Полный текст (168 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
مقدمة المصحح:
لفضيلة الشيخ عبد الله بن جبرين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، أحمده سبحانه وأثني عليه، وأقر وأعترف أن الله هو ربي ومعبودي وأنه الإله الحق، وكل مألوه سواه باطل وضلال، وأدين له بالإذعان، وأستسلم لما أمر ودبر، وأشهد أن عبده محمداً
مرسل من ربه ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ﷺ ، وعلى آله وصحابته، ومن سار على نهجه.
وبعد:
فإن ربنا بحكمته أوجد في هذا الكون جنس الإنسان، وميَّزه بالعقل والإدراك، وأسبغ عليه نعمه
стр. 2
ظاهرةً وباطنةً، وكلفه لذلك أن يعرف ربه ومليكه معتبرا ًبما بين يديه وما خلفه من براهين ودلالات. ثم يعتقد أنه مدين له بحقوق يلزم القيام بها، ليظهر بذلك عبوديته وإذعانه لمليكه. ثم يعرف أن بيان تلك الحقوق إنما يتلقى عن الرسل الذين تتوقف نجاة العباد على اتباعهم، فيشهد أنهم بلغوا ما أُنْزِل إليهم، وأن خاتمهم وأفضلهم نبي هذه الأمة محمد ﷺ . وتعتبر هذه الأمور أساساً وقواعد لما يلزم العباد في هذه الدار، ولأهميتها وعظم شأنها يقع السؤال عنها في البرزخ، فما كان سائرا ًعلى ضوئها في هذه الحياة ألهم في قبره جواباً سديداً، ﴿وَمَن كَانَ في هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ في الأَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٢]
стр. 3
ولما كانت هذه الأمة أفضل الأمم وأزكاها عند مليكها، كان إيضاح هذا الأصول في شريعتها أتم وأوفى. ولقد اعتنى علماء هذه الشريعة بهذه القواعد الأساسية، فذكروها ضمن عقائدهم مجملة أو مفصلة. ولم يسبق أحد إلى الكتابة فيها على حدة قبل الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب -مجدد القرن الثاني عشر- أجزل الله له الأجر والثواب، وأدخله الجنة بغير حساب، فقد ظهر في زمن
تفشت فيه العامية، وظهر فيه الشرك والابتداع في الدين، فألهمه الله أن كتب رسالة موجزة عرفت ? (ثلاثة الأصول) . فكانت موضع العناية ومحمل الاهتمام، بحيث كان الموحدون يجتهدون في حفظها،
стр. 4
ويلقنونها لأطفالهم وعوامهم، فحفظ الله هذه الفرقة الناجية بسببها من الشُّبَهِ والفتن التي تصرف الفِطَر المستقيمة عن الطريق السوي. وقد شرحها الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم ﵀ وأكرم مثواه بحاشية نفيسة، أوضح فيها مقاصد المؤلف ودلالة النصوص. وقد طبعت (ثلاثة الأصول) عشرات المرات وعم النفع بها، والحمد لله. أما حاشيتها فطبعت في عهد مؤلفها ﵀ ثلاث طبعات. وقد بذلت ما استطعته من الجهد في تصحيحها للطبع بحسب الإمكان، والله الموفق والمعين، وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم.
عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله الجبرين
стр. 5
قال المصنف قدس الله روحه: قررت ثلاثة الأصول توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، والولاء والبراء، وهذا هو حقيقة دين الإسلام. ولكن قف عند هذه الألفاظ واطلب ما تضمنت من العلم والعمل. ولا يمكن العلم إلا أنك تقف عند كل مسمى منها. ا?.
ومن عجز لجهله أو عجمته عن معرفة ذلك فلا بد أن يعتقد بقلبه، ويقول بلسانه حسب طاقته، بعد أن يفسر له (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وأن ما جاء به حق، وكل دين سواه
باطل.
стр. 6
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الشارح
الحمد لله الذي شهدت بربوبيته وألهيته الكائنات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كلمة قامت بها الأرض
والسموات، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، المؤيد بالآيات والمعجزات. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيرا. ً أما بعد:
فإن ثلاثة الأصول لشيخ الإسلام والمسلمين مجدد الدعوة والدين، محمد بن عبد الوهاب -أجزل الله له الثواب- قد جد الناس في
стр. 7
حفظها لعظم نفعها، وتشوقت النفوس لبيان معانيها لرصانة مبانيها، فوضعت عليها حاشيةً موضحةً لمعناها، مشجعةً لمن اقتناها. والله هو المسؤول أن ينفع بها، كما نفع بأصلها، إنه على كل شيء قدير.
стр. 8
القواعد التي يجب على كل مسلم معرفتها
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ١
اعْلمْ رَحِمَكَ اللهُ٢ أنه يجب علينا تعلم أربع
الحواشي
(١) ١ ابتدأ المصنف ﵀ كتابه بالبسملة اقتداءً بالكتاب العزيز، وتأسياً بالنبي ﷺ في مكتباته ومراسلاته، وعملاً بحديث: "كل أمر ذي بال" أي: حال وشأن يهتم به شرعاً "لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع"، وفي رواية "أجذم" وفي رواية "أبتر" والمعنى من جميع الروايات: أنه ناقص البركة، والبداءة بها للتبرك والاستعانة على ما يهتم به. واقتصر على البسملة؛ لأنها من أبلغ الثناء والذكر وللخبر.
