← Общие книги

Общие книги · id 11136

أصول الدعوة وطرقها 1 - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (278 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

-[أصول الدعوة وطرقها ١]- كود المادة: IDWH٢٠١٣ المرحلة: بكالوريوس المؤلف: مناهج جامعة المدينة العالمية الناشر: جامعة المدينة العالمية عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

الدرس: ١ مدخل إلى علم الدعوة . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الأول (مدخل إلى علم الدعوة) ١ - التعريف بالدّعوة إلى الله التّعريف بالدّعوة الحمد لله الذي بفضله تتمّ الصالحات، وبتوفيقه تُزكَّى الأعمال وبرحمته تُرفع الدرجات. قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. (المجادلة:١١) وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق:٤، ٥). وأشهد أنّ سيدنا محمداً عبده الله ورسوله، شرّفه الله بحَمْل رسالته، وتبليغ دعْوته، وخاطَبه بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ (الأحزاب:٤٥، ٤٦). اللهمّ صلِّ وسلِّم عليه وعلى آله وأصحابه، ومَن دعا بدعْوته إلى يوم الدِّين. وبعد: التّعريف بالدّعوة أولاً: التعريف بالدعوة إلى الله، في اللغة، وفي اصطلاح العلماء: ففي اللغة: جاء في "دائرة معارف القرن العشرين" ما يلي: "دَعاه" يَدْعوه دعاءً ودعوى: ناداه، وصاح به. و"دعا له": طلب له الخَير من الله تعالى. "دعا عَليه": طلب له الشَّر من الله تعالى. "تداعى الناس": دعا بعضُهم بعضاً. وجاء في "لسان العرب": "الدعوة": المَرة الواحدة من الدّعاء. و"الدُّعاة": قومٌ يدْعون إلى بَيعة هدىً أو ضلالةٍ، واحدُهم: داعٍ. ورجُل داعِيَة، إذا كان يدعو الناس إلى دِين أو بدعة، وأُدخِلت الهاء في "داعية" للمبالغة.

стр. 3

وبهذا يتّضح أن كلمة "دعا" ومشتقّاتها تدور في اللغة بين الداعي وما يَدعو إليه من خَير أو شَر. الدعوة في اصطلاح العلماء: عُرِّفت بعِدّة تَعريفات، منها ما يلي: التعريف الأوّل: حَثّ الناس على الخَير والهُدى، والأمْر بالمعروف والنّهي عن المنكر، ليَفوزوا بسعادة العاجل والآجل. التعريف الثاني: هي: قيام العلماء المُستنيرين في الدِّين بتعليم الجمهور من العامّة ما يُبصِّرهم بأمور دِينهم ودُنياهم، على قَدر الطاقة. التعريف الثالث: إنقاذ الناس من شرٍّ واقع، وتحذيرهم من أمر يُخشى عليهم من الوقوع في بأسه. ثانياً: حاجة البشر للدعوة إلى الله: لقد خلَق الله الإنسان في أحسن تقويم، واستخلفه في أرضه، وائْتَمَنَه على بعض أسرار كوْنه، وفضَّله على كثيرٍ مِن خَلْقه. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ (الإسراء:٧٠). هذا التكريم والتفضيل ليس لكوْن الإنسان يأكل، أو يشرب، أو يتناسل؛ فهذه أمور يَشترك فيها مع كثير من الكائنات، ولكنْ خَلقه الله لرسالة كريمة وغاية عُظمى، تَنحصر في الأمور التالية:

стр. 4

أولاً: استخلاف الله للإنسان في الأرض، وتسخير الكون لخدمته. قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (إبراهيم:٣٢ - ٣٤). ثانياً: تحمُّل الأمانة التي شرَّفه الله بحَمْلها، واصطفاه للقيام بأعبائها، وتقبَّلها طَواعيةً، بينما اعتذرت السماوات والأرض والجِبال عنها، لِعِظم شأنها وخُطورة تبِعاتها. قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ (الأحزاب:٧٢). ثالثاً: عبادة الله وطاعتُهُ، والتزام ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (الذاريات:٥٦ - ٥٨). رابعاً: تَوطيد الرَّوابط الأُسَريّة من خِلال النَّسب والمُصاهرة. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ (النحل:٧٢). كما عمّق العلاقات الإنسانية بالتعارف والتعاون. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحُجُرات:١٣).

стр. 5

ولن يستطيع الإنسان أن يُحقِّق هذه الأمور بنفسه، أو أن يَمضيَ في الحياة مُعتمداً على عَقله فقط، أو أن يَسير وفْق رغباته ونَزواته وتَبَعاً لأهوائه؛ فكان من رَحمة الله بالبَشر أن أرسل لهم الأنبياء والمرسلين، وأيّدهم بالوحي والمعجزات، ليدْعُوا الناس إلى الطَّريق المُستقيم. قال تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (النساء:١٦٥). هذا، ولقد ظهرت حاجةُ البشرية الشديدة للدّعوة إلى الله، التي تَرتكز على وحْي السماء، ورسالات الأنبياء، وسلوك الأتقياء، وذلك للأسباب التالية: أولاً: إن الصراع بين الإنسان والشيطان لن يَنطفئ لهيبُه، ولن تَخمد جَذوته. فمنذ أن خلَق الله آدم ﵇ وأمَر الملائكة بالسجود له، -سجود تحية وتكريم، لا سجود عبادة-، فامتثلوا لأمْره ، إلاّ إبليس الذي أنكر وأعرض، وأدبر واستكبر، وهدَّد وتوعّد، فأُخرِج من الجَنة صاغِراً ذليلاً. قال تعالى: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ * قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الأعراف:١٣ - ١٨). وبهذا أصبحت الكرة الأرضية مَيداناً فَسيحاً وساحةً رَحبة للنِّزال بين الإنسان والشيطان. ولو تُرك الإنسان في هذه المَعركة وَحْده دون وحيٍ من السماء يَحفظُه، ويُرسل الله الرسل لتُرشِده، والدعاة ليُحذِّرونَه، لتمكَّن الشيطان منه،

стр. 6

وأفسَدَ عَقيدتَه، وشوّه فِطرتَه؛ لذا كانت حاجة الإنسانية ماسةً للدّعوة إلى الله، لتَتخلّص من شَرّ الوسواس الخَناس الذي يُوسوس في صُدور الناس. ثانياً: لقد أودع الله بين حنايا النَّفس البَشرية العديدَ من الغَرائز. قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (آل عمران:١٤). وهذه الغرائز تَغْلي داخل كيان الإنسان كالمِرْجل، وكلّ غَريزة تَتدَافع وتَتزاحَم لبَسْط إرادتها على سلوك الإنسان وتَصرّفاته. وهذه الغرائز إن لم تُحكم بميزان الشَّرع، وإن لم تُضبط بمقاييس وحْي السماء ورسالات الأنبياء، فإنها تَنطلق مَسعورة لإشباع حاجاتها دون تَدبّر ورَويّة، ودون التفات لأوامر الله، مُتجاهِلة الأحكام الشرعية، مُحطمةً للتَّقاليد والأعراف الاجتماعية، فيَنتَكس الإنسان إلى سلوك الحَيوان، بل أضلّ من الحيوان. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف:١٧٩). لذلك كانت الحاجة ضروريةً للدّعوة إلى الله، لتنظيم تلك الغَرائز البشريّة، وإشباعِها في إطار شَرْع الله الذي لا يَكبِتُها، ولا يَحرم الإنسان منها، ولا يَترك لها الحَبل على الغَارب، كالجَواد الجامِح؛ بل نَجد الإسلام العَظيم يُهذِّبها، ويَضبط دوافِعها. ولن يتمّ ذلك إلاّ من خِلال الدّعوة إلى الله على هدىً وبصيرة. ثالثاً: إنّ العَقل البشري، مع أنه مَركز التَّوجيه، ومحور التَّفكير، ومَناط التَّكليف، وهو الذي يُميِّز الإنسان عن الحَيوان، فإنه لا يُحقِّق سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، للأسباب التالية:

стр. 7

أولاً: قُصور العقل الإنساني، لأنه يَستقي المَعلومات من الحَواسّ، بواسطة الجِهاز العصبي الذي يَمتدّ بين خلايا الجسم وأنسجته وعظامه، ليتَّصل بالمخ في نظام عَجيب، وتناسُق مُعجِز مُبهر، يُنبئ عن قُدرة الخالِق، وعظَمة الصّانع . ومع ذلك، فالعَقل ليس مَعصوماً من الخطإ، وأحكامُهُ ليست صواباً على وجْه الإطلاق؛ فهو يَحكم على الشيء من خِلال ما تُقدِّمه الحَواسّ الخَمس من مَعلومات، فإذا فَقَدت إحدى الحواسّ عَملها بسبب مَرض أو عِلّة بها، تَوقَّف العَقل عن مَعرفة حَقيقة الجُزئية الخاصّة بتلك الحاسّة المُعطَّلة. ثانياً: تفاوت العَقل البَشري، فعقول البَشر تَختلف في الفَهم، وتَتفاوت في الإدراك، وتَتدرّج في الذكاء، ممّا يَجعل الحُكم على الأشياء يَختلف اختلافاً ظاهراً بين بني البشر، كما أنّ العقل يَخضع لمؤثِّرات كَثيرة، ولا سيما في هذا العصر الذي يحاصَر الإنسان بالغزو الفكري الذي تبُثّه أجهزة الإعلام المَرئية والمَسموعة والمَقروءة، ممّا أدّى إلى التفاوت العَقلي في شتّى المجالات، واختلفت النظرة والحُكم على الأشياء من دولة لدولة، ومن جماعة عن جماعة أخرى. ولقد صوّر القرآن الكريم اختلاف العقول في قوله تعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (المؤمنون:٥٣). ثالثاً: عَجْز العقل البشريّ عن مَعرفة ما وراء عالَم الحواسّ والمُشاهدة. إن العقل البَشري تقف حُدودُه عند عالَم الحِسِّ والمُشاهدة، أمّا ما عدا ذلك، كالبَعْث والحَشْر، وعالَم الغَيب، وما يتعلّق بالرُّوح، والمَلإ الأعلى، فلا طَريق لمعرفته من خِلال العَقل، وإنّما تتمّ المَعرفة عَبر الوحي الإلهي، ورسالات الأنبياء. ولقد حَدّد القرآن الكريم الأمور التي يقف العقل البشري قاصراً وعاجزاً ومستسلماً

стр. 8

أمامها، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (لقمان:٣٤)، وكذلك ما يتعلّق بالروح وأسرارها، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (الإسراء:٨٥)، وكلّ ما يتّصل بعالَم الغيْب، قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ (الجن:٢٦، ٢٧). رابعاً: خُضوع العقل للْهوَى. "الهوى" في اللغة هو: مَيْل النفس وانحرافها عن الشيء، ثم استعمل في المَيل المَذموم، فيقال: "اتّبع هواه"، و"هو من أهل الأهواء". وقد حذَّر القرآن الكَريم مِن اتّباع الهوى، وانسياق الإنسان وراء نَزواته ونَزعاته التي قد تَطمس الحَقيقة. قال تعالى: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ (النساء:١٣٥). ولقد بيّن القرآن الكريم خُطورة اتّباع الهوى، وآثارَه السَّيئة على الإنسان، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (الجاثية:٢٣). والعَالَم المُعاصر الآن يَشهد خَللاً في العَقيدة، واضطراباً في الفِكر، وانحرافاً في السُّلوك، بسبب الأهواء. نَجِد ذلك واضحاً في ميادين السِّياسة، والاجتماع، والثقافة، والاقتصاد. فاتّباع العُقول دون ضوابِط الشَّرع، يَفتَقد في كَثير من الأحيان للرؤية الصائبة، والفِكر السديد، والعَمل الرشيد.

стр. 9

خامساً: عَجْز العقل البَشري عن إدراك الحِكمة من التَّشريع؛ فهناك أمور قد يَعْرف العقل حِكمةَ تَشريعها، ويعرف الفوائد المُترتِّبة على هذا التَّشريع. وهناك أمور يَقف العقل البشري عاجزاً عن إدراك الحِكمة من تَشريعها، ويَظل حائِراً مُتسائلاً عن سِرّ تَحليلها أو تَحريمها. ممّا سَبق، يتَّضح أنّ العَقل البَشري لا يستطيع وحْده أن يوجِّه الإنسان إلى السعادة، وأن يُحقِّق له الطمأنينة والأمْن، وأنّ الدَّعوة إلى الله ضَرورة فِطرية يَحتاج إليها الإنسان لتَحقيق خَيرَيِ الدنيا والآخرة. سادساً: إنّ الدعوة إلى الله أثَرٌ من آثار رحمة الله بالعباد، وشفقته بهم، وتَعطّفه عَليهم؛ فهي تَحمل بين ثناياها ينابيع الخير للإنسان، حيث تَزْكو بعَقله، وتُطهِّرُ قَلْبَه، وتُنقِّي نَفسَه، وتُربِّي ضَميره، وتُوقِظ فيه معانيَ الفِطرة السّويّة التي فَطر الله الخَلْق عليها. ولقد شَملت الرحمةُ الإنسانية كلّها، بدعوة أشرف الخَلق وخاتم الرُّسل محمد ﷺ . قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء:١٠٧). وقال ﷺ : ((إنّما أنا رَحمة مُهداة)). وبهذا، يتبيَّن مَدى حاجة الإنسانية إلى الدّعوة إلى الله، وشَوق العالَم وتَطلّعه وتلهّفه إلى دعاةٍ يأخذون بيده من الكهف المُظلم الذي يَختَنق فيه، وتَنعدم رؤية الطريق المُستقيم وَسْط العَواصف التي تَعصف به، حيث أفقدته آدميَّته، وأنْسَتْه إنسانيّته؛ فالأمل مَعقودٌ، والرجاء مقصودٌ، وأيدِي البشرية تَمتدّ لأمّة الدعوة، تَستغيث بها، وتُناشِدها أن تُنقِذها ممّا هي عليه الآن. قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران:١١٠).

стр. 10

حُكم تبليغ الدّعوة وآراء العلماء في هذا الدّعوة إلى الإسلام من خَصائص هذه الأمّة، مِن أجْلها خُلقت، وبالانتساب إليها شَرُفت، وبتَبليغها وتَعريف البَشر بالإسلام بلَغَت ذُرى المَجْد، وارتَقت مراقيَ الكمال. والدّعوة إلى الله إحدى المَهام الرئيسيّة للمسلمين، ومَعلم بارزٌ يَنفردون به بين الأُمم. وهم مسؤولون أمام الله يوم القيامة عن قيامهم بالتَّبليغ، أو تَقاعسهم عنهم. قال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ (الزُّخرُف:٤٣، ٤٤). والأمّة الإسلامية في مَجموعها أمّةُ الدّعوة إلى الله، يَجب أن تتوافر جهودُها، وتتكاتَف كلمتُها، ويُرصد جزءٌ من مواردها لتبليغ الإسلام ونشْره، ودَفْع الشبهات عنه، وردّ كيْد كلّ مَن يَعتدي عليه. ولقد أوضح القرآن الكريم، وبيَّنت السُّنّة النبوية الشريفة، حُكمَ تَبليغ الدّعوة إلى الله؛ ومِن خِلال نُصوص الكتاب والسُّنة، قسَّم العلماء هذا الحُكم إلى قسميْن: القسم الأول: إنّ الدّعوة إلى الله فَرْض عَيْن على الأنبياء والمرسَلين، ثم العلماء الذين فقِهوا دين الله، ووقفوا على أحكامه، وتَعرَّفوا على شَرائعه. - ومن أدلّة الوجوب من القرآن الكريم: ما يلي: ما أمَر الله به رسوله ﷺ في أوائل ما نَزل من الوحي، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ (المدَّثر:١ - ٣). وقال تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الحِجر:٩٤). وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ

стр. 11

وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (المائدة:٦٧). وقال تعالى: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدىً مُسْتَقِيمٍ﴾ (الحج:٦٧). وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل:١٢٥). ولقد أمَر الله المسلمين أن تَكون مِن بينهم جماعةٌ تَتَفرّغ للدّعوة والقيام بأمْرها. قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران:١٠٤). يقول الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: "ولتكُن منكم أمة منتصِبة للقيام بأمْر الله في الدّعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر؛ وأولئك هم المفلحون". هذه الجماعة التي يُناط بها أمرُ الدّعوة إلى الله، يجب أن يَحْسُنَ اختيارها، وأن تُعدَّ إعداداً خاصاً يؤهِّلُها لهذا العمل الشريف، وأن تُنتَقَى من بين المَواهب المُتفرِّدة والقُدرات المُتميِّزة. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة:١٢٢). - والأدلّة من السنة النبوية الشريفة على وجوب تَبليغ الدعوة، وأنها فَرْض عَين على العُلماء، يشاركُهم في المَسؤولية ولاةُ الأمر من حُكَّام المسلمين وزُعمائهم، كَثيرة: فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((مَن رأى منكم مُنكراً فليُغيِّرْه بيَده، فإن لم يَستطع فبِلسانه، فإن لم يَستطع فبقَلبه؛ وذلك أضعفُ الإيمان))، رواه مسلم.

