← Тафсир

Тафсир · id 1114

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

عبد الرحمن السحيم

Полный текст (680 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المملكة العربية السعودية جامعة الملك سعود كلية التربية قسم الثقافة الإسلامية شعبة (التفسير والحديث) منهج القرطبي في دفع ما يُتَوهَّم تَعارضه من الآيات في كتابه: الجامع لأحكام القرآن قدَّمَت هذه الرِّسالة استِكمالًا لِمُتَطَلبات الحصول على درجة الماجستير في الآداب في التفسير والحديث كلية التربية - جامعة الملك سعود أعدها الباحث: عبد الرحمن بن عبد الله بن صالح السحيم إشراف فضيلة الدكتور: ناصر بن محمد المنيع نوقشت هذه الرسالة وتم إجازتها يوم السبت ٢٥/ ٤/ ١٤٢٨ هـ أعضاء لجنة المناقشة: ١ - د ناصر بن محمد المنيع مقررًا ٢ - د صالح بن ناصر الناصر عضوًا ٣ - د. عادل بن علي الشدي عضوًا العام الدراسي ١٤٢٧ - ١٤٢٨ هـ

стр. 2

المقدمة (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) [الأنعام: ١] و (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) [الفرقان: ١]، والصلاة والسلام على مَنْ بَعَثَه رَبُّه هَادِيا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا. أزَال بِه كُلّ غُمَّة، وكَشَف بِه كُلّ مُدْلَهِمَّة، وأبَان بِه وَجْه صُبْح الْحَقّ أبْيَض نَيِّرا؛ حَتى تَرَك أمَّتَه على الْمَحَجَّة البَيْضَاء، لَيْلُهَا كَنَهَارِها، لا يَزِيغُ عَنها إلَّا هالِك. أمَّا بعد: فإنَّ العِلْم يَشْرُف بِشَرَف مُتَعَلِّقِه، وإنَّ أفْضَل العُلُوم مَا تَعَلَّق بِكِتَاب رَبِّ العَالَمِين، كيف لا؟ وكِتَاب الله فِيه نَبأ مَا قَبْلَنا، وخَبَر مَا بَعْدَنا، وحُكْم مَا بَيْننا، هو الفَصْل ولَيس بالْهَزْل، وهو حَبْل الله الْمَتِين، والذِّكْر الْحَكِيم، والصِّرَاط الْمُسْتَقِيم. وَلَمَّا كَان "كِتَاب الله هو الكَفِيل بِجَمْع عُلُوم الشَّرْع الذي اسْتَقَل بِه السُّنَّة والفَرْض، وَنَزَل بِه أمِين السَّمَاء إلى أمِين الأرْض، رَأيْتُ أن أشْتَغِل بِه مَدَى عُمُرِي، وأسْتَفْرِغ فِيه مُنَّتِي" (١). فَقَد اسْتَخَرْتُ الله ﵎ أن أُقدِّم شَيئًا لَه تَعَلُّق بِكِتَاب الله وتَفْسِيرِه، ولَمَّا كان تَفْسير أبي عبد الله القرطبي الْمُسَمَّى "الْجَامِع لأحْكَام القُرآن والْمُبِين لِمَا تَضَمَّن مِنْ السُّنَّة وآي الفُرْقَان" (٢)، مِنْ التَّفَاسِير الْمُعْتَمَدَة الْمَشْهُورَة لَدَى أهْل العِلْم، مَع سَعَة العِبَارَة، وتَنَوُّع الْمَعَارِف فيه، وعَدَم اقْتِصَارِه على آيات الأحْكَام -وإن كان أوْلَاهَا عِنَايَة خَاصَّة- فهو سِفْر جَلِيل، وكِتَاب نَفيس؛ وكَان ذَلك السِّفْر مِنْ أجَلّ كُتُب التَّفْسِير، رَأيتُ أن أدْرُس جَانِبًا مِنْ جَوَانِب ذلك الكِتَاب، أذبّ مِنْ خِلالِه عن كِتَابِ رَبّ العَالَمِين، وأُبِين للقَارِئ الكَرِيم عِنايَة القرطبي بِهذا الشأن، وهو دَفْعُ وَهُّم التَّعارُض.

стр. 3

وقَدَّمْتُ لِهذا البَحْث بِمُقَدِّمَة، وتتضمن هذه الْمُقَدِّمَة: أهَمِّيَّة البَحْث، وأسْبَاب اخْتِيَارِه، والدِّرَاسَات السَّابِقَة، وأهداف البحث، وأسئلة البحث، وإجراءات البحث ومنْهَج البَاحِث. أهمية البحث: ١ - تَعَلُّق هَذا البَحْث والْمَوضُوع بِأجَلِّ العُلُوم وأشْرَفِها، وهو كِتَاب الله تَعَالى. ٢ - الانْتِصَار لِدِين الله الدِّين الْحَقّ - في زَمَان كَثُر فِيه التَّآمُر على هذا الدِّين العَظِيم، ومِن ذلك مَا يُزْعَم - قَديمًا وحَدِيثًا - مِنْ وُجُود تَعَارُض وتَنَاقُض بَيْن آيَات الكِتَاب العَزِيز. ولا يَخْفَى أنَّ إزَالَة مَا يَعْلَق بالأذْهَان مِنْ شُبُهَات هو مِنْ تَثْبِيت دين الإسْلام. ٣ - كَون هذا الْمَوْضُوع لَم يُفْرَد بِبَحْث مُسْتَقِلّ - فيمَا أعْلَم -، رَغْم أهَمِّيَّة تفسير القرطبي "الْجَامِع لأحْكَام القرآن" لَدى العُلَمَاء قَدِيمًا وحَدِيثًا، ورَغْبة في إبْرَاز هذا الْجَانِب للإفَادَة مِنه في دَفْع تَوَهُّم التَّعَارُض. ٤ - مَا تَضَمَّنَه تَفْسِير القُرْطبي "الْجَامِع لأحْكَام القرآن" مِنْ إجَابَات عن إشْكَالات، ومِن جَمْع بَيْن الآيَات التي ظَاهِرُها التَّعَارُض، أو التي يَبْدو أنَّ فِيها تَعَارُضًا. ٥ - أنَّ تَفْسير "الْجَامِع لأحْكَام القرآن" قد يُظَنّ أنه مِنْ تَفَاسِير الأحْكَام فَحَسْب وقد لا يَرْجِع إليه البَاحِث في إزَالَة إشْكَال، أوْ طَلَب وَجْه جَمْع بَيْن الآيَات، في حِين أنه اشْتَمَل على عُلُوم مُخْتَلِفَة مُتَنَوِّعَة، بَلْ هو مِنْ التَّفَاسِير الْمَوْسُوعِيَّة. و "يَظْهر أنَّ تَفْسِيره - رحمه الله تَعالى - ليس تَفْسِيرًا لآيَات الأحْكَام فَحَسْب، وإنَّمَا لِجَمِيع آيَات القُرْآن، وإن كان أوْلَى آيَات الأحْكَام تَفْصِيلًا كاد يُغْنِي عن كُتُب الفِقْه الْمُقَارَن، لِمَا فيه مِنْ عَرْض للآرَاء الفِقْهِيَّة وسَوْق الأدِلَّة" (١). ٦ - أنَّ الله تَكَفَّل بِحِفْظ كِتَابِه، وتَكْذِيب أعْدَائه، ومن ذلك فَضْح مَنْ زَعَم أنَّ القرآن فِيه تَعَارُض أوْ تَنَاقُض.

стр. 4

ومِن حِفْظِ الله لِكِتَابِه أنْ تَكَفَّل سُبْحَانه بِرَدِّ كُلّ فِرْيَة، ودَحْضِ كُلّ شُبْهَة؛ بِحُجَجٍ عقلية، وبَرَاهِين قطعية - يَحْسُن بِطَالِب العِلْم أن يَتَزَوّد مِنها لِتَكُون عَوْنا له - بعد الله في مَوَاجَهَة الشُّبُهَات التي يَقْذِف بها خُصُوم الإسْلام وأعْدَاؤه. قال : (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) [الفرقان: ٣٣]. ومِن ذلك الْحِفْظ أن قَيَّض الله لِهَذا الدِّين أئمَّة أعْلاها يَنْفُون عنه تَحْرِيف الغَالِين، وانْتِحَال الْمُبْطِلين، وتَأوِيل الْجَاهِلِين. أسباب اختيار المَوضُوع: ١ - أهَمِّيَّة هَذا الفَنّ، وضَرُورَة دِرَاسَته وتَعَلُّمَه. قال النَّووي: هَذا فَنّ مِنْ أهم الأنْوَاع، ويُضْطَرّ إلى مَعْرِفَتِه جَمِيع العُلَمَاء مِنْ الطَّوائف (١). وقال ابن تيمية: تَعَارُض دَلالات الأقْوَال وتَرْجِيح بَعْضها على بَعْض بَحْرٌ خِضَم (٢). ٢ - أهَمِّيَّة دِرَاسَة هَذا الْجَانِب نَظَرًا لاسْتِغْلالِه مِنْ بَعْض أعْدَاء الْمِلَّة للتَّشْكِيك في صدق القُرْآن، وأنه ليس من عند الله. ٣ - تَجْلِيَة هَذا الْجَانِب، وإبْرَاز أنَّ بَعْض مَا يُعْتَبَر تَنَاقُضًا أوْ تَعَارُضًا إنَّمَا هو من مَحَاسِن التَّعْبِير القُرْآني. ٤ - الذَّبّ عن دِين الإسْلام. فإنَّ الذَّب عن دِين الله إمَّا أن يَكُون بِجِلاد أوْ بِجِدَال. فَـ "أمَّا الْمُعَارِضُون الْمُدَّعُون للحَقّ فَنَوْعَان: نَوْع يُدْعَون بِالْمُجَادَلة بِالتي هي أحْسَن، فإن اسْتَجَابُوا، وإلَّا فَالْمُجَالَدَة؛ فهؤلاء لا بُدّ لَهم مِنْ جِدَال أوْ جِلاد، ومَن تأمَّل دَعْوة القُرْآن وَجَدَها شَامِلَة لِهَؤلاء الأقْسَام،

стр. 5

مُتَنَاوِلَة لَها كُلّها، كَمَا قَال تَعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل: ١٢٥]. فَهَؤلاء الْمَدْعُوُّون بِالكَلام، وأمَّا أهْل الْجِلاد فَهم الذِين أمَرَ الله بِقِتَالِهم حتى لا تَكُون فِتْنَة، ويَكُون الدِّين كُلّه لله" (١). ٦ - زِيَادَة ثِقَة الْمُسْلِمِين بِكِتَاب رَبّ العَالَمِين، خَاصَّة في هذا الوَقْت، الذي كَثُرَت فِيه وَسَائل الاتِّصَال، وأصْبَح الطَّعْن والتَّشْكِيك في الإسْلام والقُرْآن عَلانِيَة، سَوَاء مِنْ قِبَل أعْدَائه، أوْ مِنْ قِبَل بعض أدْعِيَائه! مِمَّا يُؤكَّد ضَرُورَة بَيَان تَهَافُت دَعَاوَى تَنَاقُض القُرْآن، وإزَالَة مَا يَعْلَق بِالذِّهْن مِنْ تَعَارُض مُتَوَهَّم. وبَيَان أنَّ طَرِيقَة أهْل العِلْم في الْجَمْع بَيْن الآيَات هي أحْسَن الطُّرُق، بَلْ هِي الشَّافِيَة الكَافِيَة. ٧ - رَغْبَتِي في خِدْمَة كِتَاب الله وتَفْسِيرِه، فإنَّ مِنْ خِدْمَتِه الذَّبّ والْمُنَافَحَة عنه، وإحْقَاق الْحَقّ، وإبْطَال البَاطِل الذِي أُلصِق بِكِتَاب الله . ورَغْبَتِي في الانْتِظَام في سِلْك أهْل العِلْم الذِين يَنْفُون عن كِتَاب الله وسُنَّة نَبِيِّه ﷺ تَحْرِيف الغَالِين، وانْتِحَال الْمُبْطِلين، وتَأوِيل الْجَاهِلِين، فَقَد وَرَدَ في الْحَدِيث: "يَحْمِل هذا العِلْم مِنْ كُلّ خَلَفٍ عُدُولُه؛ يَنْفُون عنه تَحْرِيف الغَالِين، وانْتِحَال الْمُبْطِلِين، وتَأوِيل الْجَاهِلِين" (٢).

