← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11147

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح - ط المدني

ابن القيم

Полный текст (415 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وذكر البيهقي من حديث البغوي حدثنا يونس بن عبيد الله البصري حدثنا عدي ابن الفضل عن الحريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال قال رسول الله ﷺ : " أن الله أحاط حائط الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة وغرس عرشها بيده وقال لها تكلمي فقالت ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فقال طوبى لك منزلة الملوك" وقال ابن أبي الدنيا حدثنا محمد بن أبي المثني البزار حدثنا محمد بن زياد الكلبي حدثنا بشير بن حسين عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس قال قال رسول الله ﷺ : "خلق الله جنة عدن بيده لبنة من درة بيضاء ولبنة من ياقوتة حمراء ولبنة من زبرجدة خضراء بلاطها المسك وحصباؤها اللؤلؤ وحشيشها الزعفران" ثم قال: "لها أنطقي قالت ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فقال الله : "وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل " ثم تلا رسول الله ﷺ " ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ " وتأمل هذه العناية كيف جعل هذه الجنة التي غرسها بيده لمن خلقه بيده ولأفضل ذريته اعتناء وتشريفا وإظهارا لفضل ما خلقه وبيده وشرفه وميزه بذلك عن غيره وبالله التوفيق فهذه الجنة في الجنات كآدم في نوع الحيوان وقد روى مسلم في صحيحه عن المغيرة بن شعبة عن سعيد عن النبي ﷺ قال: "سأل موسى ﵇ ربه: ما أدنى أهل الجنة منزلة" قال: "رجل يجيء بعد ما دخل أهل الجنة الجنة فيقال له أدخل الجنة فيقول: رب كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا فيقول: رضيت رب فيقول: له لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله فقال في الخامسة: رضيت رب" قال: "رب فأعلاهم منزلة" قال: أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر ومصداقه من كتاب الله: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ .

стр. 107

الباب الرابع والعشرون: في ذكر أبواب الجنة وخزنتها واسم مقدمهم ورئيسهم قال تعالى ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ والخزنة جمع خازن: ومثل حفظة وحافظ وهو المؤتمن على الشيء الذي قد استحفظه وروى مسلم في صحيحه من حديث سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول: الخازن من أنت فأقول محمد فيقول بلى أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك" وقد تقدم حديث أبي هريرة المتفق عليه: "من أنفق زوجين في سبيل الله دعاه خزنة الجنة كل خزنة باب أي فُلُ هلُمَّ" قال: أبو بكر يا رسول الله ﷺ ذاك الذي لا توى عليه فقال النبي ﷺ ﷺ : "إني لأرجو أن تكون منهم" وفي لفظ: هل تدعى أحد من تلك الأبواب كلها قال: "نعم أرجو أن تكون منهم " لما سمعت همته الصديق إلى تكميل مراتب الإيمان وطمعت نفسه أن يدعي من تلك الأبواب كلها فسأل رسول الله ﷺ هل يحصل ذلك لأحد من الناس ليسعى في العمل الذي ينال به ذلك فخبره بحصوله وبشره بأنه من أهله وكأنه قال: هل تكمل لأحد هذه المراتب فيدعي يوم القيامة من أبوابها كلها فلله ما أعلى هذه الهمة وأكبر هذه النفس قد سمى الله كبير هذه الخزنة رضوان وهو اسم مشتق من الرضا وسمى خازن النار مالكا وهو اسم مشتق من الملك وهو القوة والشدة حيث تصرفت حروفه.

стр. 108

الباب الخامس والعشرون: في ذكر أول من يقرع باب الجنة وقد تقدم حديث أنس ورواه الطبراني بزيادة فيه قال: "فيقوم الخازن فيقول لا أفتح لأحد قبلك ولا أقوم لأحد بعدك وذلك أن قيامه إليه ﷺ خاصة إظهارا لمزيته ورتبته ولا يقوم في خدمة أحد بعده بل خزنة الجنة يقومون في خدمته وهو كالملك عليهم وقد أقامه الله في خدمة عبده ورسوله حتى مشي إليه وفتح له الباب وقد روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه ﷺ أنه قال: "أنا أول من يفتح باب الجنة إلا أن أمرأة تبادرني فأقول لها مالك ومن أنت فتقول أنا امرأة قعدت على يتامى" وفي الترمذي من حديث ابن عباس قال: "جلس ناس من أصحاب النبي ﷺ ينتظرونه قال فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم فقال بعضهم: عجبا إن لله من خلقه خليلا اتخذ إبراهيم خليلا وقال آخر: ما ذلك بأعجب من كليمه موسى كلمه تكليما وقال آخر: فعيسى كلمه الله وروحه وقال أخر: آدم اصطفاه الله فخرج عليهم فسلم وقال: "سمعت كلامكم وعجبكم إن إبراهيم خليل الله وهو كذلك وكذلك وموسى نجى الله وهو كذلك وعيسى روحه وكلمته وهو كذلك وآدم اصطفاه الله وهو كذلك ألا وأنا حبيب الله ولا فخر وأنا أول شافع وأول مشفع يوم القيامة ولا فخر وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر وأنا أول من يحرك حلقة الجنة فيفتح لي فادخلها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر" وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا أول الناس

стр. 109

خروجا إذا بعثوا وأنا خطيبهم إذا أنصتوا وقائدهم إذا وفدوا وشافعهم إذا حبسوا وأنا مبشرهم إذا آيسوا لواء الحمد بيدي ومفاتيح الجنة يومئذ بيدي وأنا أكرم ولد آدم يومئذ على ربي ولا فخر يطوف على ألف خادم ﴿كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ رواه الترمذي والبيهقي واللفظ له وفي صحيح مسلم, من حديث المختار بن فلفل عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " أنا أكثر الناس تبعا يوم القيامة وأنا أول من يقرع باب الجنة"

стр. 110

الباب السادس والعشرون: في ذكر أول الأمم دخولا الجنة وفي الصحيحين من حديث همام بن منبه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "نحن السابقون الأولون يوم القيامة بيد أنهم أوتو الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم " أي: لم يسبقونا إلا بهذا القدر فمعنى بيد: معني سوى وغير وإلا ونحوها وفي صحيح مسلم من حديث أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "نحن الأخرون الأولون يوم القيامة ونحن أول من يدخل الجنة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فاختلفوا فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق ". وفي الصحيحين من حديث طاوس عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "نحن الآخرون الأولون يوم القيامة نحن أول الناس دخولا الجنة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم" وروى الدارقطني من حديث زهير بن محمد عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب عن رسول الله ﷺ قال: "إن الجنة حرمت على الأنبياء كلهم حتى أدخلها وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمتي" قال الدارقطني: غريب عن الزهري ولا أعلم روى عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الزهري غير هذا الحديث ولا رواه إلا عمرو بن أبي سلمة عن زهير فهذه الأمة أسبق الأمم خروجا من الأرض وأسبقهم إلى أعلى مكان في الموقف وأسبقهم إلى ظل العرش وأسبقهم إلى الفصل والقضاء بينهم وأسبقهم إلى الجواز

стр. 111

على الصراط وأسبقهم إلى دخول الجنة فالجنة محرمة على الأنبياء حتى يدخلها محمد ومحرمة على الأمم حتى تدخلها أمته وأما أول الأمة دخولا فقال أبو داود في سننه حدثنا هناد بن السرى عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن عبد السلام بن حرب عن أبي خالد الدالاني عن أبي خالد مولى آل جعدة عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "أتاني جبريل فأخذ بيدي فأراني باب الجنة الذي تدخل منه أمتي " فقال أبو بكر: يا رسول الله ﷺ وددت أني كنت معك حتى أنظر إليه فقال رسول الله ﷺ : "أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي". وقوله: وددت أني كنت معك حرصا منه على زيادة اليقين وأن يصير الخبر عيانا كما قال إبراهيم الخليل: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ وأما الحديث الذي رواه ابن ماجه في سننه حدثنا إسماعيل بن عمر الطلحي أنبأنا داود بن عطاء المديني عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي بن كعب قال قال رسول الله ﷺ : "أول من يصافحه الحق عمر وأول من يسلم عليه وأول من يأخذ بيده فيدخله الجنة" فهو حديث منكر جدا قال الإمام أحمد: داود بن عطاء ليس بشيء وقال البخاري منكر الحديث.