стр. 12

وعن حذيفة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: ((والذي نفسي بيده! لتأمُرُنّ بالمَعروف ولتَنهوُنّ عن المُنكر، أو ليوشكنّ اللهُ أن يَبعث عَليكم عِقاباً منه، ثم تَدْعونه، فلا يُستجاب لكم))، رواه الترمذي بإسناد حسَن. وعن عبد الله بن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : ((بلِّغوا عَنِّي ولو آية))، رواه البخاري. ومن فوق جبل عرفات، في حجّة الوداع، قال ﷺ قوْلته الآمرة الخالدة: ((ألاَ فلْيُبلِّغ الشّاهدُ منكم الغَائب)). من خِلال هذه النصوص، انعَقد إجماع المسلمين على: وجوب تَبليغ الدّعوة إلى الله، وأنها فَرْض عَين على العُلماء والدُّعاة، وأنه يَجب على ولاة الأمر مؤازرتهم ومساندتهم، لتحقيق هذا الغَرض الدِّينيّ. القسم الثاني: تعاون جَميع أفراد الأمّة فيما بَينهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو حقّ لدَى جَميع المسلمين، وفَرْض كِفاية إذا قام به البَعض سَقط الإثم عن الجَميع. أمّا إن تقاعست الأمّة عن التَّناصُح فيما بينها، فإنّ الجَميعَ مسؤولون ويأثمون عن هذا التقاعس. - والأدلّة من القرآن الكريم على: أنّ الأمّة الإسلامية مُتضامنة فيما بينها على الأمر بالمَعروف والنَّهي عن المُنكر، ومن ذلك: قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران:١١٠). قال ابن كثير: "هذه الآية عامّة في جَميع الأمّة كلّ قَرن بحَسَبه".

стр. 13

وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:٧١). وقال تعالى آمراً المسلمين جميعاً بالتعاون فيما بينهم على البِرِّ والتقوى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (المائدة:٢). وقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (العصر:١ - ٣). يقول الإمام الشافعي: "لو لمْ يَنزل من القرآن غير هذه السورة، لكَفَتِ المسلمين". ويقول أيضاً: "إنّ الناس أو أكثرهم في غَفلة عن تَدبّر هذه السورة". - ومِن السُّنّة: عن أبي رُقيَّة تَميم بن أوس الدَّاري ﵁: أن النبي ﷺ قال: ((الدِّين النَّصيحة))، قلنا: لِمَن يا رسول الله؟ قال: ((للهِ، ولِكتابه، ولِرسوله، ولأئمّة المسلمين وعامّتهم))، رواه مسلم. وعن جَرير بن عبد الله، قال: ((بايعتُ رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنُّصحِ لكلِّ مسلم))، متفق عليه. ولقد بيّن الرسول ﷺ مَسؤولية المُجتمع المسلم، ووجوب التَّناصح فيما بَينهم، وأثَرَ ذلك في نَجاة المُسلمين من الفِتن والأحداث؛ فعن النعمان بن بشير ﵁: أنّ النبي ﷺ قال: ((مَثل القائمِ على حُدود الله والواقع فيها كمثَلِ قومٍ استهموا على سفينة، فأصاب بعضُهم أعلاها وبعضُهم أسفلَها. فكان الذين في أسفلها إذا

стр. 14

استقوْا من الماء مرّوا على مَن فَوقَهم، فقالوا: لو أنّا خَرقْنا في نَصيبنا خَرْقاً ولم نُؤذِ مَن فوقَنا. فإن يَتْركوهم وما أرادوا، هلكوا جَميعاً. وإن أخذوا على أيديهم، نَجَوْا، ونَجَوْا جَميعاً))، رواه البخاري. ممّا سبق، يتَّضح عِظم أمْر الدّعوة إلى الله، وشَرف القيام بتَبليغ الإسلام ونَشْره، وأنّ هذا فَرْض عَيْن على العُلماء والأمراء، وأنه فَرْض كِفاية على مَجموع الأفراد، يقومون به وفْق قُدرات كلّ فَرد وإمكاناته، وحَسب مسؤولياته تجاه أهله، كما قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (طه:١٣٢)، أو نحو العَشيرة والقَوم، قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الشعراء:٢١٤)، أو تجاه جيرانه وأصدقائه، تَمسّكاً وتَنفيذاً للأسُس التي وضعها القرآن الكريم، بقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل:١٢٥). ٢ - علاقة علْم الدّعوة بالعلوم الأخرى ملَكة البيان ووسائلها أولاً: التمهيد للمحاضرة: لقد خَلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وأنعم عليه بنِعمة البيان، وهي مِن أجلِّ النِّعم التي أنعم الله بها على الإنسان، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (الرحمن:١ - ٤). فملَكَةُ البَيان تَحْصُلُ للإنسان بوسائل عِدّة، منها: أولاً: القِراءة والاطّلاع على سائر العلوم والمعارف. ولأهمية القِراءة في تَكوين عَقل وفِكر الإنسان، كان أوّلُ ما نَزل على الرسول ﷺ : قولُ الله تعالى: ﴿اقْرَأْ

стр. 15

بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذي عَلَّمَ بالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق:١ - ٥). ثانياً: الكِتابة، وهي التي يُعبّر بها الإنسان عمّا يَجيش في فؤاده، وبما يَجول في قَلبه ووجْدانه، وبالكِتابة يتمّ التَّفاهم بين بني الإنسان، والتعارف بين الأمم والأوطان. وهي أداة لنقْل العُلوم والمَعارف، لذلك أقسم الله ﵎ بالحَرف الذي يُعبَّر به عن الفِكر، وبالقَلم الذي يُدوَّن به، وبالمادة العِلمية التي تُصاغ، قال تعالى: ﴿نْ * وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (القلم:١)، وقال تعالى: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق:٤، ٥). ثالثاً: النَّظر والتأمّل في الأنفس والآفاق، قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ (الذاريات:٢١)، وقال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ (يونس:١٠١). وكذلك التّأمّل والتّفكّر في تكوين الخَلْق، وتَطوّر حياة الإنسان، قال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ (الطارق:٥، ٦). رابعاً: الحِكمة، وهي: الإصابة في القَول والعَمل، ويَختص الله بها مَن يَشاء من عِباده، بخِلاف العِلْم، فهو مُتاح للإنسانية كلّها، ويَنتج عَنه الخَير والشَّر. أمّا الحِكمة فلَن يأتي منها إلاّ الخَير فقط. قال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ (البقرة:٢٦٩). خامساً: التّقوى، وهي مِن أهمّ مفاتيح تحصيل العلوم والمعارف النافعة والمفيدة، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ (البقرة:٢٨٢).

стр. 16

هذه الوسائل وغَيرها: أدوات لتحصيل العُلوم والمَعارف، التي أمر الله رسوله ﷺ بالتَّزود منها، قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ (طه:١١٤). وإنّ معيار نجاح الدّعاة إلى الله يتوقّف على مِقدار ما يُحصِّلونه من عُلوم وما يَتزوّدون به من مَعارف، تُربِّي عُقولهم، وتَسمو بأفكارِهم، وتُوقِظ في قُلوبِهم ينابيع الخَير. ولن يَتسنَّى لهم ذلك إلاّ بَكثرة الاطّلاع، واتّساع الثقافة، اللّذَيْن يُؤدِّيان إلى دِقّة الفَهْم، وعُمق الفِكر؛ وهذا يَتحقّق حينما يكون الدّاعي مُلماً بأطراف العُلوم النَّظريّة والتَّطبيقيّة، وكذلك سائر المَعارف الإنسانية وفْقَ كلّ عَصر وبيئة. ولذا قيل: إن عِلْم الدَّعوة يَبدأ من حَيث تَنتهي كلّ التَّخصصات؛ فالإنسان إذا أراد أن يَنخَرط في سِلك الدُّعاة إلى الله، فلْيَتَنقّل في رياض العُلوم والمَعارف، مَثَلُه كمَثَل النَّحلة تَنتَقل من غُصْن إلى غُصْنٍ، وتَتحوّل من زَهرة إلى زَهرة، تَرتشف الرَّحيق، وتَمْتَص العَبير، لِتُخْرِجَ عسلاً مُصفىً فيه شِفاء للناس. وكذلك الدّاعي إلى الله يَتريّض بين العُلوم المُختلفة، يَسبر أغوارها، ويَقِف على موضوعاتها، ويَتعرّف على فوائدها، فتَتّسع مَدارِكُه، وتَكثُر معارفه، ويكون لديه الدواء الناجِع والبَلسم الشافي لأمراض المُجتمع وعِلَلِه. لذا، فعلْم الدّعوة مُرتَبط بالعُلوم الأخرى ارتباطاً وثيقاً، كارتباط الرأس بالجَسد. فالعلوم المُختلفة والمَعارف المُتنوِّعة، هي روافِد للتَّعريف بالإسلام، وشَرْح أحكامه، ودَعوة الناس إليه؛ فهي وَسيلة لأسمى غَاية، وأشرف عَمل، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فُصِّلَت:٣٣).