٢ اعلم: فعل أمر من العلم، وهو حكم الذهن الجزم المطابق للواقع، أي: كن متهيئاً ومتفهماً لما يلقى إليك من المعلوم. وكلمة (اعلم) يؤتى بها عند ذكر الأشياء المهمة الذي ينبغي للمتعلم أن يصغي إلى ما يلقى إليه منها، وما أقره المصنف هنا من أصول الدين حقيق بأنстр. 9
مسائل١:
الأولى: العلم٢، وهو معرفة
الحواشي
(١) يهتم به غاية الاهتمام، ويعتني به أشد الاعتناء، ويصغى إليه حقيقة الإصغاء. و (رحمك الله) : دعاء لك بالرحمة، أي: غفر الله لك ما مضى ووفقك وعصمك فيما يستقبل، وإذا قرنت الرحمة بالمغفرة فالمغفرة لما مضى، والرحمة: سؤال السلامة من ضرر الذنوب وشرها في المستقبل، وكثيراً ما يجمع ﵀ -عندما يرشد الطالب بتقرير الأصول المهمة- بينها وبين الدعاء له، وهذا من حسن عنايته ونصحه وقصده الخير للمسلمين.
١ أي: يلزم كل فرد من أفراد المكلفين -ذكراً كان أو أنثى، حراً أو عبداً- تعلم أربع مسائل: جمع مسألة، من السؤال: وهو ما يبرهن عنه في العلم. والواجب: ما لا يعذر أحد بتركه، وعند الأصوليين: ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه. فيجب على كل فرد منا العلم بهذه الأربع المسائل.
٢ وهو معرفة الهدى بدليله. والعلم إذا أطلق فالمراد بهстр. 10
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) العلم الشرعي الذي تفيد معرفته ما يجب على المكلف من أمر دينه. والعلم الشرعي على قسمين: فرض عين، وفرض كفاية. وما ذكر ﵀ فهو فرض عين على الذكر والأنثى، والحر والعبد، لا يعذر أحد بالجهل به، وفي الحديث عن أنس ﵁: "طلب العلم فريضة"، وقال أحمد: يجب أن يطلب من العلم ما يقوم به دينه. قيل له: مثل أي شيء؟ قال: الذي لا يسعه جهله صلاته وصيامه ونحو ذلك، وقال المصنف ﵀: إن طلب العلم فريضة، وإنه شفاء للقلوب المريضة. وإن أهم ما على العبد معرفة دينه، الذي معرفته والعمل به سبب لدخول الجنة، والجهل به وإضاعته سبب لدخول النار، أعاذنا الله منها. ا ?.
فما كان واجباً على الإنسان العمل به كأصول الإيمان، وشرائع الإسلام، وما يجب اجتنابه من المحرمات، وما يحتاج إليه في المعاملات، ونحو ذلك مما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب عليه العلم به، بخلاف القدر الزائد على ما يحتاج إليه المعين فإنه منстр. 11
الله١، ومعرفة نبيه٢، ومعرفة دين الإسلام
الحواشي
(١) فروض الكفايات الذي إذا قام بها من يكفي سقط الإثم عن الباقين، ثم إن طلب العلم فيما هو فرض كفاية أفضل من قيام الليل وصيام النهار والصدقة بالذهب والفضة. قال أحمد: تعلم العلم وتعليمه أفضل من الجهاد وغيره مما يتطوع به. ا ?.
فإن العلم هو الأصل والأساس، وأعظم العبادات، وآكد فروض الكفايات، بل به حياة الإسلام والمسلمين، والتطوعات إنما هي شيء مختص بصاحبه لا يتعدى إلى غيره، وهو الميراث النبوي ونور القلوب، وأهله هم أهل الله وحزبه، وأولى الناس به وأقربهم إليه، وأخشاهم له وأرفعهم درجات.
١ أي: بما تعرف به إلينا في كتابه وسنة رسوله ﷺ من أسمائه وصفاته وأفعاله، ولا يكون الإنسان على حقيقة من دينه إلا بعد العلم بالله .
٢ ﷺ فهو الواسطة بيننا وبين الله في تبليغ رسالة الله، ومعرفته فرض على كل مكلف، وأحد مهمات الدين. والنبي: رجل أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، فإنстр. 12
بالأدلة١.
الثانية: العمل به٢.
الحواشي
(١) أمر به فرسول.
١ أي: معرفة دين الإسلام الذي تعبد اللهَ الخلقَ به بالأدلة من الكتاب والسنة. والأدلة: جمع دليل، والدليل: هو ما يوصل إلى المطلوب، وفيه إشارة إلى أنه لا يصلح فيه التقليد، بل إذا لقي الله فإذا معه حجج الله وبراهينه، وهذا المقدار من العلم يجب تعلمه، بل يعمل المرء بشيء وهو لا يعرفه؟! وجهل الإنسان حقيقة ما أمر الله به من أعظم الإثم، والعمل بغير علم طريق النصارى، والعلم بلا عمل طريق اليهود، وقد أمرنا الله أن نسأله في كل ركعة أن يهدينا الصراط المستقيم، وهو طريق الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
٢ فالعمل: هو ثمرة العلم، والعلم مقصود لغيره، فهو بمنزلة الشجرة والعمل بمنزلة الثمرة، فلا بد مع العلم بدين الإسلام العمل به، فإن الذي معه علم ولاстр. 13
الثالثة: الدعوة إليه١.
