← Акыда

Акыда · id 11149

حاشية كتاب التوحيد

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (404 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة ... حاشية كتاب التوحيد تأليف: شيخ الإسلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب قدس الله روحه بقلم الفقير إلى ربه: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي الحنبلي رحمه الله تعالى ١٣١٢ - ١٣٩٢ هـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ترجمة مؤلف المتن: شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى هو الإمام العلامة الرباني، محيي السنة مجدد الدعوة، وحيد الزمان، بقية أكابر السلف، أبو علي شيخ الإسلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن الشيخ سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن مشرف بن عمر بن معضاد بن ريس بن زاخر بن محمد بن علوي بن وهيب بن قاسم بن موسى بن مسعود بن عقبة الحنظلي التميمي. ولد سنة ١١١٥ هـ. في بلدة العيينة من أرض نجد، وقرأ القرآن قبل بلوغه العشر. وكان حاد الفهم سريع الإدراك، يتعجب أهله من فطنته وذكائه، أخذ عن والده وغيره، ثم رحل للتزود من طلب العلم، فأتى البصرة والحجاز مرارا والأحساء وغيرها، وتضلع عن علماء تلك الأقطار، ومنهم: محمد حياة السندي المدني، والشيخ إسماعيل العجلوني، وعلي أفندي الداغستاني، والشيخ عبد الله بن إبراهيم النجدي ثم المدني، وغيرهم وأجازوه، وتنور وظهر له ما كان الناس عليه من الجهل بالتوحيد، وما وقعوا فيه من عبادة غير الله، وحج ووقف بالملتزم، وسأل الله أن يظهر هذا الدين بعد أن عفا بدعوته، وأن يرزقه القبول من الناس. وقصد المدينة المنورة وحضر عند علمائها، وارتحل يريد الشام، وحصل له عائق لما اقتضته الحكمة الإلهية من ظهور هذا الدين في البلاد النجدية، فرجع إليها وقدم على والده في بلدة حريملاء، ودعا إلى السنة المحمدية، ثم ارتحل إلى العيينة، وأزال ما في الجبيلة وتلك الجهات من القباب والمساجد المبنية على قبور الصحابة وغيرها، ثم قدم الدرعية، وتلقاه الإمام محمد بن سعود وبادره بالقبول، فشمر في الدعوة إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة

стр. 2

وسائر شرائع الإسلام، والنهي عن الشرك بالله وسائر المحرمات، وأقام الله به علم الجهاد، وأدحض به شبه أهل الشرك والعناد، وجد الإمام في نصرته، وألبّ عليهم رؤساء العربان والبلدان، واستصرخوا عليهم بأهل نجران وأهل الحجاز وغيرهم فثبتهم الله ونصرهم على قلة منهم، وانتشر التوحيد، وعمرت به نجد بعد خرابها، واجتمعت بعد افتراقها، وكان لهم الغلبة والظهور. وبالجملة فمحاسنه وفضائله أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تذكر، افتخرت به نجد على سائر الأمصار، وزها عصره على سائر الأعصار، وشهد له أهل عصره ومن بعدهم بالعلم وتجديد الدين، وتواتر الثناء عليه عن فضلائهم وأكابرهم. قال العلامة الشيخ محمد بن علي الشوكاني قاضي صنعاء: لقد أشرقت نجد بنور ضيائه ... وقام مقامات الهدى بالدلائل فما هو إلا قائم في زمانه ... مقام نبي في إماتة باطل وقال الشيخ محمد بن إسماعيل الصنعاني: وقد جاءت الأخبار عنه بأنه ... يعيد لنا الشرع الشريف بما يبدي وينشر جهرا ما طوى كل جاهل ... ومبتدع منه فوافق ما عندي ويعمر أركان الشريعة هادما ... مشاهد ضل الناس فيها عن الرشد وقال الشيخ ملا عمران نزيل لنجة: فأتاهم الشيخ المشار إليه بالن ... صح المبين وبالكلام الجيد يدعوهمو لله أن لا يعبدوا ... إلا المهيمن ذا الجلال السرمدي لا يشركوا ملكا ولا من مرسل ... كلا ولا من صالح أو سيد وقال عالم الأحساء الشيخ حسين بن غنام: لقد رفع المولى به رتبة الهدى ... بوقت به يعلى الضلال ويرفع سقاه نمير الفهم مولاه فارتوى ... وعام بتيار المعارف يقطع

стр. 3

فأحيا به التوحيد بعد اندراسه ... وأوهى به من مطلع الشرك مهيع سما ذروة المجد التي ما ارتقى لها ... سواه ولا حاذى فناها سميدع وشمر في منهاج سنة أحمد ... يشيد ويحمي ما تعفى ويرفع وقال الشيخ عبد القادر بن بدران الدمشقي: ((ولما امتلأ وطابه من الآثار وعلم السنة، وبرع في مذهب أحمد أخذ ينصر الحق ويحارب البدع، ويقاوم ما أدخله الجاهلون في هذا الدين الحنيفي والشريعة السمحاء، ولم يزل مثابرا على الدعوة حتى توفاه الله)) . وقال في الفكر السامي: ((أصبح ابن عبد الوهاب ذا شهرة طبقت العالم الإسلامي وغيره، معدودا من الزعماء المؤسسين للمذاهب الكبرى)) اهـ. بل شهد له الموافق والمخالف أنه المصلح الأكبر، وكان ﵀ مع قيامه بأعباء الدعوة ومجاهدة المشبهين والمبطلين متبتلا في العبادة كثير الإفادة غزير الاستفادة، رحل إليه في طلب العلم من جميع النواحي، ومجالسه مشهورة بالتدريس، معمورة بالفقهاء في جميع فنون العلم. وصنف مصنفات شهيرة سارت في الآفاق، منها: كتاب كشف الشبهات، وكتاب أصول الإيمان، وفضائل الإسلام، وفضائل القرآن، وكتاب السيرة المختصرة، والسيرة المطولة، وكتاب مجموع الحديث، ومختصر الشرح الكبير والإنصاف، ومختصر الصواعق، وفتح الباري، والهدي، والعقل والنقل، وكتاب الإيمان، وله رسائل ونصائح وأجوبة، وله الاستنباط من كتاب الله ما يقصر عنه الفحول الأفاضل، وهذا الكتاب في التوحيد وما يجب من حق الله على العبيد، الذي لم يعلم له نظير في الوجود. قال فيه الشيخ سليمان بن سحمان ﵀: قد ألف الشيخ في التوحيد مختصرا ... يكفي أخا اللب إيضاحا وتبيانا فيه البيان لتوحيد الإله بما ... قد يفعل العبد للطاعات إيمانا

стр. 4

حبا وخوفا وتعظيما له ورجا ... وخشية منه للرحمن إذعانا وغير ذلك مما كان يفعله ... لله من طاعة سرا وإعلانا وفيه توحيدنا رب العباد بما ... قد يفعل الله إحكاما وإتقانا وفيه توحيدنا الرحمن أن له ... صفات مجد وأسماء لمولانا وفيه تبيان إشراك يناقضه ... بل ما ينافيه من كفران من خانا أو كان يقدح في التوحيد من بدع ... شنعاء أحدثها من كان فتانا أو المعاصي التي تزري بفاعلها ... مما ينقص توحيدا وإيمانا فساق أنواع توحيد الإله كما ... قد كان يعرفه من كان يقظانا وساق فيه الذي قد كان ينقصه ... لتعرف الحق بالأضداد إمعانا مضمنا كل باب من تراجمه ... من النصوص أحاديثا وقرآنا الشيخ ضمنه ما يطمئن له ... قلب الموحد إيضاحا وتبيانا فاشدد يديك بهذا الأصل معتصما ... يورثك فيما سواه الله عرفانا وانظر بقلبك في مبنى تراجمه ... تلقى هنالك للتحقيق عنوانا وللمسائل فانظر تلقها حكما ... يزداد منهن أهل العلم إتقانا وقل جزى الله شيخ المسلمين كما ... قد شاد للملة السمحاء أركانا وقال الشيخ أحمد بن مشرف رحمه الله تعالى: وألف في التوحيد أوجز نبذة ... بها قد هدى الرحمن للحق من هدى نصوصا من القرآن تشفي من العمى ... وكل حديث للأئمة مسند ومن استقرأه علم ذلك. أخذ عنه العلم عدة من العلماء الأجلاء من بنيه وبنيهم، وغيرهم من علماء الدرعية وسائر النواحي. وممن تأهل منهم أبناؤه: الشيخ عبد الله وحسين وعلي. وحفيده الشيخ عبد الرحمن بن حسن، والشيخ حمد بن ناصر بن معمر، والشيخ عبد العزيز الحصين.

стр. 5

والشيخ سعيد بن حجي، والشيخ محمد بن سويلم، والشيخ محمد بن سلطان وغيرهم ممن ولي القضاء، وممن لم يله الخلق الكثير. توفي ﵀ وأسكنه الفردوس الأعلى سنة ١٢٠٦ هـ، وكان يوما مشهودا، وحصل بموته الخطب الجليل والفادح العظيم، ورثاه جماعة من العلماء ذكرنا منها طرفا في مجموع الرسائل. ومن أراد الاطلاع على حقيقة حاله وما منحه الله وما جرى له وعليه، فعليه بروضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب، للشيخ حسين بن غنام رحمهما الله تعالى.

