← Акыда

Акыда · id 11149

حاشية كتاب التوحيد

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (404 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ . (١) ــ =: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ ١. (حنيفا) أي منحرفا عن الشرك إلى التوحيد، مقبلا على الله، معرضا عن كل ما سواه، فالحنيف هو المستقيم، وعند العرب ما كان على دين إبراهيم، وانتصب (حنيفا) على الحال.: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢ فارقهم بالقلب واللسان والبدن، وأنكر ما كانوا عليه من الشرك، وما ذاك إلا من أجل تحقيقه التوحيد، بل ضم إلى ذلك البراءة من المشركين، وعاب ما كانوا عليه وكفرهم، كما قال الله عنه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ ٣، فتبرأ من العابد قبل المعبود، وضم إلى ذلك أن اعتزلهم، فلم يكن منهم بأي اعتبار كان. قال تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٤ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ﴾ فهذا هو تحقيق التوحيد، وبه تظهر مناسبة الآية للترجمة، حيث وصف خليله بهذه الصفات التي هي الغاية في تحقيق التوحيد، وقد أمرنا بالتأسي والاقتداء به، فقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ ٥. وقال المصنف: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ ٦) لئلا يستوحش سالك الطريق من قلة السالكين، ﴿قَانِتاً لِلَّهِ﴾ لا للملوك ولا للتجار المترفين. ﴿حَنِيفاً﴾ لا يميل يمينا ولا شمالا كفعل العلماء المفتونين.: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٧ خلافا لمن كثر سوادهم، وزعم أنه من المسلمين. (١) وصف المؤمنين السابقين إلى الجنة فأثنى عليهم بهذه الصفات الحميدة، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ٨ خائفون وجلون.: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ ٩ أي يؤمنون بآياته الكونية والشرعية، ثم طبع على أعمالهم الصالحة بطابع الإخلاص، وهو السلامة من الشرك قليله وكثيره، صغيره وكبيره، فقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ ١٠ لا يعبدون معه غيره، بل يوحدونه، ويعلمون أنه لا إله إلا هو الأحد الصمد، ومن كان كذلك فقد بلغ النهاية من تحقيق التوحيد، =

стр. 37

عن حصين بن عبد الرحمن (١) قال: كنت عند سعيد بن جبير (٢) فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة (٣) ؟ فقلت: أنا (٤) ــ = الموجب لدخول الجنة بغير حساب، ومن لا فلا، وذلك لأن الأعمال من حيث هي لا تصح مع الأكبر، فإن سلم من الأكبر فإن الأعمال لا تزكو ولا تنمو إلا بالسلامة من الأصغر. (١) رحمه الله تعالى، هو ابن عم منصور بن المعتمر بن عبد الله بن ربيعة، وقيل: ابن عتاب بن فرقد السلمي أبو الهذيل الكوفي، أحد الأعلام، ومن كبار أصحاب الحديث، ثقة روى عن جابر وعمارة وسعيد بن جبير وغيرهم، وعنه شعبة والثوري وجماعة، مات سنة ١٣٦ هـ، وله ٩٣. (٢) ﵀ هو ابن هشام الوالبي الأسدي مولاهم، أبو محمد الإمام الفقيه، وكان من جلة أصحاب ابن عباس، روى عنه وعن ابن الزبير وغيرهما، وعنه ابناه عبد الملك وعبد الله، وأبو إسحاق ويعلى وجماعة، قتل بين يدي الحجاج سنة ٩٥ هـ. فما أمهله الله بعده ولم يذق غمضا حتى مات، ورؤي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: قتلت بكل قتيل قتلة، وبسعيد بن جبير سبعين قتلة. (٣) أي كوكبا رجم به تلك الليلة، والقائل هو سعيد بن جبير، والكوكب النجم، و "انقض" بالقاف والضاد أي سقط، "والبارحة" هي أقرب ليلة مضت، قال ثعلب وغيره يقال قبل الزوال: رأيت الليلة، وبعد الزوال: رأيت البارحة، وهي مشتقة من برح إذا زال، وفيه فضيلة السلف، وأن ما يرونه من الآيات السماوية لا يعدونه عادة، بل يعلمون أنه آية من آيات الله. (٤) أي قال حصين بن عبد الرحمن: أنا رأيته.

стр. 38

ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة (١) ولكني لدغت، (٢) قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت، (٣) قال: فما حملك على ذلك؟ (٤) قلت: حديث حدثناه الشعبي (٥) . قال: وما حدثكم؟ (٦) ــ (ا) القائل هو حصين، خاف أن يظن الحاضرون أنه رأى الكوكب المنقض وهو يصلي، فنفى عن نفسه إيهام العبادة، وهذا يدل على حرص السلف على الإخلاص، و "أما" بالتخفيف حرف استفهام بمنزلة ألا، فإذا وقعت "إن" بعدها كسرت، أو الهمزة للاستفهام، و "ما" اسم بمعنى شيء، أي ذلك الشيء حق، وعلى هذا تفتح أن بعدها، والأنسب هنا الأول. (٢) بضم اللام وكسر الدال، يقال: لدغته العقرب وذوات السموم، تلدغه لدغا لسعته، أي أصابته بسمها، واللدغ واللسع واللسب بمعنى، أو اللسع بالناب واللدغ بالفم، يعني فأوجب لي اللدغ الاستيقاظ، لا أني كنت أصلي. (٣) لفظ مسلم: "استرقيت" أي طلبت من يرقاني. (٤) سأله عن مستنده في فعله، هل كان مقتديا أولا؟ ففيه طلب الحجة على صحة المذهب. (٥) ﵀ هو عامر بن شراحيل، وقيل: ابن عبد الله بن شراحيل الشعبي الحميري الهمداني، أبو علي، ولد في خلافة عمر، من كبار فقهاء التابعين وثقاتهم، روى عن علي وسعد بن أبي وقاص وغيرهما، وعنه أبو إسحاق السبيعي وأشعث وخلق، يقول: ((ما كتبت سوداء في بيضاء، ولا حدثني رجل بحديث إلا حفظته)) . مات سنة ١٠٣ هـ. و "حديث" بالرفع فاعل بفعل محذوف، أي حملني على الاسترقاء حديث إلخ. (٦) يعني الشعبي به من جواز الرقية.

стр. 39

قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب (١) أنه قال: " لا رقية إلا من عين أو حمة " ١. (٢) قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، (٣) ــ (١) ابن عبد الله بن الحارث الأسلمي المتوفي بمرو سنة ٦٢ هـ. (٢) أي لا رقية أشفى وأولى من رقية العين والحمة، وإنما خص العين والحمة لكونهما تصدران من أنفس خبيثة شريرة روحانية شيطانية، فالرقية بالقوى الرحمانية كالنفث والريق أولى وأشفى ما يدفع الإيماني الروحاني به هذين النوعين، ولا يمنع جواز الرقية من غيرهما من الأمراض؛ لأنه أمر بالرقية مطلقا، وقد رقا ﷺ ورقي، والعين هي إصابة العائن غيره بعينه إذا نظر إليه، عدوا كان العائن أو حاسدا أو غيرهما، فتؤثر فيه بإذن الله فيمرض بسببها، ومن أسباب العين أن يتعجب الشخص من الشيء يراه فتتبعه نفسه، فيتضرر ذلك الشيء منه، يقال: عانه يعينه فهو عائن، إذا أصابه بالعين، ويندفع شره بأسباب منها: التعوذ بالله من شره، والصبر عليه، وفراغ القلب من الاشتغال به، والإحسان إليه مهما أمكن، والصدقة وتقوى الله والتوكل عليه، والإقبال إليه، ومعرفة أن الأسباب كلها بيده سبحانه. و "الحمة" بضم الحاء وتخفيف الميم: الحية والعقرب وشبههما، أو السم أو الإبرة، وفي رواية: من الحية والعقرب. (٣) أي فعل الحسن من أخذ بما بلغه من العلم وعمل وبه، بخلاف من يعمل على جهل، أو لا يعمل بما يعلم، فذلك المسيء، وهذا الحديث رواه أحمد وابن ماجه عنه مرفوعا، ورواه أحمد وأبو داود والترمذي عن عمران بن حصين مرفوعا، ورجال أحمد ثقات، وأصله في الصحيحين، وفيه فضيلة علم السلف، وحسن أدبهم، وتلطفهم في تبليغ العلم، وأن من عمل بما بلغه فقد أحسن، ولا يتوقف العلم به على معرفة كلام أهل المذاهب وغيرهم.

стр. 40

ولكن حدثنا ابن عباس (١) عن النبي ﷺ قال: " عرضت علي الأمم (٢) فرأيت النبي ومعه الرهط (٣) ، والنبي ومعه الرجل والرجلان (٤) ، والنبي وليس معه أحد (٥) ، ــ (١) عبد الله بن عباس ﵄ ابن عبد المطلب ابن عم النبي ﷺ ، حبر الأمة وترجمان القرآن، دعا له النبي ﷺ فقال: " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل " ١، فصار آية في العلم والفهم، مات بالطائف سنة ٦٨ هـ. قال المصنف: ((وفيه عمق علم السلف، لقوله: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن كذا وكذا. فعلم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني)) اهـ. فإن حصين ابن عبد الرحمن ﵁ انتهى إلى ما سمع عن الرسول ﷺ ، ولكن أخبره سعيد بن جبير عن درجة أرفع من تلك الدرجة وهي التوكل. (٢) الله أعلم متى عرضت، وعرضها أن الله ﵎ أراه مثالها إذا جاءت الأنبياء ومن تبعهم يوم القيامة. (٣) والذي في صحيح مسلم "الرهيط" بالتصغير، والرهط بالسكون ويفتح، الجماعة دون العشرة جمعه أرهط وأرهاط، ولا واحد له من لفظه. (٤) أي أتباعه الواحد والاثنان لقلة متبعه. (٥) أي يبعث في قومه فلا يتبعه منهم أحد، بل منهم من قتله قومه، فإن الناجي من الأمم هم القليل، ولكن هم السواد الأعظم، وإن كانوا أقل القليل، فإنهم الأعظمون قدرا عند الله وإن قلوا، فليحذر المسلم أن يغتر بالكثرة، قال المصنف: ((وفيه ثمرة هذا العلم، وهو عدم الاغترار بالكثرة، وعدم الزهد في القلة، وأن كل أمة تحشر وحدها مع نبيها، والمراد أمة الإجابة لا أمة الدعوة)) .

