Полный текст (415 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
نيام" قال الترمذي هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن إسحاق
وقال الطبراني حدثنا عبدان ابن أحمد حدثنا هشام بن عمار حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا معاوية بن سلام عن زيد بن سلام قال حدثني أبو سلام حدثني أبو معانق الأشعري حدثني أبو مالك الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: "إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها أعدها الله لمن أطعم الطعام وأدام الصيام وصلى بالليل والناس نيام "
وقال ابن وهب حدثنا حيي عن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها" قال أبو مالك الأشعري لمن هي يا رسول الله ﷺ قال: "لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وبات قائما والناس نيام"
قال محمد بن عبد الواحد: وهذا عندي إسناد حسن وذكر أبي مالك فيه يدل على صحته لأن أبا مالك قد رواه وإسناده أيضا حسن وقد تقدم حديث أبي سعيد المتفق على صحته "إن أهل الجنة ليتراأون أهل الغرف كما تراأون الكوكب الغابر من الأفق"
وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: "إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤ واحد مجوفة طولها ستون ميلا فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا وقد تقدم قوله ﷺ في الحديث الصحيح"من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة" وقوله في حديث أبي موسى يقول الله لمن حمد واسترجع عند موت ولده: "ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه ببيت الحمد"
وفي الصحيحين من حديث عبد الله ابن أبي أوفى وأبي هريرة وعائشة أن جبريل قال للنبي ﷺ "هذه خديجة اقرئها السلام من ربها وأمره أن يبشرها
стр. 142
ببيت في الجنة من قصب لا صخب" فيه ولا نصب والقصب هنا قصب اللؤلؤ المجوف.
وقد روى ابن أبي الدنيا من حديث يزيد بن هرون عن حماد بن سلمة عن عكرمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة لقصرا من لؤلؤ ليس فيه صدع ولا وهن أعده الله لخليله إبراهيم"
وفي الصحيحين من حديث حميد عن أنس أن النبي ﷺ قال: "أدخلت الجنة فإذا أنا بقصر من ذهب فقلت لمن هذا القصر قالوا لشاب من قريش فظننت أني أنا هو فقلت ومن هو قالوا لعمر بن الخطاب " وه وفيهما من حديث جابر ولفظه فأتيت على قصر مربع مشرف من ذهب وقد تقدم
وقال ابن أبي الدنيا حدثنا شجاع بن الأشرس قال سمعت عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن حميد بن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "دخلت الجنة فإذا فيها قصر أبيض قال قلت لجبريل لمن هذا القصر قال لرجل من قريش فرجوت أن أكون أنا فقلت لاي قريش قال لعمر بن الخطاب " وهذا إن كان محفوظا فبياضه نوره وإشراقه وضياؤه والله أعلم
وقال الحسن: "قصر من ذهب لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حكم عدل يرفع بها صوته
وقال الأعمش: حدثنا مالك بن الحارث عن مغيث بن سمي قال: إن في الجنة قصورا من ذهب وقصورا من فضة وقصورا من لؤلؤ وقصورا من ياقوت وقصورا من زبرجد وقال الأعمش عن مجاهد عن عبيد بن عمير قال: إن أدنى أهل الجنة منزلة من له دار من لؤلؤة واحدة منها غرفها وأبوابها"
وروى البيهقي من حديث حفص بن عمر حدثنا عمرو بن قيس الملائي عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ : "إن في الجنة لغرفا فإذا كان ساكنها فيها لم يخف عليه ما خلفها وإذا كان خلفها لم يخف
стр. 143
عليه ما فيها قيل لمن هي يا رسول الله ﷺ قال: "لمن أطاب الكلام وواصل الصيام وأطعم الطعام وأفشى السلام وصلى والناس نيام قال وما طيب الكلام قال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فإنها تأتي يوم القيامة ولها مقدمات ومعقبات" قيل: وما وصال الصيام قال:"من صام شهر رمضان ثم أدرك شهر رمضان فصامه" قيل: وما إطعام الطعام قال:"من قات عياله وأطعمهم" قيل: وما إفشاء السلام قال:"مصافحة أخيك وتحيته" قيل: وما الصلاة والناس نيام قال:"صلاة العشاء الآخرة" قال: حفص بن عمر هذا مجهول لم يروه عنه غير على بن حرب فيما أعلم
قلت هذا يلقب بالكفر بفتح الكاف وسكون الفاء وقد روى عنه محمد بن غالب تمتام وعلى ابن حرب وهما ثقتان ولكن ضعفه ابن عدي وابن حبان وحديثه وهذا له شواهد والله أعلم
وفي فوائد ابن السماك حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن منصور حدثنا أبي حدثنا عبد الرحمن بن عبد المؤمن قال سمعت محمد بن واسع يذكر عن الحسن عن جابر بن عبد الله قال قال النبي ﷺ : "ألا أحدثكم بغرف الجنة" قال: قلنا بلى يا رسول الله ﷺ بأبينا أنت وأمنا قال: "أن في الجنة غرفا من أصناف الجوهر كله يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها فيها من النعم واللذات ما لا عين رأت ولا أذن سمعت" قال: قلنا يا رسول الله ﷺ لمن هذه الغرف قال لمن أفشى السلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى بالليل والناس نيام قال قلنا يا رسول الله ﷺ ومن يطيق ذلك قال أمتي تطيق ذلك وسأخبركم عن ذلك من لقي أخاه فسلم عليه فقد أفشى السلام ومن أطعم أهله وعياله من الطعام حتى يشبعهم فقد أطعم الطعام ومن صام رمضان ومن كل شهر ثلاثة أيام فقد أدام الصيام ومن صلى صلاة العشاء الأخيرة في جماعة فقد صلى الليل والناس نيام واليهود والنصارى والمجوس وهذا إسناد وإن كان لا يحتج به وحده فإذا انضم إليه ما تقدم استفاد قوة مع أنه قد روى بإسنادين آخرين
стр. 144
الباب السابع والثلاثون: في ذكر معرفتهم لمنازلهم ومساكنهم إذا دخلو الجنة وإن لم يروها قبل ذلك
...
الباب السابع والثلاثون: في ذكر معرفتهم لمنازلهم ومساكنهم إذا دخلوا الجنة وأن لم يروها قبل ذلك
قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ قال مجاهد: "يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا لا يستدلوا عليها أحدا"
وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: "هم أعرف بمنازلهم من أهل الجنة إذا انصرفوا إلى منازلهم"
وقال محمد بن كعب: "يعرفونها كما تعرفون بيوتكم في الدنيا إذا انصرفتم من يوم الجمعة" هذا قول جمهور المفسرين وتلخيص أقوالهم ما قاله أبو عبيدة عرفها لهم أي بينها لهم حتى عرفوها من غير استدلال
وقال مقاتل ابن حيان: "بلغنا أن الملك الموكل بحفظ بني آدم يمشي في الجنة ويتبعه ابن آدم حتى يأتيه أقصى منزل هو له فيعرفه كل شيء أعطاه الله في الجنة فإذا دخل إلى منزله وأزواجه انصرف الملك عنه"
وقال سلمة بن كهيل: "طرقها لم ومعنى هذا أنه طرقها لهم حتى يهتدوا إليها"
وقال الحسن: "وصف الله الجنة في الدينا لهم فإذا دخلوها عرفوها بصفتها وعلى هذا القول فالتعريف وقع في الدنيا ويكون المعنى يدخلهم الجنة التي عرفها لهم وعلى القول الأول يكون التعريف وأقعا في الآخرة هذا كله إذا قيل أنه من التعريف
وفيها قول آخر أنه من العرف وهو الرائحة الطيبة وهذا اختيار الزجاج أي طلبها ومنه طعام معرف أي مطيب
وقيل: هو من العرف وهو التتابع: أي تابع لهم طيباتها وملاذها والقول
стр. 145
هو الأول وأنه سبحانه أعلمها وبينها بما يعلم به كل أحد منزله وداره فلا يتعداه إلى غيره
وفي صحيح البخاري من حديث قتادة عن أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري أن نبي الله ﷺ قال: "إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار يتقاصون مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم بدخول الجنة والذي نفسي بيده أن أحدهم بمنزلة في الجنة أدل منه بمسكنه كان في الدنيا"
وفي مسند آخر من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "والذي بعثني بالحق ما أنتم في الدنيا بأعرف بأحوالكم ومساكنكم من أهل الجنة وبأزواجهم ومساكنهم إذا دخلوا الجنة".
