← Общие книги

Общие книги · id 11136

أصول الدعوة وطرقها 1 - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (278 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وحوارات الإسلام ومجادلاته لا تحمل بين طيّاتها مداهنات النفاق، ولا تقبل التّخلي عن الثوابت العقائدية الإسلامية مجاملة للآخَرين. كما أنّ الإسلام لا يعرف اللقاء في منتصف الطريق، كما يروّج له دعاة هذا الحوار. وقد رفض الرسول ﷺ ما عرَضتْه عليه قريش من تبادل العبادة بين الإسلام والشّرك، حيث قالوا: نعبد إلهك عاماً، وتعبد آلهتنا عاماً آخر؛ فنزل الله قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ (الكافرون: ١، ٢). هذا، وممّا ينبغي أن يعرفه الدّعاة إلى الله: أنه تكْمن خلْف قضية "حوار الأديان": الأمور الخطيرة التالية: أولاً: أن يفقد الإسلام خصائصه العقائديّة والعباداتية والأخلاقية، ويصبح المسلم كالماء، لا طعم له، ولا لون، ولا رائحة. ثانياً: إضفاء صفة الشّرعية على المعتقدات الوثنية التي تحفل بها النصرانية، كعقيدة التثليث وما يتْبعها من طقوس لا تمُتّ إلى الدِّين الحقّ بصِلة. ثالثاً: تهميش دوْر الدِّين في الحياة الاجتماعية، سياسياً، وثقافياً، واقتصادياً. رابعاً: الانطلاق بالعقل والعلْم بعيداً عن ضوابط الدِّين وقواعد الأخلاق، ممّا ينتج عن ذلك: إفساد الفطرة بالتلاعب في الجينات الوراثية، وتخريب البيئة بأسلحة الدّمار. خامساً: الإيمان بالمحسوس، مع عدم الاهتمام بغير المحسوس، كالإيمان بالبعث والحشر، والثواب والعقاب؛ فهذه قضايا مستبعَدة في الفكر الغربي الحديث تماماً. سادساً: الانغماس في التّرف، وتحطيم مقوّمات الأسرة، وإباحة الشذوذ، تحت دعاوى الحرية، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة.

стр. 212

سابعاً: إذكاء النّعرات الوطنية والقومية، وإضعاف وتوهين أيّ رابطة تقوم على الدِّين والعقيدة. ممّا سبق، تتّضح خطورة مثل هذه الدعاوى؛ وعلى الدعاة إلى الله: أن يتنبهوا إليها، وأن يقفوا على مكان الخطر فيها. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف:٢١). ربّانيّة الدّعوة الإسلاميّة لقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وأودع بين حنايا نفْسه العقلَ الذي يُفكِّر به واللسان الذي ينطق، وخلَق في كيانه العواطف والمشاعر التي تختلف إدراكاتها وأحاسيسها من شخص لآخر. كما أنّ النفس البشرية تضمّ بين جوانبها العديد من الغرائز التي تتفاعل وتتصادم لإشباع رغباتها، إلى غير ذلك ممّا أبدعه الله في خلْق الإنسان من أسرار كشَفَ العلْم عن القليل منها، وما زال يُجهد نفسه للبحث عن أمور أخرى. قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ (الذاريات:٢١). هذا الخلْق المبدع والتصوير المبهر، لا أحَد من البشَر يعْلم أسراره أو يقف على حِكمة خلْقه، إلاّ الله ، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (ق:١٦). يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: "يُخبر الله عن قُدرته على الإنسان، بأنه خالقُه، وعلْمه محيط بجميع أموره، حتى إنه تعالى يعلم ما توسوس به نفوس بني آدم من الخير والشر".

стр. 213

وعن هذه الإحاطة الشاملة بالكون والإنسان، يقول الله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ (طه:٦، ٧). فالله عليم خبير بأحوال العباد، يعلم ما يُحقِّق لهم السعادة وما يجلب لهم الشقاء؛ فجاءت التشريعات من خلال وحي السماء ورسالات الأنبياء، تتوافق وتتلاءم مع فطرة الإنسان التي فطَره الله عليها. فهذه التشريعات توازن بين متطلَّبات الروح والعقل، ورغبات الجسد، وتُراعي مصلحة الفرد في إطار مصلحة الجماعة، وتعمل على تناسق حياة الإنسان مع حركة الكون. هذا، وإنه ممّا تفرّدت به الدعوة إلى الله، واختصّت به عن غيرها من الرسالات السابقة: أن أحكامها وتشريعاتها فيما يخصّ العقائد والعبادات والمعاملات وحْي من الله تعالى، نزل به جبريل الأمين على رسوله ﷺ ؛ قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (الشعراء:١٩٢ - ١٩٥)، وقال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ (النجم:١ - ٥). ولقد ترتب على ربّانية الدّعوة إلى الله ما يلي: أ- تناسقها مع فطرة الإنسان، وإشباعها لمتطلّبات الروح والجسد، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (الروم:٣٠).

стр. 214

ب- كمال التشريعات وخلوّها من النقائض النقائص؛ فتشريعات الله كاملة سابغة، تُلبِّي حاجات الإنسان السّويّ، ولها صفة الدوام والاستمرار، وتلائم كلّ زمان ومكان، وتناسب كلّ أجناس البشّر، وهم جميعاً أمام شرع الله سواء، ممّا يُحقِّق العدل للإنسانية والأمن والاستقرار في العالَم. قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ (المائدة:٣). وكوْن هذه العقائد والتشريعات من قِبل المولى ، ومن رسول الله ﷺ ، فإنّ هذا يُكسبها القداسة والهيبة والتعظيم، وأوجب للالتزام، وأدعى إلى سرعة الامتثال؛ فهي تشمل البشَر جميعاً، ولا يمتنع عن الإذعان لها أيّ إنسان مهما كانت مكانته. وليس لفرد أو هيئة أو جماعة أن تنال من هذه الأحكام، أو تُعطّلها، أو تحول دون تنفيذها. وإن محاولات إبعاد الإسلام بعقائده وتشريعاته عن مجالات الحياة المختلفة ذنْب لا يُغتفر وكفْر صريح. قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:٤٤)، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (المائدة:٤٥)، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (المائدة:٤٧). فتنوّع الحُكم على من يعمل على تعطيل شرْع الله مِن الكفْر إلى الظّلم إلى الفسق، بحسب موقف المعترِض، ودرجات جحوده وإنكاره وإغفاله؛ بل هناك قَسَمٌ عظيمٌ ونفْي صريح للإيمان عمّن يحول دون ربّانية الدّعوة، ويحول دون تطبيق شرْع الله، أو يجد في نفسه حرجاً أو ضيقاً كلّما انطلقت الدّعوة لتطبيق شرْع الله والتزام أحكامه. قال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (النساء:٦٥).

стр. 215

بل لا وجه للمقارنة والاختيار بين ما شرعه الله للإنسان من أحكام، وبين ما يشرِّعه البشَر لأنفسهم من قوانين ونُظم وتشريعات، لم تحصد الإنسانية منها سوى استفحال الظّلم، واستعباد الشعوب، واشتعال الحروب، وتحوّل العالَم إلى غابة ضارية تفترس فيها الدّول القويّة الأممَ الضعيفة، وتصادر حقّها في العيش الآمن. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِيناً﴾ (الأحزاب:٣٦). إنّ ربانيّة الدعوة الإسلامية تجعل الناس أمام أحكامها سواء، وتُشعِرُ البشَر بالاطمئنان فيما يصدر لهم أو ضدّهم من أحكام، لأنها مُجرّدة عن الهوى، وتبتعد عن الأنانية والأثَرة وحبّ الذات، وتوجب الالتزام بمنهج الله والدعوة إليه وتطبيقه. قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ (المائدة:٤٩). عالَميّة الدّعوة الإسلاميّة إنّ دعوات الأنبياء والمرسلين عبْر مسيرة البشرية كانت دعوات خاصّة تقتصر على قوم بعيْنهم، أو على أمم بذاتها، لا تتجاوز الدعوة حينذاك حدودَ تلك الأوطان والبيئات، إلاّ من خلال ما تتحدّث به القوافل والركبان، أو تنقله جهود بعض الأفراد أثناء الأسفار. ولقد ذكر القرآن الكريم أنّ من خصائص الدعوات السابقة: اقتصارها على قوم الرسول وعشيرته. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (هود:٢٥).