الرابعة: الصبر على الأذى فيه٢، والدليل
الحواشي
(١) يعمل به شر من الجاهل، وفي الحديث: "أشد الناس عذاباً عالم لم ينفعه الله بعلمه"، وهو أحد الثلاثة الذين أخبر النبي ﷺ أنهم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة. وقد قيل:
وعامل بعلمه لم يعملن ... معذب من قبل عباد الوثن.
١ فإذا حصل له بتوفيق الله العلم بدين الإسلام والعمل به فيجب عليه السعي في الدعوة إليه، كما هي طريقة الرسل وأتباعهم. وأعلى مراتب العلم الدعوة إلى الحق وسبيل الرشاد، ونفي الشرك والفساد، فإنه ما من نبي يبعث إلى قومه إلا ويدعوهم إلى طاعة الله وإفراده بالعبادة، وينهاهم عن الشرك ووسائله وذرائعه، ويبدأ بالأهم فالأهم بعد ذلك من شرائع الإسلام.
٢ لأن من قام بدين الإسلام ودعا الناس إليه فقد تحمل أمراً عظيماً، وقام مقام الرسل في الدعوة، وقصد أن يحول بين الناس وبين شهواتهم وأهوائهم واعتقاداتهمстр. 14
قَوْلُهُ تَعَالَى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالْعَصْرِ١ (١) إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ٢ (١) إِلّا الَّذِينَ آمَنُوا٣ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ٤ وَتَوَاصَوْا الحواشي
(١) الباطلة، فحينئذ لابد أن يؤذوه، فعليه أن يصبر ويحتسب. وهذه الأربع أوجب الواجبات.
١ أقسم تعالى بالعصر، وهو الدهر الذي هو زمن تحصيل الأرباح والعمال الصالحة للمؤمنين، وزمن الشقاء للمعرضين، ولما فيه من العبر والعجائب للناظرين.
٢ أي: جنس الإنسان من حيث هو إنسان في خسار في مسعاه ولابد، إلا من استثنى الله في هذه السورة، وهو من قام بهذه الخصال: الإيمان بالله، والعمل الصالح في نفسه، وأمر غيره به، والصبر على ما ناله فيه.
٣ استثنى الذين آمنو فإنهم ليسو في خسر، ففيه ما يوجب الجد والاجتهاد في معرفة الإيمان والتزامه، وفيه العلم، فإنه لا يمكن العمل بدون علم، وفيه حياة الإنسان.
٤ أي: ليسو في خسر، بل فازوا وربحوا، لأنهم اشترواстр. 15
بِالْحَقِّ١ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ٢﴾
الحواشي
(١) الآخرة الباقية بالدنيا الفانية، وفيه الحض على العلم، فإن العامل بغير علم ليس من عمله على طائل، وفيه العمل وهو ثمرة العلم.
١ أوصى بعضهم بعضاً بالإيمان بالله وتوحيده، وبالكتاب والسنة والعمل بما فيهما، ومنه الدعوة إليه.
٢ أي: على أداء الفرائض، وإقامة أمر الله وحدوده، ويدخل فيه الحق الواجب والمستحب، وفيه الصبر على الأذى فيه، فإن من قام بالدعوة إلى الله فلا بد أن يحصل له من الأذى بحسب ما قام به. وفي هذه السورة الكريمة التنبيه على أن جنس الإنسان كله في خسار إلا من استثنى الله، وهو من كمل قوته العلمية بالإيمان بالله، وقوته العملية بالطاعات، فهذا كماله في نفسه ثم كمل غيره بوصيته له بذلك وأمره به، وبملاك ذلك وهو الصبر، وهذا غاية الكمال. ومعنى ذلك في القرآن كثير، وقال ابن القيم: جهاد النفس أربع مراتب: أحدها أن يجاهدها على تعلم الهدى ودين الحق الذي لا فلاح لها ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به، ومتىстр. 16
قال الشافعي رحمه الله تعالى١: لوما أَنْزَلَ اللهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ إِلا هَذِهِ السورة لكفتهم٢
الحواشي
(١) فاتها علمه شقيت في الدارين. الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجرد العلم بدون عمل إن لم يضرها لم ينفعها. الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه، وتعليمه من لا يعلمه، وإلا كان من الذين يكتمون ما انزل الله من الهدى والبيّنات، ولا ينفعه علمه، ولا ينجيه من عذاب الله. الرابعة: أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله وأذى الخلق، ويتحمل ذلك كله لله.
فإذا استكمل هذه المراتب الأربع صار من الربانين، فإن السلف مجمعون على أن العالم لا يستحق أن يسمى ربانياً حتى يعرف الحق ويعمل به، ويعلمه، فمن علم وعمل وعلّم فذلك يدعى عظيماً في ملكوت السماء.
١ هو محمد بن إدريس القرشي، الإمام الشهير، المتوفى سنة أربع ومائتين، رحمه الله تعالى.
