Полный текст (168 стр.). Показаны 141–168 · переход к 146.
стр. 141
الإسلام١. أخذ على هذا عشر سنين٢، وبعدها توفي، صلاة الله وسلام عليه٣، ودينه باقٍ٤.
وهذا
الحواشي
(١) شرائع الإسلام, وأعظمه الجهاد الذي هو ذروة الإسلام, وأمر به هو الزكاة والصوم سنة
ثنين من الهجرة, وأما الحج فسنة تسع عند الجمهور
١ كبِرِّ الوالدين, وصلة الأرحام, وأداء الأمانات, وسائر مكارم الأخلاق, ومحاسن الأعمال, كما هو معروف من شريعته ﷺ .
٢ كلها توحى غليه فيها الشرائع, أركانها وواجباتها ومستحباتها, وما ينافي ذلك.
٣ بعدما أكمل الله به الدين, وبلغ البلاغ المبين, قال أبو ذر: ما توفي رسول الله ﷺ إلا وما طائر يقلب جناحيه إلا ذكر لنا منه علماً.
٤ موجود, وهو ما تضمنه الكتاب والسنة, مؤيد محفوظ إلى يوم القيامة, كاف لمن تمسك به, وقال صلى الله عليه وسلمك "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله, وسنتي".стр. 142
دينه١ لا خير إلا دله الأُمَّةَ عَلَيْهِ٢، وَلا شَرَّ إِلا حَذَّرَهَا مِنْهُ٣، والخير الذي دل عليه:
الحواشي
(١) ١ الذي ترك أمته عليه, وتكفل الله بحفظه, فتوارثه أهل العلم والدين خلفاً عن سلف, قال السلف: هذا عهد رسول الله ﷺ إلينا, ونحن عهدناه إليكم, وهذه وصية ربنا وفرضه علينا, وهي وصيته وفرضه عليكم, فجرى الخلف على منهاج السلف, واقتفوا آثارهم, ولا يزالون إلى يوم القيامة.
٢ كما تقدم في قوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: من الآية١٢٨] , فصلوات الله وسلامه عليه, كما بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة.
٣ خوفاً على أمته من الوقوع في المهالك, وقد بلغ الدين كله, وبينه جميعه, كما أمره الله , وفي الحديث الشريف: "ما بعث من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم, ويحذرهم من شر ما يعلمه لهم".стр. 143
التَّوْحِيدُ١، وَجَمِيعُ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ٢. وَالشَّرُ الَّذِي حَذَّرَهَا مِنْهُ: الشِّرْكُ٣ وَجَمِيعُ مَا يَكْرَهُ اللهُ وَيَأْبَاهُ٤، بَعَثَهُ اللهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً٥، وافترض طاعته على جميع الثقلين:
الحواشي
(١) ١ فهو أصل كل خير وأعظمه, وأوجب الواجبات, ولأجله أرسلت الرسل وأنزلت الكتب.
٢ من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
٣ فهو أصل كل شر وأعظمه, وأول ما أمر به ﷺ الإنذار عنه, قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر:١،٢] أي: عن الشرك, وكذا كل رسول يحذر أمته عن الشرك ويدعوهم إلى التوحيد.
٤ أي: يمنعه من الأقوال والأعمال.
٥ يعني: بعث الله نبينا محمد ﷺ إلى كافة الناس, عربهم وعجمهم, ذكرهم وأنثاهم, حرهم وعبدهم, أحمرهم وأسودهم, ولا نزاع في ذلك بين المسلمين.стр. 144
الْجِنِّ وَالإِنْسِ١.
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً٢﴾ [الأعراف:١٥٨]
الحواشي
(١) ١بإجماع المسلمين, وقرن بطاعته في غير موضع من كتابه.
٢ وهذا عموم ظاهر في عموم بعثه إلى الناس جميعاً, عربهم وعجمهم, و ﴿جَمِيعاً﴾ تأكيد بعثه إلى الناس كافة, وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ [سبأ: من الآية٢٨] , ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ [الفرقان:٥٦] , ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: من الآية٢٩] , وسورة الرحمن, وسورة الجن, وغيرهما, دالة أوضح دلالة على شمول رسالته إلى الجن والإنس, وقال: "إن الرسل قبلي يبعثون إلى قومهم خاصة, وبعثت إلى الناس كافة" , وهذا من شرفه ﷺ أنه خاتم النبيين, وأنه مبعوث إلى الناس كافة, وهو معلوم من الدين أنه صلوات الله وسلامه عليه رسول الله إلى الثقلينстр. 145
وأكمل الله به الدين١.