стр. 216

﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (هود:٥٠). ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (هود:٦١). ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ (هود:٨٤). وكذلك كوكبة أنبياء بني إسرائيل: يعقوب، ويوسف، وموسى، وداود، وسليمان، وزكريا ويحيى، وعيسى، -عليهم جميعاً أفضل الصلوات-، كانت دعواتهم تقتصر على بني إسرائيل خاصة. فلقد كان مطلب موسى ﵇ من فرعون: إنقاذ بني إسرائيل من بطْشه واستخلاصهم من ظُلمه. قال تعالى آمراً موسى وهارون ﵉: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولاَ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرائيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ (طه:٤٧). وعيسى ﵇ اختصّ ببني إسرائيل دون غيرهم من أمم الأرض، قال تعالى: ﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (آل عمران:٤٩). وقال تعالى عن عيسى ﵇: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائيلَ﴾ (الزُّخرُف:٥٩). أمّا رسالة محمد ﷺ ، فقد تجاوزت حدود الزمان والمكان، وتخطّت حواجز الأمم والشعوب، وانطلقت لتشمل كلّ الأجناس واللغات. فهي دعوة الله إلى الإنسانية جمعاء حتى قيام الساعة. بل تجاوزت عالَم الإنس إلى عالَم الجن. ولذلك كان القرآن الكريم، وهو معجزة الرسول ﷺ ودليل نبوته، معجزةً معنويةً لا ترتبط بحياة الرسول كمعجزات الأنبياء السابقين، بل مستمرّة متجدِّدة، كلها عطاء إلى يوم الدِّين.

стр. 217

والأدلّة على عالَميّة الدّعوة وعمومها من القرآن الكريم، ما يلي: ١ - قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ (الفرقان:١). ٢ - ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ (الأعراف:١٥٨). ٣ - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ (سبأ:٢٨). ٤ - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء:١٠٧). فالنصوص القرآنية تخاطب الناس جميعاً، لا تميّز قوماً على قوم، ولم تخاطب جنساً دون جنس. ولقد كثر النداء في القرآن الكريم: بـ ﴿يَاَ أيُِّهََا النَّاس﴾، ﴿يَا بَنِيِ آدَم﴾؛ بل توجد أكثر من أربعين آية يُذكر فيها الله بـ ﴿رَبّ الْعَالَمِين﴾ التي تصدّرت بها سورة (الفاتحة)، وهي تُقرأ في ركعات الصلاة. الأدلّة من السُّنّة على عالميّة الدّعوة وعمومها: ١ - قال ﷺ : ((فُضِّلْتُ على الأنبياء بسِتّ، أعطيتُ جوامعَ الكلِم، ونُصرتُ بالرّعب، وأُحِلّت لي الغنائم، وجُعلت ليَ الأرضُ مسجداً وطهوراً، وأُرسِلتُ إلى الخلائق كافّة، وخُتم بيَ النّبيّون))، رواه مسلم. ٢ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ ، قال: ((والذي نفسي بيده! لا يسمَع بي أحدٌ من هذه الأمّة -يهوديٌ أو نصرانيّ- ولم يؤمن بالذي أُرسِلتُ به، إلاّ كان من أصحاب النار))، صحيح مسلم. ولقد خطا الرسول ﷺ خطوات عمليّة لتحقيق عالَمية الدّعوة إلى الله، وذلك من خلال كُتبه ورُسله إلى الملوك والأمراء؛ فأرسل إلى كسرى ملِك الفُرس، وإلى هرقل إمبراطور الروم، والمقوقس عظيم القبط في مصر، وأمراء الشام واليمن.

стр. 218

ولم ينتقل ﷺ إلى الرفيق الأعلى إلاّ بعد أن ردّد الكون صدَى دعْوتِه، وفُتحت لها القلوب والأمصار. وقد أخبر القرآن الكريم: أنّ الإسلام سينتشر ويعمّ أرجاء الكون؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاَغاً لِقَوْمٍ عَابِدِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء:١٠٥، ١٠٦). وعن تحقيق عالَميّة الإسلام، قال ﷺ ما معناه: "إنّ الله طوَى لي مشارق الأرض ومغاربَها، وإنّ هذا الأمْر سيبلغ ما بلغ الليلُ والنهار، يُعز الله به عزيزاً، ويُذلّ به ذليلاً. يُعزّ به الإسلام وأهلَه، ويُذلّ به الكفر وأهلَه". وإن الواقع -والحمد لله- يُبشِّر بهذا الفتح المبين؛ فالإسلام رغم إمكانيات دُعاته المحدودة، بل المعدومة، ورغم ضراوة أعداء الإسلام له، وحرْبهم الشعواء عليه، فإنه ينتشر خيرُه وتعمّ هدايته للبشريه، وما من بقعة من بقاع الأرض إلاّ وصوت الإسلام يعلو فيها. قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور:٥٥).

стр. 219

الدرس: ١٢ تابع: من خصائص الدعوة الإسلامية .

стр. 220

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثاني عشر (تابع: من خصائص الدعوة الإسلامية) ١ - من خصائص الدعوة الإسلامية من خصائص دعوة الإسلام: أنها خاتِمة الرّسالات السابقة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين. أما بعد: فما زالت هذه المحاضرات تتواصل حول خصائص الدّعوة إلى الله. لقد انتهت روافد الأنبياء والمرسلين الذين بعثهم الله إلى الخلْق عبْر مسيرة الجنس البشري، إلى محمد ﷺ ، الذي خُتمت به النبوات والرسالات، وانقطع الوحي من بعده فلم يَعُد يتنزّل على أحد من البشَر غيره ﷺ . قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ (الأحزاب:٤٠). فهذه الآية نصّ صريح: أنه لا نبيّ بَعده ﷺ . وإذا كان لا نبيّ بَعده، فأيضاً لا دِين غير دِين الإسلام يقترن به أو يتساوى معه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ (آل عمران:١٩). وقال تعالى في نصّ صريح واضح: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران:٨٥). فالأديان السماوية المتواجدة الآن -وهي: اليهودية والنصرانية- أشبهُ بعملة تذكارية انتهى التّداول بها لِما حلّ بهذه العملة من تزييف وتغيير، والأوْلى بها أن تُحفظ في متاحف التاريخ، لوجود عُملة جديدة يصعب تزييفها، ولا يستغني الناس عنها. وإنه من الخطإ العلمي، والانحراف الفكري، والتضليل العقائدي: الزعم بوضع الأديان الثلاثة على قَدَم المساواة. فكيف بدينٍ انقطعت معجزاتُه، وتبدّلت معتقَداتُه، وحُرِّفت مصادرُه، وتنكّر له أهله، وقطعوا صلته بالحياة إلاّ من طقوس مبهَمة وترانيم غامضة، يتساوى

стр. 221

بدين معجزته قائمة ومحفوظة، وهي: القرآن الكريم، دِين كلّ عبادة فيه تنبض بالحركة وتُدير سفينة الحياة على الوجه الأمثل والأكمل. إنه منذ أشرقت شمس الإسلام على الدنيا، وبسط جناحيْه بالقرآن والسُّنّة على العالَم، والأديان السابقة تعيش في كنفه، وتحظى برعايته، ما دامت تحفظ العهد وتصون الودّ، ولا تفكّر في العدوان عليه. وما كان غير المسلمين يحلمون يوماً أن تكون لهم هامة تقترب من هامة الإسلام، وما فكّروا يوماً أن يقفوا منه موقف النِّدّ للنِّدّ، لأنهم يعرفون حقيقة ما بين أيديهم من دِين انقطعت صلته بوحي السماء، ولا يُعلم عن مصادره شيء، ويعلمون حق العلْم ما لدى المسلمين من دين موصولٍ بالسماء في كل لحظة. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (الأنعام:٢٠). ولكن للأسف تطوّع بعض العلماء من المسلمين -إمّا جهلاً، أو نفاقاً، أو طمعاً في منصب، أو عَرَض من أعراض الدنيا-، فأنزلوا الإسلام الشامخ من عليائه، ليضعوه في مصافّ أديان فقَدت أصولَها، وضعفت فروعها، حتى وجدنا بعضَهم يتأوّل في تفسير النصوص، ويلوي عنق الأدلة، ليوافق أهواء الآخَرين في وضْع أديانهم على قدَم المساواة بالإسلام. وهم بهذا يُنكرون أمراً معلوماً من الدِّين بالضرورة، وهو: نسْخ الإسلام لكلّ الديانات السابقة، وختْم نبوة محمد ﷺ لكلّ النبوات والرسالات. فعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنّ الرسالة والنبوّة قد انقطعت، فلا رسول بعدي ولا نبيّ)). قال: فشق ذلك على الناس. فقال: ((ولكن المبشّرات)). قالوا: يا رسول الله. وما المبشِّرات؟ قال: ((رؤيا الرّجل المسلم، وهي جزءٌ من أجزاء النبوة))، رواه الترمذي وقال: "صحيح غريب".

