← Общие книги

Общие книги · id 11136

أصول الدعوة وطرقها 1 - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (278 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فذكرت الآية إرسالاً يُقِرّ النَّوعيْن، وعَطَفت النَّبيّ على الرَّسول، والعَطْف يَقتضي المُغايرة. ويُستَدلّ على الفَرْق بين النَّبيّ والرَّسول (ما أخرجه الحاكم عن أبي ذر -رضي الله تعالى عنه- قال: قُلت: يا رسول الله. كم الأنبياء؟ قال: ((مائة ألْف وأربعةٌ وعشرون ألْفاً)). قال: قُلت: يا رسول الله. كم الرُّسُل من ذلك؟ قال: ((ثلاثمائة وثلاثة عشر. جمٌ غَفير كَثير طيِّب)). فلقد أخبر رسول الله ﷺ عن عدد الأنبياء والمرسلين، ومن ثَمَّ اتّجه أهل السُّنّة والجَماعة إلى التَّفرقة بين النَّبي والرَّسول في الأمور التالية: أولاً: النَّبيّ: مَن أُوحيَ إليه بشَرْع يَعمل به واختُصّ به. والرَّسول فقط هو: مَن أوحِي إليه بشَرْع يَعمل به ويُبلِّغه، ولم يَختَص بشيء منه. فإن اختصَّ بالبَعض وبلَّغ البَعض فهو نَبيّ ورَسول، كرسول الله محمدٍ ﷺ . ثانياً: النّبيّ: هو الذي يُنبِئه الله، وهو يُنبِئ بما أنبأه الله به. فإن أُرسِل مع ذَلك إلى مَن خالَفه ليُبلِّغه رسالة من الله، فهو رَسول. ثالثاً: النَّبيّ يكون مقرِّرِاً لمَن سَبق تَبليغُهم، أمّا الرَّسول فهو مُبلِّغ للأحكام. رابعاً: الرَّسول يكون مَعه كتاب، بخِلاف النَّبيّ فإنه قد لا يَكون معه كتاب أحياناً، كهارون مع موسى، وإسماعيل وإسحاق ويعقوب من إبراهيم. خامساً: أن الرَّسول من الأنبياء هو: مَن جَمع إلى المُعجزة الكتاب المنزّل عليه. والنَّبي غير الرَّسول هو: مَن لم ينزّل عليه كتاب، وإنما يَدعو الناس إلى شَريعة مَن قَبْله. سادساً: أنّ كلمة "النَّبيّ" إذا ما أطلِقت فإنها تَنصَرف على مَن بعَثَه الله من البَشر. أمّا كلمة "رَسول" فتُطلَق على ما يلي:

стр. 37

١ - الملائكة، قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ (هود:٨١). ٢ - الرياح، قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ (الحِجر:٢٢)، وقال تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً * فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفاً * وَالنَّاشِرَاتِ نَشْراً﴾ (المرسلات:١ - ٣). قال ابن كثير ﵀: "فيما روي عن ابن مسعود ﵁: أنها الريح، يؤيّد ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ (الفرقان:٤٨). وقيل: "المرسلات" هي: الملائكة، إذا أرسلت بالعُرف أو كعُرف الفَرس يتبعُ بعْضهم بعضاً". ٣ - الشياطين، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾ (مريم:٨٣). قال ابن عباس ﵄: "تغويهم إغواء". وقيل: تحرّضهم على محمد ﷺ وأصحابه. وقال قتادة: تزعجهم إزعاجاً إلى معاصي الله. ٤ - تُطلق على الرُّسُل من غَير الأنبياء من البَشر، وهم السُّفراء وحامِلو الرسالات بين الدول، قال تعالى: على لسان بلقيس ملكة سبإ: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (النمل:٣٥). أمّا المعتزلة وبعض الأشاعرة، فهم لا يفرِّقون بين النَّبي والرَّسول، ويَستدلّون على ما جاء في القرآن الكريم من إطلاق كلّ منهما على الآخر، غير أنَّ الأوْلى هو اتباع منهج السُّنّة والجماعة في التَّفرِقة بين النَّبيّ والرسول. المبحث الثاني: اصطفاء الله للأنبياء والمرسلين: إن رسالات السماء لا ينالها البشر بالاكتساب، ولن تتحقّق لهم بالممارسات الرّوحية والتّريّض الذهني أو العقلي، أو بمجاهَدة النَّفس والتَّعمّق في الفِكر،

стр. 38

وإنما هي اصطفاء واختيار من الحَّق لصَفوة من الخَلْق، وجماعة من البَشر اختصّهم الله بعنايَته، وشَملَهُم برعايته، وكلأهم بحفْظه، وعصَمَهم ممّا يقع فيه الناس مِن هفوات، وأيّدهم بالمعجزات الدالة على صدْقهم، وأنزل عليهم الكتب المُوضحة لشرائعهم. ولقد تحدّث القرآن الكريم عن هذا الاصطفاء، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ﴾ (الحج:٧٥). وقال تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (البقرة:١٣٠). وذَكَر القرآن الكريم اصطفاء الله للأنبياء من لدُن آدم إلى محمد ﷺ ، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (آل عمران:٣٣، ٣٤). يقول ابن كثير في "تفسيره": "يُخبر الله تعالى أنه اختار هذه البيوت على سائر أهل الأرض؛ فاصطفى آدم ﵇، خَلقَه بيده، ونَفخ فيه من روحه، وأسجَد له ملائكته، وعلّمه أسماء كلّ شيء، وأسكنه الجنة، ثم أهبطه منها لِما له في ذلك من الحكمة. واصطفى نوحاً ﵇، وجعَله أوّل رسول بعَثه الله إلى أهل الأرض. واصطفى آل إبراهيم، ومنهم سيّد البشر، خاتم الأنبياء على الإطلاق: محمد ﷺ ، وآل عمران، والمراد به: والدة مريم ﵍. وموسى ﵇، ذَكَر القرآن الكريم اصطفاء الله له ونعَمه عليه، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (الأعراف:١٤٤).

стр. 39

وعن هذا الاجتباء والاختيار، يقول تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرائيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾ (مريم:٥٨). ولقد ظن كُفَّار مَكة أنّ الرسالة تتوزّعُ على البشَر، وأنّها تتحقّق بالرغبة، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (الزُّخرُف:٣١)، يَعْنُون بذلك أحد عظماء قريش. وقال تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ (الأنعام:١٢٤)، أي: حتى تأتينا المَلائكة من الله بالرسالة، كما تأتي الرُّسُل. فردّ الله عليهم قائلاً: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (الأنعام:١٢٤). ويتحدث الرَّسول ﷺ عن اصطفاء الله له: فقد روي عن واثلة بن الأسقع ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إنّ الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل بني كِنانة، واصطفى من بني كِنانة قُريشاً، واصطفى من قُريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم))، رواه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((بُعثْتُ من خَير قرون بني آدم، قرناً فقَرناً، حتى بُعثت من القَرن الذي كُنت فيه))، رواه البخاري. وهذا الاصطفاء امتدّ شَرفه إلى أمّة محمد ﷺ ، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران:١١٠). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ((إنّ الله نظَر في قلوب عباده فوجَد قَلْب محمد ﷺ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته. ثم نَظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ فوجد قُلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نَبيِّه،

стр. 40

يقاتلون على دِينه. فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسَن، وما رآه المسلمون سيِّئاً فهو عند الله سيّئٌ))، رواه أحمد في "مسنده". ومع كلّ نَبيّ ورسول يَصطفي الله أتباعه من المؤمنين الصادقين، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ (فاطر:٣٢). يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: يقول الله تعالى: "ثم جعلنا القائمين بالكتاب العظيم المُصدِّق لِما بين يديه من الكتب، الذين اصطفيْنا من عبادنا، وهم هذه الأمّة". وأمْر الأنبياء وشأنهم لم يَتوقف عند الاصطفاء والاجتباء فقط، ولكنه امتدّ إلى التربية والتعليم وحُسن الإعداد منذ طفولتهم. فإبراهيم ﵇ يَدعو ربه أن يَبعث لهذه الأمّة رسولاً له منهج يتميّزون به عن سائر الأمم، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة:١٢٩). ويوسف ﵇ كانت عِناية الله تَحفظه، وقد شَعر والده يعقوب ﵇ بهذا وذَكَر الله قولَه لابنه، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ (يوسف:٦). وذَكَر القرآن الكريم فضْل الله على يوسف، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف:٢٢).

