باب ما جاء في الإقسام على الله (١)
عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان (٢) . فقال الله من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان (٣) ، إني قد غفرت له وأحبطت عملك "١. رواه مسلم (٤) .
ــ
(١) أي ذكر ما جاء من الأدلة الدالة على تحريم الحلف على الله، إذا كان على جهة الحجر على الله، والقطع بحصول المقسم على حصوله، وهو التألي، فأما إن كان على جهة حسن الظن بالله فقد قال ﷺ : " إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره "٢.
(٢) هذا ظاهر في قطعه بأن الله لا يغفر لذلك الرجل، فكأنه حكم على الله وحجر عليه، لما اعتقد له عنده من الكرامة والحظ والمكانة، وهذا لجهله بإلهية الحق وربوبيته .
(٣) التألي من الألية بتشديد الياء اليمين، يقال: آلى يؤلي إيلاء، وتألى يتألى بالياء، والاسم الألية، استفهام إنكار، وفيه تحريم الإدلال على الله، ووجوب التأدب مع الله في الأقوال والأحوال، وأن حق العبد أن يعامل نفسه بأحكام العبودية، ويعامل ربه بما يجب له من أحكام الإلهية والربوبية.
(٤) فعومل هذا بنقيض قصده، وغفر لذلك بسببه. قال المصنف: ((وفيه أن الرجل قد يغفر له بسبب هو من أكره الأمور إليه، وكون الجنة أقرب إلى أحدنا من شراك نعله، والنار مثل ذلك)) .
стр. 387
وفي حديث أبي هريرة أن القائل رجل عابد (١) . قال أبو هريرة: ((تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته)) (٢) .
ــ
(١) يشير إلى ما رواه أبو داود وغيره عن أبي هريرة ﵁ " كان رجلان في بني إسرائيل متآخيين، فكان أحدهما يذنب والآخر مجتهد في العبادة، فكان المجتهد لا يزال يرى الآخر على الذنب، فيقول: أقصر، فوجده يوما على ذنب، فقال: له أقصر. فقال خلني وربي، أبعثت علي رقيبا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك، ولا يدخلك الجنة. فقبضت أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالما، أو كنت على ما في يدي قادرا؟ فقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار " ١.
(٢) صح من حديث من أبي هريرة رواه البغوي وغيره عن عكرمة، قال: دخلت مسجد المدينة، فناداني شيخ قال: يا يماني تعال. وما أعرفه، قال: لا تقولن لرجل: والله لا يغفر الله لك أبدا، ولا يدخلك الجنة، قلت: ومن أنت يرحمك الله؟ قال: أبو هريرة.
فقلت: إن هذه كلمة يقولها أحدنا لبعض أهله إذا غضب، أو لزوجته، أو لخادمه، فقال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن رجلين كانا في بني إسرائيل متحابين، أحدهما مجتهد في العبادة، والآخر كأنه يقول مذنب، فجعل يقول أقصر عما أنت فيه، قال: فيقول: خلني وربي، أبعثت علي رقيبا؟ قال: فوالله لا يغفر الله لك، ولا يدخلك الجنة أبدا، قال: فبعث الله إليهما ملكا فقبض أرواحهما، فاجتمعا عنده، فقال للمذنب: ادخل الجنة برحمتي. وقال للآخر: أتستطيع أن تحظر على عبدي رحمتي؟ قال: لا يا رب قال: اذهبوا به إلى النار ". قال أبو هريرة: ((والذي نفسي بيده تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته)) . "أوبقت" يعني أهلكت، وفي هذه الأحاديث بيان خطر اللسان، وذلك يفيد التحرز من الكلام، وفي حديث معاذ قلت: " يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال " ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو قال: على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟ "٢. رواه الترمذي وغيره وصححه.
стр. 388
باب لا يشفع بالله على خلقه (١)
عن جبير بن مطعم ﵁ (٢) قال: " جاء أعرابي إلى سول الله ﷺ فقال: يا رسول الله نهكت الأنفس (٣) وجاع العيال، وهلكت الأموال (٤) فاستسق لنا ربك (٥) ، فإنا نستشفع بالله عليك، وبك على الله (٦) .