стр. 6

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، قيوم السماوات والأرضين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث بتوحيد رب العالمين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. أما بعد: فإن (كتاب التوحيد) الذي ألفه شيخ الإسلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب أجزل الله له الأجر والثواب، ليس له نظير في الوجود، قد وضح فيه التوحيد الذي أوجبه الله على عباده وخلقهم لأجله، ولأجله أرسل رسله، وأنزل كتبه، وذكر ما ينافيه من الشرك الأكبر، أو ينافي كماله الواجب من الشرك الأصغر والبدع، وما يقرب من ذلك أو يوصل إليه، فصار بديعا في معناه لم يسبق إليه، علما للموحدين وحجة على الملحدين، واشتهر أي اشتهار، وعكف عليه الطلبة، وصار الغالب يحفظه عن ظهر قلب، وعم النفع به، وتصدى لشرحه والتعليق عليه جماعة من الجهابذة النبلاء، وأول من تصدى لشرحه وأجاد حفيده الشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله، ثم هذبه وكمله حفيده أيضا الشيخ عبد الرحمن بن حسن، وأبرزا فيهما من البيان ما ينبغي أن يرجع إليه، وعلق عليه أيضا الشيخ عبد الرحمن حاشية مفيدة، وعلق عليه تلميذه الشيخ حمد بن عتيق، وتلميذه الشيخ عبد الله أبا بطين وغيرهم، ولشدة الاعتناء بهذا السفر الجليل تطفلت عليه بوضع حاشية مختصرة منتخبة مما أبرزوه وغيره، تسهيلا للطالب، متوخيا فيها ما يلقيه أشياخنا الشيخ عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ سعد بن الشيخ حمد بن عتيق، والشيخ محمد بن الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف وغيرهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 7

بسم الله الرحمن الرحيم (١) ــ (١) ابتدأ بالبسملة اقتداء بالكتاب العزيز، وتأسيا بالنبي ﷺ في مكاتباته، وعملا بحديث: " كل أمر ذي بال " ١ أي حال وشأن يهتم به شرعا " لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع " ٢ وفي رواية "أبتر " أي ناقص البركة. وهو وإن تم حسا لم يتم معنى وحقيقة; ولم يفتتح المصنف كتابه بخطبة تنبئ عن مقصوده مفتتحة بالحمد والشهادة والصلاة على النبي ﷺ . ولعله حمد وتشهد نطقا عند وضع الكتاب، واقتصر على البسملة؛ لأنها من أبلغ الثناء والذكر، وللخبر، وكان ﷺ يقتصر عليها في مراسلاته، فكأنه أجراه مجرى الرسائل إلى أهل العلم، لينتفعوا بما فيه تعلما وتعليما. وقال حفيده: ((وقع لي نسخة بخطه ﵀ بدأ فيها بالبسملة، وثنى بالحمدلة والصلاة على النبي ﷺ ) . والحمد ذكر محاسن المحمود مع حبه وإجلاله وتعظيمه، ومعنى الصلاة على النبي ﷺ هو الثناء على رسول الله ﷺ والعناية به. وإظهار شرفه وفضله وحرمته. وعلى هذا فالابتداء بالبسملة حقيقي وبالحمدلة نسبي إضافي، أي بالنسبة إلى ما بعد الحمد يكون مبدوءا به. والباء متعلقة بمحذوف، اختير كونه فعلا خاصا متأخرا، لئلا يتقدم فيه غير ذكر الله (وليصح الابتداء في كل قول وعمل; ولأن الحذف أبلغ فلا حاجة إلى النطق بالفعل لدلالة الحال على أن كل قول أو فعل فإنما هو باسم الله. والتقدير بسم الله أؤلف حال كوني مستعينا بذكره متبركا به. و "الاسم" مشتق من السمو وهو الارتفاع، أو الوسم وهو العلامة؛ لأن كل ما سمي فقد نوه باسمه ووسم، و"الله" علم على =

стр. 8

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = ربنا ﵎، وهو أعرف المعارف الجامع لمعاني الأسماء الحسنى، وهو مشتق بمعنى أنه دال على صفة له. وأصله "الإله" حذفت الهمزة وأدغمت اللام في اللام فقيل "الله"، ومعناء ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين. و "الرحمن" رحمان الدنيا والآخرة. و "الرحيم" رحمة خاصة بالمؤمنين. و "الرحمن" دال على الصفة القائمة به. و "الرحيم" دال على تعلقها بالمرحوم.

стр. 9

كتاب التوحيد (١) ــ (١) كتاب: مصدر كتب يكتب كتابا وكتابة وكتبا، ومدار المادة على الجمع، ومنه تكتب بنو فلان إذا اجتمعوا، والكتيبة لجماعة الخيل. والكتابة بالقلم لاجتماع الحروف والكلمات، والمراد به هنا المكتوب، أي هذا مكتوب جامع لخصائص التوحيد وحقوقه ومكملاته، وما ينافيه من الشرك الأكبر، أو ينافي كماله الواجب من الشرك الأصغر. أو البدع القادحة في التوحيد، أو المعاصي المنقصة للتوحيد، وبيان الوسائل والذرائع الموصلة إلى الشرك والمقربة منه بالبراهين القاطعة من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة. والتوحيد: مصدر وحّده يوحّده توحيدا، جعله واحدا أي فردا، ووحّده قال: إنه واحد أحد، أو قال لا إله إلا الله. والواحد والأحد وصف اسم الباري تعالى لاختصاصه بالأحدية. وأقسام التوحيد ثلاثة: (الأول) توحيد الربوبية. وهو العلم والإقرار بأن الله رب كل شيء وخالقه ومليكه، والمدبر لأمور خلقه جميعهم. (والثاني) توحيد الأسماء والصفات. وهو أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ من صفات الكمال ونعوت الجلال، من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل. (والثالث) توحيد الإلهية. وهو إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، ويتعلق بأعمال العبد وأقواله الظاهرة والباطنة، خلاف ما زعمه المتكلمة والصوفية وغيرهم من أن المراد بالتوحيد مجرد توحيد الربوبية، وأنهم إذا أثبتوا ذلك فقد أثبتوا غاية التوحيد، وأن من أقر بما يستحقه –سبحانه- من الصفات، ونزهه عن كل ما نزه عنه، وأقر أنه –سبحانه- خالق كل شيء فهو الموحّد، =

стр. 10

قول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) . ــ = بل لا يكون موحدا حتى يشهد أن لا إله إلا الله وحده، ويقر أنه وحده هو الإله المستحق للعبادة; ويلتزم بعبادته وحده لا شريك له. وأقسام التوحيد الثلاثة متلازمة، كل نوع منها لا ينفك عن الآخر، فمتى أتى بنوع منها ولم يأت بالآخر لم يكن موحدا. والقسم الثالث هو مقصود المصنف -رحمه الله تعالى- بتصنيف هذا الكتاب، وإن كان قد ضمنه النوعين الآخرين؛ لأن هذا النوع هو أول دعوة الرسل أن: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ١، ولعموم البلوى في زمانه بعبادة القبور والأشجار وغيرها، ودعوة الأنبياء والأولياء والصالحين وغيرهم، فمن أجل ذلك صرف العناية في بيان ذلك. وإن شئت قلت كما قال ابن القيم وغيره: التوحيد نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات، وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات. وتوحيد في الطلب والقصد، وهو توحيد الإلهية والعبادة. وبهذا التوحيد ولأجله أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، بل كل سورة في القرآن فهي متضمنة لنوعي التوحيد، بل كل آية متضمنة للتوحيد شاهدة به داعية إليه؛ فإن القرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله وأقواله، وهو التوحيد العلمي الخبري. وإما دعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما يعبد دونه وهو الإرادي الطلبي. وإما أمر ونهي، وهو حقوق التوحيد ومكملاته. وإما خبر عن أهل التوحيد وجزائهم وأهل الشرك وجزائهم، فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه وفي الشرك وأهله وجزائهم، وركنا التوحيد الصدق والإخلاص. قال ابن القيم: والصدق والإخلاص ركنا ذلك الت ... وحيد كالركنين للبنيان وحقيقة الإخلاص توحيد المر ا ... د فلا يزاحمه مراد ثان (١) قول بالجر عطف على التوحيد، ويجوز الرفع على الابتداء. والعبادة لغة: التذلل والانقياد. وشرعا: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال =

стр. 11

وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ١ (١) ــ = الظاهرة والباطنة. (وما خلقت) أي ما خلق الله الثقلين الجن والإنس إلا لحكمة عظيمة، وهي عبادته وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه. ففعل الأول وهو خلقهم ليفعلوا هم الثاني وهو عبادته، لا ليفعل هو سبحانه بهم الثاني فيجبرهم على العبادة; فإن من سبقت عليه الشقاوة لم يرد سبحانه وقوع العبادة منه، لما له في ذلك من الحكمة. وقال بعض السلف: إلا لآمرهم وأنهاهم. واختاره الزجاج والشيخ وغرهما; قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ ٢ لا يؤمر ولا ينهى. وقال: (اعبدوا ربكم) أي اتقوه، فقد أمرهم بما خلقوا له وأرسل الرسل بذلك، وكلما وردت العبادة في القرآن فمعناها توحيد الله بجميع أنواع العبادة. وسميت وظائف الشرع عبادات؛ لأنهم يفعلونها خاضعين لله فيكونون من أهل رضاه. قال تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ ٣ أخبر أنه سبحانه غير محتاج إليهم، بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، وفي الآية بيان عظم شأن التوحيد؛ إذ كان الخلق كلهم لم يخلقوا إلا له. (١) الطاغوت: مشتق من الطغيان وهو مجاوزة الحد، وكل من تعدى حده بأي نوع من الطغيان فهو طاغوت، ويكون واحدا وجمعا، ويؤنث ويذكر، وللسلف فيه تفاسير لا تنافي بينها، وكلها ترجع إلى ما قال ابن القيم: ((الطاغوت ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع)) اهـ. وأخبر تعالى أنه بعث في كل طائفة وقرن وجيل من الناس رسولا منذ حدث الشرك في قوم نوح إلى أن ختمهم بمحمد ﷺ ، يأمرهم (أن اعبدوا الله) أي وحدوا الله بالعبادة، (واجتنبوا) اتركوا وفارقوا عبادة ما سواه. ولهذا خلقت الخليقة وأرسلت الرسل وأنزلت الكتب، و (اجتنبوا) أبلغ من اتركوا، =

