← Акыда

Акыда · id 11149

حاشية كتاب التوحيد

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (404 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وحسابه على الله " ١ (١) . وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب (٢) . ــ (١) أي الله ﵎ هو الذي يتولى حسابه، وهو المطلع على السرائر، فإن كان صادقا جازاه بجنات النعيم، وإن كان منافقا عذبه العذاب الأليم. وأما في الدنيا فالحكم على الظاهر، فمن أتى بالتوحيد والتزم شرائعه ظاهرا، وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك. (٢) ترجمة الكتاب فاتحته، وشرحها تفسيرها وتبينها، وتوضيح معناها; وذلك أن ما بعدها فيه ما يبين التوحيد، ويوضح معنى لا إله إلا الله، وفيه بيان أشياء كثيرة من الشرك الأصغر والأكبر، وما يوصل إلى ذلك من الغلو والبدع وتنزيه الرب تعالى عما لا يليق بجلاله، وقد جمع ﵀ في هذا الكتاب على اختصاره من بيان التوحيد ما لم يسبقه إليه سابق، ولا لحقه فيه لاحق، وما لا يعذر أحد عن معرفته، فمن استحضره استغنى به عن غيره في بيان التوحيد، والرد على كل مبتدع.

стр. 72

باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه ١ وقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ (٢) الآية ١. ــ (١) من تبعيضية، ولبس بضم اللام، يعني من الشرك الأصغر المنافي لكمال التوحيد لبس الحلقة. وهي: كل شيء استدار من صفر وغيره، والخيط ونحوهما: كالودعة والتميمة والمسمار والخرزة ونحو ذلك، لرفع البلاء: إزالته بعد نزوله، أو دفعه: منعه قبل نزوله، ويجمع ذلك شيء واحد، وهو الطلب من غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله، واتخاذ تلك الأشياء ونحوها من أعمال الجاهلية، وكانوا يعلقونها على أولادهم ودوابهم، وذلك ينافي التوحيد بالكلية، أو ينافي كماله؛ لأن الشافي الكافي من كل شيء هو الله سبحانه، وطلب الشفاء والبركة بالحلق والخيوط وغيرها هضم لجناب التوحيد، ولبسها على قسمين: اعتقاد أنه سبب، فشرك أصغر، أو يدفع أو ينفع فشرك أكبر؛ لأنه اعتقد أن هنا متصرفا بالنفع والضر غير الله، والمصنف -قدس الله روحه- ابتدأ في تفسير التوحيد، وشهادة أن لا إله إلا الله، بذكر شيء مما يضاد ذلك من أنواع الشرك الأكبر والأصغر، فإن الضد لا يعرف إلا بضده كما قيل: وبضدها تتبين الأشياء. فمن لم يعرف الشرك لم يعرف التوحيد وبالعكس، وقدم الأصغر الاعتقادي ترقيا من الأدنى إلى الأعلى. (٢) أمر الله نبيه ﷺ أن يقول للمشركين: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ﴾ ٢ أي أخبروني عن الذين تدعون من دون الله، وتسألونهم من الأنداد والآلهة: ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ ٣ مرض أو فقر أو بلاء أو شدة: ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ ٤ أي أنتم تعلمون =

стр. 73

عن عمران بن حصين (١) ــ = أنهم لا يقدرون على ذلك أصلا، وتعترفون بذلك، (أو أرادني برحمة) صحة وعافية وخير: ﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ ١ أي أنتم تعلمون أنهم لا يستطيعون شيئا من الأمر، وتعترفون أنهم لا يقدرون على شيء من ذلك، فإذا علمتم أنهم لا يقدرون على ذلك فلم تعلقون عليهم من دون الله، (قل) يا محمد (حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون) أي الله كافي من توكل عليه، والتوكل التفويض والاعتماد، فإذا كانت آلهتهم التي يدعون من دون الله لا قدرة لها على كشف ضر أراده الله بعبده، أو إمساك رحمة أنزلها على عبده، فيلزمهم بذلك أن يكون الله هو معبودهم وحده المفوض إليه جميع أمورهم، لزوما لا محيد لهم عنه. وهذا في القرآن كثير يقيم تعالى الحجة على المشركين بما يبطل شركهم بالله، وتسويتهم غيره به في العبادة، بضرب الأمثال وغير ذلك مما يعلمون به أن ذلك لله وحده، ويقرون به على ما يجحدونه من عبادته وحده، هذا وهم إنما كانوا يدعونها على معنى أنها وسائط وشفعاء عند الله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢ لا على أنهم يكشفون الضر، ويجيبون دعاء المضطر، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ ٣. قال مقاتل: سألهم النبي ﷺ فسكتوا؛ لأنهم لا يعتقدون ذلك فيها، وإذا كان ذلك كذلك بطلت عبادتهم الآلهة مع الله، وإذا بطلت فلبس الحلقة والخيط ونحوهما كذلك. والمصنف ﵀ استدل بالآية النازلة في الأكبر على الأصغر، كما استدل بها ابن عباس وحذيفة وغيرهما، وهذه الآية وأمثالها تبطل تعلق القلب بغير الله في جلب نفع، أو دفع ضر وأن ذلك لا يكون إلا بالله وحده، وأن جميع أنواع العبادة لا يصلح منها شيء لغير الله، كما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وكذلك لا يصلح شيء من أنواع التعلقات بغير الله . (١) ﵁ ابن عبيد بن خلف الخزاعي صحابي ابن صحابي أسلم عام خيبر، وغزا عدة غزوات، وكان صاحب راية خزاعة يوم الفتح، وقال الطبراني: =

стр. 74

" أن رسول الله ﷺ رأي رجلا في يده حلقة من صفر (١) فقال ما هذه؟ قال من الواهنة (٢) . فقال انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا (٣) ، ــ = أسلم قديما هو وأبوه وأخته، وكان ببلاد قومه، ثم تحول إلى البصرة إلى أن مات بها سنة ٥٢هـ. (١) وفي رواية الحاكم: "دخلت على رسول الله ﷺ وفي عضدي حلقة صفر"، فالمبهم في رواية أحمد هو عمران راوي الحديث، والحلقة كان المشركون يجعلونها في أعضادهم، من نحاس أصفر وغيره، يزعمون أنها تحفظهم من أذى العين والجن ونحوهما، وكذا لبس حلقة الفضة للبركة، أو لمنع البواسير، وخواتيم لها فصوص مخصوصة للحفظ من الجن وغيرها. (٢) يحتمل أن الاستفهام للاستفصال عن سبب لبسها، ويحتمل أن يكون للإنكار، قال الشارح: وهو أظهر. ولفظه: "ويحك ما هذه"؟ قال: من الواهنة، والواهنة عرق يأخذ بالمنكب وباليد كلها فيرقى منها، وقيل: مرض يأخذ بالعضد، أو ريح فيه تأخذ الرجال دون النساء، وربما علق عليها جنس من الخرز يقال له خرز العصمة، وإنما نهى عنها لأنها إنما تتخذ لتعصم من الألم، وفيه اعتبار المقاصد. (٣) انزعها بكسر الزاي، وأصل النزع الجذب بقوة والقلع، من نزعت الشيء من موضعه نزعا من باب ضرب، قلعته وانتزعته مثله، أي انبذها عنك. وهو لفظ أحمد، وهو أبلغ، فإنه يتضمن النزع وزيادة، وهو الطرح والإبعاد، وهذا زجر له وإنكار عليه، وقد أخبره ﷺ أنها لا تنفعه بل تضره، وأن هذا الداء الذي لبسها له لا يزول، بل لا تزيده إلا وهنا أي ضعفا، معاملة له بنقيض قصده؛ لأنه علق قلبه بما لا ينفعه ولا يدفع عنه، وكذا كل أمر نهى عنه فإنه لا ينفع غالبا، وإن نفع بعض النفع فضرره أكبر من نفعه، وابتلاء من الله وامتحان. وهكذا =

стр. 75

فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا (١) "١. رواه أحمد بسند لا بأس به (٢) . ــ = شأن الأمور الشركية، ضررها على أصحابها في الدنيا في الغالب والآخرة، وذلك من أجل التفات قلوبهم إلى غير الله) ومن تعلق شيئا وكل إليه، ومن وكل إلى غير الله هلك. وإذا كان هذا في الأصغر الذي يجامع أصل التوحيد، فكيف بالأكبر الذي ينافيه بالكلية. (١) نفى عنه الفلاح لو مات وهي عليه؛ لأنه شرك والحالة هذه، والفلاح من أجمع الكلمات التي نطقت بها العرب، وهو الفوز والظفر والسعادة. وفي رواية: "وكلت إليها". قال المصنف: ((فيه شاهد لكلام الصحابة: أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر، وأنه لم يعذر بالجهالة، والشاهد منه إنكار النبي ﷺ عليه، وأنه دليل على المنع من لبس الحلقة والخيط ونحوهما لذلك، وفيه إنكار المنكرات الشركية حتى إن من العلماء من جعلها ركنا سادسا من أركان الإسلام)) . (٢) وصححه ابن حبان والحاكم وأقره الذهبي، ورواه أيضا بنحوه عن أبي عامر الخراز عن الحسن. وأحمد ﵁ هو ابن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، ناصر السنة، العالم الرباني أبو عبد الله الشيباني المروزي ثم البغدادي، إمام عصره، وأعلمهم بالفقه والحديث، وأشدهم ورعا ومتابعة للسنة. يقول فيه ابن النحاس: ((عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه، أتته الدنيا فأباها، والشبه فنفاها)) . وقال إسحاق بن راهويه: ((هو حجة بين الله وبن عبيده في أرضه)) . حملت به أمه في مرو وولد ببغداد سنة ١٦٤هـ، وطاف البلاد، وسمع من سفيان وبشر ويحيى وهشيم ووكيع وابن مهدي =

