرسول ﷺ ، وأن يَردّوا عنها شبهات المستشرقين ومطاعن بعض العلمانيِّين من أبناء المسلمين، الذين تربّوْا على موائد الغرب، وتبنّوْا ثقافتهم وفكرهم المُعاديَ للإسلام. بهذا يصبح الاقتداء فكراً وعملاً وتخطيطاً، وإبرازاً لدعوة الرسول ﷺ من كافّة جوانبها.

стр. 266

٢ - من صفات الدّعاة الإخلاص في القول والعمل الإخلاص هو: تجريد قصْد التّقرّب إلى الله تعالى عن جميع الشوائب. فكلّ شيء يُتصوّر أنه يشوبُ لغيره، فإذا صفا عن شوْبه وخلُص، سُمِّي: خالِصاً. ويُسمَّى الفعل المصفّى المخلّص: "إخلاصاً"، قال تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ﴾ (النحل:٦٦). فإنما خلوص اللّبن بأن لا يكون فيه شائبة من الشوائب، من الدم أو الفرْث، ومن كلّ ما يمتزج به. والإخلاص يضادّه: "الإشراك"؛ فمن ليس مخلِصاً فهو: مُشرِك. والشّرك درجات، كما أنّ للإخلاص درجات. فالتوحيد يضادّه: الإشراك في الألوهية. والشرك منه خفِيّ، ومنه جليّ، فالجليّ هو: الشِّرك الأكبر، كاتخاذ الشركاء والأنداد؛ وهو من الكبائر التي لا تُغتفر، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:٤٨). وقال ﷺ : ((اجتنِبوا السّبْع الموبقات))، وعدّ في مقدّمتها: الإشراك بالله. أمّا الشّرك الخفيّ فهو: ما يتسرّب إلى أعمال القلوب وخفايا النفوس؛ وهذا لا يطّلع عليه إلاّ علاّم الغيوب، قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (النساء:١٤٩). والاعتبار في الإخلاص يتوقّف على حُسن النِّيّة وصحّة قصْد الفعل لله؛ فكلُ حظّ من حظوظ الدنيا تستريح إليه النّفْس ويميل له القلب، قلّ أم كثُرَ، إذا تطرّق

стр. 267

إلى العمل، تكدّر به صفْوُه وزال به إخلاصه. والإنسان قلّما ينفكّ فعلٌ من أفعاله أو قولٌ من أقواله مِن أغراض الدنيا. وتتوقّف درجة الإخلاص على مدى الباعث على أداء العمل؛ فكلما تجرّد العمل لله، وخلُص القصد له، صحّ الإيمان؛ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام:١٦٢، ١٦٣). ولقد ذكّر الله عبادَه بالإخلاص في كلّ صلاة يؤدّونها، حيث يقرأ المسلم في كلّ ركعة قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة:٥)، والمعنى: قصْر العبادة والاستعانة بالله دون أحدٍ من الخلْق. وهذا ما أمَر به ﷺ عبد الله بن عباس ﵄ منذ أن كان غلاماً؛ فقد روي عنه أنه قال: ((كنتُ خلْف رسول الله ﷺ -يوماً، فقال: يا غلام. ألاَ أعلِّمْك كلمات؟ قال: بلى، يا رسول الله. قال: احفظِ الله يحفظْك. احْفظ الله تجدْه تجاهك. وإذا سألْتَ فاسأل الله. وإذا استعنْتَ فاستعِنْ بالله. واعلمْ أنّ الأمّة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلاّ بشيء قد كتبه الله لك. واعلمْ أنّ الأمّة لو اجتمعت على أن يضرّوك بشيء، لم يضرّوك إلاّ بشيء قد كتبه الله عليك. رُفعت الأقلام وجفّت الصّحف)) الحديث. ولقد كان الإخلاص في الدّعوة إلى الله منذ فجر الإسلام من أكبر عوامل نجاحه وانتصاراته. فالرسول ﷺ خلال مراحل الدّعوة في مكة المكرمة والمدينة المنورة، كان نموذجاً حياً، ومثالاً صادقاً للإخلاص، حتى أن انشغاله بأمور الدّعوة مَلَك كلّ لحظات حياته لدرجة أن الله أشفق عليه من همومه وحرْصه على إدخال الناس في