стр. 12

وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ ١ (١) الآية (٢) ــ = فإن اتركوا لعدم الفعل، واجتنبوا تقتضي ذلك وتقتضي المباعدة والمجانبة، وهذه الآية هي معنى لا إله إلا الله فإنها تضمنت النفي والإثبات، كما تضمنته لا إله إلا الله، ففي قوله: (اعبدوا الله) الإثبات، وقوله: (اجتنبوا الطاغوت) النفي. وهذه طريقة القرآن يقرن النفي بالإثبات، فينفي ما سوى الله، ويثبت عبادة الله وحده، والنفي المحض ليس بتوحيد وكذلك الإثبات بدون النفي، فلا يكون التوحيد إلا متضمنا للنفي والإثبات، وهذا هو حقيقة التوحيد، ففيها بيان عظم شأن التوحيد، وإقامة الحجة على العباد، ومعنى لا إله إلا الله. قال المصنف: ((وفيه الحكمة في إرسال الرسل، وأن الرسالة عمت كل أمة، وأن دين الأنبياء واحد)) . (١) أي أمر ووصى وأوجب على ألسن رسله أن يعبد وحده دون ما سواه، والمراد بالقضاء هنا القضاء الشرعي الديني، فإن القضاء ينقسم إلى قسمين كوني قدري، وشرعي ديني، واشتملت هذه الآيات على جملة الشرائع، وابتدئت بالتوحيد فدل على أنه أوجب الواجبات؛ إذ لا يبتدأ إلا بالأهم فالأهم، وختمت بالنهي عن الشرك، فدل على أنه أعظم المحرمات، وفيها معنى لا إله إلا الله، فإن قوله: (ألا تعبدوا) هو معنى لا إله، وقوله: (إلا إياه) هو معنى إلا الله. (٢) أي وقضى أن تحسنوا بالوالدين إحسانا، كما قضى بعبادته وحده لا شريك له كقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ ٢، وعطف حقهما على حقه دليل على تأكد حقهما، وأنه أؤكد الحقوق بعد الله، وأكده أيضا بالمصدر المؤكد لما فرضه من حقهما؛ لأن الله جعلهما سببا لخروجك من العدم، ولم يخص نوعا من أنواع الإحسان ليعم جميع أنواعه، وتواترت السنة ببر الوالدين وتحريم عقوقهما.: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ٣ أي لا تسمعهما قولا سيئاً حتى =

стр. 13

وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ ١ الآية. (١) وقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ ٢ (٢) . ــ = ولا التأفيف الذي هو أدنى مراتب القول السيئ، تنبيها بما هو فوق ذلك من القول السيء، والفعل السيئ (ولا تنهرهما) أي لا يصدر إليهما منك قول قبيح: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾ ٣ لينا طيبا بأدب وتوقير.: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ ٤ أي تواضع لهما: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾ ٥ أي في كبرهما وعند وفاتهما: ﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ ٦ أي كما رحماني في تربيتهما لي في صغري أو لتربيتهما. وقوله: "الآية" أي إلى آخر الآية، أو اقرأ الآية. (١) يأمر سبحانه عباده بعبادته وحده لا شريك له؛ فإنه الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه، وهو المستحق منهم أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئا، وقرن الأمر بالعبادة التي فرضها بالنهي عن الشرك الذي حرمه، فدلت على أن اجتناب الشرك شرط في صحة العبادة. والشرك تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله. و (شيئا) نكرة في سياق النهي فتعم الشرك قليله وكثيره. وتسمى هذه الآية آية الحقوق العشرة؛ وذلك لأنها تضمنت عشرة حقوق. وابتدأت بالأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك، فدلت على أن التوحيد هو أوجب الواجبات، وأن الشرك أعظم المحرمات. وفيها تفسير التوحيد، وأنه عبادة الله وحده وترك الشرك وهذا وجه مطابقتها للترجمة قاله حفيد المصنف، وفي بعض النسخ المعتمدة تقديمها على آية الأنعام فقدمتها لمناسبة كلام ابن مسعود. (٢) أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله: (تعالوا) أي هلموا وأقبلوا (أتل) أي أقص عليكم وأخبركم بـ: ﴿مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ ٧ حقا لا تخرصا ولا ظنا، بل وحيا منه وأمرا من عنده،: ﴿أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ ٨ كأن في الكلام =

стр. 14

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = محذوفا تقديره: وصاكم ألا تشركوا به شيئا. فيكون المعنى حرم عليكم ما وصاكم بتركه من الإشراك به، ولهذا إذا سئل الصحابة ﵃ عما يقول لهم رسول الله ﷺ قالوا: يقول: " اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا " ١ وذكر سبحانه في هذه الآية جملا من المحرمات، وابتدأها بالنهي عن الشرك، والنهي عنه يستدعي التوحيد بالاقتضاء، فدل على أن التوحيد أوجب الواجبات. وأن الشرك أعظم المحرمات، وهذا وجه مطابقتها للترجمة (وبالوالدين إحسانا) قال القرطبي: ((الإحسان إلى الوالدين برهما، وحفظهما وصيانتهما، وامتثال أمرهما، وإزالة الرق عنهما، وترك السلطنة عليهما)) . و (إحسانا) نصب على المصدرية، أي أحسنوا بالوالدين إحسانا.: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ ٢ أي لا تئدوا بناتكم خشية العيلة والفقر فإني رازقهم وإياكم، أي لا تخافوا من الفقر بسبب رزقهم فهو على الله، وخص الأولاد لأن قتلهم يجمع بين القتل وقطيعة الرحم. فالعناية بالنهي عنه آكد، وكان قتل البنات شائعا فيهم. وربما قتلوا بعض الذكور خشية الافتقار، فنهاهم الله عن ذلك.: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ ٣ نهي عام عن جميع أنواع الفواحش وهي المعاصي. (وظهر وبطن) حالان تستوفيان أقسام ما جعلتا له من الأشياء.: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ ٤ قتلها (إلا بالحق) ، وهذا مما نص على النهي عنه تأكيدا، وإلا فهو داخل في النهي عن الفواحش. (ذلكم وصاكم به) إشارة إلى هذه المحرمات التي أولها النهي عن الشرك، والوصية الأمر المؤكد المقرر، وسميت وصية الميت وصية؛ لأنه يعهدها لمن بعده ليتمسكوا بها. (لعلكم تعقلون) لعل للتعليل أن الله وصانا بهذه الوصايا وأمرنا بها، وأكد علينا فيها لنعقلها ونعمل بها.: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ٥ نهي عام عن القرب الذي يعم وجوه التصرف إلا ما يحسن، والسعي في نمائه. (حتى يبلغ أشده) أي الرشد وزوال السفه مع البلوغ: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ ٦ أمر بإقامة العدل في الأخذ =

стр. 15

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = والإعطاء.: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ١ أي من اجتهد في أداء الحق وأخذه فإن أخطأ بعد استفراغ الوسع وبذله الجهد فلا حرج عليه.: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ٢ أمر بالعدل في القول والفعل على القريب والبعيد، فلا يميل إلى الحبيب والقريب.: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ٣. (وبعهد الله أوفوا) أي وبوصية الله التي وصاكم بها فأوفوا، بأن تطيعوه فيما أمركم به ونهاكم عنه: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٤ تتعظون وتنتهون عما كنتم فيه.: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً﴾ ٥ أي الذي أوصيكم به في هاتين الآيتين المشتملتين على ترك المنهيات وأعظمها الشرك، وفعل الواجبات وأعظمها التوحيد. صراطا مستقيما واضحا سهلا واسعا (فاتبعوه) وهذه آية عظيمة عطفها على ما تقدم. و (أن) في موضع نصب أي: أتل (أن هذا صراطي) أي طريقي ومسلكي وشريعتي (مستقيما) قيما. والصراط: الطريق الذي هو دين الإسلام، وهو طريق الله الذي نصبه لعباده موصلا إليه، وهو شريعة الله لا اعوجاج فيه، ولا طريق إليه سواه، وقد جمع ثلاثة أمور: السهولة والسعة والقرب، فهو أقرب الطرق إلى الله وأوسعها وأسهلها، ولو اجتمع أهل الأرض وأضعاف أضعافهم لوسعهم، بل الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا طريقه الذي نصبه على ألسن رسله، وجعله موصلا لعباده إليه، وهو إفراده بالعبودية، وإفراد رسله بالطاعة. فأمر باتباعه ونهايته الجنة، وتشعبت منه طرق فمن سلك الجادة منها نجا، ومن خرج إلى تلك الطرق أفضت به إلى النار. (ولا تتبعوا السبل) البدع والشبهات، ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ٦ أي تميل وتشتت بكم هذه الطرق المختلفة المضلة عن دينه وطريقه الذي ارتضاه لعباده. وهذه الآيات قيل: إنها المحكمات المذكورة في قوله: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ ٧. وروى الإمام أحمد وغيره عن ابن مسعود قال " خط رسول الله ﷺ خطًا بيده ثم قال "هذا سبيل الله مستقيما"، ثم خطّ خطوطا عن يمينه وشماله، ثم =

стр. 16

قال ابن مسعود ﵁ (١) : " من أراد أن ينظر إلى وصية محمد ﷺ التي عليها خاتمة (٢) فليقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ ١ إلى قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾ ٢ " الآية (٣) . ــ = قال: "وهذه السبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه "، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ "٣، وذكر أولا (تعقلون) ثم (تذكرون) ثم (تتقون) ؛ لأنهم إذا عقلوا تذكروا، فإذا تذكروا خافوا، وكأن المصنف قال: كتاب التوحيد الذي هو الحكمة في إيجاد الثقلين كما في الآية الأولى، والذي هو الحكمة في إرسال الرسل كما في الآية الثانية، والذي هو أوجب الواجبات كما في الآية الثالثة والرابعة والخامسة، والذي ضده هو الشرك أعظم المحرمات كما في الآية الخامسة، والذي هو حق الرب على العباد الذي افترضه عليهم، ولا يقبل منهم سواه كما يأتي في حديث معاذ بن جبل، والذي حقيقته وتفسيره عبادة الله وحده لا شريك له كما في الآية الرابعة وحديث معاذ. (١) هو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي، أبو عبد الرحمن صحابي جليل، من السابقين الأولين، ومن كبار علماء الصحابة، شهد بدرا وما بعدها، ولازم النبي ﷺ وكان صاحب نعليه، وحدث عنه كثيرا، وأمّره عمر على الكوفة ومات سنة ٣٢ هـ. وأثره هذا رواه الترمذي وغيره وحسنه. (٢) بفتح التاء وكسرها، والخاتم حلقة ذات فص من غيرها. وحقيقة الختم الاستيثاق. (٣) أي من أراد أن ينظر إلى الوصية التي كأنها كتبت وختم عليها فلم تغير ولم تبدل، فليقرأ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ ٤ الآيات الثلاث؛ لأن كل آية =

