Полный текст (168 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ١﴾ [النحل:١٢٨] وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ٢ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ٣ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ٤ (٢١٩)
الحواشي
(١) إحداهما أكمل من الأخرى, فإن لم تحصل على عبادة الله كأنك تشاهده فاعبده على مرأى من الله, وأنه سمع عليم بجميع ما تفعله.
١ أي: أن الله مع عباده الذين اتقوا المنهيات, والذين هم محسنون في العمل يحفظهم ويكلؤهم ويؤيدهم, وهذه معية خاصة, ومقتضاها مقتضى العامة, وتقتضي المعية الخاصة معنا زائد بحسب مواطنها
٢ في جميع أمورك فإنه مؤيدك وحافظك
٣ ومعتن بك في جميع حركاتك وسكاناتك
٤ أي: يراك في صلاتك في حال قيامك وركوعك وسجودك وقعودك.стр. 107
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ١﴾ [الشعراء:٢١٧ ـ٢٢٠] وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ ٢ [يونس:٦١] والدليل من السنة٣: حديث جبريل المشهور
الحواشي
(١) ١أي: سميع لأقوال عباده, العليم بحركاتهم وسكناتهم, وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤]
وغيرها من الآيات الدالة على رؤية الله واطلاعها على أفعال خلقه
٢ أي: ﴿وَمَا تَكُونُ﴾ يا محمد في عمل من الأعمال, ﴿وَمَا تَتْلُو﴾ من الله من قرآن نازل, أو من شان من قرآن نزل فيه, ﴿وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾ أنت وأمتك ﴿إِلاَّ كُنَّا﴾ أي: إلا ونحن عليكم شهوداً مشاهدون لكم راؤون سامعون, ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أي: تأخذون في ذلك الشيء
٣ أي: والدليل على مراتب الدين الثلاث من الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ في ذلك.стр. 108
عن عمر رضي الله عنه١ قال: "بينا نحن جلوس عند رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٢ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ٣، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ٤، لا يُرى
الحواشي
(١) ١من طرق عن النبي ﷺ , وإنما ذكر المصنف ﵀ ما أخرجه مسلم من حديث عمر ﵁, لما فيه من زوائد الفوائد, وهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة, ولأحمد وغيره نحوه من حديث ابن عباس وغيره, وهو حديث جليل عظيم الشأن, يشتمل على بيان الدين كله
٢ وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة كان النبي ﷺ بارزا يوماً للناس.
٣ ولأبي فروة: فإنا لجلوسا عنده, إذ أقبل رجل أحسن الناس وجهاً, وأطيب الناس ريحاً, كأن ثيابه لم يمسها دنس
٤ ولابن حبان: شديد سواد اللحيةстр. 109
عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ١، فجلس إلى النبي فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فخذيه٢،
الحواشي
(١) ١ ولسليمان التيمي: ليس عليه سحناء السفرو وليس من البلد. اهـ. وتعجب الصحابة من هذا الرجل حيث كان شديد بياض الثياب, شديد سواد الشعر, والمسافر من شأنه أن لا يكون كذلك, ومع ذلك لا يرى عليه أثر السفر, ولم يعرفه الحاضرون. وفي رواية عثمان: فنظر القوم بعضهم إلى بعض فقالوا: ما نعرف هذا. وفي رواية لمسلم: أن رسول الله ﷺ : "سلوني" فهابوا أن يسألوه, قال: فجاء رجل
٢ وفي حديث ابن عباس وغيره: ثم وضع يده على ركبتي النبي ﷺ . ولسليمان التيمي: فتخطى حتى برك بين يدي النبي ﷺ كما يجلس احدنا في الصلاة, ثم وضع يديه على ركبة النبي ﷺ . وصنيعه ﵇ منبه للإصغاء إليه, وفيه إشارةстр. 110
وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام١. قال: "أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ وَتُؤْتِيَ الزكاة، وتصوم رمضان،
الحواشي
(١) لما ينبغي للمسؤول من التواضع والصفح عما يبدوا من جفاء السائل, كوضعه يده على ركبته, ولعل مبالغة جبرائيل تعمية لأمره
١ ولفظ الترمذي وغيره: أنه بدء بالسؤال عن الإيمان قبل الإسلام, كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة, وفي بعض روايات حديث عمر: أنه سأله عن الإحسان بين الإسلام والإيمان, قال الحافظ: ولا شك أن القصة واحدة اختلف الرواة في تأديتها, وليس في السياق ترتيب, وفي رواية أبي فروة أنه قال: السلام عليك يا رسول الله قبل السؤال. وقوله: يا محمد, أخبرني عن الإسلام, لعله مبالغة في التعمية.стр. 111
وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنْ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلا"١. قَالَ: صدقت. فعجبنا له يسأله
الحواشي
(١) ١ ولفظ الصحيحين قال: "أن تعبد الله لا تشرك به شيئاً". والمراد بالعبادة: النطق بالشهادتين, وإنما احتاج أن يوضحها بقوله: لا تشرك به شيئاً, ولم يحتج إليها في رواية عمر لاستلزامها ذلك, وفيه: "تقيم الصلاة المكتوبة, وتؤدي الزكاة المفروضة, وتصوم رمضان, وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً". وهذه الأركان الخمسة هي الإسلام, وفي بعض الروايات: فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم؟ قال: نعم: نعم. فدل على أن من أكمل الإتيان بمباني الإسلام الخمس صار مسلماً حقاً وهذا هو دليل المرتبة الأولى، وفسره بأعمال الجوارح الظاهرة, والإسلام: هو الدين, قال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة: من الآية٣] , وهو الصراط المستقيم الذي أمر الله بالاستقامة عليه.стр. 112
وَيُصَدِّقُهُ١. قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ. قَالَ: "أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وبالقدر خيره وشره" قال: صدقت٢. قال:
الحواشي
(١) ١ عجب الصحابة ﵃ منه, فإن من شأن السائل أن يجهل ما يسأل عنه
٢ وقد ذكر الله الإيمان بهذه الأصول في مواضع من كتابه, والنبي ﷺ جعل هذه الستة أركان ومبانيه, ‘عادة (تؤمن) عند ذكر القدر, للاهتمام بشأنه, وبهذا الحديث احتج عبد الله بن عمر, وقال في القدرية: والذي يحلف به ابن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر, وفي رواية: "وتؤمن بالجنة والنار" , فإذا فعلت ذلك فأنا مؤمن؟ قال: نعم. وهذا دليل المرتبة الثانية, وفسره بالأعمال الباطنة, ودل الحديث على أن الإسلام والإيمان إذا اقترنا فير الإسلام بالأعمال الظاهرة, والإيمانстр. 113
فأخبرني عَنِ الإِحْسَانِ. قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"١ قال أخبرني عن
الحواشي
(١) بالأعمال الباطنة.
