← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11147

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح - ط المدني

ابن القيم

Полный текст (415 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الثامن أنه أما أن يقال باستمرار التناسل فيها لا إلى غاية أو إلى غاية ثم تنقطع وكلاهما مما لا سبيل إلى القول به لاستلزام الأول اجتماع أشخاص لا تتناهى واستلزام الثاني انقطاع نوع من لذة أهل الجنة وسرورهم وهو محال ولا يمكن أن يقال بتناسل بموت معه نسل ويخلفه نسل إذ لا موت هناك التاسع: أن الجنة لا ينموا فيها الإنسان كما ينموا في الدنيا فلا ولدان أهلها ينمون ويكبرون ولا الرجال ينمون كما تقدم بل هؤلاء ولدان صغار لا يتغيرون وهؤلاء أبناء ثلاث وثلاثين لا يتغيرون فلو كان في الجنة ولادة لكان المولود ينموا ضرورة حتى يصير رجلا ومعلوم إن من مات من الأطفال يردون أبناء ثلاث وثلاثين من غير نمو يوضحه. الوجه العاشر: إن الله ينشئ أهل الجنة نشأة الملائكة أو أكمل من نشأتهم بحيث لا يبولون ولا يتغوطون ولا ينامون ويلهمون التسبيح ولا يهرمون على تطاول الأحقاب ولا تنموا أبدانهم بل القدر الذي جعلوا عليه لازم لهم أبدا والله اعلم فهذا ما في المسالة فأما قول بعضهم إن القدرة صالحة والكل ممكن وقول آخرين إن الجنة دار المكلفين التي يستحقونها بالعمل وأمثال هذه المباحث فرخيصة وهي في كتب الناس وبالله التوفيق. قال الحاكم قال الأستاذ أبو سهل أهل الزيغ ينكرون هذا الحديث يعني حديث الولادة في الجنة وقد روى فيه غير إسناد وسئل النبي ﷺ عن ذلك فقال يكون ذلك على نحو مما روينا والله يقول: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾ وليس بالمستحيل أن يشتهي المؤمن الممكن من شهواته المصفى المقرب المسلط على لذاته قرة عين وثمرة فؤاد من الذين انعم الله عليهم بأزواج مطهرة فإن قيل ففي الحديث أنهن لا يحضن ولا ينفسن فأين يكون الولد؟ قلت الحيض سبب الولادة الممتد مدة بالحمل على الكثرة والوضع عليه كما

стр. 247

إن جميع بلاد الدنيا من المشارب والمطاعم والملابس على ما عرف من التعب والنصب وما يعقبه كل منهما مما يحذر منه ويخاف من عواقبه وهذه خمرة الدنيا المحرمة المستولية على كل بلية قد أعدها الله تعالى لأهل الجنة منزوعة البلية موفرة اللذة فلم لا يجوز أن يكون على مثله الولد انتهى كلامه قلت النافون للولادة في الجنة لم ينفوها لزيغ قلوبهم ولكن لحديث أبي رزين غير أن لا توالد وقد حكينا من قول عطاء وغيره أنهن مطهارات من الحيض والولد وقد حكى الترمذي عن أهل العلم من السلف والخلف في ذلك قولين وقد حكى الترمذي عن أهل العلم من السلف والخلف في ذلك قولين وحكى قول أبي اسحق بإنكاره وقال أبو أمامة في حديثه غير أن لا مني ولا منية والجنة ليست دار تناسل بل دار بقاء وخلد لا يموت من فيها فيقوم نسله مقامه وحديث أبي سعيد الخدري هذا أجود أسانيده إسناد الترمذي وقد حكم بغرابته وانه لا يعرف إلا من حديث أبي الصديق الناجي وقد اضطرب لفظه فتارة يروى عنه إذا اشتهى الولد وتارة أنه ليشتهي الولد وتارة أن الرجل من أهل الجنة ليولد له فالله اعلم فان كان رسول الله قد قاله فهو الحق الذي لا شك فيه وهذه الألفاظ لا تنافي بينها ولا تناقض وحديث أبي رزين غير أن لا توالد إذ ذاك نفى للتوالد المعهود في الدنيا ولا ينفي ولادة حمل الولد فيها ووضعه وسنه وشبابه في ساعة واحدة فهذا ما انتهى إليه علمنا القاصر في هذه المسالة وقد أتينا فيها بما لعلك لا تجده في غير هذا الكتاب والله اعلم

стр. 248

الباب السابع الخمسون: في ذكر سماع الجنة وغناء الحور العين وما فيه من الطرب واللذة ... الباب السابع والخمسون: في ذكر سماع الجنة وغناء الحور العين وما فيه من الطرب واللذة قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُون﴾ قال محمد بن جرير: حدثني محمد بن موسى الحرشي قال حدثنا عامر بن نساف قال سألت يحيى بن أبي كثير عن قوله فهم في روضة يحبرون قال الحبرة اللذة والسماع حدثنا عبد الله بن محمد الفريابي حدثنا ضمرة بن ربيعة عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير في قوله يحبرون قال السماع في الجنة ولا يخالف هذا قول ابن عباس يكرمون وقال مجاهد وقتادة ينعمون فلذة الأذن بالسماع من الحبرة والنعيم وقال الترمذي حدثنا هناد واحمد بن منيع قالا حدثنا عبد الرحمن بن اسحق عن النعمان بن سعد عن علي قال قال رسول الله ﷺ : "إن في الجنة لمجتمعا للحور العين يرفعن بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها يقلن نحن الخالدات فلا نبيد ونحن الناعمات فلا نبأس ونحن الراضيات فلا نسخط طوبى لمن كان لنا وكنا له" وفي الباب عن أبي هريرة وأبي سعيد وانس وحديث على حديث غريب قلت وفي الباب عن ابن أبي أوفى وأبي أمامة وعبد الله بن عمر أيضا فأما حديث أبي هريرة فقال جعفر الفريابي حدثنا سعد بن حفص حدثنا محمد بن مسلمة عن أبي عبد الرحمن عن زيد بن أبي أنيسة عن المنهال بن عمرو عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: "إن في الجنة نهرا طول الجنة حافتاه العذارى قيام متقابلات يغنين بأصوات حتى يسمعها الخلائق ما يرون في الجنة لذة مثلها فقلنا يا أبا هريرة وما ذاك الغناء قال إن شاء الله التسبيح والتحميد والتقديس وثناء على الرب " هكذا رواه موقوفا

стр. 249

وروى أبو نعيم في صفة الجنة من حديث مسلمة ابن علي عن زيد بن واقد عن رجل عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "إن في الجنة شجرة جذوعها من ذهب وفروعها من زبرجد ولؤلؤ فتهب لها ريح فيصطفقن فما سمع السامعون بصوت شيء قط ألذ منه". وأما حديث أنس فقال أبو نعيم أنبأنا عبد الله بن جعفر حدثنا إسماعيل بن عبد الله حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم حدثنا ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن عون بن الحطاب عن عبد الله بن رافع عن أبي الأسن عن أنس قال قال رسول الله ﷺ : "إن الحور العين يغنين في الجنة يقلن نحن الحور الحسان خلقن لأزواج كرام " ورواه ابن أبي الدنيا حدثنا أبو خيثمة حدثنا إسماعيل بن عمر حدثنا ابن أبي ذئب عن أبي عبد الله بن رافع عن بعض ولد أنس فذكره وأما حديث ابن أبي أوفى فقال أبو نعيم حدثنا محمد بن جعفر من أصله حدثنا موسى بن هارون حدثنا حامد بن يحيى البلخي حدثنا يونس بن محمد المؤدب حدثنا الوليد بن أبي ثور وحدثني سعد الطائي عن عبد الرحمن بن سابط عن ابن أبي أوفى قال قال رسول الله ﷺ : "يزوج كل واحد من أهل الجنة أربعة آلاف بكر وثمانية آلاف أيم ومائة حوراء فيجتمعن في كل سبعة أيام فيقلن بأصوات حسان لم تسمع الخلائق بمثلهن نحن الخالدات فلا نبيد ونحن الناعمات فلا نبأس ونحن الراضيات فلا نسخط ونحن المقيمات فلا نظعن طوبى لمن كان لنا وكنا له ". وأما حديث أبي أمامة فقال: جعفر الفريابي حدثنا سليمان بن عبد الرحمن حدثنا خالد بن يزيد عن أبي مالك عن أبيه عن خالد بن معدان عن أبي أمامة عن رسول الله قال ما من عبد يدخل الجنة إلا ويجلس عند رأسه وعند رجليه اثنتان من الحور العين يغنيانه بأحسن صوت سمعه الإنس والجن وليس بمزامير الشيطان".