стр. 17

وعن معاذ بن جبل ﵁ (١) قال: " كنت رديف ــ = منها ختمت بقوله: (ذلكم وصاكم به) ، فالرسول ﷺ لو وصى لم يوص إلا بما وصى به الله تعالى، فصارت وصية الله تعالى، ووصية رسوله ﷺ بالمعنى; ولذلك شبهها بالكتاب الذي كتب ثم ختم فلم يزد فيه ولم ينقص. وليس المراد أن النبي ﷺ كتبها وختم عليها، وإنما هذه الآيات كأنها وصية ختمها الرسول ﷺ فلا حاجة بنا أن يوصي، فإن الله قد وصى بما في هذه الآيات؛ لأن فيها ما يكفي عن توصية الرسول ﷺ حيث قال: " ائتوئي بكتاب أكتب لكم فيه شيئا لا تضلوا بعدي "، وذلك في أثناء مرضه ﷺ ، فحيل بينهم وبين أن يكتب، وكثر اللغط. فقال: "اخرجوا عني". فقال ابن عباس ﵄: " إن الرزية كل الرزية ما حال بيننا وبين أن يكتب لنا رسول الله ﷺ الوصية " فذكرهم ابن مسعود ﵁ أن عندهم من القرآن ما يكفيهم؛ فإن النبي ﷺ لو وصى لم يوص إلا بما في كتاب الله. وفي صحيح مسلم: " إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله " ١. وروى الحاكم وصححه عن عبادة مرفوعا: " أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث "، ثم تلا ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ..﴾ ٢ حتى فرغ من الآيات الثلاث. ثم قال: " من أوفى بهن فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئا فأدركه الله به في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله، إن شاء أخذه وإن شاء عفا عنه ". (١) ابن عمرو بن أوس بن كعب بن عمرو الخزرجي الأنصاري، أبو عبد الرحمن صحابي جليل مشهور من أعيان الصحابة كان إليه المنتهى في العلم والأحكام والقرآن، قال ﵇: " يحشر أمام العلماء برتوة " ٣ أي بخطوة أو رمية سهم، شهد بدرا وما بعدها، واستخلفه النبي ﷺ على أهل مكة يوم الفتح يعلمهم دينهم، تم بعثه إلى اليمن قاضيا معلما، مات بالشام في طاعون عمواس سنة ١٨ هـ، وله ٣٨.

стр. 18

النبي ﷺ على حمار (١) فقال لي: " يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد، (٢) وما حق العباد على الله؟ (٣) قلت: الله ورسوله أعلم (٤) . ــ (١) وفي رواية: اسمه عفير، أهداه إليه المقوقس صاحب مصر. والرديف هو الذي تحمله خلفك على ظهر الدابة، وفيه تواضعه ﷺ لركوب الحمار والإرداف عليه، خلافا لما عليه أهل الكبر. (٢) أخرج السؤال بصيغة الاستفهام؛ ليكون أوقع في النفس، وأبلغ في فهم المتعلم، وحق الله على العباد هو ما يستحقه عليهم من عبادته وحده. قال ابن القيم: حق الإله عبادة بالأمر لا ... بهوى النفوس فذاك للشيطان من غير إشراك به شيئا هما ... سببا النجاة فحبذا السببان (٣) ليس على الله حق واجب بالعقل كما تزعمه المعتزلة، لكن هو سبحانه كتب ذلك على نفسه تفضلا وإحسانا، فهو متحقق لا محالة؛ لأنه قد وعدهم ذلك جزاء لهم على توحيده،: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ ١، كتب على نفسه الرحمة، وأوجب على نفسه الحق، لم يوجبه عليه مخلوق. قال شيخ الإسلام: كون المطيع يستحق الجزاء هو استحقاق إنعام وفضل، ليس هو استحقاق مقابلة، كما يستحق المخلوق على المخلوق: ما للعباد عليه حق واجب ... كلا ولا سعي لديه ضائع إن عذبوا فبعدله أو نعموا ... فبفضله وهو الكريم الواسع (٤) فيه حسن الأدب من المتعلم، وأنه ينبغي لمن سئل عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم. قال ابن مسعود: " من كان عنده علم فليقل به، وإلا فليقل: الله أعلم ".

стр. 19

قال: " حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا (١) ، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئا (٢) . قلت: يا رسول الله أفلا أبشر الناس (٣) ؟ ــ (١) أي يوحدوه بالعبادة ويفردوه، ويتجردوا من الشرك قليله وكثيره صغيره وكبيره، ومن لم يتجرد من الشرك لم يكن آتيا بعبادة الله وحده. بل هو مشرك قد جعل لله ندا في عبادته. وأصل العبادة التذلل والخضوع، قال الشيخ: ((العبادة هي طاعة الله بامتثال ما أمر به على ألسنة الرسل)) . وعرفها ابن القيم فقال: وعبادة الرحمن غاية حبه ... مع ذل عابده هما قطبان وعليهما فلك العبادة دائر ... ما دار حتى قامت القطبان ومداره بالأمر أمر رسوله ... لا بالهوى والنفس والشيطان قال المصنف: ((وفيه أن العبادة هي التوحيد لأن الخصومة فيه)) . (٢) أي ألا يعذب من يعبده ولا يشرك به شيئا، والعذاب كل ما يعيي الإنسان ويشق عليه، من العذب وهو المنع، فسمي عذابا لأنه يمنع المعاقب من معاودة مثل جرمه، ويمنع غيره من مثل فعله. قال الحافظ: اقتصر على نفي الإشراك؛ لأنه يستدعي التوحيد بالاقتضاء، ويستدعي إثبات الرسالة باللزوم; إذ من كذب رسول الله ﷺ فقد كذب الله (، ومن كذب الله فهو مشرك. وفي رواية: " ما من أحد يشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار " ١. (٣) يعني بفضل التوحيد، وفضل من تمسك به عند الله، ففيه فضل التوحيد وعظم شأنه، وأنه حق الرب الذي أحقه وافترضه على عباده، ولا يقبل منهم سواه، وعظم شأن أهله، وهو ألا يعذبهم. وفيه تفسير التوحيد وأنه عبادة الله وحده وترك الشرك به. وفيه استحباب بشارة المسلم بما يسره. وفيه ما كان عليه الصحابة من الاستبشار بمثل هذا.

стр. 20

قال: لا تبشرهم فيتكلوا " ١ (١) أخرجاه في الصحيحين (٢) . ــ (١) وفي رواية: " إني أخاف أن يتكلوا " أي يعتمدوا على ذلك، فيتركوا التنافس في الأعمال الصالحة اعتمادا على ما يتبادر من ظاهر الحديث. وفي رواية: فأخبر بها معاذ عند موته تأثما أي تحرجا من الإثم. قال أبو المظفر: ((لم يكن يكتمها إلا عن جاهل يحمله جهله على سوء الأدب بترك الخدمة في الطاعة. فأما الأكياس فإذا سمعوا بمثل هذا زادوا في الطاعة فلا وجه لكتمانها عنهم)) . قال المصنف: وفيه جواز كتمان العلم للمصلحة، والخوف من الاتكال على سعة رحمة الله. وسئل عن معنى هذا الحديث، ومعنى " لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله " ٢ فقال: معنى حديث معاذ عند السلف على ظاهره، وهو من الأمور التي يقولون: أمرّوها كما جاءت، يعني نصوص الوعد والوعيد، وقوله: " لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله " على ظاهره، وهو أن الله لو يستوفي حقه من عبده لم يدخل أحد الجنة، ولكن كما قال: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٣. (٢) أي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما اللّذين هما أصح الكتب المصنفة. والبخاري هو الإمام محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفي، الحافظ الكبير صاحب الصحيح والتاريخ والأدب المفرد وغير ذلك. روى عن أحمد والحميدي وابن المديني وطبقتهم، وعنه مسلم والنسائي والترمذي وغيرهم، ولد سنة ١٩٤ هـ، وتوفي سنة ٢٥٦ هـ. ومسلم هو ابن الحجاج بن مسلم أبو الحسين القشيري النيسابوري، صاحب الصحيح والعلل والوحدان وغير ذلك، روى عن أحمد وابن معين وابن أبي شيبة والبخاري وطبقتهم، وعنه الترمذي وخلق. ولد سنة ٢٠٤، وتوفي بنيسابور سنة ٢٦١ هـ.