стр. 76

وله عن عقبة بن عامر مرفوعا (١) : " من تعلق تميمة فلا أتم الله له (٢) ، ــ = وعبد الرزاق وخلائق لا يحصون، وعنه ابناه وابن المديني والبخاري ومسلم وأبو داود وأبو زرعة وخلائق لا يحصيهم إلا الله ، ذكر الحفاظ بعضهم، وأنه كان يجتمع في مجلسه أكثر من خمسة آلاف، وفضائله سارت بها الركبان، وملأ ذكره الأمصار والبلدان، صنف المسند ثلاثين ألف حديث غير المكرر، والتفسير مائة ألف وعشرين ألفا، والناسخ والمنسوخ، والزهد وغيرها. توفي ﵁ سنة ٢٤١ هـ، وحضر جنازته نحو من ألف ألف وستين ألفا، وقيل أسلم يوم موته عشرون ألفا من اليهود والنصارى. (١) إلى النبي ﷺ وعقبة هو ابن عامر بن عمرو بن عبس بن عمرو بن عدي الجهني، صحابي مشهور فاضل روى كثيرا، وعنه جماعة من الصحابة والتابعين. أحد من جمع القرآن، فصيحا عالما شهد الفتوح وصفين، ولي إمارة مصر ثلاث سنين، ومات قريبا من الستين. (٢) أي علقها عليه أو على غيره من طفل أو دابة ونحو ذلك، متعلقا بها قلبه في طلب خير أو دفع شر، فلا أتم الله له ما قصده، دعاء عليه بنقيض قصده، أن الله لا يتم له أمره، ودعاؤه ﷺ على متعلقها يفيد أنه محرم، وتحريمه يفيد أنه من المحرمات الشركية، وإنما كان شركا لما يقوم بقلبه من التعلق على غير الله، في جلب نفع أو دفع ضر، وكمال التوحيد لا يحصل إلا بترك ذلك، وكانوا يتلمحون من تعليقها تمام أمر من علقت عليه أن يتم له أمره، وذكر التميمة منكرة تعميما، حسما للمادة التي تؤول إلى الشرك. قال المنذري: ((التميمة خرزة كانوا يعلقونها، يرون أنها تدفع عنهم الآفات، وهذا جهل وضلال؛ إذ لا مانع ولا دافع =

стр. 77

ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له (١) "١. وفي رواية: " من تعلق تميمة فقد أشرك " ٢. = غير الله)) . وفي النهاية: ((التمائم جمع تميمة، وهي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم، يتقون بها العين في زعمهم، فأبطله الإسلام)) اهـ. والتمائم أعم من ذلك، فتكون من عظام، ومن خرز، ومن كتابة، ومن غير ذلك. ــ (١) ودعة بفتح فسكون وتفتح، و "لا ودع" بتخفيف الدال أي لا ترك له ما يحب، أو لا جعله في دعة وسكون، بل حرك عليه كل مؤذ، وهذا دعاء عليه أيضا، معاملة له بنقيض قصده، وكانوا يتلمحون من اسمها الدعة والسكون. قال في النهاية: ((الودعة شيء أبيض يجلب من البحر، يعلق في حلوق الصبيان وغيرهم، وقيل يشبه الصدف يتقون به العين)) . وفيه وعيد شديد لمن فعل ذلك، يفيد أنه محرم، وإذا تقرر أنه محرم فالرواية الثانية بينت أنه من المحرمات الشركية، ومع كونه شركا فقد دعا عليه رسول الله ﷺ بنقيض مقصوده، ورواه أبو يعلى والحاكم وقال: صحيح الإسناد. وأقره الذهبي. (٢) وذلك " أن رسول الله ﷺ أقبل عليه رهط فبايع تسعة وأمسك عن واحد، فقالوا: يا رسول الله بايعت تسعة وأمسكت عن هذا؟ فقال: "إن عليه تميمة"، فأدخل يده فقطعها فبايعه، وقال: من تعلق تميمة فقد أشرك " ٣. رواه أحمد من حديث عقبة بن عامر. ورواه الحاكم بنحوه، ورواته ثقات. وإنما جعلها ﷺ شركا؛ لأنه أراد رفع القدر المكتوب، وطلب دفع الأذى من غير الله تعالى الذي هو النافع الضار، والتعلق يكون بالفعل أو بالقلب أو بهما، وإنما كان شركا من جهة تعلق القلب على غير الله في جلب نفع أو دفع ضر، فكان شركا من هذه الحيثية. قال الشيخ: من تعلق قلبه بمخلوق فالمخلوق عاجز، وهو من الشرك الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة، وذلك أن يرجو العبد قضاء حاجته من غير ربه =

стр. 78

ولابن أبي حاتم عن حذيفة (١) أنه " رأي رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه (٢) ، ــ = وصرف القلب عن التعلق بالمخلوق بمعرفة ألا خالق إلا الله، فلا يستقل سواه بإحداث أمر من الأمور بل ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فإذا تحقق العبد ذلك كان سببا لأن ينال مطلوبه. (١) ﵁ ابن اليمان بن حسل، ويقال حسيل بن جابر بن ربيعة العبسي، حليف الأنصار، صحابي جليل ابن صحابي من السابقين، أصاب أبوه دما فهرب إلى المدينة فحالف بني عبد الأشهل، فسماه قومه اليمان؛ لكونه حالف اليمانية، وأراد شهود بدر فصده المشركون، وشهد أحدا فاستشهد أبوه بها لما هزم المسلمون وصاح الشيطان أخراكم، فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم، فإذا هو بأبيه، فقال: أي عباد الله أبي أبي، فما احتجزوا عنه حتى قتلوه، فقال حذيفة: غفر الله لكم، صاحب سر رسول الله ﷺ . روى مسلم أنه أخبره بما كان وما يكون حتى تقوم الساعة، واستعمله عمر على المدائن، فلم يزل بها حتى توفي سنة ٣٦ هـ. وابن أبي حاتم هو أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر، الرازي الحنظلي التميمي، الإمام الحافظ الثبت صاحب الجرح والتعديل، والعلل، والتفسير، وغيرها، روي عن أبي سعيد الأشج، ويونس ابن عبد الأعلى وطبقتهما، مات سنة ٣٢٧ هـ. (٢) أي عن الحمى، وكان الجهال يعلقون الخيوط والتمائم، يزعم أحدهم أنها لا تصيبه الحمى إذا لبس ذلك أولا تضره، ولفظه: " دخل حذيفة على مريض، فرأى في عضده سيرا فقطعه وانتزعه ". وروى وكيع عن حذيفة أنه " دخل على مريض يعوده فلمس عضده، فإذا فيه خيط، فقال: ما هذا؟ قال: شيء رقي لي فيه، فقطعه وقال: لو مت وهو عليك ما صليت عليك ". وفيه وجوب إزالة المنكر =

стр. 79

وتلا قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (١) . ــ = مع القدرة على ذلك، وإن كان يعتقد أنه سبب، فإنه لا يجوز من الأسباب إلا ما أباحه الله، مع عدم الاعتماد عليه، وأن تعليق الخيوط والحروز والطلاسم والتمائم ونحو ذلك شرك يجب إنكاره، وإزالته بالقول والفعل، وإن لم يأذن فيه صاحبه، بل يفيد شرعية المثابرة في قطع المنكرات، والمبادرة إلى إزالتها بلا ممالأة لأحد؛ لقوله ﵊: " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان " ١. هذا حكم ما يوجد من المنكرات، وأهمها الأمور الشركية. (١) قال ابن عباس: " تسألهم من خلقهم؟ فيقولون الله، وهم مع ذلك يعبدون غيره " وفي استدلال حذيفة بهذه الآية على أنه شرك، دليل على صحة الاستدلال على الشرك الأصغر بما نزل في الأكبر؛ لشمول الآية النوعين، ودخوله في مسمى الشرك. ودليل على صحة استدلال المصنف بالآية أول الباب، وكمال علم الصحابة بالتوحيد، وما ينافيه أو ينافي كماله.

стр. 80

باب ما جاء في الرقى والتمائم (١) في الصحيح عن أبي بشير الأنصاري (٢) أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره (٣) " فأرسل رسولا (٤) أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر (٥) ــ (١) أي من النهي عما لا يجوز من ذلك، وذكر ما ورد عن السلف في ذلك، ولم يجزم بكونهما من الشرك؛ لأن فيهما تفصيلا. (والرقى) جمع رقية، وهي العوذة التي يرقى بها صاحب الآفة كالحمى والصرع. (والتمائم) جمع تميمة، خرزات كانت العرب تعلقها على أولادها يتقون بها العين في زعمهم، ويتلمحون من اسمها أنه يتم لهم مقصودهم فأبطلها الشرع. (٢) ﵁ بفتح الباء وكسر الشين قال ابن سعد: اسمه قيس بن عبد الله، ويقال: ابن عبيد بن الحريث بمهملتين مصغر الحارث، ابن عمرو بن الجعد الساعدي، ويقال المازني، من بني مازن بن النجار. وقال ابن عبد البر وغيره: لا يوقف له على اسم صحيح، شهد الخندق وأحدا وهو غلام، روى عنه عباد وعمارة وغيرهما، ومات بعد الستين، ويقال إنه جاوز المائة، وحديثه في الصحيحين وغيرهما. (٣) قال الحافظ: ((لم أقف على تعيينه)) . (٤) هو زيد بن حارثة كما رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده. (٥) يبقين بالياء المثناة والقاف المفتوحتين، ويحتمل أن يكون بضم الياء وكسر القاف. و "قلادة" فاعل على الأول، ومفعول على الثاني، وهي ما يعلق في رقبة البعير وغيره، من وتر ونحوه، والبعير يقع على الذكر والأنثى، وجمعه أبعرة =