стр. 17

والدّاعي إلى دين الله، والآمر بالمَعروف والناهي عن المُنكر، لا بدَّ وأن يَكون عالِماً عِلْماً يَقينياً بما يَدعو إليه، أو يأمر به من مَعروفٍ، أو يَنهى عَنه من مُنكر، ولا بدَّ أن يكون عالِماً بالأسلوب الذي يَستَخدمه، وبالعلوم التي تُفيده في ميادين الدّعوة، وذلك لتلافي الأمور التالية: الأمر الأول: الحذر من أن يَدعوَ إلى باطِل وهو يَحسبه حقاً؛ فيكون ضَررُه على الدِّين أشدّ من ضَرر الصامتِين، وخَطرُه أعظمَ من خَطر أعداء الدِّين، ولا سيما إذا اتُّخذ قُدوةً فيما يَدعو إليه من باطل في سلوكه الخاص. الأمر الثاني: الحَذر إذْ لم يكن عَالِماً بَصيراً وداعياً حَكيماً، أن يَتخذَ أسلوباً مُنَفِّراً؛ وهذا ضَرره أكثر من نَفعه. الأمر الثالث: إن لم يَكن عَالِماً، فسوف يَستدلُّ على ما يَدعو إليه أو يَنصح به، بأدلّةٍ باطلةٍ، فيَحْصُلُ من دَعوته ضَررٌ أكثر من النَّفع، فيُسيء من حَيث يَتوقّع منه الإحسان. الأمر الرابع: خَشية أن يُسأل غير العالم عن مَسألة، فيُفتي فيها بغَير علْم، فيَضِلّ ويُضِلّ. ولقد حذَّر الرسول ﷺ مِن اتّخاذ رُؤوس في العلْم جُهَّال، فيكونون وبالاً على الدِّين، ونَكبة للأمة.

стр. 18

فقد روى البخاري ومسلم: أن النبي ﷺ قال: ((إنَّ الله تعالى لا يَقبض العِلْم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يَقبض العلْم بقبض العلماء؛ حتى إذا لم يُبقِ عالماً، اتّخذ الناس رؤوساً جهالاً فسُئلوا، فأفتَوْا بغَير عِلْم، فضلُّوا وأضلّوا)). لهذه الأسباب ولغيرها، يتّضح ما ينبغي أن يكون عليه الداعية إلى الله، من وجوب الوقوف على شتَّى أنواع الثقافات، والإلمام ببعض العلوم التي يستفيد منها، ويُفيدُ غيره في ميادين الدّعوة. وسوف نوضِّح العلاقة الوطيدة والارتباط العميق بين علْم الدعوة والعلوم الأخرى. العلوم التي لها ارتباط وثيق بعِلْم الدّعوة إنّ علْم الدعوة إلى الله لن يُؤتي ثماره، ولن تتحقّق نتائجُه إلاّ إذا ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالعُلوم والمَعارف حيث يَنهل منها الدَّاعية، ومن خِلال جِماع هذه العلوم، تَتولّد لديْه الثقافةُ الواسعة والإلمام بقضايا أمّتِه، ومشاكِل عَصره، وتكون عِنده القُدرة على استمالة المَشاعِر، واستِنهاض الهِمَم، وذلك بالحُجج الدامِغة، والبراهين الساطِعة، والأدلّة القوية، المُتسلِّحة بحُسن المَنطق، وسَلامة التَّعبير، ورَوعة الأداء. والعُلوم التي ترتبط بالدّعوة، ويجب على الدعاة تَحصيلها والإلمام بها، هي ما يلي: القسم الأول: علوم اللّغة العربيّة. لقد تَنزَّل القُرآن على قَلب الرسول ﷺ بلسان عَربيّ مُبين، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (الشعراء:١٩٢ - ١٩٥).

стр. 19

فالرسول ﷺ أفصَح فُصحاء العَربية، وأطلقُهم لِساناً، وأعذبُهم حديثاً، وأبلغُهم منطقاً. وقد أُوتيَ ﷺ جَوامعَ الكَلِم. قال الإمام العلامة أبو سليمان الخطّابي -رحمه الله تعالى-: "اعلمْ: أن الله تعالى لمَّا وَضع رسول الله ﷺ مَوضع البَلاغ من وَحْيه، ونصّبه مَنصب البيان لدِينه، اختار له من اللغات أعذَبَها، ومن الألسُن أفصحَها وأبْيَنها. ثم أمدّه بجَوامع الكَلِم، التي جعلها رِدءاً لنبوّته، وعَلَماً لرسالته، لِينتَظِم في القَليل منها عِلْم كَثير، يَسهُل على السامِعين حِفظُه، ولا يَؤودُهم حَملُه. فمَن تَتبّع جوامِع كلامه ﷺ لم يُعْدَم بيانها". واللغة العربية كان يَنطقها العَربيّ بالسَّليقة، ويَتذوّق معانيها بالفِطرة، لا يَعرف نِقاطاً ولا علامات على الحروف، ولا تَشكيلاً للكَلمات. وكان يُعبِّر عمّا يَجيش في خاطِره شِعراً أو نَثراً، بلُغة فَصيحة، سليمة بليغة، لا تَعرف اللَحن، ولا يَفشو فيها الخَطأ، وتَرفَّعت عن عُجْمة الفُرس، وتَنزَّهت عن لُغة الروم. ولمّا جاء القرآن الكريم بلسانٍ عَربيّ مُبين، على رسول الله ﷺ ، ازدادت مكانة اللّغة العربية، فارتفعت هامَتُها بين لغات الأمم، وأكسبها القرآن قُدسيّةً ومَهابةً، وأضفى عليها ثوباً قَشيباً من بَلاغة الأسلوب، وجَمال التَّصوير، وجَلال المَعاني، وموافقة الطَّبائع، ولمس السرائر، ورؤى المستقبل، وأحداث التاريخ، وإشارات العُلوم. وكذلك أضاف إليها الرسول ﷺ ببلاغَته وفصاحَته، من خِلال أقواله ﷺ مَنزلةً رَفيعة، ومَرتبة سامية. وهكذا تضافَرت على اللغة العربية تلك العَوامل التي حافظت على بقائِها ونقائِها، لارتباطِها بالقرآن الكريم، الذي تَعهَّد الله بحِفظه، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحِجر:٩).

стр. 20

وقد استمرت اللغة العَربية يتحدّث العَرب بها دون قَواعد تُضبَط، والنُّطقَ بها قَبل بِعثة الرسول ﷺ وخِلال حياته ﷺ ، وإبّان نُزول القرآن الكريم، كان يُكْتب بدون تَشكيل ولا عَلامات إعراب. ومع انتشار الإسلام، واختِلاط العَرب بغيرهِم من الأمم، فشا اللحن، وكَثُر الخَطأ، وتخوّف المسلمون أن يَتسرَّب هذا إلى القرآن الكريم، فيَلحَق به ما لَحِق بالكُتب السماوية السابقة من تَحرِيف وتَغيير. وبَدأت أمارات اللّحن وبوادِر خَطره، حينما قَدِم أعرابي إلى المدينة في خِلافة عمر بن الخطاب ﵁، فقال: مَن يُقرِئني شَيئاً ممّا أنزل الله تعالى على رسوله ﷺ ؟ فأقرأه رجل من بداية سورة (براءة)، حتى وصل إلى قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ (التوبة:٣)، فنَطق الرجلُ الذي يقرأ بها: "ورسولِهِ" -بكَسر اللام بدلَ ضَمِّها-، وهذا اللّحن يُفسِد المعنى إفساداً كبيراً. فلما سَمِع الأعرابي هذا، قال: وأنا أبرأ ممّا بَرئ الله منه، ورَجَع على عَقبيْه. فبلغت مقالتُه عمرَ بن الخطاب. فقال: رُدُّوا عليّ الرجُل! فقال: يا أعرابي، أتبرأ من رسولِ الله ﷺ ؟ فقصّ الرجل عليه قِصّتَه. فقال عمر: ليس هذا يا أعرابي، فقال: كيف هي يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر ﵁: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ (التوبة:٣) -برفع اللام-، فقال الأعرابي: وأنا والله أبرأ ممَن بَرِئ الله ورسوله منهم. فأمَر ﵁ أبا الأسود الدؤلي المَولود عامَ واحد قَبل الهِجرة، أن يضع ضَوابط اللسان العربي. وقِيل: إن علياً بن أبي طالب ﵁ هو الذي أمره بذلك. فقد روى أبو الأسود الدؤلي أنه قال: "دَخلتُ على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁ فوجدت بيده رُقعة، فقلت: ما هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: إني تأمّلت كلام العَرب فوجدتُه قد فَسد بمخالَطة هذه الحَمراء -يعني: الأعاجِم-،