стр. 112

الباب السابع والعشرون: في ذكر السابقين من هذه الأمة إلى الجنة وصفتهم في الصحيحين من حديث همام بن منبه عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر لا يبصقون فيها ولا يتغوطون فيها ولا يتمخطون فيها آنيتهم أمشاطهم الذهب والفضة ومجامرهم الألوة ورشحهم المسك ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقها من وراء اللحم من الحسن لا اختلاف بينهم ولا تباغض عن قلوبهم على قلب رجل واحد يسبحون الله بكرة وعشيا". وفي الصحيحين أيضا من حديث أبي زرعة عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر والذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء أضاءة لا يبولون ولا يتغوطون ولا ينتفلون ولا ينمخطون أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك ومجامرهم الالوة وأزواجهم الحور العين أخلاقهم على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في السماء". وروى شعبة بن قيس عن حبيب عن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ : "أول من يدعي إلى الجنة يوم القيامة الحامدون الذين يحمدون الله في السراء والضراء " وقال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل عن إبراهيم حدثنا هشام الدستوائي عن يحي بن أبي كثير عن عامر العقيلي عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "عرض علي أول ثلاثة من أمتي يدخلون الجنة وأول ثلاثة

стр. 113

يدخلون النار فأما أول ثلاثة يدخلون الجنة فالشهيد وعبد مملوك لم يشغله رق الدنيا عن طاعة ربه وفقير متعفف ذو عيال وأول ثلاثة يدخلون النار فأمير مسلط وذو ثروة من مال لا يؤدي حق الله من ماله وفقير فخور " وروى الإمام أحمد في مسنده والطبراني في معجمه واللفظ له من حديث أبي عشلة المعافري انه سمع عبد الله ابن عمر يقول قال رسول الله: "هل تدرون أول من يدخل الجنة قالوا الله ورسوله أعلم قال فقراء المهاجرين الذين تنقى بهم المكاره ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء تقول الملائكة ربنا نحن ملائكتك وخزنتك وسكان سمواتك لا تدخلهم الجنة قبلنا فيقول عبادي لا يشركون بي شيئا تتقي بهم المكاره يموت أحدهم وحاجته في صدره لم يستطع لها قضاء فعند ذلك تدخل عليهم الملائكة من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبي الدار". ولما ذكر الله تعالى أصناف بني آدم سعيدهم وشقيهم قسم سعداءهم إلى قسمين: سابقين وأصحاب يمين, فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ واختلف في تقريرها على ثلاثة أقوال: أحدها أنه من باب التوكيد اللفظي ويكون الخبر قوله: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ والثاني أن يكون السابقون الأول مبتدأ والثاني خبر له على حد قولك: زيد زيد أي زيد الذي سمعت به هو زيد كما قال: وكقول الآخر: أنا أبو النجم وشعري شعري ... إذ الناس ناس والزمان زمان قال ابن عطية وهذا قول سيبويه والثالث أن يكون الأول غير الثاني ويكون المعنى السابقون في الدنيا إلى الخيرات هم السابقون يوم القيامة إلى الجنات والسابقون إلى الإيمان هم السابقون إلى الجنان وهذا أظهر والله أعلم. فإن قيل: فما تقول في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه

стр. 114

من حديث بريدة بن الحصيب قال: أصبح رسول الله ﷺ فدعا بلال فقال: "يا بلال بم سبقتني إلى الجنة فما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي ودخلت البارحة فسمعت خشخشتك أمامي فأتيت على قصر مريع مشرف من ذهب فقلت لمن هذا القصر قالوا: لرجل من عربي قلت: أنا عربي لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من قريش, قلت: أنا قرشي ولمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من أمة محمد قلت أنا محمد لمن هذا القصر قالوا لعمر ابن الخطاب فقال بلال يا رسول الله ﷺ ما أذنت قط إلا وصليت ركعتين وما أصابني حدث قط إلا توضأت عندها ورأيت أن لله على ركعتين فقال رسول الله ﷺ : " بهما". قيل: نتلقاه بالقبول والتصديق ولا يدل على أن أحدا يسبق رسول الله إلى الجنة وأما تقدم بلال بين يدي رسول الله ﷺ في الجنة فلأن بلالا كان يدعوا إلى الله أولا في الأذان فيتقدم أذانه بين يدي رسول الله ﷺ فتقدم دخوله بين يديه كالحاجب والخادم. وقد روى في حديث " أن النبي ﷺ يبعث يوم القيامة وبلال بين يديه ينادي بالأذان" فتقدمه بين يديه كرامة لرسوله وأطهارا لشرفه وفضله لا سبقا من بلال بل هذا السبق من جنس سبقه إلى الوضوء ودخول المسجد ونحوه والله أعلم.

стр. 115

الباب الثامن والعشرون: في سبق الفقراء الأغنياء إلى الجنة قال الإمام أحمد: حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم وهو خمسمائة عام " وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح ورجال إسناده احتج بهم مسلم في صحيحه. وروى الترمذي من حديث ابن عباس الدوري عن المقبري عن سعيد بن أبي أيوب عن عمرو بن جابر الحضرمي عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: "يدخل فقراء أمتي الجنة قبل الأغنياء بأربعين خريفا ". وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة بأربعين خريفا" وقال الإمام أحمد حدثنا حسين بن محمد حدثنا دويد عن سليم بن بشير عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ : "التقى مؤمنان على باب الجنة مؤمن غني ومؤمن فقير كانا في الدنيا فأدخل الفقير الجنة وحبس الغني ما شاء الله أن يحبس ثم أدخل الجنة فلقيه الفقير فقال أي أخي ماذا حبسك والله لقد احتبست حتى خفت عليك فيقول: أي أخي أني حبست بعدك محبسا فظيعا كريها ما وصلت إليك حتى سال مني العرق ما لو ورده ألف بعير كلها أكلة حمض لصدرت عنه رواء" وقال الطبراني حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي وعلي بن عبد الله الرازي قالا حدثنا على بن مهران العطار حدثنا عبد الملك بن أبي كريمة عن سفيان الثوري عن محمد بن زيد عن أبي حازم عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ : "يقول أن فقراء المؤمنين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم وذلك خمسمائة عام " وذكر الحديث بطوله

стр. 116

والذي في الصحيح أن سبقهم لهم " بأربعين خريفا " فأما أن يكون هو المحفوظ وإما أن يكون كلاهما محفوظا وتختلف مدة السبق بحسب أحوال الفقراء والأغنياء فمنهم من يسبق بأربعين ومنهم من يسبق بخمس مائة كما يتأخر مكث العصاة من الموحدين في النار بحسب جرائمهم" والله أعلم. ولكن ها هنا أمر يجب التنبيه عليه وهو أنه لا يلزم من سبقهم لهم في الدخول ارتفاع منازلهم عليهم بل قد يكون المتأخر أعلى منزلة وأن سبقه غيره في الدخول والدليل على هذا أن من الأمة من يدخل الجنة بغير حساب وهم السبعون ألفا وقد يكون بعض من يحاسب أفضل من أكثرهم والغني إذا حوسب على غناه فوجد قد شكر الله تعالى فيه وتقرب إليه بأنواع البر والخير والصدقة والمعروف كان أعلى درجة من الفقير الذي سبقه في الدخول ولم يكن له تلك الأعمال ولا سيما إذا شاركه الغني في أعماله وزاد عليه فيها والله لا يضيع أجر من أحسن عملا فالمزية مزيتان مزية سبق ومزية رفعة وقد يجتمعان وينفردان فيحصل الواحد السبق والرفعة ويعدمهما آخر ويحصل لآخر السبق دون الرفعة ولآخر الرفعة دون السبق وهذا بحسب المقتضى للأمرين أو لأحدهما وعدمه وبالله التوفيق.