стр. 41

إذ رفع لي سواد عظيم (١) فظننت أنهم أمتي (٢) ، فقيل لي: هذا موسى وقومه (٣) ، فنظرت فإذا سواد عظيم (٤) فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب (٥) " ١. ــ (١) السواد: ضد البياض، أي رفع لي أشخاص كثيرة، من بعد لا أدري من هم. (٢) لكثرتهم، وإنما ظن ذلك لما أوحي إليه وأطلع عليه من كثرة أمته، ولم يعرفهم النبي ﷺ ؛ لأن الأشخاص التي ترى من بعد لا يدرك منها إلا الصورة. (٣) أي موسى بن عمران كليم الرحمن. وقومه: أتباعه على دينه من بني إسرائيل، ففيه فضيلة أتباعه منهم، وأنهم كثيرون جدا، بل هم أكثر الأمم تابعا لنبيها بعد نبينا محمد ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ٢ أي في زمانهم، وذلك أن في زمانهم وقبله ممن كفر خلقا لا يحصون كحزب جالوت وبختنصر وغيرهم. (٤) وفي رواية: "قد سد الأفق". وفي صحيح مسلم: " ولكن انظر إلى الأفق فإذا سواد يملأ الأفق، ثم قيل لي: انظر ها هنا وها هنا في آفاق السماء فإذا سواد قد ملأ الأفق " ٣. (٥) لتحقيقهم التوحيد، وفيه فضيلة هذه الأمة وأنهم أكثر الأمم تابعا لنبيهم ﷺ ، وقد كثروا في عهد الصحابة ﵃ وفي وقت الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، فملؤوا القرى والأمصار والقفار، وكثر فيهم العلم، وما زالوا على السنة في القرون الثلاثة المفضلة. وقد قلوا في آخر الزمان حقيقة لا دعوى، لا سيما وقد كثرت فيهم عبادة غير الله، واستحلال كثير من المحرمات، قال المصنف: وفيه فضيلة هذه الأمة بالكمية والكيفية والكمية الكثرة والعدد، والكيفية =

стр. 42

ثم نهض فدخل منزله (١) ، فخاض الناس في أولئك (٢) فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ ، (٣) وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئا (٤) ، ــ = فضيلتهم في صفاتهم، وفي رواية: " ويدخل الجنة من هؤلاء من أمتك سبعون ألفا " ١. وفي رواية: " تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر " ٢. وأخرج أحمد والبيهقي وغيرهما: " فاستزدت ربي فزادني مع كل ألف سبعين ألفا " ٣. قال الحافظ: ((وسنده جيد)) . ولمسلم: " مع كل واحد منهم سبعون ألفا " ٤. (١) أي قام من مجلسه الذي حدثهم فيه بهذا الحديث، فدخل منزله أي داره، وله تسعة أبيات بحجرها من جريد مشورة بمسوح الشعر عن يسار المصلي، قبل أن يزاد المسجد، ثم أدخلت فيه بعد ذلك. (٢) أي تباحث الحاضرون وأفاضوا وتناظروا واختلفوا في شأن السبعين ألفا بأي عمل نالوا هذه الدرجة، فإنهم عرفوا أنهم إنما نالوا ذلك بعمل هو أفضل الأعمال. وفي لفظ: فتذاكر أصحاب رسول الله ﷺ ، وفيه إباحة المناظرة والمباحثة في معاني نصوص الشرع على وجه الاستفادة ولو كان بغير علم، وجواز الاجتهاد فيما لم يكن فيه دليل، لكن لا يجزم بصواب نفسه، قال المصنف: ((وفيه عمق علم السلف؛ لمعرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعمل. وفيه حرصهم على الخير)) . (٣) فإنهم أفضل الخلق بعد الرسل، لا كان ولا يكون مثلهم. (٤) من أن لهم مزية على من ولد في الجاهلية وهو كذلك، وقد يكون من أدركته الجاهلية أفضل كما في الحديث: " خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا "٥. وكما وقع لعمر وخالد وغيرهما.

стр. 43

وذكروا أشياء (١) ، فخرج عليهم رسول الله ﷺ فأخبروه (٢) فقال: " هم الذين لا يسترقون (٣) ولا يكتوون (٤) ــ (١) أي غير هاتين الخصلتين. وفي رواية: قالوا: أما نحن فولدنا في الشرك، ولكن آمنا بالله ورسوله، ولكن هؤلاء هم أبناؤنا. (٢) بما تفاوضوا فيه من أمر هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب. (٣) أي لا يطلبون من يرقيهم استسلاما للقضاء وتلذذا بالبلاء، وهكذا ثبت في الصحيحين، وفي رواية لمسلم: "ولا يرقون" قال شيخ الإسلام: هذه الزيادة وهم من الراوي، لم يقل النبي ﷺ : "ولا يرقون"، وقد سئل ﷺ عن الرقى فقال: " من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل "١. وقال: " لا بأس بالرقى إذا لم تكن شركا " ٢. وقد رقى جبريل النبي ﷺ ، ورقى النبي ﷺ أصحابه، والفرق بين الراقي والمسترقي أن المسترقي سائل مستعط ملتفت إلى غير الله بقلبه، والراقي محسن، وإنما المراد وصف السبعين ألفا بتمام التوكل، فلا يسألون غيرهم أن يرقيهم. (٤) أي لا يسألون غيرهم أن يكويهم، كما لا يسألون غيرهم أن يرقيهم، وقوله: "ولا يكتوون" أعم من أن يسألوا ذلك أو يفعل بهم باختيارهم، والكي في نفسه جائز، كما في الصحيح عن جابر " أن النبي ﷺ بعث إلى أبي بن كعب طبيبا فقطع له عرقا وكواه " ٣. " وكوى أنس من ذات الجنب، والنبي ﷺ حي "٤. رواه البخاري. وفي الصحيح عن ابن عباس مرفوعا: " الشفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنهى أمتي عن الكي " ٥. وفي لفظ: " وما أحب أن أكتوى" ٦. قال ابن القيم: ((قد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع: أحدها فعله، والثاني عدم محبته، والثالث الثناء على من تركه، والرابع النهي عنه، ولا تعارض بينها؛ =

стр. 44

ولا يتطيرون (١) وعلى ربهم يتوكلون (٢) . ــ = فإن فعله له يدل على جوازه، وعدم محبته لا يدل على المنع منه، وأما الثناء على تاركه فيدل على أن تركه أولى وأفضل وأكمل، أي في تحقيق التوحيد، فكأن النبي ﷺ قال: هم الذين أخلصوا أعمالهم وتركوا ما لا بأس به، حذرا مما به البأس. وأما النهي عنه فعلى سبيل الاختيار والكراهة)) اهـ. فمن تركهما توكلا لا تجلدا ولا تصبرا فهو من كمال تحقيق التوحيد، ومن تركهما تجلدا وتصبرا لم يكن تركه من التوحيد في شيء فضلا عن أن يكون من تحقيقه. (١) أي لا يتشاءمون بالطير ونحوها. ويأتي بيان الطيرة في بابها إن شاء الله تعالى. (٢) فتركوا الشرك رأسا ولم ينزلوا حوائجهم بأحد فيسألونه الرقية فما فوقها، وتركوا الكي وإن كان يراد للشفاء، والحامل لهم على ذلك قوة توكلهم على الله، وتفويض أمورهم إليه، وثقتهم به، ورضاهم عنه، وصدق الالتجاء إليه، وإنزال حوائجهم به ، والاعتماد بالقلب الذي هو نهاية تحقيق التوحيد، وهو الأصل الجامع الذي تفرعت عنه تلك الأفعال والخصال، وعطفه على تلك من عطف العام على الخاص؛ لأن كل واحدة منها صفة خاصة من التوكل وهو أعم من ذلك، والحديث لا يدل على أنهم لا يباشرون الأسباب أصلا، فإن مباشرة الأسباب في الجملة أمر فطري ضروري، بل نفس التوكل مباشرة لأعظم الأسباب، وإنما المراد أنهم يتركون الأمور المكروهة مع حاجتهم إليها توكلا على الله كالاكتواء والاسترقاء، وأما مباشرة الأسباب والتداوي على وجه لا كراهة فيه، فغير قادح في التوكل، فلا يكون تركه مشروعا؛ لما في الصحيحين: " ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله " ١. وأخرج أحمد " يا عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء غير داء واحد، قالوا: ما هو؟ قال: الهرم" "٢. =

стр. 45

فقام عكاشة بن محصن (١) فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنت منهم (٢) . ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم (٣) ، قال: سبقك بها عكاشة "١ (٤) . ــ قال ابن القيم: ((وقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات، والأمر بالتداوي، وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع ألم الجوع والعطش، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب، وتعطيلها يقدح في التوكل، فلا يجعل العبد عجزه توكلا، ولا توكله عجزا)) . (١) بضم العين وتشديد الكاف، ومحصن بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد ابن حرثان بضم الحاء ابن قيس بن مرة الأسدي، من السابقين، شهد بدرا، واستشهد في قتال الردة مع خالد بيد طليحة سنة ١٢ هـ. (٢) وفي رواية للبخاري: " اللهم اجعله منهم " ٢. فقتل شهيدا. وفيه طلب الدعاء من الفاضل لكن في حياته، أما بعد وفاته فشرك أكبر. وفي رواية: منهم أنا؟ قال: "نعم". (٣) ذكره مبهما، ولا حاجة إلى البحث عن اسمه. (٤) أي قال ذلك سدا للذريعة لئلا يتتابع الناس فيسأل من ليس أهلا فيرد، فيعرفه الحاضرون، وسبق إلى الأمر بادر إليه، وسبقه إليه تقدمه وخلفه. فال المصنف: ((وفيه استعمال المعاريض، وحسن خلقه ﷺ حيث لم يقل أنت منهم، ولا لست منهم)) . والحديث أورده المصنف غير معزو، وقد رواه البخاري مختصرا ومطولا، ومسلم واللفظ له، والترمذي وغيرهم.