стр. 81

أو قلادة إلا قطعت (١) "١. وعن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الرقى والتمائم والتولة شرك " (٢) رواه أحمد وأبو داود ٢. ــ = وأباعر وبعران. والوتر بفتحتين واحد أوتار القوس، وكان أهل الجاهلية إذا اخلولق الوتر أبدلوه بغيره، وقلدوه الدواب، اعتقادا منهم أنه يدفع عن الدابة العين، ويدفع عنهم المكاره، فنهاهم النبي ﷺ وأخبرهم أنها لا ترد من أمر الله شيئا. (١) شك الراوي هل قال شيخه: "قلادة من وتر"، أو قال: "قلادة" وأطلق ولم يقيد. وروي عن مالك أنه سئل عن القلادة فقال: ما سمعت بكراهتها إلا في الوتر. ولأبي داود: "ولا قلادة" بغير شك، فتكون أو بمعنى الواو. قال البغوي: تأول مالك أمره ﵊ بقطع القلائد على أنه من أجل العين، وذلك أنهم كانوا يشدون تلك الأوتار والتمائم والقلائد، ويعلقون عليها العوذ، يظنون أنها تعصمهم من الآفات، فنهاهم النبي ﷺ عنها، وأعلمهم أنها لا ترد من أمر الله شيئا. ووجه الدلالة من الحديث أن الأوتار والتمائم في الحكم شيء واحد، ويؤيده قوله: " من تعلق تميمة فلا أتم الله له "٣. (٢) ولفظه عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود، أن " عبد الله رأى في عنقي خيطا فقال: ما هذا؟ قلت: خيط رقي لي فيه. قالت: فأخذه ثم قطعه، ثم قال: أنتم آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك". فقلت: لقد كانت عيني تقذف، وكنت أختلف إلى فلان اليهودي، فإذا رقي سكنت، فقال عبد الله: إنما ذلك عمل الشيطان، كان ينخسها بيده، فإذا رقي كف عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله ﷺ يقول: أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي =

стр. 82

وعن عبد الله بن عكيم مرفوعا (١) : " من تعلق شيئا وُكِل إليه " ١. رواه أحمد والترمذي (٢) . ــ = لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما ". ورواه ابن ماجه وابن حبان والحاكم وقال: صحيح، وأقره الذهبي. والمراد بالرقى المنهي عنها ما كان من جنس رقى الجاهلية، والتمائم ما يعلق على الحيوانات، من خرز ونحوه، ويأتي التفصيل فيهما. والتولة ممنوعة مطلقا إجماعا، قال الحافظ: التولة بكسر التاء وفتح الواو، شيء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها، وهو ضرب من السحر، وإنما كان من الشرك لما يراد به من دفع المضار، وجلب المنافع من غير الله تعالى. وقال علي ﵁: " إن كثيرا من هذه الرقى والتمائم شرك فاجتنبوها ". رواه وكيع، والإمام أحمد ﵀ تقدمت ترجمته. وأبو داود هو الإمام الحافظ سليمان بن الأشعث ابن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو بن عمران الأزدي السجستاني صاحب الإمام أحمد، صنف السنن والمراسيل وغيرها. ولد سنة ٢٠٢ هـ، وتوفي في شوال بالبصرة سنة ٢٧٥هـ. (١) عكيم بضم العين المهملة مصغر، ويكنى أبا معبد الجهني الكوفي، مخضرم. قال البخاري وغيره: أدرك زمن النبي ﷺ ولا يعرف له سماع صحيح، ذكر أنه جاء كتاب رسول الله ﷺ إلى جهينة قبل وفاته بشهر، قال الخطيب: سكن الكوفة، وقدم المدينة في حياة حذيفة، وكان ثقة، روى عنه ابن أبي ليلى وابن وهب والوزان وغيرهم، مات في إمرة الحجاج. (٢) وقال: حسن غريب، وأبو داود والنسائي وغيرهما من طرق، والتعلق يكون بالقلب، ويكون بالفعل، ويكون بهما جميعا، فمن تعلق شيئا وكله الله إلى ذلك الشيء الذي تعلقه، فمن تعلق بالله وأنزل حوائجه به والتجأ إليه، وفوض أمره إليه كفاه، ومن تعلق بغيره، أو سكن إلى رأيه وعقله ودوائه وتمائمه =

стр. 83

التمائم شيء يعلق على الأولاد من العين (١) ، لكن إذا كان المعلق من القرآن فرخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود ﵁ (٢) . ــ = ونحو ذلك، وكله الله إلى ذلك وخذله، وهذا أمر معروف بالنصوص والتجارب: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ١. وأخرج أحمد عن وهب: أوحى الله إلى داود: " يا داود أما وعزتي وعظمتي، لا يعتصم بي عبد من عبادي دون خلقي، أعرف ذلك من نيته، فتكيده السماوات السبع ومن فيهن، والأرضون السبع ومن فيهن، إلا جعلت له من بينهن مخرجا، أما وعزتي وعظمتي، لا يعتصم عبد من عبادي بمخلوق دوني، أعرف ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماء من يديه، وأسخت الأرض من تحت قدميه، ثم لا أبالي بأي أوديتها هلك ". وشاهده في الكتاب والسنة. والأشياء التي يتعلق بها على قسمين: الأول: ما هو سبب، فهذا ينظر هل أباحه الشرع أو لا؟. القسم الثاني: ما ليس بسبب، فلا يتعلق به بالكلية، والذي يتعلق به يشترط فيه شرطان: أحدهما: أن يتحقق أنه سبب. والثاني: أن يكون مباحا. (١) وكذا قال الخلخالي وغيره: التمائم جمع تميمة، وهي ما يعلق بأعناق الصبيان، من خرزات وعظام لدفع العين، وهذا منهي عنه؛ لأنه لا دافع إلا الله، ولا يطلب دفع المؤذيات إلا بالله وأسمائه وصفاته. (٢) لأن النهي عام، وأما تخصيصه بغير تمائم القرآن فتخصيص بغير مخصص، وقد اختلف السلف في تعليق التمائم التي من القرآن وأسماء الله وصفاته، فروي عن بعضهم تجويز ذلك، منهم عبد الله بن عمرو وأحمد في رواية، وحملوا الحديث على التمائم التي فيها شرك. وقال بعضهم: لا يجوز ذلك، وهو قول ابن مسعود وابن عباس وعقبة وأحمد في رواية اختارها الأكثر؛ لهذا الحديث وما في معناه =

стр. 84

والرقى هي التي تسمى العزائم (١) ، وخص منه الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخص فيه رسول الله ﷺ من العين والحمة (٢) . ــ = وصححه الشارح لوجوه: (الأول) عموم النهي ولا مخصص للعموم. (والثاني) أنه إذا علق فلا بد أن يمتهنه المعلق بحمله معه في حال قضاء الحاجة وغيرها من الحالات القذرة. (والثالث) سد الذريعة، فإنه يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك، ولو لم يكن إلا هذه العلة وحدها لكفى بها حجة في المنع، سدا لذرائع الشرك. (والرابع) أنه ﷺ قد كان يرقى ورقي، فلو كان تعليق تمائم القرآن جائزا لأمر به. وليس في كتاب الله تعالى، ولا سنة رسوله ﷺ ما يدل على إجازة تعليق شيء من القرآن، ولا ثبت عن أحد من الصحابة المقتدى بهم تجويزه ولا فعله مع توفر الدواعي إليه، وما ذاك إلا لأنه ينافي التوكل والإخلاص، ولعل عبد الله بن عمرو يعلقه في الألواح، لا أنه تميمة. (١) واحدتها عزيمة وهي الرقية، وعزم الراقي قرأ العزائم، أو العزائم آيات من القرآن تقرأ على ذوي العاهات، وقيل أنواع منها ما ينفث به على المريض، وما يجعل في ماء ويسقاه المريض، ومنها هذه العزائم التي تكتب في صحن ونحوه. (٢) يشير إلى أن الرقى الموصوفة بكونها شركا هي التي يستعان فيها بغير الله، من دعاء غير الله، والاستغاثة والاستعاذة به، كالرقى بأسماء الملائكة والأنبياء والجن ونحو ذلك، وأما الرقى بالقرآن وأسماء الله وصفاته وما أثر عن النبي ﷺ فهذا حسن جائز، أو مستحب كما تقدم، وفي صحيح مسلم عن عوف بن مالك: " كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: "اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا" ١. قال الخطابي: وقد رقى ورقي، وأمر بها وأجازها، فإذا كانت بالقرآن وبأسماء الله فهي مباحة =

стр. 85

والتولة شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته (١) . وروى الإمام أحمد عن رويفع (٢) قال: قال لي رسول الله ﷺ : " يا رويفع لعل الحياة ستطول بك (٣) ، ــ = أو مأمور بها، وإنما جاء المنع فيما كان بغير لسان العرب، فإنه ربما كان كفرا، أو قولا يدخله الشرك. قال شيخ الإسلام: كل اسم مجهول فليس لأحد أن يرقى به فضلا عن أن يدعو به، ولو عرف معناه، وإنما يرخص لمن لا يحسنها، فأما جعل الألفاظ الأعجمية شعارا، فليس من دين الإسلام. قال السيوطي: أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: أن تكون من كلام الله وبأسمائه وصفاته، وباللسان العربي وما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بتقدير الله تعالى. (١) وكذا قال غيره، وبهذا فسره ابن مسعود ﵁ راوي الحديث، كما في صحيح ابن حبان والحاكم، قالوا: " يا أبا عبد الرحمن، هذه الرقى والتمائم قد عرفناها، فما التولة؟ قال: شيء تصنعه النساء يتحببن به إلى أزواجهن " وتقدم قول الحافظ، أنه من الشرك؛ لما يراد به من دفع ضر، أو جلب نفع من غير الله تعالى، وتسمى الصرف والعطف. (٢) هو ابن ثابت بن السكن بن عدي بن الحارث، من بني مالك بن النجار الأنصاري، له ثمانية أحاديث، نزل البصرة، وولي برقة وطرابلس، فافتتح أفريقية سنة ٤٧ هـ، وتوفي ببرقة سنة ٥٦ هـ، والحديث رواه أبو داود من طريقين، والنسائي وغيرهما. (٣) فيه علم من أعلام نبوته ﷺ ؛ فإن رويفعا طالت حياته إلى سنة ٥٦ هـ.