стр. 21

باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب (١) وقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ١ (٣) . ــ (١) "باب" خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا باب، ويجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف، و "ما" يجوز أن تكون موصولة، وأن تكون مصدرية. أي باب بيان عظيم فضل التوحيد وتكفيره للذنوب وهو أشمل وأولى؛ لرفع وهم أن ثم ذنوبا لا يكفرها التوحيد وليس بمراد، ولا ريب أن التوحيد أفضل الأعمال على الإطلاق، وأعظمها تكفيرا للذنوب، ولما ذكر معنى التوحيد، وكانت الأنفس لها تشوق وتشوف إلى معرفة المعاني، ونيل الفضائل وتحصيلها، ناسب ذكر فضله وتكفيره للذنوب؛ ترغيبا فيه، وتحذيرا من الشرك. والباب لغة: المدخل إلى الشيء. واصطلاحا: اسم لجملة من العلم تحته فصول ومسائل غالبا، وليس مرادهم الحصر بل إنه المقصود بالذات والمعظم. (٢) أي أخلصوا العبادة لله وحده، ولم يخلطوا توحيدهم بشرك، ولبس الشيء بالشيء تغطيته به وإحاطته به من جميع جهاته، ولا يغطي الإيمان ويحيط به ويلبسه إلا الكفر، وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه، ومنه سمي الشرك ظلما والمشرك ظالما؛ لأنه وضع العبادة في غير موضعها، وصرفها لغير مستحقها. (٣) أي هم الآمنون في الدنيا والآخرة المهتدون إلى الصراط المستقيم، ولما نزلت هذه الآية شق على أصحاب رسول الله ﷺ ظنوا أن الظلم =

стр. 22

عن عبادة بن الصامت ﵁ (١) ــ = المشروط هو ظلم العبد نفسه، وأنه لا أمن ولا اهتداء إلا لمن لم يظلم نفسه، فقالوا: يا رسول الله وأينا لم يظلم نفسه؟ قال: " ليس كما تقولون، لم يلبسوا إيمانهم بظلم: بشرك، أو لم تسمعوا إلى قول لقمان: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ١ ". فبين ﷺ أن من لم يلبس إيمانه بهذا الظلم كان من أهل الأمن والاهتداء، كما كان أيضا من أهل الاصطفاء في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ ٢، فمن سلم من أجناس الظلم الثلاثة، الشرك، وظلم العباد في نفس أو مال أو عرض، وظلم نفسه بما دون الشرك، كان له الأمن التام والاهتداء التام، ومن لم يسلم من ظلمه لنفسه كان له الأمن والاهتداء مطلقا، بمعنى أنه لا بد أن يدخل الجنة كما وعد بذلك، ويحصل له من نقص الأمن والاهتداء بحسب ما نقص من إيمانه بظلمه لنفسه، كما لو ظلمها ببخله ببعض الواجبات حبا للمال، أو أحب ما يبغضه الله حتى يقدم هواه على محبة الله ونحو ذلك. وليس مراد النبي ﷺ بقوله: "بشرك" الشرك الأكبر، فيؤخذ منه أن من لم يشرك الشرك الأكبر يكون له الأمن التام والاهتداء التام، بل مراده ﷺ نفي نوعي الشرك، فإن أهل الكبائر معرضون للوعيد، مع أنها دون الشرك الأصغر بإجماع أهل السنة، ومع ذلك لم يحصل لهم الأمن التام والاهتداء التام، كما وردت به نصوص الكتاب والسنة، فصاحب الشرك الأصغر أولى بلحوق الوعيد له، فظهرت مطابقة الآية للترجمة، وذلك أن من مات على التوحيد لم يلبسه بشرك فله الأمن على ما تقدم، بخلاف غيره من الأعمال مع عدمه، فتبين بذلك أفضلية التوحيد وأنه السبب في النجاة من النار. (٢) ابن قيس بن أصرم الخزرجي الأنصاري أحد النقباء، شهد بدرا وما بعدها، وروى عن النبي ﷺ كثيرا، مات بالرملة سنة ٣٤ هـ، وله ٧٢.

стр. 23

قال: قال رسول الله ﷺ : " من شهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، (١) ــ (١) أي من تكلم بها عارفا لمعناها عاملا بمقتضاها باطنا وظاهرا، فإن الشهادة تقتضي العلم بالمشهود به، فلو كان عن جهل لم تكن شهادة، وتقتضي الصدق، وتقتضي العمل بذلك، وبهذا يتبين أنه لابد من العلم بها والعمل والصدق. فبالعلم ينجو من طريقة النصارى، وبالعمل ينجو من طريقة اليهود، وبالصدق ينجو من طريقة المنافقين، و "وحده" تأكيد وبيان لمضمون معناها، حال من الاسم الشريف، وهو تأكيد للإثبات. و "لا شريك له" تأكيد للنفي، تأكيد بعد تأكيد، اهتمام بمقام التوحيد. قال النووي: ((هذا حديث عظيم جليل الموقع، وهو أجمع أو من أجمع الأحاديث المشتملة على العقائد؛ فإنه ﷺ جمع فيه ما يخرج من ملل الكفر على اختلاف عقائدهم وتباعدها، فاقتصر ﷺ في هذه الأحرف على ما يباين جميعهم)) اهـ. ومعنى "لا إله إلا الله" لا معبود بحق إلا الله، فتضمنت هذه الكلمة العظيمة نفيا وإثباتا، فـ"لا إله" نفت الإلهية عن كل ما سوى الله. و "إلا الله" أثبتت الإلهية لله وحده، فنفت جميع ما يعبد من دون الله، وأثبتت العبادة لله وحده لا شريك له، والعبادة إنما تصدر عن تأله القلب بالحب والخضوع. وقال شيخ الإسلام: ((الإله هو المعبود المطاع، فإن الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يعبد، وكونه يستحق أن يعبد هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب المخضوع له غاية الخضوع; ولهذا كانت لا إله إلا الله أصدق الكلام، وأهلها أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أعداؤه وأهل غضبه ونقمته، فإذا صحت صح بها كل مسألة وحال وذوق، وإذا لم يصححها العبد فالفساد لازم له في علومه وأعماله)) اهـ. والحاصل أن لا إله إلا الله لا تنفع إلا من عرف مدلولها نفيا وإثباتا، واعتقد ذلك، وقبله وعمل به، وأما من قالها من غير علم بمعناها، ولا اعتقاد ولا عمل بمقتضاها =

стр. 24

وأن محمدا عبده ورسوله، (١) وأن عيسى عبد الله ورسوله، (٢) ــ = من نفي الشرك وإخلاص القول والعمل لله وحده فغير نافع بالإجماع، بل تكون حجة عليه. والمشركون الأولون جحدوها لفظا ومعنى، فإنه ﷺ لما قال لهم: " قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا " ١ قالوا: (أجعل الآلهة إلها واحدا) . ومشركو زماننا أقروا بها لفظا وجحدوها معنى، فتجد أحدهم يقولها ويأله غير الله بأنواع العبادة، بل يخلصون العبادة في الشدائد لغير الله، فهم أجهل من مشركي العرب، والمتكلمة وغيرهم يزعمون أن معنى الإله هو القادر على الاختراع، وأن من أقر بأن الله وحده خالق كل شيء فهو الموحد، وليس الأمر كذلك حتى يشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنه سبحانه وحده هو المستحق للعبادة، ويلتزم بها. (١) أي وشهد أن محمدا عبده ورسوله بصدق ويقين، وذلك يقتضي اتباعه وتعظيم أمره ونهيه ولزوم سنته، وأتى بهاتين الصفتين وجمعهما رفعا للإفراط والتفريط؛ فإن كثيرا ممن يدعي أنه من أمته أفرط بالغلو قولا وفعلا، حتى جوزوا الاستغاثة به في جميع ما يستغاث بالله فيه، أو فرط بترك متابعته، والرضى عن سنته بالأوضاع والقوانين الباطلة، وشهادتهم ناقصة على حسب ما معهم من تلك الأمور. و "عبد" بمعنى "متعبد" عام، وبمعنى "عابد" خاص بمن عبد الله، وإضافته إلى الله إضافة تشريف كقوله: (أسرى بعبده) ، ومعناه هنا المملوك العابد، والعبودية الخاصة وصفه، و "رسوله" أي مرسله بأداء شريعته. (٢) وفي رواية: وابن أمته، خلافا لما يعتقده اليهود أنه ابن زانية. أو ما يعتقده النصارى أنه الله أو ابن الله أو ثالث ثلاثة، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، فلابد أن يشهد أنه عبد الله ورسوله عن علم ويقين، بل لا يصح توحيد عبد علم بمقالتهم في عيسى حتى يتبرأ منهم ومن مقالتهم، ويأتي بما هو الحق في ذلك، وهو شهادة أن عيسى عبد الله ورسوله.

стр. 25

وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، (١) والجنة حق والنار حق، (٢) أدخله الله الجنة على ما كان من العمل" " (٣) أخرجاه ١. ــ (١) أي خلقه من أنثى بلا ذكر بالكلمة التي أرسل بها جبرائيل إلى مريم فنفخ في جيب درعها قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٢ خلقه بقوله: (كن) ، وأوجده بقدرته وحكمته، فكان بقوله: (كن) ، وسمى كلمة؛ لوجوده بقوله تعالى: (كن) ، فليس هو (كن) ، ولكن كان ب (كن) ، ف (كن) من الله قولا، وليس (كن) مخلوقا، وعيسى روح من الأرواح التي خلقها واستنطقها، وأخذ عليها الميثاق بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ ٣ بعثه إلى مريم فدخل فيها. قال الحافظ: ((وصفه بأنه منه فالمعنى أنه كائن منه، أي مكون ذلك وموجده بقدرته وحكمته)) اهـ. والمضاف إلى الله إذا كان عينا قائمة بنفسها كعيسى امتنع أن تكون صفة لله، وإنما هو إضافة مخلوق إلى خالقه، وهو على قسمين: إضافة تشريف وتكريم كبيت الله، وخليل الله، وروح الله. وإضافة لا تقتضي تشريفا كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ ٤ أي كائنة منه كونها وأوجدها سبحانه، وأما إذا كان المضاف إليه معنى لا يقوم بنفسه ولا بغيره من المخلوقات كالسمع والبصر، وجب أن يكون صفة لله قائما به، وفيه إثبات صفة الكلام خلافا للجهمية، فإنهم جعلوا كلام الله مخلوقا، والنصارى جعلوا كلامه معبودا. (٢) أي وشهد أن الجنة التي أخبر الله في كتابه أنه أعدها للمتقين حق ثابتة لا شك فيها، وأن النار التي أخبر أنه أعدها للكافرين حق ثابتة، وأنهما الآن مخلوقتان موجودتان. (٣) أي على ما كان فيه من صلاح أو فساد، وهذه الجملة جواب الشرط، أي من شهد إلى آخره أدخله الله الجنة بإخلاصه وصدقه والإيمان برسوله وما أرسل به، وإن كان مقرا وله ذنوب، فهذه الحسنة العظيمة ترجح بجميع السيئات =