стр. 250

وأما حديث ابن عمر فقال الطبراني حدثنا أبو رفاعة عمارة بن وثيمة بن موسى بن الفرات المصري حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير عن زيد ابن اسلم عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ : "إن أزواج أهل الجنة ليغنين لأزواجهن بأحسن أصوات ما سمعها احد قط إن مما يغنين به نحن الخيرات الحسان أزواج قوم كرام ينظرون بقرة أعين وإن مما يغنين به نحن الخالدات فلا نمتنه نحن الآمنات فلا نخفنه نحن المقيمات فلا نظعنه" قال الطبراني لم يروه عن زيد بن أسلم إلا محمد تفرد به بن أبي مريم وقال ابن وهب حدثني سعيد ابن أبي أيوب قال وقال رجل من قريش لابن شهاب: هل في الجنة سماع فإنه حبب إلي السماع فقال: إي والذي نفس ابن شهاب بيده إن في الجنة لشجرا حمله اللؤلؤ والزبرجد تحته جوار ناهدات يتغنين بألوان يقلن نحن الناعمات فلا نبأس ونحن الخالدات فلا نموت يتغنين بألوان فإذا سمع ذلك الشجر صفق بعضه بعضا فأجبن الحواري فلا ندري أصوات الحواري أحسن أم أصوات الشجر" قال ابن وهب: وحدثنا الليث بن سعد عن خالد بن يزيد: "أن الحور العين يغنين أزواجهن فيقلن نحن الخيرات الحسان أزواج شباب كرام ونحن الخالدات فلا نموت ونحن الناعمات فلا نبأس ونحن الراضيات فلا نسخط ونحن المقيمات فلا نطعن في صدر إحداهن مكتوب أنت حبي وأنا حبك انتهت نفسي عندك لم تر عيناني مثلك" وقال ابن المبارك حدثنا الأوزاعي حدثنا يحيى بن أبي كثير: "أن الحور العين يتلقين أزواجهن عند أبواب الجنة فيقلن طالما انتظرناكم فنحن الراضيات فلا نسخط والمقيمات فلا نظعن والخالدات فلا نموت بأحسن أصوات وتقول أنت حبي وأنا حبك ليس دونك مقصر ولا وراءك معدل"

стр. 251

فصل ولهم سماع أعلى من هذا قال ابن أبي الدنيا حدثني دهثم بن الفضل القرشي حدثنا الأوزاعي قال: بلغني أنه ليس من خلق الله أحسن صوتا من إسرافيل فيأمره الله ﵎ فيأخذ في السماع فما يبقى ملك في السماوات إلا قطع عليه صلاته فيمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث فيقول الله : "وعزتي وجلالي لو يعلم العباد قدر عظمتي ما عبدوا غيري وحدثني داود بن عمر الضيبي حدثنا عبد الله ابن المبارك عن مالك بن أنس عن محمد بن المنكدر قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الذين كانوا ينزهون أسماعهم وأنفسهم عن مجالس الله ومزامير الشيطان اسكنوهم رياض المسك ثم يقول للملائكة اسمعوهم تمجيدي وتحميدي" وقال ابن أبي الدنيا حدثني محمد بن الحسن حدثني عبد الله بن أبي بكر حدثنا جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار في قوله وان له عندنا لزلفى وحسن مآب قال اذا كان يوم القيامة أمر بمنبر رفيع فوضع في الجنة ثم نودي يا داود مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في دار الدنيا قال فيستفرغ صوت داود نعيم أهل الجنان فذلك قوله تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ وذكر حماد بن سلمة عن ثابت البناني وحجاج الأسود عن شهر بن حوشب قال إن الله جل ثناؤه يقول للملائكة: "إن عبادي كانوا يحبون الصوت الحسن في الدنيا فيدعونه من اجلي فاسمعوا عبادي فيأخذوا بأصوات من تهليل وتسبيح وتكبير لم يسمعوا بمثله قط"

стр. 252

وقال عبد الله بن الإمام احمد في كتاب الزهد لأبيه حدثني علي بن مسلم الطوسي حدثني سيار حدثنا جعفر حدثنا مالك بن دينار: في قوله : ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ قال يقيم الله سبحانه داود عند ساق العرش فيقول: "يا داود مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم فيقول الهي كيف أمجدك وقد سلبتنيه في دار الدنيا قال فيقول الله فاني أرده عليك قال فيرده عليه فيزداد صوته قال فيستفرغ صوت داود نعيم أهل الجنة" وقال ابن أبي الدنيا حدثنا مسلم بن إبراهيم الحراني حدثنا مسكين بن بكير عن الأوزاعي عن عبيدة بن أبي لبابة قال: "إن في الجنة شجرة ثمرها زبرجد وياقوت ولؤلؤ فيبعث الله ريحا فتصفق فتسمع لها أصوات لم يسمع ألذ منها" حدثنا أبو بكر بن يزيد وإبراهيم بن سعيد قالا حدثنا أبو عامر العقدي حدثنا رفعة بن صالح عن سلمة بن زهرام عن عكرمة عن ابن عباس قال: "في الجنة شجرة على ساق قدر ما يسير الراكب في ظلها مائة عام فيتحدثون في ظلها فيشتهي بعضهم فيذكر لهو الدنيا فيرسل الله ريحا من الجنة فتحرك تلك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا" حدثنا إبراهيم بن سعيد حدثنا إبراهيم بن سعيد حدثنا علي بن عاصم حدثني سعيد بن سعيد الحارثي قال حدثت إن في الجنة آجاما من قصب من ذهب حملها اللؤلؤ فإذا اشتهى أهل الجنة يسمعوا صوتا حسنا بعث الله على تلك الآجام ريحا فتأتيهم بكل صوت يشتهونه"

стр. 253

فصل ولهم سماع أعلى من هذا يضمحل دونه كل سماع وذلك حين يسمعون كلام الرب ﷻ وخطابه وسلامه عليهم ومحاضرته لم ويقرا عليهم كلامه فإذا سمعوه منه فكأنهم لم يسمعوه قبل ذلك وسيمر بك أيها السني من الأحاديث الصحاح والحسان في ذلك ما هو من أحب سماع لك في الدنيا وألذ لأذنك واقر لعينك إذ ليس في الجنة لذة أعظم من النظر إلى وجه الرب تعالى وسماع كلامه منه ولا يعطى أهل الجنة شيئا أحب إليهم من ذلك وقد ذكر أبو الشيخ عن صالح بن حبان عن عبد الله بن بريدة قال: "إن أهل الجنة يدخلون كل يوم مرتين على الجبار ﷻ فيقرا عليهم القران وقد جلس كل امرئ منهم مجلسه الذي هو مجلسه على منابر الدر والياقوت والزبرجد والذهب والزمرد فلم تقر أعينهم بشيء ولم يسمعوا شيئا قط أعظم ولا أحسن منه ثم ينصرفون إلى رحالهم ناعمين قريرة أعينهم إلى مثلها من الغد"

стр. 254

الباب الثامن والخمسون: في ذكر مطايا أهل الجنة وخيولهم ومراكبهم قال الترمذي حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن حدثنا عاصم بن علي حدثنا المسعودي عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن رجلا سأل النبي ﷺ فقال يا رسول الله ﷺ : هل في الجنة من خيل قال: "إن أدخلك الله الجنة فلا تشاء إن تحمل فيها على فرس من ياقوتة حمراء يطير بك في الجنة حيث شئت" قال وسأله رجل فقال يا رسول الله ﷺ : هل في الجنة من إبل قال: "فلم يقل ما قال لصاحبه" قال: "إن أدخلك الله الجنة يكن لك فيها ما اشتهت نفسك ولذت عينك" حدثنا سويد بن نصر أنبأنا عبد الله بن المبارك عن سفيان عن علقمة بن مرثد عن عبد الرحمن بن سابط عن النبي ﷺ نحوه بمعناه وهذا اصح من حديث المسعودي حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي حدثنا أبو معاوية عن واصل بن السائب عن أبي سورة عن أبي أيوب قال أتى النبي ﷺ أعرابي فقال: يا رسول الله ﷺ إني أحب الخيل أفي الجنة خيل قال رسول الله ﷺ : "إذا دخلت الجنة أتيت بفرس من ياقوتة له جناحان فحملت عليه ثم طار بك حيث شئت" قال الترمذي هذا حديث إسناده ليس بالقوي ولا نعرفه من حديث أبي أيوب إلا من هذا الوجه وأبو سورة هو ابن أخي أبي أيوب يضعف في الحديث ضعفه ابن معين جدا وسمعت محمد بن إسماعيل يقول أبو سورة هذا منكر الحديث يروي مناكير عن أبي أيوب لا يتابع عليه قلت إما حديث علقمة بن مرثد فقد اضطرب فيه علقمة فمرة يقول عن سليمان بن بريدة عن أبيه ومرة يقول عن عبد الرحمن بن سابط عن عمير بن ساعدة قال: "كنت أحب الخيل فقلت هل في الجنة خيل يا رسول الله ﷺ ومرة يقول قال رجل من الأنصار يقال له عمير بن ساعدة يا رسول الله