стр. 86

فأخبر الناس (١) أن من عقد لحيته (٢) ، أو تقلد وترا (٣) ، أو استنجى برجيع دابة أو عظم (٤) ، ــ (١) فيه دليل وجوب إخبار الناس بما أمروا به ونهوا عنه، مما يجب فعله أو تركه، وليس مختصاً برويفع، بل كل من كان عنده علم ليس عند غيره مما يحتاج إليه الناس وجب إعلامهم به. فإن الله قد أخذ العهد على العلماء، فإن اشترك هو وغيره في علم ذلك فالتبليغ فرض كفاية. (٢) بكسر اللام لا غير، والجمع لحى بالكسر والضم، ويفسر على وجهين: (أحدهما) ما كانوا يفعلونه في الحرب، يعقدون لحاهم، وذلك من زي الأعاجم يفتلونها ويعقدونها تكبرا وعجبا. (والثاني) معالجة الشعر ليتعقد ويتجعد، وذلك من فعل أهل التأنيث. قال ابن العراقي: والأولى حمله على عقد اللحية في الصلاة، كما في رواية محمد بن الربيع: "أن من عقد لحيته في الصلاة"، ويشبه هذا ما يفعله كثير من أهل الفسق والكبر، من فتل أطراف الشوارب وإبقائها مخالفة لما ثبت عنه ﷺ في الصحيحين وغيرهما أنه قال: " أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى " ١. (٣) أي جعله قلادة في عنقه أو عنق دابته، وهذا الشاهد للترجمة، وفيه مع ما تقدم أنه شرك لما كانوا يقصدونه بتعليقه على الدواب وغيرها. وفي رواية محمد بن الربيع: " أو تقلد وترا يريد تميمة " ٢. وكل دليل يصلح في الأوتار يصلح أن يكون دليلا في التمائم وبالعكس. (٤) الرجيع العذرة والروث، سمي رجيعا لأنه يرجع من حالته الأولى بعد أن كان طعاما أو علفا، أي أزال النجو به أو بعظم. وفي صحيح مسلم: " لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام؛ فإنها زاد إخوانكم من الجن " ٣. والاستنجاء بها كبيرة، وظاهر المذهب لا يجزئ، وفي الحديث "إنهما لا يطهران".

стр. 87

فإن محمدا بريء منه (١) " ١. وعن سعيد بن جبير قال: " من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة (٢) ". رواه وكيع (٣) . وله عن إبراهيم: " كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن " (٤) . ــ (١) وعيد شديد، ويدل على أنه من الكبائر تبرؤه ﷺ ممن فعل هذه الأمور الأربعة وإجراء أحاديث الوعيد على ظاهرها أبلغ في الزجر، ولا يجوز صرفها عن ظاهرها بالتأويل. (٢) أي كان له مثل ثواب من أعتق رقبة لأنه مستعبد للشيطان، فإذا قطعها أعتقه من أسر الشيطان، ففيه فضل قطع التمائم وأنها شرك، ومثل هذا الأثر لا يقال بالرأي، وقال الشارح: له حكم الرفع، وهو مرسل تابعي، وألحق ابن العربي بالصحابة ما يجيء عن التابعي مما لا مجال للاجتهاد فيه، فنص على أنه في حكم المرفوع، وذكر أنه مذهب مالك والأكثر على خلافه. ووكيع هو ابن الجراح ابن وكيع بن مليح بن عدي الرؤاسي أبو سفيان، الثقة الحافظ العابد الكوفي، قال الإمام أحمد: ((ما رأيت أوعى للعلم، ولا أحفظ منه)) . وقال ابن معين: ((ما رأيت أفضل منه)) . صاحب تصانيف، منها الجامع وغيره، روى عنه الإمام أحمد وطبقته، وكان من كبار التاسعة مات سنة ١٩٧ هـ. (٣) أي ولوكيع بن الجراح عن إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود بن عمرو ابن ربيعة بن ذهل النخعي الكوفي الثقة الفقيه، مفتي أهل الكوفة، من كبار الفقهاء، روى عن الأسود وعبد الرحمن ابني يزيد ومسروق وعلقمة وغيرهم. وعن عائشة ولم يثبت سماعه منها، وعنه الأعمش وحماد وخلق، مات سنة ٩٦ هـ، وله ٥٠ سنة، ومراده ﵀ أصحاب عبد الله بن مسعود: كعلقمة والأسود وأبي وائل والحارث ابن سويد وعبيدة السلماني ومسروق والربيع بن خثيم وسويد بن غفلة وغيرهم من سادات التابعين. (٤) وهذه الصيغة يستعملها إبراهيم في حكاية أقوالهم، وفي زمانهم كانوا يطلقون الكراهة على المحرم. وصححه الشارح؛ لأن ما كان من غير القرآن قد تقدم النهي عنه، وما كان من القرآن فإنه يتعين النهي عنه أيضا لما تقدم.

стр. 88

باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما (١) وقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ (٢) الآيات ١. ــ (١) أي وما يشبههما كبقعة ومغارة وزاوية وقبر ومشهد وموطئ وأثر ونحو ذلك. و (من) اسم شرط، والجواب محذوف تقديره: فقد أشرك بالله. ويحتمل أن (من) موصولة فيكون معناها باب بيان حكم من تبرك بالأشجار والأحجار ونحوها، وما يترتب عليه من الوعيد، وحكمه أنه مشرك الشرك الأكبر؛ لكونه تعلق على غير الله في حصول البركة من غيره، وإن كان الله جعل فيه بركة. والتبرك طلب البركة ورجاؤها واعتقادها، أو عائدة وأمل بركة تعود إليه من جهتها، من جلب نفع أو دفع ضر. وتبرك به تيمن وفاز منه بالبركة، واستبرك به تفاءل بالبركة، والبركة النماء والزيادة. (٢) أي هل نفعت أو ضرت، يعني أنتم تعلمون أن ذلك ليس إليها، فلم تعبدونها وتجعلونها شركاء لله؟ وهذه الأوثان الثلاثة هي أعظم أوثان الجاهلية من أهل الحجاز، ولهذا نص عليها بأعيانها، وإلا ففي الحجاز أوثان غيرها، لكن خص هذه الثلاثة بالذكر؛ لأنها أكبر أصنام العرب إذ ذاك، فصارت الفتنة بها أشد. فأما اللات فقرئ بالتخفيف والتشديد، فعلى الأولى قالوا: هي صخرة بيضاء منقوشة، عليها بيت بالطائف، وعلى الثانية قال ابن عباس: " رجل كان يلت السويق للحاج، فمات فعكفوا على قبره ". ولا منافاة بين عبادتهم الصخرة أو قبره. وأما العزى فكانت شجرة سمر عليها بناء وأستار بنخلة الشامية المسماة بالمضيق بين مكة والطائف، كانت قريش تعظمها، كما قال أبو سفيان يوم أحد: لنا العزى إلخ. ولما فتح رسول =

стр. 89

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = الله ﷺ مكة بعث إليها خالدا فقطع الشجرة وهدم البيت، ثم قال له النبي ﷺ : "ارجع فإنك لم تصنع شيئا"، فلما رجع وجد امرأة عريانة ناشرة شعرها، تحفن التراب على وجهها فقتلها، فقال ﷺ : "تلك العزى". وأما مناة فكانت بالمشلل عند قديد بين مكة والمدينة. قال الشيخ: ((كانت لأهل المدينة، ومن قال: إنها لغطفان؛ فلأنها كانت تعبدها، وهي في جهتها)) اهـ. وكانت خزاعة والأوس والخزرج يعظمونها، ويهلون منها للحج، فبعث النبي ﷺ عليا فهدمها يوم الفتح. ومناسبة الآية للترجمة أن عبادة المشركين لها إنما كانت بالتفات القلوب رغبة إليها في حصول ما يرجونه ببركتها، من نفع أو دفع ضر، فصارت أوثانا تعبد من دون الله، فالتبرك بقبور الصالحين كاللات، وبالأشجار والأحجار كالعزى ومناة، من جنس فعل أولئك المشركين مع تلك الأوثان، فمن فعل مثل ذلك فقد ضاهى عباد هذه الأوثان فيما كانوا يفعلونه معها من هذا الشرك، مع أن الواقع من هؤلاء المشركين مع معبوديهم أعظم مما وقع من أولئك، قال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى﴾ ١. أي كيف تجعلون هذه الإناث أندادا لله وتسمونها آلهة، وذلك أنهم اشتقوا اسم اللات من الإله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. وقيل: أتجعلون لكم ما تحبون وهم الذكور، وتجعلون لله الإناث؟ وهذا من قولهم: الملائكة بنات الله: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ ٢. أي جور وباطل ﴿إِنْ هِيَ﴾ يعني ألوهية هذه الأوثان: ﴿إِلاَّ أَسْمَاءٌ﴾ أي مجرد تسمية: ﴿سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ ٣ من تلقاء أنفسكم: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ ٤ أي من حجة وبرهان، وتسمية الحجة سلطانا لما فيها من السلطة على القلوب والعقول، بالمصير لقبول المدلول: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾ ٥ أي ليس لهم مستند إلا حسن ظنهم بآبائهم الذين سلكوا هذا المسلك الباطل قبلهم: ﴿وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ﴾ ٦ فنهاية برهانهم مبني على أمرين: فساد العلم، وفساد الإرادة. وكل فساد في الوجود من الشرك فما دونه دائر على فساد العلم وفساد الإرادة أو هما جميعا، كما أنه لا استقامة إلا لمن عنده علم =