والدليل قول تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ٢ وَأَتْمَمْتُ
الحواشي
(١) كلهم, وأن طاعته فرض عليهم كلهم, وهو مقتضى رسالته ﷺ لا يمتري في ذلك إلا مكابر معاند.
١ أي: لم يتوف ﷺ حتى أكمل الله به الدين وبلّغ البلاغ المبين, حتى قال: "تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها, لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك"
٢ هذه الآية لم تنزل إلا قبل وفاته ﷺ بثمانين يوماً, نزلت عليه وهو واقف بعرفة يخطب الناس, وهذا أكبر نعم الله على هذه الأمة, حيث أكمل لها دينها, فلا يحتاجون إلى دين سواه, ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه, وقال تعالى ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ [الأنعام: من الآية١١٥] , أي: صدقاً في الأخبار, وعدلاً في الأوامر والنواهي, وفيها بيان أن الله أكمل لنا الدين, وإنه كمل من جميع وجوهه, والكامل لا يزاد فيه, ولا ينقص منه, ولا يبدل, قال تعالى: ﴿لا مُبَدِّلَстр. 146
عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي١ وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً٢﴾ [المائدة:٣]
الحواشي
(١) لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام: من الآية١١٥] , فمن ادعى أنه يحتاج إلى زيادة فقد كذب وافترى, ورد مدلول هذه الآية ومدلول قوله ﷺ : "إياكم ومحدثات الأمور, فإن كل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة".
لما أخبر تعالى أنه أكمل لنا الدين, وهو أكبر نعمة علينا قال: ﴿وَأَتْمَمْتُ﴾ , أي: أكملت ﴿عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ , ومن تمت عليه النعمة فقد أفلح كل الفلاح.
٢ أي: فارضوه أنتم لأنفسكم, فإنه الدين الذي أحبه ورضيه, وبعث به أفضل الرسل, وأنزل به أشرف كتبه, قال كعب: لو نزلت هذه الآية على غير هذه الأمة لا اتخذوا اليوم الذي أنزلت عليهم فيه عيداً, قال عمر: نزلت يوم جمعة يوم عرفة, وكلاهما بحمد الله لنا عيد, وكذا قال حبر الأمة.стр. 147
وَالدَّلِيلُ عَلَى مَوْتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ١ قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ٢ وَإِنَّهُم
الحواشي
(١) ١ أي من النقل مما يطابق الحس.
٢ أي: أنك يا محمد ستموت, وقام أبو بكر لما توفي ﷺ يبكي, وقال: وقال بأبي أنت وأمي, أما الموتة التي كتبت عليك فقد متّها, وقال تعالى ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: من الآية١٤٤] نعم هو حي ﷺ في قبره حياةً برزخية أعلى وأكمل من حياة الشهداء المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩] , وأما الحياة الجثمانية فلا ريب أنه مات ﷺ , وغسل وكفن وصلي عليه, ودفن في ضريحه صلوات الله وسلامه عليه, ولم يقل أنه لم يمت إلا المبتدعة الخارجة عن منهج الكتاب والسنة, مخافة أن ينتقص عليهم أصلهم الباطل في توجههم إليه, وسؤاله ما لا يقدر عليه, وإلاّ فموته ﷺ معلومстр. 148
مَّيِّتُونَ١ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ٢﴾ [الزمر:٣١،٣٠]
والناس
الحواشي
(١) بالسمع والمشاهدة, مشهور يعلمه العام والخاص لا يمتري فيه إلا مكابر.
١ أي: سيموتون, قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: من الآية١٨٥] .