ــ
(١) أي أن ذلك حرام، وهضم للربوبية، وقدح في توحيد العبد، فالله سبحانه هو الكبير المتعال، والاستشفاع طلب الشفاعة، وهي لا تطلب إلا من العلي الأعلى جل وعلا، فلا يجوز للعبد أن يطلب من الله الشفاعة إلى أحد من خلقه.
(٢) هو ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي، كان من أكابر قريش، أسلم قبل الفتح ومات سنة ٥٧ هـ.
(٣) نهكت بضم النون أي جهدت، كما في بعض الألفاظ: وضعفت وقلت وضنت ودنفت ألفاظ مترادفة، نهكا فهي منهوكة.
(٤) ولفظه: جهدت الأنفس، وضاع العيال، ونهكت الأموال، وهلكت الأنعام.
(٥) أي اسأله أن يسقينا.
(٦) الاستشفاع بالرسول ﷺ في حياته إنما المراد به استجلاب دعائه، ولذلك لم ينكره عليه، فإن دعاءه مستجاب، وكذا كل حي صالح يرجى =
стр. 389
فقال النبي ﷺ : "سبحان الله سبحان الله" (١) . فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه (٢) ، ثم قال: "ويحك أتدري ما الله (٣) ؟ إن شأن الله أعظم من ذلك (٤) ؛ إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه " (٥) .
ــ
= أن يستجاب له، لا بأس أن يطلب منه أن يدعو للسائل، وقد " قال النبي ﷺ لعمر: " لا تنسنا من صالح دعائك " ١. وأما بعد وفاته ﷺ فلا يجوز طلب ذلك منه ﷺ لاستحالة ذلك منه.
(١) لفظه فقال: "ويحك أتدري ما تقول" وسبح رسول الله ﷺ ، أي سبح الله كثيرا وعظمه، لأن هذا القول لا يليق بالخالق سبحانه وبحمده، وهكذا كان يسبح إذا استعظم أمرا أو يكبر أو يهلل.
(٢) أي عرف الغضب في وجوه أصحاب رسول الله ﷺ لغضب رسول الله ﷺ لما سمع من الأعرابي هضمه لجناب الربوبية.
(٣) ويح كلمة تقال للزجر أو للرحمة، واستعملتها العرب بمعنى التعجب والتوجع، لا تريد بها إيقاع الهلكة، وفيه إشارة إلى قلة علمه بعظمة الله وجلاله.
(٤) أي من أن يستشفع به إلى أحد من خلقه، قال الشافعي: إنما يشفع عند من هو أعلى منه، فهذا من أعظم النقص برب العالمين، فلذلك استعظمه رسول الله ﷺ .
(٥) ولفظه: " ويحك إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك " فهو رب كل شيء ومليكه، والخير كله بيده، لا مانع لما أعطى، ولامعطي =
стр. 390
وذكر الحديث رواه أبو داود (١) .
ــ
= لما منع، ولا راد لما قضى. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ ١: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٢. وما في أيديهم ملكه يتصرف فيه كيف يشاء، وهو الذي يشفع الشافع إليه، وقد أخرج أبو الشيخ عن أبي وجرة، قال: لما قفل رسول الله ﷺ من غزوة تبوك، أتاه وفد من بني فزارة، فقالوا: يا رسول الله ادع ربك أن يغيثنا، واشفع لنا إلى ربك، ويشفع ربك إليك، فقال رسول الله ﷺ : " ها أنا أشفع إلى ربي، فمن الذي يشفع ربنا إليه؟ لا إله إلا الله العظيم، وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فهي تئط من عظمته، كما يئط الرحل الجديد ".
(١) قال الذهبي: بإسناد حسن. ولفظه: "ويحك أتدري ما الله؟ إن عرشه على سماواته لهكذ ا"، وقال بأصبعه "مثل القبة، وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب"، قال ابن يسار في حديثه "إن الله فوق عرشه، وعرشه فوق سماواته". وفيه إثبات علو الله على خلقه، وأن عرشه فوق سماواته كالقبة، وتفسير سماواته بالعلو كما فسره الصحابة وغيرهم.