стр. 268

دين الله قال تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً﴾ (الكهف:٦). كما ظهر إخلاصُه ﷺ في العبادة، فكان يقوم من اللّيل حتى تتورّم قدماه ﷺ ، فلما سُئل عن ذلك قال ﷺ : ((أفلا أكون عبداً شكوراً؟)). وإخلاصه ﷺ في الجهاد في سبيل الله كان من أكبر عوامل انتصاراته، يُرى هذا من خلال الإخلاص في الإعداد الجيِّد للمعركة، والتعبئة المعنوية والقتالية، والحرص على سماع آراء أصحابه. ويتّضح عمْق إخلاصه ﷺ في معركة بدر الكبرى، بعد أن أتم الاستعداد، وعبّأ النفوس، أخَذ يدعو الله بإخلاص وصدْق، مستغيثاً بالله وملتجئاً إليه طالباً النصر، حيث قال: ((اللهم إنّ هذه قريش أتت بخيلها وخُيلائها تُحادُّك وتكذّب رسولك. اللهم فنَصْرك الذي وعدْتَني به. اللهمّ إنْ تهْلكْ هذه العصابة فلن تُعبد في الأرض بعد اليوم)). وظلّ يدعو حتى سقط الرداء من على كتفيْه. وأبو بكر الصديق ﵁ يردّ عليه رداءه ويقول: "يا رسول الله. بعض مناشدتك ربّك! إن الله منجزٌ لك وعْدَه". وكان من ثمار هذا الإخلاص: أن تنزّلت الملائكة بقيادة جبريل ﵇، حيث بشّر ﷺ أبا بكر ﵁ وقال له: ((أبْشِرْ يا أبا بكر. هذا جبريل على مثار النقع، جاء يحارب في سبيل الله)). قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ (الأنفال:١٢). وما ذلك إلاّ أثرٌ من آثار الإخلاص.

стр. 269

ولقد تشرّبت الصحابة -رضوان الله عليه- روح الإخلاص، وضربوا في ذلك أمثلة نادرة فيه، تلألأت بها صفحات الإسلام. ومن ذلك: إخلاص جعفر بن أبي طالب في مناقشته مع نجاشي الحبشة، وصدْقه وإخلاصه في إبداء رأي الإسلام في عيسى ﵇. وقد كان من ثمرة إخلاصه ﵁: أنّ النجاشي رقّ قلبه وبكى، حتى اخضلّت لحيتُه، وقال: "إنه وعيسى ليخرجان من مشكاة واحدة"، وأبقاهم في الحبشة هو ومَن معه من المسلمين، ولم يُسلمهم لعمرو بن العاص. ولقد كان الإخلاص الذي تخلّق به مصعب بن عمير ﵁ من أكبر أسباب دخول الأوس والخزرج في الإسلام. وأصبح الإخلاص خُلُق المسلمين، يتميّزون به وينفردون به عن غيرهم من الأمم، يأخذونه من سلَف الأمّة إلى خلَفها، من الفقهاء والدعاة. وغدا الإخلاص من أهمّ عوامل نجاح الدّعوة إلى الله، ومن الأسباب الرئيسة والوسائل المفيدة في اقتناع المَدعُوِّين وتأثّرهم واستجابتهم لِما يُلقى عليهم من تعاليم الشّرع الحكيم وبيان أحكامه. وما انتشر الإسلام في أرجاء العالَم إلاّ مِن خلال صدْق النية، وإخلاص التّوجّه إلى الله، والتجرّد من كلّ شوائب الإشراك في الأعمال، قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (الأحزاب:٢٣). تابع: الإخلاص في القول والعمل فخُلُق الإخلاص من محامد الإسلام وفضائله، وقد حظي في رحاب القرآن والسُّنّة بتوجيه المسلمين إليه، وحثّهم عليه.