١ هذا القدر من الحديث أصل من أصول الدين, وقاعدة مهمة من قواعد العلم, وهو من جوامع الكلم التي أوتيها ﷺ , فإن إحسان العبادة: هو الإخلاص فيها, والخضوع, وفراغ البال حال التلبس بها, ومراقبة المعبود, وأشار في الجواب إلى حالتين: أرفعهما: أن يغلب عليه مشاهدة الحق بقلبه حتى كأنه يراه, والثانية: أن يستحضر الحق تعالى مطلعاً عليه, يرى كل ما يعمل, وهاتان الحالتان تثمرهما معرفة الله وخضيته, وفي رواية: "أن تخشى الله كأنك تراه" فجعل النبي ﷺ هذا هو الإحسان, وهو دليل المرتبة الثالثة, ففي هذا الحديث دليل هذه المراتب الثالث, وأن أركانها هي ما عدها المصنف ﵀, وفي رواية:стр. 114
الساعة١. قال: "ما المسؤول عنها
الحواشي
(١) فعجبنا له يسأله ويصدقه, كما ذكر ذلك بعد الإسلام والإيمان, وفي رواية أبي فروة: "فلما سمعنا قول الرجل: صدقت, أنكرناه" وفي رواية مطر: أنظر إليه كيف يسأله, انظروا إليه كيف يصدقه كأنه أعلم منه. وفي حديث أنس: أنظروا هو يسأله وهو يصدقه كأنه أعلم منه. وفي رواية سليمان بن بريدة: قال القوم ما رأينا رجل مثل هذا, كأنه يعلم رسول الله ﷺ , يقول له: صدقت صدقت. قال القرطبي: إنما عجبوا من ذلك لأن ما جاء به النبي ﷺ لا يعرف إلا من جهته, وليس هذا السائل ممن عرف بلقاء النبي ﷺ ولا بالسماع منه, ثم هو يسأل سؤال عارف بما يسأل عنه, لأنه يخبره بأنه صادق فتعجبوا من ذلك تعجب المستبعد لذلك
١ ولفظ الصحيحين: متى الساعة؟ أي: مت تقوم الساعة؟ والمراد: يوم القيامة.стр. 115
بأعلم من السائل"١. قال: أخبرني عن أماراتها٢. قال: "أن تلد الأمة
الحواشي
(١) ١ وفي رواية أبي فروة: فنكس فلم يجبه, ثم أعاد فلم يجبه ثلاثاً, ثم رفع رأسه فقال: "ما المسؤول أعلم من السائل", أي. أنا وأنت سواء في العلم بها، فإنها مما استأثر الله بعلمه, كما في الآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [ان: من الآية٣٤] وفي الحديث: "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله" قال: "ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله" , وفي حديث ابن عباس هنا فقال: "سبحان الله, خمس من الغيب لا يعلمهن إلا الله" ثم تلا الآية. وفيه التعميم تعريضاً للسامعين أن كل مسؤول وسائل عنها فهو كذلك, وكف السامعين عن السؤال عن وقتها فإنهم قد أكثروا عليه ﷺ في ذلك
٢ وفي حديث أبي هريرة: "وسأخبرك عن أشراطها" , وفي رواية أبي فروة: "ولكن لها علامات تعرف بها" , وفي رواية سليمان التيمي: "ولكن إن شئتстр. 116
رَبَّتَهَا١، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشاء يتطاولون في البنيان"٢
نبأتك عن أشراطها" قال: "أجل". فالأشراط والعلامات: الأمارات, جمع أمارة, بالفتح: الدلالة والبرهان على اقتراب قيامها, والمراد: العلامات السابقة, وأما ما يقارنها فكطلوع الشمس من مغربها
١ أي: سيدتها, والمعنى: أن السراري تكثر في العرب حتى يوجد أن الأمة تلد سيدتها, وفسر بغير ذلك, وحاصله: الإشارة إلى أن الساعة يقرب قيامها عند انعكاس الأمور بحيث يصير المربي مربيا, والسافل عاليا.