٢ فيما أنتم فيه في الدنيا من التوحيد والشرك بين يدي الله تعالى, كما في سورة القيامة, وآخر يس, وغيرهما من السور, فالإيمان بالبعث والنشور من القبور من جملة الإيمان باليوم الآخر, فإن الإيمان باليوم الآخر يشمل الإيمان بالبعث, بل الإيمان بالبعث هو معظم الإيمان باليوم الآخر, وهو الذي كان ينكره أهل الجاهلية, أنكروا أن تعود هذه الأجساد كما كانت عظامها ولحمها وعصبها, وذلك من جهلهم بكمال علمه تعالى وقدرته على كل شيء, ولهذا يقرر تعالى بعث الأجساد وردها كما كانت في مواضع من كتابه بكمال علمه وقدرته.стр. 149
إِذَا مَاتُواْ يُبْعَثُونَ١، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى٢﴾ [طه:٥٥] وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً٣ (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ
١ ليجازى كل بعلمه, ويقتص لبعضهم من بعض حتى البهائم.
٢ أي: من الأرض مبدؤكم, فإن أباكم آدم مخلوق من تراب من أديم الأرض, وفي الأرض نعيدكم, أي: إذا متم تصيرون إليها فتدفنون بها, ومن الأرض نخرجكم يوم البعث والحساب , ﴿تَارَةً﴾ أيك مرة أخرى, كقوله: ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [لأعراف: من الآية٢٥] , وفي الحديث أنه ﷺ أخذ قبضة من تراب الأرض فألقاها في القبر فقال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه:٥٥]
٣ أراد تعالى مبدأ خلق آدم من الأرض والناس ولده, و ﴿نَبَاتاً﴾ اسم وضع موضع المصدر, أي: إنبات.
стр. 150
إِخْرَاجاً١﴾ [نوح:١٨،١٧] وَبَعْدَ الْبَعْثِ مُحَاسَبُونَ٢ وَمَجْزِيُّونَ بِأَعْمَالِهِمْ٣.
والدليل قول تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا٤ بِمَا عَمِلُوا
الحواشي
(١) ١ أي: ﴿نُعِيدُكُمْ﴾ في الأرض إذا متم ﴿نُخْرِجُكُمْ﴾ منها بعد البعث أحياء، ﴿إِخْرَاجاً﴾ يعيدكم يوم القيامة كما بدأكم أول مرة.
٢ أي: على الأعمال حسنها وسيئها، والإيمان بالحساب والمجازاة على الأعمال من الإيمان باليوم الآخر أيضا.
٣ دقيقها وجليلها، صغيرها وكبيرها.
٤ يخبر تعالى أنه مالك السماوات والأرض، الغني عما سواه، الحاكم بالعدل، خالق الخلق بالحق ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا﴾ من الشرك فما دونه، ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ وحدوا ربهم وأخلصوا له الطاعة ﴿بِالْحُسْنَى﴾ الجنة، وقال: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه: من الآية١٥] ، والآيات في هذا المعنى كثيرة، يقرر فيها تعالى أنه لا يجازي كلا بعمله،стр. 151
وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم:٣١] وَمَنْ كَذَّبَ بِالْبَعْثِ كَفَرَ١.
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا٢ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ٣ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ٤
الحواشي
(١) إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
١ لتكذيبه الله ورسوله وإجماع المسلمين.
٢ كفّرهم الله تعالى بإنكارهم للبعث في زعمهم أن لن يبعثوا, فدل على إنكار البعث كفر, بل هو من أعظم كفر أهل الجاهلية.
٣ أي: ﴿قل﴾ يا محمد: ﴿بَلَى وَرَبِّي﴾ , جواب تحقيق وقسم بالله العظيم ﴿لَتُبْعَثُنَّ﴾ يوم القيامة, وهذه الآية الثالثة التي أمر الله نبيه أن يقسم بربه على وقوع المعاد ووجوده, وفي يونس: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس:٥٣] , وفي سبأ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ سبأ: من الآية٣] .
٤ أي: لتخبرن بجميع أعمالكم, جليلها وحقيرها,стр. 152
وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ١﴾ [التغابن:٧] وَأَرْسَلَ اللهُ جميع الرسل مبشرين ومنذرين٢.
الحواشي
(١) صغيرها وكبيرها, قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الانبياء:٤٧] .
١ سهل هين عليه, كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: من الآية٢٧] , فإن كان هذا النوع الإنساني في العدم لم يوجد قبل, ثم أوجده الله تعالى من طين, وذراريه من ماء مهين, ثم جعل هذا التناسل منه, فإنه لا يعجزه أن يعيدهم وهو الذي أبدعهم, وفي الحديث: "كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك, فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني, وليس الخلق بأهون علي من آخره".