стр. 117

الباب التاسع والعشرون: في ذكر أصناف أهل الجنة الذين ضمنت لهم دون غيرهم قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ فأخبر أنه أعد الجنة للمتقين دون غيرهم ثم ذكر أوصاف المتقين فذكر بذلهم للإحسان في حالة العسر واليسر والشدة والرخاء فإن من الناس من يبذل في حال اليسر والرخاء ولا يبذل في حال العسر والشدة ثم ذكر كيف أذاهم عن الناس بحبس الغيظ بالكظم وحبس الانتقام بالعفو ثم ذكر حالهم بينهم وبين ربهم في ذنوبهم وأنها إذا صارت منهم قابلوها بذكر الله والتوبة والاستغفار وترك الإضرار فهذا حالهم مع الله وذاك حالهم مع خلقه وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ فأخبر تعالى أنه أعدها للمهاجرين والأنصار وأتباعهم بإحسان فلا مطمع لمن خرج عن طريقتهم فيها وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ فوصفهم بإقامة حقه باطنا وظاهرا وبأداء حق عباده

стр. 118

وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما كان يوم حنين أقبل نفر من صحابة النبي ﷺ فقالوا: فلان شهيد وفلان شهيد وفلان شهيد حتى مروا على رجل فقالوا فلان شهيد فقال رسول الله: كلا إني رأيته في النار في بردة غلها أو عباءة ثم قال رسول الله ﷺ : "يا ابن الخطاب اذهب فناد في الناس إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون" قال: فخرجت فناديت: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون" وللبخاري معناه وفي الصحيحن من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ أمر بلالا ينادي في الناس: "إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة" وفي بعض طرقه "مؤمنة" وفي الحديث قصة وفي صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار المجاشعى أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني من يومي هذا كل مال نحلته عبد حلال وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم فحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب وقال: "إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرأه نائما ويقظان وإن الله أمرني أن أحرق قريشا فقلت: رب إذا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة قال: استخرجهم كما أخرجوك واغزهم نغزك وأنفق فسينفق عليك وأبعث جيشا نبعث خمسة مثله وقاتل بمن أطاعك من عصاك قال وأهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط متصدق موفق ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم وعفيف متعفف ذو عيال وأهل النار خمسة الضعيف الذي لا زير له الذين هم فيكم تبعا لا يبغون فيكم أهلا ولا مال والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانة ورجل لا يصبح ولا يمسى إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك وذكر البخل أو الكذب والشنظير الفحّاش وأن الله أوحى إلى أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد".

стр. 119

وفي الصحيحين من حديث حارثة ابن وهب قال سمعت النبي ﷺ يقول: "ألا أخبركم بأهل الجنة كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لابره ألا أخبركم بأهل النار كل عتل جواخا متكبر" وقال الإمام أحمد حدثنا علي بن إسحق قال أنبأنا عبد الله أنبأنا موسى بن علي بن رباح قال سمعت أبي يحدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ قال: "أن أهل النار كل جعظري جواظ مستكبر جماع مناع وأهل الجنة الضعفاء المغلوبون". وذكر خلف بن خليفة عن أبي هاشم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ ألا أخبركم برجالكم من أهل الجنة: "النبي ﷺ في الجنة والصديق في الجنة والشهيد في الجنة والرجل يزور أخاه في ناحية المصر لا يزوره إلا لله في الجنة ونساؤكم من أهل الجنة الودود الولود التي إذا غضب أو غضبت جاءت حتى تضع يدها في يد زوجها ثم تقول لا أذوق غمضا حتى ترضى" أخرج النسائي من هذا الحديث فضل النساء خاصة وباقي الحديث على شرطه. وروى الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ قال: "أن أهل النار كل جعظري جواظ متكبر جماع مناع وأهل الجنة الضعفاء المغلوبون". وقال ابن ماجه في سننه حدثنا محمد بن يحيى وزيد بن أخرم قالا: أنبأنا مسلم بن إبراهيم حدثتنا أبو هلال للراسي حدثنا عقبة بن أبي ثابت الراسي عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ أن أهل الجنة من ملأ أذنيه من ثناء الناس خيرا وهو يسمع وأهل النار من ملأ أذنيه من ثناء الناس شرا وهو يسمع" وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال مر بجنازة فأثنى عليها خير فقال نبي الله: "وجبت وجبت"

стр. 120

ومر بجنازة فأثنى عليها فقال: "وجبت وجبت وجبت فقال عمر فداك أبي وأمي مر بجنازة فأثنى عليها خيرا فقال وجبت وجبت وجبت وجبت" ومر بجنازة فأثنى عليها شر فقلت: "وجبت وجبت وجبت" فقال رسول الله ﷺ : "من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار وأنتم شهداء الله في الأرض" وفي الحديث الآخر: "يوشك أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار قالوا كيف يا رسول الله ﷺ قال بالثناء الحسن وبالثناء السيء" وبالجملة فأهل الجنة أربعة أصناف ذكرهم الله في قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النبيينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ فنسأل الله أن يجعلنا منهم بمنه وكرمه.

стр. 121

الباب الثلاثون: في أن أكثر أهل الجنة هم أمة محمد ﷺ في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ فكبرنا ثم قال: أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبرنا ثم قال أني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة وسأخبركم عن ذلك ما المسلمون في الكفار إلا كشعرة بيضاء في ثور أسود أو كشعرة سوداء في ثور أبيض هذا لفظ مسلم وعند البخاري "وكشعرة سوداء في ثور أبيض بغير ألف" وعن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله ﷺ : "أهل الجنة عشرون ومائة صف هذه الأمة منها ثمانون صفا" رواه الإمام أحمد والترمذي وإسناده على شرط الصحيح رواه الطبراني في معجمه من حديث عبد الله بن عباس وفي إسناده خالد بن يزيد البجلي وقد تكلم فيه ورواه أيضا من حديث القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال قال كيف أنتم وربع الجنة لكم ولسائر الناس ثلاثة أرباعها قالوا الله ورسوله أعلم قال كيف أنتم وثلثها قالوا ذاك أكثر قال كيف أنتم والشطر لكم قالوا ذاك أكثر فقال رسول الله وسلم أهل الجنة عشرون ومائة صف لكم منها ثمانون صفا قال الطبراني لم يرو هذا الحديث عن القاسم بن عبد الرحمن إلا الحرث بن خضيرة تفرد به عبد الواحد بن زياد وقال عبد الله بن أحمد حدثنا موسى بن غيلان بن هاشم بن مخلد حدثنا عبد الله بن المبارك عن سفيان عن أبي عمرو عن أبيه عن أبي هريرة قال: لما نزلت ﴿ثلة من الأولين