٢ أي: ومن أماراتها "أن ترى الحفاة": جمع حاف, وهو الذي لا نعال عليه. "العراة": جمع عارٍ, وهو الذي لا ثياب عليه. "العالة": جمع عائل, والعائل: هو الفقير. "رعاء الشاء": يعني الغنم, "يتطاولون في البينيان" , والعرب كانوا قبل بعثة النبي
стр. 117
قال: فمضى. فلبثنا ملياً١. فقال: " يا
الحواشي
(١) ﷺ حفاة عراة, كما في هذا الحديث وكانوا في أشد حالة وأدناها, فمن الله عليهم بالإسلام وقواهم حتى استنفقوا خزائن كسرى وقيصر, ثم وصلوا إلى أن وقعوا فيما أخبر به النبي ﷺ أنه من علامات قيام الساعة, ولفظ الصحيحين من حديث أبي هريرة: "وإذا رأيت الحفاة الرعاة رؤوس الناس" أي: ملوكهم "فذلك من أشراطها, وإذا تطاول الرعاء إليهم في البنيان فذلك من أشراطها". فعدها ثلاثاً, والمراد: أن أسافل الناس يصيرون رؤساءهم وتكثر أموالهم حتى يتباه بطول البنيان وزخرفته, وفي الحديث: "إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة" لأنه يفسد نظام الدين والدنيا, وهذا كله من انقلاب الحقائق في آخر الزمان وانعكاس الأمور.
١ أي: زمان بعد انصرافه, فكان النبي ﷺ أعلمهم بعد مضي الوقت, لكنه في ذلك المجلس إلا أن في رواية الترمذي وغيره: فلبث ثلاثاً, ولفظстр. 118
عُمَرُ أَتَدْرُونَ مَنِ السَّائِلِ " قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أعلم١. قال: " هذا جبريل
الحواشي
(١) الصحيحين: ثم أدبر, فقال: "ردوه" فأخذوا ليردوه فلم يرو شيئاً, وفي رواية سليمان التيمي: فولى, فقال رسول الله ﷺ : "علي بالرجل", فطلبناه كل مطلب فلم نقدر عليه, فقال: " هل تدرون ... " إلخ, وفي روايات أخر تدل على أن النبي ﷺ أخبر الصحابة بشأنه في المجلس بعد أن التمسوه, فأما خبر عمر فلعله خطاب له وحده, أو من تصرف بعض الرواة
١ هذا فيه أن من سأل عما لا يعلم أن يكل العلم إلى عالمه, ولا يتكلف ما ليس له به علم, كما قال ﷺ فيما حكى الله عنه: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦] فإن من أعظم التكلف أن تسأل الإنسان عن شيء فيتكلف العلم به, ولهذا قيل في (الله أعلم) : نصف العلم, يعني: أن العلم ينقسم إلى قسمين: فوظيفة ما تعلم أن تجيب عنهстр. 119
أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُم"١.
الأَصْلُ الثَّالِثُ٢: مَعْرِفَةُ نبيكم عليه الصلاة والسلام٣
الحواشي
(١) بما تعلمه, وما لا تعلمه تقول فيه: الله أعلم
١ وفي رواية: "يعلمكم دينكم" , فأخبر النبي ﷺ ما ذكر في هذا الحديث هو أمر الدين, بل هو الدين, فإنه قد اشتمل على أصول الدين والعقائد بل انحصر في العلوم الشرعية التي يتكلم عليها فرق المسلمين في هذا الحديث, ورجعت كلها إليه, وعقيدة أهل السنة والجماعة عليه, وشرفه وجلالته أمر مجمع عليه.
٢ أي: من أصول الدين الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها
٣ فمعرفة نبينا محمد ﷺ هي أحد الأصول الثلاثة, فكما أن الأصل الأول: وهو معرفة الله العظيم وواجب معرفته, وكذلك الأصل الثاني: وهو معرفة دين الإسلام الذي خلقنا الله له وتعبدنا بالقيام بهстр. 120
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) أصل عظيم وواجب معرفته, فكذلك هذا الأصل الثالث: وهو معرفة نبينا محمد ﷺ أصل عظيم يجب معرفته, فإنه ﷺ هو الواسطة بيننا وبين الله تعالى, ولا وصول لنا ولا اطلاع لنا ولا طريق لنا ولا نعرف ما ينجينا من غضب الله وعقابه ويقربنا من رضي الله وثوابه إلا بما جاء به نبينا محمد ﷺ , وإذا كان كذلك عرفنا وجه كون معرفته أحد الأصول الثلاثة التي يجب معرفتها, فإنا لا نعرف الأصل الأول الذي هو معرفة الرب ﷻ , ولا الأصل الثاني الذي هو دين الإسلام إلا بالواسطة بيننا وبين الله, فتحتمت معرفته ﷺ , وصارت أصلا ثالثا, إذ لا يمكن معرفة المرسل إلا بمعرفة رسوله, فصار من الضروريات معرفة الرسول ﷺ , وبذلك ظهر أن معرفته ﷺ أحد الأصول الثلاثة, ومعرفته تنتظم أشياء عديدة: منها: معرفة اسمه ونسبه وعمره, وبقائه في الدنيا ووفاته, ومعرفة ما نبئ به , وما أرسل به, وبلده ومهاجره, ومنها-وهو أعظمها-: معرفة ما بعث به, وغير ذلك مما ذكر المصنف وغيره.стр. 121
وهو محمد بن عبد لله١ بن عبد لمطلب بن هاشم٢. وهاشم من قريش،
الحواشي
(١) ١ كان له ﷺ عدة أسماء أشهرها محمد, ولهذا جاء في القرآن بهذا الاسم على وجه التنويه, كما في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: من الآية٤٠] , ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: من الآية١٤٤] ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح: من الآية٢٩] , فهذا أشهر أسمائه ﷺ , ومعناه: الذي يحمد أكثر مما يحمد غيره, وهو علم مشتق من التحميد, ولما فيه من الخصال الحميدة, ولقبه: أبو القاسم, وأبوه: عبد الله, وهو الذبيح الثاني المفدى بمائة من الإبل.