стр. 46

باب الخوف من الشرك (١) وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ ١ (٢) . ــ (١) أي باب وجوب الخوف من الشرك وتحتمه والتحذير منه، وبيان ما يتعلق به من الخسران الأبدي والعذاب السرمدي، وخاف الشيء: فزع منه واتقى ضد أمن. لما ذكر التوحيد وفضله وتحقيقه ناسب أن يذكر الخوف من ضده وهو الشرك، ليحذره المؤمن ويخافه على نفسه، قال حذيفة: " كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه ". وفي الحديث: " من أمن الله على دينه طرفة عين سلبه إياه ". فيحذر المؤمن زوال تلك النعمة، وكان ﷺ يكثر من قول: " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. قيل له: يا رسول الله وإن القلوب لتتقلب؟ قال: "إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء" ٢. فإن شاء سبحانه أقامها على دينه، وإن شاء أزاغها، وحقيقة الخوف من الشرك صدق الالتجاء إلى الله والاعتماد عليه والابتهال والتضرع إليه، والبحث والتفتيش عن الشرك ووسائله وذرائعه، ليسلم من الوقوع فيه. (١) أي لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به، أي عادل غيره به فيما يختص به سبحانه، وصارف خالص حقه لغيره، ومشبه المخلوق العاجز بمن له الكمال المطلق من جميع الوجوه، وإذا كان من مات على الشرك لا يغفر له، وجب على العبد شدة الخوف من الشرك الذي هذا شأنه عند الله، ومع كونه أعظم الذنوب عند الله سبحانه، ولا يغفر لمن لقيه به فهو هضم للربوبية، وتنقص للألوهية، وسوء ظن برب العالمين.

стр. 47

﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ١ (١) . وقال الخليل ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ (٢) ٢ (٣) . ــ (١) أي يغفر ما دون الشرك من الذنوب لمن يشاء من عباده، وفي الصحيح: أنه ﷺ أعطى ثلاثا منها " وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئا المقحمات "٣ يعني الكبائر، ففيه فضل السلامة من الشرك قليله وكثيره صغيره وكبيره، فتبين بهذه الآية ونحوها أن الشرك أعظم الذنوب؛ لأن الله أخبر أنه لا يغفره لمن لم يتب منه، وأما ما دونه من الذنوب فهو داخل تحت المشيئة، إن شاء غفر لمن لقيه به، وإن شاء عذبه، ولا يجوز أن يحمل قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٤ على التائب؛ فإن التائب من الشرك مغفور له بنص القرآن، وفي الآية رد على الخوارج المكفرين بالذنوب، وعلى المعتزلة القائلين بتخليد أصحاب الكبائر في النار. (٢) هو إبراهيم بن آزر بن ناحور بن شاروخ بن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، ولد ببابل قبل عيسى بألفي عام، وهاجر إلى الشام، وتوفي به بعد أن عاش ١٥٧ سنة. ومعنى إبراهيم بالسريانية أب رحيم. والخلة أخي من المحبة؛ ولهذا اختص بها الخليلان إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم. ويأتي قوله: " فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا " ٥. (٣) أي اجعلني وبني في حيز وجانب عن عبادة الأصنام، وباعد بيننا وبينها، وهذا مما يخيف العبد، فإذا كان الخليل ﵇ إمام الحنفاء الذي جعله الله أمة وحده وابتلي بكلمات فأتمهن، وقد كسر الأصنام بيده، يخاف أن يقع في الشرك، فكيف يأمن الوقوع فيه من هو دونه بمراتب، بل أولى بالخوف منه وعدم الأمن بالوقوع فيه. قال إبراهيم التيمي: ((ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم)) . وقد وقع فيه الأذكياء من هذه الأمة بعد القرون المفضلة، فبنيت المساجد والمشاهد على القبور وغيرها، وصرفت لها العبادات بأنواعها، وأشبهوا ما وقع في الجاهلية وأعظم =

стр. 48

وفي الحديث: " أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه فقال: الرياء " ١. (١) ــ = واتخذوا ذلك دينا، وهي أوثان وأصنام، فإن الصنم ما كان مصورا على أي صورة، والوثن ما عبد مما ليس له صورة كالحجر والأبنية، وقد يسمى الصنم وثنا، كما قال الخليل: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً﴾ ٢. فالأصنام أوثان كما أن القبور بالنص أوثان، فالوثن أعم. وقال بعض العلماء: كل ما عبد من دون الله، بل كل ما يشغل عن الله يقال له صنم، وقد بين الخليل ﵇ السبب الذي أوجب له الخوف من ذلك بقوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ ٣. فإذا عرف الإنسان ذلك أوجب له الخوف أن يقع فيما وقع فيه الكثير، ولا يأمن الوقوع فيه إلا جاهل به، وبما يخلص منه من العلم بالله، وبما بعث به رسوله ﷺ من توحيده والنهي عن الشرك به. (١) يصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل إليه، أي أشد خوف أخافه عليكم، وهذا من شفقته ﷺ على أمته ورأفته ورحمته هم، فلا خير إلا دلهم عليه ولا شر إلا حذرهم عنه، وهذا الحديث أورده المصنف مختصرا غير معزو، وقد رواه أحمد والطبراني والبيهقي بأسانيد جيدة أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه: " إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله تعالى يوم القيمة إذا جازى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء " ٤. والشرك قسمان: أكبر وأصغر، وبينهما فرق في الحكم والحد، فالأكبر: أن يسوي غير الله بالله فيما هو من خصائص الله كالمحبة، وحكمه أنه لا يغفر =

стр. 49

وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " من مات وهو يدعو لله ندا دخل النار " ١. رواه البخاري (١) . ــ = لصاحبه أبدا إلا بالتوبة، وأنه يحبط جميع الأعمال، وأن صاحبه خالد مخلد في النار. والأصغر: هو ما أتي في النصوص أنه شرك، ولم يصل إلى حد الشرك الأكبر، وحكمه أنه لا يغفر لصاحبه إلا بالتوبة لعموم ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ ٢، وأنه يحبط العمل الذي قارنه، ولا يوجب التخليد في النار، ولا ينقل عن الملة، ويدخل تحت الموازنة، إن حصل معه حسنات راجحة على ذنوبه دخل الجنة وإلا دخل النار، وإذا كان ﷺ يخافه على أصحابه الذين وحدوا الله ورغبوا إلى ما أمروا به، وهاجروا وجاهدوا وعرفوا ما دعاهم إليه نبيهم، فكيف لا يخافه وما فوقه من لا يدانيهم، ومن لا نسبة له إليهم في علم ولا عمل؟ خصوصا إذا عرف أن أكثر الناس اليوم بل كثير من علماء الأمصار لا يعرفون من التوحيد إلا ما أقر به المشركون، لم يعرفوا معنى الإلهية التي نفتها كلمة الإخلاص عن كل ما سوى الله، ويقولون: من قالها فهو المسلم وإن فعل ما فعل. فينبغي للإنسان أن يحذر كل الحذر، ويخاف أن يقع في الأكبر إذا كان الأصغر مخوفا على الصالحين، وهو وجه إيراده له مع أن الترجمة تشمل النوعين، وقد أخبر ﷺ عن أمته بوقوع الشرك، وقد عمت به البلوى في أكثر الأقطار، حتى اتخذوه دينا مع ظهور البراهين في النهي عنه والتخويف منه. وفيه أن الرياء من الشرك، وأنه من الأصغر، وأنه أخوف ما يخاف منه على الصالحين. (١) وهذا الحديث فيه أيضا التحذير من الشرك والتخويف منه، فمن جعل لله ندا في العبادة يدعوه ويسأله ويستغيث به، نبيا كان أو غيره دخل النار. قال ابن القيم: والشرك فاحذره فشرك ظاهر ... ذا القسم ليس بقابل الغفران

стр. 50

ولمسلم عن جابر ﵁ (١) أن رسول الله ﷺ قال: " من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة (٢) ، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار " (٣) ١. ــ وهو اتخاذ الند للرحمن أيا ... كان من حجر ومن إنسان يدعوه أو يرجوه ثم يخافه ... ويحبه كمحبة الديان والند المثل والشبيه، يقال: فلان ند فلان ونديده، أي مثله وشبيهه، واتخاذ الند على قسمين: أن يجعل لله شريكا في أنواع العبادة أو بعضها، فهذا شرك أكبر، والثاني ما كان من نوع الشرك الأصغر، كقول الرجل: ما شاء الله وشئت، ولولا الله وأنت، وكيسير الرياء، قال الشيخ: وكبخله - لحب المال - ببعض الواجب هو شرك أصغر، وحبه لما يبغضه الله، حتى يقدم هواه على محبة الله شرك أصغر. (١) ابن عبد الله بن عمرو بن حرام السلمي الأنصاري، صحابي جليل أحد المكثرين عن النبي ﷺ وعنه جماعة، ومناقبه مشهورة، ولأبيه مناقب مشهورة مات بالمدينة سنة ٧٤ هـ، وله ٩٤ سنة. (٢) أي من مات لم يتخذ مع الله شريكا في الإلهية، ولا في الخلق، ولا في العبادة دخل الجنة، ففيه فضيلة السلامة منه. ومن حديث أبي ذر: " أتاني جبرائيل فبشرني أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق " ٢، وفي الرابعة: " على رغم أنف أبي ذر " ٣. ودخول من مات غير مشرك الجنة مقطوع به، لكن إن لم يكن صاحب كبيرة مات مصرا عليها دخلها أولا، وإلا فهو تحت المشيئة، فإن عفا عنه دخلها أولا، وإلا عذب ثم خرج من النار وأدخل الجنة. (٣) فإذا كان التغيظ في النهي عن الشرك بهذه الشدة فينبغي شدة الخوف منه. وقوله: "شيئا" نكرة تعم قليل الشرك وكثيره، أما الأكبر فلا عمل معه البتة =

