← Акыда

Акыда · id 11137

جزء فيه ذكر اعتقاد السلف في الحروف والأصوات

النووي

Полный текст (86 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة التحقيق إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ . وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أما بعد: فإن هذا الجزء الذي هو"جزء الحروف والأصوات" من الأجزاء التي كانت في عداد المفقود من مؤلفات الإمام النووي – ﵀ – فيسر الله لنا هذه النسخة النفيسة من هذا الجزء المبارك الذي أعرب فيه الإمام النووي – ﵀– عن معتقده في كتاب الله عموماً والحرف والصوت خصوصاً، فقد صنف هذا الجزء قبل وفاته – ﵀– بما يقرب من شهرين حيث انتهى من تصنيفه في الخميس الثالث من شهر ربيع الآخر سنة ٦٧٦ هـ وتوفي – ﵀– في الرابع والعشرين من رجب من نفس السنة. فقمت بنسخه وضبط نصه ضبطاً يليق به وتخريج ما به من آيات وأحاديث وآثار، وأسأل الله جل وعلا أن يتقبله خالصاً لوجهه الكريم..آمين. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. وكتبه أبو الفضل أحمد بن علي الدمياطي

стр. 2

ترجمة الإمام النووي النواوي الشيخ الإمام القدوة الحافظ، الزاهد، العابد، الفقيه، المجتهد، الرباني، شيخ الإسلام أحسبه، الإمام: محي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حسين بن محمد بن حزام بن الحزامي الحوراني النواوي الشافعي صاحب التصانيف التي سارت بها الركبان، واشتهرت بأقاصي البلدان، ولد في المحرم سنة إحدى وثلاثين وستمائة (بنوى) وكان أبوه دكانياً بها، فنشأ الشيخ في ستر وخير وحفظ القرآن، وبقي يتعيش في الدكان لأبيه، ثم نقله أبوه في سنة تسع وأربعين إلى دمشق ليشتغل بها، فنزل بالرواقية يتقوت بالجراية، ويدرس في (التنبيه) فحفظه في أربع أشهر ونصف، وقرأ ربع (المهذب) في تمام السنة على الشيخ: الكمال إسحاق بن أحمد. ثم حج مع والده، وقد لاحت عليه أمارات النجابة والفهم، فاتفق أنه أقام بالمدينة النبوية شهراً ونصف، وتعلل في أكثر الطرق، ورجع وأكب على طلب العلم ليلاً ونهاراً اشتغالاً فضرب به المثل، وهجر النوم إلا عن غلبة، وضبط أوقاته إلا بلزوم الدرس أو الكتابة أو المطالعة، أو التردد إلى الشيوخ وترك كل رفاهية وتنعم، مع تقوى وقناعة وورع وحسن مراقبة لله في السر والعلانية وترك رعونات النفس، من ثياب حسنة، ومآكل طيبة، وتجمل هيئة، بل طعامه جلف الخبز يابسه، ولباسه خام، وشيخانيته لطيفة، فرحمه الله ورضي عنه وجزاه عن العلم خيراً. ذكر صاحبه الشيخ أبو الحسن علي بن العطار أن الشيخ محيي الدين حدثه أنه كان يقرأ كل يوم اثني عشر درساً على مشايخه شرحاً وتصحيحاً، درسين في"الوسيط"، ودرساً في"المهذب"، ودرساً في"الجمع بين الصحيحين"، ودرساً في

стр. 3

" صحيح مسلم" ودرساً في"اللمع" لابن جني، ودرساً في"التعريف" ودرساً في"أصول الفقه" ودرساً في"أسماء الرجال"، ودرساً في"أصول الدين". قال: وكنت أعلق جميع ما يتعلق بها من شرح مشكل، ووضوح عبارة، وضبط لغة، وبارك الله لي في وقتي، وخطر لي أن اشتغل بالطب، واشتريت كتاب"القانون"، فأظلم قلبي وبقيت أياماً لا أقدر على الاشتغال فأفقت على نفسي وبعت القانون فأنار قلبي. شيوخه ١ - الشيخ الإمام القاضي الخطيب عماد الدين عبد الكريم بن القاضي جمال الدين عبد الصمد بن محمد المعروف بابن الحرستاني ﵀ (٥٧٧-٦٦٢هـ) . ٢- شيخ الشيوخ: شرف الدين عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن الأنصاري الأوسي الدمشقي الأصل، ثم الحموي الدار والوفاة، الشافعي المذهب الأديب الإمام العلامة مجمع الفضائل وشيخ الشيوخ (ت٦٦٢هـ) . ٣- الحافظ الزين خالد بن يوسف بن سعد بن حسن بن مفرج أبو البقاء النابلسي ثم الدمشقي (ت٦٦٣هـ) . ٤- ابن البرهان العدل الصدر رضي الدين أبو إسحاق إبراهيم بن أبي حفص عمر بن أبي مضر بن فارس المضري الواسطي السفار التاجر المعروف بابن البرهان (ت٦٦٤هـ) . ٥ - الإمام الحافظ المتقن المحقق الضابط الزاهد الورع ضياء الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عيسى المرادي الأندلسي ثم المصري ثم الدمشقي (ت٦٦٨هـ) . ٦- زين الدين أبو العباس أحمد بن عبد الدائم بن نعمة بن أحمد بن محمد

стр. 4

بن إبراهيم، مسند الشام وفقيهها ومحدثها الحنبلي الناسخ، (ت٦٦٨هـ) . ٧ - مسند الشام ابن أبي اليسر تقي الدين أبو محمد إسماعيل بن إبراهيم بن أبي اليسر شاكر بن عبد الله التنوخي الكاتب المنشئ (ت٦٧٢هـ) . ٨- ابن الصيرفي المفتي المعمر جمال الدين أبو زكريا يحيى بن أبي منصور بن أبي الفتح بن رافع الحراني الحنبلي المعروف بابن الحبيشي (ت٦٧٨هـ) . ٩ - الشيخ الإمام شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي ثم الصالحي الحنبلي (ت٦٨٢هـ) . ١٠ _الإمام العلامة الفقيه المفتي كمال الدين أبو إبراهيم إسحاق بن أحمد بن عثمان المغربي (ت٦٥٠هـ) . ١١ _الشيخ الإمام العلامة مفتي الشام كمال الدين أبو الفضائل سلار بن الحسن بن عمر بن سعيد الأربلي ثم الحلبي ثم الدمشقي (ت ٦٧٠هـ.) ١٢ -الإمام فقيه الشام وشيخ الإسلام المشهور بالفضل والخير والإتباع أبو محمد عبد الرحمن بن إبراهيم الفزاري الشافعي تاج الدين الملقب بالفركاح لنحف في رجليه (ت٦٩٠هـ) . ١٣ - القاضي أبو الفتح كمال الدين عمر بن بندار بن عمر التفليسي (ت٦٧٢هـ) . ١٤ - أبو العباس جمال الدين أحمد بن سالم المصري النحوي نزيل دمشق (ت٦٧٢هـ) . ١٥ - العلامة حجة العرب جمال الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الجياني (ت٦٧٢هـ) .