٢ لعظم شأنها مع غاية اختصارها، لو فكر الناس فيهاстр. 17
وقال البُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى١: بَابُ العِلْمُ قَبْلَ القول والعمل٢، والدليل قوله تعالى:
الحواشي
(١) ١لكفتهم، لجمعها للخير بحذافيره، فإنها دلت على العلم والعمل، ة الدعوة إلى الحق، والصبر على الأذى فيه، فتضمنت جميع مراتب الكمال الإنساني، فهي حقيقة بأن يقال فيها ما قاله هذا الإمام الجليل، وقال شيخ الإسلام: هو كما قال، فإن الله أخبر أن جميع الناس خاسرون إلا من كان في نفسه مؤمناً صالحا، ومع غيره موصياً بالحق موصياً بالصبر.
١ هو محمد بن إسماعيل، جبل الحفظ، صاحب الصحيح الذي هو أصح الكتب بعد كتاب الله، المتوفى سنة مائتين وست وخمسين ﵀.
٢ ترجم ﵀ بالبدائة بالعلم، لأن تعلم العلم الفرض مقدم على القول والعمل، وذلك أن قول المرء وعمله لا يصلح إلا إذا صدر عن علم، وفي الحديث: "من عمل عملاً ليس عليه امرنا فهو رد"، وقد قيل:стр. 18
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ ١ [محمد: ١٩] .
فَبَدَأَ بِالْعِلْمِ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ٢.
الحواشي
(١) وكل من بغير علم ... أعماله مردودة لا تقبل
وهل تمكن عبادة الله التي هي حقه على خلقه وخلقهم لها إلا بالعلم؟!
١ استدل المصنف ﵀ بهذه الآية الكريمة على وجوب البدائة بالعلم قبل القول والعمل، كما استدل بها البخاري ﵀ على صحة ما ترجم به، وذلك أن الله تعالى أمر نبيه ﷺ بأمرين: بالعلم ثم بالعمل، والمبدوء به العلم في قوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ، ثم أعقبه بالعمل في قوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ فدل على أن مرتبة العلم مقدمة على مرتبة العمل، وان العلم شرط في صحة القول والعمل، فلا يعتبر إلا به، فهو مقدم عليهما، لأنه مصحح النية المصححة للعمل.
٢ حيث قال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ، ثم قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ ، ولا يبدأ إلا بالأهم فالأهم،стр. 19
اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّه يَجِبُ عَلَى كُلِّ مسلم ومسلمة١ تعلم ثلاث هذه المسائل والْعَمَلُ بِهِنَّ٢: الأُولَى: أَنَّ اللهَ خَلَقَنَا وَرَزَقَنَا٣، ولم يتركنا هملاً٤، بل أرسل إلينا
الحواشي
(١) وقال ﷺ : " ابدأوا بما بدأ الله به".
١ مكلف من ذكر وأنثى، حر وعبد، وجوباً عيناً، يعاقب المرء على تركه.
٢ أي: معرفتها، واعتقاد معانيهن، والعمل بمدلولهن، فإن العمل هو ثمرة العلم.
٣ أي: أوجدنا بعد أن لم نكن شيئاً لعبادته، ورزقنا النعم لنستعين بها على ما خلقنا له.
٤ أي: مهملين معطلين سدى، شبه البهائم لا نؤمر ولا ننهى، قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ [القيامة: ٣٦]
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥، ١١٦] ، وفي الحديث القدسي: " خلقتك لأجلي فلا تلعب، وخلقتстр. 20
رَسُولاً١، فَمَنْ أَطَاعَهُ دَخَلَ الجَنَّةَ٢، وَمَنْ عَصَاهُ دخل النار٣، والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا
الحواشي
(١) كل شيء لأجلك فلا تتعب"، بل خلقنا لنعبده وحده لا شريك له.
١ هو محمد ﷺ ، أرسله بالهدى ودين الحق، وهذا أصل عظيم من أصول الدين يجب علينا معرفته، واعتقاده، والعمل بمقتضاه.
٢ لأن طاعته طاعة لله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء: ١٣] ، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢] .
٣ أعاذنا الله منها ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٤] وقد أمرنا الله بطاعته ونهانا عن معصيته في غير موضع من كتابه.стр. 21
أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ١ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً٢ (٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ٣ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ ٤ [المزمل/ ١٥، ١٤] .
الحواشي
(١) ١ معشر الثقلين بأعمالكم يوم القيامة، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ عدلاً خياراً ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) [البقرة: ١٤٣]
٢ هو موسى كليم الرحمن ﵇ كما أخبر الله به في غير موضع من كتابه.
٣ أي: عصى فرعون رسول الله موسى ﵇. وأبا إلا التمادي في الكفر والطغيان.
٤ شديداً مهلكاً، وذلك بإغراقه وقومه في البحر فلم يفلت منهم أحد، ثم بعد ذلك في عذاب البرزخ إلى يوم القيامة ثم على عذاب النار، قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ [غافر: ٤٦] ، أي يعرضون عليها في البرزخ يعذبون بها ﴿غدواً﴾ أول النهار ﴿وعشياً﴾ آخره ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَстр. 22
الثَّانِيَةُ: أَنَّ الله لا يَرْضَى أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُ أَحَدُ فِي عِبَادَتِهِ١ لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ولا نبي
الحواشي
(١) أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] فهذه عاقبة العاصين للرسل، وجزاء المخلفين لأمرهم، أي: فاحذروا أنتم أيها الأمة أن تعصوا نبيكم محمد ﷺ فيحل بكم، كما حل بهم من عقاب الله وأليم عذابه في الدنيا والبرزخ في الآخرة، نعوذ بالله من ذلك. وفي القرآن آيات كثيرة في بيان سعاة من أطاع الرسل وشقاوة من عصاهم.