стр. 41

وأخبر الله تعالى موسى أنه أُعِدّ وصُنِع وعَينُ الله ترعاه منذ أن وُلد، وأُلقيَ به في النهر، قال تعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى * وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ (طه:٤٠، ٤١). وتحدَّث القرآن الكريم عن يحيى ﵇ وعن اصطفائه واختياره وهو مازال غلاماً، فقال: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً * وَحَنَاناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً﴾ (مريم:١٢، ١٣). وعن رسول الله ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ (الطور:٤٨، ٤٩). وعن عِصمته لرسول الله ﷺ وحِفْظه إيّاه، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة:٦٧)، أي: يا محمد، بلِّغْ أنت رسالتي، وأنا حافِظك وناصرك ومؤيِّدك على أعدائك؛ فلا تَخفْ ولا تَحزنْ! فلن يَصل أحدٌ منهم إليك يسوؤك بشيء. وقد وقعت وقائع عديدة للنَّيل منه ﷺ ، وجَرتْ محاولات لقَتْله أكثر من مَرةٍ، ولكن الله حَفظه، قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ (الشعراء:٢١٧ - ٢١٩). وبجانب الاصطفاء والانتقاء والرعاية، فقد رَفع الله قَدْر الأنبياء والمرسلين وأعْلَى مكانَتَهم، قال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (الشَّرح:٤). وقد أوجب الله لرُسله وأنبيائه صفاتِ الكَمال، كالصِّدق، والأمانة، والتبليغ، والفَطانة، وسائر الأخلاق الفاضلة. وحرَّم عليهم الرذائل، والنقائص التي تُخِلّ بالرسالة وتتنافى مع النبوة، مثل: الكَذب، والخِيانة، والكِتمان، والغَفلة.

стр. 42

والأدلّة على ما يَجب، وما يَجوز، وما يَستحيل في حَقّهم، مَذكورة في القرآن الكريم. فالأنبياء والمرسلون هم صفوة الخَلْق، وخُلاصة البشَر، فضلاً عن أنّ الله اختصّهم بالوحي، وشرّفهم بالرسالة، وأيّدهم بالمعجزات؛ فالإيمان بهم أصْل من أصول العقيدة، وجزءٌ مكمِّل للإيمان بالله، قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة:٢٨٥). والإيمان بهم يَستوجِب الإيمان بكلِّ ما جاؤوا به من عند الله مِن تشريعات، والتصديق بما أجرى الله على أيديهم من معجزات، ومن وجوب اتّصافهم بأسمى صفات الكمال، وتَنزيههم عن النَّقائص، وعَدم التَّفرقة بينهم، وحُرمَة التَّطاول على سِيرتهم، أو التَّشهير بهم، أو القيام بتمثيل أشخاصِهم المُقدّسة في وسائل الإعلام. والمُراد من الأنبياء والمرسَلين: الذين جاء ذِكْرهم في القرآن الكريم، وهم: خمسة وعشرون نبياً ورسولاً، جاء اسم ثمانية عَشر منهم في سورة (الأنعام)، في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلّاً هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلّاً فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام:٨٣ - ٨٦). وسبعة ذُكِروا في الآيات التالية: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ﴾ (آل عمران:٣٣).

стр. 43

﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً﴾ (الأعراف:٦٥). ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً﴾ (الأعراف:٧٣). ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ (الأعراف:٨٥). ﴿ ... وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ﴾ (الأنبياء:٨٥). ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ... ﴾ (الفتح:٢٩). هذا، فضلاً عن الذين لم يَرِدْ ذِكْرهم في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ (النساء:١٦٤)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (غافر:٧٨). فالأنبياء والمرسلون هم خلاصة الإنسانية وصفْوتُها، من لَدُن آدم ﵇ إلى خاتم النبيِّين محمد ﷺ . وهم يُمثِّلون وحدة العقيدة عبر مسيرة الجنس البشري. كما أنّ رسالتهم تشكِّل النسيج الحضاري والسّموّ الأخلاقي للإنسانية بهم، تفصيلاً فيما فصّله وإجمالاً فيما أجمله. ويجب الاعتقاد الصادق أنهم جميعاً بلّغوا كلّ ما أوحى الله به على الوجه الأكمل؛ وهذا من أمارات الإيمان وعلامات الصادقين، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ (الحديد:١٩). قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً﴾ (النساء:١٣٦). ومن موجبات الإيمان بالرُّسُل: عدَم تفضيل أحدٍ منهم على الآخَر، وأنّ أمر التفضيل من شأن الله تعالى، قال -سبحانه جلّ شأنه-: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ (البقرة:٢٥٣)، وقال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً﴾ (الإسراء:٥٥).

стр. 44

ولقد جاء في القرآن الكريم ووَرَد في السُّنّة الشريفة بعض ما تفضل الله به على أنبيائه ورسُله من فضائل، وما اختصّ كلاً منهم بالمعجزات. فهم عند الله متفاوتون، أمّا عند البشَر فهم متساوون؛ فيَحرُم التّفرقة بينهم أو التطاول على أحد منهم، كما يفعل غير المسلمين مع رسول الله ﷺ . قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ... ﴾ (البقرة:٢٨٥). قال ابن كثير: "فالمؤمنون يؤمنون بأنّ الله واحدٌ فردٌ صمد، لا إله غيره ولا ربّ سواه، ويصدِّقون بجميع الأنبياء والرُّسُل، وبالكتب المُنزَلة من السماء عليهم، لا يفرِّقون بين أحد منهم فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، بل الجميع عندهم صادقون بارّون راشدون مهديُّون هادون إلى سبل الخير، وإن كان بعضهم نسخ شريعة البعض بإذن الله، حتى نسخ بشرع محمدٍ ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين الذي تقوم الساعة على شريعته. ولا تزال طائفة من أمّته على الحق ظاهرين". ٢ - الدّعوة إلى الله من أشرف الأعمال وأعظمها تعدّد أسماء الدّعوة إلى الله ممّا يَدلّ على شَرفها لقد تَعدّدت أسماء الدّعوة إلى الله في القرآن الكريم، وتنوّعت أغراضها ونتائجها، ممّا يُنبئ عن رِفعة قَدْرها، وعلوِّ منزلة مَن يَعمل في مَيدانها، وذلك على النحو التالي: أولاً: هي دعوة إلى الإيمان بالله، قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (الحديد:٨).

стр. 45

ثانيا: هي دعوة إلى سبيل الله وإلى الطريق المستقيم، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل:١٢٥). وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (المؤمنون:٧٣). ثالثاً: دعوة إلى الحياة المستقيمة الآمنة بين ظلال الإسلام، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (الأنفال:٢٤). رابعاً: هي دعوة إلى الخير والمعروف والفلاح، قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران:١٠٤). فالخَير: هو جِماع الفَضائل والمَكارم، واسم شامل لصِفات الكَمال المُشتَملة على محاسِن الخِلال وفضائل الأعمال. والمعروف: اسم جامع لكلّ ما عُرف من طاعة الله والتَّقرب إليه، والإحسان إلى الناس، وكلّ ما نَدب إليه الشّرع أو نهى عنه، من المُحسِّنات والمُقبَّحات. والفَلاح هو: الفَوز والنَّجاة في الآخِرة. خامساً: هي دعوة الحقّ وإلى الحقّ، قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَل الٍ﴾ (الرعد:١٤). ففي هذه الآية الكريمة بيان وتَوضيح على أنّ دعوة الله هي الحق. والحق: هو الأمر الثابت الواضِح الجَليّ، الذي لا تعتريه شُبهةٌ ولا يَلحق به زورٌ أو بهتان.

