في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " احرص على ما ينفعك (١) واستعن بالله (٢)
ــ
= يسلم به الشخص من القتل أو الموت فينبغي أن لا تموتوا، والموت لا بد آت إليكم،: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ ١ فادفعوا عن أنفسكم الموت، إن كنتم صادقين فيما تدعونه. قال مجاهد عن جابر بن عبد الله: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي، يعني أنه هو الذي قال ذلك. قال شيخ الإسلام - لما ذكر ما وقع من عبد الله بن أبي في غزوة أحد قال -: فلما انخزل يوم أحد وقال: يدع رأيي ورأيه، ويأخذ برأي الصبيان أو كما قال انخزل معه خلق كثير كان كثير منهم لم ينافق قبل ذلك، فأولئك كانوا مسلمين، وكان معهم إيمان هو الضوء الذي ضرب الله به المثل، وهذا كثير في زماننا أو أكثرهم إذا ابتلوا بالمحنة التي يتضعضع فيها أهل الإيمان نقص إيمانهم كثيرا، وينافق كثير منهم، ومنهم من يظهر الردة إذا كان العدو غالبا، وقد رأينا مثل هذا ورأى غيرنا من هذا ما فيه عبرة. قال الشارح: ونحن رأينا من ذلك ما فيه عبرة عند غلبة العدو من إعانتهم العدو على المسلمين، وإظهار العداوة لهم والطعن في الدين.
(١) الحديث في صحيح مسلم، وأوله: " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص "٢ بالكسر والفتح من باب ضرب وسمع، بذل الجد واستفراغ الوسع على ما ينفعك يعني في معاشك ومعادك، وذلك هو سعادة الإنسان، وكماله كله في هذين الأمرين أن يكون حريصا، وأن يكون على ما ينتفع به، والمراد الحرص على فعل الأسباب التي تنفع العبد في دنياه وأخراه، مما شرعه الله لعباده من الأسباب الواجبة أو المستحبة أو المباحة.
(٢) لأنه لا يحصل له ذلك إلا إذا كان مستعينا بالله، فإذا كان حريصا على ما ينفعه، وكان في حالة السبب مستعينا بالله وحده، معتمدا عليه، تم مراده بإذن الله وحرصه على ما ينفعه عبادة لله واستعانة به وتوكلا عليه: توحيد، فهو مقام: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ٣.
стр. 352
ولا تعجزن (١) ، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا. ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل. فإن " لو " تفتح عمل الشيطان " ١ (٢) .
ــ
(١) بفتح الجيم وكسرها ونون التوكيد مخففة، والعجز ينافي الحرص على ما ينفع، وينافي الاستعانة بالله، فنهاه عن العجز وذمه، والعجز مذموم عقلا وشرعا، وأرشده قبل وقوع المقدور إلى ما هو من أعظم أسباب حصوله، وهو الحرص عليه مع الاستعانة بالله، وفي الحديث: " الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني " ٢.
(٢) أي وإن غلبك أمر ولم يحصل المقصود بعد بذل الجد والاستطاعة فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، فإنه لا يجدي عليك شيئا، ولكن قل: قدر الله ; لأن ما قدره لا بد أن يكون، والواجب التسليم للمقدور، وما شاء فعل، لأن أفعاله لا تصدر إلا عن حكمه.
قال ابن القيم: والعبد إذا فاته المقدور له حالتان: حالة عجز وهي عمل الشيطان، فيلقيه العجز إلى (لو) ولا فائدة فيها، بل هي مفتاح اللوم والعجز والسخط والحزن، وهذا من عمل الشيطان، فنهاه عن افتتاح عمله بهذا الافتتاح، وأمره بالحالة الثانية وهي النظر إلى القدر وملاحظته، وأنه لو قدر لم يفته ولم يغلبه عليه أحد، فقال: " وإن أصابك " إلخ، فأرشده إلى ما ينفعه حال حصول مطلوبه وحال فواته، ونهاه عن قول " لو "، وأخبره أنها تفتح عمل الشيطان، لما فيها من التأسف على ما فات، والتحسر والحزن ولوم القدر، فيأثم بذلك، وذلك من عمل الشيطان.
وما ذاك لمجرد لفظ (لو) ، بل لما قارنها من الأمور القائمة بقلبه، المنافية لكمال الإيمان، الفاتحة لعمل الشيطان، وأرشده إلى الإيمان بالقدر، والتفويض والتسليم للمشيئة، فهذا الحديث مما لا يستغني عنه العبد، وهو يتضمن إثبات القدر، وإثبات الكسب، والقيام بالعبودية.
وقال شيخ الإسلام في معنى الحديث: لا تعجز عن مأمور، ولا تجزع من مقدور، ومن الناس من يجمع كلا الشرين، فأمر النبي ﷺ =
стр. 353
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= بالحرص على النافع، والاستعانة بالله، والأمر يقتضي الوجوب وإلا فالاستحباب، ونهي عن العجز، وقال: " إن الله يلوم على العجز "١. فعلى العبد أن يستقبل فعله الذي يدفع به أو يخفف، ولا يتمنى ما لا مطمع في وقوعه، فإنه عجز محض، والله يلوم على العجز، ويحب الكيس ويأمر به، والكيس هو مباشرة الأسباب التي ربط الله بها مسبباتها، النافعة للعبد في معاشه ومعاده.
وورد الأمر بالصبر والنهي عن العجز في مواضع كثيرة من الكتاب والسنة؛ وذلك لأن الإنسان بين أمرين: أمر أمر بفعله، فعليه أن يفعله ويحرص عليه، ويستعين الله ولا يعجز، وأمر أصيب به من غير فعله، فعليه أن يصبر عليه ولا يجزع منه.
قال: والصبر واجب، والرضى درجة عالية، والإيمان بالقدر فرض، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ٢. وليس العبد مأمورا أن ينظر إلى القدر عندما يؤمر به من الأفعال، ولكن عندما يجري عليه من المصائب التي لا حيلة له في دفعها، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ ٣. قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم. ولما قال آدم لموسى: أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن أخلق بأربعين سنة. حاجه لأن موسى قال له: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة فلامه على المصيبة التي حصلت بسبب فعله، لا لأجل كونها ذنبا، وأما كونه لأجل الذنب فليس مرادا له؛ فإن آدم قد تاب، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولا يجوز لومه بالاتفاق. وأما قوله ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك "٤. ونحو ذلك فمستقبل، لا اعتراض فيه على قدر ولا كراهة فيه; لأنه إنما أخبر عن مراده فيما كان يفعل لولا المانع، وكذلك قوله: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي "٥. ونحوه فهو إخبار لهم عما كان يفعل في المستقبل لو حصل، ولا خلاف في جواز ذلك، وإنما ينهى عما هو في معارضة القدر، أو مع اعتقاد أن ذلك المانع لو ارتفع لوقع خلاف المقدور.
стр. 354
باب النهي عن سب الريح (١)
عن أبي بن كعب ﵁ (٢) أن رسول الله ﷺ قال: " لا تسبوا الريح (٣) ، فإذا رأيتم ما تكرهون (٤)
ــ
(١) لكونها إنما تهب عن إيجاد الله لها وأمره إياها، فلا تأثير لها إلا بأمر الله، فمسبتها مسبة لله تعالى واعتراض عليه، وهو قدح في التوحيد.
(٢) هو ابن قيس بن عبيد بن مريد بن معاوية بن النجار، أبو المنذر الأنصاري، سيد القراء، شهد العقبة وبدرا والمشاهد كلها، قال له النبي ﷺ : " ليهنك العلم أبا المنذر "١. وقال له: " أمرني ربي أن أقرأ عليك " ٢. وكان عمر يسميه سيد العرب. قيل: إنه مات في خلافة عمر، وقيل في خلافة عثمان سنة ٣٠ هـ.
(٣) أي لا تشتموها ولا تلعنوها للحوق ضرر فيها، فإنها خلق من خلق الله مقهور مدبر، وإنما تهب بمشيئة الله وقدرته، فلا يجوز سبها فيرجع السب إلى من خلقها وسخرها. وروى أحمد وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة مرفوعا: " الريح من روح الله، تأتي بالنعمة وبالعذاب، فلا تسبوها، ولكن سلوا الله من خيرها، وتعوذوا بالله من شرها "٣." وروى الترمذي عن ابن عباس أن رجلا لعن الريح عند النبي ﷺ فقال: " لا تلعنوا الريح، فإنها مأمورة، وإنه من لعن شيئا ليس له بأهل رجعت اللعنة إليه ".
(٤) أي من الريح إما شدة حرها أو بردها أو قوتها، فارجعوا إلى ربكم بالتوحيد.
стр. 355
فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها، وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح، وشر ما فيها وشر ما أمرت به "١. صححه الترمذي (١) .
