← Тафсир

Тафсир · id 1114

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

عبد الرحمن السحيم

Полный текст (680 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

٧ - العِناية بآيَات الأحْكَام عِنَاية بالِغة، إذ هي الْمَقْصِد الأوَّل مِنْ التألِيف، وهو يَسُوق في الْمَبْحَث الواحِد مِنْ الآيَة - أحيانًا - أكثر مِنْ خمسين مَسْألَة (١). ٨ - قِلَّة الإسْرَائِيلِيَّات في تفسيره مُقارَنَة بِتفاسِير الْمُتأخِّرين. فقد صَان القرطبي "كِتابَه عن الإكْثَار مِنْ ذِكْر الإسْرَائِيلِيَّات، والأحَادِيث الْمَوْضُوعَة، كَمَا أنه إذا ذَكَرَ بعض الإسْرَائِيلِيَّات والْمَوضُوعَات مِمَّا يُخِلّ بِعِصْمَة الْمَلائكَة أو الأنبِياء، أو يُخِلّ بالاعْتِقَاد؛ فإنه يَكُرّ عليها بالإبْطَال، أو يُبيِّن أنها ضَعِيفَة .... غير أنه وُجِد فيه بعض الإسْرَائِيلِيَّات والْمَوْضُوعَات، على قِلَّة … وقد تَنَوَّعت أساليب القرطبي في إبطال الإسْرَائِيلِيَّات، فَتَارَة يَذْكُرُها بإسْنَادِها كَامِلًا، ثم يُطيل في نَقْدِها، والرَّدّ عليها، مُسْتَعِينًا بأقْوَال الْمُفَسِّرِين والعُلَمَاء الذين ذَكَرُوها، وتَارَة يَخْتَصِرُها بِتَجْرِيدِها مِنْ أسَانِيدِها، ويَكْتَفِي بِرَدِّهَا وإبطَالِها والإشَارَة إليها" (٢). وقد "أسْقَط مِنه القَصَص والتَّوَارِيخ وأثْبَت عِوَضَها أحْكَام القرآن واسْتِنْبَاط الأدِلَّة، وذَكَر القِرَاءات والإعْرَاب، والنَّاسِخ والْمَنْسُوخ" (٣). وهذا ما نَصّ عليه القرطبي في مُقَدِّمَة تفسيره، إذ يَقُول: وأضْرِب عن كَثِير مِنْ قَصَص الْمُفَسِّرِين، وأخْبَار الْمُؤَرِّخِين إلَّا مَا لا بُدّ مِنه ولا غِنَى عنه للتَّبْيِين، واعْتَضْتُ مِنْ ذلك تَبْيِين آي الأحْكَام بِمَسَائل تُسْفِر عن مَعْنَاها، وتُرْشِد الطَالِب إلى مُقْتَضَاهَا (٤). أمَّا لِمَاذا أعْرَضَ عنها؟ فلأنَّ "الإسْرَائيلِيَّات مَرْفُوضَة عند العُلَمَاء على البَتَات؛ فأعْرِض عن سُطُورِها بَصَرَك، وأصْمِم عن سَمَاعِها أُذُنَيْك، فإنَّها لا تُعْطِي فِكْرَك إلَّا خَيَالا، ولا تَزِيد فُؤادَك إلَّا خَبَالا" (٥).

стр. 37

والْمَقْصُود بِالْمَرْفُوض على البَتَات مَا تَعلَّق بِعِصْمَة الأنبياء والقَدْح فيهم؛ لأنه سَاق هذا القَوْل في قِصَّة أيوب ﵊، إلَّا أنَّ القرطبي لَم يَلْتَزَم بذلك، ولَم يُعْرِض عن سُطُورِها، بَلْ أَوْرَد في قِصَّة سُليمان ﵊ ما كَان الواجِب الإعْرَاض عنه (١). كَيْف وهو القَائل: "وفي الإسْرَائيلِيَّات كَثِير لَيس لَها ثَبَات، فلا يُعَوِّل عَليها مَنْ لَه قَلْب" (٢). ومِمَّا تَمَيَّز به تَفْسِير القرطبي: ٩ - عدم تَعَصُّب القرطبي لِمَذْهَبِه، فهو وَاسِع الأُفُق، لا يَضِيق بِالْمُخالِف ذَرْعًا! فهو يُورِد الأقْوَال ويُرجِّح مَا يَرَاه أقْرَب على الدَّلِيل وأقْوَى في التَّعْلِيل دُون النَّظر إلى الْمَذْهَب. بل إنه يَتعقَّب ابن العربي في مَوَاضِع مِنْ تَفْسِيرِه، خاصَّة فيما يُشَنِّع فيه ابن العربي على مُخَالِفيه. ومِثَاله: ما شَنَّع بِه ابن العربي على مُخَالِفِيه في مَسْألة فَرْعِيَّة، حيث قال: فَأمَّا إذا تَضَمَّن الْخَبَر حُكْمًا شَرْعِيًّا فَالأحْكَام تَتَبَدَّل وتُنْسَخ، جَاءَت بِخَبَر أوْ أمْر، ولا يَرْجِع النَّسْخ إلى نَفْس اللفْظ، وإنَّما يَرْجِع إلى مَا تَضَمَّنَه، فإذا فَهِمْتُم هَذا خَرَجْتُم عن الصِّنْف الغَبِيّ الذي أخْبَر الله عن الكُفَّار فِيه بِقَولِه: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [النحل: ١٠١]. الْمَعْنَى: أنَّهم جَهِلُوا أنَّ الرَّبّ يَأمُر بِمَا يَشَاء، ويُكَلِّف مَا يَشَاء، ويَرْفَع مِنْ ذَلك بِعَدْلِه مَا يَشَاء، ويُثْبِت مَا يَشَاء، وعِندَه أمّ الكِتَاب. فَتَعَقَّبَه القرطبي بِقَولِه: قلتُ: هذا تَشْنِيع شَنِيع! حتى يُلْحَق فِيه العُلَمَاء الأخْيَار في قُصُور الفَهْم بِالكُفَّار، والْمَسْألَة أصُولِيَّة، وهي أنَّ الإخْبَار عن الأحْكَام الشَّرْعيَّة هل

стр. 38

يَجُوز نَسْخُها أم لا؟ اخْتُلِف في ذَلك، والصَّحِيح جَوَازُه لِهَذِه الآيَة ومَا كَان مِثْلُها، ولأنْ الْخَبَر عن مَشْروعِيَّة حُكْمٍ مَا يَتَضَمَّن طَلَب ذَلك الْمَشْرُوع، وذلك الطَّلَب هو الْحُكْم الشَّرْعِي الذِي يُسْتَدَلّ على نَسْخِه. والله أعلم (١). "وكان يَنْتَقِد مَوقِف ابن العَرَبي مِنْ مُخَالِفِيه، ويُدافِع عنهم، ويَرُدّ عليه" (٢). "وخَيْر مَا في الرَّجُل (٣) أنه لا يَتَعَصَّب لِمَذْهَبِه الْمَالِكِي، بل يَمْشِي مع الدَّلِيل حَتَّى يَصِل إلى مَا يَرَى أنه الصَّوَاب أيًّا كَان قَائلُه" (٤). "وقد الْتَزَم الْمَذْهَب الْمَالِكِيّ إلَّا أنه لَم يَتَعَصَّب له، بل يُرَجِّح مَا يَرَى صَوابَه أيًّا كان قَائلُه" (٥). "وعلى الْجُمْلَة، فإنَّ القرطبي ﵀ في تَفْسِيرِه هذا حُرّ في بَحْثِه، نَزِيه في نَقْدِه، عَفّ في مُناقَشَتِه وجَدَلِه، مُلِمّ بالتَّفْسِير مِنْ جَمِيع نَواحِيه، بَارِع في كُلّ فَنّ اسْتَطْرَد إليه وتَكَلَّم فِيه" (٦). ثالثًا: مَعْنَى التَّعَارُض، وحَقِيقَته، وأهَمِّيَّة دَفْعِه مَعْنَى التَّعَارُض: في اللغة: هو الْمُقَابَلة. قال ابن منظور: وعَارَض الشَّيء بِالشَّيء مُعَارَضَة: قابَلَه، وعَارَضْتُ كِتَابِي بِكِتَابِه، أي: قَابَلْتُه (٧).

стр. 39

وقال البَعليّ: التَّعَارُض: مَصْدَر تَعَارَض الشَّيئان إذا تَقَابَلا، تَقُول: عَارَضْته بِمِثْل مَا صَنع، أي: أتَيْتُ بِمِثْل مَا أَتَى، فَتَعَارُض البيِّنَتَين أن تَشْهَد إحْدَاهُما بِنَفْي مَا أثْبَتَتْه الأُخْرَى، أوْ بِإِثْبَات مَا نَفَتْه (١). وفي الاصْطِلَاح اخْتُلِف في تَعْرِيفِه بِحَسَب أغْرَاض دَارِسِيه، والذي يَهُمّ البَاحِث هو تَعْرِيف الْمَعْتَنِين بالدِّرَاسات القُرآنية. قال الزركشي في أنْوَاع عُلُوم القُرْآن: النَّوْع الْخَامِس والثَّلاثُون: مَعْرِفَة مُوهِم الْمُخْتَلِف: وهو مَا يُوهِم التَّعَارُض بَيْن آيَاتِه، وكَلام الله ﷻ مُنَزَّه عن الاخْتِلاف، كَمَا قَال تَعالى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء: ٨٢] (٢). وحَقِيقَته مَا "قَدْ يَقَع للمُبْتَدِئ مَا يُوهِم اخْتِلافًا ولَيس بِه، فاحْتِيج لإزَالَتِه" (٣). "وقد تَكَلَّم فيه الصَّدْر الأوَّل، ابن عباس وغيره" (٤) وأزَال ما أشْكَل على السائل (٥). ويُقْصَد بِالتَّعَارُض الذِّهْنِي الذي قد يَبْدُو للقَارِئ عند مُحَاوَلَة الْجَمْع بَيْن آيَتَين. إذ لَيس في القُرْآن تَعَارُض، ولا هو مِنْ قَبِيل الْمُتَشَابِه، وإنَّمَا هو مِمَّا تَتَوَهَّمُه العُقُول. قال الأسْتاذ أبو إسحاق الإسفراييني: إذا تَعَارَضَتْ الآي وتَعَذَّر فِيها التَّرْتِيب والْجَمْع طُلِب التَّارِيخ وتُرِك الْمُتَقَدِّم مِنْهُما بِالْمُتَأخِّر، ويَكُون ذَلك نَسْخًا لَه، وإن لَم يُوجَد التَّارِيخ وكان الإجْمَاع على اسْتِعْمَال إحْدَى الآيَتَين عُلِم بِإجْمَاعِهم أنَّ النَّاسِخ مَا أجْمَعُوا على العَمَل بِها. قال: ولا يُوجَد في القُرْآن آيَتَان مُتَعَارِضَتَان تَعْرَيَان عن هَذَين الوَصْفَيْن (٦).