١ فهو سبحانه المستحق لها وحده، ومن سواه لا يستحق شيئاً منها، وفي الحديث القدسي: "إني والجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، أتحبب إليهم بالنعم ويتبغضون إليّ بالمعاصي"، ولأن الشرك أظلم الظلم قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] والظلم: وضع الشيء في غير موضعه. وسمى الله المشرك ظالماً، لأنه وضع العبادة في غير موضعها، وصرفها.стр. 23
مُرْسَلٌ١، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٢ [الجن: ١٨] .
الحواشي
(١) لغير مستحقها، وأخبر تعالى أنه لا يرضى لعباده الكفر، وإنما يرضى لهم الإسلام، كما قال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة: ٣] ، وفي الحديث: "إن الله يرضى لكم ثلاثاً: أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئاً.." الحديث
١ أي: لا يرضى سبحانه أن يجعل له شريك في عبادته، لا ملك مقرب عنده ولا نبي مرسل، يعني: فضلاً عن غيرهما من سائر المخلوقات. فإذا لم يرضَ بعبادة من كان قريباً منه كالملائكة. ولا نبياً مرسلاً _وهم أفضل الخلق_ فغيرهم بطريق الأولى، لأن العبادة لا تصلح إلا لله وحده، فكما أنه المتفرد بالخلق والرزق والتدبير فهو المستحق للعبادة وحده دون من سواه.
٢ أي: وأن المواضع التي بنيت للصلاة والعبادة وذكر الله، أو أعضاء السجود لله فلا تعبدوا، نهي عام لجميع الخلق الإنس والجن فيها، أو بها مع الله أحداً.стр. 24
الثَّالِثَةُ: أَنَّ مَنْ أَطَاعَ الرَّسُولَ، وَوَحَّدَ اللهَ١، لا يَجُوزُ لَهُ مُوَالاةُ مَنْ حَادَّ اللهَ ورسوله٢، ولو
الحواشي
(١) و ﴿أَحَداً﴾ نكرة في سياق النهي شملت جميع ما يدعى من دون الله، سواء كان المدعو من دون الله صنماً، أو ولياً، أو شجرةً، أو قبراً، أو جنياً، أو غير ذلك، فإن دعاء غير الله هو الشرك الأكبر والذنب الذي لا يغفر إلا بالتوبة منه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:١١٦] ، ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢]
١ أي: المسألة الثالثة التي يجب على المكلف معرفتها، واعتقادها، والعمل بموجبها: أن من أطاع الرسول فيما أمر به، واجتنب ما نهى عنه ووحد الله في عبادته.
٢ بل يجب عليه أن يصارمهم ويقاطعهم ويعاديهم أشد المعاداة. والمحادّون لله: وقد حرم الله موالاتهم على كل مسلم ومسلمة. والموالاة:стр. 25
كَانَ أَقْرَبَ قَرِيبٍ١. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ
الحواشي
(١) الموادة، والصداقة ضد المعاداة. والمحادة هي: المجانبة والمخالفة والمغاضبة والمعاداة. ولها أيضاً عند أهل العلم معنيان: أحدهما: أن الكفار كانوا في حد والمؤمنون في حد، المؤمنون في حد الله ورسوله، وهو الإيمان، والمشركون في حد إبليس وجنوده، وهو الكفر. والقول الثاني: أنه ليس بين الكافرين والمسلمين إلا الحديد. يعني القتال بالحديد.
١ أي: ولو كان من حاد الله ورسوله ابنك أو أباك أو أخاك أو عشيرتك، فإن الله قطع التواصل والتوادد والتعاقل والتوارث، وغير ذلك من الأحكام والعلائق وقرب الإنسان بين المسلمين والكفار، فإن القرب هو في الحقيقة قرب الدين لا قرب النسب، فالمسلم ولو كان بعيد الدار فهو أخوك في الله، والكافر ولو كان أخوك في النسب فهو عدوك في الدين، وحرام على كل مسلم موالاتهم، بل يجب اتخاذهم أعداء وبغضاء.стр. 26
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ١ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ
الحواشي
(١) ١ خطاب للنبي ﷺ أنه لا يجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر الإيمان الواجب ﴿يُوَادُّونَ﴾ أي: يوالون ويحبون من حاد الله ورسوله، وهم الكافرون، وإن كانوا أقرب قريب، فلا يجتمع الإيمان ومحبة أعداء الله، بل لا تجد المؤمنين إلا محادين من حاد الله ورسوله، معادين من عادى الله ورسوله، فإن الموادة: المحابة، مفاعلة من المحبة، ولا ريب أن الإيمان الواجب يوجب محادة من حاد الله ورسوله، كما أنه يستلزم محبة من يحب الله ورسوله وموالاتهم، فمن والى الكافرين فقد ترك واجباً من واجبات الإيمان، واستحق أن ينفي عنه الإيمان كما في النصوص. وكذا من ترك موالاة المؤمنين فقد ترك واجباً من واجبات الإيمان، واستحق أن ينفي عنه الإيمان ولا يلزم من نفيه عنهم أينتفي بالكلية.стр. 27
إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ١ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ٢ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ٣ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ
الحواشي
(١) ١ أي: لا يوادن من حاد الله ورسوله ولو كانوا الأقربين كما قال تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ [آل عمران: ٢٨] أصدقاءً وأصحاباً ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [آل عمران:٢٨] الآية، وقال: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ [التوبة:٢٤] .. إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وختمها بقوله: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ فسماهم فاسقين بذلك.
