(وَقَاتِلُوهُم حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ) [البقرة: ١٩٣]، قَوله: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) [التوبة: ٥]، وقَوله تَعالى: (تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ) [الفتح: ١٦].
والْجَوَاب عن هَذه بأمُور:
الأوَّل: - وهو مِنْ أحْسَنها وأقْرَبها - أنّ الْمُرَاد بِقَوله: (الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) تَهْيِيج الْمُسْلِمِين، وتَحْرِيضهم على قِتَال الكُفَّار، فَكأنَّه يَقُول لَهُمْ: هَؤلاء الذين أمَرْتُكم بِقِتَالِهِم هُمْ خُصُومُكم وأعْدَاؤكم الذين يُقَاتِلُونَكم. ويَدُلّ لِهَذا الْمَعْنَى قَوله تعالى: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) [التوبة: ٣٦]، وخَيْر مَا يُفَسّر بِه القُرْآن القُرآن.
الوَجْه الثَّاني: أنها مَنْسُوخَة بِقَوله تَعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِين حَيْثُ وَجْدْتُمُوهُمْ) [التوبة: ٥]، وهَذا مِنْ جِهَة النَّظَر ظَاهِر حَسَن جِدًّا.
الوَجهُ الثَّالِث: - وهو اخْتِيَار ابن جرير - ويَظهر لي أنه الصَّواب: أنّ الآية مُحْكَمة، وأنّ مَعْنَاهَا: قَاتِلُوا الذين يُقَاتِلونكم، أي: مَنْ شَأنهم أن يُقَاتِلُوكم، أمَّا الكَافِر الذي لَيس مِنْ شأنه القِتَال كالنِّساء، والذَّراري، والشّيوخ الفانية، والرُّهبان، وأصْحَاب الصَّوامِع، ومَن ألْقَى إلَيْكُم السَّلَم؛ فلا تَعْتَدُوا بِقِتَالِهم؛ لأنهم لا يُقَاتِلُونَكُم، ويَدلّ لِهذا الأحَادِيث الْمُصَرَّحَة بالنَّهْي عن قِتَال الصَّبي، وأصْحَاب الصَّوامِع، والْمَرْأة، والشَّيْخ الْهَرِم إذا لم يُستَعَن بِرأيه (١)، أمَّا صَاحِب الرَّأي فيُقْتَل كَدُرَيدِ بن الصِّمَّة، وقَد فَسَّرَ هذه الآية بهذا الْمَعْنَى عُمر بن عبد العزيز ﵁ وابن عباس والحسن البصري (٢)
стр. 72
المثال الرابع:
الإكْرَاه في الدِّين وقِتَال الكَافِرِين:
قوله تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) [البقرة: ٢٥٦] مع قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) [التوبة: ٧٣].
صورة التعارض:
أنَّ آيَة "البقرة" فِيها عَدم الإكْرَاه، وآيَة التَّوبَة فيها الإكْرَاه والإغْلاظ.
و "لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قَدْ أكْرَه العَرب على دِين الإسْلام وقَاتَلَهم، ولم يَرضَ مِنهم إلَّا بالإسْلام" (١).
جَمْع القرطبي:
قال القرطبي: اخْتَلَف العُلَمَاء في مَعْنَى هَذه الآيَة على سِتَّة أقْوال:
الأوَّل: قِيل: إنها مَنْسُوخَة؛ لأنَّ النبي ﷺ قد أكْرَه العَرَب على دِين الإسْلام، وقَاتَلهم ولَم يَرضَ مِنهم إلَّا بالإسْلام، قَاله سُليمان بن موسى. قَال نَسَخَتْها: (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ) [التوبة: ٧٣]، ورُوي هَذا عَنْ ابنِ مَسعود وكَثِير مِنْ الْمُفَسِّرِين.
الثَّاني: لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَة، وإنما نَزَلَتْ في أهْل الكِتَاب خَاصَّة، وأنهم لا يُكْرَهُون على الإسْلام إذا أدَّوا الْجِزْية، والذين يُكْرَهُون أهل الأوْثَان، فلا يُقْبَل مِنْهم إلَّا الإسْلام، فَهُمْ الذين نَزَل فِيهم: (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ) .... والْحُجَّة لهذا القَول مَا رَواه زَيد بن أسْلَم عن أبيه قال: سَمِعْتُ عُمر بن الخطاب يَقُول لِعَجُوز نَصْرَانِيَّة:
стр. 73
أسْلِمي أيتها العَجُوز تَسْلَمِي، إنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بالْحَقّ. قَالتْ: أنا عَجُوز كَبِيرَة والْمَوت إليّ قَرِيب! فَقَال عُمر: اللهم اشْهَد (١)، ولا: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ).
الثَّالِث: مَا رَوَاه أبو دَاود (٢) عَنْ ابن عباس قَال: نَزَلَتْ هذه في الأنْصَار، كَانَتْ تَكُون الْمَرْأة مِقْلاتًا، فَتَجْعَل على نَفْسِها إن عَاش لها وَلَد أن تُهَوِّده، فلما أُجْلِيتْ بَنَو النَّضِير كَان فِيهم كَثير مِنْ أبْنَاء الأنْصَار، فَقَالُوا: لا نَدَع أبْنَاءنَا، فأنْزَل اللهُ تَعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ). قَال أبو دَاود: والْمِقْلات التي لا يَعِيش لَها وَلَد.
قال النَّحَّاس: قَول ابنِ عَباس في هَذه الآيَة أوْلى الأقْوال لِصِحَّة إسْنَادِه، وأنَّ مِثْلَه لا يُؤخَذ بالرَّأي.
الرابع: قال السُّدّي: نَزَلَتْ الآيَة في رَجُل مِنْ الأنْصَار يُقَال لَه أبو حصين (٣)، كَان له ابْنَان، فَقَدِم تُجَّار مِنْ الشَّام إلى الْمَدِينَة يَحْمِلُون الزَّيْت، فَلَمَّا أرَادُوا الْخُرُوج أتَاهُم ابْنَا الْحُصَين فَدَعَوهما إلى النصرانية فَتَنَصَّرا ومَضَيا مَعَهم إلى الشَّام، فأتى أبُوهما رَسُولَ الله ﷺ مُشْتَكِيًا أمْرَهما، ورَغِبَ في أن يَبْعَثَ رَسُول الله ﷺ مَنْ يَرُدّهما، فَنَزَلَتْ: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (٤)، ولم يُؤمر يَومَئذٍ بِقِتَال أهْل الكِتَاب، ثم إنه نُسِخَ (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)، فأُمِرَ بِقِتَال أهْل الكِتَاب في سُورة بَراءة.
الْخَامِس: وقِيل: مَعْنَاها: لا تَقُولُوا لِمَنْ أسْلَم تَحْت السَّيْف مُجْبَرًا مُكْرَهًا.
стр. 74
السَّادِس: أنها وَرَدَتْ في السَّبْي مَتَى كَانُوا مِنْ أهْل الكِتَاب لَم يُجْبَرُوا إذا كَانُوا كِبَارًا، وإن كَانُوا مَجُوسًا (١) صِغَارًا أو كِبَارًا، أوْ وَثَنِيِّين فَإنهم يُجْبَرُون عَلى الإسْلام .... فأمَّا سَائر أنْوَاع الكُفْر مَتى بَذَلُوا الجِزْيَة لم نُكْرِههم على الإسْلام، سَواء كَانُوا عَرَبًا أم عَجَمًا، قُرَيْشًا أوْ غَيرهم (٢).
مُلخَّص جواب القرطبي:
١ - أنَّ آيَة "البقرة" مَنْسُوخَة ورُوي هَذا عَنْ كَثِير مِنْ الْمُفَسِّرِين.
٢ - أنها خَاصَّة في أهْل الكِتَاب.
٣ - أنها نَزَلتْ في الأنْصَار، وأنهم أرَادُوا إكْرَاه أوْلادَهم الْمُسْتَرْضَعِين في اليَهُود.
٤ - نَزَلتْ في رَجُل مِنْ الأنْصَار.
٥ - لا تَقُولُوا لِمَنْ أسْلَم تَحْت السَّيف مُجْبَرًا مُكْرَهًا.
٦ - أنها وَرَدَتْ في سَبْي أهْل الكِتَاب، وأنهم لا يُجْبَرُون.
стр. 75
مُقارنة جوابه وجَمْعه بين الآيات بجَمْع غيره من العلماء
أطَال ابنُ جرير في تَقْرِير حُكْم آية "البقرة"، فَقَال - بَعْد أنْ ذَكَر الأقْوَال فِيها -: وأوْلى هَذه الأقْوَال بالصَّوَاب: قَوْل مَنْ قَال: نَزَلَتْ هَذه الآيَة في خَاصٍّ مِنْ النَّاس، وقَال: عَنَى بِقَولِه تَعالى ذِكْرُه: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) أهْل الكِتَابَين والْمَجُوس، وكُلّ مَنْ جاء إقْرَاره عَلى دِينِه الْمُخَالِف دِين الْحَقّ، وأَخْذ الْجِزْيَة مِنه.
وأَنْكَرُوا أن يَكُون شَيء مِنْها مَنْسُوخًا.
