Полный текст (168 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
سِوَاهُ١. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ٢﴾
[الفاتحة: ١] ، وكل من سوى
الحواشي
(١) والدهور لم يكن فيها شيئاً مذكوراً، أي: موجوداً بل معدوماً وإنما أوجده الله من العدم ورزقه من النعم، ليعبده وحده.
١ أي: هو وحده مألوهي لا غيره، كما انه المنفرد بالخلق والرزق والتدبير، فهو وحده المستحق بأن يعبد وحده دون سواه، وهذا مدلول كلمة الإخلاص (لا إله إلا الله) .
٢ الحمد: هو الثناء على المحمود مع حبه وإجلاله وتعظيمه، والاسم الشريف علم على ربنا ﵎ لا يسمى به سواه، والرب المليك والسيد، ولا يطلق إلا على الله تعالى، ورب مضاف، والعالمين مضاف إليه، والمراد: جميع المخلوقات. وهذه الآية هي أول آية في المصحف بعد البسملة في أول سورة، وآخر دعوى أهل الجنة، وفيها تفرده بجميع الخلق وربوبيتهم وملكهم،стр. 37
الله عالم١ وأنا واحد من هذا العالم٢. فإذا قيل لك: بما عَرَفْتَ رَبَّكَ؟ ٣، فَقُلْ بِآيَاتِهِ وَمَخْلُوقَاتِهِ٤. وَمِنْ آيَاتِهِ: الليل
الحواشي
(١) وتصرفه فيهم بما يشاء، وهو معبودهم ليس لهم معبود سواه، فإن الرب إذا أفرد دخل فيه المعبود، فهو المالك المتصرف، المعبود وحده دون كل من سواه.
١ وجمعه: عوالم وعالمون، فالوجود قسمان: رب، ومربوب. فالرب: هو المالك سبحانه، المتفرد بالربوبية والإلهية، والمربوب: هو العلم، وهو كل من سوى الله من جميع الخلائق.
٢ أي: وأنا أيها الإنسان واحد من جملة تلك المخلوقات المربوبة المتعبدة بأن يكون الله وحده هو معبودها وحده.
٣ أي: فإذا قال لك قائل: بما استدللت على معرفتك ربك ومعبودك وخالقك؟
٤ أي: فقل: عرفته بآياته ومخلوقاته التي نصبها دلالة على وحدانيته وترده بالربوبية والإلهية، والآيات: جمع آية، والآية: العلامة والدلالة والبرهان والحجة. والمخلوقات:стр. 38
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) جمع مخلوق وهو ما أوجد بعد العدم، وآيات الرب سبحانه هي دلالاته وبراهينه التي بها يعرفه العباد، ويعرفون أسمائه وصفاته وتوحيده وأمره ونهيه، وآياته العيانية الخلقية، والنظر فيها والاستدلال بها يدل على ما تدل عليه آياته القولية والسمعية، والرسل تخبر عنه بكلامه الذي تكلم به وهو آياته القولية، ويستدلون على ذلك بمفعولاته التي تدل تشهد على صحة ذلك، وهي آياته العيانية، والعقل يجمع بين هذه وهذه، فيجزم بصحة ما جاءت به الرسل، فتتفق شهادة السمع والبصر، والعقل والفطرة، وكل شيء من آياته ومخلوقاته دال على وحدانيته وتفرده بالربوبية، كما قال الشاعر:
فوا عجباً كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد
ولله في كل تحريكة ... وتسكينة أبداً شاهد
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحدстр. 39
والنهار١، والشمس.....
الحواشي
(١) وقال آخر:
تأمل في نبات الأرض وانظر ... إلى آثار ما صنع المليك
عيون من لجين شاخصات ... بأبصار هي الذهب السبيك
على قصب الزبرجد ساجدات ... بأن الله ليس له شريك
وقال آخر:
تأمل سطور الكائنات فإنها ... من الملك الأعلى إليك رسائل
وقد خط فيها لو تأملت خطها ... ألا كل شيء ما خلا الله باطل
فإيجاد هذه المخلوقات أوضح دليل على وجود الباري تعالى وتفرده بالربوبية والإلهية، ونعرف ربنا ﵎ أيضاً بصدق الرسول ﷺ بالطرق الدالة على ذلك، وهي كثيرة، فالكتاب والسنة مملوءة بذلك
١ أي: ومن أعظم آياته المشاهدة بالإبصار الليل والنهار،стр. 40
والقمر١، ومن مخلوقاته السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهما٢.
الحواشي
(١) وكون الليل يأتي على النهار فيغطيه وكأنه لم يكن، ثم يأتي النهار ويذهب بظلمة الليل حتى كأن الليل لم يكن، فمجيء هذا وذهاب هذا بهذه الصفة وهذه الصورة المشاهدة دال أعظم دلالة على وحدانية خالقه وموجده.
١ أي: ومن أعظم آياته المشاهدة بالإبصار الشمس والقمر.. وكونهما يجريان هذا الجريان المتقن ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] دال أعظم دلالة على وحدانية موجدهما تعالى وتقدس.
٢ أي: ومن أعظم مخلوقات الله الدالة على وحدانيته تعالى السماوات السبع وسعتها وارتفاعها، والأرضون السبع وامتدادها وسعة أرجائها، وما في السماوات السبع من الكواكب الزاهرة، والآيات الباهرة، وما في الأراضين السبع من الجبال والبحار، وأصناف المخلوقات من الحيوانات والنباتات وسائر الموجودات، وما بينстр. 41
والدليل قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ١ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ٢ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ
الحواشي
(١) السماوات والأرض من الأهوية والسحاب، وغير ذلك دال على وحدانية الباري ﷻ ، وعلى تفرده بالخلق والتدبير.