стр. 255

ومرة يقول عن عبد الرحمن بن سابط عن النبي ﷺ والترمذي جعل هذا أصح من حديث المسعودي لأن سفيان أحفظ منه وأثبت وقد رواه أبو نعيم من حديث علقمة هذا فقال عن أبي صالح عن أبي هريرة أن أعرابيا قال يا رسول الله ﷺ أفي الجنة إبل قال يا أعرابي إن يدخلك الله الجنة رأيت فيها ما تشتهي نفسك وتلذ عينك ورواه أيضا من حديث علقمة عن يحيى ابن اسحق عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ وذكر الجنة فقال: "والفردوس أعلاها سموا وأوسعها منه محلا ومنها تفجر أنهار الجنة وعليها يوضع العرش يوم القيامة فقام إليه رجل فقال يا رسول الله ﷺ إني رجل حبب إلي الخيل فهل في الجنة خيل قال: "أي والذي نفسي بيده إن في الجنة لخيلا وإبلا هفافة تزف بين خلال ورق الجنة يتزاورون عليها حيث شاؤوا" فقام إليه رجل فقال يا رسول الله ﷺ : إني حبب إلي الإبل وذكر الحديث وأما حديث أبي سورة فلا يعرف إلا من حديث واصل بن السائب عنه لم يروه عنه غيره وغير يحيى بن جابر الطائي وقد اخرج له أبو داود حديث ستفتح عليكم الأمصار وتجندون أجنادا وأخرج له ابن ماجة عن أبي أيوب رأيت النبي ﷺ توضأ فخلل لحيته وحديثا آخر في تفسير قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ وأخرج له الترمذي حديث خيل الجنة فقط ورواه أبو نعيم من حديث جابر بن نوح عن واصل به وقال: "إن أهل الجنة ليتزاورون على نجائب بيض كأنها الياقوت وليس في الجنة من البهائم إلا الخيل والإبل" وقال أبو الشيخ حدثنا القاسم بن زكريا حدثنا سويد بن سعيد حدثنا مروان ابن معاوية عن أبي الحكم عن أبي خالد عن الحسن البصري عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة جاءتهم خيول من ياقوت أحمر لها أجنحة لا تبول ولا تروث فقعدوا عليها ثم طارت بهم في الجنة فيتجلى لهم الجبار فإذا رأوه خروا سجدا فيقول لهم الجبار تعالى: "ارفعوا رؤوسكم فإن هذا ليس يوم عمل إنما هو يوم نعيم وكرامة فيرفعون

стр. 256

رؤوسهم فيمطر الله عليهم طيبا فيمرون بكثبان المسك فيبعث الله على تلك الكثبان ريحا فتهيجها عليهم حتى إنهم ليرجعوا إلى أهليهم وأنهم لشعث غبر" وقال عبد الله بن المبارك حدثنا همام عن قتادة عن عبد الله بن عمرو وقال: في الجنة عتاق الخيل وكرائم النجائب

стр. 257

الباب التاسع والخمسون: في زيارة أهل الجنة بعضهم بعضا وتذاكرهم ما كان بينهم في الدنيا قال تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَدِينُون قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ فأخبر الله : إن أهل الجنة اقبل بعضهم على بعض يتحدثون ويسأل بعضهم بعضا عن أحوال كانت في الدنيا فأفضت بهم المحادثة والمذاكرة إلى أن قال قائل منهم إني كان لي قرين في الدنيا ينكر البعث والدار الآخرة ويقول ما حكاه الله عنه يقول أئنك لمن المصدقين بانا نبعث ونجازى بأعمالنا ونحاسب بها بعد أن مزقنا البلى وكنا ترابا وعظاما ثم يقول المؤمن لإخوانه في الجنة هل أنتم مطلعون في النار لننظر منزلة قريني هذا وما صار إليه. هذا أظهر الأقوال وفيها قولان آخران أحدهما: إن الملائكة تقول لهؤلاء المتذاكرين الذين يحدث بعضهم بعضا هل انتم مطلعون رواه عطاء عن ابن عباس والثاني أنه من قوله الله لأهل الجنة يقول لهم هل أنتم مطلعون والصحيح القول الأول وان هذا قول المؤمن لأصحابه ومحادثيه والسياق كله والأخبار عنه وعن حال قرينه قال كعب: بين الجنة والنار كوى فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدو كان له في الدنيا اطلع من بعض تلك الكوى وقوله فاطلع أي اشرف قال مقاتل لما قال لأهل الجنة هل انتم مطلعون

стр. 258

قالوا له أنت اعرف به منا فاطلع أنت فاشرف فرأى قرينه في سواء الجحيم ولولا إن الله عرفه إياه لما عرفه لقد تغير وجهه ولونه وغيره العذاب أشد تغيير فعندها قال الله تعالى: ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ أي إن كدت لتهلكني ولولا أن أنعم الله علي بنعمته لكنت من المحضرين معك في العذاب وقال تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ وقال الطبراني حدثنا الحسن ابن إسحاق حدثنا سهل بن عثمان حدثنا المسيب بن شريك عن بشر بن نمير عن القاسم عن أبي أمامة قال سئل رسول الله أيتزاور أهل الجنة قال يزور الأعلى الأسفل ولا يزور الأسفل الأعلى إلا الذين يتحابون في الله يأتون منها حيث شاؤوا على النوق محتقبين الحشايا" وقال الدورقي حدثنا أبو سلمة التبوذكي حدثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال قال بلغنا إن أهل الجنة يزور الأعلى الأسفل ولا يزور الأسفل الأعلى وقد تقدم حديث علقمة بن مرثد عن يحيى بن إسحاق عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة ﵁ وقال الطبراني حدثنا محمد بن عبدوس حدثنا الحسن بن حماد حدثنا جابر بن نوح عن واصل بن السائب عن أبي سورة عن أبي أيوب يرفعه إن أهل الجنة يتزاورون على النجائب وقد تقدم فأهل الجنة يتزاورون فيها ويستزير بعضهم بعضا وبذلك تتم لذتهم وسرورهم ولهذا قال حارثة للنبي وقد سأله كيف أصبحت يا حارثة قال أصبحت مؤمنا حقا قال إن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك قال عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري وكأني انظر إلى عرش ربي بارزا والى أهل الجنة يتزاورون فيها والى أهل النار يعذبون فيها فقال عبد نور الله قلبه" وقال ابن أبي الدنيا حدثنا عبد الله حدثنا سلمة بن شبيب حدثنا سعيد بن دينار

стр. 259

عن الربيع بن صبيح عن الحسن عن أنس قال قال رسول الله ﷺ "إذا دخل أهل الجنة الجنة فيشتاق الإخوان بعضهم إلى بعض قال فيسير سرير هذا إلى سرير هذا وسرير هذا إلى سرير هذا حتى يجتمعا جميعا فيقول أحدهما لصاحبه تعلم متى غفر الله لنا فيقول صاحبه يوم كنا في موضع كذا وكذا فدعونا الله فغفر لنا" قال وحدثني حمزة بن العباس أنبأنا عبد الله بن عثمان أنبأنا ابن المبارك أنبأنا إسماعيل بن عياش قال حدثني ثعلبة بن مسلم عن أيوب بن بشير العجلي عن شفي بن مانع أن رسول الله ﷺ قال: "إن من نعيم أهل الجنة أنهم يتزاورون على المطايا والنجب وأنهم يؤتون في الجنة بخيل مسرجة ملجمة لا تروث ولا تبول فيركبونها حتى ينتهوا حيث شاء الله فيأتيهم مثل السحابة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت فيقولون: أمطري علينا فما يزال المطر عليهم حتى ينتهي ذلك فوق أمانيهم ثم يبعث الله ريحا غير مؤذية فتنسف كثائب من مسك عن إيمانهم وعن شمائلهم فيأخذ ذلك المسك في نواصي خيولهم وفي مفارقهم وفي رؤوسهم ولكل رجل منهم جمة على ما اشتهت نفسه فيتعلق ذلك المسك في تلك اللجام وفي الخيل وفيما سوى ذلك من الثياب ثم يقبلون حتى ينتهوا إلى ما شاء الله تعالى فإذا المرأة تنادي بعض أولئك يا عبد الله أما لك فينا حاجة فيقول ما أنت ومن أنت فتقول إنا زوجتك وحبك فيقول ما كنت علمت بمكانك فتقول المرأة أو ما علمت إن الله قال فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون فيقول بلى وربي فلعله يشتغل عنها بعد ذلك الموقف أربعين خريفا لا يلتفت ولا يعود ما يشغله عنها إلا ما هو فيه من النعيم والكرامة" حدثني حمزة أنبأني عبد الله بن عثمان أنبأنا بن المبارك أنبأنا رشدين ابن سعد قال حدثني ابن انعم إن أبا هريرة قال: "إن أهل الجنة ليتزاورون على العيس