стр. 5

ومن أشهر تلاميذه ١- الخطيب صدر الدين سليمان الجعفري. ٢- شهاب الدين أحمد بن جعوان. ٣- القاضي شهاب الدين الأربدي. ٤- المفتي علاء الدين بن العطار. ٥- ابن أبي الفتح. ٦- المزي. ٧- محمد بن أبي بكر بن إبراهيم القاضي شمس الدين بن النقيب الشافعي الدمشقي. ٨- خطيب داريا أبو الربيع الهاشمي. مؤلفاته كانت جهوده – ﵀– منصبة على الحديث وعلومه والفقه والتربية واللغة والتراجم والسير. ومن مؤلفاته: الكتب الحديثية: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج. رياض الصالحين. الأربعين النووية. خلاصة الأحكام من مهمات السنن وقواعد الإسلام. الكتب الفقهية: المجموع – منهاج الطالبين– الفتاوى – التحقيق– دقائق المنهاج– روضة

стр. 6

الطالبين وعمدة المفتين – الأصول والضوابط. الكتب التربوية: الأذكار– بستان العارفين – التبيان في آداب حملة القرآن. كتب التراجم واللغة: منتخب طبقات الشافعية– تهذيب الأسماء واللغات – تحرير التنبيه. وفاته سافر وزار بيت المقدس فرد إلى نوى مريضاً وانتقل به إلى الله في الرابع والعشرين من رجب سنة ٦٧٦هـ.

стр. 7

وصف الأصل المخطوط عدد الصفحات = ٤٤ صفحة عدد الأسطر في الصفحة = ١٩ سطر عدد الكلمات في السطر = من ٨– ١٠ كلمات تاريخ النسخ = الخميس الثالث من شهر ربيع الآخر سنة ٦٧٦هـ

стр. 8

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه توفيقي قال الشيخ الإمام العالم العلامة الزاهد الحافظ الورع إمام الشافعية في وقته محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف بن مرا النواوي تغمده الله برحمته ورضوانه: الحمد لله المقدس عن مماثلة المحدثات المتعالي عن النقائص والمتغيرات، المدعو بأنواع الألسن وأصناف اللغات، لا إله إلا هو خالق الأرض والسموات، أحمده على ما أهدى من المنح ومنح من الهدايات، وأصلي على أنبيائه الذين طهروا الأرض من الضلالات، خصوصاً على المبعوث آخر الرسالات، المؤيد بالمعجزات الباهرات والآيات البينات، المشفع في الميقات، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته وتابعيهم صلاةً دائمةً مع الآناء والأوقات. وبعد: فلما ظهرت الشكوك والشبهات، وكثرت المطاعن والتمويهات، وانتشرت مقالة ذوي الأهواء والتعصبات، وعمت بها البلوى في جميع الأقطار والجهات سألني من إجابته من الواجبات. وإسعافه من أعظم المثوبات أن أجمع له زبد أقوال المتقدمين وغاية ماعولوا عليه من الاعتقاد في الحروف والأصوات، وما نقل عنهم في ذلك من الاختلافات، والتنصيص على ما ذهب إليه علماء الشرع ونقلة الأحاديث الثقات، سالكاً في ذلك طرق متأخري المتكلمين في المباحثات، جارياً على قواعد أهل١ النظر والمجادلات، مختصراً لفظه بأوضح العبارات الوجيزات، من غير تعصبٍ وميلٍ بل رغبة في إظهار الحق ونصرة لما سلف عليه الصحابة والتابعون ﵃ أجمعين وجمعنا وإياهم في دار كرامته وسائر أحبابنا ومشايخنا وإخواننا إنه أجود الأجودين وأرحم الراحمين. وأروي له ما ثبت به النقل عن سيد المرسلين وأشرف خلق الله من الأولين

стр. 9

الآخرين محمد بن عبد الله رسول رب العالمين صلى الله عليه وعلى سائر النبيين وآل كلٍّ وسائر الصالحين، فجاء هذا المختصر بحمد الله أنيساً للحاضر وجليساً للناظر، وقسمته بحمد الله فصولاً مشتملة على فنون من القواعد ونفائس من العقائد مما جمعته من كتب العلوم ومما أودعته من كتابنا المعروف بكتاب"التبيان في آداب حملة القرآن"١ وغير ذلك وعلى الله اعتمادي وإليه تفويضي واستنادي، اعتصمت بالله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ويشتمل هذا المختصر على قسمين: القسم الأول: في ذكر ماننقله٢ عن الشيخ الجليل الإمام المتقن الحافظ الأوحد فخر الدين أبي العباس أحمد بن الحسن بن عثمان بن الأرموي الشافعي ﵁ فيما صنفه في كتابه الموسوم" بغاية المرام في مسألة الكلام"٣. والقسم الثاني: فيما وضعته في كتابنا الموسوم بكتاب"التبيان"

стр. 10

القسم الأول: فصل: في الحروف وهل هي قديمة أم حادثة قال الشيخ أبو العباس في كتابه: فصل في الحروف. اعلم أن العلماء اختلفوا في الحروف هل هي قديمة في القرآن أو مطلقاً؟ فذهب قوم إلى القدم مطلقاً إذ قدمها في صورة دون صورة تناقض محض. وذهب قوم إلى قدمها في القرآن فقط، وذهب قوم إلى قدم حروف قائمة بهذه الحروف المرتبة. والذي يدل على قدم الحروف على الإطلاق من كتاب الله تعالى وجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْأِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن:١-٤] فرّق بين ماخلق وبين ما علم فلولم يكن ما علمه غير مخلوق وإلا لما كان لتخصيص أحدهما بالخلق دون الآخر فائدة. والمراد بالبيان الحروف والكلام العربي في قول أهل التفسير. الثاني: قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة ٣١] وثبت بما تقدم إنما علمه غير مخلوق. وذكر أهل التفسير إن الله تعالى لما أمر (١) الملائكة بالسجود لآدم ﷺ قالوا: كيف نسجد لمن نحن أعلم منه؟ فأظهر الله لهم أشباح المخلوقات كلها على وجه الماء، وقال لهم: إن كنتم أعلم من آدم فأنبئوني بأسماء هؤلاء فرجعوا إلى الاستغفار، وقالوا: سبحانك لاعلم لنا إلا ما علمتنا فأنزل الله على آدم تسعة وعشرين حرفاً، وألهمه أن وضع على كل شخص اسماً فلفق الحروف