стр. 46

وقد ذَكرت الآية أنّ الدعوات البعيدة عن وحي السماء ورسالات الأنبياء، هي دعوات خاسرة باطلة، لا تُفيد الإنسان، ولا تُحقّق ما يصبو إليه من آمال، وأنها سراب خادع. وقد شبَّه القرآن الكريم مَن يَتعلّق بها بمَن يَملأ كَفّيْه من الماء ليَبلغ فاه لِيروي ظمأه وعَطشه، ولكنه لا يَبلغه ولا يَستطيع أن يَتناوله؛ وهذا يصْدُق على الدعوات المعاصرة التي تُروِّج وتُزيِّن للعَلمانية والإلحاد، وتَدعو إلى المنكرات، ولم تَحصد الإنسانية منها إلاّ التّعاسة والشذقاء. سادساً: هي دعوةٌ للعباد إلى الجَنة والمَغفرة، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ (البقرة:٢٢١)، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (يونس:٢٥). سابعاً: هي دعوةٌ للنجاة من النار، قال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ * تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ (غافر:٤١، ٤٢). هذه هي مكارم الدعوة إلى الله وفضائل ما تدعو إليه. أمّا عن منزلة ومكانة الدّعوة إلى الله، فهي مكانة ومنزلة تَشرئبّ إليها الأعناق، وتشخص لها الأبصار. وقد أسبغ القرآن الكريم على الدّعاة إلى الله من الأنبياء المرسلين ومن سار على نهجهم وبلّغ رسالتهم، صفات الجلال والكمال، وأعلى قَدْرَهم ورفَع مكانتهم، وأطلق عليهم من الأسماء والصفات ما يدلّ على ما حباهم الله به من فضلٍ وما أسبغ عليهم من نِعم، ومِن ذلك:

стр. 47

أولاً: تعدّد أسماء الرسول ﷺ وصفاته، ممّا يُنبئ عن رِفعة قَدْره وشَرف ما يَدعو إليه، قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (المائدة:١٥، ١٦). ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ (الأحزاب:٤٥، ٤٦). ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (البقرة:٨٧). ثانياً: وصف القرآن الكريم الرُّسُل بأنهم دعاة إلى الله، فلا سلطان لبشَر عليهم؛ فهم يَستمدّون قُوّتهم من وحي الله المنزّل عليهم، وبالمعجزات المؤيِّدة لهم، قال تعالى: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لاَ يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (الأحقاف:٣١، ٣٢). والدّعاة إلى الله يَستمدّون دَعْوَتهم من القرآن والسُّنّة، ويَعيشون بين رياض العِلْم وقُطوف المَعرفة؛ وهذا ممّا يُعلي شَأنهم ويَرفع قَدْرهم، قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة:١١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر:٢٨). فقد قَصر الحَّقُّ خَشيتَه وحصَرها في العلماء، لأنه كلّما ازدادت معرفة الإنسان ازدادت خَشيته لله وخوفُه منه، وكلما ارتبط الداعي بالقرآن زادت

стр. 48

مكانتُه عند الله. فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ ، قال: ((يُقال لصاحب القرآن: "اقرأْ وارْتَقِ، ورتِّلْ كما كُنت تُرتِّل في الدنيا؛ فإنّ مَنزلتَك عند آخِر آية تَقرؤها"))، رواه أبو داود والترمذي. والدّاعي لا يكون إلاّ عالِماً فقيهاً بأحوال الناس، عليماً بما يَدعوهم إليه، خَبيراً بما يَنهاهم عنه، وبقَدْر تفانيه وإخلاصه تكون مَنزلتُه وثوابه عند الله. فعن ابن مسعود ﵁، قال: سَمعت رسول الله ﷺ يقول: ((نضّر الله امرءاً سَمِع منّي شَيئاً فبلَّغه كما سَمِعه؛ فرُبَّ مبلَّغ أوعَى من سامِع))، رواه الترمذي وقال: "حديث حسن صحيح". وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-، أنّ رسول الله ﷺ قال: ((مَن دعا إلى هدىً كان له من الأجر مثل أجور مَن تَبِعه، لا يَنقُص ذلك من أجورِهم شَيئاً. ومَن دعا إلى ضَلالة كان عَليه من الإثم مثلُ آثام مَن تَبِعه، لا يَنقص ذلك من آثامِهم شيئاً))، رواه مسلم. وقد بيّن الرسول ﷺ : أنّ مِن أفضل الجِهاد ما يقوم به الدّعاة من قول الحق، ولا سيما حينما يَصْدعون به لدى سلطان جائرٍ وحاكِم مُستبدّ. فعن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: ((أفضلُ الجِهاد: كلمةُ عدلٍ عند سلطان جائر))، رواه أبو داود، والترمذي وقال: "حديث حسن". وهكذا تَتوافر الأدلّة من القرآن والسُّنّة على مكانة الدعاة، وأنَّ الدعوة إلى الله هي أحسن عَمل وأشرف وَظيفة. وليس مِن عمل أرفع قدراً وأعلى مكانة من عَملٍ مستمدٍ من وحي السماء ورسالات الأنبياء. وليس من ثَواب عند الله أفضل من ثَواب مَن يدعو إلى الله،

стр. 49

قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران:١١٠). الدّعوة إلى الله ماضِية إلى يوم القيامة تمهيد: نوضِّح في هذا العنصر أنّ الدعوة إلى الله ماضِية ليوم القيامة، إذ التَّدافُع والتصارُع بين الإيمان والكُفر، والخَير والشَّر، والعَدل والظُلم، والحَقّ والباطِل، لن يَنطفئ لَهيبه ولنْ تَخمُد جَذوته، فهو سُنَّة من سُنن الله في الكون منذ أن خَلق الله آدم ﵇، وإلى أن يَرث الله الأرض ومَن عَليها، قال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة:٢٥١). وقال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج:٤٠). ولقد شاءت إرادة الله أن تَكون الكُرة الأرضية مَيداناً رَحباً للتَّدافُع والصِّراع الذي أثخَن الإنسانية بالجِراح. ولقد تَعدّدت أطراف التَّقاتل والتَّنازع عَبر تاريخ البشرية وحتى قيام الساعة، ممّا يوجب استمرار الدّعوة إلى الله، ووجوب وجود أمّة الدعوة التي تقوم بها، وتَتشَرَّف بتَحمُّل تَبِعاتها حتى يَرث الله الأرض ومَن عليها.

стр. 50

ولقد تَعدّد أطراف التَّقاتُل والتَّنازُع عَبر تاريخ البشرية على النحو الموضَّح في العناصر الآتية: العنصر الأول: أطراف التَّصّارُع والتَّنازُع في هذا الكون: أولاً: الصِّراع بين الشيطان والإنسان: لقد كان خَلْق الله لآدم ﵇ في أحسن تَقويم، وأمْره الملائكة بالسُّجود له -سُجود تَحية وتَكريم-، ثم إسكانه وزَوجه الجنّة، واستخلافه في الأرض بعد ذلك، هو الشَّرارة الأولى التي أشعلت نيران الحِقد الأسود والغِلّ الدَّفين في قلب إبليس اللّعين، حيث اعترض على خَلق آدم، وامتنع عن أمْر السجود له، لاعتقاده الخاطِئ أنه في مَنزلة أعلى منه خَلْقاً، وأفضل عُنصراً. ولقد ذَكَر القرآن الكريم هذا في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (الأعراف:١١، ١٢). ثم أردف ذلك بالتَّهديد والوَعيد مُعلِناً ذلك في جُرأة ووَقاحة. وقد أخبر القرآن الكريم عن ذلك في قوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (الإسراء:٦٢)، أي: لأستَوليَنّ عَليها ولأحتوينّها ولأضِلّنّها. وقد كَشف القرآن الكريم خُطَّته لاحتواء الإنسان وغِوايته، قال تعالى: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (الأعراف:١٦، ١٧).

стр. 51

ولحِكمة يَعْلمها الله ، استجاب لِطَلب إبليس بتَمكِينه ممَّن ضَعُف الإيمان في قُلوبِهم، قال تعالى: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُوراً * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ (الإسراء:٦٣،٦٤). ولقد بيّن الحقّ أنه عَصم أولياءَه المُتّقين من مَكْره، وحَفِظ عباده المُؤمنين من سَيْطرته ووَسْوسته إليهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾ (الإسراء:٦٥). وهكذا انحَصر مَكر إبليس في مَن ضَعُف إيمانُهم، ووَهنت عَقيدتُهم. ولقد حذَّر الله آدم ﵇ وزَوجَه ممّا أضمَره لهما الشيطان، وبيّن لهما عاقِبة الانصياع لوساوسِه والوقوع في حبائل إغوائه. وكان أمر الله لآدم وزَوجه بعَدم الاقتراب من الشَّجرة والأكل منها واضحاً، وأبان لهما في جَلاء تام مَغبَّة مُخالَفة أمره سبحانه، قال تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة:٣٥). ولأمور قدَّرها الله، ولِحِكمةٍ لا تُدرك العُقول كُنْهَها، مُكِّن للشيطان في أن يَتسلَّل إلى الجَنة ويَلبَس ثوب النّاصِح الأمين لآدم وزَوجه، وأقسَم لهما على ما يُحقِّقه الأكل من الشجرة من الانتقال من البَشرية إلى المَلائكيّة، وتَحقّق الخُلود وعَدم الفَناء؛ فضعُفا أمام وسوَسته واستجابا لإغوائه، وأكلا من الشجرة المَنهيّ عنها، قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ (الأعراف:٢٠، ٢١).