ــ
(١) أرشدهم ﷺ بالرجوع إلى خالقها وآمرها الذي أزمة الأمور كلها بيده، ومصدرها عن قضائه أن يسألوه خيرها وخير ما فيها، والاستعاذة به من شرها وشر ما فيها، فما استجلبت نعمه بمثل طاعته وشكره، ولا استدفعت نقمه بمثل الالتجاء إليه والتعوذ به والاضطرار إليه ودعائه. وفي الصحيح عن عائشة ﵂ قالت كان النبي ﷺ إذا عصفت الريح قال: " اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به "٢. فشرع الله لعباده أن يسألوه ما ينفعهم، ويستعيذوا به من شر ما يضرهم، ففيه عبودية الله وحده، والطاعة له، والإيمان به، واستدفاع الشرور به، والتعرض لفضله ونعمته، وهذه حال أهل التوحيد.
стр. 356
باب قول الله تعالى: ﴿يظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ ١ الآية.
ــ
(١) أراد - رحمه الله تعالى - بهذه الترجمة التنبيه على وجوب حسن الظن بالله؛ لأنه من واجبات التوحيد. وأول الآية: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ﴾ ٢. وهم أهل الإيمان والثبات والتوكل، الجازمين بأن الله ينصر رسوله، ويظهر دينه على الدين كله: ﴿طَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ ٣ لا يغشاهم النعاس من القلق والجزع والخوف: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ ٤ وهو التكذيب بالقدر وأن الأمر لو كان إليهم - وكان رسول الله ﷺ وأصحابه تبعا لهم، يسمعون منهم - لما أصابهم القتل، ولكان النصر والظفر لهم، فأكذبهم الله في هذا الظن الباطل الذي هو ظن الجاهلية، وهو الظن المنسوب إلى أهل الجهل، الذين يزعمون بعد نفوذ القضاء والقدر أنهم كانوا قادرين على دفعه، وأن الأمر لو كان إليهم لما نفذ القضاء. ولما قيل لعبد الله بن أبي: قتل بنو الخزرج اليوم، قال: وهل لنا من الأمر من شيء؟ أي لو كان الأمر إلينا ما أصابهم القتل، فأكذبهم الله بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ ٥ فلا يكون إلا ما سبق به قضاؤه وقدره، وجرى به كتابه السابق، وهذه الآية كقوله: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ ٦ وقد ظن هؤلاء المنافقون أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة أنها الفيصلة، وأن الإسلام قد باد وأهله، وهذا شأن أهل الريب والشك إذا حصل أمر من الأمور الفظيعة، تحصل لهم هذه الأمور الشنيعة.
стр. 357
وقوله: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ ١ (١) . قال ابن القيم في الآية الأولى (٢) : فسر هذا الظن بأنه – سبحانه - لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل (٣) ، وأن ما أصابهم لم يكن بقدر الله وحكمته (٤) ، ففسر بإنكار الحكمة (٥) .
ــ
(١) أي على الذين يتهمون الله في حكمه، ويظنون بالرسول ﷺ وأصحابه أن لا ينصروا على أعدائهم، وأن يقتلوا ويذهبوا بالكلية، دائرة العذاب تدور عليهم: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ ٢ وأبعدهم وأقصاهم من رحمته: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ﴾ ٣ يصلونها يوم القيامة، وساءت منزلا يصيرون إليه يوم القيامة.
(٢) أي على ما تضمنته وقعة أحد: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ ٤ الآية.
(٣) أي يذهب ويتلاشى، حتى لا يبقى له أثر، والاضمحلال ذهاب الشيء جملة، وهذا تفسير غير واحد من المفسرين، وهو مأخوذ من تفسير قتادة والسدي وغيرهما، ذكره ابن جرير وغيره.
(٤) ذكره القرطبي عن ابن عباس ﵄، وذلك أنهم تكلموا فيه فقال الله: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ ٥ يعني القدر خيره وشره من الله.
(٥) فإن من أنكر أن ذلك لم يكن لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد والشكر فقد ظن بالله ظن السوء، ومنها قوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ ٦ أي يختبر ما فيها من الإيمان: ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ٧ أن ينقيها فلو تركت في عافية دائمة لم تخلص من ميل النفوس، وحكم العادات، واستيلاء الغفلة، فاقتضت حكمة الله أن قيض لها من المحن ما يكون كالدواء الكريه لمن عرض له داء إن لم يتدارك خيف عليه من الهلاك.
стр. 358
وإنكار القدر (١) ، وإنكار أن يتم أمر رسوله، وأن يظهره على الدين كله (٢) ، وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون في سورة الفتح (٣) ، وإنما كان هذا ظن السوء (٤) ؛ لأنه ظن غير ما يليق به سبحانه (٥) ، وما يليق بحكمته وحمده ووعده الصادق (٦) .
ــ
(١) أي وفسر ظنهم بالله ظن السوء بإنكار القدر من أنهم لو لم يخرجوا ما قتلوا.
(٢) كما أخبر الله به في كتابه بقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ ١ وغيرها من الآيات والأخبار.
(٣) وهي قوله تعالى: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ ٢.
(٤) وظن أهل الجاهلية أيضا وهو المنسوب إلى أهل الجهل.
(٥) وغير ما يليق بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، وذاته المبرأة من كل عيب وسوء، لأن الذي يليق به سبحانه أن يظهر الحق على الباطل وينصره، فلا يجوز في عقل ولا شرع أن يظهر الباطل على الحق، بل يقذف بالحق على الباطل فيدمغه.
(٦) الذي لا يخلفه وبكلمته التي سبقت لرسله أنه ينصرهم ولا يخذلهم، ولجنده بأنهم هم الغالبون، فمن ظن أنه لا ينصر رسوله ولا يتم أمره ولا يؤيده ويؤيد حزبه ويعليهم ويظفرهم بأعدائهم، ويظهرهم عليهم، وأنه لا ينصر دينه وكتابه، فقد ظن به ظن السوء، ونسبه إلى خلاف ما يليق بجلاله وكماله وصفاته ونعوته، فإن حمده وعزته وإلهيته تأبى ذلك، وتأبى أن يذل حزبه وجنده، وأن تكون النصرة للمشركين، فمن ظن به ذلك فما عرفه ولا عرف ربوبيته وملكه وعظمته.
стр. 359
فمن ظن أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق (١) ، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره (٢) ، أو أنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة، فذلك: ﴿ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ ١. وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء، فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم (٤) .
ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته، وموجب حكمته وحمده ووعده الصادق (٥) ،
ــ
(١) اضمحلالا لا يقوم بعده أبدا فقد ظن به ظن السوء؛ لأنه نسبه إلى ما لا يليق بجلاله وكماله.
(٢) أي فذلك ظن السوء؛ لأنه نسبه إلى ما لا يليق بربوبيته وملكه.
(٣) وكذلك من أنكر أن يكون قدر ما قدره من ذلك وغيره لحكمة بالغة، وغاية مطلوبة، هي أحب إليه من فواتها، وأن تلك الأسباب المكروهة المفضية إليها لا يخرج تقديرها عن الحكمة، لإفضائها إلى ما يحب، وإن كانت مكروهة له، فما قدرها سدى، ولا شاءها عبثا، ولا خلقها باطلا،: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ٢.
(٤) وغالب بني آدم إلا من شاء الله يعتقد أنه مبخوس الحق، ناقص الحظ وأنه يستحق فوق ما أعطاه الله، ولسان حاله يقول: ظلمني ربى، ومنعني ما أستحقه، ونفسه تشهد عليه بذلك، وهو بلسانه ينكره، ولا يتجاسر على التصريح به.
(٥) لأن الله وعد رسوله أن ينصره، ويظهر أمره ودينه على الدين كله، فمن ظن أن دينه سيضمحل ولا يظهر على الدين كله فقد ظن به ظن السوء، ومن قنط من رحمته، وأيس من روحه، أو جوز عليه أن يعذب أولياءه على إحسانهم، =
стр. 360
فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا، وليتب إلى الله، ويستغفره من ظنه بربه ظن السوء (١) .
ــ
= ويسوي بينهم وبين أعدائه فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أنه يترك خلقه سدى، أو أنه لا يجمعهم بعد الموت للثواب والعقاب فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أنه يضيع عليه عمله الصالح، وأنه يعاتبه بما لا صنع له فيه، وأنه يحسن منه كل شيء، حتى يعذب من أفنى عمره في طاعته فيخلده في الجحيم، وينعم من استنفد عمره في عداوته وعداوة رسله ودينه، فيرفعه إلى أعلى عليين فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أنه أخبر عن نفسه وصفاته وأفعاله بما ظاهره باطل وتشبيه، وترك الحق لم يخبر به، وأراد من خلقه أن يتعبوا أذهانهم في تحريف كلامه عن مواضعه، وأحالهم في معرفة أسمائه وصفاته على عقولهم وآرائهم، لا على كتابه وسنة رسوله، فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أنه وسلفه عبروا عن الحق بصريحه، دون الله ورسوله وأن الهدى في كلامهم، فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أنه يكون في ملكه ما لا يشاء، ولا يقدر على إيجاده، وأنه كان معطلا من الأزل إلى الأبد عن أن يفعل، وأنه لا سمع له ولا بصر ولا علم ولا إرادة ولا كلام يقوم به، ولا يتكلم ولا يكلم، وأنه ليس فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، أو أن بينه وبين خلقه وسائط يرفعون حوائجهم إليه فيدعونهم ويرجونهم فقد ظن به ظن السوء.