стр. 11

بعضها إلى بعض، فقال: هذا شاة، وهذا بعير، وهذا فرس إلى أن سمى جميع المخلوقات التي ستوجد١. الثالث: قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٣-٥] وهذا نصّ على أن ما يكون بالقلم، تعليمه ، وثبت بما تقدم إنما هو تعليمه غير مخلوق، والتعليم بالقلم ليس إلا الحروف. الرابع: هذه الحروف من علم الله لما سبق وقوله تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] أخبر تعالى أنه علم الكاتب الكتابة، والكتابة ليس إلا الحروف، وعلمه غير مخلوق بالإجماع. الخامس: في القرآن آيتان جمعتا حروف المعجم: إحداهما: في سورة آل عمران وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً﴾ [آل عمران: ١٥٤] . والثانية: آخر سورة الفتح٢. فمن زعم أن الحروف مخلوقة فقد صرّح بحدث الكتب المنزلة على الأنبياء من إله السماء. السادس: لما اقتضت الحكمة الإلهية إثبات ما هو كائن في اللوح المحفوظ دلّ

стр. 12

ذلك على قدم الحروف إذ لو لم تكن قديمة لكان ثَمّ شيء خارج عن علمه تعالى وذلك محال. ويدل على قدمها من حديث رسول الله ﷺ وجوه: الأول: مارواه عثمان بن عفان ﵁ قال" سألت رسول الله ﷺ عن ألف ب ت ث إلى آخرها، فقال: "الألف من اسم الله الذي هو الله والباء من اسم الله الذي هو الباري" ١ فاشتق لكل حرف حرفاً من صفات الله إلى آخر الحروف والسر في أن هذه الحروف مباني كتب الله المنزلة بالألسن المختلفة ومباني صفاته القديمة وأسمائه الحسنى، فالقول بحدوثها يوجب طرق الحدوث إلى ذلك، وقدمها ثابت بالإجماع. الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله قرأ طه ويس قبل أن يخلق آدم بألفي عام فلما سمعت الملائكة القرآن قالت: طوبى لأمة ينزل عليها هذا، طوبى لأجواف يوعى فيها هذا، طوبى لألسنة تتكلم بهذا" ٢ وهذا صريح في تقدم الحروف قبل آدم والخصم لا يقول بذلك فيصير محجوجاً. الثالث: ماروي عن النبي ﷺ أنه قال:"إن الله ناجى موسى بمائة ألف كلمة٣"

стр. 13

فأثبت الله تعالى المناجاة بهذه الكلمات، والكلمات حقيقتها لاتعقل إلا بالحروف، واتصاف البارئ بما هو من لوازم المحدثات محال تعالى الله عن الحدث علواً كبيراً. والذي يدل على قدم الحروف من كلام العلماء وإخبار السلف والصلحاء وجوه: الأول: ما نقل عن الإمام أحمد١ ﵁ في رسالته إلى أهل نيسابور وجرجان أنه قال: من زعم أن حروف الهجى مخلوقة فهو كافر لأنه سلك طريقاً إلى البدعة، لأنه متى حكم بأنها مخلوقة فقد حكم بأن القرآن مخلوق ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر. ونقل عنه أيضاً ﵀، أنه قال فيمن حلف لا يتكلم فقرأ القرآن أنه لايحنث ولو كانت مخلوقة لحنث بالقياس على غيرها. الثاني: ما روي عن أبي القاسم عبد الرحمن بن مندة٢ ﵀ أنه قال:

стр. 14

" من زعم أن حرفاً من حروف الهجى مخلوق فهو جهمي". الثالث: ما روي عن القاضي أبي علي محمد بن أحمد بن أبي موسى الهاشمي١ ﵀ أنه قال:" أدركت مشايخ المذهب كلهم من أهل طبرستان وأصبهان والشام والجزيرة٢ وهم يعتقدون٣ أن الحروف غير مخلوقة فمن ادعى عليهم غير ذلك فهو كذاب مفترى". الرابع: قال البخاري٤ ﵀، كان يحيى بن سعيد القطان٥ أنه قال: ما زلت أسمع أصحابنا يقولون: أفعال العباد مخلوقة. قال البخاري٦: حركاتهم وأصواتهم فأما القرآن المتلو المكتوب في المصاحف الموعى في الصدور فهو كلام الله ليس مخلوق، قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العننكبوت:٤٩] .

стр. 15

الخامس: ماروي عن ابن المبارك١ ﵀ أنه قال: الورق والمداد مخلوق فأما القرآن فليس بخالق ولا مخلوق ولكنه كلام الله عز وجل٢. وروي عن إسحاق بن راهويه٣ نحو ما ذكرنا٤. قلت: فإشارات هؤلاء السادة الفضلاء والأئمة العلماء ﵏ إلى الاحتراز عن القول بحدوث الحروف صيانة الكلام العزيز عن طرق الحدوث إليه بوجه من الوجوه، فلا سبيل إلى الخروج عما اعتقدوه فهم القدوة للإسلام والأنجم في الظلام. وأما ما نقل عن أصحاب السير والأخبار: فقد نقل عن ابن قتيبة٥ في كتاب" المعارف" إن الله تعالى عوض آدم عن ولده هابيل شيث وأنزل عليه تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وأنزل عليه حروف المعجم في تسع وعشرين صحيفة.

стр. 16

وذكر ذلك النحاس١ في كتاب"الحروف" والمعتمد في قدم الحروف قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠] . و" كن" حرفان وليس المراد بمعنى"كن" إذ هو خروج عن صريح اللفظ ولكون المعنى لو كان مقتضياً، الإيجاد لزم من ذلك قدم العالم وهو محال فلا يكون الأمر مقتضياً، وحدوثها يستلزم إثبات حوادث لا أول لها وهو محال فلا بد من الاعتراف بكون"كن" قديمة رفعاً لهذا التسلسل، وإذا ثبت ذلك في" كن" ثبت في الجميع لعدم القائل، فالفصل لايقال هي متأخرة في الآية فتكون محدثة ضرورة كون المتأخر محدثاً لأنا نقول ذلك تأخر لفظي لا يتحقق إلا في الخارج وهو غير مشعر بالحدوث فإنه يقال في صفات الله تعالى حي، عالم، سميع، بصير، مع قدم الجميع بالاتفاق، لايقال يلزم على هذا أن تكون المعاصي مأموراً بها لكونها مرادة لله تعالى فتكون مندرجة تحت"كن" إذ وجودها غير موجب، بل الموجب هو تعلق"كن" بالمراد بالقول المذكور في الآية إذ لو لم يكن كذلك لخرج ذكر القول في الآية عبثاً، والبارئ تعالى منزه عن ذلك، والاعتماد في قدم الحروف يظهر في دليل المسألة بالاستنتاج الصحيح، فليتأمل ذلك ففيه الكفاية والغنية للمستبصر بنور العلم المستضيء بضياء الشرع. لايقال يلزم على ما ذكرتم من قدم الحروف، قدم كل ما يتخاطب به الناس في معايشهم وأمورهم ضرورة عدم انفكاك الحروف عن جميع ذلك لأنا نجيب من وجهين:

стр. 17

أحدهما: أن الحروف التي يصدق عليها أنها قديمة وقعت تبعًا لما يتخاطب به الناس ولما هو كسبهم ومقدورهم فلا جرم لم يخبر فيها أحكام القرآن بل اكتسبت من متبوعها حكمه، ولا يقدح ذلك في قدمها، وهذا كما نقول في التفسير وكتب الفقه لما وقع القرآن تبع لما فيها اكتسب حكمها وكما إن الحبر والمداد اكتسب بوقوعه تبعاً لكتاب الله تعالى التعظيم والاحترام مع أنه في نفسه محدث بالإجماع فكذلك فيما نحن فيه اكتسب عكس ذلك للتبعية مع إن حقيقته لم تتغير١ بل التغير يقع لأمور خارجة عارضة فهو بمثابة سكين قطعت بها مسكاً وعنبراً فطاب ريحها ثم قطعت بها بصلاً فاكتسبت ضد تلك الرائحة مع إن جوهر السكين غير مختلف. الثاني: الحروف كونها منطوق بها يخالف كونها غير منطوق بها. وحينئذ لا تنافي بين قدم به الموافقة وحدوث ما به المخالفة ضرورة كونهما غيرين، وقد أشرنا إلى هذا في صدر هذا الفصل على أنا نقول: قضية الدليل إن يجري في الجميع أحكام القرآن ولكن لما تعذر ذلك على الناس، إذ ليس في القوى البشرية الاحتراز عند التخاطب والتكالم عن الحروف، ولا يمكن إطباق جميع الخلق على السكوت أو استعمال الإشارات العقلية، فلا جرم سقط حكمة على هذه الضرورة. دقيقة: اعلم إن جريان اليد بالقلم والمداد ونحو الخط ودقته وسقمه وجودته، واعوجاجه واستقامته، كل ذلك محدث والحروف التي٢ يتضمنه هذا المجموع قديم، وكذلك نقول في الصوت حركة اللسان والشفة، وصفاء الحنجرة وخشونتها، وغلظها ودقتها، والإسرار والإجهار، كل ذلك أيضاً محدث لأن هذه

стр. 18

الأمور بأسرها من كسب الآدمي ومقدوره بإجراء الله تعالى العادة في ذلك كذلك، والذي يسمع عند تحقق هذا المجموع فهو الكلام القديم وقد أشار إلى ذلك الإمام أحمد١ ﵁ فيما رواه ابناه صالح٢ وعبد الله في كتاب"المحنة"٣ أنه قال: من قال لفظي بالقرآن مخلوق، فهو ضال مبتدع وقائل بما لم يقل به أحد من سلف الأمة. فقد تلخص في هذه المقدمة حقيقة الكلام والحروف وما قيل فيهما فعند ذلك نشرع في المقصود وهو:

стр. 19

القسم الثاني: تحرير محل النزاع وذكر البرهان عليه فصل في كلام الله الأمور بأسرها من كسب الآدمي ومقدوره بإجراء الله تعالى العادة في ذلك كذلك، والذي يسمع عند تحقق هذا المجموع فهو الكلام القديم وقد أشار إلى ذلك الإمام أحمد١ ﵁ فيما رواه ابناه صالح٢ وعبد الله في كتاب"المحنة"٣ أنه قال: من قال لفظي بالقرآن مخلوق، فهو ضال مبتدع وقائل بما لم يقل به أحد من سلف الأمة. فقد تلخص في هذه المقدمة حقيقة الكلام والحروف وما قيل فيهما فعند ذلك نشرع في المقصود وهو: القسم الثاني في تعين محل النزاع وذكر البرهان عليه وإيراد الأسئلة والجواب عنها وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. مسألة: كلام الله ليس إلا الحروف والأصوات المفيدة لأمور الشرع المنزلة على النبي ﷺ بنظم القرآن. وهو الموجود بين أظهرنا، الذي نتلوه بألسنتنا وتحفظه أولادنا ونكتبه في مصاحفنا، وليس لله كلام سواه، هذا مذهبنا وبه قال الإمام

стр. 20

الشافعي١ ﵁ على ما نقل عنه أنه قال: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو كافر٢. وكذلك سئل عن رجل حلف بالطلاق الثلاث لا تكلمت، فقرأ القرآن هل يحنث؟ فقال: لايحنث لأن القرآن كلام الله وليس بكلام الآدميين٣. وقد نقلنا فيما سلف بعض ما نقل عن الإمام أحمد ﵁، وبه قال حماد بن زيد٤ وحماد بن سلمة٥ ويزيد بن هارون٦ وعبد الرحمن بن مهدي٧،

стр. 21

وإسماعيل بن علية١، وسفيان بن عيينة٢ ويوسف بن الماجشون٣ وغير هؤلاء من الأئمة. والسادات من كبار العلماء والمحدثين ممن يضيق هذا المختصر عن ذكرهم وتعدادهم٤ وذهب أبو الحسن الأشعري٥ وأتباعه كأبي إسحاق الإسفراييني٦. وأبي

стр. 22

بكر بن فورك ١، وأبي بكر الباقلاني٢، وأبي القاسم القشيري٣، وأبي القاسم الإسفراييني، وأبي محمد الجويني٤ وأبي سهل الصعلوكي٥ وغيرهم. إلى أن هذه الحروف والأصوات التي نتلوها ويحفظها أولادنا ونرجع إليها في حلالنا وحرامنا، المنزلة على النبي ﷺ بنظم القرآن، محدثة وإنها عبارة ودلالة على الكلام القديم ولم ينزل على النبي ﷺ كلام قديم. ووجه البرهان على ما ادعيناه أن نقول كلام الله تعالى منزل، والمنزل ليس إلا الحرف والصوت ينتج أن كلام الله هو الحرف والصوت، فإذا أثبتنا أن كلام الله

стр. 23

هو الحرف والصوت، وذكرنا الدليل على المقدمات، ثبت كونه قديماً بالإجماع. وبيان كونه منزلاً من وجهين: أحدهما: الآيات منها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام:١١٤] ، ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٢-١٩٣] ، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩] ، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّا﴾ [يوسف:٢] ، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاًً﴾ [الإنسان:٢٣] ، ﴿وَبالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥] ، ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:١٨٤] وأمثال هذا كثير في الكتاب العزيز. فهذه الإضمارات عائدة إلى كلام الله تعالى بالإجماع أو لضرورة عدم عودها إلى غير كلام الله تعالى. والوجه الثاني: إجماع الصحابة واتفاقهم على أن كلام الله تعالى منزل والذي يحقق ذلك تتبع جريانهم، وإن هذا الأمر كان مقرراً في عقائدهم جازمين، إذ لو تطرق إلى أحد منهم في ذلك شك أو شبهة لأزالوه بالسؤال للنبي ﷺ مع ما كانوا فيه من الحمية في الدين والاحتراز عن الوقوع في الجهالات، وحينئذ يعلم أن عدم سؤالهم مع كثرة إطلاق لفظ النزول فيما بينهم وانتظارهم ذلك من رسول الله ﷺ في وقائعهم دليل على إجماعهم واتفاقهم على أن كلام الله منزل على نبيه. ونحن نشير إلى جملة من تلك الوقائع التي يعسر إحصائها ليحصل الجزم بأنهم كانوا معتقدين ذلك: فمن ذلك: حديث عائشة ﵂، أن الحارث بن هشام سأل النبي ﷺ كيف يأتيك الوحي؟ الحديث في أول صحيح البخاري١.