٢ أي: أولئك الذين لم يوادوهم أثبت الله في قلبهم الإيمان وأرساه، فهي موقنة مخلصة، وكتب السعادة وزين الإيمان في بصائرهم.
٣ أي: قواهم بنصر منه، ونور قلوبهم بالإيمان والقرآن وحججه، وسمى نصره إياهم روحاً، لأن به أمرهم.стр. 28
خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ١ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا٢ عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ٣ أَلا إِنَّ حِزْبَ
الحواشي
(١) ١ الجنة: أسم لدار جمعت أنواع النعيم الذي أعلاها النظر إلى وجه الله الكريم. ﴿وَيُدْخِلُهُمْ﴾ : أي يسكنهم جنات في دار كرامته التي أعدت للمتقين، وسميت باسم البساتين، لأنها أشجار مثمرة، وأنهار جارية، وقصور عالية تجري من تحت أشجارها ومساكنها المياه في الأنهار، وفي الحديث: "أنهار الجنة غير أخدود " ﴿خَالِدِينَ﴾ دائمين ﴿فِيهَا﴾ ﴿لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾ .
٢ وهذا أعلى مراتب النعيم وفيه سر بديع، وهو أنهم لما أسخطوا القرائب والعشائر في الله عوضهم الله بالرضى عنهم، وأرضاهم عنه بما أعطاهم من النعيم المقيم، والفوز العظيم والفضل العميم.
٣ لما ذكر هذه النعم أتبعه ما يوجب ترك الموالاة لأعداء الله، فقال ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: الموالون أولياء الله، المصارمون أعداء الله هم ﴿حِزْبَ اللَّهِ﴾ وأنصاره في أرضه، وعباده المقربون، وأهل كرامته.стр. 29
اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١ [المجادلة: ٢٢] .
اعْلَمْ أَرْشَدَكَ اللهُ لِطَاعَتِهِ٢ أَنَّ الْحَنِيفِيَّةَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ: أَنْ تَعْبُدَ الله مخلصاً له الدين٣،
الحواشي
(١) ١ الفائزون في الدنيا والآخرة، الناجون يوم القيامة، وفي الحديث، "اللهم لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي يداً ولا نعمة، فإني وجدت فيما أوحيته إلي" ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢] وظهر بهذا أنه يجب على كل مسلم مقاطعة المشركين ومنابذتهم.
٢ هداك ووفقك لما ينفعك في دنياك وآخرتك، والرشد: الاستقامة على طريق الحق، ضد الغي
٣ أي: الحنيفية طريقة وشريعة الخليل إبراهيم وجميع الأنبياء ﵈، هي ما قررها به المصنف أن تعبد الله مخلصاً له الدين، فهذه هي حقيقة ملة إبراهيم عبادة الله بالإخلاص، والإخلاص: حب الله وإرادة وجهه، وعبادة الله بالإخلاص وترك ما سواه هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَстр. 30
وبذلك أَمَرَ اللهُ جَمِيعَ النَّاسِ، وَخَلَقَهُمْ لَهَا، كَمَا١ قَالَ تَعَالَى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٢
الحواشي
(١) حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] ، وفي قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٠] ، والحنيف: مشتق مكن الحنف، وهو الميل. فالحنيف: المائل عن الشرك قصداً إلى التوحيد، والحنيف: المستقيم المستمسك بالإسلام، المقبل على الله المعرض عن كل ما سواه، وكل من كان على دين إبراهيم ﵇.
١ أي: وبالإخلاص في جميع ما تعبدنا الله به، الذي هو ملة إبراهيم أمر الله بها جميع الناس، وخلق لها جميع الثقلين الجن والإنس
٢ أي: ما أوجد الثقلين إلا لحكمة عظيمة، وهذه الحكمة العظيمة هي عبادة الله وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه، وأفادت أن الخلق لم يخلقوا عبثاً ولم يتركوا سدىً.стр. 31
يَعْبُدُونِ: يُوَحِّدُونِ١، وَأَعْظَمُ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ التوحيد٢، وهو: إفراد الله بالعبادة٣،
الحواشي
(١) ١ قال ابن عباس: كل موضع في القرآن ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ فمعناه: وحدوا الله. وجاء أيضاً عبادة الله توحيد الله، والعبادة في اللغة: التذلل والخضوع، من قولهم: طريق معبد، أي: مذلل قد وطأته الأقدام، وسميت وظائف الشرع على المكلفين عبادات، لأنهم يفعلونها لله خاضعين ذالين، ويأتي تعريفها في الشرع.
٢ وهو أعظم فريضة فرضها الله على العباد علماً وعملاً، ولأجله أرسلت الرسل وأنزلت الكتب، وبه تكفر الذنوب، وتستوجب الجنة، وينجى من النار.