стр. 52

وقد عاتَبهما الله على مُخالفة أمْره، بالنَّهي عن الاقتراب أو الأكل من الشجرة، قال تعالى: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (الأعراف:٢٢). فاعترفا بتَقصيرهِما، وأقرّا بخَطئهما، وطَلبا من الله المَغفرة والرَّحمة، قال تعالى: ﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الأعراف:٢٣). لقد استوعب آدم وزَوجه الدَّرس جَيداً، وأيقنا بالتَّجربة والواقع مَدى الحِقد الذي يُضمره الشيطان عليهما. ثم أهبِط بثلاثتهم إلى الأرض، لتكون ساحة للصِّراع والنِّزال بين بني آدم وإبليس وحِزبه إلى يوم القيامة، قال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ (الأعراف:٢٤). وتوالى تَحذِير الله لبني آدم على ألسنة رُسُله، ومن خِلال كُتبه المُنزلة عَليهم من فِتن الشيطان ومكائِده. ونبّه على أنّ ما حلّ بأبيهم وأمّهم بسبب وساوسه، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف:٢٧). هذا الحِقد الأسود والغِل الدَّفين الذي يَحمله الشيطان لبني آدم، لن تَنطَفئ ناره ولن يَخمد لَهيبه، بل هو مُستمرّ على مَدى تاريخ الإنسانية، وسيَظل هذا الصِّراع ما دام الإنسان يَحيا في هذا الكون. وإنّ من رَحمة الله بعباده، وشَفقته عليهم ورأفته بهم، أنه لم يَدعْهم للشيطان يستحوذ عليهم ويَفتَرسهم، ولكن أرسَل الرُّسل، وأنزل الكُتب، وفَتح أبواب

стр. 53

التَّوبة والمَغفرة، وحصّن الإنسان بأنواع العِبادات، وصُنوف الطاعات والقُربات، التي تَحول بَينه وبين الشيطان. واختَص الحق ﵎ أمّة الإسلام من بين الأمم لتتولّى مُنازَلة الشيطان وحِزبه، وذلك من خِِلال آيات الله وسُنّة رسوله ﷺ ، وبجِهود الدّعاة إلى الله الذين لا يَخلو منهم زمان ولا مكان، حتى يَرِث الله الأرض ومَن عليها. وهذا ما يُؤكِّده قول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران:١٠٤). فالدّعوة إلى الله سُنَّة فِطريّة، وحاجة ضَروريّة للإنسانية، ما دام الشيطان وحِزبه يَعيثون في الأرض فساداً. ولنْ يُلجِم الشيطان عن إغوائه، ولنْ يُفسِد وساوسَه، إلاّ الدّعاة إلى الله، حينما يُخلِصون النِّية والعَمل، ويتسلّحون بالكتاب والسُّنّة، ولا يَكفُّون عن مُقاومة الشيطان وحِزبه، ولا يتوانَوْن عن كَشف أساليب مَكْره، ويَظلّون يُحذِّرون البَشر من كَيْده؛ وهذا أمر باقٍ ما دام الإنسان والشيطان، وما بَقيت السماوات والأرض. ثانيا: الصِّراع بين الإنسان ونَفْسه: لقد خَلَق الله الإنسان في أحسن تَقويم، وأسبَغ عَليه نِعمَه ظاهِرة وباطنة، وأودع بين جَوانب نَفسه وثنايا قلبه وجَسده أسرار الخَلق، وعَظمة التَّكوين، ودِقّة الإبداع، وآيات الإعجاز، ودَلائل القُدرة، قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ (الذاريات:٢١). فالإنسان تَتكوّن هَيئتُة وحَقيقتُه من جَسد ونَفْس؛ فالجَسد عِبارة عن الهَيكل المَكسوّ لحماً وشَحماً، ودَماً وأجهزة وأعصاباً، وعُروقاً بعضها يُرى بالعَين المُجرّدة أو بوسائل العِلْم الحَديث، والبَعض ما زال العِلْم عاجزاً عن سَبر أغواره واكتشاف بعْض حَقائقه، ممّا يُنبئ عمّا يَحتويه الجِسم من أسرار تَدلُّ على قُدرة

стр. 54

الخَالق وعَظمة الصانِع ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ (الانفطار:٦ - ٨). أمّا النَّفْس، ويُراد بها: الرُّوح التي بها الحَياة وإذا زايلت الجسم نَزل به المَوت، وهي باقِية فيه ما بَقي في الحيّ نَفَس، فهي: الجَوهر اللَّطيف الحامِل لقوّة الحياة والحِسِّ والحَركة والإرادة. وهي: مُجرّدة عن المَادة، قائمة بنَفسها، غير مُتميّزة، مُشتبكة بالبَدن اشتباك الماء بالعُود الأخضر، ومُتعلّقة به للتَّدبير والتَّحريك. وتَرِد "النَّفس" في اللغة العربية على مَعانٍ كَثيرة، منها: ١ - النفس: معنىً في الإنسان يوجِّهُه إلى أفعاله من الخَير والشَّر. تقول: "أمرتْني نَفْسي"، و"سوّلتْ لي نَفسي". قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (الشمس:٧ - ١٠). ٢ - "النفس" تُطلق على مَعنىً في الإنسان به التَّمييز والإدراك والإحساس لِما يُحيط به، وهذا المَعنى يُفارقه في النّوم حيث يَغيب وَعيه، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ (الزُّمَر:٤٢). وقد سمَّى القرآن الكريم غِياب الوعْي عن النائم: "وفاة"، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمّىً﴾ (الأنعام:٦٠). و"الرُّوح" -بضَمّ الراء-: ما به حياة الأجسام. وقد يُضاف إلى الله للملْك أو التَّشريف، قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ (مريم:١٧). و"الرّوح" يُطلق على كلِّ أمْر خَفيّ لَطيف، كالوحي، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾ (الشورى:٥٢).

стр. 55

ويُطلق على جِبريل، قال تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ (القدْر:٤)، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً﴾ (النبأ:٣٨). ويُطلق على أمْر الله ، قال تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ (غافر:١٥). ويُطلق لَفظ الروح على ما هو داخل الإنسان، وهو كالنَّفس، وتكون به الحياة. وحَقيقة الرُّوح أمرٌ اختُصّ الله به، واستأثر بعلْمه، وجعلَه سراً من أسرار الحياة، ليس لأحد من الخَلق إدراك كُنهه، أو البَحث عن حَقيقته، وإنما يُعْرف بآثاره. قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (الإسراء:٨٥). فالإنسان يَكوَّن من جَسد ونَفْس ورُوح، ولقد أودع الله بين ثنايا قَلْبه وجوانب نَفسه أنواعاً من الغَرائز والدَّوافِع تَتَفاعل داخل كيانه، وتَتَدافع في تَعادل إلهي دَقيق وتَوازن مُعْجز. ومن هذه الغرائز: ١ - غَريزَة حُبّ النَّفس، والحِرص على الحَياة. ٢ - غَريزة حُبّ التَّملك والاقتِناء. ٣ - غَريزة الخَوف والغَضب والهَرب. ٤ - غَريزة المَأكل والمَشرب. ٥ - الغَريزة الجِنسيّة. هذا الغَرائز وغيرها تَغلي كالمِرجَل داخل كَيان الإنسان، وكل غَريزة تَتَزاحَم لِبسْط سُلطانها على سُلوكه وتَصرّفاته. هذه الغَرائز ليست غاية في ذَاتها، وإنما هي بأعراضِها ومُؤثّراتِها وسائل لغايات أخرى تُعين الإنسان وتُمكّنه على تَحمُّل أمانة الله في هذا الكون.