стр. 90

عن أبي واقد الليثي (١) قال: " خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين (٢) ونحن حدثاء عهد بكفر (٣) ، وللمشركين سدرة يعكفون عندها (٤) ــ = صحيح وإرادة صحيحة.: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ ١ أرسل إليهم الرسل بالحق المنير، والحجة القاطعة بإبطال عبادتها، وفي هذه الآيات من الدلائل القطعية على بطلان عبادة هذه الطواغيت وأشباهها مما لا مزيد عليها. (١) واسمه الحارث بن عوف، صحابي مشهور أسلم قبل الفتح، وكان يحمل لواء بني ليث وضمرة وسعد بن بكر يوم الفتح، وخرج إلى مكة فجاور بها سنة ومات سنة ٦٨ هـ، وله ٨٥ سنة. (٢) وفي حديث عمرو بن عوف عند الحاكم وغيره: غزونا مع رسول الله ﷺ يوم الفتح، ونحن ألف ونيف حتى إذا كنا بين حنين والطائف إلخ. وحنين واد بشرقي مكة، بينه وبينها بضعة عشر ميلا، قاتل فيه رسول الله ﷺ هوازن بعد الفتح، والقصة مشهورة. (٣) أي قريب عهدنا بالكفر؛ لأنه ممن أسلم يوم الفتح، يشير إلى أهل مكة الذين أسلموا قريبا، فلذلك خفي عليهم هذا الشرك; ولهذا اعتذروا مما صدر منهم. قال المصنف: ((فيه أن غيرهم لا يجهله ذلك، وأن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يؤمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة)) . (٤) أي يلبثون ويقيمون عندها ويعظمونها. والعكوف هو البقاء واللبث والإقامة على الشيء في المكان، عبادة وتعظيما وتبركا؛ وإنما عكفوا عندها لما كانوا يأملونه فيها من البركة، كما يعكف عباد القبور اليوم عندها ويجاورون، وتدفع الصدقات والنذور لتلك القبور، وفي حديث عمرو بن عوف قال: كان يناط بها السلاح =

стр. 91

وينوطون بها أسلحتهم (١) ، يقال لها: ذات أنواط (٢) ، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط (٣) ، فقال رسول الله ﷺ : الله أكبر إنها السنن (٤) ــ = فسميت ذات أنواط، وكانت تعبد من دون الله، فلما رآها رسول الله ﷺ صرف عنها في يوم صائف إلى ظل هو أدنى منها إلخ. فيجمع بينهما بأن عبادتها هي العكوف عندها رجاء لبركتها. (١) أي يعقلونها عليها لتنالهم بركتها، فعبادتهم لها بالتعظيم والعكوف والتبرك، وبهذه الثلاثة العكوف والتعظيم والتبرك عبدت الأوثان من دون الله، ولفظ ابن إسحاق وغيره: "وكانت لقريش شجرة خضراء عظيمة، يأتونها كل سنة فيعلقون عليها سلاحهم، ويعكفون عندها ويذبحون لها ". (٢) جمع نوط وهو مصدر، سمي به المنوط، وإنما سميت بذلك لكثرة ما يناط بها من السلاح. وفي رواية: " فتنادينا من جانبي الطريق، ونحن نسير إلى حنين يا رسول الله اجعل لنا " إلخ. (٣) سألوه أن يجعل لهم شجرة مثلها يتبركون بها، ويعلقون عليها أسلحتهم، ويعكفون عندها، ظنا منهم أن هذا أمر محبوب عند الله، وأنه ﷺ لو جعل لهم مثل ذلك لجاز اتخاذها لحصول البركة، فطلبوه من النبي ﷺ ، وإلا فهم أجل قدرا من أن يقصدوا مخالفة النبي على الله عليه وسلم. (٤) أي الله أجل وأعظم، صيغة تعجب، وإن كان إجلالا لله وتنزيها له عما لا يليق بجلاله وعظمته، ومما لا يليق بجلاله وعظمته أن يتخذ شجرة يطلب منها البركة. "إنها السنن" يعني سلكتم كما سلك الذين من قبلكم السنن المذمومة، والسنن بضم السين الطرق، والمراد تقليد من تقدمهم من أهل الشرك، وفي رواية: "سبحان الله" =

стр. 92

قلتم، والذي نفسي بيده كما قالت بنوا إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، (١) قال: إنكم قوم تجهلون (٢) ــ = والمراد تعظيمه تعالى، وتنزيهه أن يشرك معه أحد في عبادته. وكان النبي ﷺ يستعمل التسبيح والتكبر في حال التعجب، تعظيما لله وتنزيها له سبحانه إذا سمع من أحد ما لا يليق به سبحانه، مما فيه هضم للربوبية، وتنقص في الألوهية، وهكذا ينبغي لكل مسلم أن يسبح ويكبر إذا سمع ما لا ينبغي أن يقال في الدين. (١) أي اجعل لنا مثالا نعبده كما لهم آلهة، ولم يكن ذلك شكا منهم في وحدانية الله تعالى، وإنما معناه اجعل لنا شيئا نعظمه، ونتقرب به إلى الله. وشبه ﷺ مقالتهم هذه بقول بني إسرائيل، بجامع أن كلا طلب أن يجعل له ما يألهه ويعبده من دون الله، وإن اختلف اللفظان فالمعنى واحد. فتغيير الاسم لا يغير الحقيقة، فدل على أن التبرك بالأشجار والأحجار شرك أكبر، لتسويته ﷺ بين مقالتهم ومقالة بني إسرائيل، وحلف ﷺ على ذلك وإن لم يستحلف مزيد تحذير وكمال شفقة، وتأكيدا لهذا الخبر وتعظيما له، فإن التبرك بالأشجار والأحجار يجعلها آلهة وإن لم يسموها آلهة، فما يفعله من يعتقد فيها من التبرك بها، والعكوف عندها، والذبح لها هو الشرك الأكبر وإن سمى عمله ما شاء من الأسماء. فأهل هذه الأزمنة يسمون شركهم توسلا وتشفعا وهو من أعظم الشرك. (٢) يعني عظمة الله: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾ ١ أي هالك وباطل مضمحل وزائل ما كانوا يعملونه من عبادة الأصنام، ولم يكفروا بطلبهم لأنهم حدثاء عهد بالإسلام، ولأنهم لم يفعلوا. وإسرائيل: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل، أبو الأسباط الاثني عشر، كان في القرن التاسع عشر قبل المسيح، وغالب بني إسرائيل هم اليهود، ومعنى إسرائيل عبد الله، وكذا كل اسم فيه إيل.

стр. 93

لتركبن سنن من كان قبلكم " (١) . رواه الترمذي وصححه (٢) . ــ (١) بضم السين، أي لتتبعن أنتم أيها الأمة طرق اليهود والنصارى ومناهجهم وأفعالهم، ويجوز فتح السين على الإفراد، أي طريقهم، وقد وقع كما أخبر ﷺ فركبوا طرق من كان قبلهم. وفي الصحيحين: " لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة " ١ الحديث، وفي رواية: " لتتبعن سنن من كان قبلكم، شبرا بشبر وذراعا بذراع "٢. وهو خبر معناه الذم، وفيه علم من أعلام النبوة. وأن الشرك لا بد أن يقع في هذه الأمة، وفيه الخوف منه، وأن الإنسان قد يستحسن شيئا يظنه يقربه إلى الله وهو أبعد ما يبعده. وفيه النهي عن التشبه بأهل الجاهلية وأهل الكتاب فيما كانوا يفعلونه، إلا ما دل الدليل على أنه من شرعنا، وأن ما ذم الله به اليهود والنصارى أنه لنا، فإنما قاله لنا لنحذره، فلا يجوز التبرك بالصالحين؛ لأن الصحابة لم يكونوا يفعلونه مع غير النبي ﷺ لا أبي بكر ولا غيره، ولا فعله التابعون مع قاداتهم في العلم والدين، وللنبي ﷺ في حال حياته خصائص كثيرة، لا يصلح أن يشاركه فيها غيره، فلا يجوز أن يقاس عليه أحد من الأئمة لعدم المقاربة فضلا عن المساواة له ﷺ في الفضل والبركة، وعدم تحقق الصلاح فإنه لا يتحقق إلا بصلاح القلب، ولو ظننا صلاح شخص فلا نأمن أن يختم له بخاتمة سوء، ولأنه لا يؤمن أن يفتنه وتعجبه نفسه، ولا يتبرك بالكعبة ولا غيرها، سدا لذريعة الشرك، بل تنازع الفقهاء في وضع اليد على منبره ﷺ لما كان موجودا، فكرهه مالك وغيره لأنه بدعة، وذكر أنه لما رأى عطاء فعله لم يأخذ عنه العلم. (٢) وقال: وفي الباب عن أبي سعيد وأبي هريرة، ورواه أحمد وأبو يعلى وابن أبي شيبة والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن إسحاق وابن عيينة وابن أبي حاتم والطبراني وغيرهم بنحوه.

стр. 94

باب ما جاء في الذبح لغير الله (١) وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ ــ﴾ ١ الآية (٢) . ــ (١) أي من الوعيد على ذلك، وبيان أنه شرك أكبر ناقل عن الملة؛ لأنه عبادة من أجل العبادات، وقربة من أفضل القربات المالية، فصرفه لغير الله شرك، كمن يذبح لقبر أو شجرة أو حجر أو ملك أو نبي أو جني أو لطلعة سلطان أو للزيران أو غير ذلك. (٢) أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين، الذين يعبدون غير الله، ويذبحون لغيره: ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ ٢ أي ذبحي، والناسك المخلص لله ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ أي ما أحيا عليه وما أموت عليه، من الإيمان والعمل الصالح لله رب العالمين خالصا لوجهه: ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ في شيء من ذلك، ولا في غيره من أنواع العبادة، فالصلاة أجل العبادات البدنية، والنسك أجل العبادات المالية، فمن صلى لغير الله فقد أشرك، ومن ذبح لغير الله فقد أشرك، ومطابقة الآية للترجمة أن الله تعبد عباده بأن يتقربوا إليه بالنسك، كما تعبدهم أن يتقربوا إليه بالصلاة، وإذا تقربوا إلى غيره بالذبح فقد جعلوا له شريكا في عبادته، وهو ظاهر في قوله: ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ نفى أن يكون لله شريك في هذه العبادات. وقوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٣ أي من هذه الأمة؛ لأن إسلام كل نبي متقدم على قومه، فدلت هذه الآية أن أقوال العبد وأفعاله الظاهرة والباطنة لا يجوز صرف شيء منها لغير الله، ومن صرف منها شيئا لغير الله فقد أشرك، والقرآن كله يدل على ذلك.