стр. 122

وثلة من الآخرين﴾ قال رسول الله ﷺ : "أنتم ربع أهل الجنة أنتم ثلث أهل الجنة أنتم نصف أهل الجنة أنتم ثلثا أهل الجنة" قال الطبراني تفرد برفعه ابن المبارك عن الثوري وقال خيثمة بن سليمان القرشي حدثنا أبو قلابة هو عبد الملك بن محمد بن بكار الصيرفي حدثنا حماد بن عيسى حدثنا سفيان الثوري عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "أهل الجنة عشرون ومائة صف أنتم منها ثمانون صفا". وهذه الأحاديث قد تعددت طرقها واختلفت مخارجها وصح سند بعضها ولا تنافي بينها وبين حديث الشطر لأنه رجا أولا أن يكونوا شطر أهل الجنة فأعطاه الله سبحانه رجاءه وزاد عليه سدسا آخر وقد روى أحمد في مسنده من حديث أبي الزبير أنه سمع جابرا يقول سمعت رسول الله يقول أرجو أن يكون من يتبعني من أمتي يوم القيامة ربع أهل الجنة قال فكبرنا ثم قال فأرجو أن تكونوا الشطر وإسناده على شرط مسلم

стр. 123

الباب الحادي والثلاثون: في أن النساء في الجنة أكثر من الرجال وكذلك هم في النار ثبت في الصحيحين من حديث أيوب بن محمد بن سيرين قال: إمَّا تفاخروا وأما تذاكروا الرجال أكثر في الجنة الرجال أم النساء؟ فقال أبو هريرة: ألم يقل أبو القاسم ﷺ : "أن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر والتي تليها على أضواء كوكب دري في السماء لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم" وما في الجنة عزب فإن كن من نساء الدنيا فالنساء في الدنيا أكثر من الرجال وإن كن من الحور العين لم يلزم أن يكن في الدنيا أكثر. والظاهر أنهن من الحور العين لما رواه الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة حدثنا يونس عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " للرجال من أهل الجنة زوجتان من الحور العين على كل واحدة سبعون حلة يرى مخ ساقها من وراء الثياب" فإن قيل فكيف تجمعون بين هذا الحديث وبين حديث جابر المتفق عليه: شهدت مع رسول الله ﷺ العيد فصلى قبل أن يخطب بغير أذان ولا إقامة ثم خطب بعد ما صلى فوعظ الناس وذكرهم ثم أتى النساء فوعظهن ومعه بلال فذكرهن وأمرهن بالصدقة قال فجعلت المرأة تلقى خاتمها وخرصها والشيء كذلك فأمر النبي ﷺ بلالا فجمع ما هناك قال أن منكن في الجنة ليسير فقالت امرأة: يا رسول الله ﷺ لم قال أنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير" وفي الحديث الآخر: "أن أقل ساكني الجنة النساء" قيل: هذا يدل على أنهن إنما كن في الجنة أكثر بالحور العين التي

стр. 124

خلقن في الجنة وأقل ساكنيها نساء الدنيا فنساء الدنيا أقل أهل الجنة وأكثر أهل النار أما كونهن أكثر أهل النار فلما روى البخاري في صحيحه من حديث عمران بن حصين قال بلغني أن رسول الله ﷺ قال: "اطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء واطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء". وفي صحيح مسلمم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء" وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ "اطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء واطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء" وفي المسند أيضا من حديث عبد الله بن عمر قال قال رسول الله ﷺ :"اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها الأغنياء والنساء" وفي الصحيح من حديث ابن عمر عن رسول الله ﷺ قال: "يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار فأني رأيتكن أكثر أهل النار فقالت امرأة منهن خدلة: وما لنا يا رسول الله ﷺ أكثر أهل النار؟ قال: "تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن" قالت: يا رسول الله ﷺ وما نقصان العقل والدين؟ قال: "أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل بشهادة رجل فهذا نقصان العقل وتمكث الأيام لا تصلي وتفطر فهذا نقصان الدين". وأما كونهن أقل أهل الجنة فهي إفراد مسلم عن مطرف بن عبد الله أنه

стр. 125

كانت له امرأتان فجاء من عند إحداهما فقالت الأخرى: جئت من عند فلانة فقال: جئت من عند عمران بن حصين فحدثنا أن رسول الله ﷺ قال: "أن أقل ساكني الجنة النساء". فإن قيل فما تصنعون بالحديث الذي رواه أبو يعلي الموصلي حدثنا عمرو بن الضحاك بن مخلد حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد حدثنا أبو رافع إسماعيل بن رافع عن محمد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي عن رجل من الأنصار عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ وهو في طائفة من أصحابه فذكر حديثا طويلا وفيه: " فيدخل الرجل منهم على ثنتين وسبعين زوجة مما ينشئ الله تعالى وثنتين من ولد آدم لهما فضل على من أنشأ الله بعبادتهما الله في الدنيا" وذكر الحديث قيل هذا قطعة من حديث الصور الطويل ولا يعرف إلا من حديث إسماعيل بن رافع وقد ضعفه أحمد ويحيى وجماعة وقال الدارقطني وغيره متروك الحديث وقال ابن عدي أحاديثه كلها مما فيه نظر وأما البخاري فقال فيه ما حكاه الترمذي عنه قال: سمعت محمدا يقول فيه: هو ثقة مقارب الحديث قلت: ولكن إذا روى مثل هذا ما يخالف الأحاديث الصحيحة لم يلتفت إلى روايته وأيضا فالرجل الذي روى عنه القرظي لا يدري من هو؟ وقد روى عنه أحمد في مسنده من حديث عمارة بن خزيمة بن ثابت قال: كنا مع عمرو بن العاص في حج أو عمرة حتى إذا كنا بمر الظهران فإذا امرأة في هودجها قال: فمال فدخل الشعب فدخلنا معه فقال كنا مع رسول الله ﷺ في هذا المكان فإذا نحن بغربان كثيرة فيها غراب أعصم أحمر المنقار والرجلين فقال رسول الله لا يدخل الجنة من النساء إلا مثل هذا الغراب في هذه الغربان والأعصم من الغربان الذي في جناحه

стр. 126

ريشة بيضاء قال الجوهري: ويقال هذا كقولهم: الأبلق العقوق وبيض الأنوق لكل شيء يعز وجوده وفي النهاية الغراب الأعصم هو الأبيض الجناحين وقيل الأبيض الرجل أراد قلة من يدخل الجنة من النساء لأن هذا الوصف في الغربان قليل عزيز وفي حديث آخر: "المرأة الصالحة مثل الغراب الأعصم" قيل: يا رسول الله وما الغراب الأعصم؟ يا رسول الله قال: "الذي إحدى رجليه بيضاء" وفي حديث آخر: "عائشة في النساء كالغراب الأعصم في الغربان"