وإنما قُلْنا هَذا القَوْل أوْلى الأقْوال في ذلك بالصَّوَاب لِمَا قَدْ دَلَّلْنا عَليه ..... مِنْ أنَّ النَّاسِخِ غَير كَائن نَاسِخًا إلَّا مَا نَفَى حُكْم الْمَنْسُوخ، فلم يَجُز اجْتِمَاعُهما.
فأمَّا مَا كَان ظَاهِره العُمُوم مِنْ الأمْرِ والنَّهي، وبَاطِنه الْخُصُوص فَهو مِنْ النَّاسِخ والْمَنْسُوخ بِمَعْزِل (١).
وإذْ كَان ذَلك كَذَلك وكَان غَير مُسْتَحِيل أن يُقَال: لا إكْرَاه لأحَد مِمَّنْ أُخِذَتْ مِنه الْجِزْية في الدِّين، ولم يَكُنْ في الآيَة دَلِيل عَلى أنَّ تَأوِيلَها بِخِلاف ذَلك، وكَان الْمُسْلِمُون جَمِيعًا قَدْ نَقَلوا عَنْ نَبِيِّهم أنه أَكْرَه عَلى الإسْلام قَوْمًا فَأبَى أن يَقْبَل مِنهم إلَّا الإسْلام، وحَكَم بِقَتْلِهم إن امْتَنَعُوا مِنه، وذَلك كَعَبَدَةِ الأوْثَان مِنْ مُشْرِكي العَرَب، وكالْمُرْتَدّ عَنْ دِينه دِين الحقّ إلى الكُفْر، ومَن أشْبَههم، وأنه تَرَك إكْرَاه آخَرِين عَلى الإسْلام بقَبولِه الْجِزْية مِنه، وإقْرَاره عَلى دِينِه البَاطِل، وذلك كَأهْلِ الكِتَابَيْن ومَن أشْبَهَهم؛ كان بَيِّنًا بذلك أنّ مَعنى قَوله: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) إنما هو: لا إكْرَاه في الدِّين لأحَد مِمَّنْ حَلّ قَبول الْجِزْية مِنه بأدَائه الْجِزْية، ورِضَاه بِحُكْم الإسْلام.
ولا مَعْنَى لقَوْل مَنْ زَعَم أنَّ الآيَة مَنْسُوخَة الْحُكم بالإذْن بالْمُحَارَبَة (٢).
стр. 76
في حِين اخْتَصَر السَّمَرْقَندي الْجَوَاب بِقَولِه: يَعْنِي: لا تُكْرِهُوا في الدِّين أحَدًا بَعْد فَتْح مَكَّة، وبَعْد إسْلام العَرَب. (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) يَعْنِي: قَدْ تَبَيَّن الْهُدَى مِنْ الضَّلالَة ويقال: قَدْ تَبيّن الإسْلام مِنْ الكُفْر، فَمَنْ أسْلَم وإلَّا وُضِعتْ عليه الْجِزْية، ولا يُكْرَه على الإسْلام (١).
فهو لم يَذكر نَسْخًا في الآية، وإنما ذَكَر تَخْصِيصًا لِمَعْنَاهَا.
وأما السَّمعاني فَذَكَر قَول ابن عباس في سَبَب نُزُول الآيَة (٢)، ونَقَل عن الشَّعبي قَوله: هَذا في أهْل الكِتَاب، لا يُجْبَرُون على الإسْلام إذا بَذَلُوا الْجِزْيَة. ثم قَال: وفِيه قَول ثَالِث: أنه كَان في الابْتِدَاء، ثم صَار مَنْسُوخًا بآيَة القِتَال (٣).
وذَكَر الثعلبي أقوالًا في الآية، فَذَكَر قول مُجاهِد: وكان هذا قَبل أن يُؤمَر رَسول الله ﷺ بِقِتَال أهل الكِتَاب، ثم نُسِخ قوله: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)، وأُمِر بِقِتَال أهْل الكِتَاب في سُورة بَراءة.
ثم قال الثعلبي: وهَكذا قَال ابن مسعود وابن زيد إنها مَنْسُوخَة بآيةِ السَّيف، وقَال البَاقُون: هي مُحْكَمَة (٤).
"ومَعْنَى الآيَة: لا تَقُولُوا لِمَنْ دَخَل بعد الْحَرْب في الإسْلام أنه دَخَل مُكْرَها، ولا تَنْسِبُوا مَنْ (٥) دَخَل في الإسْلام إلى الكُرْه" (٦).
стр. 77
وذَكَر البَغَوي في الآيَة ثَلاثَة أقْوَال، وكأنه ضَعَّف القَوْل بِالنَّسْخ، فإنه قَال بَعْد سِيَاق الأقْوَال في الآيَة: وقِيل: كَان هَذا في الابْتِدَاء قَبْل أن يُؤمَر بالقِتَال، فَصَارَتْ مَنْسُوخَة بِآيَة السَّيف، وهَو قَول ابن مسعود ﵁ (١).
وقال ابن عطية: ويَلْزَم عَلى هَذا أنَّ الآيَة مَكِّيَّة، وأنها مِنْ آيَات الْمُوادَعَة التي نَسَخَتْها آيَة السَّيف. وقال قَتادة والضحاك بن مُزاحم: هَذه الآيَة مُحْكَمَة خَاصَّة في أهْل الكِتَاب الذين يَبْذُلُون الْجِزْيَة ويُؤدُّونها عن يَدٍ صُغرة. وذَكَر قَول ابن عباس وقول السُّدّي (٢).
وقال النسفي: أي: لا إجْبَار عَلى الدِّين الْحَقّ، وهو دِين الإسْلام. وقِيل: هو إخْبَار في مَعْنَى النَّهْي (٣).
وأبَان ابنُ جُزي الْمَعْنَى بِقَولِه: الْمَعْنَى أنَّ دِين الإسْلام في غَاية الوُضُوح، وظُهُور البَرَاهِين عَلى صِحَّتِه، بِحَيث لا يَحْتَاج أن يُكْرَه أحَد عَلى الدُّخُول فِيه، بل يَدْخُل فِيه كُلّ ذِي عَقل سَليم مِنْ تِلْقَاء نَفْسِه دُون إكْرَاه، ويَدُلّ عَلى ذَلك قَوله: (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)، أي: قَدْ تَبَيَّن أنَّ الإسْلام رُشْد، وأنّ الكُفْر غَيّ، فلا يَفْتَقِر بَعد بَيَانِه إلى إكْرَاه.
وضَعَّفَ القَول بالنَّسْخ، حيث قَال: وقِيل: مَعْنَاها الْمُوادَعَة، وأنْ لا يُكْرَه أحَد بالقِتَال عَلى الدّخُول في الإسْلام، ثم نُسِخَتْ بالقِتَال، وهذا ضَعِيف لأنها مَدَنية، وإنما آيَة الْمُسَالَمَة وتَرْك القِتَال بِمَكَّة (٤).
стр. 78
وبِنَحْو الْمَعْنَى الأوَّل الذي ذَكَره ابن جُزيّ قال ابن كثير، ورَجَّح عُمُوم الْحُكْم لا اخْتِصَاصه بِسَبب النُّزُول، فَقَال: وقَد ذَكَرُوا أنّ سَبَب نُزُول هَذه الآيَة في قَوم مِنْ الأنْصار، وإنْ كَان حُكْمها عَامًّا (١).
وقال بَعد ذِكْر الرِّوَايات في سَبَب نُزُول الآيَة مَا نَصّه: وقد ذَهَب طَائفَة كَثِيرَة مِنْ العُلَمَاء أنَّ هَذه مَحْمُولَة على أهْل الكِتَاب، ومَن دَخَلَ في دِينِهم قَبْل النَّسْخ والتَّبْدِيل، إذا بَذَلُوا الْجِزْية.
وقَال آخَرُون: بل هي مَنْسُوخَة بِآيَة القِتَال، وأنه يَجِب أن يُدْعَى جَميع الأمَم إلى الدُّخول في الدِّين الْحَنِيف - دِين الإسْلام - فإن أَبَى أحَدٌ مِنهم الدُّخُول فيه، ولم يَنْقَد لَه أو يَبذُل الْجِزْيَة قُوتِل حتى يُقْتَل، وهذا مَعْنَى الإكْرَاه (٢).
ونَبّه القاسمي عَلى أنّ "سَيْف الْجِهَاد الْمَشْرُوع في الإسْلام، والذي لا يُبْطِله عَدْل عادِل، ولا جَوْر جَائر؛ لم يُسْتَعْمَل للإكْرَاه عَلى الدُّخول في الدِّين، ولَكِن لِحِمَايَة الدَّعْوة إلى الدِّين، والإذْعَان لِسُلْطَانِه، وحُكْمِه العَدْل" (٣).
رأي الباحث:
أن آية "البقرة" مُحْكَمَة، وهو قَول كَثِير مِنْ الْمُفَسِّرين، وهو اخْتِيَار ابن جرير.