(١) وليظن السوء بنفسه التي هي مأوى كل سيئ، ومتبع كل شر، المركبة على الجهل والظلم، فإنها أولى بظن السوء من أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين وأرحم الراحمين، الغني الحميد الذي له الغنى التام والحمد التام، والحكمة التامة، المنزه عن كل سوء في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله، فذاته لها الكمال المطلق من كل وجه، وصفاته كذلك، وأسماؤه كلها حسنى، وأفعاله كلها حكمة ومصلحة ورحمة وعدل:
فلا تظنن بربك ظن سوء ... فإن الله أولى بالجميل
ولا تظنن بنفسك قط خيرا ... فكيف بظالم جان جهول
стр. 361
ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تعنتا على القدر وملامة له، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا (١) ، فمستقل ومستكثر (٢) ، وفتش نفسك هل أنت سالم؟
فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة٣ ... وإلا فإني لا إخالك ناجيا٤
ــ
(١) اقتراحا عليه وأنه يستحق خلاف ما جرى به القدر، بل يبوحون بذلك ويصرحون به جهارا في كلامهم وأشعارهم، وهذه حالة كما قال ابن الجوزي وغيره قد شملت خلقا كثيرا من العلماء والجهال، أولهم إبليس، وقال: الواحد من العوام إذا رأى مراكب مقلدة بالذهب والفضة، ودارا مشيدة مملوءة بالخدم والزينة، قال: انظروا ما أعطاهم الله مع سوء أفعالهم، ولا يزال يلعنهم ويذم معطيهم، حتى يقول: فلان يصلي الجماعات والجمع، ولا يؤذي الذر، ويظهر الإعجاب كأنه ينطق: لو كانت الشرائع حقا لكان الأمر بخلاف ما ترى، وكان الصالح غنيا والفاسق فقيرا. وقال صدقة بن الحسين الحداد - وكان فقيها وعليه جرب -، فقال: ينبغي أن يكون هذا على جمل لا علي. وكثير من العوام إذا رأى رجلا صالحا مؤذى قالوا: هذا ما يستحق، أو هذا ابن حلال كأن الله ظلمه أو يذمه كأنه لا يستحق، قدحا في القدر، وارتفاعا على الخالق جل وعلا في التحكم عليه، حتى كأن المعترض قد ارتفع أن يكون شريكا لله تعالى في ملكه، والله سبحانه هو العليم الحكيم، يضع الأشياء مواضعها.
(٢) من الاعتراض على قدر الله وحكمه.
(٣) أي من أمر ذي مصيبة عظيمة.
(٤) إخال بكسر الهمزة أي لا أظنك ناجيا من الاعتراض على القدر، بل أكثر الخلق إلا من شاء الله يظنون بالله غير الحق ظن السوء بلسان حاله أو مقاله.
стр. 362
باب ما جاء في منكري القدر (١)
وقال ابن عمر: " والذي نفس ابن عمر بيده لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا ثم أنفقه في سبيل الله، ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر" (٢) .
ــ
(١) أي من الوعيد الشديد، والقدر بالفتح ما يقدره الله من القضاء، ولما كان توحيد الربوبية لا يتم إلا بإثبات القدر ذكر المصنف ما جاء من الوعيد فيمن أنكره، تنبيها على وجوب الإيمان به، وقد جاءت أحاديث كثيرة في ذم القدرية، وأنهم مجوس هذه الأمة، فعن ابن عمر مرفوعا: " القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم " ١. رواه أبو داود. وروى من حديث حذيفة: " لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر " الحديث. يعني أن الأمر مستأنف، لم يسبق به قدر ولا علم من الله، وإنما يعلمه بعد وقوعه. ومذهب أهل السنة ما دل عليه الكتاب والسنة أن الله خالق كل شيء، وربه ومليكه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم، قدر أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ، وكتب ما يصيرون إليه من سعادة وشقاوة، وغلاة القدرية ينكرون علمه المتقدم، وكتابته السابقة، ويقولون: الأمر أنف. وهذا القول أول ما حدث في الإسلام في أواخر عصر الصحابة، وأول من ظهر ذلك منه معبد الجهني كما سيأتي، وعامة القدرية ينكرون أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فينكرون مشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، وينكرون أن للعباد إرادات وأفعالا حقيقة وأن الله خالق أفعالهم وإراداتهم.
(٢) هذا الحديث رواه مسلم كما ذكره المصنف، وأهل السنن وغيرهم عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من تكلم في القدر بالبصرة معبد الجهني، =
стр. 363
ثم استدل بقول النبي ﷺ : " الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره "١. رواه مسلم (١) .
ــ
= فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر داخلا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي فقلت: أبا عبد الرحمن إنه " قد ظهر قبلنا أناس يقرءون القرآن ويتقفرون العلم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أنف. فقال: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني منهم بريء، وأنهم مني برآء، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر ". قال شيخ الإسلام: وكذلك كلام ابن عباس وجابر بن عبد الله وواثلة بن الأسقع وغيرهم من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين فيهم كثير، حتى قال فيهم الأئمة كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم: إن المنكرين لعلم الله القدرية يكفرون.
(١) أي قال ابن عمر حدثني عمر بن الخطاب ﵄ قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذ طلع علينا رجل يعني جبرائيل ﵇ كما صرح به في آخر الحديث، شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، فقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، فأخبره بأركانه، ثم سأله عن الإيمان فأخبره كما ذكره المصنف، ثم سأله عن الإحسان ثم الساعة، وهذا حديث عظيم، وعليه مدار أصول الدين، وفيه أن الإيمان بالقدر من أصول الإيمان الستة المذكورة، فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره فقد ترك أصلا من أصول الدين وجحده، ويشبه من قال الله فيهم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ ٢. والإيمان بالقدر هو الإيمان بأن الله علم ذلك في علمه القديم، وأنه كتبه وشاءه وأوجده.
стр. 364
وعن عبادة بن الصامت ﵁ أنه قال لابنه: يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان (١) حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك (٢) ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن أول ما خلق الله القلم (٣) ،
ــ
(١) أي حلاوة الإيمان كما تقدم في حديث أنس. وللترمذي: "إن للإيمان طعما". وهو كذلك فإن له حلاوة وطعما من ذاقه تسلى به عن الدنيا وما عليها، وابن عبادة هو الوليد، صرح به أحمد والترمذي، ولد في عهد النبي ﷺ أنصاري مدني ثقة من كبار التابعين، مات بعد السبعين.
(٢) ولأحمد وغيره: قلت: يا أبتاه أوصني واجتهد لي فقال: أجلسوني. فقال: يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان، ولن تبلغ حقيقة العلم بالله حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، قلت: يا أبتاه كيف أعلم ما خير القدر وشره؟ قال: تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك. وفي الحديث: " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان "١ وإنه يكون كذلك إذا كان مؤمنا بالقدر.
(٣) أي أول شيء خلقه قبل خلق السماوات والأرض، لا قبل خلق العرش، وعليه الجمهور؛ لما روى مسلم وغيره عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: " كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء " وفي الصحيح من غير وجه عن عمران بن حصين مرفوعا: " كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السماوات والأرض "٢. وروى الدارمي وغيره نحوه، وقال: ثبت في النصوص الصحيحة أن العرش خلق أولا. وعن ابن عباس قال: " إن الله كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا، فكان أول ما خلق الله القلم فأمره أن يكتب ما هو كائن ". وإنما يجري الناس على =
стр. 365
فقال له: اكتب. فقال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة " ١ (١) . يا بني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من مات على غير هذا فليس مني "٢. (٢) وفي رواية لأحمد: " إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب فجرى في تلك الساعة ما هو كائن إلى يوم القيامة " ٣ (٣) .
ــ
= أمر قد فرغ منه، ونحوه للبيهقي عنه أنه سئل عن قوله: (وكان عرشه على الماء) على أي شيء؟ قال: على متن الريح. ويحمل حديث: "أول ما خلق الله القلم" على أنه أول المخلوقات من هذا العالم.
(١) وكذلك في حديث ابن عباس وغيره، وفيه بيان أنه إنما أمر حينئذ أن يكتب مقادير هذا الخلق إلى قيام الساعة، لا ما يكون بعد ذلك.