стр. 146
الباب الثامن والثلاثون: في كيفية دخولهم الجنة وما يستقبلون عند دخولها
قد تقدم قوله تعالى وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا وقال تعالى ويوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا قال ابن أبي الدنيا حدثنا محمد بن عباد بن موسى العكلي حدثنا يحيى بن سليم الطائفي حدثنا إسماعيل بن عبد الله المكي حدثنا أبو عبد الله أنه سمع الضحاك بن مزاحم يحدث عن الحرث عن علي أنه سأل رسول الله عن هذه الآية ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً﴾ قال قلت يا رسول الله ﷺ ما الوفد إلا ركب قال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده إنهم خرجوا من قبورهم استقبلوا بنوق بيض لها أجنحة عليها رحال الذهب شرك نعالهم نور يتلألأ كل خطوة منها مثل مد البصر وينتهون إلى باب الجنة فإذا حلقه من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب وإذا شجرة على باب الجنة ينبع من أصلها عينان فإذا شربوا من إحداهما جرت في وجوههم نضرة النعيم وإذا توضؤا من الأخرى لم تشعث أشعارهم أبدا فيضربون الحلقة بالصفيحة قالوا سمعت طنين الحلقة فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل فتستخفها العجلة فتبعث قيمتها فيفتح له الباب فلولا أن الله عرفه نفسه لخر له ساجدا مما يرى من النور والبهاء فيقول أنا قيمك الذي وكلت بأمرك فيتبعه فيقفو أثره فيأتي زوجته فتستخفها العجلة فتخرج من الخيمة فتعلقه وتقول أنت حبي وأنا حبك وأنا الراضية فلا أسخط أبدا وأنا الناعمة فلا أبأس أبدا والخالدة فلا أظعن أبدا فيدخل بيتا من أساسه إلى سقفه مائة ذراع مبنى على جندل اللؤلؤ والياقوت طرائق حمر
стр. 147
وطرائق خضر وطرائق صفر ما منها طريقة تشاكل صاحبتها فيأتي الأريكة عليها سرير على السرير سبعون فراشا عليها سبعون زوجة على كل زوجة سبعون حلة يرى مخ ساقها من باطن الجلد يقضي جماعهن في مقدار ليلة تجري من تحتهم أنهار مطردة أنهار من ماء غير آسن صاف ليس فيه كدر وأنهار من عسل مصفى لم يخرج من بطون النحل وأنهار من خمر لذة للشاربين لم تعصره الرجال بأقدامها وأنهار من لبن لم يتغير طعمه لم يخرج من بطون الماشية فإذا اشتهوا الطعام جائتهم طيور بيض فترفع أجنحتها فيأكلون من جنوبها من أي الألوان شاؤا ثم تطير فتذهب فيها ثمار متدالية إذا اشتهوها انشعب الغص إليهم فيأكلون من أي الثمار شاؤوا إن شاء قائما وإن شاء متكئا وذلك قوله ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ وبين أيديهم خدم كاللؤلؤ" هذا حديث غريب وفي إسناد ضعيف وفي رفعة نظر والمعروف أنه موقوف على عليّ
قال ابن أبي الدنيا حدثنا محمد بن عمر بن سليمان حدثنا محمد بن فضيل عن عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد في هذه الآية ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً﴾ قال: "أما والله لا يحشر الوفد على أرجلهم ولكن لا يأتون بنوق لم تر الخلائق مثلها وعليها رحال الذهب وأزمتها الزبرجد فيركبون عليها حتى يضربوا باب الجنة"
وقال علي بن الجعد في الجعديات: أنبأنا زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي قال: "يساق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى انتهوا إلى باب من أبوابها وجدوا عنده شجرة تخرج من تحت ساقها عينان تجريان إلى إحداهما كأنما أمروا بها فشربوا منها فأذهب ما في بطونهم من أذى وقذى وبأس ثم عمدوا إلى الأخرى فتطهروا منها فجرت عليهم نضرة النعيم فلن تغيرا أبشارهم أو تغير بعدها أبدا ولن تشعت أشعارهم كأنما دهنوا بالدهان ثم انتهوا إلى خزنة الجنة فقالوا: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ قال: "ثم تقلهاها الولدان يطيفون بهم كما يطيف ولدان أهل الدنيا بالحميم يقدم من غيبته فيقولون أبشر بما أعد الله لك من الكرامة كذا قال
стр. 148
ثم ينطلق غلام من أولئك الولدان إلى بعض أزواجه من الحور العين فيقول قد جاء فلان باسمه الذي يدعى به في الدنيا فتقول أنت رأيته فيقول أنا رأيته وهو ذا بأثرى فيستخف أحداهن الفرح حتى تقوم على أسكفة بابها فإذا انتهى إلى منزله نظر إلى أساس بنائه فإذا جندل اللؤلؤ فوقه صرح الخضر وأصفر وأحمر ومن كل لون ثم رفع رأسه فنظر إلى سقفه فاذا مثل البرق فلولا أن الله قدره له لألم أن يذهب بصره ثم طأطأ رأسه فنظر إلى أزواجه وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة فنظروا إلى تلك النعمة ثم أتكؤا ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ ثم ينادي مناد: تحيون فلا تموتون أبدا وتقيمون فلا تظعنون أبدا وتصحون فلا تمرضون أبدا
وقال عبد الله بن المبارك: أنبأنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال قال: "ذكر لنا أن الرجل إذا دخل الجنة صور صورة أهل الجنة وألبس لباسهم وحلى حليهم وأرى أزواجه وخدمه ويأخذه سوار فرح لو كان ينبغي أن يموت لمات من سوار فرحه فيقال له أرأيت سوار فرحتك هذه فإنها قائمة لك أبدا "
قال ابن المبارك وأخبرنا راشد بن سعد أنبأنا زهرة بن معبد القرشي عن أبي عبد الرحمن الجبلي قال: "أن العبد أول ما يدخل الجنة يتلقاه سبعون ألف خادم كأنهم اللؤلؤ"
قال ابن المبارك وأنبأنا يحيى بن أيوب حدثني عبيد الله بن زخر عن محمد بن أبي أيوب المخزومي عن أبي الرحمن المعافري قال: "إنه ليصف للرجل من أهل الجنة سماطان لا يرى طرفاهما من غلمانه حتى إذا مر مشوا وراءه"
وقال أبو نعيم أنبأنا أبو سلمة عن الضحاك قال إذا ادخل المؤمن الجنة دخل أمامه ملك فأخذ به في سككها فيقول له: انظر ما ترى قال: أرى أكثر قصورا رأيتها من ذهب وفضة وأكثر أنيس فيقول له الملك فإن هذا أجمع لك حتى إذا رفع إليهم استقبلوه من كل باب ومن كل مكان يقولون نحن لك ثم يقول امش فيقول: ماذا ترى فيقول أرى أكثر
стр. 149
عساكر رأيتها من خيام وأكثر أنيس قيل فإن هذا أجمع لك فإذا رفع إليهم استقبلوه فقالوا: نحن لك.
وفي الصحيحين من حديث سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: "ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفا أو سبعمائة ألف متما سكون آخذ بعضهم ببعض لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم ووجوههم على صورة القمر ليلة البدر".
стр. 150
الباب التاسع والثلاثون: في ذكر صفة أهل الجنة في خلقهم وطولهم وعرضهم ومقدار أسنانهم
...