стр. 6

٨ - أنَّ الإمَام القُرْطُبي رَغْم خِدْمَتِهِ للعِلْم إلَّا أنَّ تَفْسِيره لَم يُخدَم - فِيمَا أعْلَم - مِنْ هَذا الْجَانب، وهو جَمْع وإبْرَاز الْمَوَاضِع التي جَمَع فِيها بَيْن الآيَات التي يُتَوَهَّم فِيها التَّعَارُض. الدراسات السابقة حَظِي تفسير القرطبي بِدِرَاسَات كَثِيرَة، وسوف أقْتَصِر على ذِكْر أرْبَعة أنْواع مِنها، وهي على النحو التالي: دِرَاسَات عقائدية، وفيها: مَنْهَج الإمام القرطبي في أُصُول الدِّين - البَاحِث: أحمد بن عثمان بن أحمد المزيد - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. ردود القرطبي على الشيعة، تأليف: مشهور بن حسن بن سلمان. مطبوع. القرطبي والتصوف، تأليف: مشهور بن حسن بن سلمان. مطبوع. دِرَاسَات منهجية، وفيها: القرطبي ومنهجه في التفسير - الباحث: يوسف بن عبد الرحمن الفرت - جامعة القاهرة. القرطبي مُفسِّرا - الباحث: علي بن سليمان العبيد - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. تفسير القرطبي: تحقيق ودراسة في المصادر التفسيرية - الباحث: رشاد أحمد يوسف - جامعة القاهرة. القرطبي ومنهجه في التفسير - الباحث: مفتاح السنوسي أحمد بلعم.

стр. 7

دِرَاسَات فِقْهِيَّة، وفيها: كشاف تحليلي للمسائل الفقهية في تفسير القرطبي، تأليف: مشهور بن حسن بن سلمان، وجَمَال عبد الطيف. مطبوع. دِرَاسَات لُغَوَية، وفيها: القرطبي نحويًا من خلال تفسيره الجامع لأحكام القرآن - الباحثة: فاطنة لمحرش - جامعة محمد الأول. أبو عبد الله القرطبي وجهوده في اللغة في كتابه الجامع لأحكام القرآن - الباحث: عبد القادر رحيم الهيتي. الإعراب والاحتجاج للقراءات في تفسير القرطبي - الباحث: سيدي عبد القادر بن محمد الطفيل - كلية الدعوة - ليبيا. المعنى والإعراب في تفسير القرطبي - الباحث: محمد سعد محمد السيد. القضايا النحوية في تفسير القرطبي - الباحث: كاظم إبراهيم كاظم. أهداف البحث: ١ - درء التعارض، وإزالة توهّم الاختلاف، ودحض دعاوى التناقض بين آيات الكتاب العزيز. ٢ - إبراز جهود العلماء السابقين واللاحقين في دراسة تلك الجوانب، وما أولوها من عناية بالغة. ٣ - دراسة الطرق والأساليب التي اتّبعها القرطبي في الجمع بين الآيات التي ظاهرها التعارض. ٤ - التأكيد على أن الله تكفّل بِحفظ كتابه، ودرء التعارض المُتَوهَّم في القرآن. ٥ - زيادة ثقة المسلمين بِكتاب رب العالمين، وترسيخ الإيمان بالقرآن.

стр. 8

أسئلة البحث: ١ - ما هو التعارض؟ وما حقيقته؟ وما هي أسباب التعارض؟ ٢ - بيان حقيقة التَّعَارُض الْمُتَوهَّم في القرآن؟ ٣ - كيف جَمَع القرطبي بين الآيات التي يُتوهَّم فيها التعارُض؟ ٤ - ما هي الطّرق التي يتبعها القرطبي للجمع بين الآيات؟ ٥ - هل أفاد القرطبي ممن سبقوه، وهل أفاد منه من أتى بعده؟ ٦ - ما هي خلاصة الجمع بين الآيات؟ إجراءات البحث: أ- دراسة كاب "الجامع لأحكام القرآن" للإمام القرطبي، واستخلاص منهجه في الجمع بين الآيات التي تُوهّم التَّعارض. ويتضمّن ذلك ما يلي: دراسة حقيقة التعارض، وهل هو تَوهّم وارد فِعلًا؟ أو هو تَوهّم ناشئ عن تَوهّم؟ أو هو نتيجة مُقَرر سابق؟ وهل هذا التوهّم متأثّر بِمُعْتَقَد الْمُفَسِّر؟ ب- إجراء مُقارنة في بعض المواطن بين أسلوب القرطبي وغيره من المفسِّرين ممن سَبقوه أو ممن أتوا بعده فتأثّروا بطريقته، ويُقتصَر في الدراسة على خمسة أمثلة في كل مبحث. ويُبرِز الباحث في الأمثلة التي يدرسها ما يلي: جواب القرطبي باختصار. مُقارنة جوابه وجَمْعه بجَمْع غيره من العلماء. رأي الباحث. منْهَج الباحث: أولًا: جَعَلتُ البحث في ثلاثة فُصُول هي على النحو التالي:

стр. 9

الفصل الأول: في طُرق دفع توهّم التعارض بين الآيات، وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: من خلال النَّسْخ. المبحث الثاني: فيما يتعلّق بالخصوص والعموم. المبحث الثالث: مِنْ خلال القول بالتقديم والتأخير. المبحث الرابع: فيما يتعلّق باختلاف المناسبة. وقد تَضَمَّن هذا الفَصْل عشرين مِثَالًا في كُلّ مَبْحَث خَمْسَة أمْثِلَة. والفصل الثاني: في منهج الإمام القرطبي في دفع التعارض، وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: الجمع بين الآيات بالاستدلال بالأحاديث المرفوعة. المبحث الثاني: الجمع بين الآيات من خلال إيراد أقوال السلف. المبحث الثالث: الاحتكام إلى اللغة العربية وقواعدها لِدفع التعارض المتوهّم. المبحث الرابع: منهجه في إيراد الآية وما يُتوهّم تعارضه معها، وفيه مطلبان: المطلب الأول: الجمع بين الآيات بإيراد الآية وما يُعَارِضُها في الظاهر. المطلب الثاني: الجمع بين الآيات والاكتفاء بالإشارة إلى معنى الآية المقابِلة. وقد تَضَمَّن هذا الفَصْل تِسْعَة عَشَر مِثَالًا. والفصل الثالث: في عناية الإمام القرطبي بِالْجَمْع بين الآيات وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: إفادة القرطبي ممن سَبقوه، وإفادته لمن أتوا بعده، وموافقة غيره له. المبحث الثاني: الفَرْق بين كشف معنى الآية بإكثار الأقوال والعناية بِدفع توهّم التعارض، ومظانّ الجمع بين الآيات. المبحث الثالث: أثر عقيدة القرطبي في توهّم التعارض.

стр. 10

وقَدَّمْتُ بِتَمْهِيد تَضَمَّنَ: - ترجمة الإمام القرطبي، وبيان عقيدته باختصار. - أهمية تفسير القرطبي بين التفاسير، وما تميّز به. - معنى التعارض، وحقيقته، وأهمية دفعه. وخَتَمْت البحث بِخاتِمَة وفيها أبْرَز النَّتَائج وأهَمّ التَّوْصِيَات. ثم أعْقَبْتُ ذلك بالفهارس العامة للبحث. وطَرِيقَتِي في أمْثِلَة هَذا البَحْث أن أُورِد في الْمِثَال مَا يُتَوهَّم تَعَارُضه مِنْ آيات - مِنْ غير حَصْرٍ للآيَات في المثال الواحِد -، فقد يَتَكرَّر وُرُود الآيات في أكْثَر مِنْ مَوْضِع، فأُورِد مَوْضِعًا أو مَوْضِعَين، إذْ بِهما يَتَحقَّق الْمَقْصُود. ثم أُوَضِّح صُورَة التَّعَارُض، وأُعْقِبه بجَمْع القرطبي بَيْن الآيَات وطَرِيقتِه في دَفْع تَوَهُّم التَّعَارُض، ثم أُلَخَّص جَوَاب القرطبي في نُقَاط مُحَدَّدَة مُخْتَصَرَة. وأُجْرِي مُقارَنَة بَيْن جَمْعِه وجَمْع غيره مِنْ العُلَمَاء، وحَرَصْتُ على أن تَكُون تِلك الْمُقَارَنَة بَيْن مَنْ سَبَقُوه وبَيْن مَنْ أتَوا بَعْدَه. وأخْتِم كُلّ مِثَال بِـ "رَأي البَاحِث"، أُوَضِّح فيه مَا تَبَيَّن لي مِنْ خِلالِ مُعَايَشَة أقْوَال الْمُفَسِّرِين، مع ما يَعِنّ مِنْ رَأي مُدَعَّم بِدَلِيل نَقْليّ أو عَقْلِيّ. وعندما أذْكُر أسْمَاء الأئمَّة الأعْلام فإني أذْكُرَها مُجَرَّدَة عن الأوْصَاف، مُتَّبِعًا مَنْهَجًا عِلْمِيًّا صِرْفًا، وليس لِحَاجَة في النَّفْس! ثم إن أكابر أتْبَاع الأَئمة أصْحَاب الْمَذَاهِب الْمَتْبُوعَة يَذْكُرُون أسْمَاء الأئمة مُجَرَّدَة عن كُلّ وَصْف (١).