стр. 260

الجون عليها رحال الميس تثير مناسمها غبار المسك خطام أو زمام أحدها خير من الدنيا وما فيها وذكر ابن أبي الدنيا من حديث أبي اليمان حدثنا إسماعيل بن عياش عن عمرو بن محمد عن زيد بن اسلم عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه سال جبريل عن هذه الآية ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله قال هم الشهداء يبعثهم الله متقلدين أسيافهم حول عرشه فأتاهم ملائكة من المحشر بنجائب من ياقوت أزمتها الدر الأبيض برحال الذهب أعناقها السندس والإستبرق ونمارقها ألين من الحرير مد خطاها مد أبصار الرجال يسيرون في الجنة على خيول يقولون عند طول النزهة انطلقوا بنا ننظر كيف يقضي الله بين خلقه يضحك الله إليهم وإذا ضحك الله إلى عبد في موطن فلا حساب عليه قال ابن أبي الدنيا وحدثنا الفضل بن جعفر ابن حسن حدثنا أبي عن الحسن بن علي عن علي قال سمعت رسول الله يقول أن في الجنة لشجرة يخرج من أعلاها حلل ومن أسفلها خيل من ذهب مسرجة ملجمة من در وياقوت لا تروث ولا تبولا لها أجنحة خطوها مد بصرها فيركبها أهل الجنة فتطير بهم حيث شاءوا فيقول الذين أسفل منهم درجة يا رب بما بلغ عبادك هذه الكرامة قال فيقال لهم كانوا يصلون في الليل وكنتم تنامون وكانوا يصومون وكنتم تأكلون وكانوا ينفقون وكنتم تبخلون وكانوا يقاتلون وكنتم تجبنون"

стр. 261

فصل ولهم زيارة أخرى أعلى من هذه واجل وذلك حين يزورون ربهم ﵎ فيريهم وجهه ويسمعهم كلامه ويحل عليهم رضوانه وسيمر بك ذكر هذه الزيارة عن قرب إن شاء الله تعالى

стр. 262

الباب الستون: في ذكر سوق الجنة وما أعد الله تعالى فيه لأهلها قال مسلم في صحيحه حدثنا سعيد بن عبد الجبار الصيرفي حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: إن في الجنة لسوقا يأتونها كل جمعة فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسنا وجمالا فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنا وجمالا فيقول لهم أهلوهم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا فيقولون والله وانتم لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا رواه الإمام احمد في مسنده عن عفان عن حماد بن سلمة وقال: "فيها كثبان المسك فإذا خرجوا إليها هبت الريح" وقال ابن أبي عاصم في كتاب السنة حدثنا هشام بن عمار حدثنا عبد الحميد بن حبيب بن أبي العسر عن الأوزاعي عن حسان بن عطية عن سعيد بن المسيب أنه لقي أبا هريرة فقال أبو هريرة: اسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة فقال سعيد أو فيها سوق قال: نعم أخبرني رسول الله أن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوها بفضل أعمالهم فيؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة عن أيام الدنيا فيزورون الله ﵎ فيبرز لهم عرشه ويتبدى لهم في روضة من رياض الجنة فيوضع لهم منابر من نور ومنابر من لؤلؤ ومنابر من زبرجد ومنابر من ياقوت ومنابر من ذهب ومنابر من فضة ويجلس أدناهم وما فيها دنى على كثبان المسك والكافور ما يرون أن أصحاب الكراسي بأفضل منهم مجلسا قال أبو هريرة وهل نرى ربنا قال نعم قال هل تمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر قلنا لا قال فكذلك لا تمارون في رؤية ربكم ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره الله محاضرة حتى يقول يا فلان ابن فلان أتذكر يوم فعلت كذا وكذا فيذكره ببعض غدراته في الدنيا فيقول بلى أفلم تغفر لي فيقول بلى فمغفرتي بلغت منزلتك هذه

стр. 263

قال فبينما هم على ذلك إذ غشيتهم سحابة من فوقهم فأمطرت عليهم طيبا لم يجدوا مثل ريحه شيئا قط قال ثم يقول ربنا ﵎ قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة فخذوا ما اشتهيتم قال فيأتون سوقا قد حفت بها الملائكة فيها ما لم تنظر العيون إلى مثله ولم تسمع الأذان ولم يخطر على القلوب قال فيحمل لنا ما اشتهينا ليس يباع فيه ولا يشترى وفي ذلك السوق يلقى أهل الجنة بعضهم بعضا قال فيقبل ذو البزة المرتفعة فيلقى من هو دونه وما فيهم دني فيروعه ما يرى عليه من اللباس والهيئة فما ينقضي آخر حديثه حتى يتمثل عليه أحسن منه وذلك أنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها قال ثم ننصرف إلى منازلنا فيلقانا أزواجنا فيقلن مرحبا وأهلا بحبنا لقد جئت وإن بك من الجمال والطيب أفضل مما فارقتنا عليه فتقول أنا جالسنا اليوم ربنا الجبار وبحقنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا ورواه الترمذي في صفة الجنة عن محمد بن إسماعيل عن هشام بن عمار رواه ابن ماجة عن هشام بن عمار وليس في هذا الإسناد من ينظر فيه إلا عبد الحميد بن حبيب وهو كاتب الأوزاعي فلا ننكر عليه تفرده عن الأوزاعي بما لم يروه غيره وقد قال الإمام احمد وأبو حاتم الرازي هو ثقة وأما دحيم والنسائي فضعفاه ولا نعرف أنه حدث عن غير الأوزاعي والترمذي قال في هذا الحديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه قلت وقد رواه ابن أبي الدنيا عن الحكم بن موسى حدثنا هقل بن زياد عن الأوزاعي قال نبئت أن سعيد بن المسيب لقي أبا هريرة فذكره وقال الترمذي حدثنا أحمد بن صنيع حدثنا أبو معاوية أنبانا عبد الرحمن بن اسحق عن النعمان بن سعد عن علي بن أبي طالب قال قال رسول الله ﷺ : "إن في الجنة لسوقا ما فيها شراء ولا بيع إلا الصور من الرجال والنساء فإذا اشتهى الرجل الصورة دخل فيها " قال هذا حديث غريب وقال عبد الله بن المبارك أنبانا سليمان التيمي عن أنس بن مالك قال: "يقول أهل الجنة انطلقوا إلى السوق فينطلقون إلى كثبان المسك فإذا رجعوا إلى أزواجهم قالوا أنا لنجد لكن ريحا ما كانت لكن قال فيقلن لقد رجعتم بريح ما كانت لكم إذ خرجتم من عندنا" قال ابن المبارك وأنبانا حميد الطويل عن

стр. 264

أنس بن مالك قال إن في الجنة سوقا كثبان مسك يخرجون إليها ويجتمعون إليها فيبعث الله ريحا فتدخلها بيوتهم فيقول لهم أهلوهم إذا رجعوا إليهم قد ازددتم حسنا " بعدنا فيقولون لأهليهم قد ازددتم أيضا بعدنا حسنا وقال الحافظ محمد بن عبد الله الحضرمي المعروف بمطين حدثنا احمد بن محمد بن طريف البجلي حدثنا أبي حدثنا محمد بن كثير حدثني جابر الجعفي عن أبي جعفر عن علي بن الحسين عن جابر بن عبد الله قال خرج علينا رسول الله ونحن مجتمعون فقال يا معشر المسلمين إن في الجنة لسوقا ما يباع فيها ولا يشترى إلا الصور من أحب صورة من رجل أو امرأة دخل فيها والله أعلم

стр. 265

الباب الحادي والستون: في ذكر زيارة أهل الجنة ربهم ﵎ قال الإمام الشافعي ﵁ في مسنده حدثنا إبراهيم بن محمد قال حدثني موسى بن عبيدة قال حدثني أبو الأزهر معاوية بن إسحاق بن طلحة عن عبد الله بن عبيد بن عمير أنه سمع أنس بن مالك يقول أتى جبريل بمرآة بيضاء فيها وكانت إلى النبي ﷺ فقال النبي ﷺ ما هذه قال الجمعة فضلت بها أنت وأمتك فأناس لكم فيها تبع اليهود والنصارى ولكم فيها خير وفيها ساعة لا يوافقها مؤمن يدعو الله بخير إلا استجيب له وهو عندنا يوم المزيد قال النبي ﷺ يا جبريل وما يوم المزيد قال إن ربك اتخذ في الفردوس واديا أفيح فيه كثب المسك فإذا كان يوم القيامة انزل الله ﵎ ما شاء من ملائكته وحوله منابر من نور عليها مقاعد النبيين وحف تلك المنابر بمنابر من ذهب مكللة بالياقوت والزبرجد عليها الشهداء والصديقون فجلسوا من ورائهم على تلك الكثب فيقول الله ﵎ أنا ربكم قد صدقتم وعدي فسلوني أعطكم فيقولون ربنا نسألك رضوانك فيقول قد رضيت عنكم ولكم علي ما تمنيتم ولدي مزيد فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه ربهم من الخير وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم على العرش وفيه خلق آدم ﵊ وفيه تقوم الساعة ولهذا الحديث طرق سنشير إليها في باب المزيد إن شاء الله تعالى وروى أبو نعيم من حديث شيبان بن خيبر بن فرقد عن الحسن عن أبي برزة الأسلمي عن النبي ﷺ قال: "إن أهل الجنة ليغدون في حلة ويروجون في أخرى كغدو أحدكم ورواحه إلى ملك من ملوك الدنيا كذلك يغدون ويروحون إلى زيارة ربهم وذلك لهم بمقادير ومعالم يعلمون تلك الساعة