١ أي: ومن حجج وحدانيته تعالى وبراهين فردانيته الدالة على ما ذكره المصنف، ما تعرف به تعالى إلينا بما نراه من مخلوقاته، ومنها الليل والنهار، فمجيء هذا وذهاب هذا من دلائل قدرته وحكمته الدالة على وحدانيته، والشمس والقمر مخلوقان مسخران دائبان يجريان دالان على تفرده تعالى بالخلق والتدبير. وهذا وجه استدلال المصنف بالآية هـ?هنا.
٢ لأن السجود عبارة عن نهاية التعظيم، والشمس والقمر مخلوقان متصرف فيهما، يعتريهما التغير فلا يستحقان أن يسجد لهما.стр. 42
تَعْبُدُونَ١﴾ [فصلت: ٣٧] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ٢ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ٣ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ
الحواشي
(١) ١ أمر عباده أن يفردوه بالعبادة وحده، فكما أنه المتفرد بخلق الليل والنهار والشمس والقمر، وسائر المخلوقات، فهو المستحق أن يعبد وحده لا شريك له.
٢ أي: ومن أعظم الدلائل والمعرفات التي تعرف بها سبحانه على عباده خلق السماوات والأرض من غير مثال سبق، وتقدير أوقاتها فيها في ستة أيام، وأصل الخلق إيجاد المعلوم على تقدير واستواء، وإبداعه من غير أصل سابق ولا ابتداء متقدم، قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٠١] ، وقال: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١] .
٣ استواء يليق بجلاله وعظمته. قال مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وبهذا قال السلف، وأدلة علوه على خلقه واستوائه على عرشه أكثر من أن تحصر، وأجمع المسلمون على ذلك.стр. 43
يَطْلُبُهُ حَثِيثاً١ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ٢ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ٣ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ٤﴾ [الأعراف: ٥٤] والرب: هو
الحواشي
(١) ١ أي: يأتي بالليل فيغطي النهار ويلبسه إياه حتى يذهب بنوره ويغشى النهار بالليل ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثاً﴾ طلباً سريعاً لا يفصل بينهما شيء ولا يدرك أحدهما الآخر.
٢ مذللات جارية في مجاريها بأمر الله لا تتقدم ولا تتأخر، وإذا تأملت هذا العالم وجدته على أحسن نظام وأتمه، وأدله على وجود خالقه جل وعلا، ووحدانيته وقدرته، وكمال علمه وحكمته.
٣ فهو المتفرد بالخلق، كما انه التفرد بالأمر، فلا شريك له في الخلق، كما انه لا شريك له في الأمر، له الخلق كله، وله الأمر كله، وبيده الخير كله، وهو على كل شيء قدير ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] .
٤ أي: بلغ في البركة نهايتها، إله الخلق ومليكهم، وموصلстр. 44
الْمَعْبُودُ١. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ٢ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ
الحواشي
(١) الخيرات إليهم، ودافع المكاره عنهم، والمتفرد بإيجادهم وتدبيرهم، لا إله إلا هو ولا رب سواه.
١ أي: ومن معاني الرب، ومما يطلق عليه: المعبود، كما انه يطلق على الخالق والرزاق والمالك والمتصرف ومربي جميع الخلق بالنعم، وإذا قرن بالمعبود شمل معاني عديدة، ومعنى المعبود: المألوه المستحق أن يعبد وحده دون كل من سواه.
٢ هذا خطاب لجميع الخلق، وهو أول أمر يمر بك في المصحف الكريم، كما أن أول فعل يمر بك ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ، وتقديم المعمول هنا يفيد الحصر، أي: لا نعبد سواك، كما أن أول شيء دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون: ٣٢] ومعنى ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ ، ومعنى قول الرسول ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون: ٣٢] ، ومعنى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَстр. 45
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) =نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] هو ما فسره ابن عباس بقوله: كل موضع في القرآن ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ فمعناه: وحدوا الله، وقال: عبادة الله: توحيد الله، يعني: اعبدوه وحده دون كل من سواه، وهذا يفيدك: عظم شأن التوحيد، وانه أوجب الواجبات، وأنه أول فرض على المكلف علماً وعملاً، وهو مدلول شهادة (أن لا إله إلا الله) ، التي أوجب الواجبات العلم بمعناها، والعمل بما دلت عليه، من إفراد الله بالعبادة والبراءة من الشرك وأهله، وصدور العبادة من غير توحيد لا يسمى عبادة، وليس بعبادة، وإذا صدرت ممن أشرك فيها مع الله غيره فهي بمنزلة الجسد الذي لا روح فيه، وإذا عبد الله تارة، وأشرك معه تارة فليس بعابد لله على الحقيقة، كما سمى الله المشركين مشركين وهم يعبدون الله ويخلصون له العبادة في الشدائد، وعند ركوب البحار وتلاطم الأمواج يهربون ويفزعون ويلجئون إليه تعالى وحده، ويعرفون أن تلك الآلهة ليست شيئاً في الحقيقة، وأنها لا تنفعهم عند الكروب، ومع ذلك كله سماهم الله مشركين، بل نفىстр. 46
قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ١ (١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً٢ وَالسَّمَاءَ بِنَاءً٣ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ٤ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ الحواشي
(١) عنهم تلك العبادة بالكلية في غير موضع من كتابه، ولم يرد في العبادة إلا إفراده تعالى بجميع أنواعها، فمن أطاعه في جميع ما أمره به منها فقد وحده وإلا فلا، وكونه تعالى ربنا يفيد ويقتضي أن نعبده وحده، وأن لا نجعل له شريكاً في ربوبيته، ولا في ألوهيته وعبادته.
١ أي: الذي أوجدكم ومن قبلكم من العدم، فلا تجعلوا المخلوق شريكاً للخالق في عبادته، فهو سبحانه أغنى الشركاء عن الشرك، بل وحدوه سبحانه
لعلكم تنجون من عقابه وأليم عذابه.
٢ أي: بسطاً غير حزنة، تتمكنون من المسير فيها، والمكث على ظهرها، وتنتفعون منها بأنواع المنافع.
٣ قبة مضروبة عليكم، وسقفاً محفوظاً مزيناً بالمصابيح، والعلامات التي تهتدون بها في ظلمات البر والبحر.