стр. 24

ومنها: ماروي عن أنس بن مالك ﵁، أنه قال:" أغفي النبي ﷺ إغفاءة فرفع رأسه مبتسماً فأما قال وإما قالوا يا رسول الله: لم ضحكت؟ قال: " إنه أنزلت علي آنفًا سورة فقرأ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ حتى ختمها "١ رواه مسلم وأبو داوود والنسائي. ومنها: ماروي عن عبد الحميد صاحب الزيادي قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول: قال أبو جهل بن هشام: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فنزلت ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ٢ اتفق عليه البخاري ومسلم. ومنها: حديث الإفك وقول عائشة ﵂:" ماكنت ظننت أن ينزل في شأني وحي يتلى، ولإن أصغر في نفسي أن يتكلم الله بالقرآن في أمري"٣ الحديث بطوله حتى أنزل عليه فلما أنزل الله إلى آخره اتفقا على صحته. وعن الحسن في قوله تعالى٤: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٢] قال: حدثني معقل بن يسار أنها نزلت فيه اتفق عليه البخاري وأبو داوود والترمذي والنسائي٥.وعن أبي سلمة، عن عبد الله بن سلام ﵁ قال: أخذنا نفراً من

стр. 25

أصحاب رسول الله ﷺ فتذاكرنا لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملناه١ فأنزل الله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ حتى ختمها٢ [الصنف ١] رواه أبو عيسى الترمذي* وعن سالم بن عبد الله عن أبيه ﵄، أنه قال: ماكنا ندعوا زيد بن حارثة، إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ ٣ [الأحزاب:٥] أخرجه الترمذي والنسائي*.وفي جامع الترمذي من حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال:" كان النبي ﷺ إذا نزل عليه الوحي، سمع عند وجهه كدوي النحل"٤.*وفيه أيضاً من حديث الصديق ﵁ قال:"كنت عند النبي ﷺ فأنزلت

стр. 26

هذه الآية ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِه﴾ " [النساء:١٢٣] "١. وفي حديث البراء بن عازب ﵁ قال:" لما نزلت ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ جاء ابن أم مكتوم وكان أعمى وجلس بين يدي رسول الله ﷺ فقال: كيف بمثلي وأنا ضرير فنزل تلك الساعة ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ ٢ [النساء:٦٥] "وفي حديث عبادة بن الصامت وكان عقبياً بدرياً أحد نقباء الأنصار ﵁، أن رسول الله ﷺ كان إذا أنزل عليه الوحي كرب لذلك وتربد٣ له وجهه. فأنزل الله ذات يوم فلقي ذلك فلما سري عنه قال خذوا عني٤.* وعن جابر بن عبد الله ﵁، أن اليهود قالوا للمسلمين: من أتى امرأة مدبرة جاء ولدها أحول فأنزل الله ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ٥ [البقرة:٢٢٣] .*وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ [القيامة:١٦] قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل جبريل ﵇ بالوحي فكان مما يحرك به لسانه وشفتيه فيشتد عليه وكان يعرق منه فأنزل الله هذه الآية٦.

стр. 27

وعن عائشة وابن عباس ﵄ قالا:" مكث النبي ﷺ بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن وبالمدينة عشر سنين"١.*وعن مسروق قال: قال عبد الله بن مسعود ﵁:"والذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن أنزلت ولو أعلم أن أحداً أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل ركبت إليه*"٢.*وعن ابن إسحاق قال سمعت البراء ﵁ يقول: آخر آية نزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ [النساء:١٧٦] وآخر سورة نزلت: براءة٣.وروي عن عثمان بن عطاء٤ عن أبيه عن ابن عباس قال" أول ما أنزل من القرآن بمكة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ثم ﴿نْ وَالْقَلَمِ﴾ ثم ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ ثم ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ثم ﴿تُبْتُ﴾ ثم ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ثم ﴿سَبَّحَ﴾ ثم ﴿وَاللَّيْلِ﴾ ثم ﴿وَالْفَجْرِ﴾ ثم ﴿وَالضُّحَى﴾ ثم ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ ثم ﴿وَالْعَصْرِ﴾ ثم ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾ ثم ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ثم ﴿الْكَوْثَرَ﴾ ثم ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ﴾ ثم" المعوذتين" على الاختلاف ثم ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثم ﴿وَالنَّجْمِ﴾ ثم ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ ثم ﴿وَالشَّمْسِ﴾ ثم ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ ثم ﴿وَالتِّينِ﴾ ثم ﴿لِإِيلافِ﴾ ثم ﴿الْقَارِعَة﴾ ثم ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ثم ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ ثم ﴿وَالْمُرْسَلاتِ﴾ ثم ﴿أَرَأَيْتَ﴾ ثم ﴿لا أُقْسِمُ﴾ ثم ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ ثم

стр. 28

﴿الأعراف﴾ ثم ﴿قل أوحي﴾ ثم ﴿يس﴾ ثم ﴿الفرقان﴾ ثم ﴿الملائكة﴾ ثم ﴿كهيعص﴾ ثم ﴿طه﴾ ثم ﴿اقتربت﴾ ثم ﴿إذا وقعت﴾ ثم ﴿الشعراء﴾ ثم ﴿النمل﴾ ثم ﴿القصص﴾ ١ ثم ﴿بني إسرائيل﴾ ثم ﴿يونس﴾ ٢ ثم" هود " ثم" يوسف "ثم" الحجر "ثم" الأنعام "٣ ثم ﴿والصافات﴾ ثم" لقمان "ثم" سبأ "ثم" الزمر "٤ ثم ﴿حم المؤمن﴾ ثم ﴿حم السجدة﴾ ثم ﴿حم عسق﴾ ثم ﴿الزخرف﴾ ثم ﴿الدخان﴾ ثم ﴿الجاثية﴾ ثم ﴿الأحقاف﴾ ٥ ثم ﴿وا لذاريات﴾ ثم ﴿هل أتى على الإنسان﴾ على الاختلاف ثم ﴿الغاشية﴾ ثم ﴿الكهف﴾ ٦ ثم ﴿النحل﴾ ٧ ثم ﴿نوح﴾ ثم ﴿إبراهيم﴾ ثم ﴿الأنبياء﴾ ثم ﴿المؤمنون﴾ ثم ﴿آلم تنزيل السجدة﴾ ثم ﴿والطور﴾ ثم ﴿الملك﴾ ثم ﴿الحاقة﴾ ثم ﴿سأل سائل﴾ ثم ﴿عم يتساءلون﴾ ثم ﴿والنازعات﴾ ثم ﴿انفطرت﴾ ثم ﴿انشقت﴾ ثم ﴿الروم﴾ ثم ﴿العنكبوت﴾ ثم ﴿ويل للمطففين﴾ . فهذه خمسة وثمانون موضوعاً٨ كلها مكية. ثم أول ما نزل بالمدينة: فاتحة الكتاب ثم البقرة ثم الأنفال٩ ثم آل عمران ثم الأحزاب ثم الممتحنة ثم النساء ثم ﴿إذا زلزلت﴾ ثم الحديد ثم الصف ثم سورة محمد ﷺ ثم الرعد ثم الرحمن ثم الطلاق ثم ﴿لم يكن﴾ ثم"الحشر" ثم ﴿إذا جاء﴾