стр. 222

وعن العرباض بن سارية ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ : ((إني عند الله لخاتم النبيِّين، وإن آدم لمجندل في طينته))، رواه أحمد. وعن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله تعالى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي))، أخرجه الشيخان. ونسوق لأولئك القوم الذين انساقوا طوعاً أو كرهاً لرغبات الغرب، ووقعوا في شباكه تحت مسمَّى: "حوار الحضارات" و"لقاء الأديان"، فتخلَّوْا عن ثوابت الإسلام: نصوصاً من الأناجيل التي بين أيدي النصارى الآن، تشير بوضوح وصراحة إلى أنّ الإسلام هو خاتم الرسالات. كما أشار إلى ختم النبوة والرسالة بعض نصوص العهد القديم. فممّا جاء في العهد القديم: "جاء الرّبّ من سيناء، وأشرق لنا من ساعير، وتلألأ من جبال فاران". ويذكر العلماء أنّ هذه العبارة تشير إلى أماكن نزول الوحي: فالمجيء من سيناء: إشارة إلى رسالة موسى ﵇. والإشراق من ساعير: دلالة على رسالة -عيسى ﵇. والتلألأ من جبال فاران: تنبيه على رسالة محمد ﷺ ؛ فإن جبل فاران هو أحد جبال مكة. وهذا ما تشير إليه سورة (التين)، قال تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾ (التين:١ - ٣). فلقد أقسم الله تعالى بهذه المواطن الثلاثة التي شهدت وحي السماء لأنبياء الله تعالى الثلاثة: عيسى، وموسى، ومحمد -عليهم جميعاً الصلاة والسلام-.

стр. 223

وإن قصْر اسم الإشارة على هذا البلد الأمين في قوله: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾ دلالة على وجود الإسلام واستمراره، وأنّ مكة المكرمة والكعبة المشرّفة سيَظلاّن محطّ أنظار المسلمين وقِبلتهم، لأن اسم الإشارة لا يشار به إلاّ إلى شيء واقعٍ وموجود ومُحَسّ ومُشاهَد. ولقد جاء في "إنجيل متّى"، (الإصحاح: ٢١)، قول عيسى ﵇ لقومه: "ما قرأتم قطّ في الكتب الحجَر الذي رفضه البنّاؤون، قد صار رأس الزاوية من قِبل الرّبّ. كان هذا عجيباً في أعيننا؛ لذلك أقول لكم: إن ملكوت الله يُنزع منكم ويُعطي لأمة تعمل أثماره". وهذا ما أشار إليه الرسول ﷺ : فقد روي عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مَثَلي ومَثَل الأنبياء كمَثَل رجُل بنى داراً فأكملها وأحسنها، إلاّ موضع لَبِنة. فكان مَن دخَلها فنظر إليها قال: ما أحسنها! إلاّ موضع هذه اللّبنة! فأنا موضع اللّبنة؛ خُتم بي الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-))، رواه البخاري ومسلم. وجاء أيضاً في "إنجيل يوحنا" (الإصحاح: ٢٠ - ٢٤): قول عيسى ﵇ للمرأة السّامريّة عن تحويل القِبلة التي يصلي إليها بنو إسرائيل إلى قِبلة أخرى، ولم تتغيّر القبلة إلاّ على يد محمد ﷺ . يقول الإنجيل: "إن المرأة السّامريّة قالت ليسوع: آباؤنا سجدوا في هذا الجبل، وأنتم تقولون: إن في أورشليم الموضع الذي ينبغي أن يسجدوا فيه. قال لها يسوع -أي: عيسى ﵇: "يا امرأة. صدقيني. إنه تأتي ساعة لا في هذا الجبل ولا في أورشليم تسجدون لله. الله روح، والذي يسجدون له؛ فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا".

стр. 224

وهكذا تتابع الأدلة من بقايا الكتب السماوية رغم تحريفها، أو حرمان الكنيسة من قراءتها كإنجيل برنابا، الذي أشار إشارات صريحة إلى رسالة محمد ﷺ على كون الإسلام هو الدِّين الخاتم لكلّ الرسالات، وأن شريعته ناسخة لغيرها من الشرائع. قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (آل عمران:٨٣). الإسلام نظام شامل لِكلّ شؤون الحياة الإنسان في هذا الكون مُتعدِّد العلاقات، متشابك المصالح والمنافع، متصادم الرغبات، بين ما يحمله بين ثنايا نفسه من الأنانية والأثرة وحب الذات، وما تُمليه عليه مصلحته من التعاون مع أفراد مجتمعه من خلال علاقاته الأُسَرية والاجتماعية. وقبل هذا فهو خلْق من مخلوقات الله وأثَر من آثار قُدرته، يجب عليه طاعته وعبادته. والطاعة والعبادة لله يمنعان النفس البشرية من الاندفاع وراء نزواتها وشهواتها، فضلاً عن علاقة الإنسان بكل مظاهر الكون من حوله، من حيوان أو نبات أو جماد. فالبشر في حاجة إلى تشريع متكامل يُحقِّق الرغبات، ويفي بالحاجات، ويحول دون التصادم والتعارض، ويعادل ويوازن بين الدوافع والموانع، بين الأوامر والنواهي، بين الحلال والحرام، بين الحق والباطل، بين الظلم والعدل، بين الإيمان والكفر. وليس غير الإسلام وحده الذي يفي بالغرض. فهو نظام إلهي شامل لجميع شؤون الحياة موجِّه لسلوك الإنسان، منظِّم لعلاقة الإنسان بربّه من خلال العقائد والعبادات، ومنسِّق لعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان

стр. 225

من خلال الأخلاق والمعاملات الإسلامية. وشمول الإسلام لشؤون الحياة وسلوك الإنسان هو شمول عام محيط بكل أمور الدِّين والدنيا، لا يقبل تخصيصاً ولا استثناءً؛ فالبشر جميعاً في دائرة أحكامه سواء، كما قال ﷺ : ((الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضْل لعربيّ على أعجمي، ولا لأبيض على أسود، إلاّ بالتقوى والعمل الصالح. كلّكم لآدم، وآدم من تراب. إنّ أكرمَكم عند الله أتقاكم)). وهذا هو الفرق بين الإسلام في شمول تعاليمه، وبين شرائع وقوانين البشَر التي تعالج أمور الإنسان من زاوية خاصّة بهذا التشريع، ولا شأن لها بالأمور الأخرى. والمسلم أمام شرع الله يجب أن يؤمن به كلّه، وأن يلتزم بكلّ ما أمر الله به، وأن يجتنب كلّ ما نهى الله عنه. فليس من كمال الإيمان: أن يأخذ الإنسان من الدِّين ما يُحقِّق منفعته الذاتية ورغباته، ويُبعد ما يحول دون شهواته ورغباته. قال تعالى محذِّراً من تجزئة الأحكام الشرعية وأخْذ البعض وتعطيل البعض الآخر: ﴿أََفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة:٨٥). كما ليس من صحيح الإيمان أن يُستعاض عن شرع الله بما شرعه البشَر من قوانين ونُظم، قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة:٥٠). فالإسلام عبر تشريعاته يهتمّ بالإنسان من حيث تكوينه النفسي والجسدي، فنظَّم الغرائز كغريزة حبّ التملك أو الجنس وغيرهما، فلا يحرمه منها. ولم يترك له الانغماس فيها، والوقوع في براثن شهواتها، ولكنّه يلائم وينسِّق بين رغبات الجسم ومتطلبات الروح، ويوازن بين متطلّبات الفرد ومصلحة المجتمع دون إفراط أو تفريط. ولم يَنْحُ نحو المسيحية في الانخراط في سلك الرهبانية والانعزال