стр. 270

والرسول ﷺ هو القدوة الحسنة والأسوة الطيِّبة في الإخلاص، وقد أمره الله به في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلاَ للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (الزُّمَر:٢، ٣). وخوطب به الناس جميعاً، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (البيِّنة:٥). ومعنى ﴿حُنَفَاء﴾: سُمحاء، ومن ذلك قوله ﷺ فيما رواه الإمام أحمد: ((إني أُرسِلْتُ بحنيفيّة سَمْحة)). ومن معنى ﴿حُنَفَاء﴾ أي: مُتحنِّفين، أي: مائلين عن الشرك إلى التوحيد، ومعنى ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، أي: المِلّة القائمة العادلة، أو الأمّة المستقيمة المعتدلة. وإخلاص القلوب، وسلامة النوايا، وحسْن الطّوايا: سرّ من الأسرار، لا يطّلع عليه إلاّ علاّم الغيوب والعالِم بما في الصدور، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران:٢٩). ولذلك كان ميزان صحّة العقيدة وإخلاص القصْد لله هو: السلامة من كلّ مظاهر الشرك، وحُسْن النّية في أداء العبادات والطاعات وسائر الأعمال؛ فعن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إنّما الأعمال بالنّيات، وإنّما لكلّ امرئ ما نوى. فمَن كانت هجْرتُه إلى الله ورسوله، فهجْرته إلى الله ورسوله. ومن كانت هجرته لِدنيا يُصيبها أو امرأة يَنكحها، فهجْرتُه إلى ما هاجَر إليه))، رواه الشيخان.

стр. 271

فهذا الحديث الشريف: أصلٌ عظيم من أصول الإسلام، وقاعدة ثابتة تحكُم على تمحيص الأعمال وتخليصها مِن كلّ شوائب الشّرك وكلّ علامات الرياء. فعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: ((قال الله تعالى: أنا أغنى الشّركاء عن الشِّرك. مَن عمل عملاً أشرك فيه معي غيري، تركْتُه وشِرْكَه))، رواه مسلم. وقد بيّن الرسول ﷺ : أنّ أوّل ما يحاسب عليه الإنسان يوم القيامة هو: إخلاص النّيّة لله عند أداء العمل؛ فعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول ((إنّ أوّل الناس يُقضى يوم القيامة عليه: رجلٌ استُشهد، فأُتِيَ به فعرّفه نِعمَه فعرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: قاتلتُ فيك حتى استشهدْتُ. قال: كذبْتَ! ولكنك قاتلْتَ لأن يُقال: جريء؛ فقد قيل. ثم أمر به فسُحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلّم العلْم وعلّمه، وقرأ القرآن، فأتِيَ به فعرّفه نِعمَه فعرفها. قال فما عملْتَ فيها؟ قال: تعلمت العلْم وعلمّته وقرأت فيك القرآن. قال: كذبتَ! ولكنك تعلّمت ليقال: عالِم، وقرأت ليُقال: قارئ؛ فقد قيل. ثم أمر به فسُحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسّع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كلّه، فأتيَ به فعرّفه نِعَمَه، فعرَفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تُحبُ أن يُنفق فيها إلاّ أنفقت فيها لك. قال: كذبتَ! ولكن فعلت ليُقال: هو جواد؛ فقد قيل. ثم أمر به فسُحب على وجهه، ثم ألقي في النار))، رواه مسلم. إن هذا الحديث الشريف يوجب على الدّعاة: أن يراجعوا مواقفهم، وأن يعيدوا ترتيب حساباتهم في كلّ موعظة يعظون الناس بها، ويسألون أنفسهم: كم هي بعيدة أو قريبة من فضيلة الإخلاص؟

стр. 272

وعلى العلماء والمفكّرين أن يتساءلوا: أين ميزان الإخلاص في نتاجهم الفكري وآرائهم العلْميّة؟ وما هي طوايا نفوسهم؟ وإلى من يقصدون بأفكارهم؟ فعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((من تعلّم علماً ممّا يُبتغى به وجْهُ الله ، لا يتعلّمه إلاّ لِيصيب به عَرَضاً من الدنيا، لم يجِدْ عَرْفَ الجنّة يوم القيامة))، رواه أبو داود بإسناد صحيح. عَرْف الجنة، أي: ريحها. أمّا إذا توجّه العلماء والدّعاة في ميدان العلْم والدّعوة، وهم يتجرّدون من شبهة الرياء والنفاق، ثم أُثنِيَ عليهم ولهجَتْ ألْسنة الناس بشكرهم، فإنّ هذا لا يُقلِّل من قيمة إخلاصهم؛ فعن أبي ذر -رضي الله تعالى عنه- قال: قيل لِرسول الله ﷺ : أرأيتَ الرّجُل يعمل العمل من الخير، ويحمده الناس عليه؟ قال: ((تِلك عاجِل بُشرى المؤمن))، رواه مسلم. وعلى أولي الأمْر: أن يفتحوا قلوبهم ويمدّوا أيديهم للمخلصين الصادقين الذين يتوسّمون فيهم الإخلاص والصّدق، ولا يُبعدونهم عنهم ولا يتخلّصون منهم، قال تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (الأنعام:٥٢). وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ (الكهف:٢٨). إنّ قيمة المؤمن -ولا سيما الدّعاة إلى الله- لا تكمن في رفعة منصب أو علوّ منزلة، وإنما تكمن فيما يحمله قلبه من إخلاص، ينعكس هذا على ما يدعو إليه