стр. 29

﴿نصر الله﴾ ثم النور ثم الحج١ ثم المنافقون٢ ثم المجادلة ثم الحجرات ثم التحريم ثم الجمعة ثم التغابن ثم الفتح ثم التوبة فهذه ثمانية وعشرون٣ سور مدنية وشيوع نزول كلام الله بل نزول كتبه أظهر من أن يحتاج إلى إقامة الدليل عليه.*فقد روي عن أبي ذر ﵁ قال:"قلت يا رسول الله! كم كتاب أنزل الله؟ قال:" مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل على آدم عشرة صحائف، وعلى شيث خمسين صحيفة٤ وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وأنزل على موسى التوراة، وعلى داود الزبور، وعلى عيسى الإنجيل وأنزل على نبيكم الفرقان ٥"*وعن ابن عباس ﵄ قال:"نزلت التوراة على موسى لست خلون من شهر رمضان، وأنزل الزبور على داود لاثنتي عشرة خلت من شهر رمضان، وأنزل الإنجيل على عيسى لثمان عشرة خلت من شهر رمضان، وأنزل الفرقان جملة واحدة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر. وصحف إبراهيم أنزلت عليه في أول ليلة من شهر رمضان"٦.

стр. 30

* وروي عن مقاتل بن سليمان١ أنه قال:" أنزل الله الفرقان من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا إلى السفرة وهم الكتبة، فكان ينزل من اللوح المحفوظ ليلة القدر ما ينزل به جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ في السنة كلها إلى مثلها من العام المقبل، حتى نزل القرآن كله في ليلة القدر، ثم نزل به جبريل ﵇ إلى محمد ﷺ في الأيام، وقبضه جبريل من السفرة في عشرين شهراً وأدى إلى النبي ﷺ في عشرين سنة"٢.وروي عن النبي ﷺ أنه قال:"لقد أنزلت علي آيات ما أنزلت في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور مثلهن، وهن فاتحة الكتاب وأم القرآن والسبع المثاني"٣وما روي عن النبي ﷺ أنه قال:" أنزل القرآن على سبعة أحرف "٤ فالمراد به على سبع لغات في قول أبي بكر الصديق ﵁. ولهذا قال الشعبي: الحروف واحدة لكن المختلف لغات القوم. وروي عن زيد بن أسلم عن أبيه أن رسول الله ﷺ كان يسير في بعض

стр. 31

أسفاره وعمر ﵁ يسير ليلاً معه، فسأل عمر عن شيء فلم يجبه، ثلاث مرات لا يجيبه، قال عمر: فتقدمت أمام الناس وخشيت أن ينزل في قرآن. فجئت رسول الله ﷺ فسلمت عليه، فقال:" لقد أنزل علي الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، ثم قرأ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ [الفتح:١] "١.وعن ابن مسعود ﵁، أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له. فأنزل الله ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] ٢وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لجبريل:" ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا فنزل ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ ٣ [مريم:٦٤] ".وعن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل النبي ﷺ وعنده أبو جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية، فقال النبي ﷺ :" أي عم قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله "فقالا له: يا أبا طالب! أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فكان آخر ما تكلم به أن قال: على ملة عبد المطلب فقال النبي ﷺ : " لأستغفرن لك مالم أنه عنك " فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية٤ [التوبة:١١٣] وعن ابن عمر ﵄ قال: لما توفي عبد الله بن أبي، صلى عليه رسول الله ﷺ وصلينا معه. فأنزل الله عليه ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً﴾ ٥ [التوبة:٨٤]

стр. 32

فعلم بمجموع هذه الأدلة أن نزول كلام الله على أنبيائه متفق عليه بين الفرق بأسرها، فمنكر ذلك يكون خارقاً للإجماع لا يعتد به، سيما من خرق إجماع الصحابة١ فيما هو من أصول الدين ودعائمه، فإنهم رضوان الله عليهم أجمعوا على ذلك من غير أن يخطر لهم حقيقة أو مجازاً في معنى النزول، فإن هذا الأمر من أهم الأمور في الدين وعليه بنيان قواعد شرائع المسلمين، فلما أهملوا ذلك لم يتعرضوا إليه، دل على اتفاقهم ما قلنا، ولا يمكن إطباق جميع الصحابة وهم نقلة هذا العلم وأصول الدين وأصحاب العربية واللسان والفصاحة على استعمال المجاز في صور لا تعد ولا تحصى، فيصير هذا الإجماع كإجماع المسلمين على أن المدفون بيثرب في الحجرة المحجوج٢ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب هو رسول الله حقاً، وأن الناس بأسرهم إذا وصلوه حيوه وسلموا عليه وتضرعوا بين يديه كأنهم شاهدوه عياناً من غير أن يخطر لهم أن المدفون ثم روحه أم جسده أم المجموع فاحتمال خطران هذا الخاطر لأحد من أصحاب الخيالات الفاسدة لا يقدم