٤ أي: وانزل من السحاب المطر، فإن كل ما علاك فهوстр. 47
أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ١﴾ [البقرة:٢١،٢٢] .
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رحمه الله تعالى٢: الخالق
الحواشي
(١) سماء، فأخرج بالماء من جميع أنواع الثمرات رزقاً لكم تتمتعون به، وتستعينون به على عبادته وحده، وكل صفة من هذه الصفات مفيدة ومقتضية إفراد رب العالمين بالعبادة.
١ أي: ومن كان هذا وصفه فهو المستحق أن تعبدوه وحده، لا تجعلوا له أنداداً: أمثالاً ونظراء بصرف شيء من أنواع العادة لهم، وأنتم تعلمون أنها لا تماثله بوجه من الوجوه، أو كنتم تعلمون تفرده بإيجاد المخلوقات، وإنزال المطر، وجعل الأرض فراشاً، والسماء بناء، وأنه لا يرزقكم غيره، يحتج تعالى عليهم بما أقروا به وعلموه من توحيد الريبوبية على ما جحدوه وأنكروه من توحيد الألوهية، فإنه تعالى كثيراً ما يقرر في كتابه توحيد ألوهيته بتوحيد ربوبيته، فإن توحيد الربوبية هو الدليل الأوضح والبرهان الأعظم على توحيد الألوهية.
٢ هو عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر القرشيстр. 48
لِهَذِهِ الأَشْيَاءَ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ١. وَأَنْوَاعُ الْعِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا٢ مِثْلُ: الإِسْلامِ، وَالإِيمَانِ، والإحسان٣، ومنه:
الحواشي
(١) الدمشقي الحافظ صاحب التفسير المشهور والتاريخ وغيرهما، المتوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة.
١ يعني: أن الآيات دلت على أن الذي خلق هذه الأشياء وأوجدها من العدم على غير مثال سبق وهو المستحق للعبادة وحده دون من لم يكن له شركة فيها ولا في غيرها وإن قل، بل من سواه تعالى وتقدس مخلوق مربوب متصرف فيه، فيكون بذلك أوضح برهان أنه سبحانه هو المستحق أن يعبده وحده دون كل من سواه، لا إله غيره ولا رب سواه.
٢ أي: وأصناف العبادة التي شرع الله لعباده القيام بها، وتعبدهم بها. والنوع: كل ضرب أو صنف من كل شيء، وهو أخص من الجنس.
٣ مثل الشيء: شبيهه ونظيره، وهذه الثلاثة أعلى مراتب الدين وأهم أنواع العبادة، فلذلك بدأ بها المصنف ﵀.стр. 49
الدُّعَاءُ، وَالْخَوْفُ، وَالرَّجَاءُ، وَالتَّوَكُّلُ، وَالرَّغْبَةُ، وَالرَّهْبَةُ، وَالْخُشُوعُ، وَالْخَشْيَةُ، وَالإِنَابَةُ، وَالاسْتِعَانَةُ، وَالاسْتِعَاذَةُ، وَالاسْتِغَاثَةُ، وَالذَّبْحُ، وَالنَّذْرُ، وَغَيْرُ ذَلَكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ١ الَّتِي أَمَرَ الله بها٢، كلها لله
الحواشي
(١) ١ يعني: أن أنواع العبادة ليست مخصوصة بهذه الأنواع ولا محصورة في هذه الأنواع التي أعدها ﵀، بل هي أنواع كثيرة جداً.
٢ إشارة إلى بعض حدودها عند بعض العلماء أنها ما أمر به شرعاً من غير
اطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي، وللعلماء فيها تعاريف كثيرة، وأحسن وأجمع ما عرفت به هو ما عرفها به شيخ الإسلام بقوله: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وعد نحواً مما عده المصنف، وهو من أشمل ما عرفت به، فكل فرد من أفراد العبادة داخل تحت هذه العبارة، فيدخل فيها كما ذكر ويدخل فيها ما شمله الحد، فالعبادة شملت جميع أنواع الطاعات.стр. 50
تَعَالَى١، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً٢﴾ [الجن:١٨] ، فَمَنْ صَرَفَ مِنْهَا شيئاً لغبر الله فهو مشرك كافر٣،
الحواشي
(١) ١ أي: كل جميع أنواع العبادة مما ذكر وغيره لله وحده، لا يصلح منه شيء لغير الله ، لا لملك مقرب، ولا نبي مرسل، فضلاً عن غيرهما، ولا أضل ولا أظلم ممن يجعل لمخلوق مربوب منها شيئاً.
٢ في المساجد تفسيران: أحدهما: أنها المواضع التي بنيت لعبادة الله، فالمعنى: أنها إنما بنيت لعبادة الله وحده فلا تعبدوا فيها غيره، والثانية: أنها الأعضاء التي خلقها ليسجد له عليها، وهي الوجه واليدان والركبتان والقدمان، فلا يسجد بها لغيره، و ﴿أَحَداً﴾ كلمة شاملة عامة، نكرة في سياق النهي، شملت الملائكة والأنبياء والأولياء والصالحين وغيرهم، فلا يدعى مع الله أحد من الملائكة ولا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم، فقد شملت جميع الخلق.
٣ أي: فمن صرف شيئاً من أنواع العبادة التي ذكر المصنفстр. 51
والدليل قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ١ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ٢﴾ [المؤمنون: ١١٧] ،
الحواشي
(١) رحمه الله تعالى مثل: أن دعا غير الله من الأموات والغائبين، أو رجاهم، أو خافهم، أو سألهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات، أو غير ذلك _فهو مشرك الشرك الأكبر، المخرج من الملة، كافر الكفر الأكبر المخرج من الملة، والشرك والكفر قد يطلقان بمعنى واحد، وهو: الكفر بالله، واسم لمن لا إيمان له، وقد يفرق بينهما فيخص الشرك بقصد الأوثان وغيرها من المخلوقات، مع الاعتراف بالله، فيكون الكفر أعم.