стр. 266

التي يأتون فيها ربهم " قال وروى جعفر بن حسن بن فرقد عن أبيه مثله وذكر أبو نعيم أيضا من حديث أبي إسحاق عن الحارث عن علي قال إذا سكن أهل الجنة الجنة أتاهم ملك فيقول لهم إن الله ﵎ يأمركم إن تزوروه فيجتمعون فيأمر الله ﵎ داود ﵇ فيرفع صوته بالتسبيح والتهليل ثم يوضع مائدة الخلد" قالوا يا رسول الله ﷺ : وما مائدة الخلد قال: "زاوية من زواياه أوسع مما بين المشرق والمغرب فيطعمون ثم يسقون ثم يكسون فيقولون لم يبق إلا النظر في وجه ربنا فيتجلى لهم فيخرون سجدا فيقال لهم: لستم في دار عمل إنما أنتم في دار جزاء" وقال ابن أبي الدنيا حدثنا أبو موسى إسحاق بن إبراهيم الهروي حدثنا القاسم بن يزيد الموصلي قال حدثني أبو إلياس قال حدثني محمد ابن علي بن الحسين قال قال رسول الله ﷺ حدثني أبو نعيم حدثنا محمد ابن علي بن حنيش حدثنا إبراهيم بن شريك حدثنا احمد بن يونس حدثنا المعافى بن عمران وكان من خيار الناس قال حدثني إدريس بن سنان عن وهب بن منبه عن محمد بن علي قال إدريس ثم لقيت محمد بن علي بن الحسين بن فاطمة فحدثني قال قال رسول الله أن في الجنة شجرة يقال لها طوبى لو سخر الجواد الراكب أن يسير في ظلها لسار فيها مائة عام ورقها برود خضر وزهرها رياض صفر وأقنابها سندس واستبرق وثمرها حلل وصمغها زنجبيل وعسل وبطحاؤها ياقوت احمر وزمرد أخضر وترابها مسك وحشيشها زعفران منيع وإلا لنجوج يؤججان من غير وقود ويتفجر من أصلها أنهار والسلسبيل والمعين والرحيق وظلها مجلس من مجالس أهل الجنة يألفونه ومتحدث يجمعهم فبينما هم يوما يتحدثون في ظلها إذ جاءتهم الملائكة يقودون نجبن جبلت من الياقوت ثم نفخ فيها الروح مزمومة بسلاسل من ذهب كأن وجوهها المصابيح نضارة وحسنا وبرها خز

стр. 267

أحمر ومرزعي أبيض مختلطان لم ينظر الناظرون إلى مثلها عليها رجائل ألواحها من الدر والياقوت مفصصة باللؤلؤ والمرجان وصفافها من الذهب الأحمر ملبسة بالعبقري والأرجوان فأناخوا إليهم تلك النجائب ثم قالوا لهم إن ربكم ﵎ يقرئكم السلام ويستزيركم لتنظروا إليه وينظر إليكم وتحيونه ويحييكم ويكلمكم وتكلمونه ويزيدكم من سعته وفضله أنه ذو رحمة واسعة وفضل عظيم فيتحول كل رجل منهم على راحلته ثم انطلقوا صفا واحدا معتدلا لا يفوق منه شيء شيئا ولا يقرب أذن الناقة أذن صاحبتها ولا تركب ناقة بركت صاحبتها ولا يمرون بشجر من أشجار الجنة إلا أتحفتهم بثمرها ورحلت لهم بمن طريقهم كراهية أن ينثلم صفهم أو يفرق بين الرجل ورفيقه فلما دفعوا إلى الجبار ﵎ أسفر لهم عن وجهه الكريم وتجلى لهم في عظمته العظيمة فقالوا ربنا أنت السلام ومنك السلام ولك حق الجلال والإكرام فقال لهم ربهم ﵎ إني السلام ومني السلام ولي حق الجلال والإكرام مرحبا بعبادي الذين حفظوا وصيتي وراعوا عهدي وخافوني بالغيب وكانوا مني على كل حال مشفقين قالوا وعزتك وجلالك وعلو مكانك ما قدرناك حق قدرك وما أدينا إليك كل حقك فائذن لنا بالسجود لك فقال لهم ربهم ﵎ إني قد وضعت عنكم مؤنة العباد وأرحت لكم أبدانكم فلطالما ما أتعبتم لي الأبدان وأعنيتم لي الوجوه فالآن أفضيتم إلى روحي ورحمتي وكرامتي فاسألوني ما شئتم وتمنوا علي أعطكم أمانيكم فإني لن أجزيكم اليوم بقدر أعمالكم ولكن بقدر رحمتي وكرامتي وطولي وجلالي وعلو مكاني وعظمة شأني فلا يزالون في الأماني والعطايا والمواهب حتى إن المقتصر من أمنيته ليتمنى مثل جميع الدنيا منذ خلقها الله إلى يوم أفناها فقال لهم ربهم لقد قصرتم في أمانيكم ورضيتم بدون ما يحق لكم فقد أوجبت لكم ما سألتم وتمنيتم وألحقت بكم

стр. 268

ذريتكم وزدتكم ما قصرت عنه أمانيكم ولا يصح رفعه إلى النبي ﷺ وحسبه أن يكون من كلام محمد بن علي فغلط فيه بعض هؤلاء الضعفاء فجعله من كلام النبي ﷺ ﵊ وإدريس بن سنان هذا هو سبط وهب بن منبه ضعفه ابن عدي وقال الدارقطني متروك وأما أبو إلياس المتابع له فلا يدري من هو وأما القاسم بن يزيد الموصلي الراوي عنه فمحمول أيضا ومثل هذا لا يصح رفعه والله أعلم وقال الضحاك في قوله يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا قال على النجائب عليها الرحال

стр. 269

الباب الثاني والستون: في ذكر السحاب والمطر الذي يصيبهم في الجنة قد تقدم في حديث سوق الجنة أنه يغشاهم يوم الزيارة سحابة من فوقهم فتمطر عليهم طيبا لم يجدوا مثل ريحه قط وقال بقية بن الوليد حدثنا بحير بن سعيد عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة قال إن من المزيد أن تمر السحابة بأهل الجنة فتقول ماذا تريدون أن أمطركم فلا يتمنون شيئا إلا أمطروا" وقال ابن أبي الدنيا حدثني أزهر بن مروان حدثنا عبد الله بن عبد الله الشيباني عن عبد الرحمن بن بديل عن أبيه عن صفي اليماني قال سأله عبد العزيز بن مروان عن وفد أهل الجنة أنهم يفدون إلى الله كل يوم خميس فتوضع لهم أَسِرة كل إنسان منهم أعرف بسريره منك بسريرك هذا الذي أنت عليه فإذا قعدوا عليه واخذ القوم مجالسهم قال تعالى: "اطعموا عبادي وخلقي وجيراني ووفدي فيطعموا ثم يقول: أسقوهم قال فيأتون آنية من ألوان شتى مختمة فيشربون منها ثم يقول عبادي وخلقي وجيراني ووفدي قد طعموا وشربوا فكهوهم فتجيء ثمرات شجر تدلى فيأكلون منها ما شاؤا ثم يقول عبادي وخلقي وجيراني ووفدى قد طعموا وشربوا وفكهوا اكسوهم فتجيء ثمرات شجر اصفر وأخضر وأحمر وكل لون لم تنبت إلا الحلل فتنشر عليهم حللا وقمصا ثم يقول عبادي وخلقي وجيرإني ووفدي قد طعموا وشربوا وفكهوا وكسوا طيبوهم فيتناثرون عليهم المسك مثل رذاذا المطر ثم يقول عبادي وجيراني وخلقي ووفدى قد طعموا وشربوا وفكهوا وكسوا

стр. 270

وطيبوا لا تجلين لهم حتى ينظروا إلي فإذا تجلى لهم فنظروا إليه نضرت وجوههم ثم يقال لهم ارجعوا إلى منازلكم فتقول لهم أزواجهم خرجتم من عندنا على صورة ورجعتم على غيرها فيقولون ذلك إن الله جل ثناؤه تجلى لنا فنظرنا إليه فنضرت وجوهنا" وقال عبد الله بن المبارك أنبانا إسماعيل بن عياش قال حدثني ثعلبة بن مسلم عن أيوب بن بشير العجلي عن شفي بن مانع أن رسول الله ﷺ قال: إن من نعيم أهل الجنة أنهم يتزاورون على المطايا والنجب وأنهم يؤتون في الجنة بخيل مسرجة ملجمة لا تروث ولا تبول يركبونها حتى ينتهوا حيث شاء الله فيأتيهم مثل السحابة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت فيقولون أمطري علينا فما يزال المطر عليهم حتى ينتهي ذلك فوق أمانيهم ثم يبعث الله ريحا غير مؤذية فتنسف كثبانا من مسك عن إيمانهم وعن شمائلهم فيأخذون ذلك المسك في نواصي خيولهم وفي مفارقها وفي رؤوسهم ولكل رجل منهم جمة على ما اشتهت نفسه فيتعلق ذلك المسك في تلك الجمام وفي الخيل وفيما سوى ذلك من الثياب ثم يقبلون حتى ينتهوا إلى ما شاء الله من فإذا المرأة تنادي بعض أولئك يا عبد الله أما لك فينا من حاجة فيقول ما أنت ومن أنت فتقول أنا زوجتك وحبك فيقول ما كنت علمت بمكانك فتقول المرأة أو ما تعلم أن الله وتعالى قال: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فيقول بلى وربي فلعله يشتغل عنها بعد ذلك الموقف أربعين خريفا ما يشغله عنها إلا ما هو فيه من النعيم"