стр. 40

قال الشاطبي: الْمُتَشَابِهَات ليست مِمَّا تُعَارِض مُقْتَضَيَات العُقُول، وإن تَوَهَّم بَعْض النَّاس فِيها ذلك، لأنَّ مَنْ تَوَهَّم فِيها ذلك فَبِنَاء على اتِّبَاع هَوَاه، كَمَا نَصَّت عَليه الآيَة قوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) [آل عمران: ٧] لا أنه بِنَاء على أمْرٍ صَحِيح، فإنه إن كَان كَذلك فالتَّأوِيل فيه رَاجِع إلى مَعْقُول مُوَافِق لا إلى مُخَالِف (١). وقال ابن تيمية: عَامَّة مَوَارد التَّعَارُض هي من الأمُور الْخَفيَّة الْمُشْتَبهة التي يَحَار فيها كثير مِنْ العُقلاء، كَمَسَائل أسْمَاء الله وصِفاته وأفْعاله، ومَا بَعد الْمَوْت مِنْ الثَّوَاب والعِقاب، والجنة والنار، والعَرْش والكُرْسي، وعَامَّة ذلك مِنْ أنْبَاء الغَيب التي تَقْصُر عُقول أكثر العُقلاء عن تَحقيق مَعرفتها بِمُجَرَّد رَأيهم، ولهذا كان عامَّة الْخَائضِين فيها بِمُجَرَّد رَأيهم إمَّا مُتَنَازِعين مُخْتَلِفين، وإمَّا حَيَارَى مُتَهَوِّكِين (٢). ولإيهَام الاخْتِلاف والتَّعَارُض أسْبَاب (٣)، ولَهُم مُرجِّحَات عند التَّعَارُض (٤). ويَتَطَرَّق هَذا البَحْث إلى مَا يُسَمِّيه العُلَمَاء "مُشْكِل القُرْآن"، أوْ "مُوهِم الاخْتِلاف والتَّنَاقُض". وهذا مَبْحَث نَفِيس، وفَنّ لَطِيف يَحْتَاج إليه طَالِب العِلْم في حَيَاته العِلْمِيَّة الشَّامِلَة بَاب "التَّعَارُض والتَّرْجِيح"، وهو بَاب يُفِيد في الْحَيَاة العِلْمِيَّة والعَمَلِيَّة" (٥). و "تَعَارُض دَلالات الأقْوَال وتَرْجِيح بَعْضِها على بَعض بَحْرٌ خِضَم" (٦).

стр. 41

أهَمِّيَّة دِراسَتِه: ١ - بَيَان وُجُوه إعْجَاز القُرْآن (١) مِمَّا قد يُظَنّ أنّه تَعارُض وهو وَجْه مِنْ وُجوه بَيَان القرآن، وأمْثِلَتُه كَثِيرَة، فمن ذلك: التَّعْبِير بِحَرْف دُون آخَر، في مَوْضِع دُون آخَر، كَالتَّعْبِير عن "مَكَّة" مرّة بِالبَاء: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ) [آل عمران: ٩٦] ومَرَّة بِالْمِيم: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ) [الفتح: ٢٤]، وذلك أنَّ البَّكّ مأخُوذ مِنْ الزِّحَام (٢)، فالتَّعْبِير جَاء بِالبَاء (بَكَّة) في ذِكْر الْحَجّ، وهو أشَدّ ما يَكُون مِنْ الزَّحَام فيها، وبِالْمِيم (مكَّة) في غير ذلك. وقِيل غير ذلك (٣). والأمْثِلَة على ذَلك كَثيرة جِدًّا، وقد اعْتَبَرَها بَعض الْجَهَلَة مِنْ أعدَاء الإسْلام مِنْ قَبِيل التَّناقُض! وهي وَجْه مِنْ وُجُوه إعْجَاز القُرْآن وكَمَال بَيَانِه. ٢ - دَفْع تَوَهُّم التَّعَارُض، وإزَالَة مَا قد يَعْلَق بِبعض الأذْهَان من إشْكَال، ودَحْض كُلّ شُبْهَة تَتعَلَّق بالقرْآن ورسْمِه وبَيَانِه. "وإنَّمَا سُمِّيَت الشُّبْهَة شُبْهَة؛ لاشْتِبَاه الْحَقّ بِالبَاطِل فِيها، فَإنَّها تَلْبَس ثَوْب الْحَقّ على جِسْم البَاطِل! وأكْثَر النَّاس أصْحَاب حُسْنِ ظَاهِرٍ، فَيَنْظُر النَّاظِر فِيمَا أُلْبِسَتْه مِنْ اللبَاس فَيَعْتَقِد صِحَّتها" (٤). ولذلك "ألَّف النَّاس في رَفْع التَّنَاقُض والاخْتِلاف عن القُرْآن والسُّنَّة كَثِيرًا" (٥). ٣ - إيضَاح أوْجُه الْجَمْع بَيْن الآيَات، وبَيَان فُنُون الكِتَاب العَزيز، مِنْ عَامّ وخَاصّ، ومُحْكَم ومُتشَابِه، ونَاسِخ ومَنْسُوخ، وتَقْدِيم وتَأخِير، ومَا يَتَعلَّق باخْتِلاف الْمُناسَبَات والأحْوَال؛ إلى غير ذلك مِمَّا يُزِيل اللبْس الذي قد يَنْشَأ عند كَثِير مِنْ النَّاس.

стр. 42

٤ - زِيَادَة الإيمان، وتَرْسِيخ اليَقِين، بأنَّ هذا القُرْآن (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فصلت: ٤٢]، وبأنَّ الله تَكَفَّل بِحِفْظِه، ولَم يَجْعَل حِفْظَه إلى أحَدٍ مِنْ خَلْقِه. وهذا مَطْلَب مُلِحّ، وأمْر مُهِمّ، خاصَّة في زَمَنِ الانفِتَاح الثَّقَافِي، ومَا تُوَاجِهه الأمَّة الإسْلامِيَّة مِنْ حُرُوب على شَتَّى الْمَيَادِين، إذ تُوجَد قُنَوَات فَضَائية ووَسَائل إعْلامِيَّة، ومَوَاقِع إلِكْتُرُونِيَّة، تَهْدِف إلى تَشْكِيك الْمُسْلِم بِدِينِه، وأوَّل ما يُسْعَى لِهَدْمِه هو: إسْقَاط الثِّقَة بأعْظَم كِتَاب، وهو القُرْآن؛ لأنه الدُّسْتُور الذي تَسْتَمِدّ مِنه الأمَّة قُوَّتها، وهو مَصْدَر عِزَّتِها، وسَبِيل نُصْرَتِها. فإذا تَمّ التَّشْكيك بالقُرْآن هَان سَلْخ الْمُسْلِم مِنْ دينه، وتَجْرِيدِه مِنْ إيمانِه. ومِن هُنا تَبْرُز أهَمِيَّة دِراسَة دَرْء التَّعَارُض، ودَفْع تَوَهُّم التَعَارُض بَيْن آيات الكِتَاب.

стр. 43

الفصل الأول طُرق دفع توهّم التعارض بين الآيات وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: من خلال النَّسْخ المبحث الثاني: فيما يتعلّق بالخصوص والعموم. المبحث الثالث: مِنْ خلال القول بالتقديم والتأخير. المبحث الرابع: فيما يتعلّق باختلاف المناسبة.

стр. 44

طُرق دفع توهّم التعارض بين الآيات سَلَك الإمَام القُرْطُبي في تَفْسِيره "الْجَامِع لأحْكَام القُرآن" عِدّة طُرُق لِدَفْع التَّعَارُض الْمُتَوَهَّم بين آيات الكِتَاب العَزِيز. ومِن تِلك الطُّرُق القَوْل بالنَّسْخ، والنَّسْخ "شَرْعًا أن يَرِد دَليل شَرعِي مُتَرَاخِيا عن دَليل شَرعي مُقْتَضِيًا خِلاف حُكْمه، فهو تَبديل بالنَّظَر إلى عِلْمِنا، وبيان لِمُدّة الْحُكْم بالنَّظَر إلى عِلْم الله" (١). وعُرِّف بأنه: رَفْع الْحُكْم الثَّابِت بِطَرِيق شَرْعي بِمِثْلِه مُتَرَاخٍ عنه (٢). وفِي مَبْحَث دَفْع تَوهّم التَّعارُض مِنْ خِلال النَّسْخ لن أتَطَرق لِكُلّ نَسْخ في القُرآن، ولا لِكُلّ قَول بالنَّسْخ، لأنه ليس كل نَسْخ يُتَوهَّم معه التَّعَارُض، فإن نَسْخ التِّلاوَة لا يَظْهَر مَعه تَعَارُض، إذ لا بَقَاء للنَّصّ مع نَسْخ التِّلاوَة. ومِن مَسَائل النَّسْخ في القُرآن ما أُثبِت فيها الناسِخ دُون الْمَنْسُوخ، وهَذه الْمَسَائل لا يَظْهَر فِيها وَجْه التَّعَارُض، كَنَسْخِ القِبْلَة مِنْ بَيْت الْمَقْدِس إلى الْمَسْجِد الْحَرَام، فإنَّ أصْل التَّشْرِيع لم يَكن بِقُرآن يُتْلى. قال القرطبي في قوله تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا) [البقرة: ١٤٢]: في هَذه الآية دَلِيل وَاضِح على أن في أحْكَام الله تعالى وكِتابِه نَاسِخًا ومَنْسُوخًا، وأجمعت عليه الأمة إلَّا مَنْ شَذّ. وأجْمَع العُلَماء على أن القِبْلة أوَّل ما نُسِخ مِنْ القُرآن .... ودَلَّت أيضًا على جَواز نَسْخ السُّنة بالقُرآن، وذلك أنَّ النبي ﷺ صَلَّى نَحْو بَيْتِ الْمَقْدِس وليس في ذلك قُرآن، فلم يَكن الْحُكْم إلَّا مِنْ جِهَة السُّنَّة، ثم نُسِخ ذلك بالقُرآن (٣). وهذا أوَان بَيَان مَنْهَج القرطبي في دَفْعِ توهّم التَّعارُض مِنْ خِلال القَوْل بالنَّسْخ:

стр. 45

المبحث الأول: من خلال النَّسْخ مِنْ الطُّرُق التي سَلَكَها الإمَام القُرْطُبي في دَفْع التَّعَارُض الْمُتَوَهَّم تَرْجِيح أحَد القَولَين على الآخَر مِنْ خِلال الْقَوْل بِالنَّسخ، وذلك مَسْلَك مَعْرُوف عِنْد أهْل العِلْم، فالقَول بالنَّسخ وَجْه مِنْ وُجُوه الْجَمْع بَيْن الآيَات، "لأنَّ النَّصّ يَقْبَل التَّخْصِيص والتَّأوِيل والنَّسْخ" (١)، و "النَّسخ إنّمَا يَكُون عِند عَدَم الْجَمْع" (٢). والعلماء يشترطون للقول بالنسخ شروطًا ثلاثة: أحَدُها: عَدَم إمْكَانِيَّة الْجَمْع بَيْن القَولَين. الثاني: مَعْرِفَة الْمُتَقَدِّم مِنْ الْمُتَأخِّر. الثالث: تَكَافُؤ الأَدِلَّة (٣). أمَّا إذا أمْكَن الْجَمْع بين القَولَين فَلَيْس أحَدُهُمَا أوْلى بالقَبول والعَمَل مِنْ الآخَر. قال ابنُ جَرير: لا يُحْكَم لِحُكْمٍ في آيَة بِالنَّسْخ إلَّا بِخَبَرٍ يَقْطَع العُذْر، أوْ حُجَّة يَجِب التَّسْلِيم لَهَا (٤). وقَال ابنُ حَزْم: القَوْلَين إذا تَعَارَضَا وأمْكَن أن يُستَثْنَى أحَدُهما مِنْ الآخَر فيُسْتَعْمَلان جَمِيعًا، لم يَجُز غَير ذَلك، وسَوَاء أيْقَنَّا أيُّهُمَا أوّل أوْ لَم نُوقِن، ولا يَجُوز القَول بالنَّسْخ في ذَلك إلَّا بِبُرْهَان جَلِيّ مِنْ نَص، أو إجْمَاع، أو تَعَارُض لا يُمْكِن مَعَه اسْتِثْنَاء أحَدِهما مِنْ الآخَر (٥). وقال الشنقيطي: الْجَمْع وَاجِب إذا أمْكَن، وهو مُقَدَّم عَلى التَّرجِيح بَيْن الأَدِلَّة كَمَا عُلِم في الأُصُول (٦).