стр. 391
باب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ حمى التوحيد وسده طرق الشرك (١)
عن عبد الله بن الشخير ﵁ (٢) قال: " انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ (٣)
ــ
(١) حماية الشيء صونه عما يتطرق إليه من مكروه وأذى، والمصطفى من الصفوة، فهو صفوة الخليقة وأشرفها على الإطلاق، وحمايته حمى التوحيد صونه عما يشوبه من الأقوال والأعمال التي يضمحل معها التوحيد أو ينقص، وقد اشتمل هذا الكتاب مع اختصاره على ذلك أو أكثره، وعلى النهي عما ينافي التوحيد أو يضعفه، يعرف ذلك من تدبره.
(٢) بكسر الشين وتشديد الخاء، هو ابن عوف بن كعب بن وقدان الحريشي ثم العامري، والد مطرف الفقيه، أسلم يوم الفتح، وله صحبة ورواية.
(٣) أي عامر بن صعصعة من عدنان، وعامر بطون كثيرة، كانوا بعالية نجد، وكان في الوفد عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب، وأربد بن قيس بن جزء، وجبار بن سلمى، رؤساء القوم، وكان عامر يريد الغدر برسول الله ﷺ أو يشركه في الأمر، أو يكون له من بعده، وواعد أربد على ذلك فعصمه الله منهم، وهلكا ببعض الطريق، أربد بصاعقة، وعامر بطاعون في عنقه، وقيل قرحة، ومات في بيت سلولية.
стр. 392
فقلنا: أنت سيدنا. فقال: السيد الله ﵎ (١) . فقلنا: وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا (٢) . فقال: قولوا بقولكم (٣) أو بعض قولكم (٤) ، ولا يستجرينكم الشيطان "١ رواه أبو داود بسند جيد (٥) .
ــ
(١) يريد ﵊ أن السؤدد حقيقة لله وأن الخلق كلهم عبيد له، والسيد إذا أطلق عليه تعالى فهو بمعنى المالك والمولى والرب. قال ابن عباس: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ٢ أي السيد الذي كل في جميع أنواع السؤدد) . وقوله: " وقوموا إلى سيدكم "٣ لعله لم تواجه به سعدا، وكذا قوله: " أنا سيد ولد آدم "٤ إظهارا للشجاعة، فيكون فيه تفصيل، أو يدلان على الجواز، وحديثا الباب ونحوهما يدلان على الأدب مع الله .
(٢) الفضل الخير، خلاف النقيصة، وفضل فلان على غيره إذا غلبه بالفضل، وطال يطول طولا من باب قال، إذا فضل، والطول الفضل والعطاء والقدرة والغنى.
(٣) أرشدهم إلى الأدب في ذلك فأمرهم أن يقولوا بقولهم من قبل هذه المقالة، ولا يتكلفوا الألفاظ التي ربما أدت إلى الغلو، أو ما لا يحسن، وأمرهم أن يدعوه بمحمد رسول الله، كما سماه الله .
(٤) فيه حذف، أي: أودعوا بعض قولكم واتركوه، يريد بذلك الاقتصار في المقال، وذلك أنهم كانوا مدحوه فكره لهم المبالغة ونهاهم عنه.
(٥) يستجرين بفتح المثناة التحتية، وسكون السين، وفتح المثناة الفوقية، وسكون الجيم، وكسر الراء، أي لا يتخذنكم جريا، ويقال: الوكيل. وفي النهاية: فيتخذكم جريا، أي رسولا وكيلا.
стр. 393
وعن أنس ﵁ " أن ناسا قالوا: يا رسول الله يا خيرنا، وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا (١) فقال: يا أيها الناس قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان (٢) ، أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله " ١. رواه النسائي بسند جيد (٣) .
ــ
(١) الخير ضد الشر، واسم تفضيل، والخيرة من القوم الأفضل، وهو ﷺ خيار من خيار.