١ أي: ومن أشرك بالله لا حجة له ولا بينة، لأنه لا حجة لأحد في دعوى الشرك، و ﴿لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ صفة أخرى لإلهاً لازمة له، جيء بها للتأكيد، أو جملة معترضة بين الشرط والجزاء.
٢ أي: الله يحاسبه على ذلك فيجازيه بما يستحقه على شركه، ثم أخبر أنه لا يفلح الكافرون، فسماهم كافرينстр. 52
وفي الحديث: "الدعاء مخ العبادة" ١،
الحواشي
(١) لدعائهم مع الله غيره، ولا ينازع مسلم في كفر من دعا مع الله غيره، وفي الآية أوضح برهان على كفر من دعا مع الله غيره، سواء كان المدعو ملكاً أو نبياً أو شجرة أو قبراً أو جنياً.
١ هذا شروع في ذكر أدلة أنواع العبادة التي عدها مجملة، فأما الإسلام والإيمان والإحسان فسيأتي مفصلاً في الأصل الثاني، وبدأ بعدها بالدعاء، لأنه أهمها. فقال: وفي الحديث _يعني: عن النبي صلى الله عليه وسلم_: " الدعاء مخ العبادة"، ومخ الشيء خالصه، وفي لفظ: " الدعاء هو العبادة"، وأتى ﷺ فيه بضمير الفصل والخبر المعرف بالألف واللام، ليدل على الحصر، وأن العبادة ليست غير الدعاء، وإنما هي الدعاء نفسه، ثم الدعاء نوعان: دعاء مسألة: وهو طلب ما ينفع الداعي من جلب نفع أو دفع ضر. والنوع الثاني: دعاء عباده، بأي نوع من أنواع العبادة، وهو ما لم يكن فيه سؤال ولا طلب، وهذا الحديث جاء عن النبي ﷺ مقروناً بالآية.стр. 53
والدليل قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ١ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ٢﴾ [غافر: ٦٠] . وَدَلِيلُ الْخَوْفِ٣ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ
الحواشي
(١) ١ أمر تعالى عباده أن يدعوه، ووعدهم أن يستجيب لهم، فدل على أن الدعاء عبادة، بل هو أجل العبادات وأساسها، ودل على أنه سبحانه يحب من عباده أن يدعوه، وأن الدعاء مما يحبه الله. وفي الحديث: "من لم يدع الله"، وفي رواية "من لم يسأل الله يغضب عليه".
٢ سمي الدعاء عبادة، وجاء في القرآن في غير موضع أنه عبادة فصرفه لغير الله شرك أكبر، وأخبر تعالى أن الذي منعهم من عبادة الله هو الاستكبار فجوزوا بهذا الجزاء الفظيع وهو دخولهم جهنم صاغرين ذليلين حقيرين، وعقوبة لهم على ما تركوه من عبادة الله التي فرضها عليهم.
٣ وأنه عبادة من العبادات القلبية، بل هو ركن العبادة الأعظم، ولا يستقيم إخلاص الدين لله الذي أمر الله بهстр. 54
وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ١﴾ [آل عمران:١٧٥] ، وَدَلِيلُ الرجاء٢ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ
الحواشي
(١) عباده إلا به. والخوف: مصدر خاف إذا فزع ووجل، لكن الخوف يتعلق بالمكروه، والفزع بما فجأ منه، وهو: انزعاج القلب بتوقع مكروه عاجل، والوجل من غير متعد، والخوف من متعد.
١ أول الآية: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ يعظهم في صدوركم ويوهمكم أنهم ذوو بأس، فنهاكم أن تخافو أولياءه الذين خوفكم إياهم ﴿وَخَافُونِ﴾ في مخالفة أمري، وتوكلوا علي فإني كافيكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ جعله شرطاً في صحة الإيمان، فكما انه إذا دعا غير الله انتفى عنه الإيمان، فكذلك إذا خاف غير الله خوف السر، مثل أن يخاف أن يفعل شيئاً بسره، فإن الخوف أنواع منها: خوف السر، فإذا خاف من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك كافر.
٢ وأنه عبادة قبيلة من اجل العبادات، فصرفه لغير الله شرك اكبر، والرجاء بمعنى: التوقع والأمل ممدود.стр. 55
رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً١ وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً٢﴾ الكهف:١١٠ [.
ودليل التوكل٣
الحواشي
(١) ١ أي: فمن كان يرجو ثواب الله ويخاف عقابه ويرجو المصير إليه ويأمل لقاءه ورؤيته، وفسر بالمعاينة ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾ وهو ما كان موافقا لشرع الله مقصودا به وجهه.
٢ أي: لا يجعل مع الله شريكا في عبادته، فإن العبادة لا تصلح إلا لله وحده لا شريك له، فـ ﴿أحدا﴾ نكرة في سياق النفي تعم كل مدعو من دون الله من الملائكة والأنبياء والأولياء والصالحين وغيرهم، فإنه إذا رجا غير الله فهو مشرك الشرك الأكبر وركنا العمل المتقبل: أن يكون خالصا لله، وأن يكون صوابا على شريعة محمد ﷺ .
٣ وهو صدق التفويض والاعتماد على الله في جميع الأمور, وإظهار العجز والاستسلام له، وتوكل عليه واتّكل: استسلم إليه واعتمد عليه, ووكل إليه أمره وسلمه إليه, وعبادة من أجل العبادات, بل هو أجل أنواع العبادة وأعلى مقامات التوحيد فلا يفوض عبدا أموره ولا يعتمد إلا على الله , فهو القادر على كل شيء, بيدهстр. 56
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ١﴾ [المائدة:٢٣] ، وقوله: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ
الحواشي
(١) الملك وهو على كل شيء قدير, وإذا كان كذلك فالمخلوق وإن كان له نوع قدرة فلا يعتمد عليه, ولو في ما أقدره الله عليه, بل يعتمد العبد على الله وحده, فالتوكل عبادة قلبية, فإن اعتمد على غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فذلك هو الشرك الأكبر, وإن اعتمد على الأحياء الحاضرين والسلاطين ونحوهم في ما أقدرهم الله عليه, من رزق أو دفع أذى ونحوه فهو نوع شرك أصغر, والمباح أن يوكل شخصا بالنيابة في التصرف في أمور دنياه, لكن لا يقول: توكلت عليه, بل وكّلته, فإنه ولو وكله فلا بد أن يتوكل في ذلك على الله وحده.