стр. 127

الباب الثاني والثلاون: فيمن يدخل الجنة في هذه الأمة بغير حساب وذكر أوصافهم ... الباب الثاني والثلاثون: فيمن يدخل الجنة من هذه الأمة بغير حساب وذكر أوصافهم ثبت في الصحيحين من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يدخل الجنة من أمتي زمرة هم سبعون ألفا تضيء وجوههم أضاءة القمر ليلة البدر" فقام عكاشة بن محصين الأسدي يرفع نمرة عليه فقال: يا رسول الله ﷺ : ادع الله آن يجعلني منهم فقال رسول الله ﷺ اللهم أجعله منهم فقام رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله ﷺ ادع الله أن يجعلني منهم فقال: "سبقك بها عكاشة" وفي الصحيحين من حديث سهل بن سعد أن رسول الله قال: "ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب أو سبعمائة ألف آخذ بعضهم ببعض حتى يدخل أولهم وآخرهم الجنة وجوههم على صورة القمر ليلة البدر" فهذه هي الزمرة الأولى وهم يدخلونها بغير حساب. والدليل عليه ما ثبت في الصحيحين والسياق لمسلم حدثنا سعيد بن منصور حدثنا هشام أنبأنا خصيف بن عبد الرحمن قال كنت عند سعيد بن جبير فقال أيكم الذي رأى الكوكب الذي انقض البارحة قلت أنا ثم قلت أما أني لم أكن في صلاة ولكنني لدغت قال فما صنعت قلت استرقيت قال فما حملك على ذلك قلت حديث حدثناه الشعبي قال وما حدثكم الشعبي قلت حدثنا عن بريدة ابن الحصيب الاسلمي أنه قال لا رقيه إلا من عين أو حمة فقال قد أحسن من انتهى إلى ما سمع ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي وليس معه أحد ورفع إلى سواد عظيم فظننت أنهم أمتي فقيل لي هذا موسى وقومه ولكن أنظر إلى الأفق فنظرت فإذا سواد عظيم فقيل لي هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ثم نهض

стр. 128

فدخل منزله فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب فقال بعضهم لعلهم الذين صحبوا رسول الله وقال بعضهم فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئا وذكروا أشياء فخرج عليهم رسول الله فقال ما الذي تخوضون فيه فأخبروه فقال هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون فقام عكاشة بن محصن فقال ادع الله أن يجعلني منهم فقال أنت منهم ثم قام رجل آخر فقال ادع الله أن يجعلني منهم فقال سبقك بها عكاشة وليس عند البخاري لا يرقون قال شيخنا وهو الصواب وهذه اللفظة وقعت مقحمة في الحديث وهي غلط من بعض الرواة فإن النبي ﷺ جعل الوصف الذي يستحق به هؤلاء دخول الجنة بغير حساب هو تحقيق التوحيد وتجريده فلا يسألون غيرهم أن يرقيهم ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون والطيرة نوع من الشرك ويتوكلون على الله وحده لا على غيره وتركهم الاسترقاء والتطير هو من تمام التوكل على الله كما في الحديث الطيرة الشرك قال ابن مسعود وما منا إلا من تطير ولكن الله يذهبه بالتوكل. فالتوكل ينافى التطير وأما رقية العين فهي إحسان من الراقي قد رقى رسول الله جبريل وأذن في الرقي وقال لا بأس بها ما لم يكن فيها شرك واستأذنوه فيها فقال من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه وهذا يدل على أنها نفع وإحسان وذلك مستحب مطلوب لله ورسوله فالراقي محسن والمسترقي سائل راج نفع الغير والتوكل ينافي ذلك فإن قيل فعائشة قد رقيت رسول الله ﷺ وجبريل قد رقاه قيل أجل ولكن هو لم يسترق وهو ﷺ لم يقل ولا يرقيهم راق وإنما قال لا يطلبون من أحد أن يرقيهم وفي إمتناعه أن يدعو للرجل الثاني سد لباب الطلب فإنه لو دعا لكل من سأله ذلك فربما طلبه من ليس من أهله والله أعلم وفي صحيح مسلم من حديث محمد بن سيرين عن عمران ابن حصين قال قال

стр. 129

رسول الله ﷺ : "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب ولا عذاب قيل ومن هم قال هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون" وفي صحيحه أيضا من حديث ابن الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله قال: "سمعت النبي ﷺ يذكر حديثا طويلا وفيه فتنجوا أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر سبعون ألفا لا يحاسبون ثم الذين يلونهم كأضواء نجم في السماء ثم كذلك " وذكر تمام الحديث وقال أحمد بن منيع في مسنده حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز حدثنا حماد عن عاصم عن زر عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسل م: "عرضت علي الأمم بالموسم فتراأيت على أمتي ثم رأيتهم فأعجبني كثرتهم وهيئتهم قد ملؤا السهل والجبل فقال: أرضيت يا محمد فقلت: نعم فقال: أن مع هؤلاء سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب وهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون" فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله ﷺ ادع الله أن يجعلني منهم فقال رسول الله ﷺ : "أنت منهم فقام رجل آخر فقال سبقك بها عكاشة" وإسناده على شرط مسلم.

стр. 130

الباب الثالث والثلاثون: في ذكر حثيات الرب ﵎ الذين يدخلهم الجنة قال أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا إسماعيل بن عياش عن محمد بن زياد قال سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب مع كل ألف سبعون ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب وثلاث حثيات من حثيات ربي ". قلت وإسماعيل بن عياش إنما يخاف من تدليسه وضعفه فأما تدليسه فقد قال الطبراني حدثنا أحمد بن المعلي الدمشقي والحسين بن إسحاق التستري قالا حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا إسماعيل بن عياش قال أخبرني محمد بن زياد الألهاني قال: سمعت أبا أمامة يقول: فذكره وإما ضعفه فإنما هو في غير حديث الشاميين وهذا من روايته عن الشاميين وأيضا فقد جاء من غير طريقه قال أبو بكر ابن أبي عاصم: حدثنا دحيم حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا صفوان بن عمرو عن سليم بن عامر عن أبي اليمان الهوزني عن أبي أمامة عن رسول الله ﷺ قال: "إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب" قال يزيد بن الأخنس: والله ما أولئك في أمتك يا رسول الله ﷺ إلا مثل الزباب الأصفر في الذباب قال رسول الله ﷺ :"فإن الله وعدني سبعين ألفا مع كل ألف سبعون ألفا وزاد في ثلاث حثيات" قال ابو عبد الله المقدسي: أبو اليمان اسمه عامر بن عبد الله بن لحي ودحيم لقب واسمه عبد الرحمن بن إبراهيم القاضي شيخ البخاري ومن فوقه إلى أبي أمامة من رجال الصحيح إلا الهوازني وما علمت فيه جرحا قال الطبراني حدثنا أحمد بن خليد حدثنا أبو توبة حدثنا معاوية بن

стр. 131

سلام عن زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام يقول حدثني عامر بن يزيد البكالي أنه سمع عتبة بن عبد السلمي قال قال رسول الله ﷺ :"إن ربي وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب ثم يشفع كل ألف لسبعين ألفا ثم يحثي ربي ﵎ بكفيه ثلاث حثيات فكبر عمر وقال أن السبعين الأول يشفعهم الله في آبائهم وأبنائهم وعشائرتهم وارجو أن يجعلني الله في إحدى الحثيات الأواخر" قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد: لا أعلم لهذا الإسناد علة قال الطبراني وحدثنا أحمد بن خالد حدثنا أبو توبة حدثنا معاوية بن سلام عن زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام يقول حدثني عبد الله بن عامر بن قيس الكندي أن أبا سعيد الأنماري حدثه أن رسول الله ﷺ "أن ربي وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب ويشفع لكل ألف سبعين ألفا ثم يحثي ربي ثلاث حثيات بكفيه" قال ابن قيس فقلت لأبي سعيد أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ قال: نعم بأذني ووعاه قلبي قال أبو سعيد: فقال رسول الله ﷺ : "وذلك إن شاء الله يستوعب مهاجري أمتي, ويوفى الله بقيته من أعرابنا قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أبي سعيد الأنماري إلا بهذا الإسناد وتفرد به معاوية ابن سلام وقد رواه محمد بن سهل بن عسكر عن أبي توبة الربيع بن نافع بإسناده وفيه قال أبو سعيد فحسب ذلك عند رسول الله فبلغ أربعمائة ألف ألف وتسعمائة ألف فقال رسول الله أن ذلك يستوعب أن شاء الله مهاجري أمتي قال الطبراني: حدثنا محمد بن صالح بن الوليد الترسي ومحمد بن يحيى بن منده الأصبهاني قالا أخبرنا أبو حفص عمرو بن علي حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن أبي بكر بن أنس عن أبي بكر بن عمير عن أبيه أن