стр. 95

وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ١ (١) . عن علي ﵁ قال: حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: (٢) " لعن الله من ذبح لغير الله (٣) ، ــ (١) يعني لا لغيره، قال شيخ الإسلام: أمره الله أن يجمع بين هاتين العبادتين، وهما الصلاة والنسك، الدالتان على القرب والتواضع والافتقار وحسن الظن، وقوة اليقين وطمأنينة القلب إلى الله وإلى ما أعده، عكس حال أهل الكبر والنفرة، وأهل الغنى عن الله، الذين لا حاجة لهم إلى ربهم، ولا ينحرون له خوفا من الفقر. ولهذا جمع بينهما في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ ٢ والنسك الذبيحة لله ابتغاء وجهه، فالصلاة أجل ما يتقرب به إلى الله، وما يجتمع للعبد في الصلاة من الخشوع والذل والإقبال لا يجتمع له في غيرها، كما يعرفه أهل القلوب الحية، وما يجتمع له عند النحر إذا قارنه الإيمان والإخلاص من قوة اليقين، وحسن الظن أمر عجيب، فإنه إذا سمحت نفسه بالمال لله مع وقعه في النفس، ثم أذاق الحيوان الموت مع محبته له، صار بذلك أفضل من بذل سائر الأموال، فدل على أنه عبادة من أفضل العبادات، وكان ﷺ كثير الصلاة، كثير النحر، وقد تضمنت الصلاة كثيرا من أنواع العبادة، وكذا النسك تضمن أمورا من العبادة التي لا يجوز صرف شيء منها لغير الله، ومن صرف منها شيئا لغير الله فقد أشرك. (٢) تطلق الكلمة على الجملة المفيدة كقوله: (كلا إنها كلمة) إشارة إلى قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ ٣، وعلى كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله، وكهذه الأربع، وعلى الخطبة، وعلى القصيدة. (٣) اللعن الطرد والإبعاد عن مظان الرحمة ومواطنها، واللعين والملعون من حقت عليه اللعنة أو دعي عليه بها، واللعن من الخلق السب والدعاء. قال شيخ الإسلام: إن الله يلعن من استحق اللعنة بالقول، كما يصلي على من استحق الصلاة =

стр. 96

لعن الله من لعن والديه (١) ، لعن الله من آوى محدثا (٢) ، ــ = من عباده. وقال في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ ١ ظاهره أن ما ذبح لغير الله، مثل أن يقول هذه ذبيحة لكذا، وإذا كان هذا هو المقصود، فسواء لفظ به أو لم يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبح للحم وقال فيه باسم المسيح أو نحوه، فإذا حرم ما قيل فيه باسم المسيح ونحوه فلأن يحرم ما قيل فيه لأجل المسيح أو قصد به ذلك أولى، فإن العبادة لغير الله أعظم كفرا من الاستعانة بغير الله، وعلى هذا فلو ذبح لغير الله متقربا إليه حرم، وإن قال فيه: بسم الله كما يفعله طوائف من منافقي هذه الأمة، الذين يتقربون إلى الكواكب بالذبح والبخور، وما يفعل بمكة من الذبح للجن، وذكر المروزي أن ما ذبح عند استقبال السلطان تقربا إليه أفتى أهل بخارى بتحريمه؛ لأنه مما أهل به لغير الله، ووجه مطابقة الحديث للترجمة لعن من ذبح لغير الله، وبدأ بلعنه قبل غيره لغلظ تحريمه. (١) فسره رسول الله ﷺ فيما رواه البخاري أنه قال: " من الكبائر شتم الرجل والديه، قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه " ٢ فيكون هو السبب في لعن والديه، وجعله النبي ﷺ سابا لاعنا لأبويه بتسببه إلى ذلك وتوسله إليه وإن لم يقصده، ويوجد من يباشرهما بالسب، وظاهر الخبر أن يتولى الابن لعنهما بنفسه، فلعن من نطق بسبهما، ولما أخبر أنه إذا سب أبا الرجل سب أباه كان كمن تولى ذلك بنفسه، وفيه دليل على أن من تسبب في شيء جاز أن ينسب إليه ذلك الشيء، وهذا الحديث أصل في قطع الذرائع. (٢) بفتح الهمزة ممدودة وهو الفار المستحق للحد الشرعي، فيحول بينه وبين أن يقام عليه، وفي الحديث: " من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره " ٣. وفي الحديث: " إذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفع " ٤.=

стр. 97

لعن الله من غير منار الأرض " ١. (١) رواه مسلم (٢) . ــ = قال ابن الأثير: ((ويروى بكسر الدال وفتحها، فمعنى الكسر: من نصر جانيا وآواه وأجاره من خصمه، وحال بينه وبين أن يقتص منه. وبالفتح هو الأمر المبتدع نفسه، ويكون معنى الإيواء فيه الرضى به والإقرار عليه، فإنه إذا رضي بالبدعة وأقر فاعلها ولم ينكر عليه فقد آواه)) . قال ابن القيم: ((هذه الكبيرة تختلف مراتبها باختلاف مراتب الحدث في نفسه، فكلما كان الحدث في نفسه أكبر كانت الكبيرة أعظم)) . (١) علامات حدودها أي قدم أو أخر ليغتصب من أرض جاره، سميت منارا لإنارتها بين الحقين أي حجزها وتمييزها بينهما، فيكون من ظلم الأرض الذي قال فيه ﵊: " من ظلم شبرا من الأرض طوقه من سبع أرضين يوم القيامة "٢. متفق عليه. أو لإنارتها على الطرق، وهي الأعلام التي توضع على السبل، فإذا غيرها ضل السالك. وقال المصنف: ((هي المراسيم التي تفرق بين حقك وحق جارك، فتغيرها بتقديم أو تأخير; وفيه الفرق بين لعن المعين ولعن أهل المعصية على سبيل العموم)) اهـ. فالحديث دليل على جواز لعن أنواع الفساق، كقوله: " لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده " ٣. وأما لعن الفاسق المعين فقيل: يجوز، اختاره ابن الجوزي. وقيل: لا يجوز اختاره أبو بكر عبد العزيز والشيخ، والشيخ عبد المغيث وصنف في ذلك مصنفا ذكره عنه الشيخ، وأنه المعروف عن أحمد. (٢) من طرق وفيه قصة، ورواه أحمد كذلك عن أبي الطفيل قال: قلنا لعلي: أخبرنا بشيء أسرّه إليك رسول الله ﷺ . فقال: ما أسرّ إلى شيئا كتمه الناس، ولكن سمعته يقول. فذكره، وفي آخره: " ولعن الله من غير تخوم الأرض " ٤ يعني المنار.

стр. 98

وعن طارق بن شهاب (١) أن رسول الله ﷺ قال: " دخل الجنة رجل في ذباب ودخل النار رجل في ذباب (٢) . قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ (٣) قال: مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجاوزه أحد حتى يقرب له شيئا (٤) ، ــ (١) هو ابن عبد شمس بن هلال بن عوف البجلي الأحمسي أبو عبد الله، قال الحافظ: رأى النبي ﷺ وهو رجل. وروى أبو داود والبغوي أنه قال: ((رأيت النبي ﷺ وغزوت في خلافة أبي بكر)) . وقال أبو داود: رأى النبي ﷺ ولم يسمع منه، فروايته عنه مرسل صحابي، وهو مقبول على الراجح، توفي سنة ٨٣هـ. (٢) أي بسبب ذباب ومن أجله، ولعل هذين الرجلين من بني إسرائيل، فإن رسول الله ﷺ كثيرا ما يحدث عنهم. (٣) كأنهم تقالوا هذا العمل، واستغربوه وتعجبوا منه، كيف بلغ الذباب إلى هذه الغاية التي بسببه دخل رجل الجنة ورجل دخل النار، أو احتقروه كيف كان تقريب الذباب سببا لدخول الجنة أو النار، فاستفهموه ليبين لهم ما استغربوه، فبين لهم النبي ﷺ ما صير هذا الأمر الحقير عندهم عظيما، يستحق هذا عليه الجنة، ويستوجب الآخر عليه النار. (٤) وإن قلّ تعظيما لصنمهم، والصنم ما كان منحوتا على صورة وعبد من دون الله، ويطلق عليه الوثن كما مر، وكل ما عبد من دون الله يقال له صنم، بل كل ما يشغل عن الله يسمى صنما، ولا يجاوزه أي لا يمر به ولا يتعداه حتى يقرب له شيئا.

стр. 99

قالوا لأحدهما: قرب. قال: ليس عندي شيء أقرب (١) ، قالوا: قرب ولو ذبابا. فقرب ذبابا (٢) فخلوا سبيله فدخل النار (٣) . وقالوا للآخر: قرب. قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله (٤) ، ــ (١) يعني للصنم، احتج بالعدم فلما عرفوا موافقته بالذبح لغير الله، واعتذر طمعوا فيه، وقنعوا منه بأيسر شيء؛ لأن قصدهم موافقتهم على ما هم عليه من الشرك. (٢) حصل به موافقتهم، وظاهره أنه لو وجد بدنة لقربها. (٣) بسبب قربانه الذباب للصنم؛ لأنه قصد غير الله بقلبه، وانقاد بعمله فوجبت له النار. ففيه بيان عظمة الشرك ولو في شيء قليل، وأنه يوجب النار لقوله: ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ ١. فإذا كان هذا فيمن- قرب ذبابا، فكيف بمن يستسمن الإبل وغيرها، ليتقرب بنحرها لمن كان يعبده من دون الله، من قبر أو مشهد أو طاغوت وغير ذلك؟ وفيه التحذير من الوقوع في الشرك، وأن الإنسان قد يقع فيه وهو لا يدري، والحذر من الذنوب وإن كانت صغيرة في الحسبان، كما قال أنس: " إنكم تعملون أعمالا هي أصدق في أعينكم من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات ". وفيه أنه دخل النار بسبب لم يقصده ابتداء، وإنما فعله تخلصا من شر أهل الصنم، وفيه أنه كان مسلما، وإلا لم يقل دخل النار في ذباب، وفيه أن عمل القلب هو المقصود الأعظم حتى عند عبدة الأوثان. (٤) أبى عليهم، وبادأهم بالإنكار، وعظم عليه أن يقرب لصنمهم شيئا، ونفر من الشرك وصرح بإخلاص العبادة لله .