стр. 33

في أصل الإجماع، فكذلك توهم كون هذا المنقول حقيقة أو مجازاً لا يقدح في إجماع الصحابة على حقيقة الإنزال. دليل آخر في بيان تحقيق الإجماع بالنسبة إلى جمهور الإسلام: أن كلام الله منزل على نبيه ﷺ حقيقة، أنه لو قام شخص من الناس في أي زمان أو مكان في محفل عظيم جامع للعلماء والفضلاء والأذكياء وقال بلسان وصوت عالي يسمعه الحاضر أن كلام الله منزل على نبيه محمد ﷺ ، لما أنكر عليه أحد ولسارعوا إلى تصديقه، ولو عكس المقالة لسارعوا عليه، ولا تطابق عليه الناس إما على قتله، وإما على قلة عقله، وإما على تكفيره وجهله، ومن كابر على هذا المقال فليجرب بنفسه هذا الحال ليختبر حينئذ المال. والشيء هو مقرر في أذهان العقلاء وعقائد هم على هذا الحد لا يكون جحده إلا مكابرة. والعجب أن كتب الأشاعرة مشحونة لأن كلام الله منزل على نبيه، ومكتوب في المصاحف، ومتلو بالألسنة على الحقيقة، ثم يقولون: المنزل هو عبارة، والمكتوب غير الكتابة، والمتلو غير التلاوة، ويشرعون في مناقضات ظاهرة وتعقبات باردة ركيكة. ويكفي في ضحد هذا المعتقد كونهم لا يستطيعون على التصريح به بل هم فيه على نحو من المراء. وسنبين في خاتمة الكتاب حقيقة الكلام في هذه المباحثات إن شاء الله تعالى. يعلم بما ذكرنا في الآيات والأخبار المتضمنة إجماع الصحابة وإجماع غيرهم من العلماء والعقلاء أن كلام الله القديم منزل على نبي الله ﷺ حقيقة لا مجازاً، والمنزل ليس إلا الحرف والصوت إما بالإجماع أو لاستحالة نزول المعنى القائم، فتعين أن يكون الحرف والصوت هو كلام الله ضرورة انعقاد الإجماع

стр. 34

على تحققه ونزوله، ويلزم من ذلك قدمه في الإجماع. فإن قيل: نسلم أن كلام الله قديم، ولكن لا نسلم كونه منزل، وما ذكرتم من الآيات والأخبار ودعوة الإجماع، كل ذلك لا يدل على أن القديم منزل، بل يدل على نزول هذه العبارة عن ذلك القديم، وليس ذلك إلا عين مذهبنا فإنا نسلم أن عبارة القديم ودلالته منزلة والكلام القديم عندنا غير ذلك وهو قائم بذات الله تعالى، ومستحيل نزوله وجميع الإطلاقات الواردة في الآيات والأخبار كلها بطريق المجاز لفهم الله منها ولما استحال نزول القديم وورود التغيرات عليه وجب حمل النزول في هذه الإطلاقات على المجاز ليكون ذلك تقريراً للقواعد العقلية ونسجاً على منوال اللغة في استعمال المجاز الصادف عن الحقيقة، على أنا أقول الكلام على بطلان مذهبكم من عشرين وجها: الأول: أن ماذكرتم مخالف لبديه العقل فيكون مردوداً لأنا نشاهد محال هذه الحروف قبل تسطيرها خالية عنها، ثم بعد ذلك نشاهدها١ موجودة، والقديم مستحيل بعد أن لم يكن. الثاني: هذه الحروف يلازمها التركيب وهو من لوازم الأجسام ولازم المحدث محدث. الثالث: يلزم تنجيس القديم فيما إذا كتب بالحبر النجس وقول ذلك قبح في الإسلام. الرابع: هذه الحروف المشاهدة في هذا المصحف المعين مثلاً إما أن تكون قديمة أو لا، والأول يلزم منه تعدد القدماء، ضرورة أنها غيرها. والثاني هو مذهبنا. الخامس: لو حلت الصفة القديمة بهذا المحل المعين فإما أن تفارق ذات البارئ أو لا، والأول يلزم منه خلو ذاته عن هذه الصفة. والثاني يلزم منه قيام الشيء

стр. 35

الواحد بالمحلين، وكل واحد منهما محال، فالحلول محال. السادس: النصارى لما أثبتوا على زعمهم حلول الكلمة القديمة في عيسى كفرهم جميع المسلمين، وما صرتم إليه من المعتقد أعظم من ذلك إذ هو حلول ما لا يحصى ويعد من القدماء فيما لا يحصى ويعد من المحدثات. السابع: الباري تكلم بهذه الحروف دفعة أو التعاقب فإن كان الأول فالذي نسمعه عين كلام الله ضرورة كونه متعاقباً، وإن كان الثاني فيكون محدثاً لأن الأول لما انقضى وثبت عدمه امتنع قدمه. الثامن: إذا كتب إنسان آية من القرآن في محل ثم محى ما كتبه، فذلك المحو والانعدام إما أن يكون وارداً على القديم أو لا، والأول محال لما فيه انعدام القديم، والمشاهدة الحسية توجب لنا القطع بورود المحو والانعدام على هذه الحروف، فيلزم أن لا تكون قديمة ضرورة لتحقق الانعدام فيها. التاسع: مخارج الحروف معلومة عند سيبويه ستة عشر مخرجاً، للحلق منها ثلاثة مخارج لسبعة أحرف، فأقصاها مخرج الهمزة والألف والهاء، وأوسطها العين والحاء وأدناها إلى الفم الغين والخاء وحروف اللسان على أربعة أقسام: أقصى اللسان، وطرفه، ووسطه، وحافتاه. فأقصى اللسان: له مخرجان لحرفين فالقاف من أقصى اللسان وما فوقه من الحنك والكاف من أقصى اللسان مستقبلاً من أعلى الحنك محاذياً موضع القاف من وسط اللسان، بينه وبين وسط الحنك مخرج واحد للشين. والجيم والياء. من طرف اللسان خمسة مخارج لأحد عشر حرفاً فإما الطاء والتاء والدال من مخرج واحد، وهو مابين طرف اللسان، وأصول الثنايا العليا. والظاء والثاء والذال من مخرج واحد وهو مابين طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا.

стр. 36

والصاد والزاي والسين من مخرج واحد وهو مابين طرف اللسان وأصول الثنايا العليا. والنون من مخرج واحد وهو طرف اللسان وما يتصل بالخياشيم. والراء من مخرج واحد وهو طرف اللسان غير أنه أدخل في ظهر اللسان لانجرافه إلى اللام. ولحافة اللسان مخرجان لحرفين: فمن حافة اللسان من أقصاها وما يلي الأضراس مخرج الضاد، ومن الناس من يخرجها من الجانب الأيمن ومن الناس من يخرجها من الجانب الأيسر وهم الأكثر، وخروجها من هذا كخروجها من هذا ومن حافة اللسان ومن أدناها إلى ما يلي الثنايا العليا، والباء والميم والواو مخرجهن مابين الشفتين غير أن الشفتين تنطبقان بالميم والباء ولا ينطبقان بالواو بل ينفتحان. والنون الساكنة والتنوين مخرجهما من الخياشيم. وقال الفراء وقطرب وابن كيسان: المخارج أربعة عشر مخرجاً، فجعلوا الراء واللام والنون من مخرج واحد وهو طرف اللسان وذكر أبو عمرو الداني١ أرجوزة في هذا المعنى شعراً فقال: تسع وعشرون حروف المعجم ... فسبعة للحلق منها فاعلم