١ فإخلاص التوكل على الله شرط في صحة الإيمان , ينتفي عند انتفائه, فإن تقديم المعمول وهو قوله ﴿وَعَلَى اللهِ﴾ على العامل وهو كلمة (توكلوا) يفيد الحصر, أي: عليه وحده ﴿فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ لا على غيره, وهذه قاعدة العربية.стр. 57
عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ١﴾ [الطلاق:٣]
وَدَلِيلُ الرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ وَالْخُشُوعِ٢ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ
الحواشي
(١) ١ الحسب معناه: الكافي , وهذه الآية دليل ثان ذكره المصنف ﵀ على أن التوكل عبادة من أجل أنواع العبادة, فمعنى الآية ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: يعتمد عليه أموره فهو كافيه, ومن كان الله كافيه فلا مطمع لأحدٍ فيه, ولم يذكر تعالى للتوكل جزاء غير تولي كفايته العبد, فقال: ﴿فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ولم يأتي في غيره من العبادات, فدل على عظم شأن التوكل وفضيلته, وأنه أجل أنواع العبادة, فصرفه لغير الله شرك أكبر.
٢ وأنّها عبادات قلبية, من أجّل العبادات, وصرفها لغير الله شرك أكبر. والرغبة: السؤال والطلب, والابتهال والتضرع, والرهبة: الخوف والفزع, والخشوع: التطامن والتذلل, وهو قريب من الخضوع إلا أن الخضوع في البدن, والخشوع في القلب والبصر والصوت.стр. 58
وَيَدْعُونَنَا رَغَباً١ وَرَهَباً٢ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ٣﴾ [الأنبياء:٩٠]
وَدَلِيلُ الْخَشْيَةِ٤ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي٥﴾ [البقرة:١٥٠]
الحواشي
(١) ١ يعني: الأنبياء الذين سمّاهم الله في هذه السورة يبادرون ويسابقون في عمل القربات والطاعات.
٢ ﴿رَغَباً﴾ في رحمة الله, ﴿وَرَهَباً﴾ من عذاب الله.
٣ خاضعين متذللين, فدلت الآية على أن هذه الثلاثة الأنواع من أجلّ أنواع العبادة, فمن صرف شيئاً لغير الله فهو مشرك كافر.
٤ فعلة من خشيه: خافه واتقاه, فهي بمعنى الخوف, لكنها أخص منه, وهي من أجل أنواع العبادة وصرفها لغير الله شرك أكبر.
٥ أي: لا تخشوا الناس فإني وليكم واخشوني وحدي, فإنه تعالى هو أهل أن يخشى وحده, فأمر تعالى بخشيته وحده, ونهى عن خشية غيره, كما في الآية الثانية ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ﴾ أي: لا تخافوا منهم,стр. 59
وَدَلِيلُ الإِنَابَةِ١ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ٢﴾ [الزمر: من الآية٥٤] .
ودليل
الحواشي
(١) ﴿وَاخْشَوْنِ﴾ أي: خافوا مني, أي: إلى آخر الآية, أو اقرأ الآية, فدلت الآيتان وما في معناهما على أن الخشية عبادة من أجلّ العبادات, فصرفها لغير الله شرك أكبر.
١ وأنها من أجلّ أنواع العبادات, وهي التوبة, بل أعلى مقام التوبة, فإن التوبة: الإقلاع عن الذنب, والندم على ما فات, والعزم أن لا يعود إليه, والإنابة تدل على ذلك, وتدل على الإقبال على الله بالعبادات, والإقبال على الله رجوع عما لا ينبغي بالكلية وقصد إلى ما ينبغي من رضاه.
٢ أي: وأقبلوا إلى ربكم وارجعوا إليه بالطاعة ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ , أخلصوا له التوحيد ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: من الآية٥٤] . أي: بادروا بالتوبة إلى العمل الصالح قبل حلول النقمة, وأمره تعالى عباده بالإنابة ظاهر في أنها عبادة, وأنه يحبها شرعاً وديناً, فصرفها لغير الله شرك أكبر.стр. 60
الاسْتِعَانَةِ١ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ٢﴾ [الفاتحة:٥] وفي الحديث: إذا استعنت فاستعن
الحواشي
(١) ١وأنها عبادة, بل أجلّ العبادات, وهي تجمع أصلين: الثقة بالله, والاعتماد عليه, قال شيخ الإسلام: تأملت أنفع الدعاء فإذا هو سؤال الله العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .
٢ الدين كله يرجع إلى هذين المعنيين, وسر الخلق والكتب والشرائع والثواب والعقاب يرجع إلى هاتين الكلمتين, وعليهم مدار العبودية والتوحيد, والأول: تبرؤ من الشرك, والثاني: تبرؤ من الحول والقوة, وهذا المعنى في غير آية من كتاب الله, وتقديم المعمول على العامل يفيد الحصر, أي نستعين بك وحدك دون كل من سواك, فهذا النوع أجلّ أنواع العبادة, فصرفه لغير الله شرك أكبر, وكذا قوله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أي: لا نعبد أحدًا سواك, فالعبادة لله وحده والاستعانة به وحده جلّ وعلا وتقدّس.стр. 61
بالله"١ ودليل الإستعاذة٢ قوله تعالى: ﴿قُلْ
الحواشي
(١) ١ هذه قطعة من حديث جليل رواه الترمذي وصححه من حديث ابن عباس, أوله "احفظ الله يحفظك, احفظ الله تجده تجاهك" أي: احفظ حدوده وأوامره يحفظك حيث توجهت, "إذا سألت فاسأل الله, وإذا استعنت فاستعن بالله", وهذا كأنه منتزع من قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: من الآية٣٢] ولا يحصل للعبد مطلوبه إلا إذا كان سائلاً الله مستعيناً به وحده, معتمداً عليه في جميع أموره وفي هذا الحديث حصر الاستعانة بالله وحده دون غيره من الخلق, والدلالة على أنها أجلّ العبادات, وعليها مدار الدين, فإذا استعان أحد بغير الله فهو مشرك الشرك الأكبر.