٢ أي: أرسل الله جميع رسله من أولهم نوح عليهстр. 153
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ١ [النساء:١٦٥] َوَأَّولُهُمْ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ٢، وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم٣.
الحواشي
(١) السلام إلى آخرهم محمد ﷺ كلهم يدعون إلى عبادة الله وحده, وترك عبادة ما سواه, مبشرين من أجابهم إلى ما دعوا إليه برضوان الله وكرامته, ومنذرين محذرين من عصاهم غضب الله وسخطه وعقابه.
١ فلا يقولون يوم القيامة: ما أرسلت إلينا رسولاً, ما أنزلت إلينا كتاباٍ, فانقطعت حجة الخلق على الله بإرسال الرسل وإنزال الكتب, إقامة الحجج عليهم, وتبيين الحق لهم, وركز الفطر في قلوبهم, وانقطعت المعذرة ولم يبق للناس على الله حجة.
٢ كان بينه وبين آدم عشرة قرون كلهم على الإسلام, فلما حدث الشرك بسبب الغلو في الصالحين أرسل إليهم, وهو أول رسول على أهل الأرض بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين,
٣ وهو آخر الرسل إلى أهل الأرض بالكتاب والسنةстр. 154
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَهُمْ نُوحٌ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ ١ [النساء:١٦٣]
وكل أمة
الحواشي
(١) وإجماع المسلمين، وهو خاتم النبيين لا نبي بعده, قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: من الآية٤٠] , وثبت عنه من غير وجه أنه لا نبي بعده, وأجمع المسلمون على ذلك, واشتهر كذب من ادعى النبوة بعده, وأخبر بذلك أنه سيأتي بعده كذابون دجالون ثلاثون كلهم يزعمون أنه نبي, ووقع ما أخبر به ﷺ , وعيسى ابن مريم إذا نزل في آخر الزمان إنما يحكم بشريعة محمد ﷺ , فهو من أمته بإجماع المسلمين
١ أي: من بعد نوح, فهو أول رسول وأول نذير عن الشرك, وقوله لنبيه محمد ﷺ : ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ , بناء على سبق من قوله ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [النساء: من الآية١٥٣] ,стр. 155
بَعَثَ اللهُ إِلَيْهِا رَسُولا مِنْ نُوحٍ إِلَى محمد١
الحواشي
(١) ﴿إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: من الآية٩١] , وقال: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: من الآية٩١] , وقال: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: من الآية١٦٣] وذكر
عدة من الرسل, أي: فقد أنزل عليك كما أنزل عليهم ... إلى أن قال: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: من الآية١٦٥] , ولابن مردويه وابن أبي حاتم, عن أبي ذر قلت: يا رسول الله, كم الأنبياء؟ قال: "مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً" قلت: كم الرسل منهم؟ قال: "ثلاث مائة وثلاثة عشر جم غفير", فأقام تعالى الحجة, وقطع المعاذير بإرسال الرسل وإنزال الكتب.
١ فنوح أول رسول من بني آدم إلى أهل الأرض, وخاتمهم محمد ﷺ , وما من أمة من الأمم, ولا طائفة من الطوائف, إلا وقد بعث الله فيهم رسولاً, إقامة منه تعالى للحجة على عباده, وإيضاحا للمحجة, قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَстр. 156
يَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ١.
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ
الحواشي
(١) رَسُولاً﴾ [الاسراء: من الآية١٥] , ولما كانت الرسل قبل محمد ﷺ كلما هلك نبي خلفه نبي, قيض الله لهذه الأمة أئمة هدى حفظ الله بهم دينه, وأقام بهم الحجة على عباده, ولا تزال إلى قيام الساعة, كما أخبر به ﷺ في قوله: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة إلى قيام الساعة".