стр. 11

كَمَا أني لم أُتَرْجِم للأعلام أثْنَاء بَحْثِي، واعْتَضْتُ عن ذلك بفوائد ومُلَح لُغَويَّة وحديثية رأيت أنها تُفيد القارئ أكثر مِنْ مُجرّد ترجمة في سطر أو سطرين. وفي التَّخْرِيج لَم ألْتَزِم اسْتِيعَاب التَّخْرِيج؛ لأنه ليس مَقْصدًا أصلِيًّا في البَحْث، واكْتَفَيت بالعَزو بِرَقْم الْحَدِيث، خاصَّة مع توفَّر طَبَعَات الكُتُب وتَرْقِيمها، وهو أسْهَل في الرُّجوع إلى رقم الْحَدِيث. وأذكُر خُلاصَة الْحُكْم على الْحَدِيث مُسْتَفِيدًا مِنْ تَخْرِيجات أصْحَاب الشَّأن. وأسْتَثْنِي مِنْ ذلك مَا إذا كان الْحَدِيث مُخَرَّجًا في الصَّحِيحَين أو في أحَدِهما، فإنَّ شُهْرَة الصَّحِيح أغْنَت عن الْحُكْم على الْحَدِيث. كَمَا أني لَم الْتَزِم عَزْو كُلّ قَوْل إلى قَائِله، خَاصَّة في أقْوَال أئمة مُفَسِّرِي السَّلَف مِنْ الصحابة والتابعين؛ لأنَّ مِنْ شأن ذلك إطالة البَحْث وإتْخَامه بِالْحَوَاشِي. واسْتَثْنَيتُ مِنْ ذلك مَا دَعَت الْحَاجَة إلى تَخْرِيجه وعَزْوِه؛ كأن يَكون القَوْل لا يَصِح عن ذلك الإمَام، أو وُجِد اخْتِلاف في الْمَنْقُول عنه، ونحو ذلك. ومِثْلُه مَا يَتَعَلَّق بأقْوَال الْمُفَسِّرِين في كُتُبهم؛ فإني لا أعْزُوها في الغَالِب إلى مَوَاضِع الكُتُب، إلَّا ما دَعَتِ الْحَاجَة إليه؛ فإذا نَقَل الْمُتَأخِّر عن الْمُتَقَدِّم قَولًا فإني أتْرك عَزوه قَصْدًا، إلَّا بِقَدْر الْحَاجَة؛ لِوُجُود اخْتِلاف ونحوه. وقد أَطَلْتُ في إيرَاد أقْوَال بعْض الْمُفَسِّرِين، وعُذْرِي في ذلك أنهم أطَالُوا في الأصْل فقد يَكُون الْمُفَسِّر قَرَّر مسألةً مَا في عَشْر صَفَحَات، فإذا اخْتَصَرْتُ ذلك في صَفْحَة واحِدة، فإني أرَى أني اخْتَصَرْت، وعُذْر آخَر، وهو أنه لا يَسْتَبِين وَجْه وقُوَّة جَوَاب العَالم إذا مَا اخْتَصَرْتُه جدًّا. هذا ولَم أسْتَوْعِب جَمِيع الْمَواضِع التي دَفَع عنها القرطبي تَوَهُّم التَّعَارُض؛ لِكَون هذا البَحْث ليس اسْتِقْرَائيًّا، وقد رَأت لجْنَة مَسَار التفسير الاكْتِفاء بِخَمْسَة أمثِلة في كل مَبْحَث، والْتَزَمْتُ ذلك في الْغَالِب إلَّا مَا رَأيتُ أنَّ مَا سَبَقَه مِنْ مَبَاحِث خَدَم ذلك الْمَبْحَث، فَزِيَادَة الأمْثِلَة إطَالَة وتِكْرَار.

стр. 12

وأتقَدَّم بِجزِيل شُكْرِي إلى أستاذي الفاضل وشيخي الكَرِيم د. ناصر بن محمد المنِيع - حفظه الله - فهو الْمُشْرِف على هذا البَحْث، وقد أسْعَدَني بِحِرْصِه الذي كان دَفِعًا لإنْهَاء هَذا البَحْث، كَمَا أتحَفَني بِملْحُوظَاته، وأفادَنِي بِتَوْجِيهَاتِه. فَشَكَرَ الله سَعْيَه، ويَسَّر له أمْرَه، وجَزَاه عَنِّي خَيْر الْجَزَاء وأوْفَاه وأَوْفَرَه. كَمَا أتقَدَّم بِالشُّكْر لِكُلّ مَنْ أفادني بِفَائدَة، وأخُصّ أسَاتِذَتِي في هَذِه الدِّرَاسَة العُلْيَا وكُلّ مَنْ وَجَّه وأقَام الاعْوِجَاج. وأعْتَذِر عن كُل تَقصِير يَرَاه قارئ هذا البَحْث؛ إذ "لو عُورِض كِتَاب سَبْعِين مَرَّة لَوُجِد فيه خَطأ، أبَى الله أن يَكُون كِتَاب صَحِيحًا غَير كِتَابِه" (١). وعُذْري كَثْرَة الشَّواغِل والصَّوَارِف، مَع قِصَر البَاع، وتَحْدِيد زَمَن البَحْث. "فَمَنْ وَقَف على هذا الكِتاب مِنْ أهْل العِلْم، ورَأى فِيه شيئًا مِنْ الْخَلل فلا يَعْجَل بِالْمُؤَاخَذَة! فأني تَوَخَّيْتُ فيه الصِّحَّة حَسْب مَا ظَهَر لي، مع أنه كَمَا يُقَال: أبَى الله أن يَصِحّ إلَّا كِتَابه. لكن هذا جُهْد الْمُقِلّ، وبَذْل الاسْتِطَاعَة، ولا يُكَلِّف الله نَفْسًا إلَّا وُسْعَها، ولا يُكَلِّف الإنْسَان مَا لا تَصِل قُدْرَته إليه، وفُوْق كُلّ ذِي عِلْم عَليم" (٢). كَمَا أنَّ النَّاظِر في الكِتَاب أبْصَر بمواقِع الْخَلل، فقد راجَعْتُ هذا البحث أكثر مِنْ أربع مرّات، وفي كُلّ مرة يَظهر مِنْ الْخَطَأ ما لَم يَظهر في السابق، وهذا هو شأن أي عَمل بشري أنه لا يَخلو من نَقص وخَلل. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: عَارَضْتُ بِكِتَابٍ لأَبِي ثلاث عشرة مَرَّة، فَلَمَّا كان في الرَّابِعَة (٣) خَرَج فيه خطأ! فَوَضَعَه مِنْ يَدِه، ثم قال: قد أَنْكَرْتُ أن يَصِحّ غَير كِتَاب الله (٤). والله الْهَادي إلى سَوَاء السَّبِيل. كتبه/ عبد الرحمن بن عبد الله بن صالح السحيم.

стр. 13

التمهيد ويَتضَمَّن هذا التَّمْهيد: - تَرْجَمَة الإمَام القرطبي، وبَيَان عَقِيدَتِه بِاخْتِصَار. - أهَمِيَّة تَفْسِير القُرْطُبي بَيْنَ التَّفَاسِير، ومَا تَمَيّز به. - مَعْنَى التَّعَارُض، وحَقِيقَته، وأهَمِّيَّة دَفْعِه. أولًا: تَرْجَمَة الإمام القرطبي، وبَيَان عَقِيدَتِه بِاخْتِصَار. تَتَلَخَّص تَرْجَمَة القرطبي في النُّقَاط الآتِيَة بِاخْتِصَار: اسمه: محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فَرْح (١). نَسَبه: الأنْصارِي الْخَزْرَجِي. نسبته: الْمَالِكِيّ (٢) القُرْطُبي. كنيته: أبو عبد الله (٣). مولده ونشأته: وُلِد القرطبي بِقُرْطُبة، ونُسِب إليها، بل أصْبح أشْهَر عَلَمٍ مِنْ أعلامِها (٤).

стр. 14

رحلاته: تَلَقَّى القرطبي في قرطبة "ثَقَافَة وَاسِعَة مِنْ الفِقْه والنَّحْو والقِرَاآت وغَيْرِها على جَمَاعة مِنْ العُلَمَاء الْمَشْهُورِين" (١). ثم انْتَقَل القرطبي إلى مِصْر، "واسْتَقَرّ بِها، وأخَذ عن عُلَمَائها، يُؤكِّد هذا أنه أَخَذ في "الإسْكَندرية" عن شيخه أبي محمد عبد المعطي اللخمي (المتوفَّى سنة ٦٣٨) " (٢). وقد رَحَل إلى الْمُدُن المصرية التالية: الإسكندرية. المنصورة. القاهرة. منية بني خصيب: وهي تلك المدينة التي اسْتَقَرّ بها الإمام القرطبي، ومات بها" (٣). ونَزَل القرطبي مرّة "الفَيُّوم" بِرِفْقَة القَرافي" (٤). مشايخه: أ- مِنْ أبُرَزِهم في الأنْدَلس: ١ - ابن أبي حجة، وهو أبو جعفر أحمد بن محمد بن القيسي. من أهل قرطبة (٥). "وقد اسْتَفَاد إمامُنا مِنْ شَيْخِه هذا كثيرًا، لا سِيما إذا عَلِمْنا أنَّ ابن أبي حجة كان نَحويًا ومُحدِّثًا وفَقِيها، بالإضَافَة إلى كَونه مُقْرِئا (٦). ٢ - أبو سليمان ربيع بن عبد الرحمن بن أحمد بن أُبيّ الأشعري. وهو مِنْ أهل قُرطبة أيضًا، وآخِر قُضَاتِها (٧).

стр. 15

٣ - أبو عامر يحيى بن عبد الرحمن بن أحمد بن ربيع الأشعري. "ذَكَرَه القرطبي، ونَعَتَه بـ "الشيخ الفقيه الإمام الْمُحدِّث القاضي" (١). وقال الذهبي عنه: القرطبي صَاحِب التَّصَانِيف الكَلامِيَّة، ووَالِد الْمُتَكَلِّم أبي الحسين محمد، تُوفِّي بِمَالقة (٢). ٤ - أبو الحسن علي بن قُطْرَال. "هو القاضي العَلامَة القُدْوة أبو الحسن علي بن عبد الله بن محمد بن يوسف الأنْصَاري القُرطبي الْمَالِكِيّ" (٣). ٥ - أبو محمد بن حَوْط الله. "هو الحافظ الإمام مُحدِّث الأندلس، أبو محمد عبد الله بن سليمان بن داود بن حَوْط الله الأنصاري الحارثي الأندلسي" (٤). ب- مِنْ أبرزهم في مصر: ١ - أبو العباس القرطبي، صَاحِب "الْمُفْهِم في شَرح مُسلم" وهو أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر الأنصاري الْمَالِكِيّ الفَقِيه، الْمُحَدِّث الْمُدَرِّس الشَّاهِد بِالإسكندرية وُلِد بِقُرْطُبة سنة ٥٧٨، وسَمِع الكثير هنالك، ثم انْتَقَل إلى الْمَشْرِق واشْتَهَر وطَارَ صِيتُه، وأخَذ النَّاس عنه، وانتفعوا بِكُتُبِه، وقَدِم مِصر وحَدَّث بِها، واخْتَصَر الصَّحِيحَين، وكان بَارِعًا في الفِقْه والعَرَبِيَّة، عَارِفًا بِالْحَدِيث، ومِمَّن أخَذَ عنه القرطبي صَاحِب التَّذْكِرَة (٥). وقد أكثر القرطبي الْمُفَسِّر النقل عن أبي العباس القرطبي في تَفْسِيرِه، ويَنْعَتُه كَثِيرًا بـ "شيخنا أبي العباس" وبـ "الإمام أبي العباس"، ويَتَرضَّى عنه كَثِيرًا. وقال مَرَّة: قال شَيخنا الفقيه الإمام أبو العباس أحمد ﵁ (٦).

стр. 16

وقال أخرى: شيخنا الإمام أبو العباس .... (١). وقال ثَالِثة: قال شيخنا الإمام أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي في كِتاب "الْمُفْهِم" له … (٢). ٢ - أبو محمد بن رَوَاج، وهو رشيد الدين أبو محمد عبد الوهاب بن رَواج (٣)، واسمه ظافر بن علي بن فتوح بن حسين الأزْدِي القُرشي حَلِيفهم، الإسْكَنْدَرَاني الْمَالِكِيّ الْجَوْشَنِيّ" (٤). و"أسمع مِنْ ابنِ رواج، ومِن الجميزي، وعِدّة" (٥). ٣ - أبو محمد عبد المعطي بن أبي الثناء اللخمي، وهو عبد المعطي بن محمود بن عبد المعطي بن عبد الخالق، الإسكندري، ثم الْمَكِّيّ، الفقيه الصَّوفي (٦). أوْرَده في غير موضع من التَّفْسِير، فمن ذلك قوله: ذَكَر شيخنا أبو محمد عبد المعطي الأسكندراني ﵁ (٧). وسمعت شيخنا الإمام أبا محمد عبد المعطي بثغر الإسكندرية (٨). وقد ذَكَر شيخنا الإمام أبو محمد عبد المعطي بن محمود بن عبد المعطي اللخمي (٩). ٤ - أبو الحسن علي بن هبة الله اللخمي، المعروف بـ "ابن الجمّيزي". "هو شَيخ الدِّيَار المصرية العَلامَة المفتي المقرئ بهاء الدين أبو الحسن علي بن هبة الله بن سَلامة بن الْمُسَلَّم اللخمي المصري الشافعي" (١٠).