(٢) صححه أحمد والترمذي، وفيه ونحوه بيان شمول علم الله تعالى وإحاطته بما كان وما يكون في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ ٤. قال أحمد: القدر قدرة الرحمن. قال شيخ الإسلام: ((يشير إلى أن من أنكر القدر فقد أنكر قدرة الله، وأنه يتضمن إثبات قدرة الله على كل شيء)) ا?. ونفاة القدر جحدوا كمال قدرة الله. قال بعض السلف: ناظروهم بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوه كفروا. يعني إن أنكروا العلم القديم السابق بأفعال العباد، وأنه في كتاب حفيظ فقد كذبوا القرآن، وإن أقروا بذلك وأنكروا أن الله. خلق أفعال العباد وأرادها فقد خصموا؛ لأن ما أقروا به حجة عليهم فيما أنكروه. وقد بيض المصنف - رحمه الله تعالى - آخر هذا الحديث ليعزوه ورواه أحمد والترمذي وأبو داود وهذا لفظه كما ذكره الشارح.
(٣) وتمامه: يا بني إن مت ولست على ذلك دخلت النار.
стр. 366
وفي رواية لابن وهب: (١) قال قال رسول الله ﷺ : " فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار ". (٢) وفي المسند والسنن عن ابن الديلمي: (٣) قال: أتيت أبي بن كعب فقلت: " في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء لعل الله يذهبه من قلبي (٤) .
ــ
(١) هو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد المصري الثقة الفقيه، صاحب مالك، روى عنه وعن عمرو بن الحارث وابن هانئ وحيوة وغيرهم، وعنه شيخه الليث بن سعد وابن مهدي وابن المديني وجماعة، وجمع وصنف وحفظ على أهل الحجاز ومصر وغيرهم ولد سنة ١٢٥ هـ، ومات سنة ١٩٧ هـ.
(٢) أي فمن لم يؤمن بما قدره الله وقضاه فقد جحد قدرة الله التامة، ومشيئته النافذة، وخلقه لكل شيء، وتصرفه في كل شيء، وكذب بكتبه ورسله ووعده ووعيده، فاستحق أن يحرقه الله بالنار، لكفره وبدعته أعاذنا الله من ذلك.
(٣) أي وفي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود وابن ماجه عن عبد الله بن فيروز الديلمي نسبة إلى جبل الديلم، أبو بسر بالمهملة ويقال: بالمعجمة، أخو الضحاك، من أبناء الفرس، وفيروز: قاتل الأسود العنسي، وعبد الله هذا ثقة من كبار التابعين، ومنهم من ذكره في الصحابة، كان يسكن بيت المقدس، روى عن أبيه وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وابن مسعود وحذيفة وغيرهم، وعنه أبو إدريس الخولاني وعمرو بن رويم ووهب بن خالد وغيرهم.
(٤) ولفظ ابن ماجه قال: وقع في نفسي شيء من هذا القدر، خشيت أن يفسد علي ديني وأمري. أي شك واضطراب يؤدي إلى شك فيه أو جحد له، فأتيت أبي بن كعب فقلت: يا أبا المنذر قد وقع في قلبي شيء من هذا القدر، فخشيت على =
стр. 367
فقال: لو أنفقت مثل أحد ذهبا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر (١) ، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لكنت من أهل النار " (٢) .
قال: فأتيت عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت فكلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي صلى الله عليه
ــ
= ديني وأمري، فحدثني من ذلك بشيء، لعل الله أن ينفعني، فقال: " لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم "، أي لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعتوهم وعصيانهم، فمحض عدله الخالص من شائبة الظلم، وهو أرحم الراحمين، ولولا فرط عتوهم وإبائهم عن طاعته واستحقاقهم للعذاب لما عذبهم، وهو الحكم العدل، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم.
(١) ولفظ ابن ماجه: ولو كان لك جبل أحد ذهبا، أو مثل جبل أحد ذهبا تنفقه في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، أي بأن جميع الأمور الكائنة خيرها وشرها بقضاء الله وقدره وإرادته ومشيئته وأمره، كما ذكر عن علي ﵁.
(٢) ففي هذه الأحاديث وما في معناها الوعيد الشديد على من لم يؤمن بالقدر، والحجة الواضحة على نفاة القدر من المعتزلة وغيرهم، ومن مذهبهم تخليد أهل المعاصي في النار، وهذا الذي اعتقدوه من أكبر الكبائر فلازم مذهبهم الحكم عليهم بالخلود في النار إن لم يتوبوا، وقد خالفوا ما تواتر من الكتاب والسنة.
стр. 368
سلم. حديث صحيح رواه الحاكم في صحيحه (١) .
ــ
(١) ولفظ ابن ماجه: ولا عليك أن تأتي أخي عبد الله بن مسعود قال: فأتيت عبد الله بن مسعود فسألته، فذكر لي مثل ما قال أبي، وقال لي: ولا عليك أن تأتي حذيفة، فأتيت حذيفة فسألته فقال مثل ما قال عبد الله، فقال: ائت زيد بن ثابت فاسأله، فأتيت زيد بن ثابت فسألته فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه " ١ بنحو ما تقدم عن أبي ﵁، وزيد بن ثابت الأنصاري كاتب النبي ﷺ ، وأحد فقهاء الصحابة مات سنة ٤٥ هـ، وله ٥٦ سنة.
стр. 369
باب ما جاء في المصورين (١)
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي (٢) ، فليخلقوا ذرة (٣) ، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة " ١. أخرجاه (٤) .
ــ
(١) أي من الوعيد الشديد والتهديد الأكيد، للمضاهاة بخلق الله، بل هو منشأ الوثنية، وما دخل على القرون قبلنا إنما هو من هذا الباب؛ لأن صورة المألوف تعظيم، وإذا ارتسمت في الحافظة وبقي ذكرها يمر على البصر الناظر إليها من رسمها لا بد أن تستولي على قلبه، وتحل فيه حلول التعبد له.
(٢) أي لا أظلم منه فإن الله له الخلق والأمر، وهو رب كل شيء ومليكه، وهو خالق كل شيء، وهو الذي صور جميع المخلوقات على غير مثال سبق، وجعل فيها الأرواح التي تحصل بها الحياة، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ ٢ الآيات. فالمصور لما صور الصورة على شكل ما خلقه الله تعالى من إنسان وبهيمة، صار مضاهيا لخلق الله، فصار لا أظلم منه، وما صوره يعذب به يوم القيامة.
(٣) تعجيز لهم، أي فليخلقوا ذرة وهي صغار النمل فيها روح تتصرف بنفسها كهذه الذرة التي خلقها الله، وأنى لهم ذلك؟
(٤) تعجيز لهم أيضا، أي فليخلقوا حبة حنطة فيها طعم تؤكل وتزرع وتنبت، ويوجد فيها ما يوجد في حبة الحنطة، وكذا الشعيرة ونحوها من الحب الذي يخلقه =
стр. 370
ولهما عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: " أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله " ١ (١) .
ــ
= الله، وأنى لهم السبيل إلى ذلك، والمراد تعجيزهم تارة بتكليفهم خلق صورة حيوان، وهو أشد، وتارة بتكليفهم خلق جماد وهو أهون، ومع ذلك لا قدرة لهم على ذلك كله، فإن الله هو المتفرد بذلك لا خالق غيره ولا رب سواه.
(١) أي يشابهون بما يصنعونه ما يصنعه الله. ولمسلم: "الذين يشبهون بخلق الله". ولهما من حديث ابن عباس: " أشد الناس عذابا المصورون "٢. قال النووي: قيل: هذا محمول على صانع الصورة لتعبد وهو صانع الأصنام ونحوها، فهذا كافر وهو أشد الناس، وقيل هو فيمن قصد المعنى الذي في الحديث من مضاهاته خلقه، واعتقد ذلك فهذا كافر أيضا، وله من شدة العذاب ما للكافر، ويزيد عذابه بزيادة كفره، فأما من لم يقصد بها العبادة ولا المضاهاة فهو فاسق صاحب ذنب كبير، لا يكفر كصاحب المعاصي. وقال: قال العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم، وهو من الكبائر المتوعد عليها بهذا الوعيد الشديد، وسواء صنعه لما يمتهن أم لغيره فصنعه حرام بكل حال، وسواء كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها، فأما ما ليس فيه صورة حيوان فليس بحرام. قال الحافظ: ويؤيد التعميم فيما له ظل وفيما لا ظل له ما أخرجه أحمد عن علي قال: كان رسول الله ﷺ في جنازة فقال: " أيكم ينطلق إلى المدينة فلا يدع بها وثنا إلا كسره، ولا قبرا إلا سواه، ولا صورة إلا لطخها " ٣. وفيه ثم قال: " من عاد إلى صنعة شيء من هذا فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ "٤. قال المنذري: إسناده جيد. وإذا كان هذا فيمن صور صورة على مثال ما خلقه الله من الحيوان، فكيف بمن سوى المخلوق برب العالمين، وشبهه بخلقه وصرف له شيئا من العبادة؟
стр. 371
ولهما عن ابن عباس ﵄ سمعت رسول الله ﷺ يقول: " كل مصور في النار (١) يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم "١ (٢) .
ــ
(١) أي لذي روح، لتعاطيه ما يشبه ما انفرد الله به من الخلق والاختراع.