٢ وأنها عبادة من أجلّ أنواع العبادات, والاستعاذة هي: الالتجاء والاعتصام والتحرز, وحقيقتها الهرب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه, والعياذ لدفع المكروه,стр. 62
أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ١﴾ [الفلق:١] وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ٢﴾ [الناس:١]
الحواشي
(١) واللياذ لطلب المحبوب, قال الشاعر:
يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به فيماأحاذر
لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره ... ولا يهيضون عظماً أنت جابره.
١ أمر نبيه ﷺ أن يستعيذ بفالق الإصباح من شر جميع المخلوقات, ومن شر الغاسق والحاسد, والفلق: الصبح, وقيل سبب تخصيص المستعيذ به: أن القادر على إزالة هذه الظلمة عن العالم هو القادر أن يدفع عن المستعيذ ما يخافه ويخشاه.
٢ أمر نبيه صلى لله عليه وسلم أن يستعيذ به من الوسواس الخناس, يعني: الشيطان الجاثم على قلب الإنسان, فإذا ذكر الله خنس, وإذا غفل وسوس, وذكر تعالى ثلاث صفات من صفاته: الربوبية, والملك, والإلهية. وثبت عنه ﷺ أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم, وأخبر أنه لمстр. 63
وَدَلِيلُ الاسْتِغَاثَةِ١ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ٢﴾ [الأنفال:٩]
الحواشي
(١) يتعوذ متعوذ بمثل هاتين السورتين, والأمر بالاستعاذة به تعالى كثير في الكتاب والسنة, منها قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: من الآية٣٦] ﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: من الآية٦٧] ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨]
ومن السنة: "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق" , فدل على أن الاستعاذة بالله عبادة من أجلّ العبادات فصرفها لغير الله شرك أكبر.
١ وأنها عبادة من أجل العبادات وأفضل أنواعها, وهي أخص أنواع الدعاء, فإن دعاء المكروب يقال له: استغاثة, والاستغاثة هي طلب الإغاثة, وهو الإنقاذ من الضيق والشدة, وأكثر ما يقال غياث المستغيثين, أي: مدرك عباده في الشدائد إذا دعوه, ومجيبهم ومخلِّصهم, فإذا صرفها أحد لغير الله كأن يستغيث بالأصنام أو الأموات أو الغائبين أو نحوهم فهو مشرك كافر.
٢ أي: إذ تستجيرون ربكم وتطلبون منه الغوث فاستجابстр. 64
ودليل الذبح١ قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ٢﴾ [الأنعام:١٦٢،١٦٣]
الحواشي
(١) لكم, وذلك أنه لما كان يوم بدر ونظر رسول الله ﷺ إلى كثرة المشركين جعل يهتف بربه ويناشده, فأمدّه الله بالنصر على عدوه, فقتلوا وأسروا, وظهر الإسلام, وسمي يوم الفرقان, فدلت الآية على أن الاستغاثة عبادة فصرفها لغير الله شرك.
١ أي: ذبح القربان لله تعالى من الضحايا والهدايا ونحو ذلك, وأنه عبادة من أفضل العبادات وأفضل القربات إلى الله تعالى, والذبح يقال للبقر والغنم, وأما الإبل فالنحر, ويجوز العكس, وعبر بالذبح, لأنه الأكثر.
٢ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يعبدون غير الله, ويذبحون لغيره: ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ أي: ذبحي, والناسك: المخلص لله, ﴿وَمَحْيَايَ﴾ أي: ما أحيا عليه من العمل الصالح, ﴿وَمَمَاتِي﴾ أي: ما أموت عليه, ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ﴾ في شيء من ذلك, ولا في غيره من أنواع العبادة, ﴿وبذلك﴾ القول والطريق ﴿أمرت﴾ , وقدстр. 65
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) جمع تعالى بين هاتين العبادتين اللتين هما أفضل العبادات وأفضل القربات لله تعالى في هذه الآية, كما جمع بينهما في الآية الثانية, وهي قوله ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]
أي: أخلص لربك الصلاة ونحر البدن ونحوها على اسمه وحده. فالصلاة أفضل العبادات البدنية, والذبح أفضل العبادات المالية, وإنما كان الذبح أفضلها , لأنه يجتمع فيه أمران: الأول: أنه طاعة لله, والثاني: أنه بذل ماله وطابت به نفسه, والبذل مشترك في جنس المال, لكن زاد الذبح على غيره, من حيث أن الحيوانات محبوبة لأربابها, يوجد لذبحها ألم في النفوس من شدة محبتها, فإذا بذله لله وسمحت نفسه بإيذاق الحيوان الموت صار أفضل من مطلق العبادات المالية, وكذلك ما يجمع له عند النحر إذا قارنه الإيمان والإخلاص من قوة اليقين وحسن الظن بالله أمر عجيب فصرفه لغير الله شرك أكبر.стр. 66
وَمِنَ السُنَّةِ١ "لعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ الله٢".
الحواشي
(١) ١ أي: والدليل على أن الذبح عبادة من سنة رسول الله ﷺ التي أمرنا بإتباعها, وقال: " تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وسنتي"، وقال: "عليكم بسنتي" وقال: " تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك".