стр. 273

الناس. روي عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-، أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله تعالى لا ينظر إلى صُوَركم وأموالِكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم))، رواه مسلم. وروي عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : ((يُبعثُ كلّ عبدٍ على ما مات عليه))، رواه مسلم. أي: من الإخلاص أو عدَمه. والإخلاص ثوابه كبير ومَهره غالٍ. وقد يُبتلى الدّعاة ويُفتنون ليُتبيّن حقيقة إخلاصهم وصدقُ نواياهم، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (محمد:٣١). وقال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت:٢، ٣). فعلى قدْر إخلاص الدّعاة يكون العوْن من الله؛ فكلّما زاد الإخلاص، زاد التأييد والتوفيق من الله. وكلّما ضعُف الإخلاص وتلاشى، قلّ عون الله وتأييده. ويحكى في هذا قصّة رمزية: "أنّ عابداً كان يعبد الله دهراً طويلاً، فجاءه قومٌ فقالوا: إنّ ها هنا قوماً يعبدون شجرة من دون الله تعالى. فغضب لذلك، وأخذ فأسَه على عاتقه، وقصَد الشجرة ليقطَعها. فاستقبله إبليس في صورة شيخ، فقال: أين تريد، رحمك الله؟ قال: أريد أن أقطع هذه الشجرة. قال: فإني لا أتركك أن تقطعها. فقاتله. فأخذه العابد فطرَحه إلى الأرض، وقعد على صدره. فقال له إبليس: أطلقْني حتى أكلِّمك! فقام عنه. فقال إبليس: يا هذا، إن الله تعالى قد أسقط عنك ولم يفرضه عليك. وما تعبُدها أنت، وما عليك من غيرك. ولله تعالى أنبياء في أقاليم الأرض، ولو شاء لبعَثهم إلى أهلها وأمَرَهم بقطْعها. فقال العابد: لا بدّ لي مِن قطْعها. فنابذه للقتال. فغلبه العابد وصرَعه، وقعد على

стр. 274

صدره. فعجز إبليس، فقال له: هل لك في أمْر فصْل بيني وبينك؛ وهو خير لك وأنفع. قال: وما هو؟ قال: أطْلِقْني حتى أقول لك. فأطلقه. فقال إبليس: أنت رجل فقير لا شيء لك، وإنما أنت كَلٌّ على الناس يعولونك. ولعلك تحبّ أن تتفضّل على إخوانك وتواسي جيرانك، وتشبَع وتستغني عن الناس. قال: نعم. قال: فارجع عن هذا الأمر، ولك عليّ أن أجعل عند رأسك في كلّ ليلة ديناريْن إذا أصبحت أخذتَهما، فأنفقتَ على نفسك وعيالك، وتصدّقت على إخوانك؛ فيكون ذلك أنفع لك وللمسلمين مِن قطْع هذه الشجرة. ففكّر العابد وقَبِل ما عرَضَه عليه إبليس، وذهب إلى متعبّده وبات. فلما أصبح وجَد تحت رأسه ديناريْن، فأخذهما. وكذلك من الغد. ثم أصبح في اليوم الثالث وما بعده، فلم يجد شيئاً، فغضب، وأخذ فأسه على عاتقه. فاستقبله إبليس في صورة شيخ، فقال له: إلى أين؟ قال: أقطع تلك الشجرة، فقال: كذبْتَ والله! ما أنت بقادر على ذلك، ولا سبيل لك إليها. قال: فتناولَه العابد ليفعل به كما فعل أوّل مرة، فقال: هيهات! فأخذه إبليس وصرَعه، فإذا هو كالعصفور بين يديْه. وقعد إبليس على صدره، وقال: لتنتهِينّ عن هذا الأمْر أو لأذبحنّك؟ فنظر العابد فإذا لا طاقة له به، قال: يا هذا، غلبْتني، فخلِّ عني، وأخبرني كيف غلبْتُك أولاً وغلبتَني الآن؟ قال: لأنك غضبت أوّل مرة لله، وكانت نيّتك الآخِرة، فهزمني الله لك. وهذه المرّة غضبتَ لنفسك وللدنيا فصرَعْتُك". هذه القصة الرمزية تُبيّن في وضوح وجلاء: حينما تصْدق النّية ويتحقّق الإخلاص، يكون العون والفرَج من الله. وحيثما تمتزج النية والعمل بالدنيا، ويتوجّه الإنسان بالعمل مجرّداً من الإخلاص، تكون الهزيمة والاندحار.