٢ عبد المطلب اسمه: شيبة, ويقال له شيبة الحمد, لجوده, وجماع أمر قريش إليه, وإنما سمي بعبد المطلب, لأن عمه المطلب قدم به مكة, وهو رديفه, وهو تغير لونه بالسفر فحسبوه عبداً له, فقالوا: هذا عبد المطلب, فعلق به هذا الاسم, وهاشم اسمه: عمرو, وإنما سمي هاشما, لهشمهстр. 122
وقريش من العرب١، والعرب من ذرية
الحواشي
(١) الثريد مع اللحم لقومه في سني المحل
١ قريش: هو النضر, فإن إليه جماع قريش, ولا خلاف بين العلماء أن هاشم ابن لعبد مناف, واسمه المغيرة بن قصي بن كلاب مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان, وما فوقه فيها خلاف, والعرب هنا المراد بهم: المستعربة, فإن العرب قسمان: عاربة, ومستعربة, والعاربة قحطان, والمستعربة عدنان, وهم أفضل من العرب العاربة, كيف ومنهم النبي ﷺ , وهو القائل: "إن الله اصطفى بني إسماعيل من العرب, واصطفى من بني إسماعيل كنانة, واصطفى من كنانة قريش, واصطفى من قريش بني هاشم, واصطفاني من بني هاشم, فأنا خيار من خيار". وقال أبو سفيان لهرقل لما سأله: كيف هو فيكم؟ قال: هو فينا ذو نسب, قال: وهكذا الرسل تبعث في أنساب قومها, يعني: في أكرمها أحساباًстр. 123
إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَالسَّلامِ١. وَلَهُ مِنَ الِعُمُرِ ثَلاثٌ وستون سنة٢، منها أربعون قبل
الحواشي
(١) ١ وهذا لا خلاف فيه, ولا خلاف أن الخليل من ذرية سام بن نوح, وذكر جمهور المؤرخين أن الخليل ﵇ بن تارخ بن ناحور بن ساروغ بن راعو بن فالغ بن عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام بن نوح ﵇,
٢ ولد ﵊ يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول عام الفيل, وفيه بعث وفيه عرج به إلى السماء, وفيه هاجر إلى المدينة, وفيه توفي صلوات الله وسلامه عليه, قال ﷺ : "ذلك يوم ولدت فيه وأنزل عليه فيه" ووارتج لمولده ﷺ إيوان كسرى, وخمدت النيران, وخر كثير من الأصنام, وظهر النور معه, حتى أضاءت له قصور الشام, وهتفت به الجن, وجرى من معجزات آياته غيرстр. 124
النبوة١، وثلاث وعشرون نبياً رسولاً٢.
الحواشي
(١) ذلك, وتوفي أبوه وهو حمل, وكان عند جده, ثم عمه أبي طالب, وتزوج خديجة وله خمسة وعشرون سنة, ومنها أولاده إلا إبراهيم فمن مارية, وشهد حلف المطيبين وبناء الكعبة, وكان يسمى: الأمين قبل مبعثه صلوات الله وسلامه عليه
١ عند جماهير أهل العلم بسيرة رسول الله ﷺ , والنبوة: من النبأ وهو الخبر, لأنه يخبر عن الله, وقيل: من النبوة, وهو الارتفاع, لارتفاع رتبته, وإنما كان كذلك, لأنه ارتفع على غيره.
٢ والنبي: ‘إنسان ذكر, أوحي إليه بشرع وإن لم يؤمر بتبليغه, وإن أمر بتبليغه فهو رسول, وبينهما عموم وخصوص, فالرسالة أعم من جهة نفسها ولأخص من جهة أصحابها, والنبوة أخص من جهة نفسها وأعم من جهة أصحابها, فالنبوة جزء من الرسالة, إذ الرسالة تتناول النبوة وغيرها, وكل رسول نبي وليس كل نبي رسول.стр. 125
نبىء بـ اقْرَأْ١ وأرسل بـ الْمُدَّثِّرُ٢. وبلده
الحواشي
(١) ١ أي: أنزل عليه يوم الاثنين بلا خلاف, والمشهور أنه أنزل عليه في رمضان بغار حراء صدر سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق:١،٢] ففيها التنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة, وخص بالإنسان, لما أودعه من عجائب آياته, ومن كرم الله أن علمه ما لم يعلم فشرفه بالعلم, والعلم: تارة يكون في الأذهان, وتارة يكون في اللسان, وتارة في الكتابة بالبنان, ولهذا قال: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:٣-٥] ورجع بها يرجف فؤاده, فقالت له خديجة: والله لا يخزيك الله, وأخبرت ورقة ابن نوفل, فقال: هذا الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى.
٢ أي: بصدر سورة ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ الآيات, بعد فترة الوحي, ولما جاء الملك فرق منه فقال: "دثروني" فأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ , ثم حمى الوحي وتتابع, وكان أول ما أنزل عليهстр. 126
مكة١، وهاجر إلى المدينة٢، بعثه الله بالنذارة عن الشرك، ويدعو إلى التوحيد
الحواشي
(١) بعد فترة الوحي, وحينئذ شمر رسول الله ﷺ عن ساق العزم ودعا إلى الله.
١ ولد بها في شعب علي, ونشأ بها إلا ما كان منه وهو مع مرضعته السعدية في البرية, ثم رجع إليها في حضانة جده, ثم عمه, وأوحى إليه بها, وبقي بها ثلاث عشر سنة بعد أن أوحي إليه.