٢ اللعن: الطرد والإبعاد، والملعون: من حقت عليه اللعنة أو دعي بها عليه, واللعن من الخلق: السب, وقال شيخ الإسلام: "إن الله يلعن من استحق اللعن بالقول, كما يصلي على من استحق الصلاة من عباده, وقال: وما ذبح لغير الله مثل أن يقول: هذه ذبيحة لكذا, وتحريمه أظهر من تحريم ما ذبح للحم, وقال فيه: بسم المسيح أو نحوه, وإذا حرم فلأن يحرم ما قيل فيه لأجل المسيح أو قصد به أولى".اهـ. ودل الحديث على أن الذبح عبادة, لأن الله لعن من صرفه لغيره, والعبادة كلها مختصة بالله, فإذا صرفها أحد لغير الله بأن ذبحстр. 67
وَدَلِيلُ النَّذْرِ١ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ٢ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرا٣ً﴾ [الإنسان:٧]
الحواشي
(١) للأصنام أو للقبور المعبودة من دون الله التماساً لشفاعة أربابها أو للزيران أو للزهرة أو لقدوم سلطان أو نحو ذلك مشرك كافر.
١ وأنه عبادة يجب إخلاصها لله تعالى, والنذر في اللغة: الإيجاب, ومنه قولهم: نذرت دم فلان إذا أوجبته, وشرعاً: إيجاب المكلف على نفسهما ليس واجباً عليه شرعاً, تعظيماً للمنذور له.
٢ أي: يتعبدون لله بما أوجبوه على أنفسهم بطريق النذر, فأثنى الله عليهم بالإيفاء به, وهو سبحانه لا يثني إلا على فاعل عبادة, وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: من الآية٢٧٠] , يعني: وسيجازيكم عليه, فدل على أنه عبادة, فصرفه لغير الله شرك أكبر, وفي الحديث: " من نذر أن يطيع الله فليطعه".
٣ منتشراً فاشياً عاماً بين الناس إلا من ﵀.стр. 68
الأَصْلُ الثَّانِي: مَعْرِفَةُ دِينِ الإِسْلامِ بِالأَدِلَّةِ١
وَهُوَ الاستسلام لله
الحواشي
(١) ١ لما فرغ المصنف قدس الله روحه من الأصل الأول وشرحه وبسطه, شرع في ذكر الأصل الثاني من أصول الدين, الذي لا ينبني إلا عليها, وهو معرفة دين الإسلام بالأدلة من الكتاب والسنة, والدين: الطاعة والتوحيد وجميع ما يتعبد به, وقوله: (بالأدلة) تنبيه على أنه لا يسوغ التقليد في ذلك, فيصير الرجل إمّعة, بل لابد أن يكون معه أدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على ما خلق له, ليكون على نور وبرهان وبصيرة من دينه, فإن لم يكن على حقيقة من دينه فإنه يخشى عليه في حياته, وبعد مماته عند سؤال الملكين إذا سألاه في القبر أن يصل له الشك, فيجيب الجواب السيئ يقول: هاه هاه لا أدري, سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته, بخلاف من يعرف أدلة دينه من الكتاب والسنة وكان على القول الثابت في الدنيا فإنه يقول عند سؤال الملكين: ربي الله ودينيстр. 69
بِالتَّوْحِيدِ١، وَالانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ٢، وَالْبَرَاءَةُ مِنَ الشِّرْكِ وأهله٣، وهو ثلاث
الحواشي
(١) الإسلام ونبيي محمد ﷺ , فإن من أسباب الثبات عند السؤال معرفة الدين بالحجج من الكتاب والسنة والعمل به.
١ أي: الذل والخضوع لله بإفراده بالربوبية والخلق والتدبير, وإفراده بجميع أنواع العبادة, مشتق من التسليم للمنية, واستسلام فلان للقتل: أسلم نفسه وانقاد وذل وخضع, أو من المسالمة: وهو ترك المنازعة.
٢ أي: بفعل المأمورات من الطاعات, وفعل الخيرات وترك المنهيات والمنكرات, طاعة لله تعالى وابتغاء وجهه, ورغبة فيما عنده, وخوفاً من عقابه, وفعل الأمر وترك النهي ابتغاء وجه الآمر الناهي, هو الذي جاءت به جميع الرسل.
٣ فلابد أن يتبرأ من الشرك, ومن أهل الشرك في الاعتقاد والعمل والمسكن, بل من كل خصلة من خصالهم, ومن كل نسبة من النسب إليهم, معادياًстр. 70
مَرَاتِبَ١: الإسْلامُ، وَالإِيمَانُ، وَالإِحْسَانُ٢، وَكُلُّ مَرْتَبَةٍ لَهَا أركان٣.
المرتبة الأولى:
فَأَرْكَانُ الإِسْلامِ خَمْسَةٌ٤: شَهَادَةُ أَن لا اله إلا الله وأن محمدا
الحواشي
(١) أشد معاداة, غير متشبه بهم في قول أو فعل.
١ المرتبة والرتبة: المنزلة العالية, ورتب الشيء ترتيباً: نظمه وقرن بعضه ببعض.
٢ أي: الإسلام مرتبة , والإيمان مرتبة, والإحسان مرتبة, وهذه هي مراتب الدين التي بعث بها النبي ﷺ , والمصنف ﵀ ذكرهن هنا مجملة, ثم فصّلهن وبيّن أدلّتهن.
٣ أي: وكل مرتبة من مراتب الدين الثلاثة لها أركان لا تقوم إلا عليها. وأركان الشيء: أجزاؤه في الوجود التي لا يحصل إلا بحصولها, وداخلة في حقيقته, سميت بذلك تشبيهاً لها بأركان البيت الذي لا يقوم إلا بها, فمراتب الدين لا تتم إلا بأركانها, وفي الاصطلاح: عبارة عن جزء الماهية.
٤ لا يستقيم إلا بها, ولا يثبت بدونها, وما فقد منهاстр. 71
رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رمضان، وحج بيت الله الحرام١.
الحواشي
(١) زال الإسلام بفقده.