стр. 46

وهم يَطرِدُون ذَلك في أدِلَّة الوَحْيَيْن. قال أحْمَد شَاكِر: إذا تَعَارَض حَدِيثَان ظَاهِرًا، فإن أمْكَن الْجَمْع بَيْنَهُما فلا يُعْدَل عَنه إلى غَيْرِه بِحَالٍ، ويَجِب العَمَل بِهما (١). المثال الأول: الوَصِيَّة للوَارِث: من أول المواضِع التي دَفَع عنها القُرْطبي التَّعَارُض بالقَول بالنَّسْخ: مَا جَاء في قَوله تَعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِين) [البقرة: ١٨٠] مَع قَسْم الْمَوَارِيث في سُورَة النِّسَاء. صورة التعارض: في آية "البَقَرَة" جَوَاز الوَصِيَّة للوَالِدَين والأقْرَبِين، وفي آيات سُورَة النِّسَاء إعْطَاء كل ذي حَقٍّ مِنْ الوَرَثة حقَّه. قال القرطبي: اخْتَلَف العُلَمَاء في هَذه الآيَة: هَلْ هِي مَنْسُوخَة أو مُحْكَمَة؟ فقيل: هي مُحْكَمَة ظَاهِرها العُمُوم ومَعْنَاهَا الْخُصُوص في الوَالِدَين اللذين لا يَرِثَان كَالْكَافِرَين والعَبْدَين، وفي القَرَابَة غَير الوَرَثَة، قَالَه الضحاك وطاوس والحسن واختاره الطبري .... وقَال ابن المنذر: أجْمَع كُلّ مَنْ يُحْفَظ عَنه مِنْ أهْل العِلْم على أنَّ الوَصِيَّة للوَالِدَين اللذين لا يَرِثَان والأقْرِبَاء الذين لا يَرِثُون - جَائزَة. وقال ابن عباس والحسن أيضًا وقتادة: الآيَة عَامَّة، وتَقَرَّرَ الْحُكْم بِهَا بُرْهَة مِنْ الدَّهْر، ونُسِخَ مِنْها كُلّ مَنْ كَان يَرِث بآية الفَرَائض. وقد قيل: إن آية الفَرائض لم تَسْتَقلّ بنَسْخها، بل بضَميمَة أُخْرى، وهي قَوله ﵇: "إنَّ اللهَ قَدْ أَعْطَى لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّه، فَلا وَصِيَّة لِوَارِث". رَواه أبو

стр. 47

أُمَامَة، أخْرَجَه التِّرْمِذِي (١) وقال: هَذا حَدِيث حَسَن صَحِيح. فَنَسْخُ الآية إنَّمَا كَان بالسُّنَّة الثَّابِتَة لا بالإرْث على الصَّحِيح مِنْ أقْوَال العُلَمَاء، ولَوْلا هَذا الْحَدِيث لأمْكَن الْجَمْع بَيْن الآيَتَين بأن يَأخُذُوا الْمَال عَنْ الْمُوَرِّث بِالوَصِيَّة، وبِالْمِيرَاث إنْ لَم يُوصِ، أوْ ما بَقِي بعد الوصية، لكن مَنَعَ من ذلك هذا الحديث والإجْمَاع .... فقد ظَهر أن وُجوب الوصية للأقْرَبين الوارِثين مَنْسُوخ بالسُّنَّة، وأنها مُسْتَنَد الْمُجْمِعين، والله أعلم. وقَال ابنُ عَباس والْحَسَن: نُسِخَت الوَصِيَّة للوَالِدَين بالفَرْض في سُورَة النِّسَاء، وثَبَتَتْ للأقْرَبين الذِين لا يَرِثُون. وهو مَذْهَب الشافعي وأكْثَر الْمَالِكِيِّين (٢)، وجَمَاعَة مِنْ أهْل العِلْم. وفي البُخاري (٣) عَنْ ابنِ عباس قَال: كَان الْمَال للوَلَد، وكَانَتِ الوَصِيَّة للوَالِدَين فَنَسَخَ [الله] (٤) مِنْ ذَلك مَا أحَبّ، فَجَعَلَ للذَّكَرِ مِثْل حَظّ الأُنْثَيَين، وجَعَلَ للأبَوَين لِكُلّ وَاحِد مِنْهُمَا السُّدُس، وجَعَلَ للمَرْأة الثُّمُن والرُّبُع، وللزَّوج الشَّطْر والرُّبُع. وقال ابنُ عُمر وابنُ عَباس وابنُ زَيد: الآيَة كُلّها مَنْسُوخَة، وبَقِيَتِ الوَصِيَّة نَدْبًا (٥). مُلخَّص جواب القرطبي: ١ - أنَّ آيَة "البَقَرة" في الوَصِيَّة للوَالِدَين والأقْرَبِين مَنْسُوخَة بِفَرْض الْمَوَارِيث في سُورَة النِّسَاء وبِالْحَدِيث.

стр. 48

٢ - أن النَّسْخ ثابِت في حَقّ الوارِثِين، والوَصِيَّة بَاقِيَة على النَّدْب لِغَيْر ذَوي الفُرُوض. ٣ - الآيَة كُلّها مَنْسُوخَة، وبَقِيَتِ الوَصِيَّة نَدْبًا. مُقارنة جوابه وجَمْعه بين الآيات بجَمْع غيره من العلماء: أوْرَد ابنُ جَرير سُؤالًا في آيَة "البَقَرَة" قَال فِيه: فإن قَال قَائل: قَدْ عَلِمْتَ أنَّ جَمَاعة مِنْ أهْل العِلْم قَالُوا: الوَصِيَّة للوَالِدَين والأقْرَبِين مَنْسُوخة بِآيَة الْمِيرَاث؟ قِيلَ لَه: وخَالَفَهم جَمَاعَةٌ غَيرُهم فَقَالُوا: هي مُحْكَمَة غَيرُ مَنْسُوخَة. وإذا كَان في نَسْخ ذلك تَنَازُع بَيْن أهْل العِلْم، لم يَكُنْ لَنَا القَضَاءُ عَليه مَنْسُوخ إلَّا بِحُجَّة يَجِب التَّسْلِيم لَهَا، إذْ كَان غَير مُسْتَحِيل اجْتِمَاع حُكْم هَذه الآيَة وحُكْم آيةِ الْمَوَارِيث في حَال وَاحِدةٍ على صِحَّةٍ، بِغير مُدَافَعةِ حُكْم إحْدَاهُما حُكْمَ الأخْرَى - وكَان النَّاسِخ والْمَنْسُوخ هُمَا الْمَعنَيَان اللذَان لا يَجوز اجْتِماع حُكْمِهما على صِحَّةٍ في حَالة واحِدة، لنَفْي أحَدهما صَاحبَه. ثُمَّ ذَكَر الْخِلاف في ذَلك فَقَال: واخْتَلَف أهْل العِلْم في حُكْم هَذه الآيَة؛ فَقَال بَعْضُهم: لم يَنْسَخِ اللهُ شَيْئًا مِنْ حَكْمِها، وإنَّمَا هِي آيَة ظَاهِرُهَا ظَاهِر عُمُوم في كُلّ والِد ووالِدة وقَرِيب، والْمُرَاد بِهَا في الْحُكْم البَعْض مِنْهم دُون الْجَمِيع، وهو مَنْ لا يَرِث مِنْهُم الْمَيِّتَ دُون مَنْ يَرِث. وقال آخَرُون: بَلْ هِي آيَة قَدْ كَان الْحُكْم بِهَا وَجَب، وعُمِل به بُرْهة، ثم نَسَخَ اللهُ مِنْها بِآيَة الْمَوَارِيث الوَصِيَّة لِوالِدَيّ الْمُوصِي وأقْرِبَائه الذِين يَرِثُونَه، وأقَرّ فَرْض الوَصِيَّة لِمَنْ كَان مِنْهُم لا يَرِثَه.

стр. 49

وقال آخَرُون: بل نَسَخَ الله ذَلك كُلّه بِآيَة الفَرَائض والْمَوَارِيث، فَلا وَصِيَّة تَجِب لأحَدٍ عَلى أحدْ قَرِيب ولا بَعِيد (١). واحْتَجّ السَّمرقندي بِمَا "رَوَى ابنُ أبي نجيح عن عَطاء قَال: كَان ابنُ عَباس يَقول: كَان الْمِيرَاث للوَلَد، وكَانَتِ الوَصِيَّة للوالِدين والأقْرَبين، فَنَسَخَ الله مِنْ ذَلك مَا أحَبّ، فَجَعَل للذَّكَر مِثْل حَظّ الأنْثَيَيْن، وجَعَلَ للوالِدين لِكُلّ واحِد مِنْهُمَا السُّدُس، وللمَرْأة الثُّمُن أوْ الرُّبُع، وللزَّوْج النِّصْف أوْ الرُّبُع" (٢). وقال السَّمْعَاني وهو يَذْكُر أوْجُه النَّسْخ: ومِنْه مَا يُوجِب رَفْع الْحُكْم دُون التِّلاوَة، مِثْل آيَة الوَصِيَّة للوَالِدَين والأقرَبين (٣). وقال في مَوْضِع آخَر: وذَلك أنَّ الوَصِيَّة كَانَتْ وَاجِبَة في ابْتِدَاء الإسْلام للوَالدَين والأقْرَبِين، ثم صَار مَنْسُوخًا بآيَة الْمِيرَاث (٤). في حين احْتَجَّ الثعلبي بِآيَة الْمَوَارِيث وبِالْحَدِيث، فَقَال: فآية الْمَوَارِيث هِي لَنَا حُجَّة، وقَول رَسُولِ اللهِ ﷺ هو الْمُبيِّن (٥). ومِمَّن قَال بالنَّسْخ البَغَوي حَيث قَال: كَانَتِ الوَصِيَّة فَرِيضَة في ابْتِدَاء الإسْلام للوالِدَين والأقْرَبِين عَلى مَنْ مَات ولَه مَال، ثم نُسِخَتْ بِآيَة الْمِيرَاث (٦).