٢ بعد أن هموا بقتله ﷺ , فتغيب في الغار, ثم سار هو وأبو بكر مهاجراً إلى المدينة, وذلك بعد أن بايعوه ﷺ على النصرة والمؤازرة, وأرخت الأمة من مهاجره ﷺ .
٣ ذكر المصنف ﵀ جملة مما يعرف به النبي ﷺ , وأعظمها وأعلاها معرفة ما بعث به ﷺ , وأنه بعث بالنذارة عن الشرك والدعوة إلى التوحيد, وقدم المصنف النذارة عن الشرك قبل الدعوة إلى التوحيد, لأن هذا مدلول كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) , ولأن الآية الآتية تقتضي ذلك, فبدأ بجانبстр. 127
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنذِرْ١ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ٢ (٣) وَثِيَابَكَ الحواشي
(١) الشرك لكون العبادة لا تصح مع وجود المنافي, فلو وجدت والمنافي لها موجود لم تصح, ثم ثنى بالتوحيد, لأنه أوجب الواجبات, ولا يرفع عمل إلا به.
١ هذه أول آية أرسل بها, وأول أمر طرق سمعه في حال إرساله ﷺ , وذلك أنه ﷺ لما رأى الملك الذي جاءه بحراء حين أنزل عليه ﴿اقْرَأْ﴾ رعب منه, فأتى إلى أهله فقال: "دثروني" فأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ أي: المتدثر بثيابه, المتغشي بها من الرعب الذي حصل من رؤية الملك عند نزول الوحي. ﴿قُمْ﴾ أي: من دثارك فأنذرهم وحذرهم من عذاب ربك إن لم يؤمنوا, بهذا حصل الإرسال, كما حصل بالأول النبوة.
٢ أي: عظم ربك عما يقوله عبدة الأوثان.стр. 128
التوحيد١ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ عَظِّمْهُ بِالتَّوْحِيدِ٢ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ أَيْ طَهِّرْ أَعْمَالَكَ
الحواشي
(١) ١ فإن الشرك أعظم ذنب عصي الله به, ولا يرفع معه عمل, والتوحيد أوجب الواجبات, وأول دعوة الرسل من أولهم إلى أخرهم ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [لأعراف: من الآية٥٩] , فشمر ﷺ عن ساق العزم وأنذر الناس, وعم وخص وأوذي على ذلك هو ومن اتبعه, وجرى للمصنف-مجدد هذه الدعوة ﵀ نحو مما جرى عليه ﷺ هو وأصحابه, وصبروا, وكانت لهم العاقبة, وأظهر الله الدين بعد دروسه على يديه وأتباعه, فلله الحمد والمنة, وجزاه الله - ومن آواه ونصره - عن الإسلام والمسلمين أحسن الجزاء.
٢ فهو سبحانه الإله الحق لا ند له ولا مثل له, فلا شريك له في إلهيته ولا في ربوبيته, بل هو المستحق أن يعبد وحده لا يشرك معه أحد في عبادته, فإن الشرك مع كونه أظلم الظلم فهو هضم للربوبية, وتنقص للألوهية, وسوء ظن برب العالمين.стр. 129
عَنِ الشِّرْكِ١ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ الرُّجْزَ: الأَصْنَامُ٢، وَهَجْرُهَا تركها٣ وأهلها٤ وَالْبَرَاءَةُ مِنْهَا وَأَهْلُهَا، أَخَذَ عَلَى هَذَا عَشْرَ سنين يدعو إلى
الحواشي
(١) ١ وهو أعظم ذنب عصي الله به, أو طهر نفسك مما يستقذر من الأقوال والأفعال
٢ قال ابن عباس وغيره من المفسرين, ويقال: الشرك, ويقال: الزاي منقلبة عن السين, ويدل عليه قوله ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: من الآية٣٠] , وقال ابن عباس أيضاً: اترك المآثم, والمعنى: اترك كل ما أوجب العذاب من الأقوال والأفعال.
٣ والإعراض عنها, وهجر الشيء يهجره, صرمه وقطعه, والهجر: ضد الوصل, فالنبي ﷺ أمر بترك الأوثان ومباعدتها ومصارميها وجميع المآثم.
٤ قال تعالى عن الخليل: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: من الآية٤٨] , ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: من الآية٤٩] , فلا يتم توحيد العبد حتى يتبرأ من الكفر وأهل الكفر ويباعدهم وينابذهم.стр. 130
التوحيد١، وبعد العشر عرج به إلى
الحواشي
(١) يتبرأ من الكفر وأهل الكفر ويباعدهم وينابذهم.
١ أي: أخذ رسول الله ﷺ في بيان التوحيد والدعوة إليه, وبيان الشرك والإنذار عنه, والتحذير منه عشر سنين, قبل فرض الصلاة التي هي عماد الدين, وقبل بقية الشرائع, وبهذا يتبين لك حقيقة ما بعث به النبي ﷺ ودعت إليه الرسل كلهم هو إنذار عن الشرك, والنهي عنه, والدعوة إلى التوحيد, وبيانه وتوضيحه, كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الانبياء:٢٥] ,وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: من الآية٣٦] وقال عن نوح وهود وصالح وشعيب, أول شيء بدأوا به قومهم أن قالوا: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [لأعراف: من الآية٥٩] , وخاتمهم محمد ﷺ , أول شيء دعاهم إليه أن قال: "قولوا: لا إله إلا الله", فقالوا ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [صّ:٥] .стр. 131
السماء١، وفرضت عليه الصلوات
الحواشي
(١) وقال صلى اله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: " فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله" , وفي رواية: "فادعهم إلى توحيد الله" , وهذه الروايات يفسر بعضها بعضاً, فانبي ﷺ إنما بعث بالدعوة إلى التوحيد, وذلك لأنه أساس الملة الذي تبنى عليها, وبدونه لا يبني شيء من الأعمال, فالتوحيد هو الأصل, وبقية شرائع الدين فرع عنه, فإذا زال الأصل زال الفرع, فأي بيان أبين من هذا؟ على أن التوحيد أوجب الواجبات, ومعرفته أفرض الفرائض, كونه ﷺ أخذ عشر سنين يدعو إلى التوحيد, وينذر عن الشرك قبل أن تفرض عليه الفرائض.