стр. 56

والإنسان بفِطرته وعَوامل خَلْقه وتَكوينه، يَميل لإشباع تلك الغَرائز، فيَحدُث الصِّراع داخِل كيانه حَيث تُحاول كلّ غَريزة أن تَجذبه إليها، وتَدفعه بقوّة لإشباعها؛ ولو تُرك الشخص دون ضوابِط الدِّين وأحكام الشَّرع وتقاليد المُجتمع المُسلم التي تتلاءم مع الفِطرة النَّقية، لانطلق الإنسان كالجواد الجَامِح الذي لا يُوقفه شيء. ومن رحمة الله بالإنسان: أنه لم يَدعه للغَرائز تَفترسه، ويَنساق معها دون ضوابط أو روابط، بل أودع بين حنايا نَفْسه مقاييس ومَوازين اعتدال السلوك وسَلامة التَّصرف، قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (البلد:١٠)، أي: طَريق الخَير، وطَريق الشَّر. وقال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ (الإنسان:٢، ٣). وقال ﷺ : ((البِرُّ ما اطمأنّتْ إليه النّفسُ. والإثمُ ما حَاك في صَدرك، وكَرهتَ أن يَطَّلعَ عَليه النّاس)). هذا بجانب دعوات الأنبياء والمرسلين، عَبر تاريخ الإنسانية التي تُنظِّم غَرائز الإنسان وتمنعُها من التصادم والتصارع. فالدّعوة إلى الله ضرورة إنسانية، يحتاج إليها الإنسان لإصلاح ذاته، ولتحقيق التناسق والتوازن بين رغباته وشهواته، وحَسم الصِّراع داخل نَفسه، وذلك من خِلال تَوجيه الدّعاة للناسَ إلى الله، وبيانهم للحَلال والحَرام وفْق أحكام الدِّين وشَرائعه. وسوف تَظل الدّعوة -بإذن الله- قائمة، والدّعاة يُؤدّون رسالتهم ما بَقي الإنسان على ظَهر هذه الأرض يَحمل بين جَسده ونَفْسه غَرائزه وشَهواته. أما عن مبررات ووجوب استمرار الدعوة إلى الله ليوم القيامة فهذا موضوع المحاضرة القادمة إن شاء الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 57

الدرس: ٣ أسباب استمرار الدعوة وبقائها .

стр. 58

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثالث (أسباب استمرار الدعوة وبقائها) ١ - أسباب استمرار الدّعوة وبقائها الصِّراع بين الإنسان وأخيه الإنسان الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين، وعلى آله وأصحابه مَن اهتدى بهدْيه إلى يوم الدِّين. وبعد: كلّ شيء في جِسم الإنسان له طَاقة تَتحرّك بقَدر، ولا تَستوعب أكثر من قُدراتها، ولا تَتجاوز المَوازين الدَّقيقة التي خَلقها الله لأداء مَهامِّها في الجسم. فالأكل والشّرب والتّنفس له حُدود لا يتعدّاها. والكُرات الدموية والخلايا، والأنسجة والأعصاب، ومُعدّلات السُّكر والضَّغط ودقّات القلب، لها نِسب مُعيّنة مُنضبطة لا تَزيد ولا تَنقص. أمّا آمال الإنسان وطُموحاته وأحلامه فليس لها حدٌّ تَقف عِنده. ولقد وصف الرسول ﷺ طَبيعة النفس البشرية، في الحِرص على المال وجَمْعه والاستزادة منه، فقال ما معناه: "لو أنّ لابن آدم وادياً من ذهبٍ لتمنى ثانياً، ولو كان له ثان لتمنّى ثالثاً. ولن يَملأ جَوف ابن آدم إلاّ التراب. ويَتوب الله على مَن تاب"، رواه البخاري. قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (آل عمران:١٤). وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (الحديد:٢٠). فالدنيا تَتزيّن للناس بمباهِجها، وتَستثيرهم بزخارفها، وتَحثّهم على التَّكالُب عليها والتَّنافس والتَّصارع في الاستحواذ عَليها. وكلّما شَعر الإنسان أنّ حَياته في هذا الكَون قَصيرة، وأنَّ عُمره في الدنيا محدود، وأنّ آماله وأطماعه ليس لها حَدّ، اشتد لَهيب العِراك والتقاتل بين البَشر.

стр. 59

ولقد كانت قَطرات الدّم الأولى في تاريخ البشرية، حينما امتدت يَد قابيل لِقتل أخيه هابيل حَسداً وبَغياً وظلماً، هي بداية النَّزيف الدَّموي بين بني الإنسان من خلال التنافس على الدنيا، واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان، واستعباده وانتهاك عِرضه وسَلب وأمواله. وأصبح هذا سِمةً من سِمات الدنيا، ومَعلَماً واضحاً في تاريخ البشرية، ولا سيما حينما تَبتعد عن وحي السماء، ورسالات الأنبياء، وسلوك عباد الله الأتقياء. وإنّ ما شَهده العالَم في القرن الماضي من حَربيْن عالَميّتيْن أزهقتا أرواح ما يزيد عن الخَمسين مليوناً من البَشر، وما تَشهده البَشرية مَطلع هذا القَرن من افتراس الدّول القَويّة الكُبرى للدّول والشُّعوب الضَعيفة، ما هو إلاّ بسبب تَخلِّي أمّة الدَّعوة إلى الله عن رسالتها، وتهاونها فيما شرّفها الله به وكرّمها بحَمْله. فالمسلمون وحْدهم دون غَيرهم من أمم الأرض وشعوب الدنيا، مطالبون شرعاً وعقلاً أن يَمسحوا آلام البشريّة، وأن يُوقفوا نَزيف الدماء المستمر، وأن يَهْدوا العُقول الحائرة، والقُلوب الضالة، وأن يرُدّوا النفوس التائهة والشاردة إلى فطرة الله التي فطر الناس عليها، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (الروم:٣٠). وإنّ المستضعَفين في العالَم والمُضطهَدين من الأفراد والجَماعات، ليتطلّعون إلى أمّة الدّعوة أن تدعُوَهم إلى الإيمان، وتبلّغ إليهم الإسلام، وتَشرح لهم عقائده وعباداته وأخلاقه، وأن تخلِّص العالَم من كابوس الكُفر والجَهل. قال تعالى مُخاطباً أمّة الدعوة ومعاتباً لها الرّكونَ إلى الأرض، والتخاذلّ عن نجدة المقهورين والمغلوبين: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ

стр. 60

وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً﴾ (النساء:٧٥). فصراع الإنسان مع الشيطان، ومع نَفسه، وبينه وبين غيره من بني جنسه، يَستوجب ضَرورة وبقاء الدّعوة إلى الله، ويُلزم الدّعاة أن يَبلِّغوا دين الله، ويَدْعُوا إليه مهما كانت الصِّعاب والمَوانِع والعوائِق؛ وهذا أمْر لم يَخْلُ مِنه عَصرٌ من العُصور، ولم يَتوقف إلى قيام الساعة، قال تعالى: ﴿فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (هود:١١٦، ١١٧). فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أولى دعائم الإصلاح، والقاعدة التي يُبنى عليها إلى يوم القيامة. لِمَ كانت أمّة الإسلام هي المُكلَّفة شرعاً بالدّعوة إلى الله دون غَيرها من الأمم ؟ إنّ أمّة الإسلام اختصّها الله من بين أُمَم الأرض بواجب الدّعوة إلى الله، وشرَّفها دون غَيرها بحَمْل الأمانة، وتَبليغ الرسالة، وتَقديم النُّصح لشعوب العالَم؛ وذلك للأسباب التالية: أولاً: هي الأمة الوَحيدة التي تَحمل على عاتِقها وَحْيَ السماء، ورسالات الأنبياء، من لَدُن آدم إلى أن يَرث الله الأرض ومَن عليها. فبعد أنِ اندثرت الكُتب السابقة، وحُرّف ما بَقي منها إثر انتهاء حياة النبي أو الرسول، أصبحت الأمّة الإسلامية هي الآن الأمينة على شَرع الله، والمُؤتَمَنة على عقائد البَشر، المُصحِّحة لِمَا انحرف منها، الدّالّة على المَنهج القَويم والسلوك المستقيم في شتّى جَوانب الحياة، عقائدياً وأخلاقياً وسياسياً واقتصادياً.