стр. 50

وأمَّا الرَّازي فإنه ذَكَر في الآيَة وَجْهَين، فَنَقَل الوَجْه الأول عن الأصمّ، وهو: أنهم كانوا يُوصُون للأبْعَدِين طَلَبًا للفَخْر والشَّرف، ويَتْرُكون الأقارب في الفَقر والْمَسْكَنة، فأوْجَب الله تعالى في أوّل الإسلام الوَصِية لهؤلاء مَنْعًا للقوم عما كانوا اعتادوه؛ وهذا بَيِّن. ونَقَل الوجه الثاني عن آخرين، وهو: أن إيجاب هذه الوَصية لَمَّا كان قبل آية المواريث جَعَل الله الْخِيار إلى الْمُوصِي في مَالِه، وألزمه ألا يتعدَّى في إخْرَاجه مَاله بعد مَوته عن الوالدان والأقربين، فيكون واصِلًا إليهم بِتَمْليكه واخْتياره، ولذلك لَمَّا نَزَلَت آية المواريث قال ﵊: إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لِوَارِث (١). فَبَيَّن أن ما تَقدم كان واصِلًا إليهم بعَطِية الْمُوصِي، فأما الآن فالله تعالى قَدَّر لكل ذي حق حقه، وأن عَطِية الله أوْلى مِنْ عَطية الْمُوصِي، وإذا كان كذلك فلا وَصية لوارث ألبتة؛ فعلى هذا الوجه كانت الوصية مِنْ قبل وَاجِبة للوالدين والأقربين (٢). ومُقْتضى قَول الرازي، القَول بأن الآية مَنْسُوخة. وقال الزمخشري: والوَصِيّة للوَارِث كَانَتْ في بَدْء الإسْلام، فنُسِخَتْ بِآيَة الْمَوَارِيث، وبِقَولِه ﵊: "إنَّ اللهَ أعْطَى كُلّ ذِي حَقّ حَقَّه، ألَا لَا وَصِيَّة لِوارِث" (٣) وبِتَلَقِّي الأمّة إيَّاه بالقَبول حتى لَحِقَ بالْمُتَواتِر (٤). ثم ذَكَر وَجْهًا آخَر في الْجَمْع بين الآيات، فقال: وقيل: لم تُنْسَخ، والوَارِث يُجْمَع لَه بَيْن الوَصيَّة والْمِيرَاث بِحُكْم الآيَتَين. وقِيل: مَا هي بِمُخَالِفة لآيةِ الْمَوَارِيث، مَعْنَاهَا: كُتِبَ عَلَيْكُم مَا أوْصَى بِه الله مِنْ تَورِيث الوَالِدين والأقْرَبِين مِنْ قَوله تَعالى

стр. 51

(يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) [النساء: ١١]، أوْ كُتِبَ عَلى الْمُحْتَضَر أن يُوصِي للوَالِدَين والأقْرَبِين بِتَوفِير مَا أوْصَى بِه الله لَهُمْ عَليهم، وألا يُنْقَص مِنْ أنْصِبَائهم (١). ورجّح ابن جُزي القَول بالنَّسْخ، فَقَال: (الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) كانت فَرْضًا قَبْل الْمِيرَاث، ثُمّ نَسَخَهَا آيَة الْمِيرَاث مَع قَوْلِه ﷺ : "لا وَصِيَّة لِوَارِث" وَبَقِيَتِ الوَصِيَّة مَنْدُوبَة لِمَنْ لا يَرِث مِنْ الأقْرَبين. وقِيل: مَعْنَاهَا الوَصِيَّة بِتَوْرِيث الوَالِدَين والأقْرَبِين عَلى حَسَب الفَرَائض، فلا تَعَارُض بَيْنَها وبَيْن الْمَوَارِيث ولا نَسْخ، والأوَّل أشْهَر (٢). ونَقَل ابنُ كَثير عن ابن أبي حَاتم رِوايته عن ابنِ عباس في قَولِه: (الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) قال: نَسَخَتْها هَذه الآيَة: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا) [النساء: ٧]. ثم قال ابن كثير: والعَجَب مِنْ أبي عبد الله محمد بن عمر الرازي ﵀ كَيف حَكَى في تَفْسِيرِه الكَبير عَنْ أبي مُسْلِم الأصْفَهَاني أنَّ هَذه الآيَة غَير مَنْسُوخَة، وإنَّمَا هِي مُفسَّرَة بآيَة الْمَوَارِيث (٣). ثم ذَكَر التَّفْصِيل في هَذه الْمَسْألَة، وخَرَّج الْمَسْألَة عَلى قَول مَنْ يَقُول: إنَّ الوَصِيَّة مَنْدُوب إِلَيْها في أوَّل الأمْر، وعَلى قَول مَنْ يَقول: كَانَتْ وَاجِبَة. ثم قال: وهو الظَّاهِر مِنْ سِيَاق الآيَة، فَيَتَعَيَّن أن تَكُون مَنْسُوخَة بِآيَة الْمِيرَاث، كَمَا قَاله أكْثَر الْمُفَسِّرِين والْمُعْتَبَرين مِنْ الفُقَهاء (٤).

стр. 52

ولم يُشِر القَاسِمي في تَفْسِير هَذه الآيَة إلى حُكْم الوَصِيَّة (١). وقال الشنقيطي: التَّحْقِيق أنَّ النَّسْخ وَاقِع فِيها يَقينًا في البَعْض، لأنَّ الوَصِيَّة للوَالِدَين الوَارِثَين والأقَارِب الوَارِثِين رُفِع حُكْمُهَا بَعْد تَقَرُّرِه إجْمَاعًا، وذَلك نَسْخ في البَعْض لا تَخْصِيص قَصْر العَامِّ عَلى بَعْض أفْرَادِه لِدَلِيل (٢)، أمَّا رَفْع حُكْمٍ مَعَيَّن بَعْد تَقَرُّرِه فهو نَسْخ لا تَخْصِيص، كَمَا هو ظَاهِر، وقد تَقَرر في عِلْم الأصُول إنّ التَّخْصِيص بَعْد العَمل بالعَامِّ نَسْخ (٣). رأي الباحث: ١ - آيَة "البَقَرَة" مَنْسُوخَة، ومما يُقوّي القَول بالنَّسْخ: أ- آيَات الْمَوَارِيث، وحَدِيث: "لا وَصِية لِوَارِث". ب- أنّ مِنْ شُروط القَول بالنَّسْخ تَعَارُض النّصُوص وتَعَذّر الْجَمع بينها (٤)، و "النَّسخ إنّمَا يَكُون عِند عَدَم الْجَمْع" (٥). وهُنا تَعَذّرَت الوَصِيّة للوَالِدَين مَع الفَرْض والنَّصّ، فنُسِختِ الوَصِيَّة في حَقِّ الوَالِدَين، ونُسِخ وُجُوبُها في حَقِّ غَيْرِهم. ٢ - أنَّ "مِنْهم مَنْ قَال: إنَّهَا مَنْسُوخَة فِيمَن يَرِث، ثَابِتَة فِيمَن لا يَرِث … ولَكِن عَلى قَول هَؤلاء لا يُسَمَّى هَذا نَسْخًا في اصْطِلَاحِنَا الْمُتَأخِّر، لأنَّ آيَة الْمَوَارِيث إنَّمَا رَفَعَت حُكْم بَعْض أفْرَاد مَا دَلّ عَلَيه عُمُوم آيَة الوصَايَة، لأنَّ الأقْرَبِين أعَمَّ مِمَّنْ يَرِث ومَن لا يَرِث، فَرُفِع حُكْم مَنْ يَرث بِمَا عُيِّن لَه، وَبَقِيَ الآخَر عَلى مَا دَلَّتْ عَليه

стр. 53

الآيَة الأُولى، وهَذا إنَّمَا يَتَأتَّى عَلى قَول بَعْضِهم أنَّ الوِصَايَة (١) في ابْتِدَاء الإسْلام إنَّمَا كَانَتْ نَدْبًا حَتَّى نُسِخَتْ، فأمَّا مَنْ يَقُول: إنَّهَا كَانَتْ وَاجِبَة - وهو الظَّاهِر مِنْ سِيَاق الآيَة - فَيَتَعَيَّن أن تَكُون مَنْسُوخَة بِآيَة الْمِيرَاث، كَمَا قَالَه أكْثَر الْمُفَسِّرِين والْمُعْتَبَرِين مِنْ الفُقَهَاء" (٢). ٣ - مَا يَتَعَلَّق بِالأَقْرَبين غَير الوَارِثين، فَهو بَاقٍ عَلى النَّدْب مَع الْحَاجَة وكَثْرَة الْمَال، ومَا يَتَعَلَّق بالنَّفَقَة عَلى الوَالِدَين بَاقٍ عَلى الإيجاب إذَا لَم يَقْوَيا عَلى التَّكَسُّب والْمِلْك. "وإنَّمَا ذُكِر في الآيَة مَنْ ذُكِر عَلى وَجْه التَّنْبِيه عليهم؛ لأنهم مِنْ أهَمّ مَنْ يُدْفَع إلَيه قال الزَّجَّاج مُحْتَجًّا لِمَالِك: قَال اللهُ : (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) [البقرة: ٢١٥]، وللرَّجُل - جَائزٌ بإجْمَاع العُلَمَاء - أن يُنْفِق في غَيْر هَذه الأصْنَاف إذا رَأى ذَلك (٣). المثال الثاني: في عِدَّة الْمُتَوفَّى عَنها زَوْجُها: قَولُه تَعَالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) [البقرة: ٢٣٤] مع قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) [البقرة: ٢٤٠].

стр. 54

صورة التعارض: "قَوله تَعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) [البقرة: ٢٣٤] هَذِه الآيَة يَظْهَر تَعَارُضها مَع قَوله تَعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) [البقرة: ٢٤٠] " (١). وهَاتَان الآيَتَان مِمَّا سَأل عَنْهُما ابنُ الزُّبَير ﵁ عُثْمَانَ بنَ عَفَّان ﵁، واسْتَشْكَل كَون النَّاسِخ قَبْل الْمَنْسُوخ. رَوَى البُخَاري عن ابنِ الزُّبير قال: قُلْتُ لِعُثْمَان بن عفان: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا) [البقرة: ٢٤٠] قَال: قد نَسَخَتْها الآيَة الأُخْرَى (٢)، فَلِمَ تَكْتُبُهَا أو تَدَعُهَا؟ قَال: يا ابْن أخِي لا أُغَيِّر شَيئًا مِنْه مِنْ مَكَانِه (٣). جَمْع القرطبي: قَال القُرطبي في الآيَة الأُولى: وأكْثَر العُلَمَاء عَلى أنَّ هَذه الآيَة نَاسِخَة لِقَولِه : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) [البقرة: ٢٤٠]؛ لأنَّ النَّاس أقَامُوا بُرْهة مِنْ الإسْلام إذا تُوفِّي الرَّجُل وخَلَّف امْرَأته حَامِلًا أوْصَى لَهَا زَوْجُها بِنَفَقَة سَنَة، وبالسُّكْنَى مَا لَم تَخْرُج فَتَتَزَوّج، ثم نُسِخَ ذلك بأرْبَعَة أشْهُر وعَشْر وبالْمِيرَاث (٤).

стр. 55

وقَال في مَوْضِع آخَر: قَوله تَعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا) [البقرة: ٢٤٠] ذَهَب جَمَاعة مِنْ الْمُفَسِّرين في تَأوِيل هَذه الآيَة أنَّ الْمُتَوفَّى عَنْها زَوْجُها؛ كَانَتْ تَجْلِس في بَيْت الْمُتَوفَّى عَنْها حَوْلًا، ويُنْفَق عَليها مِنْ مَالِه مَا لَم تَخْرُج مِنْ الْمَنْزِل، فَإنْ خَرَجَتْ لَم يَكُنْ عَلى الوَرَثَة جُنَاح في قَطْع النَّفَقَة عَنْها، ثم نُسِخ الْحَول بالأرْبَعَة الأشْهُر والعَشْر، ونُسِخَتِ النَّفَقَة بالرُّبُع والثُّمُن في سُورَة النَّسَاء (١). ونَقَل عَنْ ابنِ عَطية قَوله: وهَذا كُلّه قَدْ زَال حُكْمه بالنَّسْخ الْمُتَّفَق عَليه، إلّا مَا قوّله الطبريُّ (٢) مُجاهدًا رَحمَهُمَا الله تَعالى، وفي ذَلك نَظَر عَلى الطَّبَري. وقَال القَاضِي عِيَاض: والإجْمَاع مُنْعَقِد عَلى أنَّ الْحَوْل مَنْسُوخ، وأنَّ عِدّتها أرْبَعَة أشْهُر وعَشْر. قَال غَيْرُه: مَعْنَى قَولِه: (وَصِيَّةً)، أي: مِنْ اللهِ تَعالى تَجِب عَلى النِّسَاء بَعْد وَفَاة الزَّوْج بِلُزُوم البُيُوت سَنَة، ثم نُسِخ (٣). وقَال: وكَذلك سَائر الآيَة، فَقَوله : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) [البقرة: ٢٤٠] مَنْسُوخ كُلّه عِنْد جُمْهُور العُلَمَاء، ثُم نُسِخ الوَصِيَّة بالسُّكْنَى للزَّوْجَات في الْحَوْل، إلَّا رِواية شَاذَّة مَهْجُورة جَاءت عن ابن أبي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد لَم يُتابَع عَلَيها (٤)، ولا قَال بِهَا فِيما زَادَ على الأرْبَعَة الأشْهُر والعَشْر