(٢) أي يستهيمنكم، أو يذهب بعقولكم، أو يزين لكم هواكم، كره ذلك لهم لئلا يكون وسيلة إلى الغلو فيه والإطراء، وتقدم قوله: " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله "٢. ونهى عن المدح وشدد القول فيه، وقال: " ويحك قطعت عنق صاحبك "٣. وقال: " إذا لقيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب "٤. فمواجهة الممدوح بمدحه ولو بما فيه من عمل الشيطان، لما قد تفضي محبة المدح إليه من تعاظم الممدوح في نفسه، وذلك ينافي كمال التوحيد، ويوقع في أمر عظيم ينافي العبودية الخاصة، فالنبي ﷺ لما أكمل الله له مقام العبودية، صار يكره أن يمدح صيانة لهذا المقام، وإرشادا للأمة إلى ترك ذلك نصحا لهم، وحماية لمقام التوحيد عن أن يدخله ما يفسده أو يضعفه من الشرك ووسائله.
(٣) أرشدهم أن يصفوه بصفتين هما أعلى مراتب العبد، وقد وصفه الله بهما في مواضع من كتابه، وهما قوله: عبد الله ورسوله، ولم يحب أن يرفعوه فوق ما أنزله الله من المنزلة التي رضيها له، ومع هذا التواضع أجمع أهل العلم على أنه أشرف الخلق، وأفضلهم على الإطلاق.
стр. 394
باب قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١ (٢) .
ــ
(١) أي ما فيها من ذكر عظمة الله، وعلوه على خلقه، وما في معناها من الأحاديث والآثار، قال أهل التفسير: يقول تعالى: ما عظم المشركون الله حق عظمته إذ عبدوا معه غيره، وكفروا نعمه، وكذا قال السدي: ما عظموه حق عظمته. وقال محمد بن كعب: لو قدروا الله حق قدره ما كذبوه. وقال ابن عباس: هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم، فمن آمن أن الله على كل شيء قدير فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدر الله حق قدره.
(٢) وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ ٢ كطي الكتاب على ما فيه من المكتوب، وقال النبي ﷺ : " يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيمينه "٣ الحديث. وقد ذكره المصنف. وعن أبي هريرة سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ " ٤ متفق عليه. واللفظ لأحمد. وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية يوما على المنبر، ويقول هكذا بيده يحركها، يقبل بها ويدبر " يمجد الرب نفسه: أنا الجبار أنا المتكبر، أنا العزيز الحكيم ". فرجف برسول الله ﷺ المنبر، حتى قلنا: ليخرن به. وقال ﵊: " تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة، =
стр. 395
عن ابن مسعود ﵁ قال: " جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السماوات السبع على إصبع (١) ، والشجر على إصبع، والماء على إصبع، والثرى (٢) على إصبع،
ــ
= يتكفؤها الجبار بيده، كما يتكفأ أحدكم خبزته "١. وقد جاءت أحاديث كثيرة متعلقة بمعنى هذه الآية، ومذهب السلف فيها وفي أمثالها إمرارها كما جاءت، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، وأن لها معان حقيقة، أثبتوها وفسروها بما يوافق دلالتها، وكانوا إذا سئلوا عن شيء من ذلك لم ينفوا معناه، بل يثبتونه، وإنما ينفون الكيفية، كما قال مالك وغيره: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، وتبعهم السلف على ذلك.
(١) الإصبع واحد الأصابع، يذكر ويؤنث، وفيه خمس لغات، وقيل عشر، فتح الهمزة وضمها وكسرها مع الحركات الثلاث في الباء، والعاشرة أصبوع، وأفصحهن، كسر الهمزة وفتح الباء. والحبر: بفتح الحاء وكسرها واحد أحبار اليهود، قيل: الكسر أفصح. وهو العالم بتحبير الكلام وتحسينه، سمي حبرا لما يبقى من أثر علومه في قلوب الناس، وآثار أفعاله الحسنة المقتدى بها. وقال أبو عبيد: يرويه المحدثون كلهم بالفتح، أي يجد الحبر ذلك الوصف في كتبهم. قال المصنف: وفيه أن هذه العلوم وأمثالها باقية عند اليهود الذين في زمنه ﷺ لم ينكروها ولم يتأولوها. وفيه إثبات الأصابع للرحمن جل وعلا، على ما يليق بجلاله وعظمته، وفي الحديث: " القلب بين إصبعين من أصابع الرحمن "٢
(٢) الثرى التراب الندي، ولعل المراد هنا الأرض، والشجر ما له ساق صلب كالنخل وغيره.