стр. 226

عن الدنيا، وفصْل الدِّين عن المجتمع وَفْق مقولة خاطئة: "دعْ ما لقيصر لقيصر، وما لله لله". ولم ينهج نهج اليهودية التي اتّسمت بالمادية المطْلَقة. ولكنه وضع التشريعات التي تتّسم بالإحاطة والشمول، وتتناول حياة الإنسان منذ ولادته، وحتى يخرج من هذه الحياة. فأنّى تلفّت المسلم في حياته اليومية، أو خطا خطوات في جانب من جوانب الحياة -سياسية، أو اقتصادية، أو ثقافية، أو اجتماعية- إلا وجد شرائع الإسلام وأحكامه مِن حوله تحوطه بالعناية والرعاية، وتكبح جماح شهواته في حنو ورحمة، وتأخذ بيده في سهولة ويسر، وتسمو بالإنسان في بساطة وإقناع. والشمول والإحاطة التي اختصّ بها الإسلام نظّمتها التشريعات والأحكام التالية: ١ - كل ما يتعلق بعلاقة الإنسان بخالقه، كالإيمان بوجود الله ووحدانيته، والتصديق بكتبه ورسُله واليوم الآخر، والتسليم بالقضاء والقدَر، والرّضى بما قسم الله من أرزاق، والتزام العبودية والطاعة من خلال ما يؤدّى من عبادات كالصلاة والصوم والزكاة والحج، وغير ذلك من العبادات التطوعية التي توثِّق الصلة بين الخلْق والخالق سبحانه. ٢ - الأحكام التي تتعلّق بتنظيم علاقات الأفراد فيما بينهم. وهذه على أنواع منها: أ- أحكام الأسْرة من: نكاح، وطلاق، وميراث، ونفقة، وغيرها ... وتسمَّى في الاصطلاح الحديث بـ"أحكام الأسرة، أو "قوانين الأحوال الشخصية". ب- أحكام تتعلّق بالقضاء، والدّعوى، وأصول الحُكم، والشهادة، واليمين. وهي تدخل فيما يسمَّى بـ"قانون المرافعات".

стр. 227

ج- أحكام تتعلّق بعلاقات الأفراد ومعاملاتهم، كالبيع، والرّهن، والإجارة، والكفالة. وهي تسمَّى في الاصطلاح الحديث بـ"أحكام المعاملات المالية"، أو "القانون المدني". د- أحكام تتعلّق بمعاملات الأجانب غير المسلمين، عند دخولهم إلى أقاليم الدّولة الإسلامية، والحقوق التي يتمتّعون بها، والتكاليف التي يلتزمون بها. وهذه الأحكام تدخل فيما يسمَّى اليوم بـ"القانون الدّولي الخاصّ". هـ- الأحكام التي تتعلّق بتنظيم علاقات الدولة الإسلامية بالدّول الأخرى في السّلم والحرب، وتدخل اليوم فيما يسمّى بـ"القانون الدّولي العامّ". وأحكام تتعلّق بنظام الحُكم وقواعده، وكيفية اختيار رئيس الدولة وشكل الحكومة، وعلاقة الأفراد بها، وحقوقهم إزاءها. وهي ما يُطلق عليه بـ"القانون الدستوري". ز- ما يتعلّق بموارد الدولة ومصارفها، وتنظيم العلاقات المالية بين الأفراد والدولة، وبين الأغنياء والفقراء. وهي تدخل في "القانون المالي" بمختلف فروعه. ح- أحكام تتعلّق بتحديد علاقة الفرد بالدولة، من جهة الأفعال المنهيّ عنها. ومن بين ثنايا هذه التشريعات، يبرز الإسلام كنظام فريد تتضاءل أمامه كلّ تشريعات الشرق والغرب، ولا يقارَن به دِين من الأديان أو شريعة من الشرائع، لأن الله تكفّل بحِفْظه، وضمن له الخلود والبقاء. وصان القرآن الكريم الذي هو مصدر تلك التشريعات، من التحريف والتغيير. قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فُصِّلَت:٤١، ٤٢).

стр. 228

ثبوت مصادر الإسلام وسلامتها من التّحريف من الثوابت العلْمية والحقائق التاريخية: أنّ الرسالات السماوية السابقة عن الإسلام قد انقطعت أخبارُها، واندثرت معالمُها، وانتهت مصادرُها إلى مجاهل التاريخ وزوايا النسيان. ولم يعُدْ من تلك الأديان ما يتردّد فيه نبض الحياة، سوى الديانتيْن: اليهودية والنصرانية. حتى أن نبض هاتيْن الديانتيْن أصبح نبضاً ضعيفاً، بل كاد يتوقّف لِما حلّ بهما من تغيير وتبديل؛ فلقد امتدّت إليهما أيدي أحبار اليهود ورهبان النصارى بالتحريف زيادةً ونقصاً ثم احتدم الخلاف واشتدّ الجدال حول مسائل العقيدة في الديانتيْن، فضاق بهما أصحابهما، ودفعوا بهما خلْف جدران البِيَع والكنائس والأدْيِرة. وقامت الثورات في أوروبا تُنحِّي الدين عنها وتُبعده عن الحياة. وكان من شعار الثورة الفرنسية: "اقضوا على آخِر ملِك بأمعاء آخِر قسّيس". فتعاظم شأن الإلحاد، وتم فصْل الدِّين عن الدولة، واستعاضت أوروبا عن الدِّين بالقوانين الوضعية التي لا تمتّ بصلة لوحي السماء ورسالات الأنبياء، وإنما هي مزيج من الحضارتيْن اليونانية والرومانية، مع صبغهما بصباغ المسيحية التي وضع أصولها بولس الرسول الذي غيّر معالمها الحقة؛ ومن ثم لم يَعُد الدِّين هو المُوجِّه للحضارة الغربية المعاصرة. أمّا الإسلام العظيم فإن ممّا اختص به وتميّز عن سائر الدّعوات السابقة عليه: ثبوت مصادره، وقدسية نصوصه، وبقاء ونقاء ثوابته الشرعية وأصوله التشريعية، لأن الله تعالى قد تكفّل بحفظه، فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحِجر:٩).

стр. 229

ولقد بدا هذا الحفظ الإلهي واضحاً جلياً، لم ينل منه تتابع القرون، ولم تضعفه الأحداث الجسام التي واكبت تاريخ الإسلام. ولم تتغيّر قواعد حجّيّته وقوة أدلّته أمام الحقد الأسود والغلّ الدفين الذي يُضمره له أعداؤه منذ محاولات المشركين في مكة حينما أرادوا صرف الناس عن القرآن بأي صورة. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فُصِّلَت:٢٦)، إلى الادعاء الكاذب أنه ليس من عند الله، وإنما تلقاه ﷺ من رجُل أعجمي في مكة، قال تعالى مفنِّداً مزاعمَهم: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (النحل:١٠٣). ولقد زاد الإمعان والإصرار عبر مراحل التاريخ للنّيْل من مصادر الإسلام، واتّخذ صوراً عِدةً منها: أ- إنكار أنّ القرآن من عند الله. ب- التشكيك في القصص التاريخيّ للقرآن الكريم. ج- وضع الإسرائيليات في كتب التفسير، تشويهاً لمعاني القرآن الكريم. د- إنكار حجّيّة السُّنّة والنّيْل من رواتها وتجريحهم. هـ- محاولات التحريف المستمرة من أعداء الإسلام للقرآن الكريم، وذلك بطبع المصحف الشريف وبه تغيير لبعض الكلمات التي تُخِلّ بالمعنى. وآخر هذه المحاولات الخبيثة: ما قامت به الصهيونية العالمية التي تساندها قوى الشر والبغي التي تخشى الإسلام وحضارته، بطبع ما يسمى بـ"الفرقان الحق" بديلاً عن القرآن الكريم، وُضعت فيه سورً وآيات تتّفق وأغراضهم الخبيثة، ألا ساء ما يمكرون. قال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (آل عمران:٥٤).