стр. 100

فضربوا عنقه فدخل الجنة " (١) . رواه أحمد (٢) . ــ (١) لامتناعه عن التقريب لغير الله، إيمانا واحتسابا وإجلالا وتعظيما لله، ففيه بيان فضيلة التوحيد والإخلاص وتفاوت الناس في الإيمان. قال المصنف: ((وفيه معرفة قدر الشرك في قلوب المؤمنين، كيف صبر على القتل ولم يوافقهم على طلبتهم، مع كونهم لم يطلبوا منه إلا العمل الظاهر، ودل الحديث على أن الذبح عبادة، وأن صرفه لغير الله شرك، وأن الذابح لغير الله يكون من أهل النار)) . (٢) وكذا أورده ابن القيم وغيره. ورواه أحمد في كتاب الزهد، وأبو نعيم في الحلية، موقوفا على سليمان بن ميسرة. قال الحافظ: سليمان بن ميسرة الأحمسي عن طارق بن شهاب، وعنه الأعمش وغيره، روى عن طارق وله صحبة، ووثقه النسائي وغيره.

стр. 101

باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله (١) وقول الله تعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾ ١ الآية (٢) . ــ (١) لا نافية، ويحتمل أنها للنهي، واستظهره الشارح. أي لا يجوز الذبح لله بمكان أعد للذبح لغير الله؛ لأن ذلك فيه مشابهة ومضارعة للمشركين ظاهرة في المكان، وهو منهي عنه، كما في الحديث: " من تشبه بقوم فهو منهم "٢. ولو قصد الذابح وجه الله؛ لأنه إحياء للمحل الشركي، وتعظيم له، فيكون وسيلة إلى وجود الشرك ورجوعه، وسد الذرائع من أهم ما جاءت به الشريعة، بل لا يجوز بعدا عن الشرك ومواضع الغضب، وكان أهل نجد كغيرهم يذبحون للجن لطلب الشفاء منهم لمرضاهم، ويتخذون للذبح لهم مكانا مخصوصا في دورهم، فأزال الله ذلك عنه بدعوة شيخ الإسلام قدس الله روحه. (٢) أي لا تصل في مسجد الضرار، وكان بناه جماعة من المنافقين مضارة لمسجد قباء، وكفرا بالله ورسوله،: ﴿وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ ٣. وهو أبو عمرو الفاسق، وكان بناؤه قبل خروج النبي ﷺ إلى تبوك. فسألوه أن يصلي فيه رجاء بركة صلاته، وذكروا أنهم بنوه للضعفاء وأهل العلة في الليلة الشاتية. فقال: " إنا على سفر، ولكن إذا رجعنا إن شاء الله "، فلما قفل ولم يبق بينه وبين المدينة إلا يوم أو بعضه، نزل الوحي بخبر المسجد، فبعث إليه وهدمه وحرقه قبل قدومه. ومطابقة الآية للترجمة أن هذا المسجد لما أسس على معصية الله والكفر به، صار محل غضب، فنهى الله نبيه ﷺ أن يقوم فيه، لوجود العلة المانعة، وهو ﷺ لا يصلي إلا لله، فكذلك المواضع المعدة للذبح لغير الله يجب اجتناب الذبح فيها لله، وهذا قياس صحيح يؤيده الحديث الآتي. وقوله: =

стр. 102

عن ثابت بن الضحاك (١) قال: " نذر رجل أن ينحر إبلا ببوانة (٢) ، فقال النبي ﷺ : هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا (٣) ، ــ =: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ ١ حثه على الصلاة في مسجد قباء الذي أسس من أول يوم بني على التقوى، وهي طاعة الله ورسوله، وجمعا لكلمة المسلمين، ومعقلا للإسلام وأهله. وكان ﷺ يزوره، وفي الصحيح: " صلاة في مسجد قباء كعمرة " ٢. وقال بعضهم: هو مسجد رسول الله ﷺ وتمارى فيه رجلان، فقال ﷺ : " هو مسجدي هذا " ٣ رواه مسلم. ولا منافاة، فإنه إذا كان مسجد قباء بهذا الوصف قد أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله ﷺ أن يكون بهذه الصفة بطريق الأولى. وقوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ ٤ " لما أتاهم النبي ﷺ فيه فقال: ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم به"؟ قالوا: ما نعلم إلا أنه كان لنا جيران من اليهود، فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا، فقال: هو ذاك فعليكموه " ٥.: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ ٦ الذين يتنزهون من القذرات والنجاسات بعدما يتطهرون من أوضار الشرك وأقذاره. (١) ﵁ ابن خليفة بن ثعلبة بن عدي بن كعب بن عبد الأشهل الأشهلي الخزرجي الأنصاري، صحابي مشهور، شهد بيعة الرضوان، روى عنه أبو قلابة وغيره، مات أيام ابن الزبير، وقيل سنة ٦٤ هـ. (٢) هضبة من وراء ينبع، قريبة من ساحل البحر، والرجل يحتمل أنه كردم ابن سفيان والد ميمونة، كما صرح به أبو داود وغيره في الرواية الآتية. (٣) الوثن يتناول كل معبود من دون الله من صورة أو قبر، وفي رواية أو نصب، وفي رواية أو طاغية، قال المصنف: وفيه المنع منه إذا كان فيه وثن من =

стр. 103

قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا (١) ، فقال رسول الله ﷺ : أوف بنذرك (٢) ؛ ــ = أوثان الجاهلية يعبد ولو بعد زواله، وهو الشاهد من الحديث للترجمة؛ لأن في بعض الروايات بيان أنه سأله في حجة الوداع بعد زوال الأوثان من تلك الجهات، فكل موضع أسس للمعصية لا يجوز الذبح فيه ولا الصلاة. (١) قال شيخ الإسلام: العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد عائد إما بعود السنة أو الشهر أو الأسبوع، فالعيد يجمع أمورا: منها يوم عائد كيوم الفطر ويوم الجمعة، ومنها اجتماع فيه، ومنها أعمال تتبع ذلك من العبادات والعادات، وقد يختص العيد بمكان بعينه، وقد يكون مطلقا، قال المصنف: ((وفيه استفصال المفتي إذا احتاج إلى ذلك، والمنع من الوفاء بالنذر بمكان عيد من أعياد الجاهلية ولو بعد زواله)) . قال الشارح: وفيه سد الذريعة، وترك مشابهة المشركين، والمنع مما هو وسيلة إلى ذلك، فإن قيل: لم جعل محل اللات بالطائف مسجدا؟ قيل: لو ترك هذا المحل بهذه البلدة خشي أن يفتتن به، فيرجع إلى جعله وثنا، فجعله مسجدا والحالة هذه ينسي ما كان يفعل فيه، ويذهب به أثر الشرك، فاختص هذا المحل لهذه العلة، وهي قوة المعارض والله أعلم. (٢) دل على أن الوصف سبب الحكم، فيكون سبب الأمر بالوفاء خلو المكان عن هذين الوصفين، فلو كان في ذلك المكان الذي نذر أن ينحر فيه وثن أو عيد لمنعه ولم يستفصل في نيته، فدل على أنه لا عبرة هنا بالنية، فلما خلى من الموانع أمره أن يوفي بنذره، وذلك في حجة الوداع. وروى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن " امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: إني نذرت أن أذبح بمكان كذا وكذا، لمكان كان يذبح فيه أهل الجاهلية، قال: "لصنم"؟ قالت: لا. قال: "لوثن" قالت: لا. قال: "أوفي بنذرك" "١.وله عن ميمونة، بنت كردم " قالت: خرجت =

стр. 104

فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله (١) ، ولا فيما لا يملك آدم " ١ (٢) ، رواه أبو داود، وإسناده على شرطهما (٣) . ــ = مع أبي، فرأيت رسول الله ﷺ فجعلت أبده بصري، فدنا إليه أي فأخذ يقدمه، فأقر له ووقف، فقال: يا رسول الله إني نذرت إن ولد لي ولد ذكر أن أنحر على رأس بوانة في عقبة من الثنايا عدة من الغنم؟ قال: لا أعلم، إلا أنها قالت خمسين، فقال رسول الله ﷺ : "هل بها من الأوثان شيء"؟ قال: لا. قال: "فأوف بما نذرت لله". قال: فجمعها فجعل يذبحها فانفلتت منه شاة فطلبها وهو يقول: اللهم أوف بنذري، فذبحها "٢. ويحتمل أن يكون نذر إبلا وغنما. ويحتمل أن يكون ذلك قضيتين. (١) دل على أن أماكن الشرك والمعاصي لا يجوز أن تقصد العبادة فيها وأن هذا نذر معصية لو وجد في المكان مانع، وما كان من نذر المعصية لا يجوز الوفاء به بإجماع العلماء، وهل فيه كفارة يمين؟ على قولين: أحدهما: تجب لحديث عائشة: " لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين "٣. رواه أحمد وأهل السنن، واحتج به أحمد، لكن قال الترمذي وأبو داود وغيرهما: لا يصح. قال الشيخ: ظاهر مذهب أحمد لزوم الكفارة، وكذلك مذهب أكثر السلف، وهو قول أبي حنيفة وغيره. والثاني: لا كفارة عليه؛ لحديث الباب، وحديث عائشة الآتي، وهو مذهب مالك والشافعي، وحكى الوزير أنه مذهب الثلاثة، واختاره شيخ الإسلام. (٢) كأن يقول: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أعتق عبد فلان، ونحو ذلك، فإن التزم في ذمته شيئا كعتق رقبة وهو في تلك الحال لا يملكها ولا قيمتها، فإن شفي مريضه صح نذره، وثبت ذلك في ذمته. (٣) أي شرط البخاري ومسلم، مخرج لرواته، فيهما، وشرطهما اتصال الإسناد بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة. وله شواهد، وقال الحافظ: صحيح الإسناد.