стр. 61

قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران:١١٠). ثانياً: هذه الأمّة صاغَها القرآن الكريم صياغة فَريدة، وربّاها الرسول ﷺ تَربية مُميّزة، تؤهِّلها لهداية البشَر. ولقد كانت دَعوة الرسول ﷺ في مَكة المُكرّمة والمَدينة المُنوّرة على مدى ثلاثة وعشرين عاماً، وتَنزّل القرآن الكريم وفْقَ الوقائع والأحداث، كَفيلاً أن يُعِدّ المسلمين إعداداً خاصاً لِحَمْل رسالة الإسلام. وإنّ حِفظ الله سبحانه للقُرآن الكريم، وصوْنَه لسُنّة الرسول ﷺ أوجَبَ استمراريّة الدّعوة وبقاءَها، ومكَّن المسلمين عَبر التاريخ من القيام بما فُرض عليهم، قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران:١٠٤). ثالثاً: هذه الأمّة بما تَحْمله من دِين الله، وبما أوجبه الله عليها مِن تَبليغه ونَشْره، هي اليد الحارسة الأمينة على كلّ مَعروف وخَير وبِرّ، والعَين الساهرة على حُرمات الله وحُدودِه، تَرصد كلّ مُنكر وتَتعقّبُه، وتَنهَى عنه وتُجْهِز عَليه، وتَتصدّى للظّلم والبَغي وتَقضي عليه. وهي بهذا التَّفويض الإلهي شاهِدةُ صدقٍ وحقٍ على الأمم السابقة ومَواقفها من أنبيائها، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ (البقرة:١٤٣). وهي أيضاً مَسؤولة عن صلاح البشَر وإصلاحهم إلى يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ (الزُّخرُف:٤٤). رابعاً: إنّ هذه الأمّة أمّة راكعةٌ ساجدةٌ عابدةٌ، مجاهدةٌ في سبيل الله، ومُختارة من بيْن أمم الدنيا، لتَنال شَرف اجتباء الله لها، وشهادة الأنبياء بأحقِّيّتها، قال

стр. 62

تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (الحج:٧٧، ٧٨). خامساً: حينما يتلفّت الإنسان حَوله ويُبصِر أحوال العالَم بأسرِه، يجِد دُوَلاً قَويّةً تدَّعي العَدل وتزعُم الحُرية والديمقراطية ونُصرة الشُّعوب، وهي في الحَقيقة والواقع مصدرُ الخَوف والاضطراب في العالَم. أيدي هذه الدول مُلطَّخة بدماء الشُّعوب، وتاريخها تاريخ أسود، سوَّدتْه بما ارتَكبتْه في حَقّ الأمم من نَهب خيراتها وثَرواتها، والقضاء على آمالها في أن تحيا حياة آمنة كريمة. وقد اصطنعت هذه الدّول مؤسسات عالَميّة وهيئات دوليّة، كالأمم المتحدة، ومجلس الأمن، وغيرهما، تُحرِّكِها كالدُّمى وتُسخِّرها لأغراضها، والوَيل لمَن يَرفع يَده مُعتَرضاً، أو يَعلو صوته مُحتجاً. وكان حصاد الإنسانية -ولا سيما العالَم الإسلامي- مُؤلماً ومَريراً؛ فاختلَّت القِيم الإنسانية، ومُسِخت الفِطرة البشرية، وعمَّ الظُّلم وفَسدت الأخلاق، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الروم:٤١). هذا كلّه يُلقِي العِبء على أمّة الإسلام، ويُلزِمها أن تَتصدّى لِكلّ عوامِل الفَساد والانحراف. وهي مُهيّئة تماماً لهذا الأمْر بما تَحمِله من خصائص وثوابت شرَّفها الله بها، وإمكانات وموارد حباها الله بها، لِتُسخِّر جزءاً منها للدّعوة إلى الله. والظروف العالمية والتهيؤ النفسي والاستعداد القلبي صالح تماماً لنجاح الدعوة إلى الله واستمرارها.

стр. 63

وعوامل الفَوز والفَلاح للدّعاة مُتحقّقة بما يلي: أولاً: إنّ دفاع الله عن عباده، وتأييده لهم، وتَمكِينهم في الأرض، سُنَّة من سُنن الله في هذا الكون لا تَتخلّف، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (النور:٥٥، ٥٦). وقال تعالى: ﴿أَلاَ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَلاَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (يونس:٥٥). وقال تعالى: ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ (الروم:٥ - ٧). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عَابِدِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء:١٠٥ - ١٠٧). وما على أمّة الدّعوة إلاّ أن تَستَشعر حَقيقة هذا التأييد والوَعد، وأن تَعمل بكلّ طاقاتها لتحصيل أسبابه، وأن يَتعمَّق في مشاعِرها وعُقولها أنّ هذا وعْد من الله مُحقّق لا يَتخلّف، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ (محمد:٧، ٨).

стр. 64

ثانياً: إنّ عُلوّ كلمة الحق وغَلبة أهله، وإزهاق الباطل وهَزيمة حِزبه، عَدلٌ إلهي مُتحقَّقٌ، وسُنّة كَونيّة لا تَتخلّف. قد يَتعثَّر الحَق أحياناً لضَعف يعْتري أصحابه، قد يَتخلَّف أحياناً لابتلاء أعوانِه واكتشاف معادن إيمانهم وقُوة عَقيدَتهم، وقد يتأخّر لأن قَومه لا يَملكون مُقوِّمات إظهاره ... ولكن في النهاية لا بدَّ للحق أن تَعلو رايتُه، وتَخفِق أعلامُهُ، ويَسودَ أهلُهُ، وأن الباطل مهما عَلا صَوته سيأتي وقتٌ يأذن الله فيه بانكسار شَوكتِه، واندحار جُنده، وفَضيحة حِزبه، قال تعالى: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (الأنفال:٧، ٨). وقال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ (الإسراء:٨١). وقال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (الأنبياء:١٨). وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (الحج:٦٢). وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ﴾ (الروم:٦٠). فشأن الحَق في ارتفاع، وأمْر الدعوة إلى الله في انتشار، وجُند الله ودُعاته سيُكتب لهم الانتصار، قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (فُصِّلَت:٥٣)، أي: الإسلام. ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فُصِّلَت:٥٣).

стр. 65

قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ * يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (غافر:٥١، ٥٢). ثالثاً: إنّ أمم الكُفر ودوَل الظُلم والبَغْي قد انفضَح أمْرها، وانكشفت سَوْءتها أمام العالَم؛ فشعوبُهم، وإن تَقدَّمت عِلمياً ومادياً، وتَفنّنت في أساليب التَّرف والانغماس في الشَّهوات، إلاّ أنهم فقدوا طمأنينة القَلب، وانشراح الصَدر، واستقرار النَّفس، فانتشرت عوامِل القَلق والتَّوتر والاكتئاب، وكَثُرت حوادث الانتحار، وزادت مُعدَّلات الجَريمة، وغدا الناس غَير آمنِين على أموالِهم وأعراضِهم. وفي أقطار العالم الإسلامي ودوَله، تحقّق لكل ذي عَقل وفِكر، وتبيَّن لكل ذي نظر ثاقب ورأي سديد، ما جناه المسلمون في تاريخهم الحديث من جرّاء ترْك دِينهم وراء ظهورهم، ووضْع أصابعهم في آذانهم عند نصيحة العلماء ودعوة الدّعاة. وانطلق الكَثير من أبناء المسلمين في رُعونة وعَدم رَويَّة نحو الثقافة الغَربية، والتي هي مَزيج من الحضارتيْن الرُّومانية واليونانية الوثنية، وبقايا النصرانية المُحرّفة، يقلِّدون أوربا، ويقْتبسون أنظمتها، ويَصبغون المُجتمعات الإسلامية بصِبغة التَّحلّل من الدِّين، والتخفّف من أوامر الشّرع، مُعتقدين اعتقاداً خاطئاً أنّ هذا يُحَقّق لهم التَّقدُّم، ويأتي لهم بالازدهار، فلم يَجنوا من ذلك سِوى خَيبة الأمَل، وضياع الأمّة، واستعباد واحتلال الأوطان، ونَهْب الثروات، واستشراء الفِتن، وتفاقُم الخُطوب، وتعاظُم الظُّلم والاستبداد. وقد مُزِّقت أوصال الأمّة الإسلامية شرَّ مُمزَّق، وانفرد أهلها إلى دويلات ليس لها من مظاهر السيادة إلاّ عَلَم يُرفرف في خَجل واستحياء، واستقلال يَرتدي ثَوب التَّبعيّة طَوعاً أو كَرهاً. هذه الظواهر ألْقت بالوَهن في القلوب، واليأس في الصُدور، وفقدان المُسلم معالم الرُّؤية.