стр. 56

أحَد مِنْ عُلَمَاء الْمُسْلِمِين مِنْ الصَّحَابة والتابعين ومَن بَعدهم فِيمَا عَلِمْتُ. وقد رَوى ابن جُريج عن مُجاهد مِثل ما عَليه الناس، فانْعَقَد الإجماع، وارْتَفع الْخِلاف (١). مُلخَّص جواب القرطبي: ١ - أنَّ الآيَة الثَّانِيَة نَزَلتْ في أوَّل الأمْر، وأقَام النَّاس عَليها بُرْهة مِنْ الزَّمَن ثُم نُسِخَتْ. ٢ - أنَّ أكْثَر العُلَمَاء عَلى القَول بالنَّسْخ، وأنَ الآيَة الأُولى نَاسِخَة للآيَة الثَّانِيَة. ٣ - يَرَى أخِيرًا: انْعِقَاد الإجْمَاع عَلى القَول بالنَّسْخ وارْتِفَاع الْخِلاف. مُقارنة جوابه وجَمْعه بين الآيات بِجَمْع غيره من العلماء: رَجَّح ابنُ جرير قِراءَة مَنْ قَرأ (وَصِيَّةً) بالرَّفْع، وعَلَّل ذَلك بِدَلالة "ظَاهِر القُرْآن عَلى أنَّ مُقَام الْمُتَوفَّى عَنها زَوْجُها في بَيْت زَوجِها الْمُتَوَفَّى حَوْلًا كَامِلًا كَان حَقًّا لها قَبْل نُزُول قَوله: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)، وقبل نُزول آيَة الْمِيرَاث، ولِتَظَاهُر الأخْبَار عَنْ رَسُول الله ﷺ بِنَحْو الذي دَلّ عَليه الظَّاهِر مِنْ ذلك؛ أوْصَى لَهُنَّ أزْوَاجُهنَّ بِذلك قَبْل وَفَاتِهنّ (٢) أوْ لم يُوصُوا لَهُنّ بِه (٣).

стр. 57

ثم ذَكَر "بَعْض مَنْ قَال إنَّ سُكْنَى حَوْل كَامِل كَان حَقًّا لأزْواج الْمُتَوَفَّين بَعْد مَوْتِهِم عَلى مَا قُلْنا، أوْصَى بِذلك أزْوَاجُهن لَهُنّ أوْ لَم يُوصُوا لَهُنّ بِه، وأنَّ ذَلك نُسِخ بما ذَكَرْنا مِنْ الأرْبَعَة الأشْهُر والعَشْر والْمِيرَاث" (١). كَمَا ذَكَر "مَنْ قَال كَان ذَلك يَكُون لَهُنّ بِوَصِيَّة مِنْ أزْوَاجِهن لَهُنَّ بِه" (٢). وأعقَبَه بِذِكْر "مَنْ قَال نَسَخ ذَلك مَا كَان لَهُنّ مِنْ الْمَتَاع إلى الْحَوْل مِنْ غَيْر تَنْبيهٍ على أيّ وَجْه كَان ذَلك لَهُنّ" (٣). ونَقَل عن آخَرِين قَولهم: "هَذه الآيَة ثَابِتَة الْحُكْم لَم يَنْسَخ مِنها شَيء" (٤). ثم ذَكَر اخْتِيَارَه بِقوله: وأوْلى هَذه الأقْوال عِندي في ذَلك بالصَّوَاب أن يُقَال: إنَّ الله تعالى ذِكْرُه كان جَعَل لأزْواج مَنْ مَات مِنْ الرِّجَال بَعد مَوتِهم سُكْنَى حَوْل في مَنْزِلِه، ونَفَقَتَها في مَال زَوجِها الْمَيِّت إلى انْقِضَاء السَّنَة، وَوَجَب عَلى وَرَثة الْمَيِّت أنْ لا يُخْرِجُوهنّ قَبْل تَمَام الْحَوْل مِنْ الْمَسْكَن الذي يَسْكُنُه، وإنْ هُنَّ تَرَكْن حَقَّهُنّ مِنْ ذَلك وخَرَجْن لم تَكُنْ وَرَثة الْمَيِّت مِنْ خُرُوجهن في حَرَج، ثم إنَّ اللهَ تَعالى ذِكْرُه نَسَخَ النَّفَقَة بِآيَة الْمِيرَاث، وأبْطَل مِمَّا كَان جَعَل لَهُنّ مِنْ سُكْنَى حَوْلٍ سَبْعةَ أشْهر وعِشْرِين لَيْلَة (٥)، وَرَدَّهُنَّ إلى أرْبَعَة أشْهُر وعَشْر، عَلى لِسَان رَسُول الله ﷺ (٦). وأبَان السمرقندي أن الاعْتَداد بالسَّنَة كَان في أوَّل الشَّرِيعَة، إذْ "كَانَتْ العِدَّة حَوْلًا، وهَكَذا كَان في الْجَاهِلِيَّة … ثم نُسِخ مَا زَاد عَلى الأرْبَعَة أشْهُر وعَشْرا،

стр. 58

ونُسِخَت الوَصِيَّة للأزْوَاج بِقَول النَّبِيّ ﷺ : لا وَصِيَّة لِوَارِث (١). ويُقال: نُسِخَ بآية الْمِيرَاث" (٢). ومِمّن رجّح القَول بالنَّسْخ: السمعاني، فَإنه قَال: وقَوله: (غَيْرَ إِخْرَاجٍ) [البقرة: ٢٤٠] وحَرم على الوَارِث إخْرَاج الْمُعْتَدَّة مِنْ البَيْت قَبْل تَمَام الْحَوْل، لَكِن إذَا خَرَجَتْ بِنَفْسِها سَقَطت نَفَقَتُها، فنُسِخ ذَلك بِآيَة عِدَّة الوَفَاة (٣). والبَغوي حَيث قَال: وكَانَت عِدَّة الوَفَاة في الابْتِدَاء حَوْلًا كَامِلًا، لِقوله تَعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) [البقرة: ٢٤٠]، ثُمّ نُسخَتْ بأرْبَعَة أشْهُر وعَشْرا (٤). وقَال في الآيَة الثَّانِيَة: وكَانَت عِدَّة الوَفاة في ابْتِدَاء الإسْلام حَوْلًا كَامِلًا، وكَان يَحْرُم عَلى الوَارِث إخْرَاجُها مِنْ الْبَيْت قَبْل تَمَام الْحَوْل، وكَانَت نَفَقَتها وسَكَنها وَاجِبَة في مَال زَوْجِها تِلك السَّنَة مَا لَم تَخْرُج، ولَم يَكُنْ لَهَا الْمِيرَاث، فَإن خَرَجَتْ مِنْ بَيْت زَوْجِها سَقَطَت نَفَقَتها، وكَان عَلَى الرَّجُل أن يُوصِي بِهَا، فَكَان كَذَلك حَتى نَزَلَتْ آيَة الْمِيرَاث، فَنَسَخ اللهُ تَعالى نَفَقَة الْحَوْل بالرُّبُع والثُّمُن، ونَسَخ عِدَّة الْحَوْل بِأرْبَعَة أشْهُر وعَشْرا (٥). وكذلك الثعلبي (٦)، والثعالبي (٧).

стр. 59

وقال الزمخشري في التَّربُّص سَنَة: وكَان ذَلك في أوَّل الإسْلام، ثم نُسِخَتْ الْمُدَّة بِقَوله: (أَرْبَعَة أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) [البقرة: ٢٣٤]. وقِيل: نُسِخَ مَا زَاد مِنه عَلى هَذا الْمِقْدَار، ونُسِخَتِ النَّفَقَة بالإرْث الذي هُو الرُّبُع والثُّمُن. ثُم قَال: فإن قُلْتَ: كَيْف نَسَخَتِ الآيَة الْمُتَقَدِّمَة الْمُتَأخِّرة؟ قُلت: قَدْ تَكُون الآيَة مُتَقَدِّمَة في التِّلاوَة وهي مُتَأخِّرَة في التَّنْزِيل، كَقَولِه تَعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ) [البقرة: ١٤٢]، مَع قَوله: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) [البقرة: ١٤٤] (١). وذَكَر ابن عطية مَعْنَى الآيَة، ورَجَّح أنَّ التَّرَبُّص لمُدّة سَنَة مَنْسُوخ، فَقَال: ومَعْنَى هَذه الآيَة أنَّ الرَّجُل إذا مَات كَان لِزَوْجَتِه أن تُقيم في مَنْزِله سَنَة ويُنْفَق عَليها مَنْ مَالِه، وذَلك وَصِيَّة لَها. واخْتَلَف العُلَمَاء مِمَّنْ هي هَذه الوَصِيَّة؟ فَقَالَت فِرْقة: كَانَتْ وَصِيَّة مِنْ اللهِ تَعالى تَجِب بَعْد وَفَاة الزَّوج … ثم نُسِخ مَا في هَذه الآيَة مِنْ النَّفَقة بالرُّبع أوْ بالثُّمُن الذي في سُورة النِّسَاء، ونُسِخ سُكْنَى الْحَول بالأرْبَعَة الأشْهُر والعَشْر (٢). أما الرازي فقد ذَكَر أنَّ "في هَذه الآيَة ثَلاثَة أقْوَال: الأوَّل - وهو اخْتِيَار جُمْهُور الْمُفَسِّرِين -: أنَّهَا مَنْسُوخَة. القَول الثَّاني - وهو قَول مُجَاهِد -: أنَّ الله تعالى أنْزَل في عِدَّة الْمُتَوفَّى عَنها زَوْجها آيَتَين: أحَدُهما: ما تَقَدَّم، وهو قَوله: (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) [البقرة: ٢٣٤]، والأخْرَى هَذه الآيَة، فَوَجَب تنْزيل هَاتَين الآيَتَين عَلى حَالَتَين؛ فَنَقُول: إنَّهَا إن لَم تَخْتَر السُّكْنى في دَار زَوْجِها، ولَم تأخُذ النَّفَقَة مِنْ مَالِ زَوْجِها كَانَتْ عِدّتها أرْبَعَة أشْهُر وعَشْرا، عَلى مَا في تِلك الآيَة الْمُتَقَدِّمَة، وأمَّا إن اخْتَارَتْ السُّكْنَى في دار