стр. 21

فأردت أن أضع شيئاً يَرجعون إليه، ويَعتَمدون عَليه. ثم ألقى إليّ الرُّقعَة، ومنها: "الكلام كلّه: اسم، وفعل، وحَرف؛ فالاسم: ما أنبأ عن المُسمَّى. والفِعل: ما أُنبِئ به. والحرف: ما أفاد مَعنىً. وقال لي: اُنْحُ هذا النَّحو! وأضِفْ إليه ما وَقع إليك! ". ومنذ ذلك التاريخ، شمّر علماء المسلمين عن سواعِدهم، ووضعوا قَواعِد اللغة العربية لِضبط مُفرداتها، وتَصريف أفعالها، وتَشكيل أواخر الكَلمات باختلاف أحوال موقِعها. ولقد أثمر هذا الجُهد: أنْ ظَهرت في ميادين الفِكر الإسلامي: أولاً: علومُ العربيّة: ويتضمّن ما يلي: ١ - علْم النحو: الذي به يُضبَط الكَلام، وبمراعاة قَواعده يَسلَم اللسان من اللّحن. ٢ - علْم الصَرف: الذي يَبحث في بنيَة الكَلمة، واشتقاقِها في الأفعال وتَصريفها، ممّا يَخلق في المُتحدِّث مَلكة التَّعبير عن الفِعل بكَثرة مُترادِفاته. ٣ - علْم البلاغة: الذي وَضع قَواعد البلاغة وأساليب الفَصاحة من علْم المعاني، والبيان، والبديع، ممّا يُساعد على تَدبّر آيات القرآن الكريم، وتَذوّق روعة بلاغته، وإعجاز بيانه، وكذلك الوقوف على فَصاحة الرسول ﷺ . ٤ - علْم معاني مُفردات اللغة العربية، المدوّن في المعاجم اللغوية: كـ"لسان العرب"، و"القاموس المحيط"، وغَيرها ... فاللغة العَربية بعلومها وفُروعها، هي سلاح الدّاعية إلى الله، وأداة تَعبيره، ووسيلة التفاهم بينه وبين المَدعوِّين. فطلاقة اللسان، وحُسن المَنطق، وروعة

стр. 22

الأداء، وعُذوبة الحَديث، وتأدية المَعنى واضحاً بعِبارة فصَيحة وكلمات بَليغة تأسر النُّفوس وتَستَحوِذ على العُقول، وتُلهب العَواطف وتُثير المَشاعِر، ممّا يُساعد على نَجاح الدّعاة في دعوتهم إلى الله. ثانياً: علْم أصول الفقه: وهو علْم يُساعد على تَفهُّم النُّصوص الدِّينية، واستنباط الأحكام الشَّرعية على براهين وأدلّة مَقبولة شَرعاً، والتَّعرّف على مراتِب أدلّة الشَّرع، وبيان المَقبول مِنها وغير المَقبول، والتَّنبيه على ما هو صَحيح منها وعَدم صِحّة غيره، وتَرجيح ما يَقبل التَّرجيح وفْق دلالة الألفاظ الشرعية واللغوية، ونوعيّة الأمر الوَارد في القَضية حسب الأحكام التَّكليفية الخَمْس وهي: الوجوب، الندب، التحريم، الكراهة، الإباحة. وهذا العلْم يُؤسَّس على الفَهم العَميق للّغة العربية التي تُساعد على استنباط الأحكام الشرعية والحُكْم عليها؛ وهو من هذا الجانب وثيق الصِّلة بعلوم اللّغة، ولا غنىً للدّعاة عن الوقوف على قواعده، والتّعرّف على الأئمّة الفقهاء الذين وضعُوا أسُسه، وشيّدوا صَرحه، كالإمام أبي حنيفة ﵀ الذي صنَّف كِتابه "كتاب الرأي"، وقد بيَّن فيه طُرق الاستنباط. وكذلك الإمام الشافعي ﵀، حيث صنَّف في هذا العلْم مؤلّفات عَديدة عُرف منها: كتاب "الرسالة"، وكتاب "أحكام القرآن"، و "اختلاف الحَديث"، و "إبطال الاستحسان"، وكتاب "جِماع العلْم"، وكتاب "القياس". يقول ابن حجَر عن الإمام الشافعي: "فكان بحقّ أوّلَ من أصّل الأصول وقعّد القواعد، وأذعَن له المُوافق والمُخالِف".

стр. 23

ثالثاً: علْم آداب البَحث والمُناظرة: يُعدُّ من العُلوم الوَثيقة الصِّلة بعِلْم الدَّعوة؛ فلَقد خَلق الله بني آدم مُتفاوتين في الفَهم والذَّكاء، مُختلِفين في اللّغات واللهجات، متمايزين في الإدراك، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ (الروم:٢١، ٢٢). وهذا الاختلاف يَستلزم تَنوّع طُرق الإقناع العَقليّ والتأثير القَلبيّ؛ لذا وَضع علماء المسلمين قواعِد البَحث والمُناظرة، وآداب المُحاورة والمُجادلة، وقعّدوا لها الأسُس والضَّوابِط، وأنشؤوا هذا العِلم حيث تَضمَّن الآداب التي يَنبغي أن يَلتزم بها المُتجادلون، وبيَّنوا من خِلاله الجَدل المَحمود والجدل المذموم. والدّعاة إلى الله في حاجة ضرورية للوقوف على قواعد هذا العلْم، لأنهم قد يتعرّضون من خِلال دَعْوتهم لبعض القضايا، ويُواجِهون بعض المُتناظرين ذوي التَّيارات العَلمانية والنَّزعات الإلحادية. وقد يُسْتَدْرَجون لموضوعات شائِكة، يَصطادُهم فيها شياطينُ الإنس. فإن لم يَكن الدَّاعية على دِراسة كافية ووعْي تام، فسوف تَهتزّ صورته أمام الحاضرين، ويَفقد مِصداقِيّته ولو كان على حق. رابعاً: علوم النَّفس، والاجتماع، والتربية: توصّل العُلماء إلى غَرائز النّفس ودوافعها وتقسيماتها، وأنشؤوا علْم الاجتماع وأصول العِمران. وكان رائدُ هذا العلْم ومؤسّسه: العالِم المسلم عبد الرحمن بن

стр. 24

خلدون. كذلك وضَع العلماء أسُس التربية السَّليمة. وقد أصبح لهذه العُلوم مَوقعاً بين العلوم الإنسانية الأخرى، وبها يُضبط سلوك المُجتمع، وتُوزَن تصرّفاته. وبعض ما توصّلوا إليه لا يتعارض ولا يتنافى مع تعاليم الإسلام، ومعرفة هذه الأمور تُفيد الداعية، حيث تَجعله على وعْيٍ تامّ بقضايا الأمّة، كما تُمكِّنه أن يتصدّى لعلماء الغَرب الذي يَجنحون بهذه العلوم عن سُنن الفِطرة وهدى الوحي السماوي. العلوم التي تتناول أصول الدِّين وفروعَه أولاً: علْم العقيدة الإسلاميّة: وهو علْم يبحث في أسماء الله وصفاته، ويُقيم الأدلّة على وجوده ووحدانيته ، وذلك من خلال الأدلّة الشرعية مِن القرآن والسُّنّة، والبراهين المنطقيّة العقلية. كما يوضِّح أركان الإيمان ودعائمه، ويقوم بدراسة الفِرَق الإسلامية دراسة مقارنة: يُبيِّن ما هو منها على نهج سلَف الأمّة، وما انحرف عن الجادّة. وقد اهتمّ علماء المسلمين على مدى التاريخ بهذا العلْم، وأطلقوا عليه اسم: "علم التوحيد" أو "الإلهيات". ويندرج تحته علْم "مقارنة الأديان". وموضوعات هذا العلْم لها وثيق الصلة بعلْم الدّعوة؛ فلا يُتصوّر أن ينزل الداعية إلى ساحة الدّعوة وهو مجرّد من أهمّ مكوّنات عقيدته ومقوّمات فِكْره وأصل دعوته. ثانياً: علْم الفقه: وهو في اللغة: العلْم بالشيء، والفهم له، قال تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ (النساء:٧٨).