١ يدعوهم إلى هذا الذي بعثت به الرسل, ودعوتهم كلهم إلى عبادة الله وحده, وترك عبادة ما سواه, فزبدة جميع ما أرسلت به الرسل هو التوحيد, وما سواه من تحريم وتحليل ففروع, ولا يؤمر بها إلا بعد وجود التوحيد, ولا تقبل ولا يلتفت إليها إلا مع التوحيد الذي هو دين الرسل, من أولهم إلى آخرهم, ولأجله خلقت الخليقة, وأرسلت الرسل, وأنزلت الكتب, وخلقت الجنة والنار.стр. 157
أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ١﴾ [النحل:٣٦] وافترض الله
الحواشي
(١) ١ ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الانبياء:٢٥] , وغير ذلك من الآيات الدالة على عظم التوحيد, وكلا الآيتين فيهما العموم الواضح, أن أول شيء بدأت به الرسل قومهم هو التوحيد, وأيضا في أفراد الرسل جاءت الآيات, كما قال عن نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وغيرهم أن أول شيء بدأوا به قومهم: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون: من الآية٣٢] , فهذه دعوة الرسل, وزبدة الرسالة, وبه تعرف عظمة شأن التوحيد, ومعرفتك عظمه بأن تصرف همتك إليه, وإلى معرفته والعمل به غاية جهدك, وإلى معرفة ما يضاده, وما سواه من أنواع العلوم الفروعية بعد ذلك, فيهتم الإنسان غاية الاهتمام بمعرفة أصل الدين إجمالا قبل الواجب من الفروع, الصلاة والزكاة وغير ذلك, فلا تصح الصلاة ولا الزكاةстр. 158
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) قبل الأصل, فلابد من معرفة أصل الدين إجمالاً, ثم معرفة فروعه تفصيلاً, وفي حديث معاذ لما بعثه إلى اليمن, قال له: "إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب, فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله, فإن أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة" , وهذا يفيد أنهم إذا لم يعلموا التوحيد ولم يعملوا به فلا يدعوهم للصلاة إن لم يطيعوه في الدخول في الإسلام, فإن الصلاة لا تنفع ولا غيرها بدون التوحيد, فإنه لا يستقيم بناء على غير أساس, ولا فرع على غير أصل, والأصل والأساس هو التوحيد, والصلاة وإن كانت هي عمود الإسلام فمع ذلك لم تفرض إلا بعد الأمر بالتوحيد بنحو عشر سنين. ومما يبين أن التوحيد هو الأصل: كونه يوجد من يدخل الجنة ولو لم يصل ركعة واحدة, وذلك إذا اعتقد التوحيد وعمل به ومات متمسكاً به, كأن يقتل قبل أن يصلي أو يموت,стр. 159
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) والصلاة لا تنفع وحدها, ولو صلى وزكى وصام, إذا لم يعتقد التوحيد وبذلك يعرف عظم شأن التوحيد, ومات هلك من هلك إلا بترك العلم بالتوحيد والعمل به, وما دخل الشيطان على من دخل, ولا مزق عقول من مزق, ولا وقع من وقع إلا من آفة قولهم: يكفي النطق بالشهادة, ومجرد المعرفة, حتى أن من علمائهم من لا يعرف التوحيد أصلاً, وذلك لأنهم ابتلوا بالشرك وعبادة الأوثان, وكثرة الشبهات الباطلة, فبذلك خفي التوحيد على كثير ممن يدعي العلم, لعدم المعرفة به, وإلا فمعرفة التوحيد والشرك من أهون ما يكون وأسهله إجمالأً, كما في زمن الصحابة, فإنهم كانوا يعرفون التوحيد والشرك, فمن قال: (لا إله إلا الله) يترك الشرك, ويعلم أنه باطل مناف لكلمة الإخلاص, ولهذا لما دعاهم النبي ﷺ إلى التوحيد, وقال: "قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا", قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾стр. 160
عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادِ الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ، وَالإِيمَانَ بِاللهِ١.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى٢: "مَعْنَى الطَّاغُوتِ مَا تَجَاوَزَ بِهِ الْعَبْدُ حَدَّهُ مِنْ معبود، أو متبوع، أو مطاع"٣.
الحواشي
(١) [صّ:٥] , وأما حين كثرت الشبهات صعب معرفة التوحيد, والتخلص من ضده, وكثر النفاق, وصار الكثير يقولها ويعبد مع الله غيره, فالله المستعان.
١ ولأجل ذلك أرسلت الرسل, وأنزلت الكتب, بل الدين أمران: كفر بالطاغوت, وإيمان بالله, ومن كفر بالطاغوت وآمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها.
٢ هو الإمام محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي, المعروف بابن القيم الجوزية, صاحب التصانيف المقبولة, المتوفى سنة سبعمائة وإحدى وخمسين.