стр. 17

وقد رَوى الكثير عن ابن الجميزي، وسَمِع منه (١). تلاميذه: رَوى عنه بِالإجَازة ولَده الشِّهاب أحمد (٢). ومِن تلاميذه: "أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير بن محمد بن إبراهيم بن الزبير العاصمي الغرناطي. و"إسماعيل بن محمد بن عبد الكريم الخراستاني". و"أبو بكر محمد بن الإمام الشهيد كمال الدين أبي العباس أحمد بن أمين الدين الميموني القسطلاني المصري الفَقِيه المالكي". و"ضياء الدين أحمد بن أبي السعود بن أبي المعالي البغدادي" (٣). ومحمد بن إبراهيم بن عبد الملك الأزدي، من أهل قيجاطة، يُعْرَف بالقَارجي، سَمِع بِالقاهرة أبا عبد الله القرطبي (٤). "وسَمِع مِنْ الخشوعي وغيره، وبِمِصْر مِنْ أبي عبد الله القرطبي، ثم رجع وأخذ القراءات عن أبي جعفر الحصار، وأقْرَأ بِمَرْسية، توفي في المحرم سنة ثلاث وأربعين وسِتّ مِئة" (٥). وفاته: توفي القرطبي بمنية بني خَصيب مِنْ الصعيد الأدنى سنة إحدى وسبعين وستمائة (٦) وذلك "بعد أن اسْتَقَرّ القرطبي بِمِصْر قُرَابة ثَمَانية وثلاثين عَامًا .... تَوفَّاه الله .... وكان

стр. 18

ذلك ليلة الاثنين، التاسع من شوّال، سنة إحدى وسبعين وسِتمائة. وهذا يَكَاد يَكون مَوْضِع اتِّفاق بين الكُتُب التي تَرْجَمَت له" (١). آثاره: أشهر مؤلَّفات القرطبي: ١ - كِتاب "الجامع لأحكام القرآن"، وهو "التفسير الْمَشْهُور الذي سَارَتْ به الرُّكبان" (٢). ٢ - كتاب "التذكرة في أحوال الموتى وأمُور الآخرة" (٣). "وهو كِتاب مَشْهُور في مُجَلَّد ضَخْم (٤). ٣ - كِتاب "الأسْنَى في أَسمَاء الله الْحُسْنَى" (٥). ٤ - كتاب "التِّذْكَار في أفْضَل الأذْكَار" (٦). ٥ - كتاب "قَمْع الْحِرْص بِالزُّهْد والقَنَاعَة وَرَدّ ذُلّ السُّؤالِ بِالكَسْب والصِّنَاعَة (٧). والصِّنَاعَة".

стр. 19

قال ابن فرحون: لم أقِف على تَأليف أحْسَن مِنه في بَابِه (١). ٦ - كتاب "الإعلام بِما في دِين النَّصَارَى مِنْ الْمَفَاسِد والأوْهَام وإظْهَار مَحَاسِن دِين الإسلام" (٢). ٧ - كتاب "منهج العُبَّاد ومَحَجَّة السَّالِكين والزُّهَّاد" (٣). ٨ - كتاب "الْمُقْتَبس في شرح موطأ مالك بن أنس" (٤). ٩ - كتاب "الأعلام في معرفة مَولِد المصطفى ﵊" (٥). ١٠ - "أرْجُوزَة جَمَع فِيها أسْمَاء النبي ﷺ " (٦). ثناء العلماء عليه: قال عنه الصَّفَدِي: أمام مُتَفَنِّن مُتَبَحِّر في العِلْم، له تَصانيف مُفيدة تَدُلّ على كثرة اطِّلاعه، ووفُور فَضْله (٧) .... وقد سارتْ بِتفسيره الرُّكبان، وهو تفسير عظيم في بَابِه، وله كتاب "الأسْنَى في أسماء الله الْحُسْنَى"، وكتاب التذكرة وأشياء تَدُلّ على إمَامَتِه، وكَثْرة اطِّلاعِه (٨).

стр. 20

وقال عنه ابن فرحون: الشَّيْخ الإمَام أبو عبد الله الأنصاري الأنْدَلُسي القرطبي، الْمُفَسِّر، كان مِنْ عِبَاد الله الصَّالِحِين، والعُلَمَاء العَارِفِين الوَرِعِين الزَّاهِدِين في الدُّنيا الْمَشْغُولِين بِمَا يَعْنِيهم مِنْ أمُور الآخِرَة، أوْقَاتُه مَعْمورَة مَا بَيْن تَوَجُّه وعِبَادَة وتَصْنِيف (١) وتَصْنِيف (٢). وقال: جَمَع في تَفْسِير القُرْآن كِتَابًا كَبِيرًا في اثْنَي عَشَر مُجَلَّدًا، سَمَّاه كِتاب "جَامِع أحْكَام القرآن والْمُبِين لِمَا تَضَمَّن مِنْ السُّنَّة وآي القُرآن" وهو مِنْ أجَلّ التَّفَاسِير وأعْظَمها نَفْعًا، أسْقَط مِنه القَصَص والتَّوَارِيخ وأثْبَت عِوَضَها أحْكَام القرآن واسْتِنْبَاط الأدِلَّة، وذَكَر القِرَاءات والإعْرَاب، والنَّاسِخ والْمَنْسُوخ (٣). قال ابن فَرْحُون وهو يَذْكُر مُؤلَّفَات القرطبي: وكِتاب "التِّذْكَار في أفْضَل الأذْكَار" وَضَعَه على طَرِيقَة "التِّبْيَان" للنووي، لكن هذا أتَم مِنه، وأكْثَر عِلْمًا (٤). وقال عن كتاب "قَمْع الْحِرْص بِالزُّهْد والقَنَاعَة وَرَدّ ذُلّ السُّؤالِ بِالكَسْب والصِّنَاعَة": لَم أقِف على تَألِيف أحْسَن مِنه في بَابِه (٥). وقد أحْسَن ابن تيمية الثَّنَاء على القرطبي، حيث سُئل ابن تيمية "أيّ التَّفَاسِير أقْرَب إلى الكِتَاب والسُّنَّة؟ الزمخشري، أم القرطبي، أم البغوي أوْ غير هؤلاء؟ " فكان مِمَّا أجَابَ بِه - مُقَارِنًا بين تفسير القرطبي وبين تفسير الزمخشري: وتَفْسِير القرطبي خَيْر مِنه بِكَثِير، وأقْرَب إلى طَرِيقَة أهْل الكِتَاب والسُّنَّة وأَبْعَد عن البِدَع (٦).

стр. 21

بيان عقيدة القرطبي باخْتِصَار: ويَتَلَخَّص القَوْل فيها في النُّقَاط التَّالِية أيضًا: إثْبَات الأسْمَاء والصِّفَات في الغَالِب: إثْبَات صِفَة الاسْتِوَاء: فقد قَرَّر القرطبي مَسْألَة الاسْتِوَاء على طَرِيقَة السَّلَف بِحيث نُقِلَ عنه ذلك التَّقْرِير، فقد نَقَله غَير وَاحد مِنْ العُلَمَاء الْمُحقِّقِين، ومِمَّن نَقَله: ابن تَيمية في "دَرْء تَعَارُض العَقْل والنَّقْل" (١) حيث قال: وقال أبو عبد الله القرطبي المالكي - لَمَّا ذَكَر اخْتِلاف النَّاس في تَفْسِير الاسْتِوَاء - قال: وأظْهَر الأقْوَال مَا تَظَاهَرَتْ عليه الآي والأخْبَار والفُضَلاء الأخيار أنَّ الله على عَرْشِه كَمَا أخْبَر في كِتَابِه وعلى لِسَان نَبِيِّه بِلا كيف، بَائن مِنْ جَمِيع خَلْقِه. هذا مَذْهَب السَّلَف الصَّالِح فيما نَقَل عنهم الثِّقَات (٢). ثم ذَكَر ابن تيمية مَا قَرَّرَه القرطبي في تَفْسير آية "الأعراف" (٣). وابن القيم ضَمْن أقْوَال أئمَّة التفسير في مَسْألَة الاسْتِوَاء، حيث ذَكَر "قول أبي عبد الله القرطبي الْمَالِكي صَاحِب التفسير الْمَشْهُور، ﵀" (٤). ونَقَلَه الذهبي في مَقَالات الأئمَّة في إثْبَات العُلُوّ (٥). ونَقَلَه مَرْعي الحنبلي في "أقاويل الثِّقَات" (٦). كَمَا نَقَلَه الْحَازِمِيّ في "كِتَاب الصِّفَات" (٧).

стр. 22

وأمَّا مَا جاء عنه في كِتاب "الأسْنَى في شَرْح أسْمَاء الله الْحُسْنَى" (١) مِنْ عِبَارة: أظْهَر الأقْوَال - وإن كُنْتُ لا أقُول بِه ولا أخْتَارُه - مَا تَظَاهَرَتْ عليه الآيُ والأخْبَار والفُضَلاء الأخْيَار؛ أنَّ الله سُبحانه على عَرْشِه كَمَا أخْبَر في كِتَابِه بِلا كيف، بَائن مِنْ جَمِيع خَلْقِه؛ هذا جُمْلَة مَذْهَب السَّلَف الصَّالِح. فهذه الْجُمْلَة - وإن كُنْتُ لا أقُول بِه ولا أخْتَارُه - مُحْتَمِلة لأمْرين: الاحْتِمَال الأول: أن تَكُون مُتَقَدِّمَة على تَقْرِير عَقِيدَة السَّلَف في الاسْتِوَاء، كَمَا قَرَّرَها في التفسير. وكِتَاب "الأسْنَى" مُتَقَدِّم على التفسير، فَهو يُحِيل عليه في التفسير كَثِيرا، فقد أحَال عليه في أكْثر مِنْ ثَلاثين مَوْضِعًا (٢). فَعَلى افْتِرَاض ثُبُوت تلك الْجُمْلَة عن القرطبي فهي في كِتاب مُتقدِّم، وتَقْرِير عَقيدة السَّلَف في التفسير، وهو كِتَاب مُتأخِّر، والْمُتأخِّر يَقْضِي على الْمُتَقَدِّم إذا تَعَارَضَ كَلام العَالِم. الاحْتِمَال الثاني: أن تَكُون مُقْحَمة في الكِتَاب؛ وهذا أرجَح، لِعِدَّة اعْتِبَارَات: الأوَّل: أن ابن تيمية نَقَل عنه قوله دُون تِلك الْجُمْلَة (٣)، وابن تيمية يُعتبر مُعاصِرًا للقرطبي، إذ أنَّ وِلادَة ابن تيمية سنة ٦٦١ هـ (٤) ووفاة القرطبي سنة ٦٧١ هـ، وعلى هذا يُعْتَبَر ابن تيمية أقْدَم مَنْ نَقَل عِبَارة القرطبي، وأقْرَب النَّاس إلى زَمَانِه.