(٢) أي تعذبه نفس الصورة بأن يجعل فيها روحا، والباء بمعنى " في " أو يجعل له بكل صورة شخص يعذب به، وقد قال ﵊ – لعائشة: " ما هذه النمرقة؟ قلت: لتجلس عليها وتوسدها. قال: إن أصحاب هذه الصور يقال لهم: أحيوا ما خلقتم، وإن الملائكة لا تدخل بيتا فيه الصور "٢. قال الحافظ: قدم الجملة الأولى اهتماما بالزجر عن اتخاذ الصور؛ لأن الوعيد إذا حصل لصانعها فهو حاصل لمستعملها؛ لأنها لا تصنع إلا لتستعمل، فالصانع متسبب، والمستعمل مباشر، فيكون أولى بالوعيد، ويستفاد منه أنه لا فرق في تحريم التصوير بين أن تكون الصورة لها ظل أو لا، وبين أن تكون مدهونة أو منقوشة أو منقورة أو منسوجة، معلقة أو مفروشة. قال النووي: لا فرق في ذلك، وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين. وقال بعض السلف: إنما ينهى عما كان له ظل، ولا بأس بالصورة التي ليس لها ظل وهذا مذهب باطل، فإن الستر الذي أنكر النبي ﷺ الصور فيه لا يشك أحد أنه مذموم، وليس لصورته ظل، مع باقي الأحاديث المطلقة في كل صورة. وقال الزهري: النهي في الصورة على العموم، وكذا استعمال ما هي فيه، ودخول البيت الذي هي فيه، سواء كانت رقما في ثوب، أو غير رقم، وسواء كانت في حائط أو ثوب أو بساط ممتهن أو غير ممتهن عملا بظاهر الأحاديث، لا سيما حديث النمرقة الذي ذكره مسلم، وهذا مذهب قوي.
стр. 372
ولهما عنه مرفوعا: " من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ "١ (١) . ولمسلم عن أبي الهياج قال: قال لي علي ﵁: " ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع صورة إلا طمستها (٢) ، ولا قبرا مشرفا إلا سويته "٢ (٣) .
ــ
(١) وفي رواية: "فإن الله يعذبه حتى ينفخ فيها الروح وليس بنافخ أبدا" أي لا يمكنه ذلك، فيكون معذبا دائما، فالحديث يدل على طول تعذيبه، وإظهار عجزه عما كان تعاطاه، ومبالغة في تحريمه، وبيان قبح فعله، وتقدم قوله: "أحيوا ما خلقتم" أي اجعلوه حيوانا ذا روح كما ضاهيتم به، وهذا أمر تعجيز، ووعيد شديد؛ لأنه مغيا بما لا يمكن، فالمراد به الزجر الشديد والوعيد بعقاب الكافر، ليكون أبلغ في الارتداع. ويستثنى من ذلك ما لا روح فيه، لقول ابن عباس: فإن أبيت فعليك بهذا الشجر. وإذا خص ما فيه روح بالمعنى من جهة أنه مما لم تجر عادة الآدميين بصنعته، وجرت عادتهم بغرس الأشجار مثلا امتنع ذلك في مثل تصوير الشمس والقمر، ويتأكد المنع بما عبد من دون الله، فإنه يضاهي صور الأصنام التي هي الأصل في منع التصوير، لا سيما وقد جاء النهي عن التماثيل.
(٢) وتقدم لأحمد: "ولا صورة إلا لطختها" أي أزلتها ومحوتها. وفيه التصريح ببعثه ﷺ عليا وغيره لطمس الصور لما فيها من المضاهاة لخلق الله. وأبو الهياج اسمه حيان بن حصين الأسدي تابعي ثقة، روى عن علي وعمار، وكان كاتبا له، وعنه ابناه جرير ومنصور والشعبي وغيرهم.
(٣) مشرفا أي مرتفعا إلا سويته أي بالأرض، ففيه التصريح ببعثه لتسوية القبور، لما في تعليتها من الفتنة بأربابها، وتعظيمها وهو أكبر وسائل الشرك وذرائعه، بل هو الأصل في عبادتها، وصرف الهمم إلى محو هذا وأمثاله من أكبر مصالح الدين =
стр. 373
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= ومقاصده وواجباته، ولما وقع التساهل في هذه الأمور وقع المحذور، فكثر التصوير واستعماله، وكثر البناء على القبور وزخرفت، وجعلت أوثانا تعبد من دون الله، وصرف لها خالص التضرع والخشوع، والذبح لها والنذور، وغير ذلك من كل شرك محظور. قال ابن القيم: ومن جمع بين سنة رسول الله ﷺ في القبور وما أمر به ونهى عنه وبين ما عليه أكثر الناس اليوم رأى أحدهما مضادا للآخر مناقضا له، بحيث لا يجتمعان، فنهى عن الصلاة إلى القبور وهؤلاء يصلون عندها وإليها، ونهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها المساجد ويسمونها مشاهد، مضاهاة لبيوت الله، ونهى عن إيقاد السرج عليها وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد السرج عليها، ونهى أن تتخذ عيدا، وهؤلاء يتخذونها أعيادا ومناسك ويجتمعون لها كاجتماعهم للعيد أو أكثر، وأمر بتسويتها كما روى مسلم عن أبي الهياج وذكره هو وحديث ثمامة بن شفي، وهو عند مسلم أيضا قال: كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم، فتوفي صاحب لنا فأمر فضالة بقبره فسوي، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها. وهؤلاء يبالغون في مخالفة هذين الحديثين، ويرفعونها عن الأرض كالبيوت، ويعقدون عليها القباب، وذكر ما نهي عنه من تجصيصها والزيادة على ترابها، والتصريح بتحريم ذلك، وأنه قد آل الأمر بهؤلاء إلى أن شرعوا للقبور حجا، ووضعوا لها مناسك، ولا يخفى ما فيه من مشاقة دين الإسلام، والمفاسد التي يعجز عن حصرها، منها اتخاذها أعيادا، والسفر إليها، ومشابهة عباد الأصنام بما يفعل عندها من العكوف عليها، والمجاورة عندها، وتعليق الستور عليها، وسدانتها والنذر لها ولسدنتها، واعتقاد المشركين فيها أن بها يكشف البلاء، وتقضى الحوائج وغير ذلك، والشرك الأكبر الذي يفعل عندها، وإيذاء أهلها، وتفضيلها على خير البقاع، والطواف بها، وتقبيلها، واستلامها وتعفير الخدود على تربتها، وعبادة أصحابها، والاستغاثة بهم وسؤالهم النصر والرزق والعافية، وقضاء الديون، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفان، وغير ذلك من أنواع الطلبات التي كان عباد الأوثان يسألونها أوثانهم فالله المستعان.
стр. 374
باب ما جاء في كثرة الحلف (١)
وقول الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ ١ (٢) . عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للكسب " ٢. أخرجاه (٣) .
ــ
(١) أي من النهي عنه والوعيد لفاعليه، لما يترتب عليه من منافاة كمال التوحيد الواجب، والحلف بفتح المهملة وكسر اللام اليمين.
(٢) قال ابن عباس: يريد لا تحلفوا. وقال ابن جرير: لا تتركوها بغير تكفير. وقال آخرون: احفظوا أيمانكم عن الحنث فلا تحنثوا. وأراد المصنف من الآية ما قاله ابن عباس، وكلها متلازمة، فإنه يلزم من كثرة الحلف كثرة الحنث، مع ما يدل عليه من الاستخفاف بالله، وعدم التعظيم له وغير ذلك مما ينافي كمال التوحيد الواجب.
(٣) منفقة بفتح الميم والفاء مفعلة من النفاق بفتح النون، وهو الرواج ضد الكساد، والسلعة بكسر السين المتاع، أي الحلف نفاق ورواج للسلع، وممحقة بفتح الميم والحاء، والمحق هو النقص والمحو، ومحق الله الشيء أذهب بركته، والمعنى أنه إذا حلف على سلعة أنه أعطي فيها كذا وكذا، أو أنه اشتراها بكذا وكذا، وقد يظنه المشتري صادقا فيما حلف عليه، فيأخذها بزيادة على قيمتها، والبائع كاذب في ذلك، وإنما حلف طمعا في الزيادة، فيكون قد عصى الله، فيعاقب بمحق البركة، فإذا ذهبت بركة كسبه دخل عليه من النقص أعظم من تلك الزيادة التي =
стр. 375
وعن سلمان ﵁ (١) أن رسول الله ﷺ قال: " ثلاثة لا يكلمهم الله (٢) ، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم (٣) : أُشيمط زان (٤) ،
ــ
= دخلت عليه بسبب حلفه، وربما ذهب ثمن تلك السلعة بالكلية، فإن ما عند الله إنما ينال بطاعته، وإن تزخرفت الدنيا للعاصي، فعاقبتها الاضمحلال والذهاب والعقاب الوبيل.