стр. 396
وسائر الخلق على إصبع (١) ، فيقول: أنا الملك. فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه، تصديقا لقول الحبر، ثم قرأ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٢) " الآية ١.
وفي رواية لمسلم: " والجبال والشجر على إصبع، ثم يهزهن، فيقول: أنا الملك أنا الله (٣) "٢.
وفي رواية للبخاري: " يجعل السماوات على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع "٣ أخرجاه (٤) .
ــ
(١) أي وباقي المخلوقات على إصبع، وسائر الشيء باقيه باتفاق أهل اللغة.
(٢) أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من طرق، وفي رواية: " جاء رجل من أهل الكتاب إلى النبي ﷺ فقال: يا أبا القاسم أبلغك أن الله يحمل الخلائق على إصبع، والسماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والثرى على إصبع؟ فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه "٤. قال: وأنزل الله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ ٥ الآية. والنواجذ جمع ناجذ، قيل: إنها أقصى الأضراس، وهي أربعة تنبت بعد البلوغ، أي استغرق في الضحك وبالغ فيه حتى بدت، والمراد المبالغة في الضحك، من غير أن يراد ظهور نواجذه، أو هي الأسنان بين الضرس والناب كما في المصباح، أو الضواحك، وقال ثعلب: المراد الأنياب، وهي التي تبدو عند الضحك.
(٣) ، فهو مالك الملك، ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، وهززت الشيء من باب قتل، حركته فاهتز.
(٤) هكذا في مسلم، قال الحميدي: وهي أتم. ورواية البخاري: إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين، وتكون السماء بيمينه. وقال ابن عباس - رضي الله =
стр. 397
ولمسلم عن ابن عمر مرفوعا: " يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون، أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين السبع، ثم يأخذهن بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون أين المتكبرون؟ "١. وروي عن ابن عباس ﵄ قال: " ما السماوات السبع، والأرضون السبع، في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم " (١) . وقال ابن جرير: حدثني يونس (٢)
ــ
= عنهما -: يطوي الله السماوات السبع بما فيها من الخليقة، والأرضين السبع بما فيها من الخليقة، يطوي ذلك كله بيمينه، يكون ذلك في يده بمنزلة الخردلة، حبة صغيرة جدا. وهذه الأحاديث وما في معناها تدل على عظمة الله، وعظيم قدرته، وعظيم سلطانه، وقد تعرف إلى عباده بصفات كماله، وعجائب مخلوقاته، وكلها تدل على جلاله وعظمته، وأنه هو المعبود وحده، لا شريك له في ربوبيته، ولا في إلهيته، وتدل على إثبات صفاته، كما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ على ما يليق بجلاله وعظمته. وفيها وفي غيرها إثبات اليمين والشمال، وقال ﵊: " وكلتا يدي ربي يمين مباركة "٢.
(١) رواه معاذ بن هشام الدستوائي، حدثنا أبي عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، ولفظه: "في يد الله ". قال الشارح: وهذا الإسناد صحيح، وتقدم نحوه. وفيه إثبات الكف للرحمن، وعظمته وصغر السماوات والأرض وما فيهما بالنسبة إلى عظمة الله غاية الصغر، مع ما ترى من كبرهما وسعتهما.
(٢) هو ابن عبد الأعلى أبو موسى الصدفي الثقة، روى عن ابن عيينة وابن وهب وغيرهما، وعنه ابن خزيمة وخلق، مات سنة ٢٦٤ هـ، وله ٩٢ سنة.
стр. 398
أنبأنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: حدثني أبي (١) قال: قال رسول الله ﷺ : " ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس (٢) ". قال: وقال أبو ذر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد، ألقيت بين فلاة من الأرض (٣) ".