١ أسري بجسده ﷺ وروحه جميعاً من المسجد الحرام على البراق إلى البيت المقدس يقظةً لا مناماً, كما أخبر الله عنه ثم صعد به جبرائيل إلى السماء على المعراج, وهو المصعد الذي تصعد فيه الملائكة, كلّما مر بسماء تلقاه مقربوها حتىстр. 132
الْخَمْسُ١، وَصَلَّى فِي مَكَّةَ ثَلاثَ سِنِينَ٢، وَبَعْدَهَا أُمِرَ بالْهِجْرَةِ إِلَى المدينة٣.
الحواشي
(١) جاوزهم إلى سدرة المنتهى, فبلغ من الارتفاع والعلو إلى ما الله به عليم, ودنا من الجبار ﷻ , وكلمة بلا واسطة, فأوحى إليه ما أوحى.
١ وكان أول فرضها خمسين صلاة, ولم يزل يتردد بين موسى وربه حتى وضعها إلى خمس, وقال: "هي خمس, وهي خمسون..الحسنة بعشر أمثالها" , ثم هبد إلى البيت المقدس وهبط الأنبياء معه, وأمّهم في بيت المقدس, ثم ركب البراق ورجع إلى مكة, وحدثهم عمّا رآه مسيره صلوات الله وسلامه عليه.
٢ يعني: بعد أن عرج به وفرضت غليه قبل الهجرة , كما هو ظاهر في سياق ابن إسحاق: أن الإسراء قبل الهجرة بثلاث سنين, وقيل: سنة, وقيل: ونصف, وقيل: بخمس, والله أعلم.
٣ أي: وبعد ثلاث عشرة من مبعثه صلى الله غليه وسلم أمر بمفارقةстр. 133
والهجرة: الإنتقال من بلد الكفر إِلَى بَلَدِ الإِسْلامِ١
وَالْهِجْرَةُ فَرِيضَةٌ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ مِنْ بَلَدِ الشِّرْكِ إِلَى بلد الإِسْلامِ٢،
الحواشي
(١) المشركين وأوطانهم بحيث يتمكن من إظهار دينه, والدعوة إلى الله في غير بلادهم, فإن ذلك واجب وفرض, وما لات يتم الواجب إلا به فهو واجب, ولا يتم الفرض والواجب إلا مع مفارقة المشركين عن الأوطان, فإنه إذا كان في بلد لا يقدر على إظهار دينه والتصريح به وتبيينه, وجب عليه مفارقة ذلك الوطن لإظهار دينه.
١ إحرازاً للدين, وسمي المهاجرون مهاجرون لأنهم هاجروا ديارهم ومساكنهم التي نشأوا بها لله, ولحقوا بدار ليس لهم فيها أهل ولا مال, دين هاجروا إلى المدينة, فكل من فارق بلده فهو مهاجر, والمهاجرة في الأصل: مصارمة الغير ومقاطعته ومباعدته.
٢ معلوم ثبوتها بالكتاب والسنة والإجماع, متوعد منстр. 134
وَهِيَ بَاقِيَةٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ١: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ٢ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ٣
الحواشي
(١) تركها, وقد حكى الإجماع على وجوبها من بلد الشرك إلى بلد الإسلام غير واحد من أهل العلم, بل فرضها الله على رسوله ﷺ والصحابة قبل فرض الصوم والحج, كما هو مقرر في كتاب الأصول والفروع, معلوم بالضرورة من الدين.
١ باتفاق من يعتد به من أهل العلم, قال شيخ الإسلام: لا يسلم أحد من الشرك إلا بالمباينة لأهله.
٢ يعني: بالإقامة بين أظهر الكفار, نزلت في أناس من أهل مكة تكلموا بالإسلام ولم يهاجروا, فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ﴾ أراد ملك الموت وأعوانه, أو ملك الموت وحده, فإن العرب قد تخاطب الواحد بلفظ الجمع. ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ بترك الهجرة.
٣ أي: لم مكثتهم ههنا وتركتم الهجرة؟ استفهام إنكارстр. 135
قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ١ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا٢ فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً٣ (٩٧) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ٤ لاَ يَسْتَطِيعُونَ
الحواشي
(١) وتوبيخ وتقريع, يعود معناه إلى لم مكثتم ههنا وتركتم الهجرة, وفي أي فريق كنتم؟ والملائكة تعلم في أي فريق كان فيه التاركون للهجرة بعدما وجبت عليهم.
١ عاجزين عن الهجرة, لا نقدر عن الخروج من البلد, ولا الذهاب في الأرض.
٢ يعني: إلى المدينة فتخرجوا من بين أهل الشرك, ولم تعذرهم الملائكة, وفي الحديث: "من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله" رواه أبو داود وغيره في أحاديث أخر.
٣ أي: بئس المصير إلى جهنم, وهذا فيه أن تارك الهجرة بعدما وجبت عليه مرتكب كبيرة من كبائر الذنوب.