стр. 23

الثَّاني: أن عِبَارَة القرطبي لا تستقيم بِتلك الْجُمْلَة، إذ قَرَّر أن "أظْهَر الأقْوَال" في تِلك الْمَسْألَة، هو "مَا تَظَاهَرَتْ عليه الآيُ والأخْبَار والفُضَلاء الأخْيَار"، وأنَّ "هذا جُمْلَة مَذْهَب السَّلَف الصَّالِح"، ثم يُناقِضه بِتِلك الْجُمْلَة! فهذا لا يَسْتَقِيم. الثَّالث: أنَّ مَنْهَج القرطبي يَرُدّ تِلك الْجُمْلَة؛ إذ لا يُعْرَف عنه رَدّ الأحَادِيث الصَّحِيحَة بِغَير تَأويل. ومن تَتبَّع تفسيره عَرَف ذلك، فهو لا يَتَرَدَّد أن يَقول بِمَا يَدُلّ عليه الْحَديث إذا كان صَحِيحًا عنده، وإن ضَعَّفه غيره، ومِثَال ذلك: أنه لَمَّا نَقَل عن ابن العربي تَضْعِيف حَديث مَنْ قَتَل عَبْدَه قَتَلْنَاه، تَعَقَّبَه بِقوله: هذا الْحَدِيث الذي ضَعَّفَه ابن العربي، وهو حَدِيث صَحِيح، أخْرَجَه النسائي وأبو داود (١). فَيَبْعُد أن يَعْلَم القرطبي تَظَاهُر الآي والأخْبَار ثم يَعْمَد إلى مُخالَفتِها. الرَّابع: أنَّ مَجْمُوع عبَارَة القرطبي لا يُشْعِر بسياق من يُريد رَدّ الكَلام، إذ حشَد الدَّلائل على قوله مما تقَدَّم في عِبَارَته. الْخَامِس: أنَّ عِبَارة "لا أقُول بِه" لَم تَرِد في تفسير القرطبي إطْلاقًا! لا في هذه الْمَسْألَة ولا في غَيرها. وهذه الْجُمْلَة نَقَلها مَرْعِي الحنبلي وتَعَجَّب منها، إذ يَقُول: والعَجَب من القرطبي حَيث يَقُول: وإن كُنْتُ لا أقُول بِه ولا أخْتَارُه. ولعله خَشِي مِنْ تَحْرِيف الْحَسَدَة، فَدَفَع وَهمَهم بِذَلك (٢). ومَا اعْتَمَده "عبد الله البَرَّاك" في تحقيق كِتَاب "العُلو" (٣) أنَّ القرطبي يَمِيل إلى مَذْهَب الأشَاعِرَة في كَثير مِنْ مَسَائل الاعْتِقَاد، فَهو يُثبِت عُلُوّ القَدْر والقَهْر، لا عُلُوّ الذَّات … ورَبَط "البَرَّاك" بَيْن صِفَة العُلُو وبَيْن صِفَة الاسْتِواء، إذ يَقُول عن القرطبي: وقال عَنْ العُلُو - وهو وثيق الصِّلَة بالاسْتِوَاء -: فَعلُوّ الله تَعَالَى وارْتِفَاعُه عِبَارَة عن عُلُوّ مَجْده، وصِفَاتِه، ومَلَكوتِه.

стр. 24

ومَا اعْتَمَده "عبد الله البَرَّاك" في تحقيق كِتَاب "العُلُو" (١) أنَّ القرطبي يَمِيل إلى مَذْهَب الأشَاعِرَة في كَثير مِنْ مَسَائل الاعْتِقَاد، إذْ يُثبِت عُلُوّ القَدْر والقَهْر، لا عُلُوّ الذَّات .... ورَبَط البَرَّاك بَيْن صِفَة العُلُو وبَيْن صِفَة الاسْتِواء، إذ يَقُول عن القرطبي: وقال عَنْ العُلُو - وهو وثيق الصِّلَة بالاسْتِوَاء -: فَعُلُوّ الله تَعَالَى وارْتِفَاعُه عِبَارَة عن عُلُوّ مَجْده، وصِفَاتِه، ومَلَكوتِه - ليس دَقيقا، لِكون القرطبي مُضطرِبًا في بعض مسائل الاعتقاد. وكُنتُ قَدِيما سَألْتُ شَيْخَنا عبد الكريم الْخضير عن عَقِيدَة القُرْطُبِيّ، وأنه ليس مُتَأوِّلًا بإطلاق، فقال: هو مُضْطَرِب في العَقِيدَة. وقال شيخنا زيد بن عمر عن الْمَدْرَسَة الأنْدَلُسِيَّة في التَّفْسِير: ويُمكِنُنا القَوْل بأنَّ رأي الْمَدْرَسَة مِنْ صِفَات الأفْعَال كان مُضْطَرِبًا (٢). فَعَلَى هذا لا يَصِحّ أن يُصَنَّف القرطبي على أنه مُسَايِر لأهل التَّأوِيل. والإنْصَاف يَقْتَضِي أن يُثبَت ما أثْبَتَه مُوَافِقًا للسَّلَف فيه، ويُبَيَّن مَا وَقَع في تَأوِيلِه. كَمَا أثْبَت القرطبي رُؤية الْمُؤمِنِين لِربِّهم يَوْم القِيَامَة، وسَيَأتي تَفْصِيل هَذه الْمَسْألَة في الفَصْل الثَّالث. وأثْبَت صِفَة "الْمَكْر" مُسْتَدِلًّا بِقَولِه ﵊: "وامْكُر لي ولا تَمْكُر عليّ" (٣)، إذ يَقُول: فَعَلَى هَذا جَائز أن يُقال: يَا خَيْر الْمَاكِرِين امْكُر لِي ولا تَمْكُر عليّ (٤).

стр. 25

وقال بإثْبَات مَعاني الصِّفَات، حيث يَقُول: وثَبَت بِنَصّ هذه الآيَة (١) القُوَّة لله بِخِلاف قَوْل الْمُعْتَزِلة في نَفْيِهم مَعَانِي الصِّفَات القَدِيمة (٢)، تَعَالى الله عن قَوْلِهم (٣). فليس يَصِحّ أن يُقَال عنه: "لَم يُثْبِت لله سِوَى الصِّفَات السَّبْع" (٤). كَمَا أنَّ القَوْل بأنَّ القرطبي في "الأسْمَاء والصِّفَات … قد ذَهَب إلى مَا ذَهَب إليه الأشاعرة في هذا البَاب، فَجَمِيع الصِّفَات الوَارِدَة في تَفْسِيرِه أوَّلَها، ونَقَل أقْوَال الْمُؤوِّلَة فيها، إلَّا الاسْتِوَاء" (٥) ليس قَوْلًا فاحِصًا، ولا مُنْصِفًا. وقد تأوَّل القرطبي بَعض صِفَات الله ، تأثُّرًا بِمَدْرَسَة الأشاعِرَة، وليس أشْعَرِيًّا، وقد تأثَّر القرطبي كَثيرًا بِابن عطِيَّة، إلَّا أنه لَم يَكُنْ مُقَلِّدًا له. "والقرطبي كان مُتَأوِّلًا، وإن خَالَف ابن عطية في بعض الْمَعَانِي الْمُؤوَّل إليها" (٦). ومِمَّا تأوَّله القرطبي مِنْ صِفَات البَارِي : صِفَة الوَجْه، تَأوَّلَها بالوُجُود، إذ يَقُول: "فَالوَجْه عِبَارَة عن وُجُودِه وذَاتِه سُبْحَانه" (٧)، بينما أثْبَت صِفَة الوَجْه لله ﵎ في مَوَاضِع أُخْرَى (٨). وسيأتي مَزِيد بَيَان في الفَصْل الثَّالِث. وصِفَة الْمَجيء، إذ يَقول في قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ) [البقرة: ٢٩]: والقَاعِدَة في هَذه الآيَة ونَحْوها مَنْع الْحَرَكَة والنُّقْلَة (٩).

стр. 26

وفي قوله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ) [البقرة: ٢١٠] نَقَل أقْوَالًا في مَعْنَى الْمَجِيء، وخَتَم تَفْسِير الآيَة بقَولِه: ولا يَجُوز أن يُحْمَل هذا ومَا أشْبَهَه مِمَّا جَاء في القُرْآن والْخَبَر على وَجْه الانْتِقَال والْحَرَكَة والزَّوَال؛ لأنَّ ذلك مِنْ صِفَات الأجْرَام والأجْسَام، تَعَالى الله الكَبير الْمُتَعَال ذو الْجَلال والإكْرَام عن مُمَاثَلَة الأجْسَام عُلُوًّا كَبِيرًا (١). ويَقُول في مَوْضِع آخَر: والقَاعِدة تَنْزِيهه جَلَّ وعَزّ عن الْحَرَكَة والانْتِقَال وشَغْل الأمْكِنَة (٢). وسيأتي مَزِيد بَيَان وتفصيل في الفَصْل الثَّالِث. وتأوّل صِفَة النُّزُول، حيث أوْرَد القرطبي في تفسير سورة الْمُزَّمِّل مَا جَاء عنه ﵊ في النُّزُول الإلهي، ثم أوْرَد لَفْظ رِوايَة النسائي (٣) "إنَّ الله يُمْهِل حتى يَمْضِي شَطْر الليل الأوَّل، ثم يَأمُر مُنَادِيًا يَقُول: هل مِنْ دَاع يُسْتَجَاب له؟ هل مِنْ مُسْتَغْفِر يُغْفَر له؟ هل مِنْ سَائل يُعْطَى؟ (٤) ثم قال: صَحَّحَه أبو محمد عبد الحق. فَبَيَّن هذا الْحَدِيث - مَع صِحَّتِه - مَعْنَى النُّزُول" (٥). وسيأتي مَزِيد بَيَان في الفَصْل الثَّالِث. وقَرَّر أنه لا يَجُوز الابْتِدَاء بِشَيء مِنْ صِفَات الله ، كَالْيَدِ والرِّجْل والأصْبع والْجَنْب والنُّزُول إلى غير ذلك إلَّا في أثْنَاء قِرَاءة كِتَابِه أوْ سُنَّةَ رَسُولِه ﷺ (٦).

стр. 27

كَمَا أوَّل صِفَة كَفّ الرحمن ويَمِينه (١). وأوَّل العَجَب (٢) بِعِدَّة تَأوِيلات (٣)، مِنها: "بِمَعْنَى وُقُوع ذلك العَمَل عند الله عَظِيمًا". وبمعنى: "جَازَيْتُهم على التَّعَجُّب". "ويَجُوز أن يَكُون إخْبَار الله عن نَفْسِه بِالعَجَب مَحْمُولًا على أنه أظْهَر مِنْ أمْرِه وسَخَطِه على مَنْ كَفَر بِه مَا يَقُوم مَقَام العَجَب مِنْ الْمَخْلُوقِين، كَمَا يُحْمَل إخْبَارُه تَعَالى عن نَفْسه بالضَّحِك لِمَنْ يَرْضَى عَنه (٤). "ويُقَال: مَعْنَى: "عَجِب رَبُّكُمْ" (٥)، أي: رَضِي وأثَاب، فَسَمَّاه عَجَبًا وليس بِعَجَب في الْحَقِيقَة" (٦). وكَان قَبْل ذلك نَقَل عن الفراء قَوْلَه: العَجَب إن أُسْنِد إلى الله فَلَيس مَعْنَاه مِنْ الله كَمَعْنَاه مِنْ العِبَاد، وكَذلك قَوْله: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) [البقرة: ١٥]، ليس ذلك مِنْ الله كَمَعْنَاه مِنْ العِبَاد (٧).