والْجَوَاب عن التَّعَارُض الْمُتَوَهَّم:
أن يُقَال:
стр. 79
"هَذه الآيَة في خُصُوص أهْل الكِتَاب، والْمَعْنَى أنهم قَبْل نُزُول قِتَالِهِم لا يُكْرَهُون عَلى الدِّين مُطْلقًا، وبَعد نُزُول قِتَالِهم لا يُكْرَهُون عَليه إذا أعْطَوا الجزية عن يَدٍ وهُم صَاغِرُون، والدَّليل على خُصُوصِها بِهم (١) قَول ابن عباس ﵄.
ومَعْنَى الآيَة دَالّ عَلى ذلك، كَمَا تقدّم.
ويُمْكِن أن يُقَال في آيَة "البَقَرة": لا إكْرَاه في الدِّين مِنْ نَاحِية إدْخَال الإيمَان إلى القُلُوب، لِمَّا عُلِّل به الْحُكْم في قَولِه تَعالى: (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) [البقرة: ٢٥٦]، وهذا كَقَولِه تَعالى لِنَبِيِّه ﷺ : (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) [القصص: ٥٦]، مَع كَوْنِه ﵎ أثْبَتَ لَه نَوعًا مِنْ الْهِدَاية في قَوله: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [الشورى: ٥٢]. ومِمَّا يُبَيِّنْ الْمَعْنى الْمُرَاد قَوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) [يونس: ٩٩].
فالنَّهْي هُنا عَنْ الإكْرَاه عَلى الإيمَان لِمَنْ لَم يَدْخُل قَلْبه الإيمان، كأنه يُقَال: إذا تَبيّن الرُّشْد مِنْ الغَيّ فَلا يَتَنَكَّب الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم إلَّا شَقِيّ.
المثال الخامس:
حَقّ التَّقْوى، أو التَّقْوى مَع الاسْتِطَاعَة:
قَوله تَعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) [آل عمران: ١٠٢] مع قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: ١٦].
صورة التعارض:
أنَّ الآيَة الأُولى أمَرَ الله فِيها بالتَّقْوَى حَقّ التَّقْوى، وفي الآيَة الثَّانِيَة الأَمْر بِالتَّقْوَى حَسب الاسْتِطَاعَة.
стр. 80
جَمْع القرطبي:
قال القُرْطُبي: وذَكَر الْمُفَسِّرون أنه لَمَّا نَزَلَتْ هَذه الآيَة قَالُوا: يَا رَسُول الله مَنْ يَقْوَى عَلى هَذا؟ وشَقّ عَليهم، فأنْزَل اللهُ : (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: ١٦] فَنَسَخَتْ هَذه الآيَة؛ عن قتادة والربيع وابن زيد (١). قال مُقَاتِل: ولَيس في آلِ عِمْرَان مِنْ الْمَنْسُوخ شَيء إلَّا هَذه الآيَة.
وقيل: إنَّ قَوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: ١٦] بَيَان لِهَذه الآيَة، والْمَعْنَى: فاتَّقُوا الله حَقَّ تُقَاتِه مَا اسْتَطَعْتُم، وهَذا أصْوَب؛ لأنَّ النَّسْخ إنما يَكُون عِنْد عَدَم الْجَمْعِ، والْجَمع مُمْكِن، فهو أوْلى. وقَد رَوَى عَلي بن أبي طلحة عن ابن عباس قَال: قَوله : (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) [آل عمران: ١٠٢] لم تُنْسَخ، ولَكِن حَقّ تُقَاتِه أن يُجَاهِد في سَبِيل الله حَقَّ جِهَادِه، ولا تأخُذْكم في اللهِ لَومَة لائم، وتَقُومُوا بالقِسْط ولَو على أنْفُسِكُم وأبْنَائكُم. قال النحاس: وكُلَّما ذُكِر في الآيَة وَاجِب عَلى الْمُسْلِمِين أن يَسْتَعْمِلُوه ولا يَقَع فيه نَسْخ (٢).
وقال في تَفْسِير سُورة التغابن:
ذَهَب جَمَاعَة مِنْ أهْل التَّأوِيل إلى أنَّ هَذه الآيَة نَاسِخَة لِقَولِه تَعَالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) [آل عمران: ١٠٢].
وقيل: هي مُحْكَمَة لا نَسْخَ فيها.
ثم ذَكَرَ قول ابن عباس السابق.
وذَكَر إشْكَالًا في الْجَمْع بين الآيَتَين، فَقَال: فإن قِيل: فإذا كَانَتْ هَذه الآيَة مُحْكَمَة غير مَنْسُوخة، فَمَا وَجْه قَوله في سُورَة التغابن: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: ١٦]؟ وكَيف يَجُوز اجْتِمَاع الأمْر باتِّقَاء الله حَقّ تُقَاتِه والأمْر باتِّقَائه مَا
стр. 81
اسْتَطَعْنا؟ والأمْر باتِّقَائه حَقّ تُقَاته إيجَاب القُرْآن بِغَير خُصُوص ولا وُصِلَ بِشَرْط، والأمْر باتِّقائه مَا اسْتَطَعْنَا أمْر باتِّقائه مَوْصُولًا بِشَرْط؟
قِيل لَه: قَوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: ١٦] مِمَّا دَلّ عَليه قَوله تَعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) [آل عمران: ١٠٢]، وإنما عَنَى بِقَولِه: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) فَاتَّقُوا الله أيُّهَا النَّاس ورَاقِبُوه فِيمَا جَعَل فِتْنَة لَكُمْ مِنْ أمْوَالِكُم وأوْلادِكُم أن تَغْلِبكُم فِتْنَتُهم وتَصُدّكُم عن الوَاجِب لله عَليكم مِنْ الْهِجْرَة مِنْ أرْض الكُفْر إلى أرْض الإسْلام، فَتَتْرُكُوا الْهِجْرَة (مَا اسْتَطَعْتُمْ) بِمَعْنَى: وأنتم للهِجْرة مُسْتَطِيعين (١).
مُلخَّص جواب القرطبي:
١ - أنَّ آيَة "آلِ عِمْران" لَيْسَتْ مَنْسُوخَة، وإن كَان قَدْ قِيل بالنَّسْخ؛ لأنَّ النَّسْخ إنما يَكُون عِند عَدَم الْجَمْع، والْجَمْع مُمْكِن؛ فهو أوْلى (٢).
٢ - أنَّ الأمْر بَتَقْوَى الله حَقّ تُقَاتِه لا يُعَارِضُه الأمْر بالتَّقْوى حَسب الاسْتِطَاعة، لأنَّ الآيَة الثَّانِيَة في سِيَاق الفِتْنَة بالْمَال والأهْل والوَلد، فَقَد تَقَدَّمَها قَوله تَعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [التغابن: ١٤، ١٥]، ثم إنَّ الْمُسْلِم مَأمُور أن يَأتي مِنْ العَمَل مَا يَسْتَطِيع، ولا يُكَلَّف إلَّا مَا يَسْتَطِيع.
مُقارنة جوابه وجَمْعه بين الآيات بجَمْع غيره من العلماء:
مِمَّنْ حَكَى القَولين - النَّسْخ والإحْكَام -: ابن جرير الطبري، فإنه قَال في آيَة "آل عمران": اخْتَلَف أهْل التأويل في هَذه الآيَة: هَلْ هي مَنْسُوخَة أم لا؟
стр. 82
فَقَال بَعْضُهم: هي مُحْكَمة غير مَنْسُوخَة.
وقال آخَرُون: هي مَنْسُوخَة، نَسَخَها قَوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (١).
وكأنه رَجَّح القَوْل بالنَّسْخ حَيث أكْثَر مِنْ الرِّوَاية عن القَائِلين بالنَّسْخ، في حِين اقْتَصَر عَلى رِوايَتَين فِيما يَتَعَلَّق بالقَوْل الأوَّل، وهو أنها مُحْكَمَة.
وأَلْمَحَ أبو الليث السمرقندي إلى القَول بالنَّسْخ، فَقَال: قَوله تَعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) يَقُول: أطِيعُوا الله حَقّ طَاعَته، وحَقّ طَاعَته أن يُطَاع فلا يُعْصَى طَرْفَة عَين، وأن يُشْكَر فَلا يُكْفَر طَرْفَة عَين، وأن يُذكَر فلا يُنْسَى طَرْفَة عَين، فَشَقّ ذلك على الْمُسْلِمِين، فأنْزَل اللهُ تَعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) فَنَسَخَتْ هَذه الآيَة ....
وقال بَعْضُهم: لا يَجُوز أن يُقَال هَذه الآيَة مَنْسُوخة؛ لأنه لا يَجُوز أن يأمُرَهم بشَيء لا يُطِيقُونَه بل إنهم يُطِيقُونَه ولَكِن تَلْحُقُهم مَشَقَّة شَدِيدَة، وكَان ذَلك مَجْهُود الطَّاقَة، ولا يَسْتَطِيعون الدَّوَام عَليه، واللهُ تَعالى لا يُكَلِّف عِبَادَة إلَّا دُون ما يُطِيقُونَه، فَخَفَّفَ عنهم بِقوله تَعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) ولم يُنْسَخ آخِر الآيَة، وهو قَوله تعالى: (وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) يَعني: اثبُتُوا عَلى الإسْلام، وكُونُوا بِحَالِ يَلْحَقكم الْمَوت، وأنْتم عَلى الإسْلام (٢).