стр. 105

باب من الشرك النذر لغير الله (١) وقول الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ ١ (٢) . وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ ٢ (٣) . ــ (١) لكونه عبادة يجب الوفاء به إذا نذره لله، فإذا صرفه لغير الله كان شركا في هذه العبادة، كالذبح لغير الله. والنذر مصدر نذر ينذر، أي أوجب على نفسه شيئا لم يكن واجبا عليه شرعا، تعظيما للمنذور له، وكل الأبواب التي ذكرها المصنف تدل على أن من أشرك مع الله غيره في القصد والطلب فقد ناقض كلمة الإخلاص. (٢) مدح الله الذين يتعبدون له بما أوجبوه على أنفسهم من الطاعات، وهو سبحانه لا يمدح إلا على فعل واجب أو مستحب، أو ترك محرم، وذلك هو العبادة، فمن فعل ذلك لغير الله متقربا إليه فقد أشرك. (٣) يخبر تعالى أن ما أنفقناه من نفقة أو نذرناه من نذر متقربين به إليه أنه يعلمه، ويجازينا عليه، فدل ذلك على أنه عبادة، فالنذور من عباد القبور ليشفعوا لهم شرك؛ لأنه عبادة لهم، فإنه معلوم بالضرورة أن من صرف شيئا من العبادة لغير الله فقد أشرك. وقال صنع الله الحلبي: ((والنذر لغير الله إشراك مع الله، كالذبح لغير الله)) . وقال الفقهاء: خمسة لغير الله شرك: الركوع والسجود والنذر والذبح واليمين. والحاصل أن النذر لغير الله فجور، فمن أين تحصل لهم الأجور. وقال شيخ الإسلام: وما نذره لغير الله كالأصنام والشمس والقمر ونحو ذلك، بمنزلة أن يحلف بغير الله من المخلوقات، لا وفاء عليه ولا كفارة، وكذلك الناذر للمخلوق =

стр. 106

في الصحيح عن عائشة ﵂ (٢) أن رسول الله ﷺ قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه (٢) ، ــ = ليس عليه وفاء، فإن كلاهما شرك، والشرك ليس له حرمة، بل عليه أن يستغفر الله ويقول ما أمر به النبي ﷺ " من حلف وقال في حلفه: واللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله " ١ متفق عليه. (١) أي في صحيح البخاري عن أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق أبي بكر ﵄، زوج النبي ﷺ وأعلم الناس بحديثه، تزوجها وهي ابنة سبع، ودخل بها وهي ابنة تسع، وأفضل أزواج النبي ﷺ إلا خديجة ففيها خلاف، فلا تفضل إحداهما على الأخرى، فإن لخديجة من الفضائل في بدء الوحي ما ليس لعائشة، من سبقها بالإيمان بالنبي ﷺ وتأييده في تلك الحال. ولعائشة من العلم بالأحاديث والأحكام ما ليس لخديجة، لعلمها بأحوال النبي ﷺ ونزول القرآن، وبيان الحلال من الحرام، وكان الصحابة يرجعون إليها بعد وفاته ﷺ فيما أشكل عليهم من أحواله وحديثه، توفيت سنة ٥٧. (٢) أي يجب عليه الوفاء بذلك النذر الذي نذره خالصا لله، فصار عبادة، وقد أجمع العلماء على أن من نذر طاعة لشرط يرجوه كأن يقول: إن شفى الله مريضي فعلي أن أتصدق بكذا، وجب عليه إن حصل له ما علق نذره على حصوله، حيا كان أو ميتا، فإن كان حيا لزمه الوفاء به، وإن كان ميتا يفعل عنه، لوجوبه في ذمته، إلا أبا حنيفة فقال: لا يلزمه إلا بما جنسه واجب بأصل الشرع، والحديث حجة عليه، والأمر بالوفاء به دال على أنه عبادة، وقد علمنا من الآيتين والحديث أن النذر عبادة، فصرفه لغير الله شرك أكبر، ومنه الذين ينذرون الزيوت والشموع والأطياب للقبور، والمراد نذر الطاعة، لا نذر المجازات الذي قال فيه ﷺ : " إنه لا يأتي بخير " ٢.

стр. 107

ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه (١) "١. ــ (١) أي لا يوفي به؛ لأنه نذر معصية، زاد الطحاوي " ليكفر عن يمينه " ٢. وقال ابن القطان: ((عندي شك في هذه الزيادة، وأجمع العلماء على أنه لا يجوز الوفاء بنذر المعصية)) . وقال الحافظ: ((اتفقوا على تحريم النذر في المعصية، واختلفوا هل ينعقد موجبا للكفارة أولا؟)) وتقدم. ولمسلم عن عقبة مرفوعا: " كفارة النذر إن لم يسم كفارة يمين " ٣. وقد يستدل بحديث الباب على صحة النذر في المباح، كما هو مذهب أحمد وغيره، ويؤيده حديث المرأة التي قالت: " نذرت أن أضرب على رأسك بالدف. فقال: أوفي بنذرك " ٤. رواه أحمد وغيره. وأما نذر اللجاج والغضب وهو تعليقه بشرط يقصد المنع منه، أو الحمل عليه، أو التصديق أو التكذيب، فيخير بين فعله وكفارة يمين. وقال الشيخ: موجب الحلف بنذر اللجاج والغضب عند الحنث، هو التخيير بين التكفير وبين فعل المنذور، وأكثر أهل العلم على أنه يجزئه كفارة يمين، وهو قول فقهاء الحديث. وإن نذر مكروها كالطلاق استحب أن يكفر ولا يفعله.

стр. 108

باب من الشرك الاستعاذة بغير الله (١) وقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ ١ (٢) . ــ (١) الاستعاذة الإلتجاء والإعتصام والتحرز، وحقيقتها الهرب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه، فالعياذ لدفع الشر، وأما اللياذ فطلب الخير. قال الشاعر: يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به فيما أحاذره لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ... ولا يهيضون عظما أنت جابره فالعائذ بالله قد هرب إليه، واعتصم واستجار به، ولجأ إليه، والتزم بجنابه مما يخافه. وهذا تمثيل، وإلا فما يقوم بالقلب من ذلك أمر لا تحيط به العبارة، وقد أمر الله عباده بها في مواضع من كتابه، وتواترت بها السنة عن المعصوم ﷺ ، وهي عبادة من أجل العبادات، فصرفها لغير الله شرك أكبر، وإن استعاذ بالمخلوق الحي الحاضر فيما يقدر عليه فجائز، وسيأتي جواز: أعوذ بالله ثم بك. وإن قال: أعوذ بالله وبك ولو فيما يقدر عليه كان مشركا شركا أصغر؛ لأن الواو تفيد أن ما بعدها مساو لما قبلها، عكس ثم، فإنها إنما تفيد التعقيب، وإن كان فيما لا يقدر عليه كان مشركا الشرك الأكبر، ولو قال أعوذ بالله ثم بك. (٢) أخبر عمن استعاذ بخلقه أن استعاذته زادته رهقا وهو الطغيان. وذلك أن الرجل من العرب في الجاهلية كان إذا نزل واديا أو مكانا موحشا وخاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه. فلما رأت الجن أن الإنس يعوذون بهم خوفا منهم، زادوهم رهقا، أي خوفا وإرهابا وذعرا. فذمهم الله بهذه الآية =

стр. 109

وعن خولة بنت حكيم (١) قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من نزل منزلا فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق (٢) ، ــ = وأخبر أنهم يزيدونهم رهقا نقيض قصدهم، وعلم النبي ﷺ المسلمين أن يقول أحدهم إذا نزل منزلا " أعوذ بكلمات الله التامات من شر كل ما خلق " ١. ووجه الاستدلال بالآية: أن الله حكى عن مؤمني الجن أنهم ذكروا أشياء من الشرك، كانوا يعتقدونها في الجاهلية، من جملتها الاستعاذة بغير الله. قال المصنف: ((فيه أن كون الشيء يحصل به منفعة دنيوية من كف شر أو جلب نفع لا يدل على أنه ليس من الشرك)) . (١) ابن أمية بن حارثة السلمية يقال لها أم شريك، ويقال: إنها هي الواهبة، وكانت قبل تحت عثمان بن مظعون. قال عمر بن عبد العزيز: ((نعمت المرأة الصالحة)) . (٢) أي أعتصم بكلمات الله الكاملات، التي لا يلحقها نقص ولا عيب كما يلحق كلام البشر، أو الشافية الكافية، أو الكلمات هنا القرآن. من شر ما خلق، أي من شر كل مخلوق قام به الشر، لا من شر كل ما خلق الله. فإن الجنة والملائكة والأنبياء لا شر فيهم، وما موصولة وليس المراد بها العموم الإطلاقي، بل التقييدي الوصفي، والشر اسم جامع للسوء والفساد والظلم وجميع الرذائل والخطايا، ويقال على شيئين: على الألم، وعلى ما يفضي إليه. وقد شرع الله للمسلمين أن يستعيذوا بأسمائه وصفاته بدلا عما يفعله أهل الجاهلية من الاستعاذة بالجن، والأمر على جهة =

стр. 110

لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك (١) "١. رواه مسلم. ــ = الإرشاد إلى ما يدفع به الأذى. وهذا الحديث مما استدل به أهل السنة على أن كلام الله غير مخلوق؛ لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك، ونهوا عن التعازيم والتعاويذ التي لا يعرف معناها، خشية أن يكون فيها شرك. ومن ذبح لغير الله أو استعاذ به، أو تقرب إليه بما يحب فقد عبده، وإن لم يسم ذلك عبادة. (١) قال القرطبي: ((هذا خبر صحيح، علمنا صدقه دليلا وتجربة منذ سمعته عملت به فلم يضرني شيء، إلى أن تركته فلدغتني عقرب ليلة، فتفكرت فإذا بي نسيته)) . قال المصنف: ((فيه فضيلة هذا الدعاء مع اختصاره)) .
следующие страницы →