стр. 66

مع العلْم أن نور الله بأيديهم، وسُنّة رسوله ﷺ أمام أعينهم، وعلى مَقربة منهم. وتاريخ الإسلام بحضارته المُتألِّقة، وشمس شرائعه المُشرقة، تَحوط بِهم، تَصونُهم وتَحفظهم وتَرعاهم. إنّ إفلاس الحضارة الغَربيّة وانفضاح أمْرها، ومن قبْل ذلك سقوط الشيوعية وانهيار نظامِها في الاتحاد السوفيتي، عام ١٩٩١م، بعد أربعة وسبعين عاماً من الحُكم الشيوعي، والذي كان يرزح تحت وطأة اسبتداده وقهره قرابة المائة مليون مسلم تعرّضوا لشتّى أنواع القهر والإبادة منذ عام ١٩١٧م، لَدليلٌ على فساد الحضارة المعاصرة. ولقد شاءت إرادة الله، وفْق سُننه الكَونية التي لا تَتخلّف، أن ينهار الاتحاد السوفيتي انهياراً فاجأ الدنيا بأسْرها، وتساقَطت نُظمه التي كانت تَقوم على الوجودية والإلحاد، وإنكار وجود الله، كما تَتساقط أوراق الخَريف الجافّة. وكان أحد أسباب سقوطه الرئيسية: تلك الهَزيمة النَّكراء في أفغانستان، وانسحابه منها، مَهزوماً يَلعَق جِراحه بعد حَروب دامت عشر سنوات من عام ١٩٧٩ إلى ١٩٨٩م. ولقد كان انهيار الشيوعية في الاتحاد السوفيتي وأوربا الشرقية انهياراً سَريعاً مُدوياً صكّ سَمع العالم أجمع، وسَط الذُّهول والحَسرة التي انتابت مَن كانوا يَتَّخِذون من الماركسية عَقيدة والشيوعية مَذهباً. وسوف تَلحقها -بإذن الله- الحضارة الغَربية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية؛ فقد حفرت بيدها نَفقاً مُظلماً بعُدوانِها على أقطار المُسلمين، وانحيازِها الأعمى لإسرائيل.

стр. 67

هذه الأحداث السريعة والمُتلاحقة، وذلك الخواء الروحي، والإفلاس الفِكري، والانهيار الخلُقي، والفوضى التي انتابت العالَم، والفِتن التي تَعْصف بشعوبه، يُلقي عِبئاً ثَقيلاً على أمّة الإسلام، ويَضع على عاتِقها -إن طَوعاً أو كَرهاً- إصلاح الفِطرة الإنسانية التي فَسدت؛ فهي الأمّة المُهيّئَة لذلك، والمَسؤولة أمام الله عن هداية الأمم للنور المُبين، والصراط المستقيم. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (الفتح:٢٨). فالدّعوة إلى الله باقية ما دامت السماوات والأرض، مُستمرّة ما تعاقَب الليل والنهار، وسوف يُمكِّن الله للدّعاة في الأرض إذا ما خَلُصت النِّيّة، وتَحرّر المسلمون من التَّبعيّة، ووحّدوا جُهودهم، واستغلّوا مَواردهم، ونظّموا شُؤونهم وفق شرْع الله وأحكامه، قال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج:٤٠).

стр. 68

الدرس: ٤ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, تعريفهما وأهميتهما وصلتهما بالدعوة .

стр. 69

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الرابع (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, تعريفهما وأهميتهما وصلتهما بالدعوة) ١ - الأمر بالمَعروف، وصِلتُه بالدّعوة المَعروف والمُنْكر بين اللغة والاصطلاح الحمد لله الهادي لدَعوة الحق وإلى الطريق المستقيم، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين، الذي أرسله الله بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدِّين كلّه ولو كره المشركون. وبعد: "المعروف" في اللغة: ضدّ المُنْكر، والعُرف: ضدّ النُّكر، والمَعروف والعارِفة: خِلاف المُنْكر. والمعرفةُ والعِرْفانُ: إدراك الشيء بتَفكّر وتَدبّر لأثره، فهي أخصُّ من العِلْم، ويُضادّه: الإنكار. ويقال: "فلان يَعرف الله ورسولَه"، ولا يقال: "يَعْلم الله"، لمّا كانت مَعرفة البشر لله: تَدبُّر آثاره دون إدراك ذاته. ويقال: "الله يعلَم كذا"، ولا يقال: "إن الله يعرف كذا"، لمّا كانت المعرفة تُستعمل في العلْم القاصر المتوصَّل إليه بتفكير. وأصْلُه مِن: عَرَفتُ الشيء أي: أصبتُ عَرْفَهُ، أي: رَائحته، أو مِن: أصبْت عَرْفَهُ، أي: حَدّه. "المعروف" في الاصطلاح: "المعروف": اسم جامع لكلّ ما عُرف من طَاعة الله والتَّقرب إليه، والإحسان إلى الناس، وهو: كلّ ما نَدب إليه الشَّرعُ ونهى عنه، مِن المحسّنات والمقبّحات. قال الإمام الطبري: "والمعروف هو: الإيمان بالله ورسوله، والعمل بشرائعه. وأصل المعروف: كلّ ما كان مَعروفاً فعْله، مُستَحسناً غير مُستَقبح في أهل الإيمان ولا يستنكرون فعْله". وذكَر ابن حجر عن أبي جمرة: "يُطلق اسم المَعروف على: ما عُرف بأدلّة الشّرع من أعمال البِرّ، سواء جَرت به العَادة أم لا.

стр. 70

تعريف "النهي عن المُنْكر" في اللغة: - "النهي": (ن هـ ي): أصل صحيح يَدلّ على غاية وبلوغ، ومنه: "أنهيْتُ له الخير": بلَّغْتُه إيّاه، و"نهاية كل شَيء": غايته. ومِنه: "نهيْتهُ عن"، وذلك لأمر يَفعلُه، فإذا نَهيْتُه فانتهى عنه، فتلك غاية ما كان وآخِره. وجاء في "لسان العرب": "والنّهي: خلاف الأمْر، نَهاه يَنهاه نَهياً فانتهى، وتناهى: كفّ، ونفسٌ نهاةٌ: مُنتهية عن الشيء. وتناهَوْا عن الأمْر وعن المُنْكر: نَهى بعضُهم بعضاً. وفي التنزيل قال تعالى: ﴿كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ (المائدة:٧٩). - تعريف "المُنْكر" في اللغة: جاء في "القاموس المحيط" للفيروزآبادي: "المُنْكر: ضد المَعروف، والنَّكراء: الدَّاهية، والاستنكار: استفهامُك أمراً تُنْكِره". وقال الجوهري: "المُنْكَر: واحد المَناكير. والنَّكير والإنكار: تَغيير المُنْكر. والنُّكْر: المُنْكَر، قال تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً﴾ (الكهف:٧٤). وأنكر الشيء: جَهلَه، وفي التَّنزيل قال تعالى: ﴿فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ (يوسف:٥٨). واستنكر الأمر: استقبحه". ونكّر الأمْر: غيَّره بحيث لا يُعْرف، قال تعالى على لسان سليمان ﵇: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ (النمل:٤١). - تعريف "المُنْكر" في الاصطلاح: "المُنْكر": كلّ ما قبّحه الشّرْع وحرّمه وكرِهه، فهو مُنكَر.