стр. 275

يؤيّد ما ذكرناه: ما جاء في حديث الغار الذي رواه الشيخان عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((انطَلَق ثلاثةُ نَفَر ممّن كان قبلَكم حتى أواهم المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدّت عليهم الغار. فقالوا: إنه لا يُنجيكم من هذه الصخرة، إلاّ أن تدْعوا الله بصالح أعمالكم ... )) إلى آخر الحديث. وأخذ كلّ منهم يسرد عملاً قام به مخلصاً لله، فانفرجت الصخرة، وخرجوا سالمين نتيجة حُسن نيّتهم وإخلاصهم لله فيما قاموا به من أعمال. وإنّ من ثمرات حُسن النية والإخلاص: أن المسلم إذا حبَسه مرضٌ أو عذرٌ عن عمل كان يقوم به مخلصاً، فإن الله يمنحه ثواب صدْق نيّته، ويعطيه الأجر عن هذا العمل الذي كان ينوي صادقاً ومُخلصاً أن يقوم به. ومن ذلك: أولئك النفر الذين رغبوا في الجهاد صادقين، ونفروا في سبيل الله مُخلصين، غير أنّ رسول الله ﷺ اعتذر لهم بعدم وجود ما يَحملهم عليه، فحزنوا وبكَوْا لِحرمانهم من شرَف المجاهدة والغزو مع رسول الله ﷺ ، فنزل قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ (التوبة:٩١، ٩٢). وكان من ثمرة هذا الإخلاص في صدْق النِّية: أن أعطاهم الله أجْر مَن شارك في تلك الغزوة. فعن أبي عبد الله جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزاةٍ، فقال: ((إنّ بالمدينة لَرجالاً ما سِرْتُم مسيراً، ولا قطعْتُم

стр. 276

وادياً إلاّ كانوا معكم، حبَسهم المرض))، وفي رواية: ((إلاّ شارَكوكم في الأجْر))، رواه الإمام مسلم. والإخلاص يتحقّق إذا شعر المسلم أنه مراقَب مِن قِبَل الله تعالى في سِرِّه وعلانيته، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ﴾ (آل عمران:٥). وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (غافر:١٩). فإذا استشعر المسلم -ولا سيما الدّاعي إلى الله- أنه تحت سمْع الله وبصَره، فإنّ هذا يتولّد منه ملَكة المراقبة التي تؤدّي إلى درجة الإحسان، وهي أعلى درجات الإيمان؛ ففي حديث جبريل ﵇ حينما سأل الرسول ﷺ : ((ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)). نواقض الإخلاص ومن نواقض الإخلاص ونقائصه: أن يكون الدّاعي في دعوته كالحرباء، فيجعل من الدّعوة إلى الله تزلّفاً لذي سلطان، أو رياءً ليشتهر أمْرُه ويرتفع شأنُه؛ وهذا هو الرِّياء المُحبِط للعمل، المُذْهِب لثوابه؛ قال ﷺ : ((إنّ أخْوفَ ما أخافُ عليكم: الشِّرك الأصغر. قالوا: وما الشِّركُ الأصغر، يا رسول الله؟ قال: الرِّياء. يقول الله يوم القيامة إذا جزى النّاسَ بأعمالهم: "اذهبوا إلى الذين كنتم تُراؤون في الدّنيا، فانظروا هل تَجِدون عندهم جزاءً))، رواه الإمام أحمد. وقد جاء رجل إلى عُبادة بن الصّامت ﵁ فقال: "أنْبئْني عمّا أسالك عنه. أرأيتَ رجلاً يُصلّي يبتغي وجْه الله ويحب أن يُحمَد، ويصوم يَبْتغي وجْه الله ويُحبّ أن يُحمَد، ويتصدّق ويبتغي وجْه الله، ويُحبّ أن يُحمَد، ويحجّ يبتغي وجْه الله،