стр. 26

ولهما في حديث عتبان (١) " فإن الله حرم على من قال لا إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ?" ١ (٢) . ــ = فإنه يدخل الجنة على أحد ثلاثة تقادير. إما أن يلقى الله سالما من جميع الذنوب فيدخلها من أول وهلة، أو يلقى الله وهو مصر على كبيرة أو ذنب، وهو بين أمرين إما أن يعفو الله عنه فيدخله الجنة، أو يجازيه بجرمه ثم يدخله الجنة، ففيه فضل التوحيد وذلك أن من مات على التوحيد فمصيره إلى الجنة بكل حال. (١) أي وللبخاري ومسلم في حديث طويل أخرجاه في صحيحيهما بكماله، وهذا طرف منه، عن عتبان بكسر العين بن مالك بن عمرو بن العجلان الخزرجي السالمي، صحابي مشهور بدري مات في خلافة معاوية. (٢) هذا هو حقيقة معناها، فإن من قالها يبتغي بها وجه الله لا بد أن يعمل بما دلت عليه من الإخلاص ونفي الشرك، فإن المقتضى لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه، وانتفاء موانعه، فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه، أو ولوجود مانع، ومما قيدت به في الحديث قوله ﷺ : "غير شاك" وفي الصحيح: " من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة " ٢. وفي رواية: " ما من أحد يشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار " ٣، ولمسلم: " لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة " ٤، وله أيضا: " من لقيت يشهد ألا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة " ٥، وفيهما مرفوعا: " ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة " ٦، فيحمل المطلق على المقيد. قال شيخ الإسلام وغيره: قالها بصدق وإخلاص ويقين ومات على ذلك، فإن حقيقة التوحيد انجذاب القلب إلى الله جملة بأن يتوب من الذنوب توبة نصوحا، فإذا مات على تلك الحال نال ذلك، فإنه قد تواترت الأحاديث بأنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، وما يزن خردلة، وما يزن ذرة، وتواترت بأن كثيرا =

стр. 27

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = ممن يقولها يدخل النار ثم يخرج منها، وتواترت بأنه يحرم على النار من قال لا إله إلا الله، ومن شهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، لكن جاءت مقيدة بالقيود الثقال. قال الشارح وغيره: لا بد في شهادة ألا إله إلا الله من سبعة شروط لا تنفع قائلها إلا باجتماعها: (أحدها) العلم المنافي للجهل. (الثاني) اليقين المنافي للشك. (الثالث) القبول المنافي للرد. (الرابع) الانقياد المنافي للترك. (الخامس) الإخلاص المنافي للشرك. (السادس) الصدق المنافي للكذب. (السابع) المحبة المنافية لضدها. ونظمها بعضهم فقال: علم يقين وإخلاص وصدقك مع ... محبة وانقياد والقبول لها وركناها النفي والإثبات، نفي الإلهية عما سوى الله، وإثباتها لله وحده، وأكثر من يقولها اليوم لا يعرف معناها، ولا يعرف الإخلاص ولا اليقين، أو يقولها تقليدا أو عادة ولم يخالط الإيمان بشاشة قلبه، وغالبهم من يفتن عند الموت، وفي الحديث: " سمعت الناس يقولون شيئا فقلته " ١، وحينئذ فلا منافاة بين الأحاديث؛ فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين تام لم يكن في هذه الحال مصرا على ذنب أصلا، فإن كمال إخلاصه ويقينه يوجب أن يكون الله أحب إليه من كل شيء، فإذا لا يبقى في قلبه إرادة لما حرمه الله ولا كراهة لما أمر الله به، وهذا هو الذي يحرم على النار وإن كانت له ذنوب قبل ذلك، وإن قالها على وجه خلص به من الشرك الأكبر دون الأصغر، ولم يأت بعدها بما يناقض ذلك فهذه الحسنة لا يقاومها شيء من السيئات، فيرجح بها ميزان الحسنات، كما في حديث البطاقة، فيحرم على النار، ولكن تنقص درجته في الجنة بقدر ذنوبه، وهذا بخلاف من رجحت سيئاته بحسناته ومات مصرا على ذلك فإنه يستوجب النار، وإن قال لا إله إلا الله، وخلص بها من الشرك الأكبر، لكنه لم يمت على ذلك بل أتى بعدها بسيئات رجحت على حسنة توحيده، وإنما يخاف على المخلص أن يأتي بسيئات راجحة فيضعف إيمانه، فلا يقولها بإخلاص ويقين =

стр. 28

وعن أبي سعيد الخدري ﵁ (١) عن النبي ﷺ قال: " قال موسى ﵇: (٢) يا رب علمني شيئا أذكرك وأدعوك به (٣) . ــ = مانع من جميع السيئات، ويخشى عليه من الشرك الأكبر والأصغر، فإن سلم من الأكبر بقي معه من الأصغر، فيضيف إلى ذلك سيئات تنضم إلى هذا الشرك، فيرجح جانب السيئات فيمتنع الإخلاص في القلب، فيصير المتكلم بها كالهاذي أو النائم. فإذا كثرت الذنوب ثقل على اللسان قولها وقسا القلب، وكره العمل الصالح، وثقل عليه سماع القرآن، واستبشر بذكر غير الله، واطمأن إلى الباطل، واستحلى الرفث ومخالطة أهل الغفلة، وكره مخالطة أهل الحق، فمثل هذا إذا قالها قال بلسانه ما ليس في قلبه، فلا يقوى قولها على محو السيئات، فترجح سيئاته على حسناته. قال الحسن: " ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال " اهـ. وفيه تحريم النار على أهل التوحيد الكامل، وأن العمل لا ينفع إلا إذا كان خالصا لله تعالى. (١) واسمه سعد بن مالك بن سنان الخزرجي الأنصاري مشهور بكنيته ونسبته إلى بني خدرة، صحابي جليل وأبوه صحابي، استصغر بأحد وشهد ما بعدها، روى عن النبي ﷺ كثيرا وأبي بكر وعمر وغيرهما، وعنه جمع من الصحابة والتابعين، مات سنة ٧٤ هـ. (٢) ابن عمران بن قاهث بن عازر بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق رسول بني إسرائيل، وكليم الرحمن، قيل: ولد قبل عيسى سنة ١٥٧١، وتوفي سنة ١٤٥١. (٣) أي علمني شيئا يجتمع لي فيه الأمران أثني عليك به وأحمدك وأسألك به.

стр. 29

قال: قل يا موسى لا إله إلا الله. (١) قال: يا رب كل عبادك يقولون هذا (٢) ــ (١) أي فإذا قلتها فقد دعوتني وأثنيت علي، فإن الدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة، ودعاء العبادة نحو: لا إله إلا الله وسبحان الله، وهو مستلزم لدعاء المسألة، ودعاء المسألة نحو "رب اغفر لي" متضمن لدعاء العبادة، وذلك أنه مأمور بهذا فإذا فعله فهو فاعل عبادة، ولا إله إلا الله اشتملت على الأمرين بل أعلاهما وأولاهما، وهي أكثر الأذكار وجودا وأيسرها حصولا، فإن أحرفها كلها جوفية ليس فيها حرف شفوي، فيمكن قائلها أن يقولها من غير فتح فمه، وهو أسلم وأبعد عن الرياء، وفي كونها جوفية أيضا إشارة إلى أنها تخرج من القلب; وأحرفها كلها مهملة فتنبئ عن التجرد من كل معبود سوى الله، وهي أفضل الأذكار وأعظمها معنى، فهي الكلمة العظيمة، وهي العروة الوثقى، وكلمة التقوى، وكلمة الإخلاص، وهي التي قامت بها السماوات والأرض، وشرعت لتكميلها السنة والفرض، ولأجلها جردت سيوف الجهاد، فمن قالها وعمل بها صدقا وإخلاصا وقبولا ومحبة أدخله الله الجنة على ما كان من العمل، وفيه أن الذاكر بها يقولها كلها، ولا يقتصر على لفظ الجلالة ولا على "هو" كما يفعله غلاة المتصوفة، فإن ذلك بدعة وضلالة، و "لا" نافية للجنس نفيا عاما إلا ما استثني، وخبرها محذوف تقديره لا إله حق إلا الله. قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ١. فإلهيته تعالى هي الحق، وكل ما سواه من الآلهة فإلهيته باطلة. (٢) وفي رواية: قد علمت ألا إله إلا الله، أي وإنما أريد شيئا تخصني به من بين عموم عبادك، فإن من طبع الإنسان ألا يشتد فرحه جدا إلا بشيء يختص به دون غيره، مع أن من رحمة الله وسنته المطردة أن ما اشتدت إليه الحاجة والضرورة =

стр. 30

قال: يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري، (١) والأرضين السبع في كفة، (٢) ولا إله إلا الله في كفة، (٣) مالت بهن لا إله إلا الله ". (٤) ــ = كان أكثر وجودا كالهواء والماء والملح، ولما كان النطق بلا إله إلا الله ضرورة فطرية كانت أكثر الأذكار وأيسرها وأفضلها وأعظمها. قال الشارح: ((وثبت بخط المصنف "يقولون" بالجمع، والذي في الأصول "يقول" بالإفراد، وهو في المسند من حديث عبد الله بن عمرو بلفظ الجمع)) . (١) عامر بالنصب عطف على السماوات أي لو أن السماوات السبع ومن فيهن من العمار غير الله تعالى، فاستثنى ممن في السماوات نفسه المقدسة؛ لأنه العلي الأعلى تعالى وتقدس، وهو العلي العظيم علو القدر وعلو القهر وعلو الذات، العظيم الذي لا أعظم منه، الكبير الذي لا أكبر منه، وجميع المخلوقات في كف الرحمن كالخردلة في يد أحدنا. (٢) بكسر الكاف وتشديد الفاء أي وضعن في كفة الميزان. (٣) يعني في كفة الميزان الأخرى. وفيه إثبات الميزان، وأنه حق، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ١ توزن فيه الصحائف التي تكون أعمال العباد مكتوبة فيها، وله كفتان إحداهما للحسنات والأخرى للسيئات بإجماع السلف. (٤) أي رجحت بهن، فدل على عظم شأنها، وذلك لما اشتملت عليه من نفي الشرك وتوحيد الله الذي هو أفضل الأعمال وأساس الملة والدين، ولما يجتمع لقائلها من الذكر والدعاء، وما يحصل له من تكفير الذنوب والخطايا، فمن قالها بإخلاص ويقين وعمل بمقتضاها ولوازمها وحقوقها، واستقام على ذلك دخل الجنة، فإن هذه الحسنة لا يوازنها شيء. وأخرج أحمد عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ : " أن نوحا ﵇ قال لابنه عند موته: آمرك بلا إله إلا الله؛ فإن =