стр. 71

وقال الطبري: "المُنْكر: ما أنكره الله، ورآه أهل الإيمان قَبيحاً فعْله؛ ولذلك سُمِّيتِ مَعصية الله مُنكراً، لأن أهل الإيمان بالله يَستنكرون فِعلها، ويَستعظمون رُكوبها". وقيل: "المُنْكر" هو: كل ما يُنْكره الشَّرع ويَنْفِر منه الطَّبع، صَغيرة كانت أو كبيرة. والمعاصي كلّها مُنكَرات، لأن العُقول السَّليمة تُنكِرها. وقال ابن الأثير: "المُنْكر: ضد المَعروف، وهو: كلّ ما قبّحه الشَّرع وحرّمه وكَرِهَه، فهو مُنْكر". أهمِّيّة الأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر والأدلّة على وجوبه الأمر بالمَعْروف والنهي عن المُنْكر أصْل عظيم من أصول الإسلام، وتَرجع أهمِّيّتُه للأسباب التالية: أولاً: إنّ صلاح العباد في الدنيا والآخِرة متوقف على الإيمان بوجود الله ووحدانيّته وطاعته، والتصديق بكلّ ما جاء به رسول الله ﷺ ، وتمام الطاعة مُتوقّف على الأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر، وبه يتمّ معرفة كلّ منهما، قال تعالى: ﴿لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ (النساء:١١٤). ثانياً: إنّ خَيرية هذه الأمّة وفضْلَها، وتَحقيق النَّصر والفَلاح لها، يتوقّف على الأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر، قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران:١٠٤).

стр. 72

يقول الإمام أبو حامد الغزالي ﵀: "ففي الآية بيان بالإيجاب؛ فإنّ في قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ﴾ أمرٌ، وظاهر الأمْر الإيجاب. وفيها: بيان أنّ الفَلاح مَنوط به، إذ حصر وقال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وفيها: أنه فرْض كِفاية لا فرْض عيْن: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾؛ فإذا ما قام به واحد أو جماعة، سَقط الفرْض عن الآخَرين". ويُبيِّن القرآن الكريم: أنه لا يَخلو الزمان من أمّة مُؤمنة عابِدة تَقوم بالدَّعوة إلى الله، وتأمر بالمَعْروف وتنهى عن المُنْكر، وتُسارع إلى فِعل الخَيرات؛ قال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (آل عمران:١١٣، ١١٤). ثالثاً: بالأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر تَتحقّق الولاية والمُناصَحة بين المؤمنين، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:٧١). رابعاً: إنّ الأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر سَببٌ من أسباب النَّصر، وثَمرة من ثِمار التَّمكين في الأرض، قال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ (الحج:٤٠، ٤١). ولقد ذكَر القرآن الكريم في صفة الشهادة والقِتال في سبيل الله في سورة (التوبة) شروط مَن يَستحقّ نَصر الله، في قوله: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ (التوبة:١١٢).

стр. 73

خامساً: في الأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر النّجاة من الهَلاك، والمُحافظة على سلامة المُجتمع وأمْنه؛ فعَن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال ﷺ : ((مَثَل القائم على حدود الله والواقع فيها كمَثَل قومٍ استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبَعضهم أسفلها. فكان الذين في أسفلها إذا استقَوْا من الماء مَرّوا على مَن فَوقهم، فقالوا: لو أنّا خَرقْنا في نَصيبنا خَرقاً ولم نُؤذ مَن فَوْقنا. فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجَوْا، ونجَوْا جميعاً)). ولقد بيَّن الرسول ﷺ أنّ الدَّعوة للحق ومُواجَهة الباطل من أفضل الجِهاد مَنزلةً عِند الله، لا سيما حينما يُصْدعُ بها أمام الحُكَّام الجَبابِرة، والرُّؤساء الظَّالمين المُّستبِدِّين؛ فعن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي النبي ﷺ ، قال: ((أفضل الجِهاد: كلمةُ عَدلٍ عند سُلطان جائِر))، رواه النسائي بإسناد حسَن. فالنصيحة للمسلمين، وتعاونهم على البر والتقوى، وعَدم التعاون على الإثم والعدوان، فَرْض دينيّ وواجب شرعيّ يحافظ على ثوابت المجتمع، ويُحْكِمُ التَّرابط بين أفراده. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (المائدة:٢). يقول الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: "يأمر الله عِباده المُؤمنين بالمُعاونة على فِعل الخَيرات وهو البِرّ، وتَرْك المُنْكرات وهو التَّقوى، وينهاهم عن التَّناصُر على الباطل والتَّعاون على المآثِم والمَحارم". وقد بيّن الرسول ﷺ أنّ من الأمر بالمَعْروف والنهي عن المُنْكر: مَنع الظالِم وردْعه عن ظُلمه وعُدوانه، والوقوف بجانب المَظلوم وحمايته؛ فعَن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : ((اُنْصُرْ أخاك ظالِماً أو مَظلوماً)). قيل: يا

стр. 74

رسول الله. هذا نصرته مَظلوماً، فكيف أنصره إذا كان ظالِماً؟ قال: ((تَحجُزه وتَمْنعه من الظُّلم، فذاك نَصْره))، رواه البخاري. وعن أبي رُقيّة تَميم بن أوس الداري ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: ((الدِّينُ النصيحة)). قُلنا: لِمَن؟ قال: ((للهِ، ولِكتابه، ولِرسوله، ولأئمّة المسلمين وعامّتهم))، رواه مسلم. ولقد كان ﷺ يُبايع أصحابه على النَّصيحة، ويَذْكرها في سياق أركان الإسلام؛ فعَن جرير بن عبد الله ﵁، قال: ((بايَعتُ رسول الله ﷺ على إقام الصّلاة، وإيتاء الزكاة، والنُّصحِ لِكلِّ مسلم))، رواه مسلم. وعن عُبادة بن الصامت -رضي الله تعالى عنه-، قال: ((بايَعْنا رسولَ الله ﷺ على السَّمْع والطاعَة، في العُسر واليُسر، والمَنْشَط والمَكْره -أي: في السَّهل والصَّعب- وعلى أثَرَة عَلينا -الأثَرة: الاختصاص بالأمْر المُشترك-، وعلى ألاّ نُنازع الأمْرَ أهلَه، إلاّ أنْ تَروْا كُفراً بواحاً عِندكم من الله تعالى فيه بُرهان -أي: ظاهِر لا يَحتمل تأويلاً-، وعلى أن نقول بالحق أينما كُنَّا، لا نخاف في الله لومةَ لائم))، متفق عليه. ولقد بيّن ﷺ : أنّ مِن آداب المجالس والطرقات: الأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر؛ فعن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: ((إيّاكم والجُلوسَ في الطّرقات!))، فقالوا: يا رسول الله. ما لنا من مجالِسنا بدٌّ، نتحدث فيها! فقال رسول الله ﷺ : ((فإذا أبَيْتُم إلاّ المَجلس، فأعْطوا الطريقَ حَقّه)). قالوا: وما حق الطريق، يا رسول الله؟ قال: ((غَضُّ البََصر، وكفُّ الأذى، وردُّ السلام، والأمر بالمَعْروف، والنَّهي عن المُنْكر))، متفق عليه. سادساً: إنّ تقاعُس الأمّة عن واجب الأمْر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر تَنجُم عَنه الأضرار التالية:

стр. 75

أ- استحقاق غَضب الله وسَخَطه ولعْنَته، كما حَدَثَ لبني إسرائيل، قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (المائدة:٧٨، ٧٩). وعن حذيفة بن اليمان ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: ((والذي نَفسي بيده! لتأمُرُنَّ بالمَعْروف ولتنهَوُنَّ عن المُنْكر، أو ليوشِكَنّ الله أن يَبعث عَليكم عِقاباً منه، ثم تَدْعونه، فلا يُستجاب لكم))، رواه الترمذي. وقد ساق القرآن الكريم قصّة قوم لوط، الذين فشا فيهم المُنْكر، وانتشَر بينهم الشُّذوذ، وعمَّت الفاحِشة في أندِيَتهم، فحلّت عليهم اللّعنة، ونزل بهم العذاب؛ قال تعالى: ﴿وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ * أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ (العنكبوت:٢٨، ٢٩). ولقد كان من طَبيعة هؤلاء القَوم: أنَّ الفاحِشة تُرتَكب عَلناً أمام أعينهم، دون إنكار أو اعتِراض، قال تعالى: ﴿وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ (النمل:٥٤). ولقد عاتَبهم لوط ﵇ على تقاعُس العُقلاء في عَدم استنكار سلوكهم الفاضِح وأعمالهم القَبيحة، فقال تعالى: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ (هود:٧٨). وكان عاقِبة التَّخاذل والتهاون في الأمر بالمَعْروف والنهي عن المُنْكر: أنْ حلّ بهم عذاب أليم بطَريقة انفردوا بها عن الأمم السابقة واللاحِقة، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا
следующие страницы →