стр. 132

النبي ﷺ قال: "أن الله وعدني أن يدخل من أمتي ثلاثمائة ألف الجنة فقال عمير يا رسول الله ﷺ زدنا فقال هكذا بيده فقال عمير يا رسول الله ﷺ زدنا فقال عمير حسبك يا عمير فقال: مالنا ولك يا ابن الخطاب وما عليك أن يدخلنا الله الجنة فقال عمر: إن الله إن شاء أدخل الناس الجنة بحفنة أو بحثية واحدة فقال نبي الله: صدق عمر" قال محمد بن عبد الواحد لا أعرف لعمير حديثا غيره وفي الحلية من حديث سليمان ابن حرب حدثنا أبو هلال عن قتادة عن أنس عن النبي ﷺ قال: "وعدني ربي أن يدخل من أمتي مئة ألف الجنة" فقال أبو بكر: يا رسول الله ﷺ زدنا قال: "وهكذا" وأشار سليمان بن حرب بيده كذلك قال يا رسول الله ﷺ : زدنا فقال عمر: إن الله قادر أن يدخل الناس الجنة بحفنة واحدة فقال رسول الله: "صدق عمر" رواه عنه إبراهيم بن الهيثم البلدي وفيه ضعف تفرد به أبو هلال الراسبي بصري واسمه محمد بن سليم وقال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن قتادة عن النضر بن أنس عن أنس قال قال رسول الله ﷺ : "أن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي أربعمائة ألف" قال أبو بكر زدنا يا رسول الله ﷺ قال وهكذا وجمع بين يديه قال زدنا يا رسول الله ﷺ قال: وهكذا فقال عمر حسبك يا أبا بكر فقال أبو بكر دعني وما عليك أن يدخلنا الجنة كلنا!! فقال عمر إن شاء الله أدخل خلقه الجنة بكف واحد فقال النبي ﷺ : "صدق عمر" تفرد به عبد الرزاق وقال أبو يعلي الموصلي في مسنده حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا عبد القاهر بن السري السلمي حدثنا حميد عن أنس عن النبي ﷺ قال يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا قالوا زدنا يا رسول الله ﷺ فقال: "هكذا وحثى بيده" قالوا يا نبي الله أبعد الله من دخل النار بعد هذا قال محمد بن عبد الواحد

стр. 133

لا أعلمه روى عن أنس بهذا الطريق وسئل يحيى بن معين عن عبد القاهر فقال صالح وأصحاب هذه الحثيات هم الذين وقعوا في قبضته الأولى سبحانه يوم القبضتين فإن قيل فكيف كانوا أولا قبضة واحدة ثم صاروا ثلاث حثيات مع العدد المذكور قيل الرب أخرج يوم القبضتين صورهم واشباحهم وقد روى أنهم كانوا كالذر وأما يوم الحثيات فيكونون أتم ما كانوا خلقه وأكمل أجساما فناسب أن تتعدد الحثيات بكلتا اليدين والله أعلم

стр. 134

الباب الرابع والثلاثون: في ذكر تربة الجنة وطينتها وحصبائها وبنائها ... الباب الرابع والثلاثون: في ذكر تربة الجنة وطينتها وحصائها وبنائها قال الإمام أحمد حدثنا أبو النضر وأبو كامل قالا أنبأنا زهير حدثنا سعيد الطائي حدثنا أبو مدلة مولى أم المؤمنين سمع أبا هريرة يقول: قلنا يا رسول الله ﷺ الله إذا رأيناك رقت قلوبنا وكنا من أهل الآخرة وإذا فارقناك أعجبتنا الدنيا وشممنا النساء والأولاد قال:"لو تكونون على كل حال على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة بأكفهم ولزارتكم في بيوتكم ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون كي يغفر الله لهم" قال: قلنا يا رسول الله ﷺ حدثنا عن الجنة ما بناؤها قال: "لبنة ذهب ولبنة فضة وملاطها المسك وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت وترابهما الزعفران من يدخلها ينعم لا يبأس ويخلد لا يموت ولا تبلى ثيابه ولا يفني شبابه ثلاثة لا ترد دعوتهم الإمام العادل والصائم حتى يفطر ودعوة المظلوم تحمل على الغمام وتفتح لها أبواب السماوات ويقول الرب وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين" وروى أبو بكر بن مردويه من حديث الحسن عن ابن عمر قال سئل رسول الله ﷺ عن الجنة فقال:"من يدخل الجنة يحيا ولا يموت وينعم ولا يبأس ولا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه" قيل يا رسول الله ﷺ كيف بناؤها قال:"لبنة من ذهب ولبنة من فضة وملاطها مسك أذفر وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت وترابها الزعفران "هكذا جاء في هذه الأحاديث أن ترابها الزعفران وكذلك روى عن يزيد بن زريع حدثنا سعيد عن قتادة عن العلاء بن زياد عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة وترابها الزعفران وطينها المسك"

стр. 135

وفي الصحيحين من حديث الزهري عن أنس بن مالك قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله ﷺ قال: "أدخلت الجنة فإذا فيها جناذب اللؤلؤ وإذا ترابها المسك" وهو قطعة من حديث المعراج وروى مسلم في صحيحه من حديث حماد بن سلمة عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ : "سأل ابن صياد عن تربة فقال: درمكة بيضاء مسك خالص فقال رسول الله ﷺ : "صدق" ثم رواه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة عن الجريري عن أبي نضرة أن ابن صياد سأل النبي ﷺ عن تربة الجنة فقال: "در مكة بيضاء مسك خالص". وقال سفيان بن عيينة عن مجاهد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله قال جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد قد غلب أصحابك اليوم قال وبأي شيء غلبوا قال سألهم اليهود كم عدد خزنة النار فقالوا لا ندري حتى نسأل نبينا فقال رسول الله أيغلب قوم سئلوا عما لا يعلمون فقالوا حتى نسأل نبينا ولكن هم أعداء الله سألوا نبيهم أن يريهم الله جبرة على بأعداء الله فأني سائلهم عن تربة الجنة وأنها درمكة فلما أن جاؤه قالوا يا أبا القاسم كم عدد خزنة النار فقال رسول الله بيديه كلتيهما هكذا وهكذا وقبض واحدة أي تسعة عشر فقال لهم رسول الله ما تربة الجنة فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا خبزة يا أبا القاسم فقال النبي ﷺ الخبزة من الدرمكة" فهذه ثلاث صفات في تربتها ولا تعارض بينها فذهبت طائفة من السلف إلى أن تربتها متضمنة للنوعين المسك والزعفران قال أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا محمد بن أبي عبيد عن أبيه عن الأعمش عن مالك بن الحارث قال قال معتب بن سمى الجنة ترابها المسك والزعفران ويحتمل معنيين آخرين: أحدهما: أن يكون التراب من زعفران فإذا عجن بالماء صار مسكا والطين