وجَمَع السمعاني بَيْن آية "آل عِمْران" وآيَة "الطَّلاق" بِأنَّ إحْدَى الآيَتَين مُوافِقَة للأخْرَى ودَفَعَ القَول بالنَّسْخ، فأوْرَد قول قتادة: الآين مَنْسُوخَة بِقوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)، ثُم قَال:
стр. 83
قَال أهْل الْمَعَاني: لا يَسْتَقِيم النَّسْخ فِيه، وقَوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) تَفْسِير لِهَذِه الآيَة؛ لأنَّ مَنْ أطَاع الله في وَقت وُجُوب الطَّاعة، وذَكَرَه في وَقت وُجوب الذِّكْر، وشَكَرَه في مَوضِع وُجُوب الشُّكر، فقد اتَّقَى الله حَقّ تُقَاتِه. وهَذا لم يَصِرْ مَنْسُوخًا.
وقَوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) مُوافِق لَه، لأنَّ التَّقْوَى إن كَان في مَوْضِع الأمْر والوُجُوب والأوَامِر والوَاجِبَات عَلى قَدْر الاسْتِطاعة؛ فَتَكُون إحْدَى الآيَتَين مُوافِقَة للأُخْرَى، فَلا يَسْتَقِيم فِيه النَّسْخ (١).
وأشَار الثعالبي إلى النَّسْخ فَحَكَى عَنْ الزَّجَّاج قَوله: أي: اتَّقُوا فِيمَا يَحِقّ عَليكم أن تَتَّقُوه، واسْمَعُوا وأطِيعُوا.
ثم قَال: قَال الْمُفَسِّرُون: فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذه الآيَة قَالُوا (٢): يا رَسُول الله ومَن يَقْوى على هَذا؟ وشَقّ عَليهم، فأنزل الله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) فَنَسَخَتْ هذه الآية.
قال مُقَاتِل: ولَيس في "آل عمران" مِنْ الْمَنْسُوخ إلَّا هَذا. (وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) قَال طَاوس: مَعْنَاه: اتَّقُوا الله حَقّ تُقَاتِه، وإن لَم تَفْعَلُوا ولَم تَسْتَطِيعُوا فَلا (٣) تَمُوتن إلَّا وأنْتُم مُسْلِمُون (٤).
في حين اقتَصَر البَغوي على ذِكر القَول بالنَّسْخ، حيث قَال: قَال أهْل التَّفْسِير: لَمَّا نَزَلَت هَذه الآيَة شَقَّ ذلك عَليهم، فَقَالُوا: يا رَسُول الله ومَن يَقْوَى عَلى هَذا؟
стр. 84
فأنْزَل اللهُ تَعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)، فَنَسَخَتْ هَذه الآيَة. وقَال مُقَاتِل: لَيْس في "آل عِمران" مِنْ الْمَنْسُوخ إلَّا هَذه الآيَة (١).
وقال في تَفْسِير سُورة "الطَّلاق" مَا نَصّه:
(فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) أي أطَقْتُم. هَذِه الآيَة نَاسِخَة لِقولِه تَعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) (٢).
ورجّح ابنُ عَطية عَدَم النَّسْخ، حَيْث قَال: واخْتَلَف العُلَمَاء في قَوله: (حَقَّ تُقَاتِهِ)، فَقَالَتْ فِرْقَة: نَزَلَتْ الآيَة عَلى عُمُوم لَفْظِها، وأُلْزِمَت الأُمَّة أن تَتَّقِي الله غَايَة التَّقْوَى حَتَّى لا يَقَع إخْلال في شَيء مِنْ الأشْيَاء، ثُمّ إنَّ الله نَسَخَ ذلك عَنْ الأمَّة بِقَوله تَعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)، وبِقَولِه: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة: ٢٨٦].
وقَالَت جَمَاعَة مِنْ أهْل العِلْم: لا نَسْخ في شَيء مِنْ هَذا، وهَذه الآيَات مُتَّفِقَات، فَمَعْنَى هَذِه: اتَّقُوا الله حَقَّ تُقَاتَه فِيمَا اسْتَطَعْتُم، وذَلك أن حَقّ تُقَاتِه هو بِحَسب أوَامِره ونَوَاهيه، وقد جَعَل تَعالى الدِّين يُسْرًا؛ وهَذا هُو القَول الصَّحِيح، وألّا يَعْصِي ابن آدَم جُمْلَة لا في صَغِيرَة ولا في كَبِيرَة، وألَّا يَفْتُر في العِبَادَة أمر مُتَعَذِّر في جِبِلّة البَشَر، ولَو كَلَّف الله هَذا لَكَان تَكلِيف مَا لا يُطَاق، ولم يَلْتَزِم ذلك أحَد في تَأويل هَذه الآيَة، وإنما عَبَّرُوا في تَفْسِير هَذه الآيَة بأنْ قَال ابن مسعود ﵁: حَق تُقَاتِه: هو أن يُطَاع فلا يُعْصَى، ويُشْكَر فلا يُكْفَر، ويُذْكَر فلا يُنْسَى. وكَذلك عَبَّر الربيع بن خثيم وقتادة والحسن، وقال ابن عباس ﵄: مَعْنَى قوله: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ)، (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ) [الحج: ٧٨] ولا نَسْخ في الآيَة.
وقال طَاوس في مَعْنَى قَوله تَعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ): يَقُول تَعالى: إن لَم تَتَّقُوه ولَم تَسْتَطِيعُوا ذَلك فَلا تَمُوتُنّ إلَّا وأنْتُم
стр. 85
مُسْلِمُون). وقَوله تَعالى: (وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) مَعْنَاه: دُومُوا عَلى الإسْلام حَتى يُوافِيكُم الْمَوْت وأنْتم عليه. هَكَذا هُو وَجْه الأمْر في الْمَعْنَى (١).
وأمَّا الرَّازي فَقَد أطَال النَّفَس في رَدّ دَعْوى النَّسْخ، فَقَال: قَال بَعْضُهم: هَذه الآيَة مَنْسُوخَة، وذَلك لِمَا يُرْوَى عَنْ ابنِ عباس ﵄ أنه قَال: لَمَّا نَزَلَتْ هَذه الآيَة شَقّ ذَلك عَلى الْمُسْلِمِين؛ لأنَّ حَقّ تُقَاتِه: أن يُطَاع فلا يُعْصَى طَرْفَة عَيْن، وأن يُشْكَر فلا يُكْفَر، وأن يُذْكَر فَلا يُنْسَى، والعِبَاد لا طَاقَة لَهُمْ بِذَلك، فَأنْزَل الله تَعَالى بَعْد هَذه: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)، ونَسَخَتْ هَذه الآيَة أوَّلَها ولَم يُنْسَخ آخِرها، وهو قَوله: (وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)، وزَعَم جُمْهُور الْمُحَقِّقِين أنَّ القَول بِهَذا النَّسْخ بَاطِل، واحْتَجُّوا عَليه مِنْ وُجُوه:
الأوَّل: مَا رُوي (٢) عن مُعَاذ أنه ﵇ قَال له: هَلْ تَدْرِي مَا حَقّ الله على العِبَاد؟ قَال: الله ورَسُوله أعْلَم. قال: هُو أن يَعْبُدُوه ولا يُشْرِكُوا به شَيئًا (٣). وهَذا لا يَجُوز أن يُنْسَخ (٤).
الثَّاني: أنَّ مَعْنَى قَوله: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) أي: كَما يَحِقّ أن يُتّقَى، وذَلك بِأن يَجْتَنِب جَمِيع مَعَاصِيه، ومِثْل هَذا لا يَجُوز أن يُنْسَخ؛ لأنه إبَاحَة لِبَعْض الْمَعَاصِي، وإذا كَان كَذلك صَارَ مَعْنى هذا، ومَعْنَى قَوله تَعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) وَاحِدًا، لأنَّ مِنْ اتَّقَى الله مَا اسْتَطَاع فَقَد اتَّقَاه حَقّ تُقَاته، ولا يَجُوز أن يَكُون الْمُرَاد بِقَولِه: (حَقَّ تُقَاتِهِ)
стр. 86
مَا لا يُسْتَطَاع مِنْ التَّقْوى، لأنَّ اللهَ سُبْحَانَه أخْبر أنه لا يُكَلِّف نَفْسًا إلَّا وُسْعَها، والوُسْع (١) دُون الطَّاقة، ونَظِير هَذه الآيَة قَوله: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ) [الحج: ٧٨] أمَّا الذِين قَالوا: إنّ الْمُرَاد هُو أن يُطَاع فلا يُعْصَى؛ فَهَذا صَحِيح، والذي يَصْدُر عن الإنْسَان عَلى سَبِيل السَّهْو والنِّسْيان فَغَير قَادِح فِيه، لأنَّ التَّكْليف مَرْفوع في هَذه الأوْقَات، وكَذلك قَوله: "أن يُشْكَر فلا يُكْفَر"، لأنَّ ذلك واجِب عليه عند خُطُور نِعم الله بالبَال، فأمَّا عِنْد السَّهْو فلا يَجِب، وكَذلك قَوله: "أن يُذْكَر فلا يُنْسى"، فإنَّ هَذا إنما يَجِب عِنْد الدُّعَاء والعِبَادَة، وكُلّ ذَلك مِمَّا [لا] (٢) يُطَاق، فَلا وَجْه لِمَا ظَنُّوه أنه مَنْسُوخ.