стр. 51

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = ويوجب الخلود في النار، ولا فرق بين الكافر عنادا وغيره، ولا بين من انتسب إلى ملة الإسلام أو خالفها، ومن المعلوم بالضرورة من الدين المجمع عليه عند أهل السنة أن من مات على الشرك لا يدخل الجنة، ولا يناله من الله رحمة، ويخلد في النار أبد الآباد. وأن من مات لا يشرك بالله شيئا يدخل الجنة، وإن جرت عليه قبل ذلك أنواع من العذاب والمحن. وأما الشرك الأصغر كيسير الرياء، وقول الرجل: ما شاء الله وشئت، ومالي إلا الله وأنت، ونحو ذلك فيطلق عليه الشرك كما في حديث: " من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك " ١ ونحو ذلك، ولكن لا يخرج بذلك من الملة بالكلية، ولا يستحق اسم الكفر على الإطلاق، فهو أخف من الأكبر، وقد يكون أكبر بحسب حال قائله ومقصده، واقتصر على نفي الشرك لاستدعائه التوحيد بالاقتضاء، واستدعائه إثبات الرسالة باللزوم، فالمراد من مات حال كونه مؤمنا بجميع ما يجب الإيمان به إجمالا في الإجمالي، وتفصيلا في التفصيلي، وفيه قرب الجنة والنار، والجمع بن قربهما في حديث واحد متقارب في الصورة.

стр. 52

باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله (١) وقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٢) الآية ١ ــ (١) لما ذكر المصنف التوحيد وفضله وتحقيقه وما يوجب الخوف من ضده، نبه بهذه الترجمة على أنه لا ينبغي لمن عرف ذلك أن يقتصر على نفسه، فإن الرجل إذا علم وجب عليه العمل، فإذا علم وعمل وجبت عليه الدعوة إلى الله، حتى يكون من ورثة الأنبياء وعلى طريقهم وطريق أتباعهم، قال الحسن لما تلا: ﴿مَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ ٢، قال: " هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحا في إجابته "، وقال: ﴿إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٣ هذا خليفة الله. والدعوة إلى الله هي الدعوة إلى توحيده والإيمان به وبما جاءت به رسله، وذلك يتضمن الدعوة إلى أركان الإسلام وأصول الإيمان والإحسان، بل الأمر بما أمر به، والنهي عما نهى عنه، ولا تتم إلا بذلك، وأول ما يبدأ به الدعوة إلى التوحيد الذي هو معنى الشهادة، كما كان شأن المرسلين وأتباعهم كالمصنف ﵀، وكل واحد من الأمة يجب عليه أن يقوم من الدعوة بما يقدر عليه إذا لم يقم به غيره. (٢) يقول الله تعالى لنبيه محمد ﷺ : قل: يا محمد هذه الدعوة التي أدعو إليها والطريقة التي أنا عليها من الدعاء إلى توحيد الله وإخلاص العبادة لله وحده طريقتي ومسلكي ودعوتي إلى الله وحده لا شريك له، لا إلى حظ ولا رياسة، بل إلى الله، على بصيرة بذلك ويقين وبرهان وعلم مني به (أنا ومن =

стр. 53

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = اتبعني) أي ويدعو إليه على بصيرة أيضا من اتبعني وصدقني وآمن بي، والبصيرة المعرفة التي يميز بها بين الحق والباطل، وهي الخصيصة التي اختص بها الصحابة عن سائر الأمة وهي أعلى درجات العلماء. (وسبحان الله) أي أنزه الله وأعظمه وأقدسه وأجله عن أن يكون له شريك في ملكه أو نظير أو نديد، تعالى وتقدس عن ذلك علوا كبيرا. ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١ في الاعتقاد والعمل والمسكن، لست منهم ولا هم مني، بأي نسبة كانوا بحيث لا يعد منهم بوجه من الوجوه، إن نظر في الاجتماعات فليس منهم، وإن جلسوا في المجالس فليس منهم، وإن خرجوا إلى المحافل فليس منهم، فليس منهم في أي حال من الأحوال، وفيه وجوب الهجرة، وهو معلوم بالكتاب والسنة والإجماع، وبذلك يظهر وجه المطابقة بين الآية والترجمة. والنصوص في الدعوة إلى الله كثيرة كقوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ٢. وقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ ٣. وهي واجبة على من اتبعه أن يدعو إلى الله كما دعا إليه. وذكر ابن القيم أن مراتب الدعوة ثلاثة أقسام: وذلك بحسب حال المدعو، فإنه إما أن يكون طالبا للحق محبا له مؤثرا له على غيره إذا عرفه، فهذا يدعى بالحكمة، ولا يحتاج إلى موعظة وجدال، وإما أن يكون مشتغلا بضد الحق لكن لو عرفه آثره واتبعه، فهذا يحتاج إلى الموعظة بالترغيب والترهيب، وإما أن يكون معاندا معارضا، فهذا يجادل بالتي هي أحسن، فإن رجع وإلا انتقل معه إلى الجلاد إن أمكن. ولا بد في الدعوة إلى الله من شرطين: أن تكون خالصة لوجه الله، وأن تكون على وفق سنة رسول الله ﷺ ، وأن يكون الداعي عارفا بما يدعو إليه، فإن أخل بالأول كان مشركا، وإن أخل بالثاني كان مبتدعا. وقال الشيخ: يحتاج إلى شروط كما في الحديث، ينبغي لمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر أن يكون فقيها فيما يأمر به، فقيها فيما ينهى عنه، رفيقا فيما يأمر به، رفيقا فيما ينهى عنه، =

стр. 54

وعن ابن عباس ﵄ " أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن (١) . قال له: إنك تأتي قوما من أهل الكتاب (٢) فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله " ١ (٣) ــ = حليما فيما يأمر به، حليما فيما ينهى عنه، فالفقه قبل الأمر: ليعرف المعروف فيأمر به، ويعرف المنكر فينكره، والرفق عند الأمر: ليسلك أقرب الطرق إلى تحصيل المقصود، والحلم بعد الأمر: ليصبر على أذى المأمور المنهي. وقال المصنف: ((فيه أن الدعوة إلى الله طريق من اتبعه ﷺ ، وفيه التنبيه على الإخلاص؛ لأن كثيرا لو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه، وأن البصيرة من الفرائض، وأن من دلائل حسن التوحيد كونه تنزيها لله عن المسبة. وأن من دلائل قبح الشرك كونه مسبة لله، وفيه إبعاد المسلم عن المشركين ألا يصير منهم ولو لم يشرك)) . (١) أرسله داعيا إلى الله سنة عشر قبل حجه ﷺ ، ولم يزل على اليمن واليا وقاضيا إلى أن قدم في خلافة أبي بكر، ثم توجه إلى الشام فمات بها. قال الشيخ: ((ومن فضائله أنه بعثه إلى اليمن مبلغا عنه ومفقها ومعلما وحاكما)) اهـ. وفيه مشروعية بعث الإمام الدعاة إلى الجهات يدعون إلى الله، بل يتعين عليه بتأكد. (٢) يعني بذلك اليهود والنصارى لأنهم كانوا في اليمن أكثر من مشركي العرب، وقد أوتوا علوما في أصول الأديان وفروعها، وليسوا أميين كسائر العرب، فنبهه على ذلك ليتهيأ لمناظرتهم، يعني خذ أهبتك لهم، فإنهم أهل علم، ليسوا كغيرهم. وقال الحافظ: ((هو كالتوطئة للوصية ليجمع همته عليها)) . (٣) فإنه لا بد أن يأتوك بعلوم وأشياء، ولكن لا يكن همك إلا هذا الشأن. و "شهادة" بالرفع على أنه اسم يكن مؤخر، و"أول" خبرها، ويجوز العكس.

стр. 55

وفي رواية: " إلى أن يوحدوا الله (١) ، فإن هم أطاعوك لذلك (٢) ــ (١) هذه الرواية في كتاب التوحيد من صحيح البخاري، أشار بها المصنف إلى التنبيه على معنى شهادة ألا إله إلا الله، فإن معناها توحيد الله بالعبادة ونفي عبادة ما سواه، وفي رواية: " فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله " ١، وذلك هو الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، وفي رواية للبخاري: " أدعهم إلى شهادة ألا إله إلا الله وأني رسول الله " ٢، فهذه الروايات يفسر بعضها بعضا، والمراد بذلك العلم والعمل بما دلت عليه، من إفراد الله بالعبادة، بخلاف من قال: أول واجب النظر في الوجود، أو القصد إلى النظر، فلا واجب على المكلفين أعظم من التوحيد علما وعملا، ومن أدلته هذا النص وغيره؛ فإن قوله: " فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله " ٣ مع قوله: "إنك تأتي قوما من أهل الكتاب" يعني أنهم أهل علوم وكتب وحجج، ومع ذلك أمره أن يدعوهم إلى إفراد الله بالعبادة، لكونهم محتاجين إلى أن تبين لهم ذلك، فإن منهم من يجهله، أو يعلمه ولكن الشهوة تمنعه من ذلك، وحب المال والجاه والرياسة والعياذ بالله، وفيه أنه لا يحكم بإسلام شخص إلا بالنطق بالشهادتين كما هو مذهب أهل السنة. وقال الشيخ: قد علم بالإضرار من دين الرسول، واتفقت الأمة أن أصل الإسلام، وأول ما يؤمر به الخلق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فبذلك يصير الكافر مسلما، وإذا لم يتكلم مع القدرة فهو كافر باتفاق المسلمين. قال المصنف: ((وفيه أن التوحيد أول واجب، والنبي ﷺ أخذ عشر سنين كلها في الدعوة إلى التوحيد، والنهي عن ضده وهو الشرك، وفيه أن الإنسان قد يكون من أهل العلم، وهو لا يعرفها، أو يعرفها ولا يعمل بها، والتنبيه على التعليم بالتدريج، والبداءة بالأهم فالأهم)) . (٢) أي شهدوا وانقادوا لذلك، وكفروا بما يعبد من دون الله.