ــ
(١) هو زيد بن أسلم العدوي، مولى عمر، أبو عبد الله، أو أبو سالم المدني، عالم ثقة مات سنة ١٣٦ هـ، وابنه عبد الرحمن يضعف، روى عن أبيه، وابن المنكدر وغيرهما، وعنه ابن وهب وعكرمة ومسروق وغيرهم، مات سنة ١٨٢ هـ، ورواه أيضا بهذا الطريق واللفظ: أصبغ بن الفرج وهو مرسل.
(٢) بضم التاء القاع المستدير المتسع الأطلس، كما قيل:
وواجهت ترسا من متون صحاري ...
ويقال: الترس صفحة فولاذ تحمل لاتقاء السيف، والمراد الأول، وفيه صغر السماوات بالنسبة إلى الكرسي. وقال السدي: الكرسي تحت العرش، والسماوات والأرض في جوف الكرسي. قال ابن عباس: الكرسي موضع القدمين.
(٣) الفلاة الصحراء الواسعة، أو المفازة لا ماء فيها، أو القفر. وأبو ذر هو الغفاري الصحابي المشهور، واسمه جندب بن جنادة بن سكن بن قيس بن بياض الغفاري، من السابقين إلى الإسلام، ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة منه، توفي بالربذة سنة ٣١ هـ. وصنيع المصنف ﵀ يوهم أن ذلك عطف على قول زيد بن أسلم قال: قال رسول الله ﷺ وليس كذلك، فإن حديث أبي ذر رواه يحيى بن سعيد العبشمي، حدثنا ابن جريج عن عطاء عن =
стр. 399
وعن ابن مسعود ﵁ قال: " بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كل سماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم " (١) .
ــ
= عبد الله بن عمير، عن أبي ذر: " أي آية أعظم؟ قال: "آية الكرسي، ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة "، قال النووي: يحيى الأموي صدوق، ولعله ﵀ أراد عطفه على ابن جرير، فقد رواه هو وأبو الشيخ والبيهقي وابن مردويه، عن أبي ذر، أنه قال: سئل النبي ﷺ عن الكرسي فقال: " يا أبا ذر ما السماوات السبع، والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة ". وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد، وأبو الشيخ والبيهقي عن مجاهد قال: " ما السماوات والأرض في الكرسي إلا كحلقة بأرض فلاة، وما موضع كرسيه من العرش، إلا مثل حلقة في أرض فلاة "، أي وسط فلاة، بل عد بعض أهل العلم أن السماوات السبع والأرضين السبع، وما فيهما وما بينهما بالنسبة إلى العرش، كحلقة في فلاة من الأرض، من المتواتر، وفيه دلالة على عظم العرش بالنسبة إلى الكرسي، وتقدم أنه فوق السماوات كالقبة. قال شيخ الإسلام: العرش مقبب، ولم يثبت أنه مستدير مطلقا، بل ثبت أنه فوق الأفلاك، وأن له قوائم، فيجب أن يعلم أن العالم العلوي والسفلي بالنسبة إلى الخالق جل وعلا في غاية الصغر.
(١) فهو سبحانه فوق جميع المخلوقات، مستو على عرشه بائن من خلقه، فله العلو الكامل من جميع الوجوه، علو القدر، وعلو القهر، وعلو الذات. =
стр. 400
أخرجه ابن مهدي عن حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد الله (١) .
ــ
= قال شيخ الإسلام: ((وهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وسنة نبيه، وكلام الصحابة والتابعين، وكلام سائر الأمة، مملوء بما هو إما نص أو ظاهر أن الله فوق كل شيء، وأنه فوق العرش، فوق السماوات، مستو على عرشه)) . وقال أبو عمرو الطلمنكي في كتاب الأصول: أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله استوى على عرشه بذاته. وقال فيه أيضا: أجمع أهل السنة على أن الله استوى على عرشه على الحقيقة لا على المجاز. ثم قال: أجمع المسلمون أن معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ١. ونحو ذلك من القرآن أن ذلك علمه، وأن الله فوق السماوات بذاته، مستو على عرشه كيف شاء، وهذا كثير في كلام الصحابة والتابعين، والأئمة المهتدين، أثبتوا ما أثبته الله في كتابه، على لسان رسوله ﷺ على ما يليق بجلال الله وعظمته، ونفوا عنه مشابهة المخلوقين، ولم يمثلوا ولم يكيفوا، وبدعوا وضللوا من خالفه من الجهمية النفاة. وذكر ابن القيم مائة دليل من القرآن، وذكر أن عليه إجماع المرسلين، وليس في كتاب الله، ولا في سنة رسوله، ولا جاء عن أحد من السلف المقتدى بهم حرف واحد يخالفه.