فـ "قَوله تَعالى: (حَقَّ تُقَاتِهِ) أي: كَمَا يَجِب أن يُتّقَى، يَدُلّ عَليه قَوله تَعالى: (حَقُّ الْيَقِينِ) [الواقعة: ٩٥]، ويُقَال: هُو الرَّجُل حَقًّا" (٣).
وذَكَرَ ابن كثير القَوْلَين، فَنَقَلَ عن جَمَاعَة "أنَّ هَذه الآيَة مَنْسُوخَة بِقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ).
وقَال عَلي بن أبي طَلحة عَنْ ابن عباس في قَوله تَعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) قَال: لَمْ تُنْسَخ، ولَكِن (حَقَّ تُقَاتِهِ) أن يُجَاهِدُوا في سَبِيلِه حَقّ جِهَادِه، ولا تَأخُذْهم في الله لَومَة لائم، ويَقُومُوا بالقِسْط ولَو عَلى أنْفسِهم وآبَائهم وأبْنَائهم" (٤).
стр. 87
ويَظهر أنه يَرى أنَّ الآيَة مُحْكَمَة، وأنَّه لا نَسْخ، حَيث قَال في تَفْسِير سُورة الحج مَا نَصّه: وقَوله: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ) [الحج: ٧٨] أي: بِأمْوالِكُم وألْسِنَتِكُم وأنْفُسِكم، كَمَا قَال تَعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) (١).
أمَّا في تَفسِير سُورَة التَّغَابُن فَقَد ذَكَر القَولَين، فَقَال: وقَوله تَعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) أي: جُهْدَكم وطَاقَتكم، كَمَا ثَبَت في الصَّحِيحين (٢) عن أَبي هُريرة ﵁ قَال: قَال رَسُول الله ﷺ : إذا أمَرْتُكُم بأمْر فأتُوا مِنْه مَا اسْتَطَعْتُم، ومَا نَهَيتُكُم عَنه فاجْتَنِبُوه. وقَد قَال بَعْض الْمُفَسِّرِين .... : إنَّ هَذه الآيَة نَاسِخَة للتي في "آل عمران"، وهي قَوله تَعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (٣) ثم ذَكَر سبب نُزُول الآيَة عن سعيد بن جبير، وأنَّ آية "آل عمران" مَنْسُوخَة بآيَة "التغابن" (٤).
ورجّح الثعالبي عَدم النَّسْخ، فَقَال بَعْد أنْ حَكَى القَوْل بالنَّسْخ: وقَالَتْ جَمَاعَة: لا نَسْخ هُنا، وإنما الْمَعْنى: اتَّقُوا الله حَقَّ تُقاته في مَا اسْتَطَعْتُم؛ وهَذا هو الصَّحِيح (٥).
كما نَبَّه القاسمي إلى أنَّ مَنْ زَعَم النَّسْخ لم يُصِب الْمَحَزّ، فقال: زَعَم بَعْضُهم أنَّ هَذه الْجُمْلَة مِنْ الآيَة مَنْسُوخَة بِآيَة: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) مُتأوِّلًا (حَقَّ تُقَاتِهِ) بأن يَأتي العَبْد بِكُلّ مَا يَجِب لله ويَسْتَحِقّه، قَال: وهَذا يَعْجَز العَبْد عَنْ الوَفَاء [بِه] (٦)، فَتَحْصِيله
стр. 88
مُمْتَنِع. وهَذا الزَّعْم لَم يُصِب الْمَحَزّ، فإنَّ كُلًّا مِنْ الآيَتَين سِيقَ في مَعْنَى خَاصٍ بِه، فلا يُتَصَوَّر أن يَكُون في هَذه الْجُمْلَة طَلَب مَا لا يُسْتَطَاع مِنْ التَّقْوَى، بل الْمُرَاد مِنْها دَوَام الإنَابَة لَه تَعالى وخَشيته وعِرْفَان جَلالِه وعَظَمَته قَلْبًا وقَالَبا. وهَذا مِنْ الْمُسْتَطَاع لِكُلّ مُنِيب. وقَوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) أمْرٌ بِعِبَادَته قَدْر الاسْتِطَاعَة بِلا تَكْلِيف لِمَا لا يُطَاق؛ إذْ (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا) [البقرة: ٢٨٦]، وظاهِرٌ أنّ مَنْ أتَى بِمَا يَسْتَطِيعه مِنْ عِبَادَته تَعالى، وأنَابَ لِجَلالِه، وأخْلَص في أعْمَالِه، وكان مُشْفِقًا في طَاعَتِه؛ فَقَد اتَّقَى الله حَقَّ تُقَاتِه (١).
وأمَّا الشنقيطي فَقَد اقْتَصَر عَلى قَوله: قَوله تَعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) الآية. هَذه الآية تَدُلّ عَلى التَّشْدِيد البَالِغ في تَقْوَى الله تَعالى، وقَد جَاءت آيَة أخْرَى تَدُلّ على خِلاف ذَلك، وهي قَوله تَعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)، والْجَواب بأمْرَين:
الأوَّل: أنَّ آيَة (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) نَاسِخَة لِقَولِه: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ).
الثاني: أنَّهَا مُبيِّنةٌ للمَقْصُود بِهَا. والعِلْم عِند الله تعالى (٢).
رأي الباحث:
الصَّحيح أن الآيات مُحْكَمَة، وأنه لا تَعَارُض بَيْن الآيَتَين، والْجَمْع بَيْنَهُما مِنْ وُجُوه:
الأوَّل: أنَّ (حَقَّ تُقَاتِهِ): أن يُطَاع فلا يُعْصَى، وأن يُذْكَر فلا يُنْسَى، وأن يُشْكَر فلا يُكْفَر. كما قال ابن مسعود ﵁ (٣).
стр. 89
وذلك لا يَقْتَضِي الْعِصْمَة، ولا أنَّ لا يَقَع العَبْد في الذَّنْب، وإنما يَعْنِي أن يَخَاف الله فلا يُصِرّ على ذَنْب، وأن يَشْكُر الله فَلا يَكْفره.
قال ابن جرير: يَعْنِي بِذلك جلّ ثناؤه: يا مَعْشَر مَنْ صَدَّق اللهَ ورَسوله (اتَّقُوا اللَّهَ) [آل عمران: ١٠٢]: خَافُوا الله ورَاقِبُوه بِطَاعَتِه واجْتِنَاب مَعَاصيه. (حَقَّ تُقَاتِهِ): حَقَّ خَوْفه، وهو أن يُطَاع فلا يُعْصَى، ويُشْكَر فلا يُكْفَر، ويُذْكَر فلا يُنْسَى (١).
وقال ابن الجوزي: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) ذَهَب كَثِير مِنْ الْمُفَسِّرِين إلى أنها نُسِخَتْ بِقَولِه: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) والصَّحِيح أنها مُحْكَمة، وأنَّ (مَا اسْتَطَعْتُمْ) بَيَان لِـ (حَقَّ تُقَاتِهِ)، فإنَّ القَوْم ظَنُّوا أن (حَقَّ تُقَاتِهِ) مَا لا يُطَاق، فَزَال الإشْكَال. ولَو قَال: لا تَتَّقُوه حقّ تُقَاتِه؛ كان نَسْخًا (٢).
الوَجْه الثَّاني: أنَّ آية "التغابن" (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) لا تُعَارِض آية "آل عمران" (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ)، وذَلك لأنَّ آيَة "التغابن" جَاءت بَعْد ذِكْر الأهْل والْمَال والوَلَد، والإخْبَار بِأنَّ الْمَال والوَلَد فِتْنَة، ولِمَا جُبِلتْ عليه النَّفُوس مِنْ حُب الْمَال والوَلَد، جَاء الأمْر بِتَقْوَى الله حَسب الاسْتِطَاعَة.
وبَيَان ذَلك: أنَّ الإنْسَان قَدْ يَشْغله الْمَال أوْ الوَلَد عَنْ طَاعَة الله، فإذا كَان ذلك فَلْيَتَّق الله مَا اسْتَطَاع، وذَلك بأن يُسَدِّد ويُقَارِب.
فَفِي سِيَاق آيَات "التغابن" قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)، ثم قَال جَلّ ذِكْرُه: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
стр. 90
فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم، لأنه مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيء فَإنَّ في الْمَال والوَلَد فِتْنَة.
ويَدُلّ عَلى ذلك مَا جَاء في حَدِيث حُذَيفة ﵁ أنه قَال: سَمِعْتُ رَسُول الله ﷺ يَقُول: فِتْنة الرَّجُل في أهْلِه ومَالِه ونَفْسِه وولَدِه وجَارِه؛ يُكَفِّرها الصِّيَام والصَّلاة والصَّدَقة والأمْر بِالْمَعْرُوف والنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر (١).