стр. 28

وهذا الْمَعْنَى صَحِيح، لِقَوْلِه تَعَالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء) [الشورى: ١١]؛ إلَّا أنَّ هذا مِنْ القرطبي ليس نَفْيًا صَرِيحًا للصِّفَة. وقد قال فِي تفسير آيَة "البقرة": (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ): أي: يَنْتَقِم مِنهم ويُعَاقِبُهم، ويَسْخَر بِهم ويُجَازِيهم على اسْتِهْزَائهم؛ فَسَمَّى العُقُوبَة بِاسْم الذَّنْب. هذا قَوْل الْجُمْهُور مِنْ العُلَمَاء. وقال: وليس مِنه سُبْحَانه مَكْر ولا هُزْء ولا كَيد، إنَّمَا هو جَزَاء لِمَكْرِهم واسْتِهْزَائهم، وجَزَاء كَيْدِهم (١). وسَبَق أنَّ القرطبي أثْبَت صِفَة الْمَكْر، فَلعلَّه هنا أثْبَتَها بِقَيْد الْمُقَابَلَة. لأنَّ مِنْ الأسْمَاء "مَا يَجُوز أن يُسَمَّى به ويُدْعَى، ومَا يَجُوز أن يُسَمَّى به ولا يُدْعَى، ومَا لا يَجُوز أن يُسَمَّى بِه ولا يُدْعَى" (٢). وفي إثْبَات اليَد لله تَعالى ذَكَر القرطبي عِدَّة مَعَانٍ، مِنها: "اليَد في كَلام العَرَب تَكُون للجَارِحَة، كَقَوْلِه تَعَالى: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا) [ص: ٤٤]، وهذا مُحَال على الله تَعالى"، "وتَكُون للنِّعْمَة". "وتَكُون للقُوَّة. قَال الله : (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ) [ص: ١٧]، أي: ذَا القُوَّة"، "وتَكُون للمِلْك والقُدْرَة. قَال الله تَعالى: (قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) [آل عمران: ٧٣] "، "وتَكُون بِمَعْنَى الصِّلَة، قال الله تعالى: (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا) [يس: ٧١] أي: مِمَّا عَمِلْنَا نَحْن"، "وتَكُون بِمَعْنَى التَّأيِيد والنُّصْرَة" (٣). ورُدَّ تأوِيل اليَد في قَوله تَعالى: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) [المائدة: ٦٤] بأنَّ "نِعَم الله تَعالى أكْثَر مِنْ أن تُحْصَى، فَكَيف تَكُون: بَلْ نِعْمَتَاه مَبْسُوطَتَان".

стр. 29

ثم دَافَع القرطبي عن هذا التَّأويل بِقوله: وأُجيب بِأنه يَجُوز أن يَكُون هَذا تَثْنِيَة جِنْس لا تَثْنِيَة وَاحِد مُفْرَد … فَأحَد الْجِنْسَين نِعْمَة الدُّنيا، والثَّاني نِعْمَة الآخِرَة. وقِيل: نِعْمَتَا الدُّنيا: النِّعْمَة الظَّاهِرَة والنِّعْمَة البَاطِنَة. وقال: ويَجُوز أن تَكُون اليَد في هَذه الآيَة بِمَعْنَى القُدْرَة، أي: قُدْرَتُه شَامِلَة، فإن شَاء وَسَّع، وإن شَاء قَتَّر (١). فانْظُر كَيْف تَحَاشَى إثْبَات مَا أثْبَتَه اللهِ لِنَفْسِه مِنْ صِفَة اليَد، وأثْبَت لَه صِفَة "التَّقْتِير"، بِقَوْلِه: "وإن شَاء قَتَّر" (٢). فـ "القرطبي قد تَابَع ابن عطية، فأوَّل هذه الصِّفَات - أعنِي: الوَجْه واليَدَين والأعْيُن - فَخَرَج بذلك عن مذهب السَّلَف" (٣). وأمَّا تَأويل صِفَة العُلُو، فهو مِمَّا فُهِم مِنْ قَوْلِه، وصَرَّح به في مَوْضِع واحِد، وهو مع ذلك لا يَقُول بِما تَقُولُه "الْجَهْمِيَّة والقَدَرِيَّة والْمُعْتَزِلَة: هو بِكُلّ مَكَان" (٤). فإنَّ القرطبي قَرَّر أنَّ "عُلُوّ الله تَعَالى وارْتِفَاعُه عِبَارَة عن عُلُو مَجْدِه وصِفَاتِه ومَلَكُوته، أي: ليس فَوْقَه فِيمَا يَجِب له مِنْ مَعَاني الْجَلال أحَد، ولا مَعَه مَنْ يَكون العُلُوّ مُشْتَرَكًا بَيْنَه وبَيْنَه، لكنه العَلِيّ بِالإطْلاق سُبحانه" (٥). فالقرطبي يُثْبِت عُلُوّ الله بِذَاتِه؛ لأنه يَنْفِي وُجُودَه في كُلّ مَكَان. حيث قال بـ "إثْبَات ذَات غَير مُشَبَّهَة بِالذَّوَات، ولا مُعَطَّلَة عن الصِّفَات (٦).

стр. 30

إلَّا في تفسير آيَة الكُرْسي، فإنه قال: والعَلِيّ يُرَاد بِه عُلُو القَدْر والْمَنْزِلَة لا عُلُوّ الْمَكَان؛ لأنَّ الله مُنَزَه عن التَّحَيُّز" (١). وهذا هو الْمَوْطِن الوَحِيد الذي وَجَدْت فيه تَصْرِيح القرطبي بِنَفْي عُلُو الْمَكَان. ولَم أجِد له في نَفْي عُلُوّ الذَّات نَفْيًا ولا إثْبَاتًا. وهذا يُؤكِّد ما تقدَّم مِنْ اضطرابه في بعض مسائل الاعتقاد. ومِمَّا أَفَادَه القرطبي وأجَاد به: الرَّدّ على الفِرَق الْمُخَالِفة: اعْتَنَى القرطبي بِالرَّدّ على الفِرَق الْمُخالِفَة؛ كَالرَّافِضَة والصُّوفِيَّة والْمُعتَزِلة، والْجَهْمِيَّة، والُمُرْجِئة، والْخَوَارِج. فقد جَاء ذِكْر الرَّافِضة في أحَد عَشَر مَوْضِعا من تفسير القرطبي، فقد رَدّ على الرافضة والصُّوفِيَّة في مسألة إثْبَات الوِلايَة والكَرَامة، إذ يَقُول: قال عُلَمَاؤنا رحمة الله عليهم: ومَن أظْهَر اللهُ تَعَالى على يَدَيْه مِمَّنْ لَيس بَنَبِيّ كَرَامَات وخَوَارِق للعَادَات فَلَيس ذَلك دَالًّا على وِلايَتِه، خِلافًا لِبعض الصُّوفِيَّة والرَّافِضَة حيث قَالُوا: إنَّ ذلك يَدُلّ على أنه وَلِيّ، إذ لَو لَم يَكُنْ وَلِيًّا مَا أظْهَر الله على يَديه مَا أظْهَر (٢). وَرَدّ عليهم في مَسْألَة تَواتُر نَقْل القرآن، فقال: وقد طَعَن الرَّافِضة - قَبَّحَهُم الله تَعَالى - في القُرْآن، وقَالُوا: إنَّ الوَاحِد يَكْفِي في نَقْل الآيَة والْحَرْف .... (٣). وفي مَسْألَة الإمَامَة رَدّ القرطبي على الرافضة، فقد أوْرَد حَدِيث "أمَا تَرْضَى أن تَكُون مِنِّي بِمَنْزِلَة هَارُون مِنْ مُوسَى، إلَّا أنه لا نَبِيَّ بَعْدِي" (٤)، ثم قال: فَاسْتَدَلَّ بِهَذا الرَّوَافِض والإمَامِيَّة (٥) وسَائر فِرَق الشِّيعة على أنَّ النبي ﷺ اسْتَخْلَف عَلِيًّا على جَمِيع الأمَّة حتى كَفَّر الصَّحَابَةَ الإمَامِيَّةُ - قبحهم الله - لأنَّهم عِندهم تَرَكُوا

стр. 31

العَمَل الذي هو النَّصّ على اسْتِخْلاف عليّ، واسْتَخْلَفُوا غيره بِالاجْتِهَاد مِنهم، ومِنهم مَنْ كَفَّر عَلِيًّا إذْ لَم يَقُم بِطَلَب حَقِّه، وهؤلاء لا شَكَّ في كُفْرِهم، وكُفْر مَنْ تَبِعَهم على مَقَالَتِهم، ولَم يَعْلَمُوا أنَّ هَذا اسْتِخْلاف في حَيَاة، كَالْوِكَالَة (١) التي تَنْقَضِي بِعَزْل الْمُوَكِّل أوْ بمَوْتِه، لا يَقْتَضِي أنه مُتَمَادٍ بَعد وَفَاتِه؛ فَيَنْحَلّ على هَذا مَا تَعَلَّق بِه الإمَامِيَّة وغَيرهم، وقد اسْتَخْلَف النبي ﷺ على الْمَدِينَة ابن أمِّ مَكْتُوم وغيره، ولَم يَلْزَم مِنْ ذَلك اسْتِخْلافه دَائمًا بِالاتِّفَاق، على أنه قد كَان هَارُون شُرِّك مَع مُوسَى في أصْل الرِّسَالَة، فلا يَكُون لَهم فِيه على مَا رَامُوه دَلالَة. والله الْموَفِّق للهِدَايَة (٢). ونَقَل عن الشعبي قَوْله: تَفَاضَلَت اليَهُود والنَّصَارَى على الرَّافِضَة بِخَصْلَة: سُئِلتِ اليَهُود: مَنْ خَيْر أهْل مِلَّتِكُم؟ فَقَالُوا: أصْحَاب مُوسى. وسُئِلَتِ النَّصَارَى مَنْ خَيْر أهْل مِلَّتِكُم؟ فَقَالُوا: أصْحَاب عِيسى. وسُئِلَتِ الرَّافِضَة: مَنْ شَرّ أهْل مِلَّتِكُم؟ فَقَالُوا: أصْحَاب محمد! أُمِرُوا بِالاسْتِغْفَار لَهم فَسَبَّوهُم؛ فَالسَّيْف عَلَيهم مَسْلُول إلى يَوْم القِيَامَة، لا تَقُوم لَهم رَايَة، ولا تَثْبُت لَهم قَدَم، ولا تَجْتَمِع لَهم كَلِمَة؛ كُلَّمَا أوْقَدُوا نَارًا للحَرْب أطْفَأها الله بِسَفْكِ دِمَائِهم، وإدْحَاض حُجَّتِهم، أعاذنا الله وإيَّاكُم مِنْ الأهْوَاء الْمُضِلَّة (٣). ونَقَل القرطبي عن ابن العربي قَوْله: تَعَلَّق الرَّافِضَة - لعنهم الله - بِهَذه الآيَة على أم المؤمنين عائشة ﵂ (٤). ونَقَل عن ابن الجوزي تَضْعِيف رَدّ الشمس لِعَلِيّ ﵁، ثم بَيَّن ضَعْف الْحَديث مَعْنى ومَبْنى، فقال: وهَذا مِنْ حَيْث النَّقْل مُحَال، ومِن حَيْث الْمَعْنَى؛ فإنَّ الوَقْت قَدْ فَات، وعَوْدُها طُلُوع مُتَجَدِّد لا يَرُدّ الوَقْت (٥).