الباب التاسع والثلاثون: في ذكر صفة أهل الجنة في خلقهم وخلقهم وطولهم وعرضهم ومقدار أسنانهم
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق قال حدثنا معمر عن همام عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا فلما خلقه قال: له أذهب فسلم على أولئك النفر وهو نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحبونك فأنها تحيتك وتحية ذريتك قال فذهب فقال السلام عليكم فقالوا السلام عليكم ورحمة الله فزاده ورحمة الله قال فكل من يدخل الجنة على صورة آدم طوله ستون ذراعا فلم يزل ينقص الخلق بعده حتى الآن" متفق على صحته
وقال الإمام أحمد حدثنا يزيد بن هرون وعفان بن مسلم قالا حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن سعد بن المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا بيضا جعادا مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين وهم على خلق آدم ستون ذراعا في عرض سبعة أذرع" قيل تفرد به حماد عن علي بن زيد وفي جامع الترمذي من حديث شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال: "يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين " قال هذا حديث حسن غريب
وقال أبو بكر بن أبي داودو حدثنا محمود بن خالد وعباس بن الوليد قال حدثنا عمر عن الأوزاعي عن هرون بن رباب عن أنس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ : "يبعث أهل الجنة على صورة آدم في ميلاد ثلاث وثلاثين سنة جردا مردا مكحلين ثم يذهب بهم إلى شجرة في الجنة فيكسون منها لا تبلى ثيابهم ولا يفنى شبابهم"
стр. 151
وقال الترمذي: حدثنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله بن المبارك عن رشد بن سعد عن عمرو ابن الحارث أن دراجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ : "من مات من أهل الجنة من صغير أو كبير يردون بني ثلاثين سنة في الجنة لا يزيدون عليها أبدا وكذلك أهل النار" فإن كان هذا محفوظا لم يناقض ما قبله فإن العرب إذا قدرت بعدد له نيف فإن لهم طريقين تارة يذكرون النيف للتحرير وتارة يحذفونه وهذا معروف في كلامهم وخطاب غيرهم من الأمم
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا القاسم بن هشام حدثنا صفوان ابن صالح حدثنا رواد بن الجراح العسقلاني حدثنا الأوزاعي عن هارون بن رباب عن أنس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ : "يدخل أهل الجنة الجنة على طول آدم ستين ذراعا بذراع الملك على حسن يوسف وعلى ميلاد عيسى ثلاث وثلاثين سنة وعلى لسان محمد جرد مرد مكحلون"
وقال ابن وهب حدثنا معاوية ابن صالح عن عبد الوهاب بن بخت عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ : "قال أن أهل الجنة يدخلون الجنة على قدر أدم ستون ذراعا على ذلك قطعت سررهم "
وقد تقدم أن أول زمرة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر وأن الذين يلونهم على ضوء أشد كوكب في السماء إضاءة وأما الأخلاق فقد قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ فأخبر عن تلاقي قلوبهم وتلاقي وجوههم
وفي الصحيحين: "أخلاقهم على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم ﵇ ستون ذراعا في السماء" والرواية على خلق بفتح الخاء وسكون اللام والأخلاق كما تكون جمعا للخلق بالضم فهي جمع للخلق بالفتح والمراد تساويهم في الطول والعرض والسن وإن تفاوتوا في الحسن والجمل ولهذا فسره بقوله على صورة أبيهم آدم ﵇ ستون ذراعا في السماء وأما أخلاقهم وقلوبهم ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة: "أول زمرة تلج الجنة" الحديث
стр. 152
وقد تقدم وفيه اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم على قلب رجل واحد يسبحون الله بكرة وعشية وكذلك وصف الله نساءهم بإنهن أتراب أي في سن واحد ليس فيهن العجائز والشواب وفي هذا الطول والعرض والسن من الحكمة ما لا يخفى فأنه أبلغ وأكمل في استيفاء اللذات لأنه أكمل سن القوة عظم الآت اللذة وباجتماع الأمرين يكون كمال اللذة وقوتها بحيث يصل في اليوم الواحد إلى مئة عذراء كما سيأتي أن شاء الله تعالى ولا يخفى التناسب الذي بين هذا الطول والعرض فإنه لو زاد أحدهما على الآخر فات الاعتدال وتناسب الخلقة يصير طولا مع دقة أو غلظا مع قصر وكلاهما غير مناسب والله أعلم
стр. 153
الباب الأربعون: في ذكر أعلى أهل الجنة منزلة وأدناهم أعلاهم منزلة سيد ولد آدم صلوات الله وسلامه عليه
قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ الْبَيِّنَات﴾ قال مجاهد وغيره: منهم من كلم الله وموسى ورفع بعضهم درجات هو محمد وفي حديث الإسراء المتفق على صحته أنه لما جاوز موسى قال رب لم أظن أن ترفع على أحد ثم علا فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاوز سدرة المنتهى وفي صحيح مسلم من حديث عمرو بن العاص أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا على فإنه من صلى على صلاة واحدة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا إلى الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجوا أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة"
وفي صحيح مسلم من حديث المغيرة بن شيبة عن النبي ﷺ : "أن موسى سأل ربه ما أدنى أهل الجنة منزلة فقال رجل يجئ بعد ما دخل أهل الجنة الجنة فيقال له أدخل الجنة فيقول رب كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم فيقال له أتوصي أن يكون ذلك مثل ملك من ملوك الدنيا فيقول رضيت رب فيقول لك ذلك ومثله ومثله ومثله فقال في الخامسة رضيت رب قال رب فأعلاهم منزلة قال أولئك الذين غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر.
стр. 154
وقال الترمذي حدثنا عبد بن حميد أنبأنا شبابة عن إسرائيل عن ثوير قال سمعت بن عمر يقول قال رسول الله أن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جناته وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرد مسيرة ألف عام وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية ثم قرأ رسول الله وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة قال وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن إسرائيل عن ثوير عن ابن عمر غير مرفوع قال ورواه عبد الملك بن أبحر عن ثوير عن ابن عمر مرقوفا ورواه عبد الله الأشجعي بن سفيان عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر ونحوه ولم يرفعه
قلت ورواه الطبراني في معجمه من حديث أبي معاوية عن عبد الملك بن أبجر عن ثوير عن ابن عمر مرفوعا: "أن أدنى أهل الجنة منزلة لرجل ينظر في ملكه ألفى سنة يرى أقصاه كما يرى أدناه ينظر إلى أزواجه وسرره وخدمه" الحديث
ورواه أبو نعيم عن إسرائيل عن ثوير قال سمعت ابن عمر يقول قال إسرائيل لا أعلم ثويرا إلا رفعه إلى النبي ﷺ
وقال الإمام أحمد حدثنا حسن هو ابن موسى حدثنا سكين بن عبد العزيز حدثنا أبو الأشعث الضرير عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "أن أدنى أهل الجنة منزلة سبع درج وهو على السادسة وفرقه السابعة وإن له ثلاثمائة خادم ويفدي عليه ويراح كل يوم بثلاثمائة صحفة ولا أعلمه قال إلا من ذهب في كل صحفة لون ليس في الآخر وإنه ليلذ أوله كما يلذ آخره وعن الأشربة بثلاثمائة إناء في كل إناء لون ليس في الآخرة وإنه ليلذ أوله كما يلذ آخره وأنه ليقول يا رب لو أذنت لي لأطعمت أهل الجنة وسقيتهم لم مما ينقص مما عندي شيء وإن له من الحور لاثنتين وسبعين زوجة سوى أزواجه من الدنيا وإن الواحدة منهن لتأخذ مقعدها قدر ميل من الأرض"
قلت سكين بن عبد العزيز ضعفه النسائي وشهرين حوشب ضعفه مشهور والحديث منكر يخالف الأحاديث الصحيحة فإن طول ستين ذراعا لا يحتمل أن يكون مقعد صاحبه بقدر ميل من الأرض والذي في الصحيحين في أول زمرة
стр. 155
تلج الجنة لكل امرئ منهم زوجتان من الحور العين فكيف يكون لأدناهم اثنتان وسبعون من الحور العين وأقل ساكني الجنة نساء الدنيا فكيف فيكون يكون لأدنى أهل الجنة جماعة منهن وأيضا فان الجهتين الذهبيتين أعلى من الفضيتين فكيف يكون أدناهم في الذهبيتين
قال الدولابي: شهر بن حوشب لا يشبه حديثه الناس وقال ابن عون: حوشب شهرا تركوه وقال النسائي وابن عدي: ليس بالقوي وقال أبو حاتم لا يحتج به وتركه شعبة ويحيى بن سعيد وهذان من أعلم الناس بالحديث ورواته وعلله وأن كان غير هؤلاء قد وثقه وحسن حديثه فلا ريب أنه إذا انفرد بما يخالف ما رواه الثقات لم يقبل والله أعلم.