قال الزَّين بن الْمُنَيِّر: الفِتْنة بِالأهْل تَقَع بالْمَيْل إلَيْهِنّ، أوْ عَلَيْهِنّ في القِسْمَة والإيثَار حَتى في أوْلادِهِنّ، ومِن جِهَة التَّفْرِيط في الْحُقُوق الوَاجِبَة لَهُنّ، وبِالْمَال يَقَع الاشْتِغَال بِه عَنْ العِبَادَة، أوْ بِحَبْسِه عَنْ إخْرَاج حَقّ الله، والفِتْنَة بِالأوْلاد تَقَع بالْمَيْل الطَّبِيعِي إلى الوَلَد، وإيثارِه عَلى كُلّ أحَد (٢).
"والْمُرَاد بِالفِتْنة مَا يَعْرِض للإنْسَان مَع مَنْ ذُكِر مِنْ البَشَر، أوْ الالْتِهَاء بِهِم، أوْ أنْ يَأتِي لأجْلِهم بِمَا لا يَحِلّ لَه، أوْ يُخِلّ بِمَا يَجِب عَلَيه" (٣).
قال ابن بَطَّال: فِتْنَة الرَّجُل في أهْله: أن يَأتي مِنْ أجْلِهم مَا لا يَحِلّ لَه مِنْ القَوْل أوْ العَمَل مِمَّا لَم يَبْلُغ كَبِيرة. وقال الْمُهَلَّب: يُرِيد مَا يَعْرِض لَه مَعَهنّ مِنْ شَرٍّ أوْ حُزْن أوْ شِبْهة.
قَوله: "ومَالِه" فِتْنَة الرَّجُل في مَالِه أن يَأخُذه مِنْ غَير مأخَذِه ويَصْرفه في غَير مَصْرفه، أوْ التَّفْريط بِمَا يَلْزَمه مِنْ حُقُوق الْمَال، فَتَكْثُر عَليه الْمُحَاسَبة.
قَوله: "ووَلِده" فِتْنَة الرَّجُل في وَلَدِه فَرْط مَحَبَّتِهم، وشُغْله بِهم عَنْ كَثِير مِنْ الْخَيْر، أوْ التَّوغَّل في الاكْتِسَاب مِنْ أجْلهم مِنْ غَير اكْتِرَاثٍ مِنْ أن يَكُون مِنْ حَلال أوْ حَرَام (٤). فلأَجْل هَذا جَاءَ في آيَة "التغابن" (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) والله أعلم.
أمَّا آيَة "آل عمران" فإنها جَاءَت في سِيَاق النَّهْي عَنْ طَاعَة أهْل الكِتَاب، والأمْر بالاعْتِصَام بالله، والتَّمَسُّك بِحَبْلِه الْمَتِين؛ وذلك يَقْتَضِي الأمْر بالاتِّقَاء حَقّ التَّقْوى.
стр. 91
فَفِي سِيَاق آيَات "آل عمران": (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)) ثم قال: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).
فيَظْهَر أنَّ الأمْر بالتَّقْوى هُنَا حَقّ التَّقْوَى عَلى ظَاهِره، إذْ لا مَصْلَحَة في طَاعَة أهْل الكِتَاب، وأنّ طَاعَتهم مُفْضِية إلى النَّكُوص على الأعْقَاب، ولذا خُتِمت الآية بـ (وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)، ومِمَّا يُؤكّد هَذا القَوْل ويُؤيِّد هَذا الْمَذْهَب أنَّ النبي ﷺ لَم يَكُنْ يُعْمِل العُموم في هاتين الآيَتَين في الْوَصِيَّة بالتَّقْوى، كمَا أعْمل غيرهما (١).
وبهذا تَكُون كُلّ آيَة في سِيَاقِها لَهَا دَلالَتها، ولا تَعَارُض بَيْن الآيَات.
وقَد تَقرَّر أنه إذا وَرَد التَّرْغِيب في القُرْآن "قارَنَه التَّرْهِيب في لَواحِقه أوْ سَوابقه أوْ قَرائنِه، وبالعَكْس، وكَذلك التَّرْجِيَة مَع التَّخْويف .... وقد يُغَلَّب أحَد الطَّرَفَين عَلى الآخَر بِحَسب الْمَوَاطِن ومُقْتَضَيات الْحَال .... ولَمَّا كَان جَانِب الإخْلال مِنْ العِبَاد أغْلَب؛ كَان جَانِب التَّخْويف أغْلَب، وذَلك في مَظانِّه الْخَاصَّة لا عَلى الإطْلاق" (٢).
الوَجْه الثَّالِث: أنَّ مِنْ مَعاني التَّقْوَى "أدَاء مَا افْتَرض الله، وتَرْك مَا حَرَّم الله" (٣).
وأنّ أدَاء الفَرَائض عَلى حَسب الاسْتِطَاعَة، لِحَدِيث أبي هُريرة الْمُتَقَدِّم، وفِيه: "إذا أمَرْتُكُم بأمْرٍ فأتُوا مِنه مَا اسْتَطَعْتُم" (٤)، ولِقَوْل النبي ﷺ لِعُمْرَان بن حُصِين: صَلِّ قائمًا، فإن لم تَستطع فَقَاعِدا، فإن لم تستطع فَعَلى جَنْب (٥).
فإذا أدَّى الْمُؤمِن مَا يَجِب عَليه حَسب اسْتِطَاعَته في مثل هذه الْحَالَة، فقد اتَّقَى الله حقّ تُقَاتِه، ولا تَثْرِيب عَليه.
لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) الآيَة [الأنفال: ٣٨]. وكَقَولِه: (كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) [النساء: ٩٤] وكَقَولِه: (وَمِنْ هَؤْلَاء مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ) [العنكبوت: ٤٧] (١).
جَمْع القرطبي:
قال القرطبي في آيَة "البقرة":
اخْتَلَف العُلَمَاء في تَأوِيل هَذه الآيَة؛ فَقِيل: هي عَامَّة ومَعْنَاها الْخُصُوص فِيمن حَقَّت عَليه كَلِمَة العَذَاب، وسَبق في عِلْم الله أنه يَمُوت على كُفْرِه، أرَاد الله تَعالى أن يُعْلَم أنَّ في النَّاس مَنْ هَذه حَاله دُون أن يُعَيِّن أحَدًا.
وقال ابن عباس والكلبي: نَزَلَتْ في رُؤسَاء اليَهُود، مِنهم حُيي بن أخطب وكَعب بن الأشْرف ونُظراؤهما.
وقال الربيع بن أنس: نَزَلَتْ فيمن قُتل يوم بَدْر مِنْ قادَة الأحْزاب، والأول أصَحّ، فإن مَنْ عَيَّنَ أحدًا فإنما مَثَّل بِمَنْ كُشِفَ الغَيب عَنْه بِمَوتِه على الكُفْر، وذلك دَاخِل في ضِمْن الآيَة (٢).
مُلخَّص جواب القرطبي:
١ - الآية عَامَّة ومَعناها الْخُصُوص فيمن حَقَّت عليه كَلِمة العَذَاب.
٢ - أنها نَزَلَتْ في قَوم مَخْصُوصِين، والعِبرة بِعموم اللفظ لا بِخصُوص السَّبَب.
٣ - رَجَّح القَول الأوَّل.
مُقارنة جوابه وجَمْعه بين الآيات بجَمْع غيره من العلماء:
قال ابن جرير في آية "البقرة": اخْتَلَف أهْل التَّأوِيل فِيمَن عَنَى بِهَذِه الآيَة، وفِيمَن نَزَلَتْ.
стр. 102
وكَان ابن عباس يَرَى أنَّ هذه الآية نَزَلَتْ في اليَهُود الذين كَانُوا بِنَوَاحِي الْمَدِينَة على عَهد رَسُول الله ﷺ تَوبِيخًا لهم في جُحُودِهم نُبُوّة محمد ﷺ وتَكْذِيبِهم به مَع عِلْمِهم به، ومَعْرِفَتهم بأنه رَسُول الله ﷺ إليهم وإلى النَّاس كَافَّة.
وقد رُوي عن ابن عباس في تَأوِيل ذلك قَول آخَر … قَال: كَان رسول الله ﷺ يَحْرِص عَلى أن يُؤمِن جَميع النَّاس ويُتَابِعُوه عَلى الْهُدَى، فَأَخْبَرَه الله جَلَّ ثَناؤه أنه لا يُؤمِن إلَّا مَنْ سَبَقَ لَه مِنْ الله السَّعَادَة في الذِّكْر الأوَّل، ولا يَضِلّ إلّا مَنْ سَبَقَ لَه مِنْ الله الشَّقاء في الذِّكْر الأوَّل.
وذَكَرَ ابن جرير بَقِيَّة الأقْوَال ثم قَال: وإن كَان لِكُلّ قَوْل مِمَّا قَالَه الذين ذَكَرْنا قَولهم في ذَلك مَذْهَب.