٣ فهو في الأصل من وحده توحيداً: جعله واحداً، أي: فرداً. ووحده: قال: إنه واحد أحد، وقال: لا إله إلا الله. والواحد الأحد: وصف اسم الباري لاختصاصه بالأحدية، وأقسام التوحيد ثلاثة: توحيد الربوبية، وهو: العلم أن الله رب كل شيء وخالقه. والثاني: توحيد الأسماء والصفات، وهو: أن يوصف الله بما وصف به نفسه ووصفه به رسول الله ﷺ . والثالث:стр. 32
وأعظم مَا نَهَى عَنْه الشِّركُ١، وَهُوَ: دَعْوَةُ غَيْرِهِ معه٢. والدليل قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ
الحواشي
(١) توحيد الإلهية، وهو إخلاص العبادة لله وحده بجميع أفراد العبادة.
١ الشرك: النصيب، واسم من أشرك بالله إذا كفر به، وهو أعظم ذنب عصي الله به، وأي ذنب أعظم من أن يجعل مع الله شريك في ألوهيته أو ربوبيته أو أسمائه أو صفاته، وكما أن الشرك أظلم الظلم وأبطل الباطل _كما تقدم_ فهو هضم للربوبية، وتنقص للألوهية، وسوء ظن برب العالمين، وهو أقبح المعاصي، لأنه تسوية للمخلوق الناقص بالخالق الكامل من جميع الوجوه.
٢ أي: طلب غير الله مع الله، وسؤال غيره معه -منم ملك، أو نبي، أو ولي، أو شجرة، أو حجر، أو قبر، أو جني- والاستعانة به، والتوجه إليه، وغير ذلك من أنواع العبادة.стр. 33
وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ١﴾ [النساء:٣٦] . فَإِذَا قِيلَ لك: ما الأول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها
الحواشي
(١) ١ بأمر سبحانه عباده بعبادته وحده لا شريك له، فإنه الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه، فهو المستحق منهم أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئاً، و ﴿شَيْئاً﴾ نكرة في سياق النهي، فعم الشرك قليله وكثيره، وقرن سبحانه العبادة التي فرضها على عباده بالنهي عن الشرك الذي حرمه، فدلت على أن اجتناب الشرك شرط في صحة العبادة، وتسمى هده الآية: آية الحقوق العشرة، لأنها اشتملت على حقوق عشرة: أحدها: الأمر بالتوحيد، ثم عطف عليه التسعة الباقية. وابتداؤه تعالى بالأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك أدل دليل على أنه هو أهمها، فإنه لا يبدأ إلا بالأهم فالأهم، فدلت على أن التوحيد أوجب الواجبات، وأن ضده هو الشرك أعظم المحرمات.
٢ أي: إذا سألك سائل، فقال لك: ما الأصول الثلاثة التيстр. 34
فقل: معرفة العبد ربه١، ودينه٢، ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم٣.
الحواشي
(١) يجب على كل مكلف معرفتها والعمل بمقتضاها؟
١ أي: بما تعرف به إليه في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ ، ومن وحدانيته، وأسمائه، وصفاته، وهذا أصل الأصول، فيجب علينا أن نعرفه على بصيرةٍ ويقين.
٢ الذي تعبدنا به، وهو فعل ما أوجب علينا أن نفعله، وترك ما أوجب علينا أن نتركه، وهذا أصل عظيم فيجب علينا معرفته.
٣ فإنه الواسطة بيننا وبين الله ، ولا طريق لنا إلى ما تعبدنا به إلا بما جاء به ﷺ ، وهو إن كان بشراً فأهمية معرفته من أهمية معرفة مرسله وما أرسل به، وذكر المصنف ﵀ هذه الأصول الثلاثة مجملة، ثم ذكرها بعد ذلك مفصلة أصلاً أصلاً، تتميماً للفائدة، وتنشيطاً للقارئ، فإنه إذا عرفها مجملة وعرف ألفاظها وضبطها بقي متشوقاً إلى معرفة معانيها، وهي المقصود بهذه النبذة وما تقدمها من المسائل، فلعل بعض تلاميذهстр. 35
فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَنْ رَبُّكَ١؟
فَقُلْ: رَبِّيَ اللهُ الَّذِي رَبَّانِي٢، وَرَبَّى جَمِيعَ الْعَالَمِينَ بِنِعَمِهِ٣،وهو معبودي ليس لي معبود
الحواشي
(١) قرنها بها
١ هذا مشروع في تفصيل الأصول الثلاثة التي تقدمت مجملة ذكرها هنا مفصلة، فكأنه قال: الأصل الأول من أصول الدين الثلاثة التي يجب على العبد معرفتها، إذا قال لك قائل: من ربك؟ أي: من خالقك ورازقك ومعبودك الذي ليس لك معبود سواه؟
٢ أي: فقل ربي هو اله خالقي ومالكي ومعبودي الذي أوجدني من العدم، ورباني بالنعمة الظاهرة والباطنة.
٣ أجدهم من العدم وغذاهم بالنعم، ونعم الله لا تحصى، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨] ، فلله نعمة الإيجاد، ونعمة التغذية، وسائر نعمه الظاهرة والباطنة، قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ [الإنسان:١] أي: مضى عليه زمن طويل من العصورстр. 36
سِوَاهُ١. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ٢﴾
[الفاتحة: ١] ، وكل من سوى
الحواشي
(١) والدهور لم يكن فيها شيئاً مذكوراً، أي: موجوداً بل معدوماً وإنما أوجده الله من العدم ورزقه من النعم، ليعبده وحده.