٤ العاجز عن الهجرة, ﴿وَالْوِلْدَانِ﴾ جمع وليدстр. 136
حِيلَةً١ وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً٢ (٩٨) فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ٣ وَكَانَ اللهُ عَفُوّاً غَفُوراً٤﴾ [النساء:٩٧ ـ٩٩] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ٥
الحواشي
(١) ووليدة والوليد الغلام قبل أن يحتلم.
١ أي: من مفارقة المشركين, فلا يقدرون على حيلة ولا على نفقة, ولا على القوة للخروج.
٢ لا يعرفون طريقا إلى الخروج من مكة إلى المدينة، حيث كانت هي إذ ذاك بلد الإسلام.
٣ أي: يتجاوز عن المستضعفين وأهل الأعذار بترك الهجرة, وعسى من الله واجب, لأنه للإطماع.
٤ ﴿عَفُوّاً﴾ يتجاوز عن سيئاتهم , ﴿غَفُوراً﴾ لمن تاب إليه, لا يكلف نفساً إلا وسعها, قال ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين, وكان النبي ﷺ يدعو للمستضعفين في الصلاة.
٥ أمر تعالى عباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين إلى أرضه الواسعة,стр. 137
فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ١﴾ [العنكبوت:٥٦]
قَالَ الْبُغَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ٢: "سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين في مكة لم يهاجروا،
الحواشي
(١) وأخبر أن الأرض غير ضيقة, بل واسعة تسع جميع الخلائق, فإذا كان الإنسان في أرض لم يتمكن من إظهار الدين فيها, فإن الله قد وسع له الأرض ليعبده فيها كما أمر, وكذلك يجب على كل من كان ببلد يعمل فيها بالمعاصي ولا يمكن تغييرها أن يهاجر منها.
١أي: وحِّدون في أرضي الواسعة التي خلقتها وما عليها لكم, وخلقتكم عليها لعبادتي, وفي الحديث القدسي: "ابن آدم خلقتك لأجلي, وخلقت كل شيء لأجلك".
٢ الملقب: محيي السنة, أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء, صاحب التفسير وشرح السنة وغيرهما, المتوفى سنة خمسمائة وستة عشر سنة.стр. 138
نَادَاهُمُ اللهُ بِاسْمِ الإِيمَانِ١".
وَالدَّلِيلُ عَلَى الْهِجْرَةِ من السنة٢ قوله: "لا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ٣، وَلا تنقطع التوبة حتى
الحواشي
(١) ١ حكاه عن جماعة من التابعيين, فأفاد: أن تارك الهجرة بعدما وجبت عليه ليس بكافر, لكنه عاصٍ بتركها, فهو مؤمن ناقص الإيمان, عاصٍ من عصاة الموحدين المؤمنين.
٢ أي: على وجوب الهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام من سنة النبي ﷺ التي أمرنا باتباعها.
٣ أي: لا تنقطع الهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام حتى تنقطع التوبة, أي: حتى لا تقبل التوبة ممن تاب, فدل الحديث على أن التوبة ما دامت مقبولة فالهجرة واجبة بحالها, وأما حديث ابن عباس: "لا هجرة بعد الفتح, ولكن جهاد ونية" , فالمراد: لا هجرة بعد فتح مكة منها إلى المدينة, حيث كانت مكة بعدد فتحها بلد إسلام, فإن أناساً أرادوا أن يهاجروا منها إلى المدينة ظناًстр. 139
تطلع الشمس من مغربها"١.
فَلَمَّا اسْتَقَرَّ فِي الْمَدِينَةِ، أُمِرَ بِبَقِيَّةِ شَرَائِعِ
منهم أنه مرغب فيها, فبين لهم ﷺ أنه إنما حث عليها لما كانت مكة بلد كفر, أما وقد كانت بلد إسلام فلا, فالمعنى: لا هجرة من مكة إلى المدينة, أما ثبوت الهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام, وبقاؤها فمعلوم بالنص والإجماع.
١ فإذا طلعت الشمس من مغربها فهو أوان قيام الساعة, وهي أقرب علاماتها, وإذا طلعت لا تقبل توبة, قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: من الآية١٥٨] , وجاء في ذلك أحاديث كثيرة, وهذا يفسر بقيام الساعة, فدل على أنها تقبل قبل طلوع الشمس من مغربها, وما دامت تقبل التوبة فلا تنقطع الهجرة, وفي الحديث: "أنا بريء من مسلم بات بين ظهراني المشركين" , وقال: "لا ترائا نارهما" , وقال: "الهجرة باقية ما قوتل العدو" , وقال لا يسلم لذي دين دينه إلا من فر من شاهق إلى شاهق.
стр. 140
الإِسْلامِ١، مِثلِ الزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالْحَجِّ، وَالأَذَانِ، وَالْجِهَادِ، وَالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ٢، وَغَيْرِ ذَلِكَ من شرائع
الحواشي
(١) ١ أي: لما هاجر من مكة إلى المدينة واستقر بها وفشا التوحيد ودان به أولئك وأقاموا الصلاة, أمر ببقية شرائع الإسلام التي تعبّد الله خلقه بها, إذ عامت شرائع الإسلام لم تشرع إلا في المدينة.
٢ قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [لأعراف: من الآية١٥٧] , وهذه صفته في الكتب المتقدمة, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عام وفرض على كل واحد بحسبه, قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: من الآية١١٠] وقال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: من الآية١٠٤] وأعلاه باليد, فمن لم يقدر فبلسانه, فمن لم يقدر فبقلبه, وذلك أضعف الإيمان, والأمر بالمعروف من أعظمстр. 141
الإسلام١. أخذ على هذا عشر سنين٢، وبعدها توفي، صلاة الله وسلام عليه٣، ودينه باقٍ٤.