стр. 56

فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة (١) ، فإن هم أطاعوك لذلك (٢) فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم (٣) ، ــ (١) ثنى بالأعمال بعد التوحيد لأنها لا تصح بدونه، فهو شرط لصحة جميع الأعمال. وفيه أن الصلاة أول واجب بعد الشهادتين، وأن المطالبة بالفرائض في الدنيا لا تكون إلا بعد الإسلام، فإن حصل دعي إلى الصلاة، وإلا لم يدع إليها، فإن الصلاة وغيرها من سائر الأعمال لا تصح بدونه، ولا يلزم من ذلك ألا يكون الكفار مخاطبين بها، ويزاد في عذابهم، وجمهور العلماء على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، المأمور بها والمنهي عنها، كالتوحيد إجماعا لقوله: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ ١. (٢) وأقاموا الصلاة الشرعية، وفي رواية الفضل بن العلاء: " فإذا صلوا". (٣) فيه دليل على أن الزكاة أوجب الأركان بعد الصلاة، وقرنها الله بالصلاة في أكثر من ثمانين موضعا من كتابه، منها: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ ٢. وعن ابن مسعود مرفوعا: " أمرت بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ومن لم يزك فلا صلاة له". وحديث: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة " ٣. وفيه أنها تؤخذ من الأغنياء فترد على الفقراء، وهو محتمل لفقراء المسلمين، وفقراء تلك البلدة، والمحلة، والقبيلة، والطائفة. وأنه يكفي إخراجها في صنف واحد، بل دلت السنة على جواز دفعها إلى شخص واحد، وإنما خص الفقراء لأنهم أكثر من تدفع إليهم، ولأن حقهم آكد من بقية الأصناف الثمانية. وفيه أن الإمام أو نائبه هو الذي يتولى قبضها، ومن امتنع منها أخذت منه قهرا.

стр. 57

فإن هم أطاعوك لذلك (١) ، فإياك وكرائم أموالهم (٢) ، واتق دعوة المظلوم (٣) ؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب " (٤) . أخرجاه١. ــ (١) أي أدوا الزكاة المشروعة فاقبلها منهم، وفي رواية الفضل: " فإذا أقروا بذلك فخذ منهم " ٢. (٢) في أخذ الزكاة، بنصب "كرائم" على التحذير، جمع كريمة خيار المال، وفي المطالع: هي الجامعة للكمال الممكن في حقها، من غزارة لبن، وجمال صورة، أو كثرة لحم وصوف. وفيه أنه يحرم على العامل أخذ كرائم الأموال، ويحرم على صاحبه إخراج شراره، بل الوسط; لأن ذلك سبب لإخراجها بطيب نفس، ونية صحيحة، فإن طابت نفسه بالكريمة جاز. (٣) أي اجعل العدل وترك الظلم وقاية بينك وبين الله تقيك دعوة المظلوم، والمتقي من اتقى الله في عمله، ففعل كما أمر خالصاً لله. وفيه التنبيه على التحذير من جميع أنواع الظلم، فيجب على كل عامل وغيره أن يتحرى العدل فيما استعمل فيه، فلا يظلم بأخذ زيادة على الحق، ولا يحابي بترك شيء منه. (٤) أي فإن دعوة المظلوم لا ترد ولا تحجب عن الله (. وفيه مشروعية بعث الإمام العمال لجباية الزكاة، وأنه يعظ عماله وولاته، ويأمرهم بتقوى الله، وينهاهم عن الظلم، ولم يذكر في هذا الحديث الصوم والحج. قال الشيخ: أجاب بعض الناس أن بعض الرواة اختصره وليس كذلك، ولكن ذلك بحسب نزول الفرائض، وأول ما فرض الله الشهادتان ثم الصلاة، ولهذا لم يذكر وجوب الحج في عامة الأحاديث، إنما جاء في الأحاديث المتأخرة، أو أنه يذكر في كل مقام ما يناسبه، فيذكر تارة الفرائض التي يقاتل عليها كالصلاة والزكاة، وتارة الصلاة والصيام لمن لم يكن عليه زكاة، ويذكر تارة الصلاة والزكاة والصوم، فإما أن =

стр. 58

ولهما عن سهل بن سعد ﵁ (١) أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: " لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله (٢) ، ــ = يكون قبل فرض الحج، وإما أن يكون المخاطب لا حج عليه، وأما الصلاة والزكاة فلهما شأن ليس لسائر الفرائض، ولهذا ذكر تعالى في كتابه القتال عليهما؛ لأنهما عبادتان ظاهرتان. ولما بعث معاذا إلى اليمن لم يذكر في حديثه الصوم؛ لأنه تبع وهو باطن، ولا ذكر الحج لأن وجوبه خاص ليس بعام، ولا يجب في العمر إلا مرة. (١) ابن مالك بن خالد بن ثعلبة الخزرجي الأنصاري، صحابي شهير، وأبوه صحابي أيضا، ذكر سهل أنه مات النبي ﷺ وهو ابن خمس عشرة، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة سنة ٨٨، وقيل: ٩١ هـ، وقد جاوز المائة، روى عنه ابن عباس وأبو هريرة وابن المسيب والزهري وغيرهم. (٢) أي قال يوم حصار خيبر سنة ٧ هـ، وفي الصحيحين عن سلمة بن الأكوع قال: كان علي ﵁ قد تخلف عن النبي ﷺ في خيبر، وكان أرمد، وقال: أنا أتخلف عن رسول الله ﷺ !؟ فخرج علي فلحق بالنبي ﷺ ، فلما كان مساء الليلة التي فتحها الله (في صباحها، قال ﷺ : " لأعطين الراية - أو ليأخذن الراية - غدا رجلا يحبه الله ورسوله، أو قال: يحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه، فإذا نحن بعلي وما نرجوه، فقالوا: هذا علي، فأعطاه رسول الله ﷺ الراية، ففتح الله عليه " ١. وفي رواية بريدة: " إني دافع اللواء إلى رجل يحبه الله ورسوله " ٢. وقد صرح جماعة من أهل اللغة بترادف الراية واللواء، لكن روى أحمد والترمذي من حديث ابن عباس: كانت راية رسول الله ﷺ سوداء ولواؤه =

стр. 59

يفتح الله على يديه" (١) . فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها (٢) ــ = أبيض، وعن أبي هريرة: مكتوب فيه لا إله إلا الله محمد رسول الله، والراية علم الجيش، يرجعون إليه عند الكر والفر، جمعها رايات، وكذا لواء الجيش علمه، وهو دون الراية، سمي لواء لأنه يلوى لكبره فلا ينشر إلا عند الحاجة، والغد اليوم التالي ليومك على أثره. والمحبة مواطأة القلب على ما يرضى الرب، وأصلها الميل إلى ما يوافق المحب، وفيه فضيلة علي ﵁ وزيادة منقبته؛ لشهادة رسول الله ﷺ له بذلك بخصوصه. قال الشيخ: هذا أصح حديث روي لعلي من الفضائل، وليس هذا الوصف مختصا به، ولا بالأئمة؛ فإن الله ورسوله يحب كل مؤمن تقي يحب الله ورسوله، لكن هذا الحديث من أحسن ما يحتج به على النواصب الذين لا يتولونه، أو يكفرونه أو يفسقونه كالخوارج، وفيه إثبات صفة المحبة خلافا للجهمية. (١) أخبرهم ﷺ على وجه البشارة بحصول الفتح، وكان قد اشتد عليهم الحصار، فهو علم من أعلام النبوة؛ لإخباره عنه قبل وقوعه في وقت مخصوص، فوقع طبق ما أخبر به ﷺ . (٢) بنصب ليلة، ورفع أي على البناء، لإضافتها وحذف صدر صلتها، أي سهروا تلك الليلة يبحثون ويتفاوضون، ويتناظرون فيمن سيعطاها. قال المصنف: "يدوكون" أي يخوضون، يعني فيمن يدفعها إليه، وفيه يقال: داك القوم يدوكون، إذا وقعوا في اختلاط واضطراب ودوران. وخاضوا في الحديث تفاوضوا فيه; وفيه حرص الصحابة على الخير، واهتمامهم به، وعلو مرتبتهم في العلم والإيمان، فينبغي التنافس في الخير، وعلو الهمة في طلبه.