стр. 60

زَوْجِها والأخْذ مِنْ مَالِه وتَرِكَتِه فَعِدَّتها هي الْحَوْل، وتَنْزِيل الآيَتَين عَلى هَذين التَّقْدِيرَين أوْلى، حَتى يَكون كُلّ واحِد مِنهما مَعْمُولًا بِه. القَول الثَّالِث - وهو قَول أبي مُسلم الأصفهاني -: أنَّ مْعَنَى الآيَة: مَنْ يُتَوفَّى مِنْكُم ويَذَرُون أزْوَاجًا وقَد وَصَّوا وَصِيَّة لأزْواجِهم بِنَفَقَةِ الْحَوْل وسُكْنى الْحَوْل، فَإن خَرَجْنَ قَبل ذَلك وخَالَفْنَ وَصِيَّة الزَّوج بَعْد أن يُقِمْنَ الْمُدَّة التي ضَرَبَها الله تَعالى لَهُنّ فَلا حَرَج فِيمَا فَعلن في أنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوف، أي: نِكَاح صَحِيح؛ لأنَّ إقَامَتَهن بِهَذِه الوَصِيَّة غَيْر لازِمَة. قال: والسَّبب أنَّهُم كَانُوا في زَمَان الْجَاهِلِيَّة يُوصُون بالنَّفَقَة والسُّكْنَى حَوْلًا كَامِلًا، وكَان يَجِب عَلى الْمَرْأة الاعْتِدَاد بالْحَوْل، فَبَيَّن الله تَعالى في هَذه الآيَة أنَّ ذَلك غَير وَاجِب، وعَلى هَذا التَّقْدِير فالنَّسْخ زَائل، واحْتَجَّ عَلى قَولِه بوُجُوه: أحَدها: أنَّ النَّسْخ خِلاف الأصْل، فَوَجَب الْمَصِير إلى عَدَمه بِقَدْرِ الإمْكَان. الثَّانِي: أن يَكون النَّاسِخ مُتَأخِّرًا عَنْ الْمَنْسُوخ في النُّزُول، وإذا كَان مُتَأخِّرًا عَنه في النُّزُول كَان الأحْسَن أن يَكُون مُتَأخِّرًا عَنه في التِّلاوَة أيضًا، لأنَّ هَذا التَّرْتِيب أحْسَن، فأمَّا تَقَدُّم النَّاسِخ على الْمَنْسُوخ في التِّلاوة فَهو وإن كَان جَائزًا في الْجُمْلَة إلَّا أنه يُعَدّ مِنْ سُوء التَّرْتِيب، وتنْزِيه كَلام الله تَعالى عَنه وَاجِب بِقَدْرِ الإمْكَان، ولما كانت هذه الآية مُتأخِّرَة عَنْ تِلك [في] (١) التِّلاوَة كَان الأوْلى أن لا يُحْكَم بِكَونِها مَنْسُوخَة بِتِلْك" (٢). وقال ابن جُزيّ: هذه الآية مَنْسُوخة، ومَعْنَاهَا أنَّ الرَّجُل إذا مَات كَان لِزَوْجَتِه أن تُقِيم في مَنْزِله سَنَة، ويُنفَق عَليها مِنْ مَالِه، وذَلك وَصِيَّة لَها، ثم نَسِخ إِقامَتها سَنَة

стр. 61

بالأرْبَعة الأشْهُر والعَشْر، ونُسِخَتِ النَّفَقَة بالرُّبُع أوْ الثُّمُن الذي لَها في الْمِيرَاث، حَسْبَما ذُكِرَ في سُورة النِّسَاء (١). ونَصّ النَّسَفي عَلى أنَّ ذَلك كَان مَشْرُوعًا في أوَّل الإسْلام ثم نُسِخ بِقَوله تَعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا) إلى قَوله: (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) [البقرة: ٢٣٤]، والنَّاسِخ مُتَقَدِّم عليه تِلاوَة، ومُتأخِّر نُزُولًا" (٢). ورَجَّح ابنُ كَثير أنَّ الآيَة الثَّانِية مَنْسُوخَة بالآيَة الأُولى، فَقَال: قَال الأكْثَرُون: هَذِه الآيَة مَنْسُوخَة بالتي قَبْلَها، وهِي قَوله: (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) [البقرة: ٢٣٤]. ثم ذَكَر رِواية البخاري وقَول ابن الزبير لِعثمان بِشَأن النَّسْخ، ثم قَال: ومَعْنَى هَذا الإشْكَال الذي قَالَه ابن الزبير لِعثمان: إذا كَان حُكْمها قَدْ نُسِخ بالأرْبَعَة الأشْهُر فَمَا الْحِكْمَة في إبْقاء رَسْمِها مَع زَوَال حُكْمِها؟ وبَقاء رَسْمِها بَعْدَ التي نَسَخَتها يُوهِم بَقَاء حُكْمِها. فأجَابه أمِير الْمُؤمِنين بأنَّ هَذا أمْر تَوقِيفي، وأنا وَجَدْتُها مُثْبَتَة في الْمُصْحَف كَذلك بَعْدَها، فأثْبَتها حَيث وجَدْتُها (٣). ونَقَل القاسمي القَول بالنَّسْخ عن جُمْهُور الْمُفَسِّرين، فقال: لِيُعلَم أنَّ اخْتِيَار جُمْهُور الْمُفَسِّرين أنَّ هَذه الآيَة مَنْسُوخَة بالتي قَبْلَها، وهي قَوله تَعالى: (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) [البقرة: ٢٣٤] (٤).

стр. 62

ورجّح الشنقيطي أن الآية الأوْلى نَاسِخة للثَّانِية، وإنْ كَانت قَبْلَها في الْمُصْحَف لأنَّها مُتأخِّرة عَنها في النُّزُول (١). رأي الباحث: ١ - أنَّ الآيَة الأُولى نَاسخَة للآيَة الثَّانيَة، وجَاء النَّصّ في رَوَايَة البخَاري عَلى ذَلك. ٢ - أنه لا يُمْكِن الْجَمْع بين الآيَتَين، لأنَّ الأوْلى حَدَّدتْ العِدّة بِعَام كَامِل، والثَّانِيَة بأرْبَعَة أشْهُر وعَشْرا. ٣ - أنه لا يُنْكَر كَون النَّاسِخ مُتَقَدِّم على الْمَنْسُوخ في تَرْتِيب الْمَصَاحِف، وذَلك في غيرِ مَوضع مِنْ كِتَاب الله، بل إنَّ تَقْدِيم السُّوَر الْمَدَنِيَّة في التَّرْتِيب عَلى السُّوَر الْمَكِّيَّة أمْر ظَاهِر لا إشْكَال فِيه. وقَول أبي مُسْلِم: "ولَمَّا كَانَتْ هَذه الآيَة مُتَأخِّرَة عن تِلك [في] التِّلاوة، كَان الأَوْلى ألا يُحْكَم بِكَوْنِها مَنْسُوخَة بِتِلك" واحْتِجَاجه لِقولَه هذا مُتعقَّب مِنْ وُجُوه: الأوَّل: مَا تَقَدَّم مِنْ قَول ابن الزبير لعثمان: إنَّهَا مَنْسُوخَة، ولم يُنكِر عَليه قَولَه، وإنما أجَاب بأنَّ هَذا فِعْل النبي ﷺ .

стр. 63

الثَّاني: أنَّ تَرْتِيب النُّزُول غَير تَرْتِيب التِّلاوة. قَالَه البَغوي، ونَقَله السّيوطي (١)، "ولا يَضُرّ كَوْن الآيَة الْمَنْسُوخَة - في تَرتيب الْمُصْحَف في الْخَطّ والتِّلاوَة - مُتقدِّمَة في أوَّل السُّورَة، أوْ في سُورَة مُتقدِّمَة في التَّرْتِيب، وتَكُون النَّاسِخَة لَها في السُّورَة أوْ في سُورَة مُتأخِّرَة في التَّرْتِيب؛ لأنَّ القُرْآن لم تُرتّب آيَاته وسُوَره عَلى حَسَب نُزُول ذَلك، لَكِن كَمَا شاء ذُو الْجَلال والإكْرَام مُنَزِّلُه .... ومُرتِّبُه الذي لم يَكِل تَرْتِيبه إلى أحَدٍ دُوْنه … فلا يَجُوز مُرَاعَاة رُتْبَة التَّأليف في مَعْرفَة النَّاسخ والْمَنْسُوخ البتة" (٢). الثالث: أنّ تَرتيب سُوَر القُرْآن لَيس على حَسَب النُّزُول، فلا يَمْنع أن يَكُون تَرْتِيب الآيَات دَاخِل السُّورَة كَذلك. قال القرطبي: وقد عَارَض بَعْض فُقَهَاء الكُوفيين، فَقَال: مُحَال أن تَنْسَخ هَذه الآيَة، يَعْني (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ) [الأحزاب: ٥١] (لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ) [الأحزاب: ٥٢] وهي قَبْلَها في الْمُصْحَف الذي أجْمَع عَليه الْمُسْلِمُون، ورَجَّح قَول مَنْ قَال نُسِخَتْ بالسُّنّة. قال النَّحَّاس: وهَذِه الْمُعَارَضَة لا تَلْزَم، وقَائلها غَالِط؛ لأنَّ القُرآن بِمَنْزِلَة سُورَة وَاحِدَة، كَمَا صَحَّ عَنْ ابنِ عباس (٣). الرَّابِع: أن جُمْهُور الْمُفَسِّرِين عَلى أنَّ الآيَة مَنْسُوخَة، بل نَقَل الإجْماع على ذلك غير واحِد؛ فقد نَقَله ابن عبد البر (٤)، وابن حَزم (٥)، ونَفَى القُرْطبي مَعْرِفَة الْمُخَالِف في أنَّ النَّاسِخ مُتَقدِّم عَلى الْمَنْسُوخ في آيَتِي البَقَرَة (٦). الْخَامِس: أن قَوْل مُجاهِد - في عَدَم النَّسْخ - عُدّ قَوْلًا شاذًّا، كما تقدَّم.

стр. 64

المثال الثالث: القتال في الأشهر الْحُرُم بين الْمَنْع والإبَاحَة: قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) [البقرة: ٢١٧] مع قوله تعالى: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) [التوبة: ٣٦]. صورة التعارض: في الآيَة الأُولى تَحْرِيم القِتَال في الأشْهُر الْحُرُم، وهو كَقَولِه تَعالى: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) [التوبة: ٥]، وفي الآيَة الثَّانِيَة الأمْر بِقِتَال الْمُشْرِكين بِعَامَّة. جَمع القرطبي: قال القرطبي: واخْتَلَف العُلَمَاء في نَسْخ هَذه الآيَة؛ فالْجُمْهُور على نَسْخِها، وأنَّ قِتَال الْمُشْرِكِين في الأشْهُر الْحُرُم مُبَاح، واخْتَلَفُوا في نَاسِخِها. فَذَكَر أقوالًا ثم قال: وذَكَر البيهقي (١) عن عُروة بن الزَّبير مِنْ غَير حديث محمد بن إسحاق في أثَر قِصَّة الْحَضْرَمِي (٢)، فأنْزَل الله : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ) الآية، قَال: فَحَدَّثَهم الله في كِتَابِه أنَّ القِتَال في الشَّهْر الْحَرَام كَمَا كَان، وأنَّ الذي يَسْتَحِلّون مِنْ الْمُؤمِنِين هُو أكْبَر مِنْ ذَلك؛ مِنْ صَدِّهم عَنْ سَبِيل الله حين يَسجُنونهم ويُعَذِّبُوهم ويَحْبِسُونهم أن يُهَاجِرُوا إلى رَسُول الله ﷺ ، وكُفْرِهم بالله، وصَدِّهم الْمُسْلِمِين عَنْ الْمَسْجد الْحَرَام في الْحَجّ والعُمْرَة والصّلاة فيه، وإخْرَاجهم أهْل الْمَسْجِد الْحَرَام - وهُم سُكَّانه مِنْ الْمُسْلِمِين - وفِتْنَتهم إيّاهم عَنْ الدِّين؛ فَبَلَغَنَا أنَّ

стр. 65

النبي ﷺ عَقَل ابن الْحَضْرَمِي، وحَرَّم الشَّهْر الْحَرَام كَمَا كَان يُحَرِّمه، حَتى أنْزَل اللهُ : (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) [التوبة: ١]. وكَان عَطاء يَقُول: الآيَة مُحْكَمَة، ولا يَجُوز القِتَال في الأشْهُر الْحُرُم، ويَحْلِف على ذَلك، لأنَّ الآيَات التي وَرَدَتْ بَعْدَها عَامَّة في الأزْمِنة، وهَذا خَاصّ، والعَامَّ لا يَنْسَخ الْخَاصّ باتِّفَاق. ورَوى أبو الزبير عن جابر قَال: كَان رَسُول الله ﷺ لا يُقَاتِل في الشَّهْر الْحَرَام إلَّا أن يُغْزَى (١). مُلخَّص جواب القرطبي: ١ - أنَّ الآيَة مَنْسُوخَة عِنْد جُمْهُور الْمُفَسِّرِين، وهو ما اخْتَارَه القُرْطبي. ٢ - اخْتُلِف في النَّاسِخ لَها عَلى أقْوال ثَلاثَة، ضَعَّف الثَّالِث مِنها، وهو أنه "نَسَخَها بَيْعَة الرِّضْوَان على القِتَال في ذِي القَعْدَة". ٣ - أنَّ الآيَة مُحْكَمَة في قَول عَطاء. مُقارنة جوابه وجَمْعه بين الآيات بجَمْع غيره من العلماء: رَوَى ابن جَرير الطَّبَرِي بإسْنَادِه إلى الليث قال: ثَنا أبو الزَّبير عن جَابر قال: لَم يَكُنْ رَسُول الله يَغْزُو في الشَّهْر الْحَرَام إلَّا أن يُغْزَى، أوْ يَغْزُو حَتى إذا حَضَر ذلك أقَام حتى يَنْسَلِخ (٢).