стр. 271

فصل وقد جعل الله السحاب وما يمطره سببا للرحمة والحياة في هذه الدار ويجعله سببا لحياة الخلق في قبورهم حيث يمطر على الأرض أربعين صباحا مطرا متداركا من تحت العرش فينبتون تحت الأرض كنبات الزرع ويبعثون يوم القيامة والسماء تطش عليهم وكأنه والله أعلم اثر ذلك المطر العظيم كما يكون في الدنيا ويثير لهم سحابا في الجنة يمطرهم ما شاؤوا من طيب وغيره وكذلك أهل النار ينشئ لهم سحابا يمطر عليهم عذابا إلى عذابهم كما أنشأ لقوم هود وقوم شعيب سحابا أمطر عليهم عذابا أهلكهم فهو سبحانه ينشئه للرحمة والعذاب

стр. 272

الباب الثالث والستون: في ذكر ملك الجنة وان أهلها كلهم ملوك فيها قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيرا﴾ قال ابن أبي نجيح عن مجاهد ملكا كبيرا قال عظيما وقال استئذان الملائكة عليهم لا تدخل الملائكة عليهم إلا بإذن وقال كعب في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيرا﴾ يرسل إليهم ربهم الملائكة فتأتي الملائكة فتستأذن عليهم الملائكة وقال بعضهم الخدم ولا يدخل عليهم الملائكة إلا بإذن وقال الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس أنه ذكر مراكب أهل الجنة ثم تلا ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيرا﴾ وقال ابن أبي الحواري سمعت أبا سليمان يقول في قوله : ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيرا﴾ قال الملك الكبير: إن رسول الله يأتيه بالتحفة واللطف فلا يصل إليه حتى يستأذن له عليه فيقول للحاجب استأذن على ولي الله فإني لست أصل إليه فيعلم ذلك الحاجب حاجبا آخر وحاجبا بعد حاجب ومن داره إلى دار السلام باب يدخل منه على ربه إذا شاء بلا إذن فالملك الكبير أن رسول الله رسول رب العزة لا يدخل عليه إلا بإذن وهو يدخل على ربه بلا إذن وقال ابن أبي الدنيا حدثنا صالح بن مالك حدثنا صالح المري حدثنا يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك يرفعه إن أسفل أهل الجنة أجمعين درجة من يقوم على رأسه عشرة آلاف خادم حدثنا محمد بن عباد بن موسى أنبأنا زيد بن الحباب عن أبي هلال الراسبي أنبأنا الحجاج بن عتاب العبدي عن عبد الله بن معبد الزماني عن أبي هريرة قال إن أدنى أهل الجنة منزلة وليس فيهم دنيء من يغدو عليه

стр. 273

كل يوم ويروح خمسة عشر ألف خادم ليس منهم خادم إلا ومعه طرفة ليست مع صاحبه وحدثني محمد بن عباد حدثنا زيد بن الحباب عن أبي هلال حدثنا حميد بن هلال قال ما من رجل من أهل الجنة إلا وله ألف خازن ليس منهم خازن الأعلى عمل ليس عليه صاحبه وحدثني هارون بن سفيان أنبأنا محمد بن عمر أنبأنا الفضل بن فضالة عن زهرة بن معبد عن أبي عبد الرحمن الحبلى قال إن العبد أول ما يدخل الجنة يتلقاه سبعون ألف خادم كأنهم اللؤلؤ" حدثني هارون بن سفيان حدثنا محمد بن عمر أنبأنا محمد بن هلال عن أبيه عن أبي هريرة قال: إن أدنى أهل الجنة منزلة وما فيهم دنيء لمن يغدو عليه عشرة آلاف خادم مع كل خادم طرفة ليست مع صاحبه وقال عبد الله بن المبارك: حدثنا يحيى بن أيوب حدثني عبد الله بن رجز عن محمد بن أبي أيوب المخزومي عن أبي عبد الرحمن المغافري قال أنه ليصف للرجل من أهل الجنة سماطان لا يرى طرفاهما من غلمانه حتى إذا مر مشوا وراءه وقال أبو خيثمة حدثنا الحسن ابن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد قال قال رسول الله ﷺ : "إن أدنى أهل الجنة منزلة الذي له ثمانون ألف خادم واثنتان وسبعون زوجة وتنصب له قبة من لؤلؤ وياقوت وزبرجد كما بين الجابية وصنعاء وقال عبد الله بن المبارك أنبأنا بقية بن الوليد حدثني أرطاة بن المنذر قال: سمعت رجلا من مشيخة الجند يقال له أبو الحجاج قال جلست إلى أبي أمامة فقال: إن المؤمن يكون متكئا على أريكة إذا دخل الجنة وعنده سماطان من الخدم وعند طرف السماطين باب مبوب فيقبل الملك من ملائكة الله ليستأذن فيقوم أدنى الخدم إلى الباب فإذا هو بالملك يستأذن فيقول للذي يليه ملك يستأذن ويقول للذي يليه ملك يستأذنه حتى يبلغ المؤمن فيقول ائذنوا له فيقول أقربني إلى المؤمن ائذنوا له ويقول الذي يليه للذي يليه:

стр. 274

ائذنوا له كذلك حتى يبلغ أقصاهم الذي عند الباب فيفتح له فيدخل فيسلم ثم ينصرف وقال ابن أبي الدنيا حدثني محمد بن الحسن حدثنا قبيصة حدثنا سليمان العنبري عن الضحاك بن مزاحم قال بينا ولي الله في منزله إذ أتاه رسول من الله فقال للإذن استأذن لرسول الله على ولي الله فيدخل الإذن فيقول له يا ولي الله هذا رسول من الله يستأذن عليك قال ائذن له فيأذن له فيدخل على ولي الله فيضع ما بين يديه تحفة فيقول يا ولي الله إن ربك يقرا عليك السلام ويأمرك أن تأكل من هذه قال فيشبهه بطعام أكله أيضا فيقول إنما أكلت هذا الآن فيقول إن ربك يأمرك أن تأكل منها فيأكل منها فيجد منها طعم كل ثمرة في الجنة قال فذلك قوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً﴾ وفي صحيح مسلم من حديث المغيرة بن شعبة عن النبي ﷺ قال: "سأل موسى ﵇ ربه ما أدنى أهل الجنة منزلة قال هو رجل يجيء بعد ما ادخل أهل الجنة الجنة فيقال له ادخل الجنة فيقول أي رب كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا آخذاتهم فيقال له أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا فيقول رضيت ربي فيقول له لك ذلك ومثله ومثله ومثله فقال في الخامس رضيت ربي فيقول هذا لك وعشرة أمثاله ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك فيقول رضيت" ربي وذكر الحديث وقد تقدم ذكره بتمامه وقال الباز في مسنده حدثنا محمد بن المثنى حدثنا المغيرة بن سلمة حدثنا وهيب عن الحريري عن أبي بصرة عن أبي سعيد قال خلق الله الجنة لبنة من فضة ولبنة من ذهب وغرسها بيده وقال لها تكلمي فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ

стр. 275

الْمُؤْمِنُونَ﴾ فدخلتها الملائكة فقالت طوبى لك منزلة الملوك هكذا رواه وهيب عن الحريري موقوفا ورواه عدي بن الفضل عن الحريري فرفعه وقال البزار ولا نعلم أحدا رفعه إلا عدي ابن الفضل بهذا الإسناد وعدي بن الفضل ليس بالحافظ وهو شيخ بصري قلت عدي ابن الفضل هذا انفرد به ابن ماجة وقد ضعفه يحيى بن معين وأبو حاتم والحديث صحيح موقوف والله أعلم وقد تقدم ذكر التيجان على رؤوسهم وإنما يلبسها الملوك