(١) هو أبو عبد الله الفارسي ابن الإسلام، ويقال له: سلمان الخير، أصله من أصبهان، وفي الصحيح عنه أنه من رام هرمز، وأنه تداوله بضعة عشر من رب إلى رب. وقال ابن منده: اسمه مايه بن لوذخشان بن مورسلا بن بهوذان من ولدان الملك، وكان أدرك وصي عيسى، أسلم مقدم النبي ﷺ المدينة، أول ما شهد الخندق، روى عنه أنس وابن عباس وغيرهما، قال النبي ﷺ : " سلمان منا أهل البيت ". قال الحسن: كان أميرا على ثلاثين ألفا، توفي سنة ٣٦ هـ، قيل: وله ٣٥٠ سنة.
(٢) نفي كلام الله لهؤلاء العصاة وعيد شديد في حقهم، ودليل على أن الله يكلم من أطاعه، كما تواترت به النصوص من الكتاب والسنة، وأن الكلام صفة من صفات كماله، وهو مذهب أهل السنة والجماعة.
(٣) وهذا من تمام العقوبة لهم، والزكاة في الأصل الطهارة والنماء والبركة والمدح والزيادة، أي لا يثني عليهم، ولا يطهرهم من دنس الذنوب. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١ موجع، فهؤلاء لما عظم ذنبهم عظمت عقوبتهم، وهذا زجر عظيم لمن له عقل عن تعاطي هذه الأعمال السيئة.
(٤) صغره تحقيرا له؛ وذلك لأن داعي المعصية والفجور ضعيف في حقه، فدل على أن الحامل له على الزنا محبة المعصية والفجور، وعدم الخوف من الله وخشيته، =
стр. 376
وعائل مستكبر (١) ، ورجل جعل الله بضاعته (٢) لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه " ١. رواه الطبراني بسند صحيح (٣) .
ــ
= وضعف الداعي إلى المعصية مع فعلها يوجب تغليظ العقوبة عليه، بخلاف الشاب فإن قوة داعي الشهوة منه قد يغلبه مع خوفه من الله، وقد يرجع إلى نفسه بالندم ولومها على المعصية فينتهي ويراجع.
(١) أي فقير ليس له ما يدعوه إلى الكبر؛ لأن الداعي إلى الكبر في الغالب كثرة المال والنعم والرياسة، والعائل الفقير لا داعي له إلى أن يستكبر، فاستكباره مع عدم الداعي إليه يدل على أن الكبر طبيعة له، كامن في قلبه، فعظمت عقوبته، لعدم الداعي إلى هذا الخلق الذميم الذي هو من أكبر المعاصي.
(٢) بنصب الاسم الشريف، أي جعل الحلف بالله بضاعته، وله من حديث عصمة بن مالك: " اتخذ الأيمان بضاعة، يحلف في كل حق وباطل ". وسماه بضاعة له لملازمته له، وغلبته عليه، وهذا الشاهد من الحديث للترجمة، وكل هذه الأعمال تدل على أن صاحبها إن كان موحدا فتوحيده ضعيف، وأعماله ضعيفة بحسب ما قام بقلبه، وظهر على لسانه وعمله، من تلك المعاصي العظيمة مع قلة الداعي إليها.
(٣) وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر: " ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم "٢. وذكر منهم المنفق سلعته بالحلف الكاذب. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: " رجل حلف على سلعة لقد أعطي بها أكثر مما أعطي وهو كاذب، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال رجل مسلم "٣. وفي رواية: " ورجل بايع رجلا سلعة بعد العصر، فحلف بالله لأخذها بكذا وكذا، فصدقه وهو على غير ذلك " ٤. ففي هذه الأحاديث شدة الوعيد على كثرة الحلف، المنافي لكمال التوحيد.
стр. 377
وفي الصحيح عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " خير أمتي قرني (١) ، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم (٢) . قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثا (٣) ، ثم إن بعدكم قوم يشهدون ولا يستشهدون (٤) ،
ــ
(١) الخبر في الصحيحين، وأكثر روايات البخاري: "خيركم قرني " على تقدير حذف المضاف، أي أهل قرني، وجاء في رواية: "أهل قرني" واختلف في القرن، فقيل: من أربعين إلى مائة، وهو المعتبر، فخير الأمة قرنه لفضيلة أهل ذلك القرن في العلم والإيمان والأعمال الصالحة، لغلبة الخير فيه، وكثرة أهله، وقلة الشر وأهله، واعتزاز الإسلام، وكثرة العلم والعلماء، واشتداد الإنكار على من ابتدع، كالخوارج والقدرية ونحوهم.
(٢) أي فضل الذين يلونهم على من بعدهم لظهور الإسلام فيهم وكثرة الداعي إليه والراغب فيه، والقائم به، والقرب من نور النبوة، وما ظهر فيه من البدع أنكر واستعظم وأزيل كبدعة الخوارج والقدرية والرافضة، وتلك وإن ظهرت فأهلها في غاية الذل والمقت والهوان والقتل، فيمن عاند منهم ولم يتب، وأما القرن الثالث فهو دون الأولين، لكثرة ظهور البدع فيه، لكن العلماء فيه متوافرون، وقد تصدى كثير منهم لإنكارها، والإسلام إذ ذاك ظاهر والجهاد قائم.
(٣) هذا الشك من راوي الحديث عمران بن حصين ﵁، والمشهور من الروايات أن القرون المفضلة ثلاثة.
(٤) قوم بالرفع هكذا في بعض روايات البخاري وغيره، وهي مخالفة لقواعد الإعراب، والرواية المشهورة التي شرح عليها الشراح "قوما" بالنصب، وجوز =
стр. 378
ويخونون ولا يؤتمنون (١) ، وينذرون ولا يوفون (٢) ، ويظهر فيهم السمن "١ (٣) .
ــ
= العيني رفعه بفعل محذوف تقديره يجيء قوم.
وفي بعض الروايات "يجيء قوم". وفي بعضها: "يكون قوم" لكن بدون ذكر إن بعدكم "ويشهدون" أي الزور "ولا يستشهدون" أي لا تطلب منهم الشهادة لفسقهم أو لاستخفافهم بأمرها وعدم تحريهم الصدق، لقلة دينهم وضعف إيمانهم، والذم لمن شهد بالباطل، لما في بعض الألفاظ "ثم يفشو فيهم الكذب، حتى يشهد الرجل ولا يستشهد". ولقرنه بالخيانة، ولا منافاة بينه وبين حديث: " خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها "٢؛ لأن هذا في حقوق الله التي لا طالب لها، وفي حقوق الآدميين التي لو لم يأت بها الشاهد لضاع حق من هي له، لعدم علمه بها، وقيل: أي يتحملون الشهادة من غير تحميل.
(١) أي يخونون من ائتمنهم، ولا يؤتمنون لخيانتهم الظاهرة، وفيه دلالة على أن الخيانة قد غلبت على كثير منهم أو أكثرهم.
(٢) أي لا يوفون ما وجب عليهم بالنذر، وهذا لا ينافي حديث النهي عن النذر، وأنه لا يأتي بخير، وإنما هو تأكيد لأمره، وتحذير من التهاون به بعد إيجابه، فظهور هذه الأعمال الذميمة يدل على ضعف إسلامهم، وقلة إيمانهم.
(٣) يعني المفرط للتوسع في المآكل والمشارب، والرغبة في الدنيا ونيل شهواتها، والتنعم بها، والغفلة عن الدار الآخرة والعمل لها، وليس المراد مطلق السمن؛ فإنه لا يخلو منه زمان، ولا عيب فيه. وفي حديث أنس: " لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم "٣. سمعته من رسول الله ﷺ فما زال الشر يزيد في الأمة حتى كثرت البدع، وفشا الشرك، وعمرت المساجد على القبور، وشيدت عليها القباب، وعبدت من دون الله، وعادت الجاهلية الأولى، بل صار =
стр. 379
وفيه عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: " خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم (١) ، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته "١ (٢) . قال إبراهيم: ((كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار)) (٣) .
ــ
= كثير ممن ينتسب إلى العلم يدعون إلى البدع والشرك، ويبدع من ينكر ذلك ويكفر، ولكن لا تزال بحمد الله طائفة على الحق منصورة، تقوم بها الحجة على خلقه إلى قيام الساعة.
(١) صرح في هذا الحديث أن خير القرون ثلاثة من غير شك.
(٢) فيه الإشارة إلى التسارع في الشهادة واليمين، لضعف الإيمان، والرغبة في الدنيا، وكثرة المعاصي والذنوب، فيخف أمر اليمين والشهادة عنده تحملا وأداء، لقلة خوفه من الله، وعدم مبالاته بذلك، وهذا من أعلام النبوة فإنه قد وجد ذلك.
(٣) إبراهيم هو النخعي، ولعل مراده أصحاب عبد الله بن مسعود، كما هي عادته في النقل عنهم، وهكذا حال السلف الصالح، محافظة منهم على الدين الذي أكرمهم الله به، فلا يتركون شيئا مما يكره إلا أنكروه، وفيه تمرين الصغار على طاعة ربهم، ونهيهم عما يضرهم، وفعلهم ذلك إنما هو لئلا يعتادوا إلزام أنفسهم بالعهود وهي الأيمان، لما يلزم الحالف من الوفاء، وربما أثم وكذا الشهادة، فإنه إذا اعتادها حال صغره سهلت عليه، فربما أداه ذلك إلى التساهل حال كبره، فإن من شب على شيء شاب عليه.