стр. 156
الباب الحادي والأربعون: في تحفة أهل الجنة إذا دخلوها
روى مسلم في صحيحه من حديث ثوبان قال كنت قائما عند رسول الله فجاء حبر من أحبار اليهود فقال السلام عليك يا محمد فدفعته دفعة كاد يصرع منها فقال لم تدفعني فقلت: ألا تقول يا رسول الله ﷺ فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله فقال رسول الله ﷺ : " إن اسمي محمدا الذي سماني به أهلي" فقال اليهودي: جئت أسألك فقال له رسول الله ﷺ : " أينفعك بشيء أن حدثتك"فقال: أسمع بأذنى فنكث رسول الله بعود معه فقال: "سل" فقال اليهودي: أين تكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض فقال رسول الله ﷺ : "في الظلمة دون الجسر" قال: فمن أول الناس إجازة يوم القيامة قال: "فقراء المهاجرين" قال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة قال: "زيادة كبد النون" قال: فما غذاؤهم على أثرها قال: "ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها" قال: فما شرابهم قال: "من عين فيها تسمى سلسبيلا" قال: صدقت قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان قال: أينفعك إن حدثتك قال: أسمع بأذني قال: جئت أسألك عن الولد قال: "ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا منى الرجل منى المرأة اذكرا بإذن الله تعالى وإن علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله تعالى" قال اليهودي: لقد صدقت وإنك لنبي ثم انصرف فقال رسول الله ﷺ : "لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه ومالي علم بشيء حتى أتاني الله به" وفي صحيح البخاري عن أنس قال سمع عبد الله بن سلام مقدم رسول الله المدينة وهو في أرض يخترف فأتى النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 157
فقال: أني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي فما أول أشراط الساعة وما أول طعام أهل الجنة وما ينزع الولد إلى أبيه أو أمه قال ﷺ : "أخبرني آنفا" قال: جبريل قال: نعم قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة فقرأ هذه الآية ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله يا رسول الله ﷺ : إن اليهود قوم بهت وإنهم أن يعلموا بإسلامي قبل أن يسألهم ببهتوني فجاءت اليهود فقال: "أي رجل عبد الله فيكم" قالوا: خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا قال: "أفرأيتم إن أسلم عبد الله" فقالوا: أعاذه الله من ذلك فخرج عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله فقالوا: شرنا وابن شرنا وانتقصوه فقال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله ﷺ
وفي الصحيحين من حديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال قال النبي ﷺ : "تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفر لأهل الجنة" فأتى رجل من اليهود فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم إلا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة قال: "بلى" قال: تكون الأرض بزة واحدة كما قال النبي ﷺ فنظر النبي ﷺ إلينا ثم ضحك حتى بدت نواجذه ثم قال: "ألا أخبرك بإدامهم" قال: بلى قال: "إدامهم بالآدام والنون" قال: وما هذا قال: "ثور ونون يأكل من زيادة كبدهما سبعون ألفا" وقال عبد الله بن المبارك: حدثنا ابن لهيعة حدثني يزيد بن أبي حبيب أن أبا الخير أخبره أن أبا العوام أخبره أنه سمع كعبا يقول أن الله يقول لأهل الجنة: ادخلوها أن لكل ضيف جزورا وأني أجزركم اليوم فيأتي بثور وحوت فيجرز لأهل الجنة"
стр. 158
الباب الثاني والأربعون: في ذكر ريح الجنة ومن مسيرة كم ينشق
قال الطبراني حدثنا موسى بن حازم الأصبهاني حدثنا محمد بن بكير الحضرمي حدثنا مروان بن معاوية الفزاري عن الحسن بن عمرو عن مجاهد عن جنادة بن أبي أمية عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: "من قتل قتيلا من أهل الذمة لم يرح رائحة الجنة وأن ريحها ليوجد من مسيرة مائة عام" ورواه البخاري في الصحيح عن قيس بن حفص عن عبد الواحد بن زياد عن الحسن ابن عمرو الفقيمي عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو ولم يذكر بينهما جنادة وقال ليوجد من مسيرة أربعين عاما
وقال الترمذي حدثنا محمد بن بشار حدثنا معدي ابن سليمان هو البصري عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ألا من قتل نفسا معاهدا له ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر بذمة الله فلا يراح رائحة الجنة وأن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا " قال: وفي الباب عن أبي بكرة وحديث أبي هريرة حديث حسن صحيح قال محمد بن عبد الواحد وإسناده عندي على شرط الصحيح قلت وقد رواه الطبراني من حديث عيسى بن يونس عن عوف الأعرابي عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة يرفعه من قتل نفسا معاهدة بغير حقها لم يرح رائحة الجنة وإن ريح الجنة يوجد من مسيرة مائة عام
وقال الطبراني: حدثنا إسحق بن إبراهيم عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الحسن أو غيره عن أبي بكرة قال: سمعت رسول الله يقول: "ريح الجنة يوجد من مسيرة مائة عام" وهذه الألفاظ لا تعارض بينهما بوجه
стр. 159
وقد أخرجا في الصحيحين من حديث أنس قال لم يشهد عمي مع رسول الله بدرا قال فشق عليه قال أول مشهد شهده رسول الله غبت عنه قال فإني أراني الله مشهدا فيما بعد مع رسول الله ليرين الله ما أصنع قال فهاب أن يقول غيرها قال فشهد مع رسول الله يوم أحد قال فاستقبل سعد بن معاذ فقال له أين فقال: واها لريح الجنة أجده دون أحد قال: فقاتلهم حتى قتل قال فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية فقالت أخته عمة الربيع بنت النضر: فما عرفت أخي إلا ببنانه ونزلت هذه الآية ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ قال: فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه
وريح الجنة نوعان: ريح يوجد في الدنيا تشمه الآرواح أحيانا لا تدركه العباد وريح يدرك بحاسة الشم للابدان كما يشم روائح الأزهار وغيرها وهذا يشترك أهل الجنة في إدراكه في الآخرة من قرب وبعد وأما في الدنيا فقد يدركه من شاء الله من أنبيائه ورسله وهذا الذي وجده أنس بن النضر يجوز أن يكون من هذا القسم وأن يكون من الأول والله أعلم
وقال أبو نعيم: حدثنا محمد بن معمر حدثنا محمد بن أحمد المؤذن حدثنا عبد الواحد بن غياث أنبأنا الربيع بن بدر حدثنا هارون بن رياب عن مجاهد عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "إن رائحة الجنة توجد من مسيرة خمس مائة عام"
وقال الطبراني حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي حدثنا محمد بن احمد بن محمد بن طريف حدثنا أبي حدثنا محمد بن كثير حدثني جابر الجعفي عن أبي جعفر محمد بن علي عن جابر قال قال رسول الله ﷺ : " ريح الجنة يوجد من مسيرة ألف عام والله لا يجدها عاق ولا قاطع رحم"
وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا شعبة عن الحكم عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ قال: "من ادعى
стр. 160
إلى غير أبيه لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمس مائة عام وقد أشهد الله سبحانه عباده في هذه الدار آثارا من آثار الجنة وأنموذجا منها من الرائحة الطيبة واللذات المشتهاة والمناظر البهية والفاكهة الحسنة والنعيم والسرور وقرة العين"
وقد روى أبو نعيم من حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال قال رسول الله ﷺ : " يقول الله للجنة: طيبى لأهلك فتزداد طيبا فذلك البرد الذي يجده الناس بالسحر من ذلك كما جعل سبحانه نار الدنيا وآلامها وغمومها وأحزانها تذكرة بنار الآخرة قال تعالى في هذه النار: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ وأخبر النبي ﷺ : "أن شدة الحر والبرد من أنفاس جهنم فلا بد أن يشهد عباده جنته وما يذكرهم بها" والله المستعان.