стр. 276

الباب الرابع والستون: في أن الجنة فوق ما يخطر بالبال أو يدور في الخيال وان موضع سوط منها خير من الدنيا وما فيها قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وتأمل كيف قابل ما أخفوه من قيام الليل بالجزاء الذي أخفاه لهم مما لا تعلمه نفس وكيف قابل قلقهم وخوفهم واضطرابهم على مضاجعهم حين يقوموا إلى صلاة الليل بقرة الأعين في الجنة وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ قال الله "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" مصداق ذلك في كتاب الله: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وفي لفظ آخر فيهما يقول الله أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ذخرا بله ما أطلعتكم عليه ثم قرأ فلا تعلم نفس وفي صحيح مسلم من حديث سعد بن سهل الساعدي قال: شهدت مع

стр. 277

النبي ﷺ مجلسا وصف فيه الجنة حتى انتهى ثم قال آخر حديثه فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ثم قرأ هذه الآية تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفس ما اخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ لقاب قوس أحدكم في الجنة خير مما طلعت عليه الشمس أو تغرب وقد تقدم حديث أبي أمامة عن النبي ﷺ إلا مشمر في للجنة فان الجنة لا خطر لها هي ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز وقصر مشيد ونهر مطرد وثمرة نضيجة وزوجة حسناء جميلة وحلل كثيرة ومقام في ابد في دار سليمة وفاكهة وخضرة وحبرة ونعمة ومحلة عالية بهية ولو لم يكن من خطر الجنة وشرفها إلا أنه لا يسأل بوجه الله غيره شرفا وفضلا وكما في سنن أبي داود من محمد بن سليمان بن معاذ بن المنذر عن جابر ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "لا يسأل بوجه الله إلا الجنة" وفي معجم الطبراني من حديث بقية عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله: "لما خلق الله جنة عدن خلق فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ثم قال لها تكلمي فقالت: قد افلح المؤمنون وفي صحيح البخاري من حديث سهل ابن سعد قال سمعت رسول الله يقول موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها وقال الإمام احمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر حدثنا همام عن أبي هريرة رضي الله قال قال رسول الله ﷺ لقيد سوط أحدكم من الجنة خير مما بين السماء والأرض وهذا الإسناد على شرط الصحيحين

стр. 278

وقال الترمذي حدثنا سويد بن نصر حدثنا ابن المبارك أنبأنا ابن لهيعة عن يزيد ابن أبي حبيب عن داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال لو أن اقل ظفر مما في الجنة بدا لتزخرفت له ما بين خوافق السماوات والأرض ولو أن رجلا من أهل الجنة اطلع فبدا أساوره لطمس لطمس ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء الكواكب قال الترمذي هذا حديث حسن غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من حديث ابن لهيعة وقد روى يحيى بن أيوب هذا الحديث عن يزيد بن أبي حبيب وقال عن عمر بن سعد ابن أبي وقاص عن النبي ﷺ قلت وقد رواه ابن وهب أنبأنا عمرو يعني ابن الحارث أن سليمان بن حميد حدثه أن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال سليمان لا أعلم إلا أنه حدثني عن أبيه عن رسول الله عن رسول الله أنه قال لو أن ظفر من الجنة برز للدنيا لتزخرفت له ما بين السماء والأرض وفي الباب عن أنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد الله ابن عمرو بن العاص وكيف يقدر قدر دار غرسها الله بيده وجعلها مقرا لأحبابه وملاها من رحمته وكراماته ورضوانه ووصف نعيمها بالفوز العظيم وملكها بالملك الكبير وأودعها جميع الخير بحذافيره وطهرها من كل عيب وآفة ونقص فإن سألت عن أرضها وتربتها فهي المسك والزعفران وان سلالت عن سقفها فهو عرش الرحمن وان سألت عن بلاطها فهو المسك الاذفر وان سألت عن حصبائها فهو اللؤلؤ والجوهر وان سألت عن بنائها فلبنة من فضة ولبنة من ذهب وان سألت عن أشجارها فما فيها شجرة إلا وساقها من ذهب وفضة لا من الحطب والخشب وان سألت عن ثمرها فأمثال القلال ألين من الزبد وأحلى من العسل وان سألت عن ورقها فأحسن ما يكون من رقائق الحلل وان سألت عن أنهارها فأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى وان سألت عن طعامهم ففاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون وان

стр. 279

سألت عن شرابهم فالتسنيم والزنجبيل والكافور وان سألت عن آنيتهم فانية الذهب والفضة في صفاء القوارير وإن سألت عن سعة أبوابها فبين المصراعين مسيرة أربعين من الأعوام وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام وان سألت عن تصفيق الرياح لأشجارها فإنها تستفز بالطرب لمن يسمعها وان سألت عن ظلها ففيها شجرة واحدة يسير الراكب المجد السريع في ظلها مائة عام لا يقطعها وان سألت عن سعتها فأدنى أهلها يسير في ملكه وسرره وقصوره وبساتينه مسيرة الفي عام وان سألت عن خيامها وقبابها ٢فالخيمة الواحدة من درة مجوفة طولها ستون ميلا من تلك الخيام وان سألت عن علاليها وجواسقها فهي غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار وان سألت عن ارتفاعها فانظر إلى الكوكب الطالع أو الغارب في الأفق الذي لا تكاد تناله الأبصار وان سألت عن لباس أهلها فهو الحرير والذهب وان سألت عن فرشها فبطائنها من استبرق مفروشة في أعلى الرتب وان سألت عن أرائكها فهي الأسرة عليها البشخانات وهي الحجال مزررة بأزرار الذهب فما لها من فروج ولا خلال وان سألت عن وجوه أهلها وحسنهم فعلى صورة القمر وان سألت عن أسنانهم فأبناء ثلاث وثلاثين على صورة آدم ﵇ أبي البشر وسألت عن سماعهم فغناء أزواجهم من الحور العين وأعلى منه سماع أصوات الملائكة والنبيين وأعلى منهما خطاب رب العالمين وان سألت عن مطاياهم التي يتزاورون عليها فنجائب إن شاء الله مما شاء يسير بهم حيث شاؤوا من الجنان وان سألت عن حليهم وشارتهم فأساور الذهب واللؤلؤ على الرؤوس ملابس التيجان وان سألت عن غلمانهم فولدان مخلدون كأنهم لؤلؤ مكنون وان سألت عن عرائسهم وأزواجهم فهن الكواعب الأتراب اللاتي جرى

стр. 280

في أعضائهن ماء الشباب فللورد والتفاح ما لبسته الخدود وللرمان ما تضمنته النهود واللؤلؤ المنظوم ما حوته الثغور وللرقة واللطافة ما دارت عليه الخصور تجري الشمس من محاسن وجهها إذا برزت ويضيء البرق من بين ثناياها إذا ابتسمت إذا قابلت حبها فقل ما تشاء في تقابل النيرين وإذا حادثته فما ظنك بمحادثة الحبين وان ضمها إليه فما ظنك بتعانق الغصنين يرى وجهه في صحن خدها كما يرى في المرآة التي جلاها صيقلها ويرى مخ ساقها من وراء اللحم ولا يستره جلدها ولا عظمها ولا حللها لو اطلعت على الدنيا لملأت ما بين الأرض والسماء ريحا ولاستنطقت أفواه الخلائق تهليلا وتكبيرا وتسبيحا ولتزخرف لها ما بين الخافقين ولا غمضت عن غيرها كل عين ولطمست ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم ولامن من على ظهرها بالله الحي القيوم ونصيفها على رأسها خير من الدينا وما فيها ووصالها أشهى إليه من جميع أمانيها لا تزداد على طول الأحقاب إلا حسنا وجمالا ولا يزداد لها طول المدى إلا محبة ووصالا مبرأة من الحبل والولادة والحيض والنفاس مطهرة من المخاط والبصاق والبول والغائط وسائر الأدناس لا يفنى شبابها ولا تبلى ثيابها ولا يخلق ثوب جمالها ولا يمل طيب وصالها قد قصرت طرفها على زوجها فلا تطمح لأحد سواه وقصر طرفه عليها فهي غاية أمنيته وهواه إن نظر إليها سرته وان أمرها بطاعته أطاعته وان غاب عنها حفظته فهو معها في غاية الأماني والأمان هذا ولم يطمثها قبله أنس ولا جان كلما نظر إليها ملأت قلبه سرورا وكلما حدثته ملأت أذنه لؤلؤا منظورما ومنثورا وإذا برزت ملأت القصر والغرفة نورا وان سألت عن السن فأتراب في اعدل سن الشباب وان سألت عن الحسن فهل رأيت الشمس والقمر وان سألت عن الحدق فأحسن سواد في أصفى بياض في أحسن حور وان سألت عن القدود فهل رأيت أحسن الأغصان وإن سألت عن النهود فهن الكواعب نهودهن كالطف الرمان وإن سألت عن اللون فكأنه الياقوت والمرجان وإن سألت عن حسن الخلق فهن الخيرات الحسان اللاتي جمع لهن بين الحسن والإحسان فأعطين جمال الباطن والظاهر فهن أفراح النفوس قرة النواظر