١ ذكرها المصنف ﵀, كما جاء في الحديث الصحيح:: "بني الإسلام على خمس" أي: قواعد أو دعائم, وفي رواية (على خمسة) أي: أركان, مثل الإسلام ببناء أقيم على خمسة أعمدة لا يستقيم إلا بها, وقدم الأهم فالأهم, فبدأ بقطبها شهادة أن لا إله إلا الله, ثم ثنى بشهادة أن محمد رسول الله, وكثيراً ما تقرن بها, تم قال: وإقام الصلاة, وإيتاء الزكاة, وصوم رمضان, وحج بيت الله الحرام, فهذه مباني الإسلام التي ابتنى وتركب منها, وتأتي أدلتها, وكل خصلة من خصال الإيمان داخلة في الإسلام, وكل خصلة من خصال الإسلام داخلة في الإيمان, فما كان للأعمال الباطنة فمصف الإيمان أغلب من وصف الإسلام, وما كان من الأعمال الدينية الظاهرة كالشهادتين والصلاة وأنواع العبادات التي تظهر ويطلع عليها الناس,стр. 72
فَدَلِيلُ الشَّهَادَةِ١ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ٢ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ
الحواشي
(١) فوصف الإسلام عليها أغلب من وصف الإيمان, فدائرة الإسلام أوسع من دائرة الإيمان, كما أن دائرة الإيمان أوسع من دائرة الإحسان.
١ هذا شروع من المصنف في بيان أدلة أركان الإسلام الخمسة, والشهادة: خبر قاطع, وأطلق لفظ الشهادة على شهادة أن لا إله إلا الله, لأنها أعظم شهادة في الوجود على أعظم مشهود به, فلا ينصرف الإطلاق إلا إليها.
٢ أي: لا معبود بحق في الوجود إلا هو وحده, فهو الإله الحق, ومن ادعيت فيه الألوهية سواه فهو أبطل الباطل وأضل الضلال, فالله الإله الحق المستحق للعبادة وحده دون كل ما سواه, وعبارات السلف في الشهادة تدور على الحكم والقضاء والإعلام والبيان والإخبار, وذكر ابن القيم وغيره أنه لا تنافي بينها, فإن الشهادة تتضمن كلام الشاهد وخبره وقوله, وتتضمن إعلامه وإخباره وبيانه,стр. 73
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وأول مراتبها: علم, ومعرفة, واعتقاد لصحة المشهود به, وتكلمه بذلك, وإعلامه غيره بما شهد به, وإلزامه بمضمونها, وشهادته سبحانه لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط تضمنت هذه المراتب الأربع, علمه بذلك, وتكلمه به, وإعلامه, وإخباره لخلقه به, وأمرهم وإلزامهم به, فأما العلم فالشهادة تتضمنه ضرورة, ومن تكلم به فقد شهد به, ولفظ الشهادة يستعمل في الإعلام, وتدل على الأمر, وشهادته سبحانه هي أعظم شهادة في الوجود أنه لا إله إلا هو المتفرد بالإلهية, من أعظم شاهد, وهو الله وتقدّس, على أعظم مشهود به وهو وحدانيته جلّ وعلا, فإنه لا شهادة أعظم ولا أجل ولا أثبت من شهادة تعالى لنفسه بالألوهية, وشهادة رب العالمين لا ينقصها شيء البتة, وذكر الكلبي أن حبرين من أحبار الشام قدم على النبي ﷺ فقالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله فأنزل الله هذه الآية, فأسلما.стр. 74
الْعِلْمِ١ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ
الحواشي
(١) ١ أي: والملائكة شهدوا لله بأنه لا إله إلا هو, كما شهد الله بذلك لنفسه المقدسة, وأولوا العلم شهدوا بذلك أيضاً أنه لا إله إلا هو, وفسرت بالإقرار والتبيين والإظهار, واستشهادهم فيه تعديل وتزكية لأهل العلم إذا ارتقوا إلى هذا المقام الذي استشهدهم الله تعالى فيه على وحدانيته , ولينتف جحد الجاحدين وانتحال المبطلين, وهذا في أعظم حاثٍّ لك على طلب العلم.
فإن الله شهد واستشهد الملائكة, واستشهد أهل العلم, ففي هذه الشهادة رفعة أهل العلم, حيث استشهدوا على ما شهد به رب العالمين, وأي ثناء أشرف من هذا الثناء عليهم وتعديلهم, وشهادته لهم على أنهم أهل العلم, وجعلهم حجة على من أنكرها, فدل على فضل العلم, وفي الحديث (يحمل هذا العلم من كل أمة عدو لها) , وهذا أعظم مرغب في العلم وإن زهد فيه الأكثر, والمراد بالعلم: العلم الشرعي الذي هو نور القلوبстр. 75
لْحَكِيمُ١﴾ [آل عمران:١٨]
وَمَعْنَاهَا: لا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إلا الله٢
الحواشي
(١) وحياتها, وغيره علم نسبي إضافي إما إلى أمور دنيوية, أو علوم حسابية وصناعية أو غير ذلك, وأهله ليسوا من أهل العلم إلا على العلم الشرعي الديني.
١ أي: قائماً بالعدل, فشهد سبحانه أنه قائم بالعدل في توحيده, وبالوحدانية في عدله, والتوحيد والعدل هما جماع صفات الكمال, ونظم الآية شهد الله قائماً بالقسط أنه لا إله إلا هو, ف (قائماً) نصب على الحال, و (لا إله إلا هو) توكيد لما سبق, لعظم شأن التوحيد, ثم أثنى على نفسه المقدسة فأخبر بأنه (العزيز) الذي لا يرام جنابه عظمةً وكبرياءً.
(الحكيم) : في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره, فتضمنت هذه الآية الكريمة أجلّ شهادة وأعظمها وأعدلها وأصدقها من أجلّ شاهد, بأجلّ مشهود به, وتضمنت توحيده تعالى وعدله وعزته وحكمته.
٢ أي: ومعنى هذه الكلمة العظيمة شهادة أن لا إلهследующие страницы →