(١) يعني ابن مسعود. وابن مهدي هو: عبد الرحمن بن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن العنبري مولاهم، أبو سعيد البصري، ثقة حافظ، عارف بالرجال والحديث، قال ابن المديني: ما رأيت أعلم منه. روى عن جرير وعكرمة وخلق، وعنه ابن المبارك وابن وهب وخلق، مات سنة ١٩٨ هـ. وحماد هو: ابن سلمة بن دينار البصري أبو سلمة، مولى تميم ويقال قريش، ثقة عابد أثبت الناس في ثابت، روى عن ثابت وقتادة وخلق، وعنه ابن جريج والثوري وابن المبارك وخلائق، مات سنة ١٦٠ هـ. وعاصم هو: ابن بهدلة وهو ابن أبي النجود الأسدي مولاهم، الكوفي =
стр. 401
ورواه بنحوه المسعودي، عن عاصم، عن أبي وائل (١) ، قال: وله طرق.
وعن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ (٢) ، قلنا: الله ورسوله أعلم (٣) .
ــ
= أبو بكر المقرئ، صدوق روى عن زر وأبي وائل وأبي صالح وخلق، وعنه الأعمش والحمادان وجماعة، مات سنة ١٢٧ هـ، وزر بكسر الزاي وتشديد الراء بن حبيش ابن حباشة بن أوس بن بلال، الأسدي الكوفي، أبو مريم، ثقة جليل، أدرك الجاهلية، وروى عن عمر وعلي وغيرهما، وعنه إبراهيم النخعي وعاصم وخلق، مات سنة ٨٣ هـ، وله ١٣٧ سنة.
(١) هو سعيد بن سلمة الأسدي الكوفي، أدرك رسول الله ﷺ ولم يره، روى عن أبي بكر وغيره من الصحابة، أدرك سبعا من الجاهلية، ومات سنة ٧٢ هـ. والمسعودي هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الكوفي، ثقة روى عن أبي إسحاق السبيعي، وعلقمة والقاسم وغيرهم، وعنه السفيانان وشعبة وعاصم وخلق، مات سنة ١٦٦ هـ.
(٢) وأخرجه عبد الله بن أحمد في كتاب السنة، وابن المنذر، والطبراني، وأبو الشيخ، وأبو عمرو الطلمنكي، واللالكائي، وابن عبد البر، والبيهقي وغيرهم.
(٣) أخرج السؤال بصيغة الإستفهام ليكون أبلغ في النفوس.
فيه حسن الأدب مع الله، وإسناد العلم إلى الرسول ﷺ في حال حياته، وأما بعد وفاته ﷺ فيقال: الله أعلم.
стр. 402
قال: بينهما مسيرة خمسمائة سنة، وبين كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة (١) ، وبين السماء السابعة والعرش بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض (٢) ، والله فوق ذلك، لا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم ". رواه أبو داود وغيره (٤) .
ــ
(١) الكثف السمك والغلظ، ضد اللطافة، ويدل على المسافة بينهما ظاهر قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ ١. وفيه عظم السماوات، وسعة ما بينهن، وكذا الأرض مثلهن.
(٢) وتقدم في حديث ابن مسعود: " وبين الكرسي والماء خمسمائة عام ". ولا منافاة بينهما؛ لأن الكرسي فوق السماوات، وهذا من أبهر آيات الله كما أن الأرض مغمورة بالبحر، واليابس منها نحو الربع، وهي محفوفة بعنصر الماء، كأنها عنبة طافية عليه، وهو فوقها ولا يطغى عليها، وإنما انحسر الماء عن بعض جوانبها، لما أراد الله من تكوين الحيوانات فيها، وعمرانها ببني آدم، الذي له الخلافة على سائرها، فكذا السماوات بينها وبين العرش بحر، سمكه طول ما بين السماء والأرض.