стр. 230

فعلى الرغم من هذه المحاولات وغيرها، فإنّ مصادر الإسلام وبراهين أدلّته ودعائم شريعته نقيّة بيضاء، قيّض الله لها كلّ عوامل الحفظ، وضمن لها كلّ دوافع البقاء والاستمرار، وصانها من كل جوانب التحريف والتغيير. ولم يُرد الحق لأيّ دِين أو مذهب أو حضارة هيمنةً عليها أو احتواءً لها. هذا الكلام لا تُمليه العواطف، وإنما يُثبته البحث العلمي المنصف. وقد أقرّ بثبات مصادر الإسلام وسلامتها من التحريف والتغيير إجماعُ علماء المسلمين في كلّ العصور، وكذلك العلماء المُنصفون من غير المسلمين، الذين اعترفوا بتلك الحقيقة، وتبيّن لهم الفرْق الكبير والبوْن الشاسع بين ما عليه الإسلام من قواعد وأسُس سليمة ومحفوظة ومصونةٍ بقدرة الله، ثم بجهود العلماء من سلَف الأمّة وخلَفها، وبين أديان تهاوتْ قواعدُها، واضطربت مصادرُها، وأهملها أصحابُها، وعفا عليها الزمن، وطوتْها سحائب النسيان، وغدتْ في هامش الشعور لأتباعها. أمّا الإسلام، فهو -ولله الحمد- ما يزال في بؤرة شعور الأمّة وهو محطّ اهتمامها، وإنّ مصادره من القرآن الكريم والسّنة النبوية الشريفة، وسائر المصادر الأخرى، هي في عقلها وقلبها، ومحلّ عناية العلماء والمجتهدين في كل عصر ومصر. وإن بدتْ في هذه الأيام بعض أمارات ضعف المسلمين، وهوانهم على أعدائهم، وتخاذلهم في الدّفاع عن دينهم ومقدّساتهم، وإن ظهرت بعض الأصوات النشاز من بعض أبناء المسلمين عرب اللسان أعاجم العقل والفكر، ينالون من هذه المصادر، ويتهجّمون عليها، ويجعلون من أنفسهم أبواقاً مضلّلة للحضارة الغربية وثقافتها، فإن هذه الأمور عرض زائل، وظلمة ليل ستنقشع،

стр. 231

ومرحلة موقوتة وعابرة لن يكتب لها استمرار الحياة. قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ (الرعد:١٧). فعوامل بقاء الإسلام ومصادره وثوابته، ستظل باقية ومصونة ومحفوظة، لأنّها محاطة بتحصين الله لها، وبما يقيّضه الله لهذا الدِّين في كلّ زمان ومكان من بعض أبنائه من العلماء والدّعاة، مَن يُجدِّد أموره، ويحمي مصادره، ويصون ثوابته، ويَنفي شوائبه، ويدافع عنه. قال ﷺ : ((إنّ الله يَبعث على رأس كلِّ مائة سَنة مَن يُجدِّد لهذه الأمّة أمْرَ دينها)). ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عَابِدِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء:١٠٥).

стр. 232

الدرس: ١٣ تابع: من خصائص الدعوة الإسلامية .

стр. 233

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثالث عشر (تابع: من خصائص الدعوة الإسلامية) ١ - من خصائص دعْوة الإسلام توافُق الدّعوة مع العقل والفطرة ُ إنّ ممّا تفرد به الإسلام أنه دِين لا يتعارض مع العقول السليمة، ولا يصادم الفكر السّديد، ولا يتناقض مع الفطرة النّقيّة. ومن خلال التّعريف اللّغوي والاصطلاحي للعقل، يبرز مدى الارتباط بين شرْع الله وأحكامه، وبين العقل وخصائصه. "العقل" هو: العلْم بصفات الأشياء، مِن حُسْنها وقُبْحها، وكمالها ونقصانها، أو العلْم بخير الخيريْن وشرّ الشّرّيْن، أو هو: القوة التي يكون بها التمييز بين القبح والحسن، وأنه نور روحاني به تُدرك النفس العلوم الضرورية والنظرية. وسُمي عقلاً؛ لأنه يعقل صاحبه عن التّورّط في المهالك. والعاقل: هو الإنسان المدرِك الفاهم للشيء، أو هو الذي يَحبس نفسه ويردّها عن هواها أخذاً من قولهم: "اعتُقِلَ لسانه، إذا حُبس ومُنع الكلام". والشيء المعقول: ما يعتقله الإنسان بعقله، ويطمئنّ له قلبه، وينشرح له صدره. مكانة العقل في الإسلام: حظي العقل في رحاب الإسلام بمكانة سامية ومنزلة عليا، وقد أشار ﷺ إلى هذه المكانة في قوله: ((ما خَلق الله خلقاً أكْرمَ من العقل))، وقال ﷺ : ((ما كسب أحدٌ شيئاً أفضلَ من عقلٍ يهديه إلى هدىً، أو يَرُدّه عن ردىً)). ولقد امتدح القرآن الكريم أصحاب العقول السليمة التي تَهدي إلى الحق، فكلّ أمر حسنٍ ذي بالٍ يوصف أصحابه بالعقل والعلم. قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ (العنكبوت:٤٣).

стр. 234

وكل موضع يذمّ فيه الكفّار، يكون بسبب الجهل وفقدان العقل الراشد والفكر السديد، قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة:١٧١). ولقد أطلق القرآن الكريم أسماءً كثيرة على العقل، ممّا يدلّ على شرف المسمَّى ومكانته؛ ومن ذلك ما يلي: أ- الفؤاد: وهو الذي تستقرّ فيه العلوم والمعارف الثابتة والعقائد الراسخة، مقترنة بشحنة من العواطف. قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ (الإسراء:٣٦). ب- اللُب: وهو الدائرة الواقعة في عمق مركز التفكير، وهو مركز استقرار المعرفة العلْمية، ومركز التّذكّر والاعتبار والاتّعاظ، وعنه تصدر النتائج الفكرية إلى الفؤاد والقلب والصدر، لتحريك العواطف. قال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة:٢٦٩). ولقد وصف الله المتّقين من عباده الذين يتفكّرون في خلْق السماوات والأرض، ويشاهدون عظَمة الخالق لهذا الكون، ويعلمون مدى حاجة البشر إلى شرع الله الحكيم، بأنهم: "أولو الألباب"؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران:١٩٠، ١٩١). كما يُطلق على العقلاء بأنهم "أولو النُّهَى"؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لأُولِي النُّهَى﴾ (طه:٥٤)، وأنهم "ذوو حِجْر"، أي: عقل وفهم وإدراك؛ قال تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ (الفجر:٥).