стр. 380
باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه (١)
وقول الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ ١ الآية (٣) .
عن بريدة ﵁ قال: " كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرا على جيش أو سرية (٤)
ــ
(١) أي من الدليل على وجوب حفظها والوفاء بها، والمراد التي تدخل في العهود، وأن عدم الوفاء عدم تعظيم له، فهو قدح في التوحيد.
(٢) أمر تعالى بالوفاء بالعهود والمواثيق،. والمحافظة على الأيمان، ومراد المصنف ﵀ ما يجري بين الناس من الذمة أنه يجب الوفاء بذلك، وهو فرد من أفراد معنى الآية، فإنها دالة على وجوب الوفاء بذلك.
(٣) هذه الأيمان المراد بها الداخلة في العهود والمواثيق، لا الأيمان الواردة على حث أو منع. قال مجاهد: يعني الحلف، أي حلف الجاهلية. وروى أحمد عن جبير بن مطعم مرفوعا: " لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة "٢ أي أن الإسلام لا يحتاج معه إلى الحلف الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، فإن بالتمسك بالإسلام حماية وكفاية عما كانوا فيه. وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ٣ تهديد ووعيد.
(٤) أي جعل شخصا أميرا على جيش أي جنود، أو سرية وهي القطعة من الجيش تخرج منه وتغير وترجع إليه، والغزاة أو الخيل من المائة إلى الأربعمائة =
стр. 381
أوصاه بتقوى الله تعالى ومن معه من المسلمين خيرا (١) ، فقال: اغزوا بسم الله في سبيل الله (٢) ، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا (٣) ،
ــ
= ونحوها، فإن كثر فهو الجيش، سميت سرية لأنها تسري في الليل غالبا ويخفى ذهابها، وبريدة هو ابن حصيب الأسلمي تقدم، وهذا الحديث من رواية ابنه سليمان عنه.
(١) أي أوصاه في خاصته بتقوى الله، أي بالتحرز بطاعته من عقوبته، وهي كلمة جامعة يدخل فيها فعل جميع الطاعات، واجتناب المحرمات، وأوصاه أيضا بمن معه من المسلمين أن يفعل معهم خيرا من الرفق بهم، والإحسان إليهم، وخفض الجناح لهم، وترك التعاظم عليهم، وتعريفهم ما يحتاجون إليه في غزوهم، وما يحرم عليهم وما يكره.
(٢) أي اشرعوا في فعل الغزو مستعينين بالله مخلصين له، فتكون الباء في "بسم الله" هنا للاستعانة بالله، والتوكل عليه. و "في سبيل الله" أي طاعته كما في الراوية الأخرى. وفي الحديث: " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظاهر، فهو في سبيل الله " ١.
(٣) هذا العموم شمل جميع أهل الكفر المحاربين وغيرهم، وقد خصص من له عهد، وكذا الرهبان والنسوان ومن لم يبلغ الحلم؛ لأنه لا يكون منهم قتال غالبا، فإن حصل منهم قتال أو تدبير قتلوا.
(٤) كرر الأمر بالغزو اهتماما بأمره، ونهى عن الغلول، وهو الأخذ من الغنيمة من غير قسمة لها، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٢. وقال ﵊: " الغلول عار ونار يوم القيامة "٣. ولا خلاف في تحريمه.
стр. 382
ولا تغدروا، ولا تمثلوا (١) ، ولا تقتلوا وليدا (٢) ، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خلال - أو خصال - (٣) : فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم (٤) ، ثم ادعهم إلى الإسلام (٥) ،
ــ
(١) تغدروا بكسر الدال أي لا تنقضوا العهد، والتمثيل التشويه بالقتيل، كجدع أنفه وأذنه ونحو ذلك من العبث به.
(٢) الوليد المولود والصبي والعبد، وكذا النساء والرهبان، لأنهم لا يقاتلون، فإن قاتلوا قتلوا كما تقدم.
(٣) شك من الراوي ووزنهما ومعناهما واحد، ويفسر أحدهما بالآخر.
(٤) أية منصوب بأجابوا، أي فإلى أيتهن أجابوك فاقبل منهم، كما تقول: جئتك إلى كذا وفي كذا، فيعدى إلى الثاني بحرف الجر.
(٥) كذا وقعت الرواية في جميع نسخ صحيح مسلم بزيادة: "ثم"، وذكر غير واحد أن الصواب إسقاطها كما في سنن أبي داود، وكتاب الأموال لأبي عبيد وغيرهما؛ لأن ذلك هو تفسير الثلاث الخصال لا غيرها، والابتداء بثم يوهم ابتداء بغير الثلاث الخصال المذكورة في الحديث. وقال المازري: دخلت لاستفتاح الكلام، وفيه دلالة لما ذهب إليه مالك من الجمع بين الأحاديث في الدعوة، فإنه قال: لا يقاتل الكفار قبل أن يدعوا، ولا تلتمس غرتهم إلا أن يكونوا قد بلغتهم الدعوة، فيجوز أن تؤخذ غرتهم، وصححه الشارح وغيره؛ لأن فائدة الدعوة أن يعرف العدو أن المسلمين لا يقاتلون للدنيا، ولا للعصبية، وإنما يقاتلون للدين، فإذا علموا بذلك أمكن أن يكون سببا إلى انقيادهم إلى الإسلام، بخلاف ما إذا جهلوا مقصود المسلمين، فقد يظنون أنهم إنما يقاتلون للملك أو الدنيا، فيزيدون عتوا وعنادا وبغضا.
стр. 383
فإن أجابوك فاقبل منهم (١) ، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين (٢) ، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك (٣) فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين (٤) ، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم المسلمين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء (٥)
ــ
(١) أي فاقبل منهم الإسلام وكف عنهم القتال.
(٢) يعني إلى المدينة إذ ذاك، وكان في أول الأمر وجوب الهجرة إليها على كل من دخل في الإسلام. وفيه دليل على وجوب الهجرة على كل من أسلم، وهو في بلد الشرك إلى بلد الإسلام إذا استطاع، وتجب أو تستحب إذا ظهرت المعاصي كما نص عليه أهل العلم.
(٣) أي أخبرهم أنهم إن تحولوا من دار الشرك إلى دار الإسلام وهي إذ ذاك المدينة.
(٤) أي لهم ما لهم من الفيء والغنيمة ونحو ذلك، وعليهم ما عليهم من الجهاد وغيره.
(٥) أي فإن امتنعوا بعد أن أسلموا من الهجرة من البداوة وغيرها، إلى دار المسلمين، ولم يجاهدوا فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين الساكنين في البادية من غير هجرة ولا غزو، فتجري عليهم أحكام الإسلام ولا يعطون من الخمس ولا من الفيء شيئا، وإنما لهم أن الصدقة المأخوذة من أغنيائهم فترد على فقرائهم، وبه أخذ الشافعي أن الصدقات للمساكين ونحوهم ممن لا حق لهم في الفيء، والفيء للأجناد. وَسَوَّى مالك وأبو حنيفة بين المالين، وجوزا صرف كل منهما إلى النوعين.
стр. 384
إلا أن يجاهدوا مع المسلمين (١) ، فإن هم أبوا فاسألهم الجزية (٢) ، فإن هم أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم (٣) ، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم (٤) ، وإذا حاصرت أهل حصن (٥)
ــ
(١) أي فيكون لهم ما للمجاهدين المهاجرين وغيرهم من الخمس والفيء ونحو ذلك.
(٢) وهي المال الذي يعقد للكتابي عليه الذمة، فعلة من الجزاء، كأنها جزت عن قتله، وفيه حجة لمالك والأوزاعي وغيرهما في أخذها من كل كافر عربيا كان أو غيره، كتابيا كان أو غيره، واختاره الشيخ وغيره، ورجحه ابن القيم وغيره؛ لهذا الخبر وغيره، تؤخذ على الرجال الأحرار البالغين دون غيرهم، ممن كان تحت قهر المسلمين، لا ممن نأى بداره، ويجب تحويلهم إلى بلاد المسلمين أو حربهم.
(٣) أي: فإن أجابوك إلى الجزية فاقبلها منهم، وكف عن قتالهم.
(٤) أي فإن أبوا عن الإسلام وعن الجزية فاستعن بالله وحده، فهو الذي بيده النصر والتأييد، وقاتلهم كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ١ وقال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ٢ الآية.
(٥) الحصن كل مكان محمي محرز، لا يوصل إلى جوفه، أو لا يقدر عليه لارتفاعه، وحاصرت أهله ضيقت عليهم، وأحطت بهم.
стр. 385
فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم أن تخفروا ذممكم، وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه (١) ، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا " رواه مسلم (٢) .