стр. 277

ويُحبّ أن يُحمَد؟ فقال عُبادة: ليس له شيء. إن الله تعالى يقول: "أنا خير شريك؛ فمَن كان له معي شريك فهو له؛ ولا حاجة لي فيه"، تفسير ابن كثير. وقد ذكر الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه "الإحياء": الأمور التي تنقض إخلاص الدّعاة إلى الله، وتُبطل أعمالهم فقال: "الرياء بالقول، وهو: رياء أهل الدِّين بالوعظ والتّذكير، والنّطق بالحِكمة، وحفْظ الأخبار والآثار لأجْل الاستعمال في المحاورة وإظهاراً لغزارة العلْم، ودلالةً على شدّة العناية بأحوال السّلَف والصالحين، وتحريك الشّفَتيْن بالذِّكر في محضر النّاس، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر بمشهد الخلْق، وإظهار الغضَب للمنكَرات، وإظهار الأسف على مقارفة الناس للمعاصي، وتضعيف الصّوت في الكلام، وترقيق الصّوت بقراءة القرآن لِيدلّ بذلك على الخوف والحزن، وادّعاء حفْظ الحديث ولقاء الشيوخ، والمجادلة على قصْد إفحام الخصم ليُظهر للناس قوّته في علْم الدين". وهكذا كلّ عمل لا يُقصد به وجْهُ الله، وينتفي منه الإخلاصُ وصدْقُ النِّية، فإنّه يكون هباءً منثوراً؛ قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ (الفرقان:٢٣)، لأن هذه الأعمال فقدَتْ الشرط الشرعي وهو: الإخلاص، وسلامة النّية، وصحة قصْد وجه الله بتلك الأعمال. ممّا سبق، يتّضح: أن الإخلاص هو: روح الدِّين، وجوهر العبادة، وأساس قبول الأعمال، وأن الدّعاة إلى الله يجب عليهم أن يتجمّلوا بخُلُق الإخلاص في القول والعمل، وأن يتّجهوا بوعْظهم وإرشادهم في الإخلاص لله ﵎، وأن يبتعدوا عن كلّ مظاهر الشّرك والرياء والنفاق، وأن يجعلوا الإخلاص يتحقّق على النحو التالي:

стр. 278

أولاً: توجيه النشْء منذ نعومة أظفارهم على مفهوم الإخلاص وثمراته المرجوّة وفوائده من الدنيا والآخرة. ثانياً: أن يجد الأبناء صُوَر الإخلاص واقعاً ملموساً أمامهم، يرَوْنه في الأب الذي يُخلص لزوجته. ويشعرون بهذا الإخلاص ويرَوْنه ماثلاً أمام أعْينهم في الأمّ التي تتفانى في خدمة زوجها وأولادها، وتتفانى في الإخلاص لهم. يشاهدون الإخلاص حياً يتحرك أمام أعينهم في المُدرِّس الذي يبذل قصارى جهده لأبنائه الطلاب، حيث يُتقن عمَله ويُخلص في درْسه، وكذلك في سائر الأعمال. يُرى في الأمّة فيما بينها، حيث يؤدِّي كل فرد فيها عمله بإتقان وإخلاص، ممّا يعود عليها بالخير، حيث الجميع يقصدون بعملهم وجه الله تعالى. والدعاة كلما أخلصوا لله في أفعالهم وأقوالهم، تفتّحت لهم القلوب، وأصغت لمواعظهم النفوس والعقول، واستبصرت بقدومهم الأندية والمجالس، وانعكس ذلك على رُقيّ المجتمع وازدهاره؛ وهذا من أعلى فوائد الإخلاص وثمراته. هذا، وبالله التوفيق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.