стр. 25

وقوله تعالى على لسان قوم شعيب ﵇: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ﴾ (هود:٩١). وفي الاصطلاح: العلْم بالأحكام الشرعية العمليّة المستمَدّة من أدلّتها التفصيليّة. وقد أطلق العلماء لفظ "الفقه" على جميع الأحكام الدِّينيّة التي جاءت بها الشريعة الإسلامية، سواء كانت هذه الأحكام متعلّقة بأمور العقيدة، أو العبادات، أو الأخلاق، أو المعاملات. وعلْم الفقه من ألزم ما يحتاج إليه الدّعاة، وهو جوهر دعْوتهم وصُلْب رسالتهم، لا غنىً لهم عن التفقه فيه والوقوف على أحكامه. وهو فرْض عيْن عليهم، قال تعالى: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة:١٢٢). ويقول ﷺ : ((مَن يُرِدِ اللهُ به خيراً يُفقِّهْهُ في الدِّين)). فعلْم الفقه ذو علاقة وثيقة بعلْم الدّعوة وبعمل الدّعاة، إذ إنّ رسالتهم لا تتوقف على مجرّد الوعظ والإرشاد، وإنّما مِن أسُس دعْوتِهم إلى الله: أن يُبصِّروا المسلمين بالأحكام الشرعية في العبادات والمعاملات. ثالثاً: القرآن الكريم وعلومه: من أهم مقوِّمات الدّعوة إلى الله: حفْظ القرآن الكريم، وإتقان تلاوته، وتدبّر آياته، واستيعاب أحكامه. ولا يتصوّر ذو عقل ولبّ أن يُعدّ الدعاة بعيداً عن ساحة القرآن الكريم، ويتأهّلون على غير موائده. وعلى الداعية بجانب وجوب حفْظه للقرآن، أن يكون على صلة دائمة بعلومه وارتباط بتفسيره، وأنْ يكون على دراية بالموضوعات التالية:

стр. 26

١ - معرفة بعض أحكام التجويد لإتقان القراءة وإحكام التلاوة. ٢ - معرفة أسباب النزول، والتعرف على المحكَم والمتشابِه، والناسخ والمنسوخ. ٣ - الوقوف على أوجه الإعجاز في القرآن الكريم. ٤ - دراسة أساليب الدّعوة من خلال قصص القرآن الكريم. ٥ - دراسة النفس البشرية ورغباتها وطُرق إصلاحها. ٦ - الوقوف على التشريعات والأحكام التي جاء بها. رابعاً: السُّنّة النّبويّة وعلومها: "السُّنّة" هي: ما أُثِر عن النبي ﷺ مِن قوْلٍ، أو فعْل، أو تقرير، أو صفة خَلقية أو خُلقية، أو سيرة، سواء أكان ذلك قبل البعثة أم بعدها. والسّنة النبوية هي المصدر الثاني للمسائل العقائدية والأحكام الشرعية. وقد جاءت في الجملة موافقة للقرآن الكريم: تُفسِّر مُبهَمَه، وتُفصِّل مُجمَله، وتقيّد مُطلقَه، وتخصِّص عامَّه، وتشرح أحكامه وأهدافه. كما جاءت بأحكام لم ينصّ عليها القرآن الكريم. ولقد التفّ الصحابة حول رسول الله ﷺ يقرأ عليهم القرآن، ويُقبِلون على أفعاله وأقواله بتطلّع شديد وحبّ عميق، يتسابقون للجلوس على مقربة منه، ويتشوّقون لسماع حديثه وحفْظه ونقله، يُساعدهم على ذلك تغلغل الإيمان في قلوبهم، وتمكّنه من مشاعرهم وعواطفهم. هذا بجانب قدرات فطريّة على الحفظ، وملكات ذهنية طبيعية فائقة على الاستيعاب، يصاحب ذلك حسنُ الاقتداء به ﷺ . وكان ثمار هذا كلّه: السنة النبوية

стр. 27

وعلومها التي تضافرت الأمّة خلال القرن الأوّل والثاني على جمْعها وتدوينها من خلال ضبط المتْن والسّنَد، والنقل عن الرواة العدول الثقات. وأصبح لدى الأمّة موسوعة ضخمة من أحاديث الرسول ﷺ وأفعاله وأقواله، تمّ تصنيفها وتبويبها، ووُضع لها علْم "مصطلح الحديث" ليُعرف من خلاله درجة صحة الحديث، ومدى قوّة السند وعدالة الرواة، ويتميّز الصحيح من الضعيف والموضوع. هذا العلْم الشريف عميق الصّلة بعلوم الدعوة وجوهر تكوين عقليّة الدعاة. ولكي يتمّ عميق الصلة بين علْم الحديث وعلْم الدعوة، فينبغي على الدّعاة أن يلتزموا بالأمور التالية: ١ - الاطّلاع على أمّهات المصنّفات التي دُوِّنت فيها الأحاديث النبوية ومنها: "صحيح البخاري"، "صحيح مسلم"، "سنن أبي داود"، "سنن الترمذي"، "سنن النسائي"، "سنن ابن ماجة"، "مسند الإمام أحمد". ٢ - دراسة علوم الحديث مع ما يتعلّق بتدويه، مع بيان شُبهات المستشرقين التي أثاروها ضد السُّنّة. ٣ - أن يتجنّب الدعاة رواية الأحاديث الضعيفة والموضوعات، وأن يتثبّتوا في النقل عنه ﷺ . ٤ - معالجة قضايا الأمّة ومشاكلها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، في ضوء القرآن والسّنة. هذا، وبالله التوفيق.

стр. 28

٣ - المَواد العِلْميّة الكَونيّة المَوادّ العِلْميّة الكَونيّة القرآن الكريم هو حُجّة الله البَالِغة على عِباده، ومَوضع الحُجّة القاهِرة فيه: إعجاز الخَلق عن الإتيان بسورة مِن مِثْله. ويَنبغي ألاّ يَكون إدراك إعجازِه مَوقوفاً على فُصحاء العرب فَقط؛ فالإنسانية كلّها مُخاطَبة به، مُطالبة بالتَّسلِيم له، لأنه كَلام الله للبَشر جَميعاً، فكان لا بدّ من إعجاز يَشترك في إدراكه العربيّ والأعجميّ. والإعجاز العلمي في القران الكريم هو أحد أوجُه الإعجاز الذي يَعجز المُلحدون أن يَجدوا مَوضعاً للتَّشكيك فيه، إلاّ أن يتبرؤوا من العَقل ويُلقون التفكير. وقبل أن نُبيِّن مَدى ارتباط العُلوم الكَونيّة بعِلم الدّعوة، يَنبغي أن نُوضِّح الحقائق التالية: أولاً: إن القرآن الكريم هو كتاب الله المُحكَم المُفصّل، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (هود:١). وهذا التَّفصيل والإحكام لا يتوقّف عند زمنٍ معيَّن ولا أقوام بعَيْنهم، وإنما هو مُتجدِّد العَطاء، دائم التَّحدّي والإعجاز، حتى يَرث الله الأرض ومَن عليها. ثانياً: هناك تَوافق بين آيات القرآن الكريم وسُنن الله تعالى في الكون، وليس ثمّت تَعارض بين آيات الذِّكر الحكيم والقوانين العِلميّة والسُّنن الكونيّة الثابتة. فالقرآن كلام الله، والكون خلْق الله، فلا اختلاف بينهما؛ ولهذا قيل: "القرآن كون الله المَقروء، والكَون قرآن الله المَنظور".

стр. 29

ثالثاً: يَنبغي أن لا يُفسّر القرآن، ولا يُستدلّ به على نَظريّات لا تَزال محلّ بحث وفَحص، ولم تَرْقَ إلى مرتبة القوانين العلميّة الثابتة، كقانون الجاذبيّة، وكقوانِين طفو الأجسام وغوْصها ... رابعاً: يَنبغي ألاّ يُستدلّ بالحقائق العلميّة على صدْق القرآن، ولكن يَجب أن يُستدل بالقرآن على صِحّة الحَقيقة العِلميّة، وإذا ما حدث تعارضٌ ما فيجب أن يُعاد النَّظر في القانون العِلميّ، أو مُعاودة دِراسة الظاهِرة الكَونيّة في ضوء البحث العلمي، بأدوات بحثه المُتقدّمة وفي ضوء تفسير الآية، وفق مَدلولات اللغة العربية. خامساً: إنّ الإعجاز العِلمي للقرآن الكريم ليس في اشتماله على النَّظريات العِلميّة التي تَتجدّد وتَتبدّل، وتكون ثَمرة للجُهد البشري الذي يُخطِئ ويُصيب؛ وإنما الإعجاز العلميّ يهدف إلى توجيه العقول إلى التفكّر فيما يحيط بالإنسان في هذا الكون، قال تعالى: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (الذاريات:٢٠، ٢١). سادساً: يَنبغي ألاّ يُتعسّف في التأويل، ولا يُشتَطّ في التفسير، لإخضاع كلّ القوانين العلْميّة للقرآن الكريم؛ فمِن الخَطإ الاعتقاد أن يتضمّن القرآن كلّ نظريّة علْميّة، وكلّما ظَهر سِرّ نظريّة جَديدة، سارع البعض يلتمس لها تأويلاً وتفسيراً في القرآن الكريم. وبعد هذه التَّوضيحات، فإن عِلْم الكَونيات وغيرها من العلوم التطبيقية، لَذو صِلة وثيقة بعلْم الدّعوة، وعلى الداعية أن يَتعرّف على الآيات التي تتناول سُنناً كَونية، أو ظاهرة فَلكيّة، لتكون من مَوضوعات دَعْوته، يَدعم بها حَديثه، ويُوطِّد بها استدلالاته. ومن ذلك ما يلي:

стр. 30

أولاً: يَجمع الله علوم الفلَك، والنّبات، وطبقات الأرض، والحيوان، في آيتيْن، ويَجعل ذلك من بواعِث خَشْيته ، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر:٢٧، ٢٨). ثانياً: الذكورة والأنوثة، أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (الذاريات:٤٩). وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (يس:٣٦). ثالثاً: أشار القرآن الكريم إلى انشطار الذَّرة وتَجزئتها في قوله تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (سبأ:٣). فالذَّرة عرّفها العلماء بأنها الجُزء الذي لا يَتجزّأ، وأنها أصغر شيء في الوجود، وأنها رغم صِغرها يتوقّف عليها شقاء العالَم أو سعادته، وأنّ القوة الكامِنة فيها قُوّة مُخيفة، إن استُعمِلت في الحَرب أفنَتْ كلّ شيء، كما حدث في اليابان في الحرب العالمية الثانية، وإن استُعمِلت في الأغراض السِّلميّة حَقّقت الخير للإنسانية. رابعاً: أشار القرآن الكريم إلى الظواهر الجَوِّيّة في آيات كَثيرة، منها: قوله الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ

стр. 31

عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ * يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (النور:٤٣، ٤٤). فقد أشارت هذه الآيات إلى الظواهر الكونيّة التّالية: ١ - السّحاب. ٢ - المطر. ٣ - البََرَد. ٤ - الصّواعق. ٥ - تقلُّب الليل والنهار. وما يَحمل ذلك عَبر هذه الآيات وغيرها، ممّا ينبغي على الدّعاة أن يقفوا على أسرارها، ويسبرون أغوارها؛ وبهذا يتملّكون نواصي العُقول والقُلوب. وبذلك يَتّضح مَدى ارتباط العُلوم الكونيّة وغيرها كطبقات الأرض، والزراعة، والفلَك، بعلْم الدّعوة إلى الله. القسم الرابع من العلوم التي لها صِلة بعلْم الدعوة: علْم التّاريخ والمَغازي والسِّيَر: إنّ علْم التاريخ مرآة لأحداث الماضي ووقائعه، سطّرته الأمّة بدماء شهدائها، ومداد علمائها. وهو الذَّاكِرة الجَيِّدة التي تَحمل بين ثناياها عَبَق الماضي من أمجاد وانتصارات أحياناً، وفتنٍ ومحنٍ وهزائم أحياناً أخرى. وحلقات التاريخ ممتابعة، ومتواصلة عبر القرون، ولا تستطيع أمّة أن تتنكّر لتاريخها أو تتوارى خجلاً من أحداثه. وتاريخ الإسلام يفيض بالدروس ويزخَر بالعِبر، ولا سيما في القرون الأولى لدعوة الإسلام. والدّاعي إلى الله يحتاج إلى أن يَدخل مِحراب التاريخ

стр. 32

ويَدرس عوامل نُهوض الأمّة، ويَقف على أسباب انكسارها، كما يَرقُب عن كثب وهو يقلِّب صفحاته أمجادَ المسلمين في صدر الإسلام، من خلال الفتوحات والغزوات، ينقل ذلك بأمانة وصدْق عاطفة، فيُحرِّك السّاكن، ويُوقظ الكَسلان ويُنبِّه الغافِل، فتَتحرّك القُلوب وتَستَيقِظ المَشاعر، وتهبّ الأمّة من كبْوَتها، حيث حرّكتْها ذكريات الماضي. كما على الدّعاة أن يَدرسوا تاريخ الأمَم من خِلال قَصص القرآن الكريم الذي يَجلو حَقيقة مواقف المُعاندين ونهايتهم، ويُرشد إلى جِهاد الرُّسُل ومَن مَعهم. بجانب هذه العلوم التي ذَكرناها، فإنه يَجب على الدّعاة أن يكونوا مُلمِّين بثقافة العصر، دارسين للمذاهب الفكريّة، والتيارات المعاصرة، لأن العداء بين الإسلام وأعدائه ليس وليدَ اليوم ولا الأمس القريب، ولكنها أحقاد كامنة وثأر قديم وغلّ دفين؛ يتفنّنون في التآمر على المسلمين، يرقبون حركة المسلمين عبر العصور، ويقفون على مواقف القوة فيُضعفونها، ويقفون على مواضع الضّعف فيزيدون منها، نكاية للإسلام ومحاولة للنَّيْل منه. كما سبق، يتّضح أنّ جميع العلوم النظرية والتَّطبيقية، وشتّى المعارف الإنسانية، هي عبارة عن شرايين تتدفّق منها العلوم لتُغذّي علْم الدعوة، فيَنهل منها الدعاة، ويتكوّن لديْهم كمٌّ هائل من المعرفة، ورصيدٌ ضخمٌ في شتّى الثقافات، فيكونون بذلك أقدر على الإقناع، وأقوى على سَوْق الحُجج والبراهين.

стр. 33

الدرس: ٢ الدعوة إلى الله من أشرف الأعمال وأعظمها .

стр. 34

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثاني (الدعوة إلى الله من أشرف الأعمال وأعظمها) ١ - المَواد العِلْميّة الكَونيّة الدَّعوة إلى الله مُهمّة الرُّسُل لقد بيَّنَّا علاقة علْم الدَّعوة بالعلوم الأخرى التي تربط الدّاعية بالعلوم الشرعية والعلْمية، ومِن ثمّ يكون مؤهَّلاً لشرف حمْل رسالات الأنبياء ووحي السماء، إذ إنّ الدَّعوة إلى الله هي وظيفة الرُّسُل. وسوف يتناول هذا العنصر المباحث التالية: المبحث الأول: التعريف بكلٍّ من "النَّبيّ" و"الرَّسول"، وبيان الفَرق بينهما: "النّبيّ" لغة: إمّا أن يكون مُشتقاً من "النَّبإ" وهو: الخَبر، قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الحِجر:٤٩)، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (التحريم:٣). فأصْلُه: "النبيء"، فتَحرّكت الهَمزة للتخفيف، لكَثرة الاستعمال، حيث قُلِبت الهمزة المتطرِّفة ياءً، ثم أُدغِمت الياء في الياء. ويُجمع "النّبيّ" على: نبيِّين، وأنبياء، وأنبئاء، ونُبآء. أما لفظ "النّبيّ" فيُشتَق أيضاً من النّبوّة، والنباوة، وهي: الارتفاع عن الأرض، وذلك لارتفاع قَدْر النّبيّ ﷺ ، لأنه شَرُف على سائر الخَلْق، فأصله من غَير همزة. تعريف "النّبيّ" في الاصطلاح: هو إنسان ذَكَر حُرّ من بني آدم، سليم عمَّا يُنَفِّر طَبعاً، أوحى الله إليه بشرْع يَعمل به، وإنْ لمْ يُؤمَر بتَبليغه. تعريف "الرَّسول": "الرَّسول" لغةً: هو الذي يُتابع أخبار الذي بَعثه، أخذاً من قَولهم: "جاءت الإبل رَسلاً" أي: متتابعة.

стр. 35

وتُطلَق كَلمة "الرَّسول" على المُبلِّغ، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ (التوبة:١٢٨). وتارة تُطلق على القَول المُتَحمَّل كقول الشاعر: ألاَ بلِّغْ أبا حفصٍ رسولاَ ... ................... أي: قولاً. وتُطلَق على رُسُل الله من البَشر، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (المؤمنون:٥١). ويُراد بها الملائكة، قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ (هود:٨١). تَعريف "الرَّسول" في الاصطلاح: يُعرف "الرَّسول" بما يُعرَّف به "النَّبيّ" غَير أنّ الرَّسول هو: مَن أَوْحى الله إليه بشرْع وأمَره بتَبليغه. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة:٦٧). فالنُّبوّة والرِّسالة سِفارة بين الله وبين ذَوي العُقول، لإزاحة عِلَلهم في أمر معادِهم ومعاشِهم. الفَرق بين "النَّبيّ" و"الرَّسول": فرّق عُلماء التَّوحيد بين "النَّبيّ" و"الرَّسول"، وهذه المُغايَرة تَرجِع إلى قَوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ (الحج:٥٢).