стр. 31

رواه ابن حبان والحاكم وصححه. (١) ــ = السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة، ولا إله إلا الله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السماوات السبع والأرضين السبع كن حلقة مبهمة لفصمتهن لا إله إلا الله " ١. وهي أفضل الذكر. ففي الحديث الصحيح: " أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وعلى كل شيء قدير " ٢. وللنسائي وابن ماجه وغيرهما: " أفضل الذكر لا إله إلا الله " ٣. وللترمذي وغيره: " دعوة أخي ذي النون: لا إله إلا أنت " ٤، وله أيضا وحسنه وصححه الذهبي: " يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل منها مد البصر، ثم يقال: أتنكر من هذا شيئا؟ فيقول: لا يا رب، فيقال: ألك عذر أو حسنة؟ فيهاب الرجل فيقول: لا يا رب، فيقال: بلى إن لك عندنا حسنة وإنه لا ظلم عليك، فيخرج له بطاقة فيها أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ". قال الشيخ: ((ليس كل من تكلم بالشهادتين كان بهذه المثابة؛ لأن هذا العبد صاحب البطاقة كان في قلبه من التوحيد واليقين والإخلاص ما أوجب أن عظم قدره حتى صار راجحا على هذه السيئات)) . وقال ابن القيم: ((والأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها، وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب، فتكون صورة العملين واحدة، وبينهما من التفاضل كما بين السماء والأرض)) . قال: وتأمل حديث البطاقة، ومعلوم أن كل موحد له هذه البطاقة، والكثير منهم يدخل النار بذنوبه، بل اليهود أكثر من يقولها، والذي يقولها ويخالفها أعظم كفرا ممن يجحدها أصلا؛ فإن الكافر الأصلي أهون كفرا من المرتد. (١) ابن حبان: بكسر الحاء محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد ابن مرة بن هدبة بن سعد الدارمي، أبو حاتم التميمي البستي الشافعي الحافظ، صاحب التصانيف منها: الصحيح، والتاريخ، والثقات، والضعفاء، روى عن النسائي وأبي يعلى =

стр. 32

وللترمذي (١) وحسنه عن أنس: (٢) ــ = وابن خزيمة وخلق، وعنه الحاكم وغيره، قال الحاكم: ((كان من أوعية العلم ومن عقلاء الرجال)) . مات بمدينة بست في عشر الثمانين سنة ٣٥٤ هـ. والحاكم: هو محمد ابن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن حمدويه، أبو عبد الله الضبي النيسابوري الشافعي الإمام الحافظ الرحال، سمع من نحو ألفي شيخ منهم: الدارقطني والقفال والبيهقي وغيرهم، يعرف بابن البيع، صاحب التصانيف منها: المستدرك وتاريخ نيسابور. قال أبو حاتم: ((قام الإجماع على ثقته)) . ولد سنة ٣٢١ هـ، ومات سنة ٤٠٥ هـ. وصححه أي قال: هذا حديث صحيح أي ثابت على شرط الشيخين، وما انفرد بتصحيحه ولم يكن مردودا بعلة فهو دائر بين الصحة والحسن، وأصح من صنف في الصحيح بعد الشيخين ابن خزيمة فابن حبان فالحاكم. (١) واسمه محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك، وقيل: ابن السكن السلمي أبو عيسى صاحب الجامع وأحد الحفاظ، وله في فنون الصناعة الحديثية ما لم يشاركه فيه غيره، وكان ضرير البصر. وترمذ: نسبة لبلدة قديمة بطرف جيحون مات بها سنة ٢٧٩ هـ. وقال: ((أردت بالحسن ما لا يكون في سنده متهم بالكذب، ولا يكون شاذا، ويروى من غير وجه)) . وقال الشيخ: ((الحسن في اصطلاحه ما روى من وجهين وليس في رواته من هو متهم بالكذب ولا شاذ، ولا مخالف للأحاديث الصحيحة)) . (٢) ﵁ ابن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب ابن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، أبو حمزة الخزرجي الأنصاري خادم رسول الله ﷺ ، خدمه عشر سنين، وقال له: ((اللهم أكثر ماله وولده وأدخله الجنة)) . قدم النبي ﷺ المدينة وهو ابن عشر، فقالت أمه: هذا غلام يخدمك. آخر من مات من الصحابة بالبصرة سنة ٩٢ هـ، وقد جاوز المائة.

стр. 33

سمعت رسول الله ﷺ يقول: " قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، (١) ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا (٢) لأتيتك بقرابها مغفرة (٣) "١ ــ (١) قراب بضم القاف: ملؤها أو ما يقارب ملأها. (٢) أي ثم مت حال كونك لا تشرك بي شيئا، وهذا شرط ثقيل في الوعد بحصول المغفرة وهو السلامة من الشرك قليله وكثيره، صغيره وكبيره، ولا يسلم من ذلك إلا من أتى الله بقلب سليم، ومن أتى بلا إله إلا الله وهو مشرك لم تصح منه أصلا، ولم ترجح حسناته بسيئاته، ولا يحرم على النار. (٣) أي ملء الأرض، ذكر المصنف ﵀ آخر الحديث وهو حديث قدسي، وأوله: "قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم لو أتيتني" ٢ إلخ. وأخرج أحمد ومسلم وغيرهما عن أبي ذر: " ومن عمل قراب الأرض خطيئة ثم لقيني لا يشرك بي شيئا جعلت له مثلها مغفرة " ٣. وأخرج الطبراني في الثلاثة عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : " قال الله تعالى: يا ابن آدم مهما عبدتني ورجوتني ولم تشرك بي شيئا غفرت لك على ما كان منك، وإن استقبلتني بملء السماء والأرض خطايا وذنوبا استقبلتك بملئهن من المغفرة وغفرت لك ولا أبالي " ٤ حسنه السيوطي. فمن جاء مع التوحيد بقراب الأرض خطايا لقيه الله بقرابها مغفرة، فإن أكمل العبد توحيده وأخلصه لله، وقام بشروطه أوجب ذلك مغفرة ما قد سلف من الذنوب، ومنعه من دخول النار، فإن التوحيد الخالص الذي لا يشوبه شرك لا يبقى معه ذنب ولو كانت قراب الأرض. وفيه سعة كرم الله وجوده، وكثرة ثواب التوحيد وتكفيره الذنوب. قال المصنف: =

стр. 34

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = تأمل الخمس اللواتي في حديث عبادة، فإنك إذا جمعت بينه وبين حديث عتبان وما بعده تبين لك معنى قول لا إله إلا الله، وتبين لك خطأ المغرورين، وفيه أن الأنبياء يحتاجون للتنبيه على فضل لا إله إلا الله، والتنبيه لرجحانها بجميع المخلوقات، مع أن كثيرا ممن يقولها يخف ميزانه، وفيه أنك إذا عرفت حديث أنس عرفت أن قوله في حديث عتبان: " إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله " ١ أن ترك الشرك ليس قولها باللسان فقط، فمغفرة الذنوب مشروطة بالسلامة من الشرك قليله وكثيره، فالذي لا يسلم من الأكبر لا تنفعه أصلا، والذي مات ومعه الأصغر تضعف معه، فلا يقوى قولها على تكفير السيئات، والذي معه البدع والمعاصي ينقص ثوابها.

стр. 35

باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب (١) وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١. (٢) ــ (١) أي هذا باب فيه أدلة من الكتاب والسنة تدل على أن من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، لما ذكر التوحيد وفضله ناسب أن يذكر تحقيقه، فإنه لا يحصل كمال فضله إلا بكمال تحقيقه، وتحقيق التوحيد قدر زائد على ماهية التوحيد، وتحقيقه من وجهين: واجب ومندوب، فالواجب تخليصه وتصفيته عن شوائب الشرك والبدع والمعاصي. فالشرك ينافيه بالكلية، والبدع تنافي كماله الواجب، والمعاصي تقدح فيه وتنقص ثوابه، فلا يكون العبد محققا للتوحيد حتى يسلم من الشرك بنوعيه، ويسلم من البدع والمعاصي، والمندوب تحقيق المقربين، تركوا ما لا بأس به حذرا مما به بأس، وحقيقته هو انجذاب الروح إلى الله، فلا يكون في قلبه شيء لغيره، فإذا حصل تحقيقه بما ذكر، فقد حصل الأمن التام، والاهتداء التام. (٢) وصف الله خليله ﵇ بهذه الصفات التي هي الغاية في تحقيق التوحيد، وأثنى عليه بها فقال: (كان أمة) أي إماما على الحنيفية، قدوة يقتدى به، معلما للخير، أو لما اجتمع فيه من صفات الكمال والخير والأخلاق الحميدة ما يجتمع في أمة استحق اسمها، والقولان متلازمان، فإنه أمة على الحق وحده، وإمام لجميع الحنفاء، يقتدون به في ذلك. (قانتا) أي خاشعا مطيعا، والقنوت دوام الطاعة، والمصلي إذا طال قيامه أو ركوعه أو سجوده فهو قانت، قال تعالى: (أمن=