стр. 161
الباب الثالث والأربعون: في الأذان الذي يؤذن به مؤذن الجنة فيها
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ينادي مناد أن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا وأن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا وأن لكم أن تنعموا فلا تبأسوأ أبدا " وذلك قوله ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
قال عثمان بن أبي شيبة: حدثنا يحي بن آدم حدثنا حمزة الزيات عن أبي إسحق عن الأغر عن أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي ﷺ ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ قال: "نودوا أن صحوا فلا تسقموا أبدا واخلدوا فلا تموتوا أبدا وانعموا فلا تبأسوا أبدا"
وفي صحيح مسلم من حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن صهيب أن النبي ﷺ قال:"إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة أن لكم عند الله موعدا فيقولون ما هو ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة وينجنا من النار فيكشف الحجاب فينظرون إلى الله فوالله ما أعطاهم الله شيئا هو أحب اليهم من النظر إليه"
وقال عبد الله بن المبارك أنبأنا أبو بكر الألهاني أخبرني أبو تميم الهجيمي قال: سمعت أبا موسى الأشعري يخطب على منبر البصرة يقول: أن الله يبعث يوم القيامة ملكا إلى أهل الجنة فيقول يا أهل الجنة هل أنجزكم الله ما وعدكم؟ فينظرون فيرون الحلي والحلل والأنهار والأزواج المطهرة فيقولون
стр. 162
نعم قد أنجزنا ما وعدنا قالوا ذلك ثلاث مرات فينظرون فلا يفتقدون شيئا مما وعدوا فيقولون نعم فيقول قد بقى شيء إن الله يقول: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: ألا إن الحسنى الجنة والزيادة: النظر إلى وجه الله"
وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ : "إن الله يقول لأهل الجنة فيقولون لبيك ربنا وسعديك فيقول هل رضيتم فيقولون وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول أنا أعطيكم أفضل من ذلك قالوا ربنا وأي شيء أفضل من ذلك قال أحل عليكم رضواني فلا اسخط عليكم بعده أبدا، ومن تراجم بخاري عليه باب كلام الرب مع أهل الجنة وسيأتي في هذا أحاديث ذكرها في باب معقود لذلك أن شاء الله
وفي الصحيحين من حديث نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ : "يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقوم مؤذن بينهم فيقول يا أهل الجنة لا موت ويا أهل النار لا موت كل خالد فيما هو فيه"
وهذا الأذان وإن كان بين الجنة والنار فهو يبلغ جميع أهل الجنة والنار ولهم فيها نداء آخر يوم زيارتهم ربهم ﵎ يرسل إليهم ملكا فيؤذن فيهم بذلك فيتسارعون إلى الزيارة كما يؤذن مؤذن الجمعة إليها وذلك في مقدار يوم الجمعة كما سيأتي مبينا في باب زيارتهم الرب والله أعلم
стр. 163
الباب الرابع والأربعون: في أشجار الجنة وبساتينها وظلالها قال تعالى
﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ وقال تعالى: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ وهو جمع فنن وهو الغصن وقال ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾
والمخضود: الذي قد خضد شوكة أي نزع وقطع فلا شوك فيه وهذا قول بن عباس ومجاهد ومقاتل وقتادة وأبي الأحوص وقسامة بن زهير وجماعة واحتج هؤلاء بحجتين:
أحدهما: أن الخضد في اللغة القطع وكل رطب قضيته فقد خضدته وخضدت الشجر إذا قطعت شوكة فهو خضيد ومخضود ومنه الخضد على مثال الثمر وهو كل ما قطع من عود رطب خضد بمعنى مخضود كقبض وسلب والخضاد شجر: رخو لا شوك له
الحجة الثانية: قال ابن أبي داود حدثنا محمد بن مصفى حدثنا محمد بن المبارك حدثنا يحيى بن حمزة حدثنا ثور ابن يزيد حدثني حبيب بن عبيد عن عتبة بن عبد السلمي قال: كنت جالسا مع رسول الله فجاء أعرابي فقال يا رسول الله أسمعك تذكر في الجنة شجرة لا أعلم شجرة أكثر شوكا منها يعني الطلح فقال رسول الله ﷺ : "إن الله جعل مكان كل شوكة منها ثمرة مثل خصوة التيس الملبود فيها سبعون فيها سبعون لونا من الطعام لا يشبه لون آخر الملبود الذي قد اجتمع شعره بعضه على بعض" وقال عبد الله بن المبارك: أنبأنا صفوان بن عمرو عن سليم بن عامر قال كان أصحاب رسول الله صلى الله
стр. 164
عليه وسلم يقولون أن الله لينفعنا بالأعراب ومسائلهم أقبل أعرابي يوما فقال يا رسول الله ﷺ ذكر الله في الجنة شجرة مؤذية وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذى صاحبها قال رسول الله ﷺ : "وما هي قال السدر فإن له شوكا مؤذيا قال أليس الله يقول في سدر مخضود خضد الله شوكة فجعل مكان كل شوكة ثمرة" وقالت طائفة: المخضود هو الموقر حملا وأنكر عليهم هذا القول وقالوا لا يعرف في اللغة الخضد بمعنى الحمل ولم يصب هؤلاء الذين أنكروا هذا القول بل هو قول صحيح وأربابه ذهبوا إلى أن الله لما خضد شوكة واذهبه وجعل مكان كل شوكة ثمرة أو قرت بالحمل والحديثان المذكوران أن يجمعان القولين
وكذلك قول من قال المخضود الذي لا يعقر اليد ولا يرد اليد عنه شوك ولا أذى فيه فسره بلازم المعنى وهكذا غالب المفسرين يذكرون لازم المعنى المقصود تارة وفردا من أفراده تارة ومثالا من أمثلته فيحكيها الجماعون للغث والسمين أقوالا مختلفة ولا اختلاف بينها
فصل
وأما الطلح فأكثر المفسرين قالوا إنه شجرة الموز قال مجاهد أعجبهم طلح وج وحسنه فقيل لهم ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ وهذا قول علي بن أبي طالب وابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وقالت طائفة أخرى بل هو شجر عظام طوال وهو شجر البوادي الكثير الشوك عند العرب قال حاديهم:
بشرها دليلها وقالا ... غدا ترين الطلح والجبالا
ولهذا الشجر نور ورائحة وظل ظليل وقد نضد بالحمل والثمر مكان الشوك وقال ابن قتيبة هو الذي نضدا بالحمل أو بالورق والحمل من أوله إلى آخره فليس له ساق بارز وقال مسروق ورق الجنة نضيد من أسفلها إلى أعلاها وأنهارها تجري من غير أخدود
стр. 165
وقال الليث الطلح شجر أم غيلان ليس له شوك أحجن من أعظم العضاة شوكا وأصله عودا وأجوده صمغا قال أبو إسحاق يجوز أن يعني به شجر أم غيلان لأن له نورا طيب الرائحة حدا فوعدوا بما يحبون مثله إلا أن فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في الجنة على سائر ما في الدنيا فإنه ليس في الجنة إلا الأسامي والظاهر أن من فسر الطلح المنضود بالموز أنما أراد التمثيل به الحسن لحسن نضده وإلا فالطلح في اللغة هو الشجر العظام من شجر البوادي والله أعلم
وفي الصحيحين من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها فاقرؤا أن شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ .
وفي الصحيحين أيضا من حديث أبي حازم عن سهل بن سعد عن رسول الله إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها قال ابو حازم فحدثنا به النعمان بن أبي عياش الزرقي فقال حدثني أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة لشجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع في ظلها مائة عام لا يقطعها"
وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا شعبة عن أبي الضحاك سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله أن في الجنة شجرة يسير فيها الراكب في ظلها سبعين أو مائة سنة هي شجرة جنة الخلد"
وقال وكيع حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن زياد مولى بني مخزوم عن الزهري عن أبي هريرة ﵁: "إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام اقرؤا أن شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ فبلغ ذلك وكعبا فقال: صدق والذي أنزل التوراة على لسان موسى والفرقان على لسان محمد ﷺ لو أن رجلا ركب جذعة أو جذعا ثم دار بأصل تلك الشجرة مائة عام ما بلغها حتى يسقط هرما أن الله غرسها بيده ونفخ فيها وإن أصلها من وراء سور الجنة ما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة"
стр. 166
وقال ابن أبي الدنيا حدثنا إبراهيم عن سعيد الجوهري حدثنا أبو عامر العقدي حدثنا ربيعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن عكرمة عن ابن عباس قال: الظل الممدود شجرة في الجنة على ساق قدر ما يسير الراكب المجد في ظلها مائة عام في كل نواحيها فيخرج إليها أهل الجنة وأهل الفرف وغيرهم يتحدثون في ظلها قال قيشتي بعضهم ويذكر لهو الدنيا فيرسل الله ريحا من الجنة فتتحرك تلك الشجرة لكل لهو كان في الدنيا.