стр. 136

ترابا ويدل على هذا قوله في اللفظ الآخر ملاطها المسك والملاط الطين ويدل عليه أن في حديث العلاء بن زياد ترابها الزعفران وطينها المسك فلما كانت تربتها طيبة وماؤها طيبا فانضم أحدهما إلى الآخر حدث لهما طيب آخر فصار مسكا المعنى الثاني: أن يكون زعفرانا بإعتبار اللون مسكا بإعتبار الرائحة وهذا من أحسن شيء يكون البهجة والإشراق لون الزعفران والرائحة رائحة المسك وكذلك تشبهها بالدرمك وهو الخبز الصافي الذي يضرب لونه إلى صفرة مع لينها ونعومتها وهذا معنى ما ذكره سفيان بن عيينة عن أبي نجيح عن مجاهد بهذا أرض الجنة من فضة وترابها المسك فاللون في البياض لون الفضة والرائحة رائحة المسك وقد ذكر ابن أبي الدنيا من حديث أبي بكر بن أبي سبرة عن عمر بن عطاء بن زرارة عن سالم ابن المغيث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "أرض الجنة بيضاء عرصتها صخور الكافور وقد أحاط به المسك مثل كثبان الرمل فيها أنهار مطردة فيجتمع فيها أهل الجنة أدناهم وآخرهم فيتعارفون فيبعث الله ريح الرحمة فتهيج عليهم ريح المسك فيرجع الرجل إلى زوجته وقد أزداد حسنا وطيبا فتقول لقد خرجت من عندي وأنا بك معجبة وأنا بك الآن أشد أعجابا". وقال ابن أبي شيبة: حدثنا معاوية ابن هشام حدثنا علي بن صالح عن عمر بن ربيعة عن الحسن عن ابن عمر قال: قيل يا رسول الله ﷺ كيف بناء الجنة؟ قال: "لبنة من فضة ولبنة من ذهب وملاطها مسك أذفر وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت وترابها الزعفران" وقال أبو الشيخ حدثنا الوليد بن أبان حدثنا أسيد ابن عاصم حدثنا الحوضي حدثنا عدي بن الفضل حدثنا سعيد الحريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال قال رسول ﷺ : "إن الله بنى جنات عدن بيده بناؤها لبنة من ذهب ولبنة من فضة وجعل ملاطها المسك الأذفر وترابها الزعفران

стр. 137

وحصباءها اللؤلؤ ثم قال لها تكلمي فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فقالت الملائكة طوبى لك منزل الملوك" وقال أبو الشيخ حدثنا عمرو بن الحسين حدثنا أبو علانة حدثنا ابن جريح عن عطاء عن عبيد بن عمير عن أبي كعب قال قال رسول الله قلت ليلة أسري بي يا جبريل أنهم سيسألوني عن الجنة فأخبرهم أنها من درة بيضاء وأن أرضها عقيان والعقيان الذهب فإن كان ابن علانة حفظه فهي أرض الجنتين الذهبيتين فيكون جبريل أخبره بأعلى الجنتين وأفضلهما والله أعلم.

стр. 138

الباب الخامس والثلاثون: في ذكر نورها وبياضها قال أحمد بن منصور الرمادي أنبأنا كثير بن هشام حدثنا هشام بن زياد وأبو المقدام عن حبيب بن الشهيد عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "خلق الله الجنة بيضاء وأحب الزي إلى الله البياض فليلبسه أحياؤكم وكفنوا فيه موتاكم" ثم أمر برعاء الشاة فجمعت فقال: "من كان منكم ذا غنم سود فليخلط بها بيضاء" فجاءته امرأة فقالت: يا رسول الله ﷺ إني اتخذت غنما سودا فلا أراها تنمو قال: "عفري" وقوله عفري أي بيضي وذكر أبو نعيم من حديث عباد بن عباد حدثنا هشام بن زياد عن يحيى بن عبد الرحمن عن عطاء عن ابن عباس يرفعه أن الله خلق الجنة بيضاء وأن أحب اللون إلى الله البياض فليلبسه أحياؤكم وكفنوا به موتاكم وذكر من طريق عبد الحميد بن صالح حدثنا أبو شهاب عن حمزة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ : "عليكم بالبياض فإن الله خلق الجنة بيضاء فليلبسه أحياؤكم وكفنوا فيه موتاكم" وروينا من طريق البخاري حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا سويد بن سعيد حدثنا عبد ربه الحنفي عن خاله الزميل بن السماك أنه سمع أباه يحدث أنه لقي عبد الله بن عباس بالمدينة بعد ما كف بصره فقال: يا ابن عباس ما أرض الجنة قال: "مر مرة بيضاء من فضة كأنها مرآة" قلت: فما نورها قال: "ما رأيت الساعة التي تكون فيها قبل طلوع الشمس فذلك نورها إلا أنه ليس فيها شمس ولا زمهرير وذكر الحديث وسيأتي إن شاء الله تعالى وفي حديث لقيط بن عامر الطويل الذي رواه عبد الله بن احمد في مسند أبيه عن النبي ﷺ وذكر الحديث وقال: "وتحتبس الشمس والقمر

стр. 139

فلا يرون منهما واحدا" قال: قلت يا رسول الله ﷺ فيم تبصر قال: " مثل بصرك في ساعتك هذه وذلك مع طلوع الشمس في يوم أشرقته الأرض وواجهته الجبال" وفي سنن ابن ماجه من حديث الوليد بن مسلم عن محمد بن مهاجر عن الضحاك المغافري عن سليمان بن موسى حدثني كريب أنه سمع أسامة بن زيد يقول قال رسول الله ﷺ : "ألا هل مشمر للجنة فإن الجنة لا خطر لها وهي ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز وقصر مشيد ونهر مطرد وثمرة نضيجة وزوجة حسناء جميلة وحلل كثيرة ومقام في أبد في دار سليمة وفاكهة وخضرة وحبرة ونعمة في محلة عالية بهية قالوا نعم يا رسول الله ﷺ ونحن المشمرون لها قال قولوا إن شاء الله قال القوم أن شاء الله.

стр. 140

الباب السادس والثلاثون: في ذكر غرفها وقصورها ومقاصيرها وخيامها قال الله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ فأخبر تعالى أنها غرف فوق غرف وأنها مبنية بناء حقيقة لئلا تتوهم النفوس أن ذلك تمثيل وأنه ليس هناك بناء بل تتصور النفوس غرفا مبنية كالعلالي بعضها فوق بعض حتى كأنها ينظر إليها عيانا ومبنية صفة للغرف الأولى والثانية أي لهم منازل مرتفعة وفوقها منازل أرفع منها قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ والغرفة جنس كالجنة وتأمل كيف جزاءهم على هذه الأقوال المتضمنة للخضوع والذل والاستكانة لله الغرفة والتحتية والسلام في مقابلة صبرهم على سوء خطاب الجأهلين لهم فبدلوا بذلك سلام الله وملائكته عليهم. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْن﴾ وقال تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ﴾ وروى الترمذي في جامعة من حديث عبد الرحمن بن إسحق عن النعمان بن سعد عن علي قال قال رسول الله ﷺ : "إن في الجنة لغرف يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظهورها" فقام أعرابي فقال: يا رسول الله ﷺ لمن هي قال:"لمن طيب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى بالليل والناس

стр. 141

نيام" قال الترمذي هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن إسحاق وقال الطبراني حدثنا عبدان ابن أحمد حدثنا هشام بن عمار حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا معاوية بن سلام عن زيد بن سلام قال حدثني أبو سلام حدثني أبو معانق الأشعري حدثني أبو مالك الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: "إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها أعدها الله لمن أطعم الطعام وأدام الصيام وصلى بالليل والناس نيام " وقال ابن وهب حدثنا حيي عن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها" قال أبو مالك الأشعري لمن هي يا رسول الله ﷺ قال: "لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وبات قائما والناس نيام" قال محمد بن عبد الواحد: وهذا عندي إسناد حسن وذكر أبي مالك فيه يدل على صحته لأن أبا مالك قد رواه وإسناده أيضا حسن وقد تقدم حديث أبي سعيد المتفق على صحته "إن أهل الجنة ليتراأون أهل الغرف كما تراأون الكوكب الغابر من الأفق" وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: "إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤ واحد مجوفة طولها ستون ميلا فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا وقد تقدم قوله ﷺ في الحديث الصحيح"من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة" وقوله في حديث أبي موسى يقول الله لمن حمد واسترجع عند موت ولده: "ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه ببيت الحمد" وفي الصحيحين من حديث عبد الله ابن أبي أوفى وأبي هريرة وعائشة أن جبريل قال للنبي ﷺ "هذه خديجة اقرئها السلام من ربها وأمره أن يبشرها