стр. 66

وأشَارَ إلى الْخِلاف بِقَوله: اخْتَلَف أهْل التَّأوِيل في قَوله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) (١)؛ هَلْ هُو مَنْسُوخ أم ثَابِت الْحُكْم؟ فَقَال بَعْضُهم: هُو مَنْسُوخ بِقَول اللهِ جَلّ وعزَّ: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً)، وبِقَولِه: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) [التوبة: ٥]. ثم رَوَى بإسْنَادِه إلى عَطَاء بن مَيْسَرة أنه قَال: أَحَلّ القِتَال في الشَّهْر الْحَرَام في "بَرَاءة" قَوله: (فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) يَقُول: فِيهِنّ وفي غَيْرِهِنّ. وحَكَى ابنُ جَرير عن آخَرِين قَولَهم: بَلْ ذَلك حُكْمٌ ثَابِت لا يَحِلّ القِتَال لأحَد في الأشْهر الْحُرُم بِهَذِه الآيَة، لأنَّ اللهَ جَعَل القِتَال فِيه كَبِيرًا. ثم رجّح ابنُ جَرير القَوْل بالنَّسْخ، فَقَال: والصَّواب مِنْ القَوْل في ذَلك مَا قَاله عَطاء بن مَيْسَرة مِنْ أنَّ النَّهْي عن قِتَال الْمُشْرِكين في الأشْهُر الْحُرُم مَنْسُوخ بِقَول اللهِ جَلَّ ثَنَاؤه: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) [التوبة: ٣٦]. وإنما قُلْنا ذَلك نَاسِخ لِقَولِه: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) لِتَظَاهُر الأخْبَار عَنْ رَسُول الله أنَّه غَزَا هَوازن بِحُنين، وَثَقِيفًا بِالطَّائف، وأرْسَل أبَا عَامِر إلى أوْطاس لِحَرْب مَنْ بِها مِنْ الْمُشْرِكِين في بَعْض الأشْهُر الْحُرُم، وذَلك في شَوَّال وبَعْض ذِي القَعْدَة، وهُمَا مِنْ الأشْهُر الْحُرُم، فَكَان مَعْلُومًا بِذَلك أنه لَو كَان القِتَال فِيهنَّ حَرَامًا وفِيه مَعْصِيَة كَان أبْعَد النَّاس مِنْ فِعْلِه. ثم ذَكَر حُجَّة أخْرى تَعْضُد القَول بالنَّسْخ، وهي "أنَّ جَمِيع أهْل العِلْم بِسِيَرِ رَسُول الله لا تَتَدَافَع أن بَيعَة الرِّضْوان على قِتَال قُرَيش كَانت في أوَّل ذِي القَعْدَة" (٢).

стр. 67

ثم قَال: فَإذا كَان ذَلك كَذلك، فَبَيِّنٌ صِحَّة مَا قُلْنا في قَولِه: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) وأنه مَنْسُوخ (١). "وأكْثَر الأقَاويل عَلى أنَّهَا مَنْسُوخَة بِقَولِه: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) [التوبة: ٥] " (٢). وضَعَّف ابنُ عَطية قَوْل عَطَاء في أنَّ الآيَة مُحْكَمَة، فَقَال: وقَال الزُّهْرِي ومُجَاهِد وغَيْرُهما: قَوله: (قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) مَنْسُوخ بِقَولِهِ: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) [التوبة: ٣٦] وبِقَولِه: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) [التوبة: ٥]. وقال عَطَاء: لم تُنْسَخ، ولا يَنْبَغِي القِتَال في الأشْهُر الْحُرُم؛ وهَذا ضَعِيف (٣). وذَكَر ابن الجوزي القَولَين، فَقَال: اخْتَلَف العُلَمَاء في تَحْريم القِتَال في الأشْهُر الْحُرُم، هَلْ هُو بَاقٍ أم نُسِخ؛ على قولين: أحدهما: أنه بَاقٍ. والثاني: أنه مَنْسُوخ. وهذا قَول فُقَهَاء الأمْصَار (٤). في حين اقْتَصَر على القَوْل بالنَّسْخ في "الْمُصَفَّى بأكُفّ أهْل الرّسُوخ مِنْ عِلْم النَّاسِخ والْمَنْسُوخِ" (٥).

стр. 68

وحَكَى الرَّازِي الاتِّفَاق عَلى حُكْم الآيَة والاخْتِلاف في بَقَائه، فَقَال: اتَّفَق الْجُمْهُور عَلى أنَّ حُكْم هَذه الآيَة حُرْمة القِتَال في الشَّهْر الْحَرَام، ثم اخْتَلَفُوا أنَّ (١) ذلك الْحُكْم هل بَقي أم نُسخ؟ فَنُقِل عن ابنِ جُريج أنه قَال: حَلَفَ لي عَطَاء بِالله أنه لا يَحِلّ للنَّاس الغَزْو في الْحَرَم ولا في الأشْهُر الْحُرُم إلَّا عَلى سَبِيل الدَّفْع. رَوَى جَابِر قَال: لم يَكُنْ رَسُول الله ﷺ يَغْزو في الشَّهْر الْحَرَام إلَّا أن يُغْزَى (٢). وسُئل سَعيد بن المسيب: هل يَصْلُح للمُسْلِمِين أن يُقَاتِلُوا الكُفَّار في الشَّهْر الْحَرَام؟ قَال: نَعَم. قال أبو عُبيد: والنَّاس بالثُّغُور اليَوم جَمِيعًا عَلى هَذا القَوْل، يَرَون الغَزو مُبَاحًا في الشُّهور كُلّها، ولم أرَ أَحَدًا مِنْ عُلَمَاء الشَّام والعِرَاق يُنكِره عَليهم، كَذلك حَسب قَوْل أهْل الْحِجَاز. والْحُجَّة في إبَاحَته قَوله تَعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْث وَجَدْتُمُوهُمْ) [التوبة: ٥]، وهَذِه الآية نَاسِخَة لِتَحْرِيم القِتَال في الشَّهْر الْحَرَام. ثم رجّح الرَّازي عَدَم القَول بالنَّسْخ، إذ يَرى أنَّ الآية في سِيَاق الإثْبَات، فَتَتَنَاول الشَّهْر الْحَرَام الْمُعيَّن والْمُشَار إلَيه في الآيَة، فَقَال: والذي عِنْدي أنَّ قَوله تَعالى: (قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) هذا نَكِرَة في سِيَاق الإثْبَات، فَيَتَنَاول فَرْدًا وَاحِدًا، ولا يَتَنَاول كُلّ الأفْرَاد، فَهَذِه الآيَة لا دَلالَة فِيها عَلى تَحْرِيم القِتَال مُطْلَقا في الشَّهْر الْحَرَام، فلا حَاجَة إلى تَقْدير النَّسْخ فيه (٣). وإلى القول بالنَّسْخ ذَهَب ابن جُزيّ، إلَّا أنَّه نازَع في النَّاسِخ، حَيْث قَال: (قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) أي: مَمْنُوع، ثم نَسَخَه: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) [التوبة: ٥]، وذَلك

стр. 69

بَعِيد، فإن (حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) عُمُوم في الأمْكنة لا في الأزْمِنة، ويَظْهَر أنَّ نَاسِخَه: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) بَعْد ذِكْر الأشْهُر الْحُرُم، فَكَان التَّقْدِير: قَاتِلُوا فِيها، ويَدُلّ عَليه: (فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ). ويُحتَمَل أن يَكُون الْمُرَاد وُقُوع القِتَال في الشَّهْر الْحَرَام، أي إبَاحَته حَسبما اسْتَقَرّ في الشَّرع، فلا تَكُون الآيَة مَنْسُوخَة، بل نَاسِخَة لِمَا كَان في أوَّل الإسْلام مِنْ تَحْرِيم القِتَال في الأشْهُر الْحُرُم (١). وقال الألوسي: والأكْثَرُون على أنَّ هَذا الْحُكْم مَنْسُوخ بِقولِه سُبْحَانَه: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) [التوبة: ٥]، فإنَّ الْمُرَاد بالأشْهر الْحُرُم أشْهر مُعَيَّنة أُبِيح للمُشْرِكين السِّيَاحَة فيها بقولِه تَعالى: (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) [التوبة: ٢١]، ولَيْس الْمُرَاد بها الأشْهُر الْحُرم مِنْ كُلّ سَنَة، فالتَّقْيِيد بها يُفِيد أنَّ قَتْلَهم بعد انْسلاخها مَأمُور به في جَمِيع الأمْكِنَة والأزْمِنَة (٢). في حين اقتصر الثعالبي على ذِكر النَّسْخ، فَحَكى عن الزهري ومجاهد وغيرهما في قوله تعالى: (قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) أنه مَنْسُوخ (٣). وفَرَّق القاسمي بين حُكْم القِتَال دَفعًا وبَيْن ابْتِدَاء القِتَال في الشَّهْر الْحَرَام، فَقَال: ولا خِلاف في جَواز القِتَال في الشَّهْر الْحَرَام دَفْعًا، وإنما الْخِلاف أن يُقاتَل فيه ابتداء؛ فالْجُمْهُور جَوَّزُوه، وقالوا: تَحْريم القِتَال فيه مَنْسُوخ، وهو مَذْهَب الأئمَّة الأرْبَعَة (٤).