وفي جامع الترمذي من حديث أبي حامد عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : " ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب قال هذا حديث حسن وعن أبي هريرة قال قال رسول الله يقول الله أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا إذن سمعت ولا خطر على قلب بشر إقرؤا إن شئتم ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وفي الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها اقرؤا أن شئتم وظل ممدود وموضع سوط من الجنة خير من الدنيا وما فيها إقرؤا إن شئتم ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ " رواه بهذا اللفظ والسياق الترمذي والنسائي وابن ماجه وصدره
في الصحيحين وفي صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها وإن شئتم فاقرؤا ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾
وقال ابن وهب حدثنا عمرو بن الحارث أن درَّاجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رجل: يا رسول الله ﷺ ما طوبى؟ قال ﷺ : "شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها" وقد رواه عنه حرملة بزيادة وقال أخبرني ابن وهب أخبرني عمرو أن دراجا حدثه أن أبا الهيثم حدثه عن أبي سعيد
стр. 167
الخدري إن رجلا قال يا رسول الله ﷺ طوبى لمن رآك وآمن بك فقال: "طوبى لمن رآني وآمن بي ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني" فقال رجل يا رسول الله ﷺ وما طوبى قال شجرة في الجنة مسيرة مائة عام ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها"
قلت وأول هذا الحديث في المسند ولفظه: " طوبى لمن رآني وآمن بي وطوبى لمن آمن بي ولم يرني سبع مرات"
وقال ابن المبارك: حدثنا سفيان عن حماد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:"نخل الجنة جذوعها من زمرد أخضر وكربها ذهب أحمر وسعفها كسوة لأهل الجنة منها مقطعاتهم وحللهم وثمرها أمثال القلال والدلاء أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وألين من الزبد ليس فيها عجم"
وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن بحر حدثنا هشام ابن يوسف حدثنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عامر بن زيد البكالي أنه سمع عتبة بن عبد السلمي يقول: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فسأله عن الحوض وذكر الجنة ثم قال الأعرابي: فيها فاكهة قال:"نعم وفيها شجرة تدعي طوبى" فذكر شيئا لا أدري ما هو فقال: أي شجر أرضنا تشبهه قال: "ليست تشبه شيئا من شجر أرضك فقال النبي ﷺ : "أتيت الشام" قال: لا قال:"تشبه شجرة بالشام تدعى الجوزة تنبت على ساق واحد وينفرش أعلاها" قال: ما عظم أصلها قال:"لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك ما أحاطت بأصلها حتى تنكسر ترقوتها هرما" قال: فيها عنب قال: "نعم" قال: فما عظم العنقود قال: "مسيرة شهر للغراب لا يقع ولا يفتر" قال: فما عظم الحبة قال: "هل ذبح أبوك تيسا من غنمه قط عظيما" قال نعم قال فسلخ أهابه فأعطاه أمك وقال لها اتخذي لنا منه دلوا قال نعم قال الأعرابي فإن تلك الحبة لتشبعني أنا وأهل بيتي قال: "نعم وعامة عشيرتك"
قال أبو يعلي الموصلي في مسنده حدثنا عبد الرحمن بن صالح حدثنا يونس بن بكير عن محمد وابن إسحاق عن يحيى بن عباد عن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر قالت سمعت رسول الله ﷺ وذكر سدرة المنتهي فقال: "يسير في ظل الفتن منها الراكب مائة سنة و
стр. 168
قال يستظل في الفنن منها مائة راكب فيها فراش الذهب كأن ثمرها القلال" ورواه الترمذي وقال: شك يحيى وهو حديث حسن غريب
وقال عبد الله بن المبارك أنبأنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال أرض الجنة من ورق وترابها مسك وأصول أشجارها ذهب وورق وأفنانها لؤلؤ وزبرجد وياقوت والورق والثمر تحت ذلك فمن أكل قائما لم يؤذه ومن أكل جالسا لم يؤذه ومن أكل مضطجعا لم يؤذه ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾
قال أبو معاوية: حدثنا الأعمش عن أبي ظبيان عن جرير بن عبد الله قال: نزلنا الصفاح فإذا رجل نائم تحت شجرة قد كادت الشمس أن تبلغه قال فقلت للغلام انطلق بهذا النطع فاظله قال فانطلق فأظله فلما استيقظ إذا هو سلمان فأتيته أسلم عليه فقال: يا جرير تواضع لله فإن من تواضع لله رفعه الله يوم القيامة يا جرير هل تدري ما الظلمات يوم القيامة قلت: لا أدري قال: ظلم الناس بينهم ثم أخذ عويدا لا أكاد أراه بين أصبعيه فقال يا جرير إذا طلبت مثل هذا في الجنة لم تجده قلت: يا عبد الله فأين النخل والشجر قال أصولها اللؤلؤ والذهب وأعلاها الثمر
стр. 169
الباب الخامس والأربعون في ثمارها وتعداد أنواعها وصفاتها وريحانها
قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأنهار كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾
وقولهم هذا الذي رزقنا من قبل أي شبيهه ونظيره لا عينه وهل المراد هذا الذي رزقنا في الدنيا نظيره من الفواكه والثمار أو هذا نظير الذي رزقناه قبل في الجنة؟
قيل فيه قولان ففي تفسير السدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أنهم أتوا بالثمرة في الجنة فلما نظروا إليها قالوا هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا قال مجاهد: ما أشبهه به وقال ابن زيد: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً﴾ يعرفونه وقال آخرون هذا الذي رزقنا من قبل من ثمار الجنة من قبل هذا لشدة مشابهة بعضه بعضا في اللون والطعم واحتج أصحاب هذا القول بحجج:
إحداها: أن المشابهة التي بين الثمار الجنة بعضها لبعض أعظم من المشابهه التي بينها وبين ثمار الدنيا ولشدة المشابهة قالوا: هذا هو
الحجة الثانية: ما حكاه بن جرير عنهم قال ومن علة قائلي هذا القول ان ثمار الجنة كلما نزع منها شيء عاد مكانه آخر مثله كما كان حدثنا ابن بشار
стр. 170
حدثنا ابن مهدي حدثنا سفيان سمعت ابن مرة يحدث عن أبي عبيدة وذكر ثمر الجنة وقال كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى
الحجة الثالثة قوله وأتوا به متشابها وهذا كالتعليل والسبب الموجب لقولهم هذا الذي رزقنا من قبل
الحجة الرابعة أن من المعلوم أنه ليس كل ما في الجنة من الثمار قد رزقوه في الدنيا وكثير من أهلها لا يعرفون ثمار الدنيا ولا رأوها ورجحت طائفة منهم ابن جرير وغيره القول الآخر واحتجت بوجوه
قال ابن جرير والذي يحقق صحة قول القائلين أن معنى ذلك ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ في الدنيا أن الله جل ثناؤه قال ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً﴾ يقولون هذا الذي رزقنا من قبل ولم يخصص أن ذلك من قيلهم في بعض دون بعض فإذا كان قد أخبر جل ذكره عنهم أن ذلك من قبلهم كلما رزقوا ثمرة فلا شك أن ذلك من قبلهم في أول رزق رزقوه من ثمارها أتوا به بعد دخولهم الجنة واستقرارهم فيها الذي لم يتقدمه عندهم من ثمارها ثمرة فإذا كان لا شك أن ذلك من قيلهم في أوله كما هو من قبلهم في وسطه وما يتلوه فمعلوم أنه محال يقولوا لأول رزق رزقوه من ثمار الجنة هذا الذي من رزقنا من قبل هذا من ثمار الجنة وكيف يجوز أن يقولا لأول رزق من ثمارها ولما يتقدمه عندهم غيرها هذا هو الذي رزقنا من قبل أن يلبسهم ذو غية وضلال إلى قيل الكذب الذي قد طهرهم الله منه أو يدفع دافع أن يكون ذلك من قيلهم الأول رزق يرزقونه من ثمارها فيدفع صحة ما أوجب الله صحته من غير نصب دلالة على أن ذلك في حال من أحوالهم دون حال فقد تبين أن معنى الآية كلما رزقوا من ثمرة من ثمار الجنة في الجنة قالوا هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا
قلت: أصحاب القول الأول يخصون هذا العام بما عدا الرزق الأول لدلالة العقل والسياق عليه وليس هذا ببدع من طريقة القرآن وأنت مضطر إلى تخصيصة ولا بد بأنواع من التخصيصات:
أحدها: أن كثيرا من ثمار الجنة وهي التي لا نظير لها في الدنيا لا يقال فيها ذلك
стр. 171
الثاني: أن كثيرا من أهلها لم يرزقوا جميع ثمرات الدنيا التي لها نظير في الجنة
الثالث: أنه من المعلوم أنهم لا يستمرون على هذا القول أبد الآباد كلما أكلوا ثمرة واحدة قالوا: هذا الذي رزقنا في الدنيا ويستمرون على هذا الكلام دائما إلى غير نهاية والقرآن العظيم لم يقصد إلى هذا المعنى ولا هو مما يعتني بهم من نعيمهم ولدتهم وإنما هو كلام مبين خارج على المعتاد المفهوم من المخاطب.
ومعناه: أنه يشبه بعضه بعضا ليس أوله خيرا من آخره ولا هو مما يعرض له ما يعرض لثمار الدنيا عند تقادم الشجر وكبرها من نقصان حملها وصغر ثمرها وغير ذلك بل أوله مثل أخره وآخره مثل أوله هو خيار كله يشبه بعضه بعضا فهذا وجه قولهم ولا يلزم مخالفة ما نصه الله ولا نسبة أهل الجنة إلى الكذب بوجه والذي يلزمهم من التخصيص يلزمك نظيره وأكثر منه والله أعلم
وأما قوله ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً﴾ قال الحسن: خيار كله لا رذل ألم تروا إلى ثمر الدنيا كيف تسترذلون بعضه وأن ذلك ليس فيه ذل وقال قتادة خيار لأرذل فيه فإن ثمار الدنيا ينقى منها ويرذل منها وكذلك قال ابن جريح وجماعة وعلى هذا فالمراد بالتشابه التوافق والتماثل.