стр. 60

فلما أصبحوا غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو (١) أن يعطاها، فقال: أين علي بن أبي طالب؟ (٢) فقيل: هو يشتكي عينيه (٣) ، فأرسلوا إليه (٤) فأُتي به، فبصق في عينيه (٥) ــ (١) حرصًا عليه لكونه محبوبا عند الله، وتفتح هذه البلدة على يديه، ففيه أن فعل الأسباب المباحة أو الواجبة أو المستحبة لا ينافي التوكل. وفي رواية لمسلم: أن عمر قال: ((ما أحببت الإمارة إلا يومئذ; رغبة فيما أخبر به الرسول ﷺ ) . فإن قيل: إذا كان هذا ليس من خصائص علي ﵁ فلم تمناه بعض الصحابة؟ أجاب شيخ الإسلام بأنه إذا شهد النبي ﷺ لمعين بشهادة، أو دعا له بدعاء، أحب كثير من الناس أن يكون له مثل تلك الشهادة، ومثل ذلك الدعاء، وإن كان يشهد ويدعو لخلق كثير، ولكن تعيينه الشخص من أعظم فضائله. قال المصنف: ((وفيه فضيلة علي يعني لشهادته له على التعيين)) . (٢) هو ابن عم النبي ﷺ وزوج ابنته فاطمة الزهراء، الخليفة الرابع، من أسبق السابقين، ومن أهل بدر وبيعة الرضوان، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، ومناقبه مشهورة، قتله ابن ملجم في رمضان سنة ٤٠ هـ، وفيه سؤال الإمام عن رعيته، وتفقد أحوالهم، وسؤاله عنهم في مجامع الخير. (٣) أي من الرمد كما تقدم. وفي صحيح مسلم: فأتى به أرمد. وفيه عن سلمة: فأرسلني إلى علي، فجئت به أقوده أرمد، فبصق في عينيه فبرأ. (٤) من يأتيه به، قال الشارح: وفي نسخة بخط المصنف: فأرسل إليه. مبني للفاعل، ويحتمل أنه لما لم يسم فاعله. (٥) بفتح الصاد أي بزق، ويقال: بزق ثم تفل ثم نفث ثم نفخ.

стр. 61

ودعا له فبرأ (١) كأن لم يكن به وجع (٢) ، وأعطاه الراية (٣) فقال: انفذ على رسلك، حتى تنزل بساحتهم (٤) ، ثم ادعهم إلى الإسلام (٥) ، ــ (١) بفتح الراء والهمزة، أي عوفي في الحال عافية كاملة. (٢) من رمد ولا ضعف بصر، وذلك بدعوة النبي ﷺ كما في الحديث: ((فدعا له فاستجيب له)) . وللطبراني عن علي: ((فما رمدت ولا صدعت منذ دفع النبي ﷺ إلي الراية)) . وفيه علم من أعلام النبوة. (٣) أي دفعها إليه مع ما به من وجع العين، ولم يسع في طلبها. قال المصنف: فيه الإيمان بالقدر لحصولها لمن لم يسع ومنعها ممن سعى. (٤) بضم الفاء وكسر الراء وسكون السين، أي امض برفق وتؤدة ولين، متمهلا على رسلك، من غير عجلة ولا طيش حتى تنزل بساحتهم، وساحة القوم وسوحهم ما قرب من حصونهم، وفيه الأدب عند القتال، وترك الطيش والأصوات المزعجة، وأمر الإمام عماله بالرفق واللين، من غير ضعف ولا انتقاض عزيمة. (٥) أي والإيمان فإن الإسلام إذا أفرد دخل فيه الإيمان، كما أنه إذا أفرد الإيمان دخل فيه الإسلام بلا نزاع، والإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد والخضوع له، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله، وأصل الإسلام هو التوحيد، وهو معنى شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإن شئت قلت: هو شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وما اقتضته الشهادتان من إخلاص العبادة لله وحده دون ما سواه، فإن من عبد معه غيره لم يكن مسلما، والطاعة لرسوله ﷺ فيما أمر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وهذا =

стр. 62

وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه (١) ، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم " (٢) . ــ = هو الشاهد للترجمة. وهكذا ينبغي لأهل الإسلام أن يكون قصدهم بجهادهم هداية الخلق إلى الإسلام والدخول فيه، وفيه مشروعية الدعوة قبل القتال، وإن كانوا قد دعوا قبل ذلك، فيندب إعادة الدعوة؛ ليعلم المشركون أن قصد المسلمين لهم بالدعوة والقتال هو دخولهم في الإسلام، ليس المراد التشفي منهم وأخذ أموالهم، لكن إن كانوا قد بلغتهم الدعوة جاز قتالهم ابتداء؛ لأن النبي ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارون. فالدعوة دعوتان: واجبة وهي دعوة التبليغ، ومندوبة وهي تبليغهم قبل القتال كما فعل علي ﵁. (١) أي في الإسلام إذا أجابوك إليه فأخبرهم بما يجب من حقوقه التي لا بد لهم من فعلها، كالصلاة والزكاة وغيرهما من شرائع الإسلام، بقوله: " فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " ١، فإن امتنعوا عن شيء من حقها فالقتال باق، فالنطق بالشهادتين سبب العصمة، لا أنه نفسه العصمة، أو هو العصمة لكن بشرط العمل؛ فإن لله حقوقا في الإسلام من لم يأت بها لم يكن مسلما. وفيه أيضا بعث الإمام الدعاة إلى الله كما فعل النبي ﷺ وخلفاؤه. قال عمر: " والله ما أرسل عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسننكم ". (٢) أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر في محل رفع على الابتداء، والخبر خير. وحمر بضم الحاء المهملة وسكون الميم، والنعم بفتح النون والعين، أي هداية رجل على يديك خير لك من الإبل الحمر، وإنما عبر بها لأنها أنفس أموال العرب إذ ذاك. وكانوا يضربون بها المثل، والمراد خير من الدنيا وما عليها. وتشبيه أمور =

стр. 63

يدوكون أي: يخوضون (١) . ــ = الآخرة بأمور الدنيا للتقريب إلى الإفهام، وإلا فذرة من ذرات الآخرة خير من الدنيا بأسرها وأمثالها معها. وفيه الترغيب في الدعوة إلى الله لتحصل للداعي هذه الفضيلة بهداية رجل واحد، ولهذا حلف النبي ﷺ وهو الصادق المصدوق ولو لم يحلف، ترغيبا في هذا العمل وحضا عليه، ولو لم يهتد بالدعوة إلا رجل واحد، فكيف بهداية الفئام؟ كما وقع للمصنف ﵀، وغيره من أئمة الدين. وفيه جواز الحلف على الخبر والفتيا ولو لم يستحلف. (١) فسر المصنف ﵀ هذه اللفظة بأن المراد خوض السامعين، وبحثهم في هذا الخير وتمني حصوله.

стр. 64

باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله ... باب تفسير التوحيد وشهادة ألا إله إلا الله (١) وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ (٢) الآية ١. ــ (١) عطف الشهادة على التوحيد من عطف الدال على المدلول؛ فإن التوحيد هو معنى لا إله إلا الله ومدلولها مطابقة، يعني باب بيان إيضاح التوحيد، توحيد الإلهية والعبادة؛ لأنه هو المقصود بالذات من تصنيف الكتاب، وبيان مدلول شهادة ألا إله إلا الله من النفي والإثبات، وما تضمنته من إخلاص العبادة لله وحده دون ما سواه، فالتفسير تارة بذكر ما تحت اللفظ من معنى، وتارة بذكر الضد والمنافي; فإن قيل: قدم في أول الكتاب ما يبين معنى لا إله إلا الله وما تضمنته من التوحيد، فما فائدة هذه الترجمة؟ قيل: في هذه الآيات التي في هذا الباب بخصوصها مزيد بيان لمعنى كلمة الإخلاص، وما دلت عليه من توحيد العبادة، والحجة على من تعلق على الأولياء والصالحين. (٢) يتبين معنى هذه الآية بذكر ما قبلها وهو قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ ٢ صيغة عموم شمل كل مدعو من دون الله من الأنداد، وارغبوا إليهم، فإنهم يعني جميع من يدعي من دون الله: ﴿فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ﴾ ٣ أي بالكلية (ولا تحويلا) أي ولا يحولونه إلى غيركم؛ فإن الذي يقدر على ذلك هو الله وحده لا شريك له، فهو المستحق أن يفرد بجميع العبادة.: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ ٤ أي يدعوهم أهل الشرك، ممن لا يملك كشف الضر ولا تحويله من الملائكة والأنبياء والصالحين وغيرهم، عباد أمثالهم مقهورون مربوبون. (فالذين) اسم موصول =

стр. 65

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = يتناول كل مدعو من دون الله. قال ابن عباس: " كان أهل الشرك يقولون نعبد الملائكة والمسيح وعزيرا "، والذين هم يدعون: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ ١ أي يتبارون في طلب القرب، فيطلبون القرب من الله بالإخلاص له، وطاعته فيما أمرهم به، وترك ما نهاهم عنه. وقال ابن عطية: أخبر تعالى أن هؤلاء المعبودين يطلبون التقرب إلى الله، والتزلف إليه، فـ (أيهم) مبتدأ وخبره (أقرب) و (أولئك) يراد بهم المعبودون، وهو مبتدأ، وخبره (يبتغون) ، والضمير في (يدعون) للكفار، وفي (يبتغون) للمعبودين، و (الوسيلة) ما يتقرب به، وتوسل إلى الله عمل عملا تقرب به إليه، ولما أعد الله لأوليائه الكرامة، جعل لذلك وسيلة، وهي عبادة الله بامتثال ما أمر به، وأعظم القرب التوحيد الذي بعث الله به رسله، وهو الذي يقربهم إلى الله أي إلى عفوه ورضاه، ووصف ذلك بقوله: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ ٢ فلا يرجون أحدا سواه، ولا يخافون غيره. قال شيخ الإسلام: ((فالآية خطاب لكل من دعا من دون الله مدعوا، وذلك المدعو يبتغي إلى الله الوسيلة، ويرجو رحمته ويخاف عذابه، فكل من دعا ميتا أو غائبا من الأنبياء والصالحين، سواء كان بلفظ الاستغاثة أو غيرها، فقد تناولته هذه الآية كما تتناول من دعا الملائكة والجن، فقد نهى الله عن دعائهم، وبين أنهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين ولا تحويله، لا يرفعونه بالكلية، ولا يحولونه من موضع إلى موضع آخر كتغيير صفته أو قدره، ولهذا قال: (ولا تحويلا) فذكر نكرة تعم أنواع التحويل، فكل من دعا ميتا أو غائبا من الأنبياء والصالحين، أو دعا الملائكة فقد دعا من لا يغيثه، ولا يملك كشف الضر عنه ولا تحويله)) اهـ. فإذا كان دعاء الأولياء والصالحين شركا، عرفنا أن التوحيد هو دعاء الله وحده لا شريك له، فكان في هذه الآية تفسير التوحيد، وأنها دلت على أن دعوة الله وحده هي التوحيد، وهذا وجه مطابقة الآية للترجمة، وهو تفسير الشيء بضده.