وأمَّا عِلَّتُنا في اخْتِيارِنا مَا اخْتَرْنا مِنْ التَّأوِيل في ذَلك، فهي أنَّ قَول الله جَلَّ ثَنَاؤه: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) عَقيب خَبَر الله جَلَّ ثَنَاؤه عن مُؤمِني أهْل الكِتَاب، وعَقيب نَعْتِهم وصِفَتهم، وثَنَائه عَليهم بإيمانِهم بِه وبِكُتُبه ورُسُله، فَأوْلى الأمُور بِحِكْمَة الله أن يُتْلِيَ ذلك الْخَبر عن كُفَّارِهم ونُعُوتِهم، وذَمّ أسبَابَهم وأحْوَالِهم، وإظْهار شَتْمِهم والبَرَاءة منهم؛ لأن مُؤمنيهم ومُشْرِكِيهم - وإن اخْتَلَفَتْ أحْوَالهم بِاخْتِلاف أدْيَانهم - فإنَّ الْجِنْس يَجْمَع جَمِيعهم بِأنهم "بَنو إسرائيل".
ومما يُنْبئ عن صحَّة ما قُلْنا من أنَّ الذين عَنَى الله تَعالى ذكْرُه بقَوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) هُمْ أحْبَار اليَهُود الذين قُتِلُوا على الكُفْر ومَاتُوا عليه اقْتِصَاص الله تَعالى ذِكْرُه نَبأهم، وتَذْكِيره إيّاهم مَا أخَذَ عَليهم مِنْ العُهود والْمَوَاثِيق في أمْرِ محمد ﵊ بَعْد اقْتِصَاصِه تَعالى ذِكْرُه مَا اقْتَصَّ مِنْ أمْرِ الْمُنَافِقِين.
وأمَّا مَعْنَى الكُفْر في قَوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) فإنه الْجُحُود، وذلك أنّ الأحْبار مِنْ يَهُود الْمَدِينَة جَحَدُوا نُبُوَّة محمد ﷺ ، وسَتَرُوه عَنْ النَّاس، وكَتَمُوا أمْرَه، وهُم يَعْرِفُونه كما يَعْرِفُون أبْناءهم.
стр. 103
فَكَذَلك الأحْبَار مِنْ اليَهُود غَطَّوا أمْر محمد ﷺ وكَتَمُوه النَّاس، مع عِلْمِهم بنُبوّته ووجُودهم صِفَته في كُتُبِهم (١).
وقال النحَّاس في آية "البقرة": هُمْ الكُفَّار الذي ثَبتَ في عِلْم الله تعالى أنهم كُفَّار، وهو لَفظ عَامّ يُرَاد به الْخَاصّ (٢).
في حين ذَكَر السمرقندي جَوابَين:
أحَدهما: أنّ آية "البقرة" نَزَلَتْ في مُشْرِكي قُريش؛ مِنهم عُتبة بن ربيعة وشَيبة بن ربيعة وأبو جَهل وغيرهم. هذا قَول مُقَاتِل. وقَال الكَلبي: نَزَلَتْ في رُؤسَاء اليَهُود؛ منهم كَعب بن الأشرف وحُيي بن أخطب وأبو يَاسِر بن أخطب.
والثَّاني: أنَّ الآية خَاصَّة ولَيْستْ بِعَامَّة، وإنما أرَاد به بَعض الكُفّار الذين ثَبَتُوا على كُفْرِهم (٣).
ويَرى السمعاني أنها في قَوم مَخْصُوصِين، حيث قال: وَرَدَتْ هذه الآيَة في قَوْم بأعْيَانِهم عَلِم الله تعالى أنهم لا يُؤمِنُون (٤).
وذَكَر الثعلبي الأقْوَال في الآيَة، ثم قَال: وهَذه الآيَة خَاصَّة فِيمَن حَقَّتْ عليه كَلِمَة العَذَاب في سَابِق عِلْم الله، وظَاهِرها إنْشَاء، ومَعْنَاهَا إخْبَار (٥).
стр. 104
واقْتَصِر البغوي على قوله في آية "البقرة": وهَذه الآيَة في أقْوَام حَقَّتْ عَليهم كَلِمة الشَّقاوة في سَابِق عِلْم الله (١).
ونقل ابن عطية "الاتِّفَاق على أنها غَير عَامَّة لِوُجُود الكُفَّار [الذين] (٢) قد أسْلَمُوا بَعدها" (٣).
ويَرى الزمخشري أن آية "البقرة" في "العُتَاة الْمَرَدَة مِنْ الكُفَّار، الذين لا يَنْفَع فيهم الْهُدَى، ولا يُجْدِي عليهم اللُّطْف، وسَواء عليهم وُجُود الكِتاب وعَدَمه، وإنْذَار الرَّسُول وسُكُوته" (٤).
أمَّا الرازي فَقَال: اخْتَلَف أهْلُ التَّفْسِير في الْمُرَاد هَهنا بِقَولِه: (الَّذِينَ كَفَرُوا)؛ فَقَال قَائلُون: إنهم رُؤسَاء اليَهُود الْمُعَانِدُون الذين وَصَفهم الله تَعالى بأنهم يَكْتُمون الْحَقّ وهُم يَعْلَمُون، وهو قَول ابن عباس ﵄.
وقال آخَرُون: بل الْمُرَاد قَوْم مِنْ الْمُشْرِكين، كَأبي لَهب وأَبي جَهل والوَليد بن الْمُغيرة وأضْرَابهم، وهُم الذين جَحَدُوا بَعد البَيِّنَة، وأنْكَرُوا بَعد الْمَعْرفة، ونَظيره مَا قَال الله تَعالى: (فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ) [فصلت: ٤، ٥]، وكَان ﵇ حَريصًا عَلى أن يُؤمِن قَومه جَمِيعًا، حَيث قَال الله تَعالى لَه: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) [الكهف: ٦]، وقال: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) [يونس: ٩٩]، ثم إنه بَيَّن له ﵇
стр. 105
أنهم لا يُؤمِنون لِيَقْطَع طَمَعَه عَنهم، ولا يَتَأذَّى بِسَبَب ذَلك، فإنَّ اليَأس إحْدَى الرَّاحَتين (١).
وفَصَّل ابنُ جُزي في الآيَة بِنَاء على الْمُرَاد بالضَّمِير الْمُنْفَصِل، فَقَال: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) فِيمَن سَبَق القَدَر أنه لا يُؤمِن كَأبي جهل، فإنْ كَان (الَّذِينَ) للجِنْس فَلَفْظُها عَامّ يُرَاد به الْخُصُوص، وإنْ كَان للعَهْد فَهو إشَارَة إلى قَوْم بأعْيَانِهم (٢). ثم ذَكَر الْخِلاف.
في حين نَقَل ابنُ كثير القولين: الأوَّل الْمَرْويّ عن ابن عباس في حِرْصِه ﷺ على هِدَايَة قَومِه، والقَول الثَّاني الْمَرْوي عن أبي العَالِية في أنها في قَتادَة الأحْزَاب، ثم رَجَّح القَوْل الأوَّل بِقَولِه: والْمَعْنَى الذي ذَكرناه أوّلًا - وهو الْمَرْويّ عن ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة - أظْهَر، ويُفَسَّر بِبَقِية الآيات التي في مَعناها (٣).
ونقل الثعالبي قول ابن عطية السَّابِق، فقال: اخْتُلِف فيمن نَزَلَتْ هَذه الآيَة بَعْد الاتِّفَاق عَلى أنها غَير عَامَّة لِوُجُود الكُفَّار [الذين] (٤) قد أسْلَمُوا بَعدها (٥). ثم ذَكَر الْخِلاف.
ونَقَل الشوكاني قول القرطبي في الآية، وارْتَضَاه (٦).
стр. 106
رأي الباحث:
أن الآية عَامَّة يُرَاد بها الْخُصُوص في حَق مَنْ سَبَق في عِلْم الله أنه لا يُؤمِن، كَأَبِي لَهَب، وقد أنْزَل الله فيه ما أنْزَل.
ومَن ذَكَر أمْثِلَة أو أشْخَاصًا بأعْيَانِهم، فهم لا يَخْرُجُون عن هذا القيد.
قال الشنقيطي: هذه الآية تَدُلّ بِظاهرها على عَدم إيمان الكُفَّار، وقد جاء في آيات أُخَر ما يَدُلّ على أن بعض الكفار يُؤمن بالله ورَسوله، كَقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)، الآية [الأنفال: ٣٨]. وكَقوله: (كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) [النساء: ٩٤] وكَقوله: (وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ) [العنكبوت: ٤٧]. وَوَجْه الْجَمْع ظَاهِر وهو أنّ الآية مِنْ العَامّ الْمَخْصُوص؛ لأنه في خُصُوص الأشْقِياء الذين سَبَقَت لهم في عِلْم الله الشَّقَاوة، الْمُشَار إليهم بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) [يونس: ٩٦، ٩٧]. ويَدُلّ لهذا التَّخْصِيص قوله تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) الآية. وأجَاب البعض بأن الْمَعْنَى: لا يُؤمنون ما دَام الطَّبْع على قُلُوبهم وأسْمَاعِهم، والغِشاوة على أَبْصَارِهم، فإن أزَال الله عنهم ذلك بِفَضْلِه آمَنُوا (١).
المثال الثالث:
نِكاح الكتابية بين الجواز والْمَنْع:
قوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ) [البقرة: ٢٢١] مع قوله تعالى: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) [المائدة: ٥].