وقالت طائفة أخرى منهم ابن مسعود وابن عباس وناس من أصحاب رسول الله ﷺ متشابها في اللون والمرأى وليس يشبه الطعم قال مجاهد: متشابها لونه مختلفا طعمه وكذا قال الربيع بن أنس وقال يحيى بن أبي كثير عشب الجنة الزعفران وكثبانها المسك ويطوف عليهم الولدان بالفاكهة فيأكلونها ثم يأتونهم بمثلها فيقولون هذا الذي جئتمونا به آنفا فيقول لهم الخدم كلوا فإن اللون واحد والطعم مختلف فهو قوله : ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً﴾
стр. 172
وقالت طائفة: معنى الآية أن يشبه ثمر الدنيا غير أن ثمر الجنة أفضل وأطيب قال ابن وهب: قال عبد الرحمن ابن زيد: يعرفون أسماءه كما كانوا في الدنيا التفاح بالتفاح والرمان بالرمان قالوا في الجنة هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها يعرفونه وليس هو مثله في الطعم واختار ابن جرير هذا القول قال: ودليلنا على فساد قول من قال أن معنى الآية هذا الذي رزقنا من قبل أي في الجنة وتلك الدلالة على فساد ذلك القول هي الدلالة على فساد قول من خالف قولنا في تأويل قوله ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً﴾ أن الله أخبر عن المعنى الذي من أجله قال القوم هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها
قلت: هذا لا يدل على فساد قولهم لما تقدم وقال: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوَابُ مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾ قال تعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ هذا يدل على أمنهم من إنقطاعها ومضرتها وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ أي لا تكون في وقت دون وقت ولا تمنع ممن أرادها وقال فهو في عيشة راضية في جنة عالية قطوفها دانية والقطوف جمع قطف وهو ما يقطف والقطف بالفتح الفعل أي ثمارها دانية قريبة ممن يتناولها فيأخذها كيف يشاء قال البراء بن عازب يتناول الثمرة وهو نائم وقال تعالى: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ قال ابن عباس إذا هم أن يتناول من ثمارها تدلت له حتى يتناول ما يريده وقال غيره قريب إليهم مذللة كيف شاؤا فهم يتناولونها قياما وقعودا ومضطجعين فيكون كقوله: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ ومعنى تذليل القطف تسهيل تناوله وأهل المدينة يقولون ذلل النخل أي سو عروقها وأخرجها من السعف حتى يسهل تناولها وفي نصب دانية وجهان
أحدهما: أنه على الحال عطف على قوله متكئين
стр. 173
والثاني أنه صفة الجنة وقال تعالى: فيهما من كل فاكهة زوجان وفي الجنتين الأخريين فيهما فاكهة ونخل ورمان وخص النخل والرمان من بين الفاكهة بالذكر لفضلهما وشرفهما كما نص على حدائق النخل والأعناب في سورة النبأ إذ هما من أفضل أنواع الفاكهة وأطيبها وأحلاها وقد قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾
وقال الطبراني حدثنا معاذ بن المثني حدثنا علي بن المديني حدثنا ريحان بن سعيد عن عبادة بن منصور عن أيوب عن أبي قلابة عن إسماعيل عن ثوبان بن ثوبان قال قال رسول الله ﷺ : "أن الرجل إذا نزع ثمرة من الجنة عادت مكانها أخرى"
وقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني عقبة بن مكرم العمي حدثنا ربعي بن إبراهيم بن عليه حدثنا عوف عن قسامة بن زهير عن أبي موسى قال قال رسول الله ﷺ : "أهبط الله آدم من الجنة ﵇ وعلمه صنعة كل شيء وزوده من ثمار الجنة فثماركم هذه من ثمار الجنة غير أنها تغير وتلك لا تغير" وقد تقدم: أن سدرة المنتهى نبقها مثل القلال
وفي صحيح مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ قال: "عرضت علي الجنة حتى لو تناولت منها قطفا أخذته وفي لفظ فتناولت منها قطفا فقصرت عنه يدي"
وقال أبو خيثمة حدثنا عبد الله بن جعفر حدثنا عبيد الله حدثنا ابن عقيل عن جابر قال بينما نحن في صلاة الظهر إذ تقدم رسول الله فتقدمنا ثم تناول شيئا ليأخذه ثم تأخر فلما قضى الصلاة قال له أبي بن كعب يا رسول الله ﷺ صنعت اليوم في صلاتك شيئا ما كنت تصنعه قال: "إنه عرضت علي الجنة وما فيها من الزهرة والنضرة فتناولت منها قطفا من عنب لآتيكم به فحيل بيني وبينه ولو أتيتكم به لأكل منه من بين السماء والأرض لا ينقصونه".
وقال ابن المبارك أنبأنا سفيان عن حماد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "ثمر الجنة أمثال القلال والدلاء أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وألين من الزبد ليس فيه عجم".
стр. 174
وقال سعيد بن منصور حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: "إن أهل الجنة يأكلون من ثمار الجنة قياما وقعودا ومضطجعين على أي حال شاؤا"
وقال البزار في مسنده حدثنا أحمد بن الفرج الحمصي حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي حدثنا محمد بن المهاجر عن الضحاك المعافري عن سليمان بن موسى قال حدثني كريب أنه سمع أسامة بن زيد يقول قال رسول الله ﷺ : "ألا مشمر للجنة فإن الجنة لا حظر لها هي ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز وقصر مشيد ونهر مطرد وثمرة نضيجة وزوجة حسناء جميلة وحلل كثيرة في مقام أبدا في دار سليمة وفاكهة وخضرة وحبرة ونعمة في محلة عالية بهية" قالوا: نعم يا رسول الله ﷺ نحن المشمرون لها قال: "قولوا إن شاء الله" قال القوم: إن شاء الله
قال البزار وهذا الحديث لا نعلم من رواه عن النبي ﷺ إلا أسامة ولا نعلم له طريقا عن أسامة إلا هذا الطريق ولا نعلم رواه عن الضحاك المعافري إلا هذا الرجل محمد بن مهاجر
وفي حديث لقيط بن صبرة الذي رواه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه وغيره قلت يا رسول الله ﷺ : على ما يطلع أهل الجنة قال: "على أنهار من عسل مصفى وأنهار من كأس ما بها صداع ولا ندامة وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وماء غير آسن وبفاكهة لعمر إلهك مما يعلمون وخير من مثله معه وأما الريحان فهو كل نبت طيب الرائحة قال الحسن وأبو العالية هو ريحاننا هذا يؤتي بنص من ريحان الجنة فنشمه
стр. 175
الباب السادس والأربعون في زرع الجنة
قال تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ كان يحدث يوما وعنده رجل من أهل البادية: "أن رجلا من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع فقال له أولست فيما اشتهيت فقال: بلى ولكني أحب أن أزرع فأسرع وبذر فبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده وتكويره أمثال الجبال فيقول الله : دونك يا ابن آدم فإنه لا يشبعك شيء فقال الأعرابي: يا رسول الله ﷺ لا نجد هذا إلا قرشيا أو أنصاريا فإنهم أصحاب زرع فأما نحن فلسنا بأصحاب زرع فضحك رسول الله" رواه البخاري في كتاب التوحيد في باب كلام الرب تعالى مع أهل الجنة وخرجه في غيره أيضا وهذا يدل على أن في الجنة زرعا وذلك البذر منه وهذا أحسن أن تكون الأرض معمورة بالشجر والزرع
فإن قيل: فكيف استأذن هذا الرجل ربه في الزرع فأخبره أنه في غنية عنه
قيل: لعله استأذنه في زرع يباشره ويزرعه بيده وقد كان في غنية عنه وقد كفى مؤونته ولا أعلم ذكر الزرع في الجنة إلا في هذا الحديث والله أعلم
وروى إبراهيم بن الحكم عن أبيه عن عكرمة قال: بينما رجل في الجنة فقال: في نفسه لو أن الله يأذن لي لزرعت فلا يعلم إلا والملائكة على أبوابه فيقولون: سلام عليكم يقول لك ربك تمنيت في نفسك شيئا فقد علمته وقد بعث الله معنا البذر فيقول ابذروا فيخرج أمثال الجبال فيقول له الرب من فوق عرشه كل ابن آدم فإن ابن آدم لا يشبع والله أعلم
стр. 176
الباب السابع والأربعون: في ذكر أنهار الجنة وعيونها وأصنافها مجراها الذى تجرى عليه
...