стр. 235

أي: لِذي عقل ولبّ وحِجا. وإنما سمي العقل "حِجْراً" "لأنه يمنع الإنسان من تعاطي ما لا يليق به من الأفعال والأقوال، ومنه: حِجر البيت الحرام، لأنه يمنع الطائف من اللّصوق بجدره". حفظ الإسلام للعقل: حرص الإسلام على العناية بالعقل والمحافظة عليه، وذلك بما يلي: أولاً: حرَّم الإسلام تحريماً قاطعاً كلّ ما يُذْهِب العقل ويُغيِّب الفكر، وجعَل المحافظة على سلامة العقول إحدى ضروريات الإنسان الخمْس، وهي: النفْس، والدِّين، والعقل، والعِرض، والمال. ولذلك حرّم الله الخمر والمُسكرات والمُفتِّرات بكافة أنواعها، السائلة منها والجامدة، ما يُشرب منها وما يُحقن أو يُشمّ، وكلّ ما يُخامر العقل ويَستره ويُغطّيه. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (المائدة:٩٠، ٩١). وعن أنس ﵁ قال: ((لعَن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة: عاصرَها ومُعتصرَها، وشاربَها، وحاملَها، والمحمولةَ إليه، وساقيها، وبائعَها، وآكلَ ثمنها، والمشتري لها، والمشترَى له))، رواه ابن ماجة والترمذي. ثانياً: أطلق الإسلام للعقل عنان الفكر بما لا يتصادم مع عقائد الدِّين وثوابت الشّرع، ومنَحه حرية التعبير عما يجيش بعقله؛ فلا يصادر الإسلام رأياً، ولا يكبت فكراً، إلاّ إذا كان فكراً يُنكر ما هو معلوم من الدِّين بالضرورة، أو يعارض قاعدة من قواعد الشريعة الإسلامية، أو يخالف فطرة الله التي فطر الناس

стр. 236

عليها، كأن يُزيّن لفاحشة، أو يدعو إلى مُنكَر من خلال الفنّ الساقط والأدب الرخيص. ولقد أعطى الإسلام الحرية للعقل في مجالات كثيرة، ووضع له الضوابط التي تحول بينه وبين الانحراف في الفكر، والضلال في الرأي. ومن ذلك: أ- النظر في ملكوت السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ (يونس:١٠١). ب- إمعان الفكر في النفس البشرية، وما تحمل بين ثناياها من آيات العظمة، ودلائل القدرة، وأسرار الخلْق؛ قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ * وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (الذاريات:٢١، ٢٢)، وقال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ (الطارق:٥). ج- أن يبني العقل أفكاره على الدليل القاطع والبرهان الساطع، والعلْم الذي يقوم على اليقين، وأن يبتعد عن التخمين والظن وعدم البرهان؛ قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (الأحقاف:٤)، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (النمل:٦٤). وقد طلب الله من المعاندين والمعارضين لِدعوة الرسول ﷺ أن يخرجوا ما لديهم من علْم، وما تحت أيديهم من أدلّة؛ قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ﴾ (الأنعام:١٤٨).

стр. 237

د- أن يتمهّل العقل في الحُكم على الأشياء، وأن يتأنّى للوصول إلى الحقيقة. وينبغي أن تتعاون العقول وتتلامح الأفكار، لمعرفة الحقّ والصواب. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ (سبأ:٤٦). هـ- أن يتحرّر العقل من اتّباع الهوى؛ قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ (الجاثية:٢٣)، وأن يتخلّص من مؤثِّرات البيئات المُنحرفة، ومن عادات وتقاليد ما توارث عن الآباء من عادات وتقاليد تتنافى مع صحيح العقيدة. قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ * وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ * أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ * وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (الزُّخرُف:١٩ - ٢٣). وهكذا يتعانق العقل ويتصافح مع الإسلام في مودّة صادقة وتعاون مستمر، لبناء حضارة إنسانية مرتبطة بوحي السماء ورسالات الأنبياء، التي تزيل غشاوة العقول، وتذيب صدأ القلوب، وتحقّق للإنسان ما خلَقه الله لأجله. أمّا حينما ينطلق العقل الإنساني بعيداً عن ضوابط الشّرع، ويندفع وراء الأهواء والظّنون، ويتّبع خطوات الشيطان الذي يُزيِّنُ له الانحراف في الفكر تحت مسمَّى الحرية، والضلال في الرأي تحت دعاوى الإبداع، فإنه يكون كالجواد الجامح وكالثور الهائج الذي يُحطِّم كلّ ما حوله. وإنّ ما تشاهده البشرية من انحراف في العقيدة،

стр. 238

وإفساد للنظرة، ونزوع للشهوات، وميل شديد إلى الظلم واستعباد الشعوب وإشعال الحروب، ما هو إلا حصادٌ سيِّئ لانفلات العقل، وفساد الفكر، واتّباع الهوى. قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (فاطر:٨). ٢ - من خصائص دعوة الإسلام وسطيّة الدعوة وملاءمتها للفطرة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: إنّ من خصائص الدعوة إلى الله: أنها تقوم على التّوسّط والاعتدال ومراعاة وملاءمة الفطرة الإنسانية، فلا تميل للغلوّ، ولا تجنح للتشرّد، وتنأى عن الإفراط والتفريط. فهي تراعي العدل في التشريع، والوسطيّة في العقائد والعبادات؛ قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ (البقرة:١٤٣). فمعنى الوسط في الآية، أي: عُدولاً لتتوافر في المسلمين الشهادةُ على الأمم السابقة. أو معنى الوسط: الوقوع في المنتصف بين الأمريْن، فتعاليم الإسلام وسط في الأحكام لا تُلحِقُ بالإنسان مشقّة، ولا تُنْزِل به حرجاً، ولا تُسبِّب له ضيقاً أو عنتاً. قال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (المائدة:٦). إنّ السماحة والرحمة والتوسط والاعتدال هي من أخلاق الرسول ﷺ ومعْلَم ظاهر في شخصيته. فقد روى البخاري عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: ((ما خُيِّر رسولُ الله ﷺ بيْن أمريْن إلاّ اختار أيسرَهما ما لم يكن إثماً. فإن كان إثماً كان أبعدَ الناس منه)).

стр. 239

وقد ذكَر القرآن الكريم: أنّ سهولة العبادات ويُسْر الطاعات أمْر مشترَك بين الرسالات السماوية، فقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (الحج:٧٨). وقد نهى ﷺ عن التّنطّع في الدِّين، والغلوّ في الفكر، والتشدد في العبادة. فعن ابن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ قال: ((هلك المتنطعون -قالها ثلاثاً-))، رواه مسلم. والتنطع هو: المبالغة في العبادة. وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنّ مِن أحبِّكم إليّ وأقربكم منِّي مجلساً يوم القيامة: أحاسنكم أخلاقاً. وإنّ أبغضَكم إليّ وأبعدَكم منِّي مجالس يوم القيامة: الثرثارون، والمُتشدِّقون، والمُتفيْهقون))، رواه الترمذي، وقال: "حديث حسن". وعن عمر -رضي الله تعالى عنه- قال: ((نُهينا عن التّكلّف))، رواه البخاري. وقال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (ص:٨٦). وعن منهج الدّعوة إلى الله في التيسير وعدم التعسير، روى أنس -رضي الله تعالى عنه- عن النبي ﷺ ، قال: ((يَسِّروا ولا تُعسِّروا، وبشِّروا ولا تُنَفِّروا))، متفق عليه. وقال ﷺ : ((إنّ الدِّين يُسر، ولن يُشادّ أحدٌ الدِّين إلاّ غلَبه؛ فسدِّدوا وقاربوا، وأبشروا. واستعينوا بالغدْوة والرّوْحة وشيء من الدُلْجة))، رواه البخاري. وعن ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا أخبركم بمن يَحْرمُ أو بمن تحرم عليه النار؟ تحرم على كلّ قريب هيِّن سهْل))، رواه الترمذي وقال: "حديث حسن".

стр. 240

وإنه من الاعتقاد الخاطئ: اعتقادُ البعض أنّ اليُسر وعدم التّشدّد في الدِّين، والانفلات من قيوده وحدوده، والتكاسل عن أداء العبادات، والتساهل في القيام بالطاعات، والاندفاع نحو رغبات النفس، أمر لا حرج فيه، تحت مقولة: "الدِّين يُسر لا عُسر". وقد يرى البعض -بهتاناً وإفكاً-: أنّ مِن سماحة الإسلام ومِن عدم التشدد في الدِّين: أن يتقبّل المسلم أفكارَ الآخَرين ومعتقداتِهم وثقافاتهم وأخلاقهم التي تتعارض مع ثوابت الإسلام وخصائصه، تحت دعوى السماحة وعدم التّشدّد. فرأينا من يشارك الكفّار في أعيادهم، ومن يريد أن يخرج المرأة من حصنها الإسلامي المنيع، بدعوى أن الدين يُسر لا عسر، فيتخفّف من أمر الحجاب ... فهذا فهم خاطئ للدِّين ... قواعد الاعتدال والتّوسّط . وقد وضع الإسلام قواعد الاعتدال وضوابط التّوسّط في الدِّين على النحو التالي: أولاً: الإسلام يهدف من شرائعه وأحكامه: أن يرقى بعقائد الإنسان وعباداته وأخلاقه ومعاملاته بصورة مُثلى تقارب الكمال الإنساني، ولكن بدون تشدّد في العمل وغلوّ في الاعتقاد، لأنهما يدفعان بالإنسان إلى غياهب الفكر وشطحاته. ولقد ساق القرآن الكريم حصاد الغلوّ، وما أدّت إليه المبالغة، وذلك من خلال معتقدات النصارى وغلوِّهم فيما اعتقدوه في عيسى ﵇؛ قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ (النساء:١٧١). وكمغالاة بعض الشِّيعة في حبّ علي ﵁ وآل بيته الأطهار. وقد دفعت المغالاة بالبعض إلى التّطاول على صحابة الرسول ﷺ .