(٣) هذا الحديث كأمثاله يدل على علو الله وعظمته، وعظم مخلوقاته، وفيه التصريح بأن الله فوق خلقه على عرشه، بائن من خلقه، كما جاء بذلك الكتاب والسنة، وله شواهد في الصحيحين وغيرهما، وأورده المصنف مختصرا، والذي في سنن أبي داود عن العباس بن عبد المطلب، قال: " كنت في البطحاء، في عصابة فيهم رسول الله ﷺ فمرت بهم سحابة، فنظر إليها فقال: ما تسمون هذه؟ قالوا: السحاب. قال: " والمزن " قالوا: والمزن قال: =
стр. 403
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= "والعنان" قالوا: والعنان "١. قال أبو داود: ولم أتقن العنان جيدا.
قال: " هل تدرون ما بعد ما بين السماء والأرض؟ قالوا: لا ندري. قال: إن بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة، ثم السماء فوقها كذلك، حتى عد سبع سماوات، ثم فوق السابعة بحر بين أسفله وأعلاه كما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أو عال بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم على ظهورهم العرش، بين أسفله وأعلاه كما بين سماء إلى سماء، ثم الله فوق ذلك "٢. أخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن غريب. وقال الذهبي: رواه أبو داود بإسناد حسن، وروى أحمد والترمذي نحوه من حديث أبي هريرة، وفيه: " بعد ما بين سماء إلى سماء خمسمائة عام، وكذلك الأرضون ". ولفظ أحمد في الأرضين سبعمائة عام، حتى عد سبع أرضين، ولا منافاة بينها؛ لأن تقدير ذلك بخمسمائة عام هو بسير القافلة، ونيف وسبعين على سير البريد، وحكى شيخ الإسلام وغيره الإجماع على أنها مستديرة، والمراد كل واحدة فوق الأخرى محيطة بها، والتي تحتها في وسطها، حتى ينتهي الأمر إلى السفلى، وفي وسطها المركز، وقال: الأفلاك مستديرة بالكتاب والسنة والإجماع.
стр. 404
خاتمة
ابتدأ المصنف ﵀ هذا المصنف القيم الذي لم يسبق إليه ببيان توحيد الإلهية؛ لأن أكثر الأمة ممن تأخر قد جهلوا هذا التوحيد، وأتوا بما ينافيه من الشرك والتنديد، فقرره كما ترى أحسن تقرير وأبينه، ثم ختم كتابه بتوحيد الأسماء والصفات؛ ليكون هذا الكتاب حاويا لأنواع التوحيد الثلاثة التي أشار إليها العلامة ابن القيم بقوله:
والعلم أقسام ثلاث ما لها ... من رابع والحق ذو تبيان
علم بأوصاف الإله وفعله ... وكذلك الأسماء للرحمن
والأمر والنهي الذي هو دينه ... وجزاؤه يوم المعاد الثاني
ولأن هذا العلم قد خاض فيه من ينتسب إليه ممن قد أخذ عن أهل الكلام وغيرهم، لظنهم أنهم على شيء، فقرروا مذهب الجهمية، وألحدوا في توحيد الأسماء والصفات، وخالفوا ما دلت عليه الآيات المحكمات، والنصوص الثابتة عن الثقات من غير التفات، فهدى الله هذا الإمام - قدس الله روحه - إلى معرفة التوحيد، فقرره ووضحه بالأدلة من الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة، ولقد – والله - وضح التوحيد الذي أرسلت من أجله الرسل، وأنزلت الكتب، أحسن توضيح، وبينه أبين تبيين، وزيف الشرك، وحذر منه أبلغ تحذير، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين أحسن الجزاء، ورفع درجته في المهديين، ونظمنا في سلكهم أجمعين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه والتابعين، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.