الباب السابع والأربعون: في ذكر أنهار الجنة وعيونها وأصنافها ومجراها الذي تجري عليه
وقد تكرر في القرآن في عدة مواضع قوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنهار﴾ وفي موضع ﴿تَجْرِي تَحْتَهَا الأنهار﴾ وفي موضع ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأنهار﴾ وهذا يدل على أمور:
أحدها: وجود الأنهار فيها حقيقية الثاني: أنهار جارية لا واقفة الثالث: أنها تحت غرفهم وقصورهم وبساتينهم كما هو المعهود في أنهار الدنيا, وقد ظن بعض المفسرين أن معنى ذلك جريانها بأمرهم وتصريفهم لها كيف شاؤوا كأن الذي حملهم على ذلك أنه لما سمعوا أن أنهارها تجري في غير أخدود فهي جارية على وجه الأرض حملوا قوله تجري من تحتها الأنهار على أنها تجري بأمرهم إذ لا يكون فوق المكان تحته وهؤلاء أوتوا من ضعف الفهم فإن أنهار الجنة وإن جرت في غير أخدود فهي تحت القصور والمنازل والغرف وتحت الأشجار وهو سبحانه لم يقل من تحت أرضها وقد أخبر سبحانه عن جريان الأنهار تحت الناس في الدنيا فقال ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أهلكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأنهار﴾ فهذا على ما هو المعهود والمتعارفا وكذلك ما حكاه من قول فرعون ﴿وَهَذِهِ الأنهار تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ وقال تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ قال ابن أبي شيبة حدثنا يحيى بن يمان عن أشعب عن جعفر عن سعيد قال نضاختان بالماء والفواكه وحدثنا ابن يمان عن أبي إسحاق عن أبان عن أنس قال نضاختان بالمسك والعنبر ينضخان على دور أهل الجنة كما ينضخ المطر على دور أهل الدنيا وحدثنا عبد الله بن إدريس عن أبيه عن أبي إسحاق عن البراء قال اللتان تجريان أفضل من النضاختين وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أنهار مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأنهار مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ
стр. 177
وَأنهار مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأنهار مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾
فذكر سبحانه هذه الأجناس الأربعة ونفى عن كل واحد منها الآفة التي تعرض له في الدنيا فآفة الماء أن يأسن ويأجن من طول مكثه وآفة اللبن أن يتغير طعمه إلى الحموضة وأن يصير قارصا وآفة الخمر كراهة مذاقها المنافي في اللذة وشربها وآفة العسل عدم تصفيتة
وهذا من آيات الرب تعالى أن تجري أنهار من أجناس لم تجر العادة في الدنيا بإجرائها ويجريها في غير أخدود وينفي عنها الآفات التي تمنع كمال اللذة بها كما ينفي عن خمر الجنة جميع آفات خمر الدنيا من الصداع والغول والإنزاف وعدم اللذة فهذه خمس آفات من آفات خمر الدنيا تغتال العقل ويكثر اللغو على شربها بل لا يطيب لشرابها ذلك إلا باللغو وتنزف في نفسها وتنزف المال وتصدع الرأس وهي كريهة المذاق وهي رجس من عمل الشيطان توقع العداوة والبغضاء بين الناس وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة وتدعو إلى الزنا وربما دعت إلى الوقوع على البنت والأخت وذوات المحارم وتذهب الغيرة وتورث الخزي والندامة والفضيحة وتلحق شاربها بأنقص نوع الإنسان وهم المجانين وتسلبه أحسن الأسماء والسمات وتكسوه أقبح الأسماء والصفات وتسهل قتل النفس وإفشاء السر الذي في إفشائه مضرته أو هلاكه ومؤاخاة الشياطين في تبذير المال الذي جعله الله قياما له ولم يلزمه مؤونته وتهتك الأستار وتظهر الأسرار وتدل على العورات وتهون ارتكاب القبائح والمأثم وتخرج من القلب تعظيم المحارم ومدمنها كعابد وثن وكم أهاجت من حرب وأفقرت من غنى وأذلت من عزيز ووضعت من شريف وسلبت من نعمة وجلبت من نقمة وفسخت من مودة ونسجت من عداوة وكم فرقت بين رجل وزوجته فذهبت بقلبه وراحت بلبه وكم أورثت من حسرة وأجرت من عبرة وكم أغلقت في وجه شاربها بابا من الخير وفتحت له بابا من الشر وكم أوقعت في بلية وعجلت من منيته وكم أورثت من خزية وجرت على شاربها من محبة
стр. 178
وجرت عليه من سفلة فهي جماع الإثم ومفتاح الشر وسلابة النعم وجالبة النقم ولو لم يكن من رذائلها إلا أنها لا تجتمع هي وخمر الجنة في جوف عبد كما ثبت عنه أنه قال: "من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة. لكفى وآفات الخمر أضعاف أضعاف ما ذكرنا وكلها منتفية عن خمر الجنة فإن قيل فقد وصف سبحانه الأنهار بأنها جارية ومعلوم أن الماء الجاري لا يأسن فما فائدة قوله: ﴿غَيْرِ آسِنٍ﴾
قيل: الماء الجاري وإن كان لا يآسن فإنه إذا أخذ منه شيء وطال مكثه أسن وماء الجنة لا يعرض له ذلك ولو طال مكثه ما طال
وتأمل اجتماع هذه الأنهار الأربعة التي هي أفضل أشربة الناس فهذا لشربهم وطهورهم وهذا لقوتهم وغذائهم وهذا للذتهم وسرورهم وهذا لشفاعتهم ومنفعتهم والله أعلم
فصل
وأنهار الجنة تتفجر من أعلاها ثم تنحدر نازلة إلى أقصى درجاتها كما روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "أن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله بين كل درجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة
وروى الترمذي نحوه من حديث معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت ولفظ حديث عبادة:"الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام والفردوس أعلاها درجة ومنها الأنهار الأربعة والعرش فوقها فإن سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى"
стр. 179
وفي المعجم للطبراني أني من حديث الحسن عن سمرة قال قال رسول الله ﷺ : "الفردوس ربوة الجنة وأعلاها وأوسطها ومنها تنفجر أنهار الجنة"
وفي صحيح البخاري من حديث شعبة عن قتادة قال أخبرني أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "رفعت إلى سدرة المنتهى في السماء السابعة نبقها مثل قلال هجر وورقها مثل آذان الفيلة يخرج من ساقها نهران ظاهران ونهران باطنان فقلت: يا جبريل ما هذا قال أما النهران الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات"
وفي صحيحه أيضا من حديث همام عن قتادة عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "بينا أنا أسير في الجنة إذا بنهر حافتاه قباب اللؤلؤ والمجوف فقلت ما هذا يا جبريل قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك قال فضرب الملك بيده فإذا طينة مسك أذفر"
وفي صحيح مسلم من حديث المختار بن فلفل عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "الكوثر نهر في الجنة وعدنيه ربي "وقال محمد بن عبد الله الأنصاري حدثنا حميد الطويل عن أنس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ : "دخلت الجنة فإذا بنهر يجري حافتاه خيام اللؤلؤ فضربت يدي إلى ما يجري فيه من الماء فإذا أنا بمسك أذفر فقلت لمن هذا يا جبريل قال هذا الكوثر الذي أعطاك الله "
قال الترمذي حدثنا هناد حدثنا محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن محارب بن دثار عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله ﷺ : "الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب ومجراه على الدر والياقوت تربته أطيب من المسك وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج" قال هذا حديث حسن صحيح وقال أبو نعيم الفضل حدثنا أبو جعفر هو الرازي حدثنا ابن أبي نجيح عن مجاهدا ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر﴾ قال الخير الكثير وقال أنس بن مالك:
стр. 180
نهر في الجنة وقالت عائشة: هو نهر في الجنة ليس يدخل أحد إصبعيه في أذنيه إلا سمع خرير ذلك النهر" وهذا معناه والله أعلم أن خرير ذلك النهر يشبه الخرير الذي سمعه حين يدخل إصبعيه في أذنيه
وفي جامع الترمذي من حديث الجريري عن حكيم بن معاوية عن أبيه عن النبي ﷺ قال: " إن في الجنة بحر الماء وبحر العسل وبحر اللبن وبحر الخمر ثم تشقق الأنهار بعد" قال هذا حديث حسن صحيح
وقال الحاكم حدثنا الأصم حدثنا الربيع بن سليمان حدثنا أسد بن موسى حدثنا ابن ثوبان عن عطاء بن قرة عن عبد الله بن سمرة عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "من سره أن يسقيه الله من الخمر في الآخرة فليتركه في الدنيا ومن سره أن يكسيه الله الحرير في الآخرة فليتركه في الدنيا وأنهار الجنة تفجر من تحت تلال أو تحت جبال المسك ولو كان أدنى أهل الجنة حلية عدلت بحلية أهل الدنيا جميعا لكان ما يحليه الله به في الآخرة أفضل من حلية أهل الدنيا جميعا"
وذكر الأعمش عن عمرو بن مرة عن مسروق عن عبد الله قال: إن أنهار الجنة تفجر من جبل مسك وهذا موقوف صحيح وذكر ابن مردويه في مسنده حدثنا أحمد بن محمد بن عاصم حدثنا عبد الله بن محمد بن النعمان حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا الحرث بن عبيد حدثنا أبو عمران الجوني عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ : "هذه الأنهار تشخب من جنة عدن في جوبه ثم تصدع بعد أنهارا"
وقال ابن أبي الدنيا حدثنا يعقوب بن عبيدة حدثنا يزيد بن هرون حدثنا الحريري عن معاوية بن قرة عن أنس بن مالك قال: أظنكم تظنون أن أنهار الجنة أخدود في الأرض لا والله أنها لسائحة على وجه الأرض أحدى حافتيها اللؤلؤ والأخرى الياقوت وطينها المسك الأذفر قال:
следующие страницы →