ــ
(١) الذمة هنا العهد، وتخفر بضم التاء تنقض، يقال: أخفرت الرجل نقضت عهده، وخفرته بعد أن أمنته وحميته وأجرته، والمقصود أنه ﷺ خاف من نقض من لم يعرف حق الوفاء بالعهد، كبعض الأعراب وسواد الجيش، فكأنه يقول: إن وقع نقض من متعد معتد، كان نقض عهد الخلق أهون من نقض عهد الله وعهد نبيه، ولعل ذلك للتنزيه.
(٢) وهذا أيضا - والله أعلم - للتنزيه والاحتياط، وفيه أن المصيب في مسائل الاجتهاد واحد؛ لأنه ﷺ نص على أن الله حكم حكما معينا، فمن وافقه فهو المصيب، ومن لم يوافقه فهو المخطئ.
стр. 386
باب ما جاء في الإقسام على الله (١)
عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان (٢) . فقال الله من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان (٣) ، إني قد غفرت له وأحبطت عملك "١. رواه مسلم (٤) .
ــ
(١) أي ذكر ما جاء من الأدلة الدالة على تحريم الحلف على الله، إذا كان على جهة الحجر على الله، والقطع بحصول المقسم على حصوله، وهو التألي، فأما إن كان على جهة حسن الظن بالله فقد قال ﷺ : " إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره "٢.
(٢) هذا ظاهر في قطعه بأن الله لا يغفر لذلك الرجل، فكأنه حكم على الله وحجر عليه، لما اعتقد له عنده من الكرامة والحظ والمكانة، وهذا لجهله بإلهية الحق وربوبيته .
(٣) التألي من الألية بتشديد الياء اليمين، يقال: آلى يؤلي إيلاء، وتألى يتألى بالياء، والاسم الألية، استفهام إنكار، وفيه تحريم الإدلال على الله، ووجوب التأدب مع الله في الأقوال والأحوال، وأن حق العبد أن يعامل نفسه بأحكام العبودية، ويعامل ربه بما يجب له من أحكام الإلهية والربوبية.
(٤) فعومل هذا بنقيض قصده، وغفر لذلك بسببه. قال المصنف: ((وفيه أن الرجل قد يغفر له بسبب هو من أكره الأمور إليه، وكون الجنة أقرب إلى أحدنا من شراك نعله، والنار مثل ذلك)) .
стр. 387
وفي حديث أبي هريرة أن القائل رجل عابد (١) . قال أبو هريرة: ((تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته)) (٢) .
ــ
(١) يشير إلى ما رواه أبو داود وغيره عن أبي هريرة ﵁ " كان رجلان في بني إسرائيل متآخيين، فكان أحدهما يذنب والآخر مجتهد في العبادة، فكان المجتهد لا يزال يرى الآخر على الذنب، فيقول: أقصر، فوجده يوما على ذنب، فقال: له أقصر. فقال خلني وربي، أبعثت علي رقيبا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك، ولا يدخلك الجنة. فقبضت أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالما، أو كنت على ما في يدي قادرا؟ فقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار " ١.
(٢) صح من حديث من أبي هريرة رواه البغوي وغيره عن عكرمة، قال: دخلت مسجد المدينة، فناداني شيخ قال: يا يماني تعال. وما أعرفه، قال: لا تقولن لرجل: والله لا يغفر الله لك أبدا، ولا يدخلك الجنة، قلت: ومن أنت يرحمك الله؟ قال: أبو هريرة.
فقلت: إن هذه كلمة يقولها أحدنا لبعض أهله إذا غضب، أو لزوجته، أو لخادمه، فقال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن رجلين كانا في بني إسرائيل متحابين، أحدهما مجتهد في العبادة، والآخر كأنه يقول مذنب، فجعل يقول أقصر عما أنت فيه، قال: فيقول: خلني وربي، أبعثت علي رقيبا؟ قال: فوالله لا يغفر الله لك، ولا يدخلك الجنة أبدا، قال: فبعث الله إليهما ملكا فقبض أرواحهما، فاجتمعا عنده، فقال للمذنب: ادخل الجنة برحمتي. وقال للآخر: أتستطيع أن تحظر على عبدي رحمتي؟ قال: لا يا رب قال: اذهبوا به إلى النار ". قال أبو هريرة: ((والذي نفسي بيده تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته)) . "أوبقت" يعني أهلكت، وفي هذه الأحاديث بيان خطر اللسان، وذلك يفيد التحرز من الكلام، وفي حديث معاذ قلت: " يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال " ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو قال: على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟ "٢. رواه الترمذي وغيره وصححه.
стр. 388
باب لا يشفع بالله على خلقه (١)
عن جبير بن مطعم ﵁ (٢) قال: " جاء أعرابي إلى سول الله ﷺ فقال: يا رسول الله نهكت الأنفس (٣) وجاع العيال، وهلكت الأموال (٤) فاستسق لنا ربك (٥) ، فإنا نستشفع بالله عليك، وبك على الله (٦) .
ــ
(١) أي أن ذلك حرام، وهضم للربوبية، وقدح في توحيد العبد، فالله سبحانه هو الكبير المتعال، والاستشفاع طلب الشفاعة، وهي لا تطلب إلا من العلي الأعلى جل وعلا، فلا يجوز للعبد أن يطلب من الله الشفاعة إلى أحد من خلقه.
(٢) هو ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي، كان من أكابر قريش، أسلم قبل الفتح ومات سنة ٥٧ هـ.
(٣) نهكت بضم النون أي جهدت، كما في بعض الألفاظ: وضعفت وقلت وضنت ودنفت ألفاظ مترادفة، نهكا فهي منهوكة.
(٤) ولفظه: جهدت الأنفس، وضاع العيال، ونهكت الأموال، وهلكت الأنعام.
(٥) أي اسأله أن يسقينا.
(٦) الاستشفاع بالرسول ﷺ في حياته إنما المراد به استجلاب دعائه، ولذلك لم ينكره عليه، فإن دعاءه مستجاب، وكذا كل حي صالح يرجى =
стр. 389
فقال النبي ﷺ : "سبحان الله سبحان الله" (١) . فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه (٢) ، ثم قال: "ويحك أتدري ما الله (٣) ؟ إن شأن الله أعظم من ذلك (٤) ؛ إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه " (٥) .
ــ
= أن يستجاب له، لا بأس أن يطلب منه أن يدعو للسائل، وقد " قال النبي ﷺ لعمر: " لا تنسنا من صالح دعائك " ١. وأما بعد وفاته ﷺ فلا يجوز طلب ذلك منه ﷺ لاستحالة ذلك منه.
(١) لفظه فقال: "ويحك أتدري ما تقول" وسبح رسول الله ﷺ ، أي سبح الله كثيرا وعظمه، لأن هذا القول لا يليق بالخالق سبحانه وبحمده، وهكذا كان يسبح إذا استعظم أمرا أو يكبر أو يهلل.
(٢) أي عرف الغضب في وجوه أصحاب رسول الله ﷺ لغضب رسول الله ﷺ لما سمع من الأعرابي هضمه لجناب الربوبية.
(٣) ويح كلمة تقال للزجر أو للرحمة، واستعملتها العرب بمعنى التعجب والتوجع، لا تريد بها إيقاع الهلكة، وفيه إشارة إلى قلة علمه بعظمة الله وجلاله.
(٤) أي من أن يستشفع به إلى أحد من خلقه، قال الشافعي: إنما يشفع عند من هو أعلى منه، فهذا من أعظم النقص برب العالمين، فلذلك استعظمه رسول الله ﷺ .
(٥) ولفظه: " ويحك إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك " فهو رب كل شيء ومليكه، والخير كله بيده، لا مانع لما أعطى، ولامعطي =
стр. 390
وذكر الحديث رواه أبو داود (١) .
ــ
= لما منع، ولا راد لما قضى. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ ١: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٢. وما في أيديهم ملكه يتصرف فيه كيف يشاء، وهو الذي يشفع الشافع إليه، وقد أخرج أبو الشيخ عن أبي وجرة، قال: لما قفل رسول الله ﷺ من غزوة تبوك، أتاه وفد من بني فزارة، فقالوا: يا رسول الله ادع ربك أن يغيثنا، واشفع لنا إلى ربك، ويشفع ربك إليك، فقال رسول الله ﷺ : " ها أنا أشفع إلى ربي، فمن الذي يشفع ربنا إليه؟ لا إله إلا الله العظيم، وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فهي تئط من عظمته، كما يئط الرحل الجديد ".
(١) قال الذهبي: بإسناد حسن. ولفظه: "ويحك أتدري ما الله؟ إن عرشه على سماواته لهكذ ا"، وقال بأصبعه "مثل القبة، وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب"، قال ابن يسار في حديثه "إن الله فوق عرشه، وعرشه فوق سماواته". وفيه إثبات علو الله على خلقه، وأن عرشه فوق سماواته كالقبة، وتفسير سماواته بالعلو كما فسره الصحابة وغيرهم.