стр. 36

فذكرت الآية إرسالاً يُقِرّ النَّوعيْن، وعَطَفت النَّبيّ على الرَّسول، والعَطْف يَقتضي المُغايرة. ويُستَدلّ على الفَرْق بين النَّبيّ والرَّسول (ما أخرجه الحاكم عن أبي ذر -رضي الله تعالى عنه- قال: قُلت: يا رسول الله. كم الأنبياء؟ قال: ((مائة ألْف وأربعةٌ وعشرون ألْفاً)). قال: قُلت: يا رسول الله. كم الرُّسُل من ذلك؟ قال: ((ثلاثمائة وثلاثة عشر. جمٌ غَفير كَثير طيِّب)). فلقد أخبر رسول الله ﷺ عن عدد الأنبياء والمرسلين، ومن ثَمَّ اتّجه أهل السُّنّة والجَماعة إلى التَّفرقة بين النَّبي والرَّسول في الأمور التالية: أولاً: النَّبيّ: مَن أُوحيَ إليه بشَرْع يَعمل به واختُصّ به. والرَّسول فقط هو: مَن أوحِي إليه بشَرْع يَعمل به ويُبلِّغه، ولم يَختَص بشيء منه. فإن اختصَّ بالبَعض وبلَّغ البَعض فهو نَبيّ ورَسول، كرسول الله محمدٍ ﷺ . ثانياً: النّبيّ: هو الذي يُنبِئه الله، وهو يُنبِئ بما أنبأه الله به. فإن أُرسِل مع ذَلك إلى مَن خالَفه ليُبلِّغه رسالة من الله، فهو رَسول. ثالثاً: النَّبيّ يكون مقرِّرِاً لمَن سَبق تَبليغُهم، أمّا الرَّسول فهو مُبلِّغ للأحكام. رابعاً: الرَّسول يكون مَعه كتاب، بخِلاف النَّبيّ فإنه قد لا يَكون معه كتاب أحياناً، كهارون مع موسى، وإسماعيل وإسحاق ويعقوب من إبراهيم. خامساً: أن الرَّسول من الأنبياء هو: مَن جَمع إلى المُعجزة الكتاب المنزّل عليه. والنَّبي غير الرَّسول هو: مَن لم ينزّل عليه كتاب، وإنما يَدعو الناس إلى شَريعة مَن قَبْله. سادساً: أنّ كلمة "النَّبيّ" إذا ما أطلِقت فإنها تَنصَرف على مَن بعَثَه الله من البَشر. أمّا كلمة "رَسول" فتُطلَق على ما يلي:

стр. 37

١ - الملائكة، قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ (هود:٨١). ٢ - الرياح، قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ (الحِجر:٢٢)، وقال تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً * فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفاً * وَالنَّاشِرَاتِ نَشْراً﴾ (المرسلات:١ - ٣). قال ابن كثير ﵀: "فيما روي عن ابن مسعود ﵁: أنها الريح، يؤيّد ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ (الفرقان:٤٨). وقيل: "المرسلات" هي: الملائكة، إذا أرسلت بالعُرف أو كعُرف الفَرس يتبعُ بعْضهم بعضاً". ٣ - الشياطين، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾ (مريم:٨٣). قال ابن عباس ﵄: "تغويهم إغواء". وقيل: تحرّضهم على محمد ﷺ وأصحابه. وقال قتادة: تزعجهم إزعاجاً إلى معاصي الله. ٤ - تُطلق على الرُّسُل من غَير الأنبياء من البَشر، وهم السُّفراء وحامِلو الرسالات بين الدول، قال تعالى: على لسان بلقيس ملكة سبإ: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (النمل:٣٥). أمّا المعتزلة وبعض الأشاعرة، فهم لا يفرِّقون بين النَّبي والرَّسول، ويَستدلّون على ما جاء في القرآن الكريم من إطلاق كلّ منهما على الآخر، غير أنَّ الأوْلى هو اتباع منهج السُّنّة والجماعة في التَّفرِقة بين النَّبيّ والرسول. المبحث الثاني: اصطفاء الله للأنبياء والمرسلين: إن رسالات السماء لا ينالها البشر بالاكتساب، ولن تتحقّق لهم بالممارسات الرّوحية والتّريّض الذهني أو العقلي، أو بمجاهَدة النَّفس والتَّعمّق في الفِكر،

стр. 38

وإنما هي اصطفاء واختيار من الحَّق لصَفوة من الخَلْق، وجماعة من البَشر اختصّهم الله بعنايَته، وشَملَهُم برعايته، وكلأهم بحفْظه، وعصَمَهم ممّا يقع فيه الناس مِن هفوات، وأيّدهم بالمعجزات الدالة على صدْقهم، وأنزل عليهم الكتب المُوضحة لشرائعهم. ولقد تحدّث القرآن الكريم عن هذا الاصطفاء، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ﴾ (الحج:٧٥). وقال تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (البقرة:١٣٠). وذَكَر القرآن الكريم اصطفاء الله للأنبياء من لدُن آدم إلى محمد ﷺ ، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (آل عمران:٣٣، ٣٤). يقول ابن كثير في "تفسيره": "يُخبر الله تعالى أنه اختار هذه البيوت على سائر أهل الأرض؛ فاصطفى آدم ﵇، خَلقَه بيده، ونَفخ فيه من روحه، وأسجَد له ملائكته، وعلّمه أسماء كلّ شيء، وأسكنه الجنة، ثم أهبطه منها لِما له في ذلك من الحكمة. واصطفى نوحاً ﵇، وجعَله أوّل رسول بعَثه الله إلى أهل الأرض. واصطفى آل إبراهيم، ومنهم سيّد البشر، خاتم الأنبياء على الإطلاق: محمد ﷺ ، وآل عمران، والمراد به: والدة مريم ﵍. وموسى ﵇، ذَكَر القرآن الكريم اصطفاء الله له ونعَمه عليه، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (الأعراف:١٤٤).

стр. 39

وعن هذا الاجتباء والاختيار، يقول تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرائيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾ (مريم:٥٨). ولقد ظن كُفَّار مَكة أنّ الرسالة تتوزّعُ على البشَر، وأنّها تتحقّق بالرغبة، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (الزُّخرُف:٣١)، يَعْنُون بذلك أحد عظماء قريش. وقال تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ (الأنعام:١٢٤)، أي: حتى تأتينا المَلائكة من الله بالرسالة، كما تأتي الرُّسُل. فردّ الله عليهم قائلاً: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (الأنعام:١٢٤). ويتحدث الرَّسول ﷺ عن اصطفاء الله له: فقد روي عن واثلة بن الأسقع ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إنّ الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل بني كِنانة، واصطفى من بني كِنانة قُريشاً، واصطفى من قُريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم))، رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((بُعثْتُ من خَير قرون بني آدم، قرناً فقَرناً، حتى بُعثت من القَرن الذي كُنت فيه))، رواه البخاري. وهذا الاصطفاء امتدّ شَرفه إلى أمّة محمد ﷺ ، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران:١١٠). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ((إنّ الله نظَر في قلوب عباده فوجَد قَلْب محمد ﷺ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته. ثم نَظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ فوجد قُلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نَبيِّه،

стр. 40

يقاتلون على دِينه. فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسَن، وما رآه المسلمون سيِّئاً فهو عند الله سيّئٌ))، رواه أحمد في "مسنده". ومع كلّ نَبيّ ورسول يَصطفي الله أتباعه من المؤمنين الصادقين، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ (فاطر:٣٢). يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: يقول الله تعالى: "ثم جعلنا القائمين بالكتاب العظيم المُصدِّق لِما بين يديه من الكتب، الذين اصطفيْنا من عبادنا، وهم هذه الأمّة". وأمْر الأنبياء وشأنهم لم يَتوقف عند الاصطفاء والاجتباء فقط، ولكنه امتدّ إلى التربية والتعليم وحُسن الإعداد منذ طفولتهم. فإبراهيم ﵇ يَدعو ربه أن يَبعث لهذه الأمّة رسولاً له منهج يتميّزون به عن سائر الأمم، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة:١٢٩). ويوسف ﵇ كانت عِناية الله تَحفظه، وقد شَعر والده يعقوب ﵇ بهذا وذَكَر الله قولَه لابنه، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ (يوسف:٦). وذَكَر القرآن الكريم فضْل الله على يوسف، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف:٢٢).
следующие страницы →