стр. 281

وان سألت عن حسن العشرة ولذة ما هنالك فهن العرب المتحببات إلى الأزواج بلطافة التبعل التي تمتزج بالروح أي امتزاج فما ظنك بامرأة إذا ضحكت في وجه زوجها أضاءت الجنة من ضحكها وإذا انتقلت من قصر إلى قصر قلت هذه الشمس متنقلة في بروج فلكها وإذا حاضرت زوجها فيا حسن تلك المحاضرة وان خاصرته فيا لذة تلك المعانقة والمخاصرة: وحديثها السحر الحلال لو أنه ... لم يجن قتل المسلم المتحرز إن طال لم يملل وان هي حدثت ... ود المحدث أنها لم توجز وإن غنت فيا لذة الأبصار والأسماع وان أنست وأمتعت فيا حبذا تلك المؤانسة والإمتاع وان قبلت فلا شيء أشهى إليه من ذلك التقبيل وان نولت فلا ألذ ولا أطيب من ذلك التنويل هذا وان سألت عن يوم المزيد وزيادة العزيز الحميد ورؤية وجهه المنزه عن التمثيل والتشبيه كما ترى الشمس في الظهيرة والقمر ليلة البدر كما تواتر عن الصادق المصدوق النقل فيه وذلك موجود في الصحاح والسنن والمسانيد من رواية جرير وصهيب وانس وأبي هريرة وأبي موسى وأبي سعيد فاستمع يوم ينادي المنادي يا أهل الجنة أن ربكم ﵎ يستزيركم فحي على زيارته فيقولون سمعا وطاعة وينهضون إلى الزيارة مبادرين فإذا بالنجائب قد أعدت لهم فيستوون على ظهورها مسرعين حتى إذا انتهوا إلى الوادي الأفيح الذي جعل لهم موعدا وجمعوا هناك فلم يغادر الداعي منهم أحدا أمر الرب ﵎ بكرسيه فنصب هناك ثم نصبت لهم منابر من نور ومنابر من لؤلؤ ومنابر من زبرجد ومنابر من ذهب ومنابر من فضة وجلس أدناهم وحاشاهم إن يكون فيهم دنيء على كثبان المسك وما يرون أن أصحاب الكراسي فوقهم في العطايا حتى إذا استقرت بهم مجالسهم واطمأنت بهم أماكنهم نادى المنادي يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون ما هو ألم يبيض وجوهنا

стр. 282

ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ويزحزحنا عن النار فبينما هم كذلك إذ سطع لهم نور أشرقت له الجنة فرفعوا رؤوسهم فإذا الجبار ﷻ وتقدست أسماؤه قد أشرف عليهم من فوقهم وقال يا أهل الجنة سلام عليكم فلا ترد هذه التحية بأحسن من قولهم اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام فيتجلى لهم الرب ﵎ يضحك إليهم ويقول يا أهل الجنة فيكون أول ما يسمعونه منه تعالى أين عبادي الذين أطاعوني بالغيب ولم يروني فهذا يوم المزيد فيجتمعون على كلمة واحدة أن قد رضينا فأرض عنا فيقول يا أهل الجنة إني لو لم أرض عنكم لم أسكنكم جنتي هذا يوم المزيد فاسألوني فيجتمعون على كلمة واحدة أرنا وجهك ننظر إليه فيكشف لهم الرب ﷻ الحجب ويتجلى لهم فيغشاهم من نوره ما لولا أن الله تعالى قضى أن لا يحترقوا لاحترقوا ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره ربه تعالى محاضرة حتى أنه ليقول يا فلان أتذكر يوم فعلت كذا وكذا يذكره ببعض غدراته في الدنيا فيقول يا رب ألم تغفر لي فيقول بلى بمغفرتي بلغت منزلتك هذه فيا لذة الأسماع بتلك المحاضرة ويا قرة عيون الأبرار بالنظر إلى وجه الكريم في الدار الآخرة ويا ذلة الراجعين بالصفقة الخاسرة ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ فحي على جنات عدن فإنها ... منازلك الأولى وفيها المخيم ولكننا سبي العدو فهل ترى ... نعود إلى أوطاننا ونسلم

стр. 283

الباب الخامس والستون: في رؤيتهم ربهم ﵎ بأبصارهم جهرة كما يرى القمر ليلة البدر وتجليه لهم ضاحكا إليهم هذا الباب اشرف أبواب الكتاب واجلها قدرا وأعلاها خطرا واقرها عينا أهل السنة والجماعة وأشدها على أهل البدعة والضلالة وهي الغاية التي شمر إليها المشمرون وتنافس فيها المتنافسون وتسابق إليها المتسابقون ولمثلها فليعمل العاملون إذا ناله أهل الجنة نسوا ما هم فيه من النعيم وحرمانه والحجاب عنه لأهل الجحيم اشد عليهم من عذاب الجحيم اتفق عليها الأنبياء والمرسلون وجميع الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام على تتابع القرون وأنكرها أهل البدع المارقون والجهمية المتهوكون والفرعونية المعطلون والباطنية الذين هم من جميع الأديان منسلخون والرافضة الذين هم بحبائل الشيطان متمسكون ومن حبل الله منقطعون وعلى مسبة أصحاب رسول الله عاكفون وللسنة وأهلها محاربون ولكل عدو لله ورسوله ودينه مسالمون وكل هؤلاء عن ربهم محجوبون وعن بابه مطرودون أولئك أحزاب الضلال وشيعة اللعين وأعداء الرسول وحزبه وقد اخبر الله عن أعلم الخلق به في زمانه وهو كليمه ونجيه وصفيه من أهل الأرض أنه سال ربه تعالى النظر إليه فقال له ربه ﵎: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً﴾ وبيان الدلالة من هذه الآية من وجوه عديدة أحدها أنه لا يظن بكليم الرحمن ورسوله الكريم عليه أن يسأل ربه ما لا

стр. 284

يجوز عليه بل ما هو من أبطل الباطل وأعظم المحال وهو عند فروخ اليونان والصابئة والفرعونية بمنزلة أن يسأله أن يأكل ويشرب وينام ونحو ذلك مما يتعالى الله عنه فيا لله العجب كيف صار أتباع الصابئة والمجوس والمشركين عباد الأصنام وفروخ الجهمية والفرعونية أعلم بالله تعالى من موسى بن عمران وبما يستحيل عليه ويجب له واشد تنزيها له منه الوجه الثاني إن الله لم ينكر عليه سؤاله ولو كان محالا لأنكره عليه ولهذا لما سال إبراهيم الخليل ربه ﵎ أن يريه كيف يحيي الموتى لم ينكر عليه ولما سأل عيسى بن مريم ربه إنزال المائدة من السماء لم ينكر عليه سؤاله ولما سأل نوح ربه نجاة ابنه أنكر عليه سؤاله وقال: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني اكن من الخاسرين الوجه الثالث أنه أجابه بقوله لن ترني ولم يقل لا تراني ولا إني لست بمرئي ولا تجوز رؤيتي والفرق بين الجوابين ظاهر لمن تأمله وهذا يدل على أنه يرى ولكن موسى لا تحتمل قواه رؤيته في هذه الدار لضعف قوة البشر فيها عن رؤيته تعالى يوضحه الوجه الرابع وهو قوله ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فأعلمه ان الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت لتجليه له في هذه الدار فكيف بالبشر الضعيف الذي خلق من ضعف الوجه الخامس إن الله قادر على أن يجعل الجبل مستقرا مكانه وليس هذا بممتنع في مقدوره بل هو ممكن وقد علق به الرؤية ولو كانت مجالا في ذاتها لم يعلقها بالممكن في ذاته ولو كانت الرؤيا محالا لكان ذلك نظير أن يقول: إن

стр. 285

استقر الجبل فسوف آكل واشرب وأنام فالأمران عندكم سواء الوجه السادس قوله ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً﴾ وهذا من أبين الأدلة على جواز رؤيته ﵎ فإنه إذا جاز أن يتجلى للجبل الذي هو جماد لا ثواب له ولا عقاب عليه فكيف يمتنع أن يتجلى لأنبيائه ورسله وأوليائه في دار كرامتهم ويريهم نفسه فأعلم موسى إن الجبل إذا لم يثبت لرؤيته في هذه الدار فالبشر اضعف الوجه السابع أن ربه قد كلمه منه إليه وخاطبه وناجاه وناداه ومن جاز عليه التكلم والتكليم وان يسمع مخاطبه كلامه معه بغير واسطة فرؤيته أولى بالجواز ولهذا لا يتم إنكار الرؤية إلا بإنكار التكليم وقد جمعت هذه الطوائف بين إنكار الأمرين فأنكروا أن يكلم أحدا أو يراه أحد ولهذا سأله موسى ﵇ النظر إليه واسمعه كلامه وعلم نبي الله جواز رؤيته من وقوع خطا به وتكليمه لم يخبره باستحالة ذلك عليه ولكن أراه أن ما سأله لا يقدر على احتماله كما لم يثبت الجبل لتجليه وأما قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ فإنما يدل على النفي في المستقبل ولا يدل على دوام النفي ولو قيدت بالتأبيد فكيف إذا أطلقت قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً﴾ مع قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾
следующие страницы →