٣ يعني: كل شيء يتعدى به العبد حده, أي: قدرهстр. 161
والطواغيت كثيرة١، رؤوسهم خَمْسَةٌ٢: إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللهُ٣، وَمَنْ عُبِدَ وَهُوَ
الحواشي
(١) الذي ينبغي له في الشرع يصير به طاغوتاً, سواء تعدى حده من معبود مع الله بأي نوعه من أنواع العبادة, أو متبوع في معاصي الله, أو مطاع من دون الله في التحليل والتحريم, ثم قال ابن القيم: فإذا تأملت طواغيت العالم فإذا هي لا تخرج عن هذه الثلاثة.
١ أي: إذا عرفت ما حده ابن القيم بتحقق, تبين أن الطواغيت كثيرة جدا من بني آدم بلا حصر, وذلك أن كل من تجاوز حده في الشرع صار بخروجه منه وتجاوزه طاغوتاً.
٢ أي: أكبر الطواغيت بالاستقراء والتأمل خمسة.
٣ هو رأسهم الأكبر, واللعن في الأصل: الطرد والإبعاد, وتقدم, وإبليس مطرود مبعد عن رحمة الله.стр. 162
رَاضٍ١، وَمَنْ دَعَا النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ نَفْسِهِ٢، وَمَنْ ادَّعَى شَيْئًا مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ٣، وَمَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ٤.
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تعالى: ﴿لاَ
الحواشي
(١) ١ بتلك العبادة الصادرة من العابد بأي نوع من أنواعها, فهو طاغوت من رؤساء الطواغيت وكبرائهم.
٢ ممن يقر الغلو والتعظيم بغير حق كفرعون ومشائخ الضلال الذين غرضهم العلو في الأرض والفساد واتخاذهم أرباباً والإشراك بهم مما يحصل في مغيبهم وفي مماتهم, وحكي عن بعض أئمة الضلال أنه قال: من كان له حاجة فليأتي إلى قبري وليستغث بي.
٣ كالمنجمين والرمالين ونحوهم.
٤ كمن يحكم بقوانين الجاهلية, والقوانين الدولية, بل جميع من حكم بغير ما أنزل الله، سواء كان بالقوانين, أو بشيء مخترع وهو ليس من الشرع, أو بالجور في الحكم فهو طاغوت من أكبر الطواغيت.стр. 163
إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ١ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْد مِن
الحواشي
(١) ١ أي: لا تكرهوا أحد على الدخول في الإسلام، فإنه بين واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج أن يكره أحد على الدخول فيه، فمن هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورا، قيل: في عدد من أولاد الأنصار أرادوا استردادهم لما أجليت بنوا النضير، وقيل: كان في إبتداء الأمر ثم نسخ بالأمر بالقتال، قال الشيخ: شرع الجهاد على مراتب: فأول ما أنزل الله فيه الإذن فيه بقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: من الآية٣٩] ثم نزل وجوبه بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ [النساء: من الآية٧٧] ولم يؤمروا بقتال من سالمهم، وكذا من هادنهم، ثم أنزل الله في (براءة) الأمر بنبذ العهد وقتال المشركين كافة، وبقتال أهل الكتاب إذا لم يسلموا حتى يعطوا الجزية، ولم يبح تركстр. 164
الْغَي١ فَمَن يَكْفُرْ بالطَّاغُوت وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى٢﴾
الحواشي
(١) قتالهم وإن سالموهم وهادنوهم هدنة مطلقة مع إمكان جهادهم، وقال ابن القيم: كان محرما، ثم مأذونا فيه، ثم مأمورا به لمن بدأهم بالقتال، ثم مأمورا به لجميع المشركين، قال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: من الآية٥] وقال ﷺ : "قاتلوا من كفر بالله".
١ أي: ظهر وتميز الحق من الباطل، والإيمان من الكفر، والهدي من الضلال بالآيات والبراهين الدالة على ذلك.