стр. 66

وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ (١) الآية١. وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٢) الآية ٢. ــ (١) وتمامها: ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ ٣ في ذريته من بعده، يدينون بها (لعلهم يرجعون) إليها، والكلمة هي: لا إله إلا الله بإجماع أهل العلم. وقد عبر عنها الخليل بمعناها الذي أريدت به، فعبر عما نفته بقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ ٤، وعما أثبتته بقوله: ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ٥ أي خلقني، فقصر العبادة على الله وحده، ونفاها عن كل ما سواه ببراءته من ذلك. قال ابن كثير: ((هذه الكلمة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له وخلع ما سواه من الأوثان، وهي لا إله إلا الله، جعلها في ذريته، يقتدي به فيها من هداه الله منهم، ففي الآية معنى لا إله إلا الله مطابقة، فإن هذه اللام تسمى لام النفي، ولام التبرئة، فتبين أن معناها النفي والإثبات، والتجريد والتفريد، والولاء والبراء، وتبين أن معنى لا إله إلا الله توحيد الله بإخلاص العبادة له، والبراءة من عبادة كل ما سواه)) . (٢) الأحبار العلماء، والرهبان هم العباد، وجعلوهم مشرعين في تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل، فصاروا بذلك أربابا؛ لأن التشريع من خصائص الربوبية، كما أن العبادة من مستحقات الربوبية، وفسر رسول الله ﷺ هذه الآية لعدي لما قال: إنهم لم يعبدوهم، فقال: " بلى إنهم حرموا عليهم الحلال، وحللوا لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم " ٦. رواه أحمد وغيره، وحسنه الترمذي. وقوله: (والمسيح ابن مريم) أي اتخذوه ربا بعبادتهم له.: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٧. فدلت على أن من أطاع غير الله في تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحله فقد اتخذه ربا ومعبودا، وجعله لله شريكا، وذلك ينافي التوحيد، فكل معبود رب، وكل مطاع ومتبع على غير ما =

стр. 67

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = شرعه الله ورسوله فقد اتخذه المطيع ربا ومعبودا، والرب هو المعبود، ولا يطلق معرفا إلا على الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ ١ وهذا وجه مطابقة الآية للترجمة، أن من اتخذ شخصا يحلل ما حلل، ويحرم ما حرم فهو مشرك. والتوحيد الذي هو مدلول شهادة ألا إله إلا الله هو إفراد الله بالطاعة في تحريم ما حرم، وتحليل ما حلل، وهذه الآية كقوله تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ٢ يعني وأنتم كفار، ونحن بريئون منكم، وأنتم بريئون منا. قال شيخ الإسلام: ((وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا على وجهين: أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على هذا التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرمه الله، أو تحريم ما أحل اتباعا لرؤسائهم، مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر، وقد جعله الله شركا. الثاني: أن يكون اعتقادهم بتحريم الحلال، وتحليل الحرام ثابتا؛ لكونهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب، كما ثبت "إنما الطاعة في المعروف"، ثم ذكر المحرم للحلال إن كان مجتهدا قصده اتباع الرسول ﷺ ولكن خفي عليه الحق، وقد اتقى الله، فهذا لا يؤاخذه الله بخطئه، ولكن من علم أن هذا خطأ ثم اتبعه، وعدل عن قول الرسول ﷺ فله نصيب من هذا الشرك، لاسيما إن اتبع في ذلك هواه، ونصره باليد واللسان، مع علمه بأنه مخالف للرسول ﷺ فهذا شرك، وإن كان المتبع للمجتهد عاجزا، وفعل ما يقدر عليه فلا يؤاخذ إن أخطأ)) .

стр. 68

وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ (١) الآية ١. ــ (١) (من) للتبعيض، أي فريق من الناس، وقد ذكر حال المتخذين الأنداد على سبيل الذم، فإنه ذكر حال المشركين حيث جعلوا لله أندادا، أي أمثالا ونظراء يعبدونهم معه و (يحبونهم كحب الله) أي يسوونهم في المحبة المقتضية الذل للمحبوب، والخضوع له كحب الله. وهو الله لا إله إلا هو، لا ضد له، ولا ند له، ولا شريك له، وكل من صرف من العبادة شيئا لغير الله رغبة إليه، أو رهبة منه فقد اتخذه ندا لله، وفي الصحيحين: عن ابن مسعود مرفوعا قال: " أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك " ٢.: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ ٣ من أصحاب الأنداد لأندادهم، ولحبهم له، وتمام معرفتهم به لا يشركون به شيئا، بل يعبدونه وحده. ثم توعد المشركين فقال: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ ٤ يقول: لو علموا ما يعاينونه هنا، وما يحل بهم من الأمر الفظيع على شركهم، لانتهوا عما هم فيه من الضلالة. قال المصنف: ((ذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله، فدل على أنهم يحبون الله حبا عظيما ولم يدخلهم في الإسلام، فكيف بمن أحب الند حبا أكبر من حب الله؟ فكيف بمن لم يحب إلا الند وحده ولم يحب الله؟)) اهـ. فمن أشرك مع الله غيره في المحبة فقد جعله شريكا لله في العبادة، واتخذ ندا من دون الله، وذلك هو الشرك الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه لقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ٥ والمراد محبة التأله والتعظيم المختصة برب العالمين، التي هي إحدى القاعدتين اللتين عليهما مدار العبادة كما قال ابن القيم: وعبادة الرحمن غاية حبه ... مع ذل عابده هما قطبان

стр. 69

وفي الصحيح عن النبي ﷺ : "من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه (١) ــ = إلى أن قال: ليس العبادة غير توحيد المح ... بَة مع خضوع القلب والأركان وهذا هو الذي اعترف به المشركون، وهم بين أطباق الجحيم، أنهم صاروا في الجحيم بسببه حيث قالوا: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١، ومن المعلوم أنهم ما ساووهم به في الحلق والتدبير، إنما ساووهم به في هذه المحبة، فدلت الآية على أن من اتخذ ندا مع الله يحبه كمحبة الله فقد أشرك الشرك الأكبر المنافي للتوحيد، فإذا عرفنا أن هذا شرك، فالتوحيد ضده، وهو أن يفرد الرب بهذه المحبة المختصة التي هي التوحيد، وبذلك ظهر معنى التوحيد وتفسيره، وشهادة ألا إله إلا الله. وأما محبة الملائمات وهي المحبة الطبيعية فلا تكون شركا، ويأتي بيان ذلك في بابه إن شاء الله تعالى. (١) أي وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه عن النبي ﷺ ، وأبو مالك اسمه سعد بن طارق، كوفي ثقة مات في حدود الأربعين ومائة، وأبوه طارق بن أشيم الأشجعي صحابي له أحاديث. ورواه أحمد بلفظ " من وحد الله، وكفر بما يعبد من دون الله " ٢ فهذا يفسر لا إله إلا الله، فعلق ﷺ عصمة المال والدم في هذا الحديث بأمرين: الأول: قول لا إله إلا الله عن علم ويقين، كما قد قيد ذلك في قولها في غير ما حديث، فإن من قالها في زمن النبي ﷺ قبل وجود النفاق، لا يقولها إلا عن صدق وعمل بها، وعلم بما دلت عليه من النفي والإثبات. والثاني: الكفر بما يعبد من دون الله، فلم يكتف باللفظ المجرد عن المعنى، بل لا بد من قولها والعمل بها، والبراءة مما ينافيها؛ فإن النبي ﷺ علق عصمة الدم بالأمرين جميعا، قولها عن علم ويقين، والكفر بما =

стр. 70

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = يعبد من دون الله، ففيه أنه لا يحرم ماله ودمه إلا إذا قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، فإن قالها ولم يكفر بما يعبد من دون الله لم يأت بما يعصم ماله ودمه، وفيه معنى قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا﴾ ١. قال المصنف: ((وهذا من أعظم ما يبين لك معنى لا إله إلا الله، فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله، فإن شك أو تردد لم يحرم ماله ودمه، فيا لها من مسألة ما أجلها وأعظمها، ويا له من بيان ما أوضحه، وحجة ما أقطعها للمنازع)) اهـ. وهذا هو الشرط المصحح لقول لا إله إلا الله، فلا يصح قولها بدون هذه الخمس التي ذكر أصلا، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ ٢، وقال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ٣ الآية، أمر بقتالهم حتى يتوبوا من الشرك، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإن أبوا عن ذلك أو بعضه قوتلوا إجماعا، بل أجمعوا على أن من قال: لا إله إلا الله ولم يعتقد معناها، ولم يعمل بمقتضاها، أنه يقاتل حتى يعمل بما دلت عليه من النفي والإثبات. وفي الصحيحين: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " ٤. وفي رواية: " ويؤمنوا بي وبما جئت به " ٥، فلا بد من الإيمان بجميع ما جاء به الرسول ﷺ ، فأيما طائفة امتنعت عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة، فإنه يجب قتالها كما قاتل أبو بكر مانعي الزكاة، واتفق عليه الصحابة والفقهاء، ويكفي المنصف ما ذكره العلماء من كل مذهب في باب حكم المرتد، فإنهم ذكروا فيه أشياء كثيرة يكفر بها الإنسان. والكفر لغة الستر، وكفر يكفر كفرا وكفرانا: ضد آمن، وسمي الكافر كافرا لأنه مغطى على قلبه، وشرعا: تكذيبه ﷺ في شيء مما جاء به.