стр. 36

وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ . (١) ــ =: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ ١. (حنيفا) أي منحرفا عن الشرك إلى التوحيد، مقبلا على الله، معرضا عن كل ما سواه، فالحنيف هو المستقيم، وعند العرب ما كان على دين إبراهيم، وانتصب (حنيفا) على الحال.: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢ فارقهم بالقلب واللسان والبدن، وأنكر ما كانوا عليه من الشرك، وما ذاك إلا من أجل تحقيقه التوحيد، بل ضم إلى ذلك البراءة من المشركين، وعاب ما كانوا عليه وكفرهم، كما قال الله عنه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ ٣، فتبرأ من العابد قبل المعبود، وضم إلى ذلك أن اعتزلهم، فلم يكن منهم بأي اعتبار كان. قال تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٤ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ﴾ فهذا هو تحقيق التوحيد، وبه تظهر مناسبة الآية للترجمة، حيث وصف خليله بهذه الصفات التي هي الغاية في تحقيق التوحيد، وقد أمرنا بالتأسي والاقتداء به، فقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ ٥. وقال المصنف: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ ٦) لئلا يستوحش سالك الطريق من قلة السالكين، ﴿قَانِتاً لِلَّهِ﴾ لا للملوك ولا للتجار المترفين. ﴿حَنِيفاً﴾ لا يميل يمينا ولا شمالا كفعل العلماء المفتونين.: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٧ خلافا لمن كثر سوادهم، وزعم أنه من المسلمين. (١) وصف المؤمنين السابقين إلى الجنة فأثنى عليهم بهذه الصفات الحميدة، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ٨ خائفون وجلون.: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ ٩ أي يؤمنون بآياته الكونية والشرعية، ثم طبع على أعمالهم الصالحة بطابع الإخلاص، وهو السلامة من الشرك قليله وكثيره، صغيره وكبيره، فقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ ١٠ لا يعبدون معه غيره، بل يوحدونه، ويعلمون أنه لا إله إلا هو الأحد الصمد، ومن كان كذلك فقد بلغ النهاية من تحقيق التوحيد، =

стр. 37

عن حصين بن عبد الرحمن (١) قال: كنت عند سعيد بن جبير (٢) فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة (٣) ؟ فقلت: أنا (٤) ــ = الموجب لدخول الجنة بغير حساب، ومن لا فلا، وذلك لأن الأعمال من حيث هي لا تصح مع الأكبر، فإن سلم من الأكبر فإن الأعمال لا تزكو ولا تنمو إلا بالسلامة من الأصغر. (١) رحمه الله تعالى، هو ابن عم منصور بن المعتمر بن عبد الله بن ربيعة، وقيل: ابن عتاب بن فرقد السلمي أبو الهذيل الكوفي، أحد الأعلام، ومن كبار أصحاب الحديث، ثقة روى عن جابر وعمارة وسعيد بن جبير وغيرهم، وعنه شعبة والثوري وجماعة، مات سنة ١٣٦ هـ، وله ٩٣. (٢) ﵀ هو ابن هشام الوالبي الأسدي مولاهم، أبو محمد الإمام الفقيه، وكان من جلة أصحاب ابن عباس، روى عنه وعن ابن الزبير وغيرهما، وعنه ابناه عبد الملك وعبد الله، وأبو إسحاق ويعلى وجماعة، قتل بين يدي الحجاج سنة ٩٥ هـ. فما أمهله الله بعده ولم يذق غمضا حتى مات، ورؤي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: قتلت بكل قتيل قتلة، وبسعيد بن جبير سبعين قتلة. (٣) أي كوكبا رجم به تلك الليلة، والقائل هو سعيد بن جبير، والكوكب النجم، و "انقض" بالقاف والضاد أي سقط، "والبارحة" هي أقرب ليلة مضت، قال ثعلب وغيره يقال قبل الزوال: رأيت الليلة، وبعد الزوال: رأيت البارحة، وهي مشتقة من برح إذا زال، وفيه فضيلة السلف، وأن ما يرونه من الآيات السماوية لا يعدونه عادة، بل يعلمون أنه آية من آيات الله. (٤) أي قال حصين بن عبد الرحمن: أنا رأيته.

стр. 38

ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة (١) ولكني لدغت، (٢) قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت، (٣) قال: فما حملك على ذلك؟ (٤) قلت: حديث حدثناه الشعبي (٥) . قال: وما حدثكم؟ (٦) ــ (ا) القائل هو حصين، خاف أن يظن الحاضرون أنه رأى الكوكب المنقض وهو يصلي، فنفى عن نفسه إيهام العبادة، وهذا يدل على حرص السلف على الإخلاص، و "أما" بالتخفيف حرف استفهام بمنزلة ألا، فإذا وقعت "إن" بعدها كسرت، أو الهمزة للاستفهام، و "ما" اسم بمعنى شيء، أي ذلك الشيء حق، وعلى هذا تفتح أن بعدها، والأنسب هنا الأول. (٢) بضم اللام وكسر الدال، يقال: لدغته العقرب وذوات السموم، تلدغه لدغا لسعته، أي أصابته بسمها، واللدغ واللسع واللسب بمعنى، أو اللسع بالناب واللدغ بالفم، يعني فأوجب لي اللدغ الاستيقاظ، لا أني كنت أصلي. (٣) لفظ مسلم: "استرقيت" أي طلبت من يرقاني. (٤) سأله عن مستنده في فعله، هل كان مقتديا أولا؟ ففيه طلب الحجة على صحة المذهب. (٥) ﵀ هو عامر بن شراحيل، وقيل: ابن عبد الله بن شراحيل الشعبي الحميري الهمداني، أبو علي، ولد في خلافة عمر، من كبار فقهاء التابعين وثقاتهم، روى عن علي وسعد بن أبي وقاص وغيرهما، وعنه أبو إسحاق السبيعي وأشعث وخلق، يقول: ((ما كتبت سوداء في بيضاء، ولا حدثني رجل بحديث إلا حفظته)) . مات سنة ١٠٣ هـ. و "حديث" بالرفع فاعل بفعل محذوف، أي حملني على الاسترقاء حديث إلخ. (٦) يعني الشعبي به من جواز الرقية.

стр. 39

قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب (١) أنه قال: " لا رقية إلا من عين أو حمة " ١. (٢) قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، (٣) ــ (١) ابن عبد الله بن الحارث الأسلمي المتوفي بمرو سنة ٦٢ هـ. (٢) أي لا رقية أشفى وأولى من رقية العين والحمة، وإنما خص العين والحمة لكونهما تصدران من أنفس خبيثة شريرة روحانية شيطانية، فالرقية بالقوى الرحمانية كالنفث والريق أولى وأشفى ما يدفع الإيماني الروحاني به هذين النوعين، ولا يمنع جواز الرقية من غيرهما من الأمراض؛ لأنه أمر بالرقية مطلقا، وقد رقا ﷺ ورقي، والعين هي إصابة العائن غيره بعينه إذا نظر إليه، عدوا كان العائن أو حاسدا أو غيرهما، فتؤثر فيه بإذن الله فيمرض بسببها، ومن أسباب العين أن يتعجب الشخص من الشيء يراه فتتبعه نفسه، فيتضرر ذلك الشيء منه، يقال: عانه يعينه فهو عائن، إذا أصابه بالعين، ويندفع شره بأسباب منها: التعوذ بالله من شره، والصبر عليه، وفراغ القلب من الاشتغال به، والإحسان إليه مهما أمكن، والصدقة وتقوى الله والتوكل عليه، والإقبال إليه، ومعرفة أن الأسباب كلها بيده سبحانه. و "الحمة" بضم الحاء وتخفيف الميم: الحية والعقرب وشبههما، أو السم أو الإبرة، وفي رواية: من الحية والعقرب. (٣) أي فعل الحسن من أخذ بما بلغه من العلم وعمل وبه، بخلاف من يعمل على جهل، أو لا يعمل بما يعلم، فذلك المسيء، وهذا الحديث رواه أحمد وابن ماجه عنه مرفوعا، ورواه أحمد وأبو داود والترمذي عن عمران بن حصين مرفوعا، ورجال أحمد ثقات، وأصله في الصحيحين، وفيه فضيلة علم السلف، وحسن أدبهم، وتلطفهم في تبليغ العلم، وأن من عمل بما بلغه فقد أحسن، ولا يتوقف العلم به على معرفة كلام أهل المذاهب وغيرهم.

стр. 40

ولكن حدثنا ابن عباس (١) عن النبي ﷺ قال: " عرضت علي الأمم (٢) فرأيت النبي ومعه الرهط (٣) ، والنبي ومعه الرجل والرجلان (٤) ، والنبي وليس معه أحد (٥) ، ــ (١) عبد الله بن عباس ﵄ ابن عبد المطلب ابن عم النبي ﷺ ، حبر الأمة وترجمان القرآن، دعا له النبي ﷺ فقال: " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل " ١، فصار آية في العلم والفهم، مات بالطائف سنة ٦٨ هـ. قال المصنف: ((وفيه عمق علم السلف، لقوله: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن كذا وكذا. فعلم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني)) اهـ. فإن حصين ابن عبد الرحمن ﵁ انتهى إلى ما سمع عن الرسول ﷺ ، ولكن أخبره سعيد بن جبير عن درجة أرفع من تلك الدرجة وهي التوكل. (٢) الله أعلم متى عرضت، وعرضها أن الله ﵎ أراه مثالها إذا جاءت الأنبياء ومن تبعهم يوم القيامة. (٣) والذي في صحيح مسلم "الرهيط" بالتصغير، والرهط بالسكون ويفتح، الجماعة دون العشرة جمعه أرهط وأرهاط، ولا واحد له من لفظه. (٤) أي أتباعه الواحد والاثنان لقلة متبعه. (٥) أي يبعث في قومه فلا يتبعه منهم أحد، بل منهم من قتله قومه، فإن الناجي من الأمم هم القليل، ولكن هم السواد الأعظم، وإن كانوا أقل القليل، فإنهم الأعظمون قدرا عند الله وإن قلوا، فليحذر المسلم أن يغتر بالكثرة، قال المصنف: ((وفيه ثمرة هذا العلم، وهو عدم الاغترار بالكثرة، وعدم الزهد في القلة، وأن كل أمة تحشر وحدها مع نبيها، والمراد أمة الإجابة لا أمة الدعوة)) .
следующие страницы →