٢ أي: تمسك بالتوحيد وهو العروة الوثقى، واستمسك بالشيء وتمسك به وأمسك: أخذ به وتعلق واستعصم، والعروة الوثقى: القوية التي لا تنفك ولا تنفصم، فمن تمسك بالتوحيد –دين الله الذي أرسل به الرسل وأنزل به الكتب الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه- وصل الجنة بكل حال.стр. 165
[البقرة:٢٥٦] وَهَذَا هُوَ مَعْنَى (لا اله إِلا الله)
وفي الحديث: "رأس الأمر الإسلام٢،
الحواشي
(١) ١ فإن معنى (لا إله إلا الله) : كفر بالطاغوت والإيمان بالله، كما تقدم.
٢ يعني: رأس الدين الذي جاء به النبي ﷺ هو الإسلام، فمن انتسب إلى ما جاء به النبي ﷺ وادعى أنه من أمة الإجابة، وقد فقد منه رأس الأمر وحقيقته –وهو: الإسلام- فليس من أمة الإجابة، والإسلام: هو الملة والدين، فمن فقد منه فقد كذب وافترى في دعواه الإستجابة لله ورسوله، كما أن الحيوان إذا فقد منه رأسه فأي شيء ينفع سائر جسده، فمن ادعى أنه من أمة الإجابة، وقد فقد منه الإسلام رأس الأمر –وأساسه إفراد الله بالعبادة- فلا وجود لما يدعيه؛ لفقد حقيقة الإنتساب، قال شيخ الإسلام: كل اسم علق بأسماء الدين من إسلام أو إيمان أو غيرهما إنما يثبت لمن اتصف بتلك الصفة الموجبة لذلك. اهـ. كمن ادعى أنه متبع لرسول الله ﷺ وهو يدعو مع الله غيره، كأنстр. 166
وعموده الصلاة١، وذروة سنامه الجهاد في
الحواشي
(١) يسأله قضاء الحاجات وتفريج الكربات ويزعم أن ذلك قربة إلى الله، وأنه مما يحبه النبي ﷺ ، ولا ريب أنه هو المضاد المعاند المعادي للنبي ﷺ المنتقص المستهزئ بدين النبي ﷺ ، فإذا كان يقر أن اتباع النبي ﷺ هو الحق ومع ذلك يعمل بخلافه، فقد عكس الدين والشرع جميعا، وخالف ما جاء به الرسول ﷺ ، ومرق من الإسلام، حيث جعل الشرك توحيدا، وزعم أن هذا مما أمر به، فعطل الشرع والدين جميعا.
١ هذا فيه عظم شأن الصلاة، وأنها من الذين بهذا المكان العظيم، وهو أن مكانها من الدين مكان العمود من الفسطاط، فكما أن عمود الفسطاط إذا سقطت سقط الفسطاط، فكذلك إذا فقدت الصلاة سقط دين تاركها، ولم يبقى له دين؛ لأن مجرد ترك الصلاة كفر مخرج من الملة، وهذا الحديث من أدلة ما اختاره الإمام أحمد وغيره أنه إذا تركها كسلا فهو كافر، فإن قوله: "عموده الصلاة" يدلстр. 167
سبيل الله١".
الحواشي
(١) على أن المراد: فعل الصلاة، ليس المراد بالإقرار بها، فإن المبتدأ والخبر معرفتان يقتضيان الحضر، وأنها وحدها عمود الدين، وأما جحد وجوبها فكفر إجماعا، وإن فعلها، كما أن جحد شيء مجمع عليه عند الأئمة كفر.
١ ذروة الشيء: أعلاه، وذروة البعير: سنامه، وهو أعلاه وأرفعه، وهذا يفيد أن الجهاد هو أعلى وأرفع خصال الدين؛ وذلك لأن فيه بذل المهج التي ليس شيء أنفس منها، ولا يعادلها شيء البتة، فيبذل مهجته، ويبذل ماله لظهور الدين وتأييده، وجهاد الكفار والمنافقين، فبذلك استحق أن يكون من الدين بهذا المكان، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة: من الآية٧٣] ، ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: من الآية٤١] ، ﴿وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: من الآية١١] ، ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصف:١٢] وغير ذلك من الآياتстр. 168
والله أعلم. وصلى الله علي محمد وآله وصحبه وسلم١.
الحواشي
(١) والأحاديث المستفيضة في فضل الجهاد والحث عليه، وهو ركن من أركان الدين.
١ ختم المصنف ﵀ هذه النبذة الجليلة كغيره برد العلم إلى من هو بكل شيء محيط علما، وسأله أن يثني على نبيه وآله وصحبه، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليما كثيرا.