١ أي: هو وحده مألوهي لا غيره، كما انه المنفرد بالخلق والرزق والتدبير، فهو وحده المستحق بأن يعبد وحده دون سواه، وهذا مدلول كلمة الإخلاص (لا إله إلا الله) .
٢ الحمد: هو الثناء على المحمود مع حبه وإجلاله وتعظيمه، والاسم الشريف علم على ربنا ﵎ لا يسمى به سواه، والرب المليك والسيد، ولا يطلق إلا على الله تعالى، ورب مضاف، والعالمين مضاف إليه، والمراد: جميع المخلوقات. وهذه الآية هي أول آية في المصحف بعد البسملة في أول سورة، وآخر دعوى أهل الجنة، وفيها تفرده بجميع الخلق وربوبيتهم وملكهم،стр. 37
الله عالم١ وأنا واحد من هذا العالم٢. فإذا قيل لك: بما عَرَفْتَ رَبَّكَ؟ ٣، فَقُلْ بِآيَاتِهِ وَمَخْلُوقَاتِهِ٤. وَمِنْ آيَاتِهِ: الليل
الحواشي
(١) وتصرفه فيهم بما يشاء، وهو معبودهم ليس لهم معبود سواه، فإن الرب إذا أفرد دخل فيه المعبود، فهو المالك المتصرف، المعبود وحده دون كل من سواه.
١ وجمعه: عوالم وعالمون، فالوجود قسمان: رب، ومربوب. فالرب: هو المالك سبحانه، المتفرد بالربوبية والإلهية، والمربوب: هو العلم، وهو كل من سوى الله من جميع الخلائق.
٢ أي: وأنا أيها الإنسان واحد من جملة تلك المخلوقات المربوبة المتعبدة بأن يكون الله وحده هو معبودها وحده.
٣ أي: فإذا قال لك قائل: بما استدللت على معرفتك ربك ومعبودك وخالقك؟
٤ أي: فقل: عرفته بآياته ومخلوقاته التي نصبها دلالة على وحدانيته وترده بالربوبية والإلهية، والآيات: جمع آية، والآية: العلامة والدلالة والبرهان والحجة. والمخلوقات:стр. 38
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) جمع مخلوق وهو ما أوجد بعد العدم، وآيات الرب سبحانه هي دلالاته وبراهينه التي بها يعرفه العباد، ويعرفون أسمائه وصفاته وتوحيده وأمره ونهيه، وآياته العيانية الخلقية، والنظر فيها والاستدلال بها يدل على ما تدل عليه آياته القولية والسمعية، والرسل تخبر عنه بكلامه الذي تكلم به وهو آياته القولية، ويستدلون على ذلك بمفعولاته التي تدل تشهد على صحة ذلك، وهي آياته العيانية، والعقل يجمع بين هذه وهذه، فيجزم بصحة ما جاءت به الرسل، فتتفق شهادة السمع والبصر، والعقل والفطرة، وكل شيء من آياته ومخلوقاته دال على وحدانيته وتفرده بالربوبية، كما قال الشاعر:
فوا عجباً كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد
ولله في كل تحريكة ... وتسكينة أبداً شاهد
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحدстр. 39
والنهار١، والشمس.....
الحواشي
(١) وقال آخر:
تأمل في نبات الأرض وانظر ... إلى آثار ما صنع المليك
عيون من لجين شاخصات ... بأبصار هي الذهب السبيك
على قصب الزبرجد ساجدات ... بأن الله ليس له شريك
وقال آخر:
تأمل سطور الكائنات فإنها ... من الملك الأعلى إليك رسائل
وقد خط فيها لو تأملت خطها ... ألا كل شيء ما خلا الله باطل
فإيجاد هذه المخلوقات أوضح دليل على وجود الباري تعالى وتفرده بالربوبية والإلهية، ونعرف ربنا ﵎ أيضاً بصدق الرسول ﷺ بالطرق الدالة على ذلك، وهي كثيرة، فالكتاب والسنة مملوءة بذلك
١ أي: ومن أعظم آياته المشاهدة بالإبصار الليل والنهار،стр. 40
والقمر١، ومن مخلوقاته السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهما٢.
الحواشي
(١) وكون الليل يأتي على النهار فيغطيه وكأنه لم يكن، ثم يأتي النهار ويذهب بظلمة الليل حتى كأن الليل لم يكن، فمجيء هذا وذهاب هذا بهذه الصفة وهذه الصورة المشاهدة دال أعظم دلالة على وحدانية خالقه وموجده.
١ أي: ومن أعظم آياته المشاهدة بالإبصار الشمس والقمر.. وكونهما يجريان هذا الجريان المتقن ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] دال أعظم دلالة على وحدانية موجدهما تعالى وتقدس.
٢ أي: ومن أعظم مخلوقات الله الدالة على وحدانيته تعالى السماوات السبع وسعتها وارتفاعها، والأرضون السبع وامتدادها وسعة أرجائها، وما في السماوات السبع من الكواكب الزاهرة، والآيات الباهرة، وما في الأراضين السبع من الجبال والبحار، وأصناف المخلوقات من الحيوانات والنباتات وسائر الموجودات، وما بينследующие страницы →