стр. 241

وكغلوّ بعض المتصوِّفين في الأولياء، حتى إن البعض يُنزلونهم منزلةً تتصادم مع العقيدة الإسلامية. فالإغراق في التّشدّد والمبالغة في التّطرّف يؤدِّيان إلى عواقب لا تُحمد عقباها. ولهذا كان حرْص الرسول ﷺ أن يُبعد أمّته عن أي طريق يؤدِّي بها إلى متاهات الغلوّ. فعن عمر ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تُطروني كما أطْرت النّصارى عيسى بن مريم؛ فإنّما أنا عبد الله، فقولوا: "عبْد الله ورسوله"))، مسند الإمام أحمد. وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك، أن رجلاً قال: يا محمد. يا سيِّدَنا وابن سيِّدِنا، وخيرنا وابن خيرنا. فقال ﷺ : ((أيها الناس. عليكم بقوْلكم! ولا يستهْوِيَنَّكم الشيطان. أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله. واللهِ! ما أحبّ أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ))، ابن كثير. ولقد كانت الرحمة واللِّين واليسر من مفاتيح القلوب لأصحابه -رضوان الله عليهم-، وسرُّ اجتماعهم عليه والتفافهم حوله. قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ (آل عمران:١٥٩). ثانياً: إنّ التكاليف التي شرعها الله لعباده لا تتجاوز حدود الطاقة البشرية، وإنما هي وفْق طاقة الإنسان وقدراته؛ قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لأَنْفُسِكُمْ﴾ (التغابن:١٦). وقال ﷺ : ((إذا أمَرْتُكم بأمْر فأْتُوا منه ما استطعتم. وما نهَيْتُكم عنه فانتهوا))، رواه البخاري.

стр. 242

وتطبيقاً لهذه الأصول الإسلامية، تصبح تكاليف العبادات وغيرها من أعمال الطاعات وأمور الدنيا مقترنةً بتوافر شرط الاستطاعة. والأمثلة على ذلك كثيرة، منها ما يلي: أ- الحجّ أحد أركان الإسلام الخمسة، أداؤه يتوقف على شرط الاستطاعة المالية والبدنية وأمْن الطريق؛ قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (آل عمران:٩٧). ب- قصْر الصلاة وجمْعها في السفر، وفي ميادين الجهاد، وأداؤها من قعود إذا تعذّر القيام. قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (النساء:١٠١). ج- الصوم حينما يعجز المسلم عن صيامه لِمرض أو سفر، فيباح له الفطر، ثم القضاء. فإن عجز عن القضاء لِعِلّة مُزمنة، وجبت الفدية، وهي إطعام مسكين عن كلّ يوم أفطره. قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (البقرة:١٨٤). وقال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة:١٨٥). د- وكذلك فريضة الزكاة لا تجب إلاّ على من يملك النّصاب، وحالَ عليه الحوْل. هـ- راعى الإسلام طبيعة المرأة وقدّر خصائصها، فأسقط عنها بعض التكاليف الشرعية التي قد يشقّ عليها أداؤها، كإسقاط فريضة الصلاة عند الدورة

стр. 243

الشهرية وخلال فترة الولادة والنفاس، ولم يوجب الإسلام عليها القضاء. كما أباح لها الإفطار في رمضان بسبب الولادة والرضاعة أو خلال فترة الحيض والنفاس، وأوجب عليها القضاء بعد زوال هذه الأسباب. وفي شؤون الحياة وأمور الدنيا، دعا الإسلام إلى التوسط والاعتدال في كل شيء، ومن ذلك ما يلي: ١ - الإنفاق المالي يضع الإسلام قواعده الاقتصادية، فلا يمسك الإنسان يده عن الإنفاق ويكنز المال ويحرم منه نفسه وأهله، ولا يبعثره في تبذير وسَفه ذات اليمين وذات الشمال. قال تعالى مبيِّناً ضوابط الإنفاق، وألاّ يتجاوز حدّ التوسط والاعتدال: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾ (الإسراء:٢٩). وبيّن القرآن الكريم أنّ من صفات المتّقين من عباده: الاعتدال في الإنفاق، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ (الفرقان:٦٧). ٢ - في مجال الأكل والشرب، فإن الاعتدال فيهما هو ميزان صحّة الإنسان وسلامته، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف:٣١). ثالثاً: ذمّ الإسلام أن يبالغ الإنسان في أداء العبادات وأنواع الطاعات إلى الحدّ الذي يُخرجها عن حدود ما شرعه الله وسَنّهُ الرسول ﷺ ، ويفوق الطاقة البشرية، ويصِل بها إلى الإجهاد البدني؛ لذلك نهى النبي ﷺ عن الابتداع في الدِّين، فقال ﷺ : ((مَن أحدث في أمْرنا هذا ما ليس منه، فهو ردّ))، متفق عليه.

стр. 244

لهذا كان ﷺ يرقب أصحابه، فإذا رأى غلواً أو تشدّداً في الطاعات نبّه عليه، وحذّر من عواقبه؛ ومن ذلك: ١ - عن أنس ﵁ قال: جاء ثلاثة رهطٍ إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ . فلمّا أُخبِروا، كأنهم تقالّوها، وقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ؟ قد غُفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر. قال أحدهم: أمّا أنا فأصلي اللّيل أبداً. وقال الآخَر: وأنا أصوم الدّهر ولا أفطر. وقال الآخر: وأنا أعتزل الناس فلا أتزوج أبداً. فجاء إليهم رسول الله ﷺ فقال: ((أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أمَا والله، إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصومُ وأُفطِرُ، وأصلِّي وأرقد، وأتزوّج النساء. فمن رغِب عن سنّتي فليس مني))، متفق عليه. ٢ - عن أنس -رضي الله تعالى عنه- قال: دخل النبي ﷺ المسجد، فإذا حبلٌ ممدود بين الساريتيْن، فقال: ((ما هذا الحبل؟)) قالوا: هذا حبلٌ لزينب، فإذا فتَرَتْ تعلّقت به. فقال النبي ﷺ : ((لا. حُلُّوه! لِيُصَلِّ أحدُكم نشاطَه، فإذا فتَر فلْيرقُدْ!))، متفق عليه. ٣ - عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها امرأة قال: ((من هذه؟))، قالت: فلانة تذكر من صلاتها. قال: ((مَهْ! عليكم بما تطيقون! فوالله لا يمَلّ الله حتى تمَلّوا))، متفق عليه. ((مهْ)): كلمة نهْي وزجْر. ٤ - عن ابن عباس ﵄ قال: بينما النبي ﷺ يخطب، إذ هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل، نذَر أن يقوم في الشمس ولا يقعد،