стр. 37

الهاء والهمزة قبل والألف ... والحاء والعين فميز ما أوصف والخاء والغين كما بينت لك ... والكاف والقاف فمن أقصى الحنك والجيم والشين وحرف الياء ... من وسط اللسان باستواء ومخرج الدال وحرف الطاء ... بين الثنايا مع حرف التاء والتاء ثم الطاء بعد الدال ... من طرفي هذين باعتدال والصاد والزاي نعم والسين ... من الثنايا طرف تكون في مذهب الفراء والحربي ... كمذهب ابن قنبرا البصري بل قال أن اللام لا ستواها ... من حافة اللسان من أقصاها ومخرج التنوين وهو غنة ... من داخل الخيشوم فأعلمنه والصاد تنفرد عن سواها ... بحافة اللسان من أدناها إلى الذي تلي من الأضراس ... وقل من يحكمها من الناس وأحرف والثنية منها الفاء ... وهي من باطنها والباء والميم والواو وثلاث هنه ... مابين ضم الشفتين هنه١

стр. 38

وإنما حكيت لك هذه المخارج مشروحة لتعلم أنها كلها جسمانية، ولا تحقق للحروف إلا بها، والبارئ منزه عن ذلك كله. العاشر: وما صرتم إليه متحقق فيه قبل وبعد، وهما من خواص المحدثات ولوازمها، الحادي عشر: الكلام على ما قلتم صفة فعلية لا ذاتية كما في الشاهد. الثاني عشر: القدم لا يتصور فيه تجدد بل يتعلق بالموجودات، والكلام ليس كذلك لأن حقيقة مبنية من المتجددات في كل وقت وزمان كما في الشاهد. الثالث عشر: إذا كان متكلماً في الأزل على ما ذكرتم، فإما أن يكلم نفسه أو غيره لاستحالة تحقق المحدثات أزلاً، ولا جائز أن يكلم نفسه لعدم الفائدة في ذلك. الرابع عشر: لو كان القديم ما ذكرتم، لما كان قارئه مثاباً في وقت عاصياً في وقت، وكذلك كتابته ولمسه لأن الحقيقة الواحدة لا تختلف، أو لأن الثواب والعقاب لا يتحققان إلا على فعل الآدمي ومقدوره. الخامس عشر: الخطوط تختلف والحروف تتفاوت والقديم ليس كذلك. السادس عشر: إذا تكلمنا بكلامه يلزم أن نعلم علمه، ونقدر بقدرته، وإلا يلزم أن تكون القدرة على أحد المتساويين غير ثابتة على المساوي الآخر فيلزم الترجيح من غير مرجح وهو محال، لأن حقيقة الصفة القديمة من حيث هي صفة قديمة واحدة. السابع عشر: لو كان هذا الكلام الذي نتلوه المنسوب إلينا تلاوته كلام الله حقيقة لصدق علينا: أنا نحن الآمرون الناهون المشرعون للأحكام وهذه النسبة منتفية بالإجماع. الثامن عشر: لو جاز أن نتكلم بكلامه تعالى لجاز لزيد أن يتكلم بكلام عمرو وليس كذلك.

стр. 39

فصل: في كلام الله التاسع عشر: إذا كنا١ متكلمين بكلامه على وجه لا يتحقق الامتياز يلزم مشاركته تعالى في صفته٢ القديمة وذلك محال. العشرون: لو كان هذا الكلام الذي نتلوه حقيقة كلام الله لزم منه قيام الصفة الواحدة بالأغيار المتعددة. وذلك محال. فعلم بمجموع ما ذكرنا أن الذي صرتم إليه مخالف لبديهية العقل ومستحيل في نفسه فلا سبيل إلى المصير إليه. والجواب الذي نقوله في الرد عليهم: أن مجموع ما ذكرنا من الآيات والأخبار والإجماع صريح في مدعانا ونص له عليه وفيه ودعوى المجاز مردود إذ هو خلاف الأصل ثم كيف يظن بالصحابة ﵃ وهم أصحاب العربية وأهل اللغة تواطئهم على استعمال المجاز في صور لا تعد ولا تحصى. فإما قولكم: أن ما ذكرناه مخالف للقواعد العقلية. قلنا: لا وسنبين في جواب الأسئلة أن هذا المعتقد لا يخالف الأمور العقلية ولا ينافيها، حينئذ يكون المصير إلى ما ذكرناه أولى إذ هو تبع للصحابة واستعمالات الإطلاقات في موضوعها الأصلي وغير مناف للأمور العقلية، حينئذ لا يشك عاقل في ترجيح هذا على ما عداه، على أنا لا نقتصر على هذا، بل نقول: يجب أن تكون الحقيقة مرادة من تلك الإطلاقات المذكورة في الأخبار والآيات لعشرين وجهاً: الأول: لولم يكن المراد ما ذكرنا، للزم من ذلك التلبيس من الله تعالى على نبيه ﷺ إذ يكون مصرحاً بنزول كلامه والمراد غيره وذلك محال في حق الله تعالى.

стр. 40

الثاني: يلزم منه ارتفاع التكاليف بأسرها لأنها إنما أوجبت بكلام الله تعالى، وهذا غير كلام الله ومحال أن يكون هذا غير كلام الله، فإن في فتح هذا الباب مفسدة عظيمة. الثالث: لو لم يكن المراد ما ذكرنا، للزم منه العبث في قوله ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّه﴾ [التوبة:٦] إذ الإجارة حينئذ تكون حاصلة بغير كلام الله، أو يلزم منه المحال، فإن سماع القائم بالنفس مع كونه قائماً محال، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ﴾ (البقرة) (٧٥) وقول النبي ﷺ " إن قريشاً منعتني أن أبلغ كلام الله ربي "١ وليس المراد بهذا إلا ما ذكرنا. الرابع: لو لم يكن ما ذكرناه ثابتاً، لما ثبتت هذه الأحكام من وجوب تعظيم المصحف واحترامه، وتحريم مسه إلا على طهارة، حتى أنه نقل عن جماعة من العلماء والزهاد ﵏، أنهم ما دخلوا بيتاً فيه مصحف إلا على طهارة، لأن هذه الأمور لا تفعل طبعاً إلا لكلام الله تعالى إما بالإجماع أو الدوران، لا يقال يفعل ذلك لدلالتها على القديم، لأنا نقول: فكتب الحديث والفقه والتفسير تدل على ما يدل عليه من الحل والحرمة، والمجموع منتف عليه. الخامس: لو لم يكن هذا المنزل غير كلام الله تعالى على الحقيقة لما انعقدت يمين الحالف به، ضرورة عدم الانعقاد بالمحدثات واليمين منعقدة فيها إذا قال: وما في المصحف من كلام الله. كيف والتحليف بالمصاحف من لدن الصحابة إلى زماننا هذا شائع بين الناس من غير إنكار فيكون ذلك إجماعاً. السادس: لو قيل لقارئ يقرأ آية: أنه يقرأ كلام الله، لا يخطأ فيه هذه القضية
следующие страницы →