وهذا
الحواشي
(١) شرائع الإسلام, وأعظمه الجهاد الذي هو ذروة الإسلام, وأمر به هو الزكاة والصوم سنة
ثنين من الهجرة, وأما الحج فسنة تسع عند الجمهور
١ كبِرِّ الوالدين, وصلة الأرحام, وأداء الأمانات, وسائر مكارم الأخلاق, ومحاسن الأعمال, كما هو معروف من شريعته ﷺ .
٢ كلها توحى غليه فيها الشرائع, أركانها وواجباتها ومستحباتها, وما ينافي ذلك.
٣ بعدما أكمل الله به الدين, وبلغ البلاغ المبين, قال أبو ذر: ما توفي رسول الله ﷺ إلا وما طائر يقلب جناحيه إلا ذكر لنا منه علماً.
٤ موجود, وهو ما تضمنه الكتاب والسنة, مؤيد محفوظ إلى يوم القيامة, كاف لمن تمسك به, وقال صلى الله عليه وسلمك "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله, وسنتي".стр. 142
دينه١ لا خير إلا دله الأُمَّةَ عَلَيْهِ٢، وَلا شَرَّ إِلا حَذَّرَهَا مِنْهُ٣، والخير الذي دل عليه:
الحواشي
(١) ١ الذي ترك أمته عليه, وتكفل الله بحفظه, فتوارثه أهل العلم والدين خلفاً عن سلف, قال السلف: هذا عهد رسول الله ﷺ إلينا, ونحن عهدناه إليكم, وهذه وصية ربنا وفرضه علينا, وهي وصيته وفرضه عليكم, فجرى الخلف على منهاج السلف, واقتفوا آثارهم, ولا يزالون إلى يوم القيامة.
٢ كما تقدم في قوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: من الآية١٢٨] , فصلوات الله وسلامه عليه, كما بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة.
٣ خوفاً على أمته من الوقوع في المهالك, وقد بلغ الدين كله, وبينه جميعه, كما أمره الله , وفي الحديث الشريف: "ما بعث من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم, ويحذرهم من شر ما يعلمه لهم".стр. 143
التَّوْحِيدُ١، وَجَمِيعُ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ٢. وَالشَّرُ الَّذِي حَذَّرَهَا مِنْهُ: الشِّرْكُ٣ وَجَمِيعُ مَا يَكْرَهُ اللهُ وَيَأْبَاهُ٤، بَعَثَهُ اللهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً٥، وافترض طاعته على جميع الثقلين:
الحواشي
(١) ١ فهو أصل كل خير وأعظمه, وأوجب الواجبات, ولأجله أرسلت الرسل وأنزلت الكتب.
٢ من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
٣ فهو أصل كل شر وأعظمه, وأول ما أمر به ﷺ الإنذار عنه, قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر:١،٢] أي: عن الشرك, وكذا كل رسول يحذر أمته عن الشرك ويدعوهم إلى التوحيد.
٤ أي: يمنعه من الأقوال والأعمال.
٥ يعني: بعث الله نبينا محمد ﷺ إلى كافة الناس, عربهم وعجمهم, ذكرهم وأنثاهم, حرهم وعبدهم, أحمرهم وأسودهم, ولا نزاع في ذلك بين المسلمين.стр. 144
الْجِنِّ وَالإِنْسِ١.
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً٢﴾ [الأعراف:١٥٨]
الحواشي
(١) ١بإجماع المسلمين, وقرن بطاعته في غير موضع من كتابه.
٢ وهذا عموم ظاهر في عموم بعثه إلى الناس جميعاً, عربهم وعجمهم, و ﴿جَمِيعاً﴾ تأكيد بعثه إلى الناس كافة, وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ [سبأ: من الآية٢٨] , ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ [الفرقان:٥٦] , ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: من الآية٢٩] , وسورة الرحمن, وسورة الجن, وغيرهما, دالة أوضح دلالة على شمول رسالته إلى الجن والإنس, وقال: "إن الرسل قبلي يبعثون إلى قومهم خاصة, وبعثت إلى الناس كافة" , وهذا من شرفه ﷺ أنه خاتم النبيين, وأنه مبعوث إلى الناس كافة, وهو معلوم من الدين أنه صلوات الله وسلامه عليه رسول الله إلى الثقلينстр. 145
وأكمل الله به الدين١.
والدليل قول تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ٢ وَأَتْمَمْتُ
الحواشي
(١) كلهم, وأن طاعته فرض عليهم كلهم, وهو مقتضى رسالته ﷺ لا يمتري في ذلك إلا مكابر معاند.
١ أي: لم يتوف ﷺ حتى أكمل الله به الدين وبلّغ البلاغ المبين, حتى قال: "تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها, لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك"
٢ هذه الآية لم تنزل إلا قبل وفاته ﷺ بثمانين يوماً, نزلت عليه وهو واقف بعرفة يخطب الناس, وهذا أكبر نعم الله على هذه الأمة, حيث أكمل لها دينها, فلا يحتاجون إلى دين سواه, ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه, وقال تعالى ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ [الأنعام: من الآية١١٥] , أي: صدقاً في الأخبار, وعدلاً في الأوامر والنواهي, وفيها بيان أن الله أكمل لنا الدين, وإنه كمل من جميع وجوهه, والكامل لا يزاد فيه, ولا ينقص منه, ولا يبدل, قال تعالى: ﴿لا مُبَدِّلَследующие страницы →