стр. 245

ولا يستظل، ولا يتكلّم، ويصوم. فقال النبي ﷺ : ((مُروه فلْيتكلّمْ، ولْيستظلّ، ولْيقعدْ، وليتمّ صومه))، رواه البخاري. ٥ - عن أبي عبد الله جابر بن سمُرة ﵄، قال: ((كنت أصلِّي مع رسول الله ﷺ الصّلوات، فكانت صلاته قصداً، وخطبتُه قصداً))، رواه مسلم. ومعنى قصداً: أي: متوسطة بين الطول والقِصَر. رابعاً: رفَع الإسلام التكليف في الأمور التي لا يَملك الإنسان دفْعها، ومنها: أحوال النسيان والخطإ والإكراه؛ فهي أمور قد تعترض الإنسان فتُوقعه في بعض الأخطاء التي ينأى عن فِعْلها إذا كان في غير هذه الحالات الثلاث. ومن رحمة الله بعباده أنْ رفَع عنهم الحرج والمشقّة؛ قال ﷺ : ((وُضع عن أمّتي الخطأ، والنسيان، وما استُكرهوا عليه))، لأن هذه من العوارض التي تعتري الإنسان، ولا يملك لها دفعاً. ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة:٢٨٦). أمّا النّسيان المتعمَّد لأوامر الله، والاستخفاف المستمرّ بشرع الله، فهذه أمور لا ينبغي على الإنسان أن ينساها ولا يتناساها طوال عمره. قال تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (الحشر:١٩). ويدخل في قسم النّسيان والخطإ الذي لا يُعذر صاحبهما: كلّ نسيان أو خطإ ناشئ عن التّهاون والإهمال والتقصير وعدم المبالاة؛ ولذلك أمَر القرآن الإنسان إذا ما نسي تذكّر الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (الكهف:٢٤)، وأن يبادر إذا ما

стр. 246

أخطأ بالتوبة والاستغفار، قال ﷺ : ((كلّ بني آدم خطّاء، وخيْر الخطّائين التّوابّون)). ولذلك خفّف الإسلام من عقوبة القتل الخطإ، وأثاب على اجتهاد الحكّام والعلماء، وجعل لهم أجراً عن الخطإ وأجريْن عن الصواب؛ فعن عمر بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا حَكَم الحاكم فاجتهد ثم أصاب، فله أجران. وإذا حَكَم فاجتهد ثم أخطأ، فله أجْر))، رواه الشيخان. كذلك من أمَارات دفْع الحرج ودفْع المشقّة: رفْع المؤاخذة عن المُكره إذا أُُرغم على قوْل أو فعْل يخالف الإسلام، ولم يستطع الصّمود والمقاومة؛ قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النحل:١٠٦). أمَارات الوسطيّة والاعتدال في الدّعوة خامساً: من أمَارات الوسطية والاعتدال في الدّعوة إلى الله: مراعاة غرائز الإنسان، وتحقيق مطالب النّفْس والجسد. لقد أودع الله داخل الإنسان أنواعاً من الغرائز تتفاعل داخل كيانه، وتتدافع في تعادل دقيق وتوازن مُعجز، وهي أمر مشترك بين البشر جميعاً؛ غير أنهم متفاوتون فيها، إما بانضباطها والارتقاء بها والاعتدال في ممارستها، أو الانحراف بها عن الطريق السّويّ والسلوك المهذّب. فالغرائز استعداد فطري لا يحتاج إلى تعلّم، تدفع الكائن إلى القيام بسلوك خاص. والدوافع التي تكمن وراء الغرائز صنّفها العلماء إلى أربعة أنواع:

стр. 247

النوع الأول: دوافع تَكْفل المحافظة على بقاء الفرد، كالجوع والعطش اللّذان يُحرِّكان غريزة البحث عن الطعام. النوع الثاني: دوافع تَكْفل المحافظة على بقاء النوع، كالجنس والأبوّة اللّذان يدفعان غريزتَيْ تجاذب الرّجُل للمرأة من خلال الحبّ الفطري الذي يوثِّقه عقد الزواج. النوع الثالث: دوافع الطوارئ، وهي وثيقة الصّلة بالمحافظة على بقاء الفرد والنوع، كدافع المقاتلة، والخوف، والهرب. النوع الرابع: دوافع تمكّن الفرْد من التّعرّف على البيئة التي حوله، كدافع الاجتماع، والتّعاون، وحبّ الاستطلاع. وهذه الغرائز إن لم تُحكم بميزان الشّرع أو تُضبط بمقاييس العقل السليم، فإنها تنطلق مسعورةً لإشباع حاجاتها دون رويّة وتدبّر، ودون الْتفات لأوامر الله، متجاهلة الأحكام الشرعية، ومحطِّمة للتقاليد الاجتماعية. ولقد وضع الإسلام هذه الغرائز في حدود ما خلَقها الله مِن أجْله، ووضَع لها الضوابط وفْقَ ما شرعه الله من ثواب وعقاب وإقامة الحدود، وجعل السلوك الإنساني في إشباع تلك الغرائز يسير حسب سنن الفطرة، دون كبْت أو حرمان أو قهرٍ لها. ولم يترك الإسلام لها الحبْل على الغارب، لتندفع هائجة تُحطِّم القِيَم وتنتهك الأعراض. فغريزة الجنس وضَع لها الإسلام الضوابط، حيث جعَل علاقة الرجل بالمرأة لا يتمّ إلاّ في إطار عقد الزواج، وسمّاه: ﴿مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾ (الأحزاب:٧)، ويسّر سُبل الزواج، وأباح التّعدّد لِمَن يقدر على ذلك. وأيّ علاقة بين الرجُل والمرأة بعيدة عن علاقات الزوجيّة فهي علاقة آثمة، ومن الكبائر التي توجب إقامة الحدّ في الدنيا وعذاب الله في الآخِرة، إن لم يعلن ذوو هذه العلاقة عن توبتهما.

стр. 248

وغريزة حبّ المال وجمْعه وإنفاقه، وضَع لها الإسلام النّظم والتشريعات التي تُشبع هذه الغريزة؛ فجعل جمْعه لا يكون إلاّ من حلال، ولا يُنفق إلاّ على الأهل أو في وجوه الخير، مع الاعتدال في النفقة. وقد أباح الإسلام حرّيّة التّملّك والتّصرّف، ولكن في حدود ضوابط الشرع وأحكامه. وكذلك حرّم الله بعض المطعومات والمشروبات التي تَدفع بالإنسان إلى ضياع عقْله وهلاك صحّته، لتستقيم بذلك حياةُ الإنسان في تعادل وتناسق وتوازن يتلاءم مع فطرة الله التي فطر الإنسان عليها. قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (الروم:٣٠). ولهذا حرّم الإسلام بعض الأمور التي قد تعود على الإنسان بالضرر، قال نعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ (المائدة:٣). هذه بعضُ خصائص الدّعوة إلى الله التي تفرّد بها وتتميّز عن كافّة الشرائع والنُّظم الأخرى، قال تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ (البقرة:١٣٨). هذا وبالله التوفيق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 249

الدرس: ١٤ من صفات الدعاة .

стр. 250

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الرابع عشر (من صفات الدعاة) ١ - مِن صِفات الدّعاة من صفات الدعاة: التمهيد التمهيد: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: فإنّ تاريخ البشرية الضّارب في أعماق الزمن، والمُمتدّ عقِب قرون طويلة وحقبٍ متتابعة، ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالدّعوة إلى الله، وامتزج بوحي السماء ورسالات الأنبياء، امتزاجاً بتغلغل داخل النفْس البشرية، فأثّر في مشاعرها وسلوكها. وتطلّعت الإنسانية واشرأبّت أعناقها، وتعلّقت آمالها إلى تلك الكوكبة من الأنبياء والمرسَلين، الذين اصطفاهم الله من بيْن خلْقه، وربّاهم تربية خاصة، يتمثل فيهم الكمالُ الإنساني بأسمى صُوَره وأنبل مُثُلِه، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ﴾ (الحج:٧٥). وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (آل عمران:٣٣، ٣٤). وذكَر القرآن الكريم صُنْع الله المُتقَن في تكوين الأنبياء والمرسلين، وإعدادهم الدقيق ليتحمّلوا أعباء الدعوة إلى الله؛ فقال الله عن موسى ﵇: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ (طه:٣٩). وتحدّث القرآن عن يوسف ﵇، فقال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (القصص:١٤). وأخبر القرآن الكريم عن إعداده لِيحيى ﵇ وهو ما زال صبياً، فقال تعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً﴾ (مريم:١٢). وتُوِّج هذا الإعداد والاصطفاء والاختيار بأشرف الخلْق وخاتم الرّسُل: محمد ﷺ ، الذي أعدّه الله للنبوّة والرسالة قبل خلْق آدم ﵇؛ فعن العرباض بن سارية
следующие страницы →