стр. 70

رأي الباحث: أنَّ آيَة "البَقَرة" مَنْسُوخَة، وأنَّ القِتَال في الأشْهُر الْحُرُم لا يَحْرُم دفعًا وابْتِداءً. وأن تَحْرِيم ذَلك كَان في أوَّل الأمْر، ثم نُسِخ، وأُبِيح القِتَال في جَمِيع الأزْمِنَة. وهو قَول جَمَاهِير العُلَمَاء مِنْ الْمُفَسِّرين والفُقَهَاء (١)، فقد أخْرَج ابن أبي شيبة (٢) وعبدُ بن حُميد (٣) وأبو داود في ناسِخِه عن قَتادة أنَّ قَوله: (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) [البقرة: ١٩١]، وقَولَه: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) [البقرة: ٢١٧]، فَكان كَذلك حَتى نَسَخ هَاتين الآيَتَين جَمِيعًا في "بَرَاءة" قَوله: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) و (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) (٤). ورَوَى البيهقي مِنْ طريق أبي إسحاق قال: سَألتُ سُفيان عن قَولِ الله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) قال: هَذا شَيء مَنْسُوخ، وقد مَضَى، ولا بَأس بالقِتَال في الشَّهْر الْحَرَام وغَيره (٥). قَال الشنقيطي في قَوله تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا) [البقرة: ١٩٠] مَا نَصّه: هذه الآية تَدُلّ بِظاهِرِها على أنَّهُم لم يُؤمَروا بِقتَال الكُفَّار إلَّا إذا قَاتَلوهُم، وقَد جَاءت آيَات أُخَر تَدُلّ عَلى وُجوبِ قِتَال الكُفَّار مُطْلَقًا؛ قَاتَلُوا أم لا، كَقوله تَعالى:

стр. 71

(وَقَاتِلُوهُم حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ) [البقرة: ١٩٣]، قَوله: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) [التوبة: ٥]، وقَوله تَعالى: (تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ) [الفتح: ١٦]. والْجَوَاب عن هَذه بأمُور: الأوَّل: - وهو مِنْ أحْسَنها وأقْرَبها - أنّ الْمُرَاد بِقَوله: (الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) تَهْيِيج الْمُسْلِمِين، وتَحْرِيضهم على قِتَال الكُفَّار، فَكأنَّه يَقُول لَهُمْ: هَؤلاء الذين أمَرْتُكم بِقِتَالِهِم هُمْ خُصُومُكم وأعْدَاؤكم الذين يُقَاتِلُونَكم. ويَدُلّ لِهَذا الْمَعْنَى قَوله تعالى: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) [التوبة: ٣٦]، وخَيْر مَا يُفَسّر بِه القُرْآن القُرآن. الوَجْه الثَّاني: أنها مَنْسُوخَة بِقَوله تَعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِين حَيْثُ وَجْدْتُمُوهُمْ) [التوبة: ٥]، وهَذا مِنْ جِهَة النَّظَر ظَاهِر حَسَن جِدًّا. الوَجهُ الثَّالِث: - وهو اخْتِيَار ابن جرير - ويَظهر لي أنه الصَّواب: أنّ الآية مُحْكَمة، وأنّ مَعْنَاهَا: قَاتِلُوا الذين يُقَاتِلونكم، أي: مَنْ شَأنهم أن يُقَاتِلُوكم، أمَّا الكَافِر الذي لَيس مِنْ شأنه القِتَال كالنِّساء، والذَّراري، والشّيوخ الفانية، والرُّهبان، وأصْحَاب الصَّوامِع، ومَن ألْقَى إلَيْكُم السَّلَم؛ فلا تَعْتَدُوا بِقِتَالِهم؛ لأنهم لا يُقَاتِلُونَكُم، ويَدلّ لِهذا الأحَادِيث الْمُصَرَّحَة بالنَّهْي عن قِتَال الصَّبي، وأصْحَاب الصَّوامِع، والْمَرْأة، والشَّيْخ الْهَرِم إذا لم يُستَعَن بِرأيه (١)، أمَّا صَاحِب الرَّأي فيُقْتَل كَدُرَيدِ بن الصِّمَّة، وقَد فَسَّرَ هذه الآية بهذا الْمَعْنَى عُمر بن عبد العزيز ﵁ وابن عباس والحسن البصري (٢)

стр. 72

المثال الرابع: الإكْرَاه في الدِّين وقِتَال الكَافِرِين: قوله تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) [البقرة: ٢٥٦] مع قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) [التوبة: ٧٣]. صورة التعارض: أنَّ آيَة "البقرة" فِيها عَدم الإكْرَاه، وآيَة التَّوبَة فيها الإكْرَاه والإغْلاظ. و "لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قَدْ أكْرَه العَرب على دِين الإسْلام وقَاتَلَهم، ولم يَرضَ مِنهم إلَّا بالإسْلام" (١). جَمْع القرطبي: قال القرطبي: اخْتَلَف العُلَمَاء في مَعْنَى هَذه الآيَة على سِتَّة أقْوال: الأوَّل: قِيل: إنها مَنْسُوخَة؛ لأنَّ النبي ﷺ قد أكْرَه العَرَب على دِين الإسْلام، وقَاتَلهم ولَم يَرضَ مِنهم إلَّا بالإسْلام، قَاله سُليمان بن موسى. قَال نَسَخَتْها: (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ) [التوبة: ٧٣]، ورُوي هَذا عَنْ ابنِ مَسعود وكَثِير مِنْ الْمُفَسِّرِين. الثَّاني: لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَة، وإنما نَزَلَتْ في أهْل الكِتَاب خَاصَّة، وأنهم لا يُكْرَهُون على الإسْلام إذا أدَّوا الْجِزْية، والذين يُكْرَهُون أهل الأوْثَان، فلا يُقْبَل مِنْهم إلَّا الإسْلام، فَهُمْ الذين نَزَل فِيهم: (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ) .... والْحُجَّة لهذا القَول مَا رَواه زَيد بن أسْلَم عن أبيه قال: سَمِعْتُ عُمر بن الخطاب يَقُول لِعَجُوز نَصْرَانِيَّة:

стр. 73

أسْلِمي أيتها العَجُوز تَسْلَمِي، إنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بالْحَقّ. قَالتْ: أنا عَجُوز كَبِيرَة والْمَوت إليّ قَرِيب! فَقَال عُمر: اللهم اشْهَد (١)، ولا: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ). الثَّالِث: مَا رَوَاه أبو دَاود (٢) عَنْ ابن عباس قَال: نَزَلَتْ هذه في الأنْصَار، كَانَتْ تَكُون الْمَرْأة مِقْلاتًا، فَتَجْعَل على نَفْسِها إن عَاش لها وَلَد أن تُهَوِّده، فلما أُجْلِيتْ بَنَو النَّضِير كَان فِيهم كَثير مِنْ أبْنَاء الأنْصَار، فَقَالُوا: لا نَدَع أبْنَاءنَا، فأنْزَل اللهُ تَعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ). قَال أبو دَاود: والْمِقْلات التي لا يَعِيش لَها وَلَد. قال النَّحَّاس: قَول ابنِ عَباس في هَذه الآيَة أوْلى الأقْوال لِصِحَّة إسْنَادِه، وأنَّ مِثْلَه لا يُؤخَذ بالرَّأي. الرابع: قال السُّدّي: نَزَلَتْ الآيَة في رَجُل مِنْ الأنْصَار يُقَال لَه أبو حصين (٣)، كَان له ابْنَان، فَقَدِم تُجَّار مِنْ الشَّام إلى الْمَدِينَة يَحْمِلُون الزَّيْت، فَلَمَّا أرَادُوا الْخُرُوج أتَاهُم ابْنَا الْحُصَين فَدَعَوهما إلى النصرانية فَتَنَصَّرا ومَضَيا مَعَهم إلى الشَّام، فأتى أبُوهما رَسُولَ الله ﷺ مُشْتَكِيًا أمْرَهما، ورَغِبَ في أن يَبْعَثَ رَسُول الله ﷺ مَنْ يَرُدّهما، فَنَزَلَتْ: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (٤)، ولم يُؤمر يَومَئذٍ بِقِتَال أهْل الكِتَاب، ثم إنه نُسِخَ (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)، فأُمِرَ بِقِتَال أهْل الكِتَاب في سُورة بَراءة. الْخَامِس: وقِيل: مَعْنَاها: لا تَقُولُوا لِمَنْ أسْلَم تَحْت السَّيْف مُجْبَرًا مُكْرَهًا.

стр. 74

السَّادِس: أنها وَرَدَتْ في السَّبْي مَتَى كَانُوا مِنْ أهْل الكِتَاب لَم يُجْبَرُوا إذا كَانُوا كِبَارًا، وإن كَانُوا مَجُوسًا (١) صِغَارًا أو كِبَارًا، أوْ وَثَنِيِّين فَإنهم يُجْبَرُون عَلى الإسْلام .... فأمَّا سَائر أنْوَاع الكُفْر مَتى بَذَلُوا الجِزْيَة لم نُكْرِههم على الإسْلام، سَواء كَانُوا عَرَبًا أم عَجَمًا، قُرَيْشًا أوْ غَيرهم (٢). مُلخَّص جواب القرطبي: ١ - أنَّ آيَة "البقرة" مَنْسُوخَة ورُوي هَذا عَنْ كَثِير مِنْ الْمُفَسِّرِين. ٢ - أنها خَاصَّة في أهْل الكِتَاب. ٣ - أنها نَزَلتْ في الأنْصَار، وأنهم أرَادُوا إكْرَاه أوْلادَهم الْمُسْتَرْضَعِين في اليَهُود. ٤ - نَزَلتْ في رَجُل مِنْ الأنْصَار. ٥ - لا تَقُولُوا لِمَنْ أسْلَم تَحْت السَّيف مُجْبَرًا مُكْرَهًا. ٦ - أنها وَرَدَتْ في سَبْي أهْل الكِتَاب، وأنهم لا يُجْبَرُون.

стр. 75

مُقارنة جوابه وجَمْعه بين الآيات بجَمْع غيره من العلماء أطَال ابنُ جرير في تَقْرِير حُكْم آية "البقرة"، فَقَال - بَعْد أنْ ذَكَر الأقْوَال فِيها -: وأوْلى هَذه الأقْوَال بالصَّوَاب: قَوْل مَنْ قَال: نَزَلَتْ هَذه الآيَة في خَاصٍّ مِنْ النَّاس، وقَال: عَنَى بِقَولِه تَعالى ذِكْرُه: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) أهْل الكِتَابَين والْمَجُوس، وكُلّ مَنْ جاء إقْرَاره عَلى دِينِه الْمُخَالِف دِين الْحَقّ، وأَخْذ الْجِزْيَة مِنه. وأَنْكَرُوا أن يَكُون شَيء مِنْها مَنْسُوخًا. وإنما قُلْنا هَذا القَوْل أوْلى الأقْوال في ذلك بالصَّوَاب لِمَا قَدْ دَلَّلْنا عَليه ..... مِنْ أنَّ النَّاسِخِ غَير كَائن نَاسِخًا إلَّا مَا نَفَى حُكْم الْمَنْسُوخ، فلم يَجُز اجْتِمَاعُهما. فأمَّا مَا كَان ظَاهِره العُمُوم مِنْ الأمْرِ والنَّهي، وبَاطِنه الْخُصُوص فَهو مِنْ النَّاسِخ والْمَنْسُوخ بِمَعْزِل (١). وإذْ كَان ذَلك كَذَلك وكَان غَير مُسْتَحِيل أن يُقَال: لا إكْرَاه لأحَد مِمَّنْ أُخِذَتْ مِنه الْجِزْية في الدِّين، ولم يَكُنْ في الآيَة دَلِيل عَلى أنَّ تَأوِيلَها بِخِلاف ذَلك، وكَان الْمُسْلِمُون جَمِيعًا قَدْ نَقَلوا عَنْ نَبِيِّهم أنه أَكْرَه عَلى الإسْلام قَوْمًا فَأبَى أن يَقْبَل مِنهم إلَّا الإسْلام، وحَكَم بِقَتْلِهم إن امْتَنَعُوا مِنه، وذَلك كَعَبَدَةِ الأوْثَان مِنْ مُشْرِكي العَرَب، وكالْمُرْتَدّ عَنْ دِينه دِين الحقّ إلى الكُفْر، ومَن أشْبَههم، وأنه تَرَك إكْرَاه آخَرِين عَلى الإسْلام بقَبولِه الْجِزْية مِنه، وإقْرَاره عَلى دِينِه البَاطِل، وذلك كَأهْلِ الكِتَابَيْن ومَن أشْبَهَهم؛ كان بَيِّنًا بذلك أنّ مَعنى قَوله: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) إنما هو: لا إكْرَاه في الدِّين لأحَد مِمَّنْ حَلّ قَبول الْجِزْية مِنه بأدَائه الْجِزْية، ورِضَاه بِحُكْم الإسْلام. ولا مَعْنَى لقَوْل مَنْ زَعَم أنَّ الآيَة مَنْسُوخَة الْحُكم بالإذْن بالْمُحَارَبَة (٢).
следующие страницы →