стр. 71

وحسابه على الله " ١ (١) . وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب (٢) . ــ (١) أي الله ﵎ هو الذي يتولى حسابه، وهو المطلع على السرائر، فإن كان صادقا جازاه بجنات النعيم، وإن كان منافقا عذبه العذاب الأليم. وأما في الدنيا فالحكم على الظاهر، فمن أتى بالتوحيد والتزم شرائعه ظاهرا، وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك. (٢) ترجمة الكتاب فاتحته، وشرحها تفسيرها وتبينها، وتوضيح معناها; وذلك أن ما بعدها فيه ما يبين التوحيد، ويوضح معنى لا إله إلا الله، وفيه بيان أشياء كثيرة من الشرك الأصغر والأكبر، وما يوصل إلى ذلك من الغلو والبدع وتنزيه الرب تعالى عما لا يليق بجلاله، وقد جمع ﵀ في هذا الكتاب على اختصاره من بيان التوحيد ما لم يسبقه إليه سابق، ولا لحقه فيه لاحق، وما لا يعذر أحد عن معرفته، فمن استحضره استغنى به عن غيره في بيان التوحيد، والرد على كل مبتدع.

стр. 72

باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه ١ وقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ (٢) الآية ١. ــ (١) من تبعيضية، ولبس بضم اللام، يعني من الشرك الأصغر المنافي لكمال التوحيد لبس الحلقة. وهي: كل شيء استدار من صفر وغيره، والخيط ونحوهما: كالودعة والتميمة والمسمار والخرزة ونحو ذلك، لرفع البلاء: إزالته بعد نزوله، أو دفعه: منعه قبل نزوله، ويجمع ذلك شيء واحد، وهو الطلب من غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله، واتخاذ تلك الأشياء ونحوها من أعمال الجاهلية، وكانوا يعلقونها على أولادهم ودوابهم، وذلك ينافي التوحيد بالكلية، أو ينافي كماله؛ لأن الشافي الكافي من كل شيء هو الله سبحانه، وطلب الشفاء والبركة بالحلق والخيوط وغيرها هضم لجناب التوحيد، ولبسها على قسمين: اعتقاد أنه سبب، فشرك أصغر، أو يدفع أو ينفع فشرك أكبر؛ لأنه اعتقد أن هنا متصرفا بالنفع والضر غير الله، والمصنف -قدس الله روحه- ابتدأ في تفسير التوحيد، وشهادة أن لا إله إلا الله، بذكر شيء مما يضاد ذلك من أنواع الشرك الأكبر والأصغر، فإن الضد لا يعرف إلا بضده كما قيل: وبضدها تتبين الأشياء. فمن لم يعرف الشرك لم يعرف التوحيد وبالعكس، وقدم الأصغر الاعتقادي ترقيا من الأدنى إلى الأعلى. (٢) أمر الله نبيه ﷺ أن يقول للمشركين: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ﴾ ٢ أي أخبروني عن الذين تدعون من دون الله، وتسألونهم من الأنداد والآلهة: ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ ٣ مرض أو فقر أو بلاء أو شدة: ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ ٤ أي أنتم تعلمون =

стр. 73

عن عمران بن حصين (١) ــ = أنهم لا يقدرون على ذلك أصلا، وتعترفون بذلك، (أو أرادني برحمة) صحة وعافية وخير: ﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ ١ أي أنتم تعلمون أنهم لا يستطيعون شيئا من الأمر، وتعترفون أنهم لا يقدرون على شيء من ذلك، فإذا علمتم أنهم لا يقدرون على ذلك فلم تعلقون عليهم من دون الله، (قل) يا محمد (حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون) أي الله كافي من توكل عليه، والتوكل التفويض والاعتماد، فإذا كانت آلهتهم التي يدعون من دون الله لا قدرة لها على كشف ضر أراده الله بعبده، أو إمساك رحمة أنزلها على عبده، فيلزمهم بذلك أن يكون الله هو معبودهم وحده المفوض إليه جميع أمورهم، لزوما لا محيد لهم عنه. وهذا في القرآن كثير يقيم تعالى الحجة على المشركين بما يبطل شركهم بالله، وتسويتهم غيره به في العبادة، بضرب الأمثال وغير ذلك مما يعلمون به أن ذلك لله وحده، ويقرون به على ما يجحدونه من عبادته وحده، هذا وهم إنما كانوا يدعونها على معنى أنها وسائط وشفعاء عند الله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢ لا على أنهم يكشفون الضر، ويجيبون دعاء المضطر، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ ٣. قال مقاتل: سألهم النبي ﷺ فسكتوا؛ لأنهم لا يعتقدون ذلك فيها، وإذا كان ذلك كذلك بطلت عبادتهم الآلهة مع الله، وإذا بطلت فلبس الحلقة والخيط ونحوهما كذلك. والمصنف ﵀ استدل بالآية النازلة في الأكبر على الأصغر، كما استدل بها ابن عباس وحذيفة وغيرهما، وهذه الآية وأمثالها تبطل تعلق القلب بغير الله في جلب نفع، أو دفع ضر وأن ذلك لا يكون إلا بالله وحده، وأن جميع أنواع العبادة لا يصلح منها شيء لغير الله، كما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وكذلك لا يصلح شيء من أنواع التعلقات بغير الله . (١) ﵁ ابن عبيد بن خلف الخزاعي صحابي ابن صحابي أسلم عام خيبر، وغزا عدة غزوات، وكان صاحب راية خزاعة يوم الفتح، وقال الطبراني: =

стр. 74

" أن رسول الله ﷺ رأي رجلا في يده حلقة من صفر (١) فقال ما هذه؟ قال من الواهنة (٢) . فقال انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا (٣) ، ــ = أسلم قديما هو وأبوه وأخته، وكان ببلاد قومه، ثم تحول إلى البصرة إلى أن مات بها سنة ٥٢هـ. (١) وفي رواية الحاكم: "دخلت على رسول الله ﷺ وفي عضدي حلقة صفر"، فالمبهم في رواية أحمد هو عمران راوي الحديث، والحلقة كان المشركون يجعلونها في أعضادهم، من نحاس أصفر وغيره، يزعمون أنها تحفظهم من أذى العين والجن ونحوهما، وكذا لبس حلقة الفضة للبركة، أو لمنع البواسير، وخواتيم لها فصوص مخصوصة للحفظ من الجن وغيرها. (٢) يحتمل أن الاستفهام للاستفصال عن سبب لبسها، ويحتمل أن يكون للإنكار، قال الشارح: وهو أظهر. ولفظه: "ويحك ما هذه"؟ قال: من الواهنة، والواهنة عرق يأخذ بالمنكب وباليد كلها فيرقى منها، وقيل: مرض يأخذ بالعضد، أو ريح فيه تأخذ الرجال دون النساء، وربما علق عليها جنس من الخرز يقال له خرز العصمة، وإنما نهى عنها لأنها إنما تتخذ لتعصم من الألم، وفيه اعتبار المقاصد. (٣) انزعها بكسر الزاي، وأصل النزع الجذب بقوة والقلع، من نزعت الشيء من موضعه نزعا من باب ضرب، قلعته وانتزعته مثله، أي انبذها عنك. وهو لفظ أحمد، وهو أبلغ، فإنه يتضمن النزع وزيادة، وهو الطرح والإبعاد، وهذا زجر له وإنكار عليه، وقد أخبره ﷺ أنها لا تنفعه بل تضره، وأن هذا الداء الذي لبسها له لا يزول، بل لا تزيده إلا وهنا أي ضعفا، معاملة له بنقيض قصده؛ لأنه علق قلبه بما لا ينفعه ولا يدفع عنه، وكذا كل أمر نهى عنه فإنه لا ينفع غالبا، وإن نفع بعض النفع فضرره أكبر من نفعه، وابتلاء من الله وامتحان. وهكذا =

стр. 75

فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا (١) "١. رواه أحمد بسند لا بأس به (٢) . ــ = شأن الأمور الشركية، ضررها على أصحابها في الدنيا في الغالب والآخرة، وذلك من أجل التفات قلوبهم إلى غير الله) ومن تعلق شيئا وكل إليه، ومن وكل إلى غير الله هلك. وإذا كان هذا في الأصغر الذي يجامع أصل التوحيد، فكيف بالأكبر الذي ينافيه بالكلية. (١) نفى عنه الفلاح لو مات وهي عليه؛ لأنه شرك والحالة هذه، والفلاح من أجمع الكلمات التي نطقت بها العرب، وهو الفوز والظفر والسعادة. وفي رواية: "وكلت إليها". قال المصنف: ((فيه شاهد لكلام الصحابة: أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر، وأنه لم يعذر بالجهالة، والشاهد منه إنكار النبي ﷺ عليه، وأنه دليل على المنع من لبس الحلقة والخيط ونحوهما لذلك، وفيه إنكار المنكرات الشركية حتى إن من العلماء من جعلها ركنا سادسا من أركان الإسلام)) . (٢) وصححه ابن حبان والحاكم وأقره الذهبي، ورواه أيضا بنحوه عن أبي عامر الخراز عن الحسن. وأحمد ﵁ هو ابن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، ناصر السنة، العالم الرباني أبو عبد الله الشيباني المروزي ثم البغدادي، إمام عصره، وأعلمهم بالفقه والحديث، وأشدهم ورعا ومتابعة للسنة. يقول فيه ابن النحاس: ((عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه، أتته الدنيا فأباها، والشبه فنفاها)) . وقال إسحاق بن راهويه: ((هو حجة بين الله وبن عبيده في أرضه)) . حملت به أمه في مرو وولد ببغداد سنة ١٦٤هـ، وطاف البلاد، وسمع من سفيان وبشر ويحيى وهشيم ووكيع وابن مهدي =
следующие страницы →