стр. 142

ببيت في الجنة من قصب لا صخب" فيه ولا نصب والقصب هنا قصب اللؤلؤ المجوف. وقد روى ابن أبي الدنيا من حديث يزيد بن هرون عن حماد بن سلمة عن عكرمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة لقصرا من لؤلؤ ليس فيه صدع ولا وهن أعده الله لخليله إبراهيم" وفي الصحيحين من حديث حميد عن أنس أن النبي ﷺ قال: "أدخلت الجنة فإذا أنا بقصر من ذهب فقلت لمن هذا القصر قالوا لشاب من قريش فظننت أني أنا هو فقلت ومن هو قالوا لعمر بن الخطاب " وه وفيهما من حديث جابر ولفظه فأتيت على قصر مربع مشرف من ذهب وقد تقدم وقال ابن أبي الدنيا حدثنا شجاع بن الأشرس قال سمعت عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن حميد بن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "دخلت الجنة فإذا فيها قصر أبيض قال قلت لجبريل لمن هذا القصر قال لرجل من قريش فرجوت أن أكون أنا فقلت لاي قريش قال لعمر بن الخطاب " وهذا إن كان محفوظا فبياضه نوره وإشراقه وضياؤه والله أعلم وقال الحسن: "قصر من ذهب لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حكم عدل يرفع بها صوته وقال الأعمش: حدثنا مالك بن الحارث عن مغيث بن سمي قال: إن في الجنة قصورا من ذهب وقصورا من فضة وقصورا من لؤلؤ وقصورا من ياقوت وقصورا من زبرجد وقال الأعمش عن مجاهد عن عبيد بن عمير قال: إن أدنى أهل الجنة منزلة من له دار من لؤلؤة واحدة منها غرفها وأبوابها" وروى البيهقي من حديث حفص بن عمر حدثنا عمرو بن قيس الملائي عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ : "إن في الجنة لغرفا فإذا كان ساكنها فيها لم يخف عليه ما خلفها وإذا كان خلفها لم يخف

стр. 143

عليه ما فيها قيل لمن هي يا رسول الله ﷺ قال: "لمن أطاب الكلام وواصل الصيام وأطعم الطعام وأفشى السلام وصلى والناس نيام قال وما طيب الكلام قال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فإنها تأتي يوم القيامة ولها مقدمات ومعقبات" قيل: وما وصال الصيام قال:"من صام شهر رمضان ثم أدرك شهر رمضان فصامه" قيل: وما إطعام الطعام قال:"من قات عياله وأطعمهم" قيل: وما إفشاء السلام قال:"مصافحة أخيك وتحيته" قيل: وما الصلاة والناس نيام قال:"صلاة العشاء الآخرة" قال: حفص بن عمر هذا مجهول لم يروه عنه غير على بن حرب فيما أعلم قلت هذا يلقب بالكفر بفتح الكاف وسكون الفاء وقد روى عنه محمد بن غالب تمتام وعلى ابن حرب وهما ثقتان ولكن ضعفه ابن عدي وابن حبان وحديثه وهذا له شواهد والله أعلم وفي فوائد ابن السماك حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن منصور حدثنا أبي حدثنا عبد الرحمن بن عبد المؤمن قال سمعت محمد بن واسع يذكر عن الحسن عن جابر بن عبد الله قال قال النبي ﷺ : "ألا أحدثكم بغرف الجنة" قال: قلنا بلى يا رسول الله ﷺ بأبينا أنت وأمنا قال: "أن في الجنة غرفا من أصناف الجوهر كله يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها فيها من النعم واللذات ما لا عين رأت ولا أذن سمعت" قال: قلنا يا رسول الله ﷺ لمن هذه الغرف قال لمن أفشى السلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى بالليل والناس نيام قال قلنا يا رسول الله ﷺ ومن يطيق ذلك قال أمتي تطيق ذلك وسأخبركم عن ذلك من لقي أخاه فسلم عليه فقد أفشى السلام ومن أطعم أهله وعياله من الطعام حتى يشبعهم فقد أطعم الطعام ومن صام رمضان ومن كل شهر ثلاثة أيام فقد أدام الصيام ومن صلى صلاة العشاء الأخيرة في جماعة فقد صلى الليل والناس نيام واليهود والنصارى والمجوس وهذا إسناد وإن كان لا يحتج به وحده فإذا انضم إليه ما تقدم استفاد قوة مع أنه قد روى بإسنادين آخرين

стр. 144

الباب السابع والثلاثون: في ذكر معرفتهم لمنازلهم ومساكنهم إذا دخلو الجنة وإن لم يروها قبل ذلك ... الباب السابع والثلاثون: في ذكر معرفتهم لمنازلهم ومساكنهم إذا دخلوا الجنة وأن لم يروها قبل ذلك قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ قال مجاهد: "يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا لا يستدلوا عليها أحدا" وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: "هم أعرف بمنازلهم من أهل الجنة إذا انصرفوا إلى منازلهم" وقال محمد بن كعب: "يعرفونها كما تعرفون بيوتكم في الدنيا إذا انصرفتم من يوم الجمعة" هذا قول جمهور المفسرين وتلخيص أقوالهم ما قاله أبو عبيدة عرفها لهم أي بينها لهم حتى عرفوها من غير استدلال وقال مقاتل ابن حيان: "بلغنا أن الملك الموكل بحفظ بني آدم يمشي في الجنة ويتبعه ابن آدم حتى يأتيه أقصى منزل هو له فيعرفه كل شيء أعطاه الله في الجنة فإذا دخل إلى منزله وأزواجه انصرف الملك عنه" وقال سلمة بن كهيل: "طرقها لم ومعنى هذا أنه طرقها لهم حتى يهتدوا إليها" وقال الحسن: "وصف الله الجنة في الدينا لهم فإذا دخلوها عرفوها بصفتها وعلى هذا القول فالتعريف وقع في الدنيا ويكون المعنى يدخلهم الجنة التي عرفها لهم وعلى القول الأول يكون التعريف وأقعا في الآخرة هذا كله إذا قيل أنه من التعريف وفيها قول آخر أنه من العرف وهو الرائحة الطيبة وهذا اختيار الزجاج أي طلبها ومنه طعام معرف أي مطيب وقيل: هو من العرف وهو التتابع: أي تابع لهم طيباتها وملاذها والقول

стр. 145

هو الأول وأنه سبحانه أعلمها وبينها بما يعلم به كل أحد منزله وداره فلا يتعداه إلى غيره وفي صحيح البخاري من حديث قتادة عن أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري أن نبي الله ﷺ قال: "إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار يتقاصون مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم بدخول الجنة والذي نفسي بيده أن أحدهم بمنزلة في الجنة أدل منه بمسكنه كان في الدنيا" وفي مسند آخر من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "والذي بعثني بالحق ما أنتم في الدنيا بأعرف بأحوالكم ومساكنكم من أهل الجنة وبأزواجهم ومساكنهم إذا دخلوا الجنة".
следующие страницы →