стр. 32

وبَيَّن القرطبي أُصُول الفِرَق الْمُنْتَسِبَة إلى الإسْلام، وهي بإجْمَال سِتّ فِرَق انْقَسَمَتْ كُلّ فِرْقَة إلى اثْنَتِي عشرة فِرْقَة، على النحو التالي: "انْقَسَمَتِ الْحَرُورِيَّة اثْنَتِي عَشْرَة فِرْقَة" (١). و "انْقَسَمَت القَدَرِيَّة اثْنَتِي عَشْرَة فِرْقَة" (٢). و "انْقَسَمَت الْجَهْمِيَّة اثْنَتِي عَشْرَة فِرْقَة" (٣). و "انْقَسَمَت الْمُرْجِئة اثْنَتِي عَشْرَة فِرْقَة" (٤). و "انْقَسَمَت الرَّافِضَة اثْنَتِي عَشْرَة فِرْقَة" (٥). و "انْقَسَمَت الْجَبْرِيَّة اثْنَتِي عَشْرَة فِرْقَة" (٦). وذَكَر أصُول الفِرَق عُمومًا، إذ يَقُول: "فقد ظَهَر لَنَا مِنْ أصُول الفِرَق: الْحَرُورِيَّة والقَدَرِيَّة والْجَهْمِيَّة، والْمُرْجِئَة، والرَّافِضَة، والْجَبْرِيَّة. وقال بَعض أهْل العِلْم: أصْل الفِرَق الضَّالَّة هذه الفِرَق السِّتّ، وقد انْقَسَمَت كُلّ فِرْقَة مِنها اثْنَتِي عَشْرَة فِرْقَة، فَصَارَت اثْنَتَيْن وسَبْعِين فِرْقَة" (٧). ورَدّ القرطبي على الصُّوفِيَّة في مَوَاضِع كَثِيرَة مِنْ تفسيره، وبَيَّن الفَاسِد مِنْ أقْوَالِهم ومُعْتَقَدَاتِهم، فمن ذلك: رَدّه على الصُّوفِيَّة فِيمَا يَتَعَلَّق بالتَّوَكُّل، إذ يَقول في قَوْلِه تَعَالى: (آتِنَا غَدَاءَنَا) [الكهف: ٦٢]: فيه مَسْألَة وَاحِدَة، وهو اتِّخَاذ الزَّاد في الأسْفَار، وهو رَدّ على الصُّوفِيَّة الْجَهَلَة الأغْمَار! الذِين يَقْتَحِمُون الْمَهَامِه والقِفَار زَعْمًا منهم أنْ ذلك هو

стр. 33

التَّوَكُّل على الله الوَاحِد القَهَّار! هذا مُوسَى نَبِيّ الله وكَلِيمه مِنْ أهْل الأرْض قد اتَّخَذ الزَّاد مَع مَعْرِفَتِه بِرَبِّه وتَوَكُّلِه على رَبِّ العِبَاد (١). وفي قَوْله تَعالى حِكَايَة عن إبراهيم ﵊: (إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) [إبراهيم: ٣٧] قال القرطبي: لا يَجُوز لأحَد أن يَتَعَلَّق بِهَذا في طَرْح وَلَدِه وعِيَالِه بِأرْض مَضْيَعَة اتِّكَالًا على العَزِير الرَّحِيم واقْتِدَاء بِفِعْل إبْراهيم الْخَلِيل، كَمَا تَقُول غُلاة الصُّوفِيَّة في حَقِيقَة التَّوَكُّل! فإنَّ إبراهيم فَعَل ذلك بِأَمْر الله، لِقَوْلِه في الْحَدِيث (٢): آلله أمَرَك بِهَذا؟ قال: نعم (٣). وقال في مَسْأَلَة طَلَب الْوَلَد: وفي هَذا رَدّ على بَعْض جُهَّال الْمُتَصَوِّفَة، حَيْث قَال: الذي يَطْلُب الوَلَد أحْمَق، ومَا عَرَف أنه هُو الغَبِيّ الأخْرَق! قَال الله تَعالى مُخْبِرًا عن إبْراهيم الْخَلِيل: (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) [الشعراء: ٨٤]، وقال: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ) [الفرقان: ٧٤]. وقَد تَرْجَم البُخاري (٤) على هذا: بَاب بَاب طَلَب الوَلَد (٥). وفي التَّفَكُّر رَدّ على الصَّوفِيَّة قَوْلَهم، إذ يَقُول: فأمَّا طَرِيقَة الصَّوفِية أن يَكُون الشَّيخ مِنهم يَوْمًا ولَيْلَة وشَهْرًا لا يَفْتُر؛ فَطَرِيقَة بَعِيدَة عن الصَّوَاب غير لائقَة بِالبَشَر، ولا مُسْتَمِرَّة على السُّنَن (٦). وتَعقّب اسْتِدْلال الشِّبْلِي وغيره مِنْ الصُّوفيَّة على جَوَاز "تَقْطِيع ثِيَابِهم وتَخْرِيقِها بِفِعْل سُليمان هَذا (٧). قال: وهو اسْتِدْلال فَاسِد؛ لأنه لا يَجُوز أن يُنْسَب إلى نَبِيّ مَعْصُوم أنه فَعَل الفَسَاد" (٨). ثم بَيَّن الْمَقْصُود بِمَسْح السُّوق والأعْنَاق.

стр. 34

ورَدّ على الصُّوفِيَّة مَا زَعَمُوه تَزَهّدًا، إذ يَقول القرطبي: وقد كَرِه بَعض الصُّوفِيَّة أكْل الطَّيِّبَات، واحْتَجَّ بِقَول عُمر ﵁: إيّاكُم واللحْم، فإنَّ لَه ضَرَاوَة كَضَرَاوَة الْخَمْر. والْجَوَاب: أنَّ هَذا مِنْ عُمر قَوْل خَرَج عَلى مَنْ خَشِي مِنه إيثَار التَّنَعُّم في الدُّنيا والْمُدَاوَمَة على الشَّهَوات، وشِفَاء النَّفْس مِنْ اللذَّات، ونِسْيَان الآخِرَة والإقْبَال على الدُّنيا؛ ولِذَلك كَان يَكْتُب عُمَر إلى عُمَّالِه: إيّاكُم والتَّنَعُّم وزِيّ أهْل العَجَم، واخْشَوْشِنُوا. ولَم يُرِد ﵁ تَحْرِيم شَيء أحَلَّه الله، ولا تَحْظِير مَا أبَاحَه الله تَبَارَك اسْمُه، وقَوْل الله أوْلَى مَا امْتُثِل واعْتُمِد عليه. قال الله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) [الأعراف: ٣٢] (١). ويقُول في هذا الْمِضْمَار: ولَيس لِمَنْ مَنَع نَفْسَه قَدْر الْحَاجَة حَظّ مِنْ بِرّ ولا نَصِيب مِنْ زُهْد؛ لأنَّ مَا حَرَمَها مِنْ فِعْل الطَّاعَة بِالعَجْز والضَّعْف أكْثَر ثَوَابًا وأعْظَم أجْرًا (٢). وقال في تَفْسِير الْمُكَاء والتَّصْدِيَة: فِيه رَدّ على الْجُهَّال مِنْ الصُّوفِيَّة الذِين يَرْقُصُون ويُصَفِّقُون ويُصْعَقُون! وذلك كُلّه مُنْكَر يَتَنَزَّه عن مِثْله العُقَلاء، ويَتَشَبَّه فَاعِلُه بِالْمُشْرِكين فيمَا كَانُوا يَفْعَلُونَه عِند البَيْت (٣). ولَه رُدُود على كثير مِنْ الفِرَق، إلَّا أنَّ سَرْد ذلك يَطُول. وقد اخْتَصَرتُ القَوْل في بَيَان عَقِيدَة القرطبي؛ لأنَّ هذا الْمَقْصِد لَيس مَقْصِدًا للبَاحِث، كَمَا أنه سبقتْ دِرَاسَة مُتَخَصِّصَة في عَقِيدة القُرْطبي، وهي رِسَالة "أحمد الْمَزْيَد"، والتي بِعُنْوَان: "مَنْهَج القرطبي في أُصُول الدِّين"، وستأتي الإشَارَة إليها في الدِّرَاسَات السَّابِقَة.

стр. 35

ثانيًا: أهمية تفسير القرطبي بين التفاسير، وما تميّز به تَمَيَّز تفسير القرطبي الْمُسَمَّى بـ "الْجَامِع لأحْكَام القُرْآن" بأنه مَوْسُوعَة شَامِلَة لِكَثِير مِنْ الفُنُون والعُلُوم، ولا عَجَب فهو "التَّفْسِير الْمَشْهُور الذي سَارَت بِه الرُّكْبَان، وفي أسَامِي الكُتُب، وكان تَفْسِيره الْمَذْكُور مُسَمَّى بِجَامِع أحْكَام القُرْآن، وهو كِتَاب مِنْ أجَلّ الكُتُب" (١). ومِمَّا تَمَيَّز به تَفْسِير القرطبي مَا يَلِي: ١ - العِنَايَة بِتَفْسير القُرْآن بِالقُرْآن، وبِتِبْيَان الكِتَاب بِالسُّنَّة (٢). ٢ - العِنايَة بِأقْوَال السَّلَف في تفسير القرآن (٣)، وهو "يَنْقُل عن السَّلَف كَثِيرًا، مِمَّا أُثِر عنهم في التَّفْسِير والأحْكَام، مَع نِسْبَة كُلّ قَوْل إلى قَائِلِه .... كَمَا يَنْقُل عَمَّن تَقَدَّمَه في التَّفْسير، خُصُوصًا مَنْ ألَّف منهم في كُتُب الأحكَام، مع تَعْقِيبِه على ما يَنْقُل مِنها (٤). ٣ - الرُّجُوع إلى لُغَة القرآن، والإفَادَة مِنْ أقْوَال أهْل اللغَة وأساطِينها (٥). ٤ - دَفْع تَوَهُّم التَّعَارُض في مَوَاطِن كَثِيرَة، رَبَتْ على الْمِائة مَوْضِع. ٥ - الرَّدّ على الفِرَق الْمُخالِفَة، ودَحْض شُبُهَات أرْبَابِها (٦)، ويُنْكَر البِدَع، ويُبَيِّن عَوَارَها. ٦ - تفسير القرآن الكَرِيم كَامِلًا، ولَم يَقْتَصِر على آيَات الأحْكَام فَحَسْب.

стр. 36

٧ - العِناية بآيَات الأحْكَام عِنَاية بالِغة، إذ هي الْمَقْصِد الأوَّل مِنْ التألِيف، وهو يَسُوق في الْمَبْحَث الواحِد مِنْ الآيَة - أحيانًا - أكثر مِنْ خمسين مَسْألَة (١). ٨ - قِلَّة الإسْرَائِيلِيَّات في تفسيره مُقارَنَة بِتفاسِير الْمُتأخِّرين. فقد صَان القرطبي "كِتابَه عن الإكْثَار مِنْ ذِكْر الإسْرَائِيلِيَّات، والأحَادِيث الْمَوْضُوعَة، كَمَا أنه إذا ذَكَرَ بعض الإسْرَائِيلِيَّات والْمَوضُوعَات مِمَّا يُخِلّ بِعِصْمَة الْمَلائكَة أو الأنبِياء، أو يُخِلّ بالاعْتِقَاد؛ فإنه يَكُرّ عليها بالإبْطَال، أو يُبيِّن أنها ضَعِيفَة .... غير أنه وُجِد فيه بعض الإسْرَائِيلِيَّات والْمَوْضُوعَات، على قِلَّة … وقد تَنَوَّعت أساليب القرطبي في إبطال الإسْرَائِيلِيَّات، فَتَارَة يَذْكُرُها بإسْنَادِها كَامِلًا، ثم يُطيل في نَقْدِها، والرَّدّ عليها، مُسْتَعِينًا بأقْوَال الْمُفَسِّرِين والعُلَمَاء الذين ذَكَرُوها، وتَارَة يَخْتَصِرُها بِتَجْرِيدِها مِنْ أسَانِيدِها، ويَكْتَفِي بِرَدِّهَا وإبطَالِها والإشَارَة إليها" (٢). وقد "أسْقَط مِنه القَصَص والتَّوَارِيخ وأثْبَت عِوَضَها أحْكَام القرآن واسْتِنْبَاط الأدِلَّة، وذَكَر القِرَاءات والإعْرَاب، والنَّاسِخ والْمَنْسُوخ" (٣). وهذا ما نَصّ عليه القرطبي في مُقَدِّمَة تفسيره، إذ يَقُول: وأضْرِب عن كَثِير مِنْ قَصَص الْمُفَسِّرِين، وأخْبَار الْمُؤَرِّخِين إلَّا مَا لا بُدّ مِنه ولا غِنَى عنه للتَّبْيِين، واعْتَضْتُ مِنْ ذلك تَبْيِين آي الأحْكَام بِمَسَائل تُسْفِر عن مَعْنَاها، وتُرْشِد الطَالِب إلى مُقْتَضَاهَا (٤). أمَّا لِمَاذا أعْرَضَ عنها؟ فلأنَّ "الإسْرَائيلِيَّات مَرْفُوضَة عند العُلَمَاء على البَتَات؛ فأعْرِض عن سُطُورِها بَصَرَك، وأصْمِم عن سَمَاعِها أُذُنَيْك، فإنَّها لا تُعْطِي فِكْرَك إلَّا خَيَالا، ولا تَزِيد فُؤادَك إلَّا خَبَالا" (٥).