стр. 107
صورة التعارض:
الآية الأولى في تَحْرِيم نِكَاح الْمُشْرِكَات، والآية الثانية تُبيح نِكَاح الْمُحْصَنَات مِنْ نِساء أهْل الكِتَاب، مع كَونِهنّ مُشْرِكَات. وكان ابن عمر إذا سُئل عن نِكَاح النَّصْرانيَّة واليهودية قال: إن الله حَرّم الْمُشْرِكات على المؤمنين، ولا أعْلَم مِنْ الإشْراك شيئًا أكْبر مِنْ أن تَقول الْمَرْأة: رَبها عيسى. وهو عَبْدٌ مِنْ عِباد الله (١).
جَمْع القرطبي:
قال القرطبي في آية "البقرة":
اخْتَلَف العُلَماء في تَأويل هذه الآية؛ فقالت طَائفَة: حَرّم الله نِكَاح الْمُشْرِكَات في سورة البقرة، ثم نَسَخ مِنْ هذه الجملة نِساء أهل الكتاب فأحَلَّهن في سُورة المائدة، ورُوي هذا القول عن ابن عباس … وقال قتادة وسعيد بن جبير: لَفْظ الآية العُموم في كُلّ كَافِرة، والمرَاد بها الْخُصُوص في الكِتَابِيَّات، وبَيَّنَتِ الْخُصُوص آية "المائدة"، ولم يَتناول العُموم قط الكِتابيات … وعلى القول الأول يَتَناوَلهن العُمُوم ثم نَسَخَتْ آية "المائدة" بعض العموم … وقال إسحاق بن إبراهيم الحربي: ذَهَب قَوم فَجَعَلُوا الآية التي في "البقرة" هي النَّاسِخَة، والتي في "المائدة" هي الْمَنْسُوخَة؛ فَحَرَّمُوا نِكاح كُل مُشْرِكة كِتابية أو غير كِتابية (٢).
ثم نقل عن النحّاس قوله: وهذا قول خارِج عن قول الجماعة الذين تَقُوم بهم الْحُجَّة؛ لأنه قد قال بِتَحْلِيل نِكَاح نِسَاء أهل الكِتَاب مِنْ الصَّحَابة والتابعين جَمَاعة … وفُقَهاء الأمْصَار عَلَيْه، وأيضًا فَيَمْتَنِع أن تَكون هذه الآية من سُورة "البَقَرة" نَاسِخَة للآية التي في سُورة "المائدة""؛ لأن "البقرة" مِنْ أوَّل ما نَزَل بالمدينة "والمائدة" مِنْ آخِر مَا نَزَل وإنما الآخِر يَنْسَخ الأول (٣). وأما حديث ابن عمر فلا حُجة فيه لأن ابن عمر ﵀
стр. 108
كان رَجُلًا مُتَوَقِّفًا، فلمَّا سَمع الآيتين في واحدة التَّحْلِيل، وفي أخْرى التَّحْرِيم، ولم يَبلغه النَّسْخ تَوقَّف، ولم يؤخذ عنه ذِكْر النَّسْخ، وإنما تُؤوِّل عليه، وليس يُؤخَذ الناسِخ والْمَنْسُوخ بالتأويل … وقال ابن عباس في بعض ما رُوي عنه: إن الآية عَامَّة في الوَثَنيات والْمَجُوسِيات والكِتَابِيَّات، وكلّ مَنْ على غَير الإسْلام - حَرَام؛ فَعَلَى هذا هي نَاسِخَة للآية التي في "المائدة".
ونَقَل القرطبي عن ابن المنذر قَوله: ولا يَصِحّ عن أحَد مِنْ الأوائل أنه حَرَّم ذلك.
وقال بعض العلماء: وأمّا الآيتان فلا تَعَارُض بينهما، فإن ظَاهِر لَفْظ الشِّرْك لا يَتَنَاول أهْل الكِتَاب، لقوله تعالى: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ) [البينة: ١] فَفَرَّق بينهم في اللفظ، وظَاهِر العَطْف يَقْتَضِي مُغَايرة بين الْمَعْطُوف والْمَعْطُوف عليه، وأيضًا فَاسْمُ الشِّرْك عُمُوم وليس بِنَصّ، وقوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي: أوتُوا الكِتَاب مِنْ قَبْلِكم وأسْلَمُوا، كقوله: (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ) [آل عمران: ١٩٩] الآية، وقوله: (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ) [آل عمران: ١١٣] الآية.
قيل له: هذا خِلاف نَصّ الآية في قوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ)، وخِلاف ما قَالَه الجمهور، فإنه لا يُشْكِل على أحَد جَواز التَّزْوِيج ممن أسْلَم وصَار مِنْ أعْيان الْمُسْلِمين. فإن قالوا: فقد قال الله تعالى: (أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) فَجَعَل العِلَّة في تَحْرِيم نِكَاحِهنّ الدُّعَاء إلى النَّار. والجواب أن ذلك عِلة لِقوله تعالى: (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ)، لأن الْمُشْرِك يَدعو إلى النَّار، وهذه العِلَّة مُطَّرِدَة في جَميع الكُفَّار، فالْمُسْلِم خَير مِنْ الكافِر مُطْلَقًا، وهذا بَيِّن.
стр. 109
وأما نِكَاح أهْل الكِتَاب إذا كَانُوا حَرْبًا (١) فلا يَحِلّ، وسُئل ابن عباس عن ذلك، فقال: لا يَحِلّ، وتَلا قَول الله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) إلى قوله: (صَاغِرُون) [التوبة: ٢٩] … وكَرِه مالك تَزَوّج الْحَرْبِيَّات لِعِلَّة تَرْك الوَلَد في دار الحرْب، ولِتَصَرُّفِها في الْخَمْر والْخِنْزير (٢).
مُلخَّص جواب القرطبي:
١ - تَحْرِيم نِكَاح الْمُشْرِكَات في أوّل الأمْر في سُورة البقرة ثم نُسِخ منه تَحْرِيم نِكَاح نِساء أهل الكِتاب، وذلك في سورة المائدة، وهذا مِنْ باب الْخُصُوص والعُمُوم.
فيكون لفظ آية "البقرة" العُمُوم ويُرَاد به الْخُصُوص في الكِتَابِيَّات.
٢ - عَكْس القَول الأوّل؛ فَجَعلوا آية "المائدة" هي المنْسُوخَة، وآية "البقرة" هي النَّاسِخَة.
وهذا رَدَّه القرطبي مُعلِّلًا ردّه بِتَأخُّر نُزُول المائدة، وإنما الآخِر يَنْسَخ الأول.
٣ - للجَمْع بين الآيتين: فَرَّق بين إطلا لفظ "المشرِكين" ولفظ "أهل الكِتاب".
٤ - لفظ "الشِّرْك" عُمُوم وليس بِنَصّ، والآية في حِلّ نِساء أهْل الكِتاب نَصّ.
مُقارنة جوابه وجَمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء:
أطال ابن جرير النّفَس في تفسير آية "البقرة"، فَكَان مما قَاله: اخْتَلَف أهْل التَّأويل في هذه الآية هل نَزَلَتْ مُرَادًا بها كل مُشْرِكَة، أم مُرَاد بِحُكْمها بعض الْمُشْرِكات دُون بعض؟ وهل نُسِخ منها بَعد وُجُوب الْحُكم بها شَيء أم لا؟
стр. 110
فقال بعضهم: نَزَلَتْ مُرَادًا بها تَحْريم نِكَاح كُلّ مُشْرِكَة على كل مُسْلِم مِنْ أيّ (١) أجْنَاس الشِّرك؛ كانت عَابِدة وَثَن، أو كانت يَهودية، أو نَصرانية، أو مَجوسية، أو مِنْ غيرهم مِنْ أصْناف الشِّرك، ثم نُسِخ تَحْرِيم نِكَاح أهْل الكِتَاب بِقولِه: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ).
وقال آخرون: بل أُنْزِلَتْ هذه الآية مُرَادًا بِحُكْمِها مُشْرِكَات العَرَب، لم يُنْسَخ منها شيء، ولم يُسْتَثْنَ، إنما هي آية عامٌّ ظَاهِرها، خَاصٌّ تأويلها.
وقال آخرون: بل أُنْزِلَت هذه الآية مُرَادًا بها كل مُشْرِكة من أي أصْناف الشِّرك كانت، غير مَخصوص منها مُشْركة دون مُشْرِكة، وثَنية كانت، أو مَجوسية، أو كِتابية، ولا نُسِخَ منها شيء.
ثم رجّح ابن جرير أنه لا نَسْخ، وأنّ الآيتين بَينهما عُمُوم وخُصُوص، فقال: وأوْلى هذه الأقْوال بِتأويل الآية مَا قَاله قَتادة مِنْ أنّ الله تعالى ذِكْرُه عَنَى بِقولِه: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) مَنْ لم يكن مِنْ أهل الكِتاب مِنْ الْمُشْرِكات، وأنّ الآية عامٌّ ظاهرها، خَاصٌّ باطِنها، لم يُنْسَخ منها شيء، وأن نِسَاء أهْل الكِتاب غَير دَاخِلات فيها، وذلك أن الله تعالى ذِكْرُه أحَلَّ بِقَولِه: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) للمؤمنين مِنْ نِكاح مُحْصَنَاتِهِنّ مثل الذي أبَاحَ لهم مِنْ نِسَاء المؤمِنَات (٢).