стр. 37

والْمَقْصُود بِالْمَرْفُوض على البَتَات مَا تَعلَّق بِعِصْمَة الأنبياء والقَدْح فيهم؛ لأنه سَاق هذا القَوْل في قِصَّة أيوب ﵊، إلَّا أنَّ القرطبي لَم يَلْتَزَم بذلك، ولَم يُعْرِض عن سُطُورِها، بَلْ أَوْرَد في قِصَّة سُليمان ﵊ ما كَان الواجِب الإعْرَاض عنه (١). كَيْف وهو القَائل: "وفي الإسْرَائيلِيَّات كَثِير لَيس لَها ثَبَات، فلا يُعَوِّل عَليها مَنْ لَه قَلْب" (٢). ومِمَّا تَمَيَّز به تَفْسِير القرطبي: ٩ - عدم تَعَصُّب القرطبي لِمَذْهَبِه، فهو وَاسِع الأُفُق، لا يَضِيق بِالْمُخالِف ذَرْعًا! فهو يُورِد الأقْوَال ويُرجِّح مَا يَرَاه أقْرَب على الدَّلِيل وأقْوَى في التَّعْلِيل دُون النَّظر إلى الْمَذْهَب. بل إنه يَتعقَّب ابن العربي في مَوَاضِع مِنْ تَفْسِيرِه، خاصَّة فيما يُشَنِّع فيه ابن العربي على مُخَالِفيه. ومِثَاله: ما شَنَّع بِه ابن العربي على مُخَالِفِيه في مَسْألة فَرْعِيَّة، حيث قال: فَأمَّا إذا تَضَمَّن الْخَبَر حُكْمًا شَرْعِيًّا فَالأحْكَام تَتَبَدَّل وتُنْسَخ، جَاءَت بِخَبَر أوْ أمْر، ولا يَرْجِع النَّسْخ إلى نَفْس اللفْظ، وإنَّما يَرْجِع إلى مَا تَضَمَّنَه، فإذا فَهِمْتُم هَذا خَرَجْتُم عن الصِّنْف الغَبِيّ الذي أخْبَر الله عن الكُفَّار فِيه بِقَولِه: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [النحل: ١٠١]. الْمَعْنَى: أنَّهم جَهِلُوا أنَّ الرَّبّ يَأمُر بِمَا يَشَاء، ويُكَلِّف مَا يَشَاء، ويَرْفَع مِنْ ذَلك بِعَدْلِه مَا يَشَاء، ويُثْبِت مَا يَشَاء، وعِندَه أمّ الكِتَاب. فَتَعَقَّبَه القرطبي بِقَولِه: قلتُ: هذا تَشْنِيع شَنِيع! حتى يُلْحَق فِيه العُلَمَاء الأخْيَار في قُصُور الفَهْم بِالكُفَّار، والْمَسْألَة أصُولِيَّة، وهي أنَّ الإخْبَار عن الأحْكَام الشَّرْعيَّة هل

стр. 38

يَجُوز نَسْخُها أم لا؟ اخْتُلِف في ذَلك، والصَّحِيح جَوَازُه لِهَذِه الآيَة ومَا كَان مِثْلُها، ولأنْ الْخَبَر عن مَشْروعِيَّة حُكْمٍ مَا يَتَضَمَّن طَلَب ذَلك الْمَشْرُوع، وذلك الطَّلَب هو الْحُكْم الشَّرْعِي الذِي يُسْتَدَلّ على نَسْخِه. والله أعلم (١). "وكان يَنْتَقِد مَوقِف ابن العَرَبي مِنْ مُخَالِفِيه، ويُدافِع عنهم، ويَرُدّ عليه" (٢). "وخَيْر مَا في الرَّجُل (٣) أنه لا يَتَعَصَّب لِمَذْهَبِه الْمَالِكِي، بل يَمْشِي مع الدَّلِيل حَتَّى يَصِل إلى مَا يَرَى أنه الصَّوَاب أيًّا كَان قَائلُه" (٤). "وقد الْتَزَم الْمَذْهَب الْمَالِكِيّ إلَّا أنه لَم يَتَعَصَّب له، بل يُرَجِّح مَا يَرَى صَوابَه أيًّا كان قَائلُه" (٥). "وعلى الْجُمْلَة، فإنَّ القرطبي ﵀ في تَفْسِيرِه هذا حُرّ في بَحْثِه، نَزِيه في نَقْدِه، عَفّ في مُناقَشَتِه وجَدَلِه، مُلِمّ بالتَّفْسِير مِنْ جَمِيع نَواحِيه، بَارِع في كُلّ فَنّ اسْتَطْرَد إليه وتَكَلَّم فِيه" (٦). ثالثًا: مَعْنَى التَّعَارُض، وحَقِيقَته، وأهَمِّيَّة دَفْعِه مَعْنَى التَّعَارُض: في اللغة: هو الْمُقَابَلة. قال ابن منظور: وعَارَض الشَّيء بِالشَّيء مُعَارَضَة: قابَلَه، وعَارَضْتُ كِتَابِي بِكِتَابِه، أي: قَابَلْتُه (٧).

стр. 39

وقال البَعليّ: التَّعَارُض: مَصْدَر تَعَارَض الشَّيئان إذا تَقَابَلا، تَقُول: عَارَضْته بِمِثْل مَا صَنع، أي: أتَيْتُ بِمِثْل مَا أَتَى، فَتَعَارُض البيِّنَتَين أن تَشْهَد إحْدَاهُما بِنَفْي مَا أثْبَتَتْه الأُخْرَى، أوْ بِإِثْبَات مَا نَفَتْه (١). وفي الاصْطِلَاح اخْتُلِف في تَعْرِيفِه بِحَسَب أغْرَاض دَارِسِيه، والذي يَهُمّ البَاحِث هو تَعْرِيف الْمَعْتَنِين بالدِّرَاسات القُرآنية. قال الزركشي في أنْوَاع عُلُوم القُرْآن: النَّوْع الْخَامِس والثَّلاثُون: مَعْرِفَة مُوهِم الْمُخْتَلِف: وهو مَا يُوهِم التَّعَارُض بَيْن آيَاتِه، وكَلام الله ﷻ مُنَزَّه عن الاخْتِلاف، كَمَا قَال تَعالى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء: ٨٢] (٢). وحَقِيقَته مَا "قَدْ يَقَع للمُبْتَدِئ مَا يُوهِم اخْتِلافًا ولَيس بِه، فاحْتِيج لإزَالَتِه" (٣). "وقد تَكَلَّم فيه الصَّدْر الأوَّل، ابن عباس وغيره" (٤) وأزَال ما أشْكَل على السائل (٥). ويُقْصَد بِالتَّعَارُض الذِّهْنِي الذي قد يَبْدُو للقَارِئ عند مُحَاوَلَة الْجَمْع بَيْن آيَتَين. إذ لَيس في القُرْآن تَعَارُض، ولا هو مِنْ قَبِيل الْمُتَشَابِه، وإنَّمَا هو مِمَّا تَتَوَهَّمُه العُقُول. قال الأسْتاذ أبو إسحاق الإسفراييني: إذا تَعَارَضَتْ الآي وتَعَذَّر فِيها التَّرْتِيب والْجَمْع طُلِب التَّارِيخ وتُرِك الْمُتَقَدِّم مِنْهُما بِالْمُتَأخِّر، ويَكُون ذَلك نَسْخًا لَه، وإن لَم يُوجَد التَّارِيخ وكان الإجْمَاع على اسْتِعْمَال إحْدَى الآيَتَين عُلِم بِإجْمَاعِهم أنَّ النَّاسِخ مَا أجْمَعُوا على العَمَل بِها. قال: ولا يُوجَد في القُرْآن آيَتَان مُتَعَارِضَتَان تَعْرَيَان عن هَذَين الوَصْفَيْن (٦).

стр. 40

قال الشاطبي: الْمُتَشَابِهَات ليست مِمَّا تُعَارِض مُقْتَضَيَات العُقُول، وإن تَوَهَّم بَعْض النَّاس فِيها ذلك، لأنَّ مَنْ تَوَهَّم فِيها ذلك فَبِنَاء على اتِّبَاع هَوَاه، كَمَا نَصَّت عَليه الآيَة قوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) [آل عمران: ٧] لا أنه بِنَاء على أمْرٍ صَحِيح، فإنه إن كَان كَذلك فالتَّأوِيل فيه رَاجِع إلى مَعْقُول مُوَافِق لا إلى مُخَالِف (١). وقال ابن تيمية: عَامَّة مَوَارد التَّعَارُض هي من الأمُور الْخَفيَّة الْمُشْتَبهة التي يَحَار فيها كثير مِنْ العُقلاء، كَمَسَائل أسْمَاء الله وصِفاته وأفْعاله، ومَا بَعد الْمَوْت مِنْ الثَّوَاب والعِقاب، والجنة والنار، والعَرْش والكُرْسي، وعَامَّة ذلك مِنْ أنْبَاء الغَيب التي تَقْصُر عُقول أكثر العُقلاء عن تَحقيق مَعرفتها بِمُجَرَّد رَأيهم، ولهذا كان عامَّة الْخَائضِين فيها بِمُجَرَّد رَأيهم إمَّا مُتَنَازِعين مُخْتَلِفين، وإمَّا حَيَارَى مُتَهَوِّكِين (٢). ولإيهَام الاخْتِلاف والتَّعَارُض أسْبَاب (٣)، ولَهُم مُرجِّحَات عند التَّعَارُض (٤). ويَتَطَرَّق هَذا البَحْث إلى مَا يُسَمِّيه العُلَمَاء "مُشْكِل القُرْآن"، أوْ "مُوهِم الاخْتِلاف والتَّنَاقُض". وهذا مَبْحَث نَفِيس، وفَنّ لَطِيف يَحْتَاج إليه طَالِب العِلْم في حَيَاته العِلْمِيَّة الشَّامِلَة بَاب "التَّعَارُض والتَّرْجِيح"، وهو بَاب يُفِيد في الْحَيَاة العِلْمِيَّة والعَمَلِيَّة" (٥). و "تَعَارُض دَلالات الأقْوَال وتَرْجِيح بَعْضِها على بَعض بَحْرٌ خِضَم" (٦).
следующие страницы →