← Тафсир

Тафсир · id 1114

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

عبد الرحمن السحيم

Полный текст (680 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

أي: أنَّ الإلَه لا يَتَعَدَّد، وهُم (١) يَلْزَمهم القَوْل بِثَلاثة آلِهَة (٢). وقَال في آيَة "الأنعام": قَوله تَعالى: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ) يُقَال: مَا عَامِل الإعراب في الظَّرْف مِنْ (فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ)؟ فَفِيه أجْوبَة: أحَدُها: أي: وهو الله الْمُعَظَّم، أو الْمَعْبُود في السَّمَاوَات وفي الأرْض، كَمَا تَقُول: زَد الْخَلِيفَة في الشَّرْق والغَرْب، أي: حُكْمُه. ويَجُوز أن يَكُون الْمَعْنَى: وهو الله الْمُنْفَرِد بالتَّدْبير في السَّمَاوَات وفي الأرْض، كَمَا تَقُول: هو في حَاجَات النَّاس، وفي الصَّلاة. ويَجُوز أن يَكُون الْمَعْنَى: وهو الله الْمُنْفَرِد بالتَّدْبِير في السَّمَاوَات وفي الأرْض، كَمَا تَقُول: هو في حَاجَات النَّاس، وفي الصَّلاة. ويَجُوز أن يَكُون خَبَرًا بَعْد خَبَر، ويَكُون الْمَعْنَى: وهو الله في السَّمَاوَات، وهو الله في الأرْض. وقِيل: الْمَعْنَى: وهو الله يَعْلَم سِرَّكُم وجَهْرَكم في السَّمَاوَات وفي الأرْض، فلا يَخْفَى عليه شَيء. قال النحاس: وهذا مِنْ أحْسَن مَا قِيل فِيه. وقال محمد بن جرير (٣): وهو الله في السَّمَاوَات ويَعْلَم سِرَّكُم وجَهْرَكم في الأرْض. فَـ (يَعْلَم) مُقَدَّم في الوَجْهَين، والأوَّل أسْلَم وأبْعَد مِنْ الإشْكَال. وقِيل غَير هَذا. والقَاعِدة تَنْزِيهه جَلَّ وعَزّ عن الْحَرَكَة والانْتِقَال وشَغْل الأمْكِنَة (٤).

стр. 632

وقال في آيَة "الزخرف": هذا تَكْذِيب لَهم في أنَّ لله شَرِيكًا ووَلَدًا، أي: هو الْمُسْتَحِقّ للعِبَادَة في السَّمَاء والأرْض. وقال عُمر ﵁ وغيره: الْمَعْنَى: وهو الذي في السَّمَاء إلَه في (١) الأرْض. وكذلك قَرَأ، والْمَعْنَى: أنه يُعْبَد فِيهما. ورُوي أنه قَرأ هو وابن مسعود: وهو الذي في السَّمَاء الله وفي الأرْض الله، وهذا خِلاف الْمُصْحَف. وقِيل: (فِي) بِمَعْنَى (على)، كَقَولِه تَعَالى: (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْل) [طه: ٧١]، أي: على جُذُوع النَّخْل. أي: هو القَادِر على السَّمَاء والأرْض (٢). ملخص جواب القرطبي: ١ - (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) تضمّنت إثْبَاتُ فَاعِل لا يُشْبِهه شَيء. ٢ - (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) نَفْي وإثْبَات. ٣ - الإلَه لا يَتَعَدَّد. ٤ - هو الله الْمُعَظَّم، أو الْمَعْبُود في السَّمَاوَات وفي الأرْض. ٥ - يَعْلَم سِرَّكُم وجَهْرَكم في السَّمَاوَات وفي الأرْض، فلا يَخْفَى عليه شَيء.

стр. 633

٦ - آيَة "الزخرف" تَكْذِيب للمُشْرِكِين في أنَّ لله شَرِيكًا ووَلَدًا، وإثْبَات أنَّ الله هو الْمُسْتَحِقّ للعِبَادَة في السَّمَاء والأرْض. مقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء: بَيَّن ابن جرير "مَعْنَى الألُوهِيَّة وأنَّهَا اعْتِبَاد الْخَلْق" ثم قَال: فَمَعْنَى قَوْله: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ): والذِي يَسْتَحِقّ عَليكم أيُّهَا النَّاس الطَّاعَة لَه، ويَسْتَوجِب مِنْكم العِبَادَة مَعْبود وَاحِد، ورَبّ وَاحِد، فلا تَعْبُدُوا غَيره، ولا تُشْرِكُوا مَعَه سِوَاه، فإنَّ مَنْ تُشْرِكُون مَعه في عِبَادَتِكُم إيَّاه هو خَلْق مِنْ خَلْق إِلهِكم مِثْلكم. (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) لا مِثْل له ولا نَظِير. ثم ذَكَر الاخْتِلاف في مَعْنَى وَحْدَانِيّتِه تَعَالى ذِكْرُه؛ فَنَقَل عن بعضهم: مَعْنَى وَحْدَانِيَّة الله مَعْنَى نَفْي الأشْبَاه والأمْثَال عنه. وعن آخَرِين: مَعْنَى وَحْدانيته تَعَالى ذِكْرُه مَعْنَى انْفِرَادِه مِنْ الأشْيَاء، وانْفِرَاد الأشْيَاء منه. وأمَّا قَوله: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ)، فإنه خَبَر مِنه تَعالى ذِكْرُه أنه لا رَبّ للعَالَمِين غَيره، ولا يَسْتَوجِب على العِبَاد العِبَادَة سِوَاه، وأنَّ كُلّ مَا سِوَاه فَهُمْ خَلْقه، والوَاجِب على جَمِيعِهم طَاعَته، والانْقِياد لأمْرِه، وتَرْك عِبَادَة مَا سِوَاه مِنْ الأنْدَاد والآلِهَة، وهَجْر الأوْثَان والأصْنَام؛ لأنَّ جَمِيع ذَلك خَلْقُه، وعلى جَمِيعِهم الدَّيْنُونَة لَه بِالوَحْدَانيَّة والألُوهَة، ولا تَنْبَغِي الأُلوهَة إلَّا لَه (١).

стр. 634

وقال في آيَة "المائدة" مَا نَصّه: يَقُول الله تَعالى ذِكْرُه مُكَذِّبًا لَهم فِيما قَالُوا مِنْ ذَلك: (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ) يَقُول: مَا لَكُمْ مَعْبود أيُّهَا النَّاس إلَّا مَعبُود واحِد، وهو الذي ليس بِوَالِد لِشيء ولا مَوْلُود، بَلْ هو خَالِق كُلّ وَالِد ومَولُود (١). وفي آيَة "الأنعام" يَقُول ابن جرير: إنَّ الذِي له الألُوهَة التي لا تَنْبَغِي لِغَيرِه، الْمُسْتَحِقّ عَليكم إخْلاص الْحَمْد له بِآلائه عِندكم أيُّها النَّاس، الذي يَعْدِل بِه كُفَّارُكم مَنْ سِوَاه - هو الله الذي في السَّمَاوَات وفي الأرْض، يَعْلَم سِرَّكُم وجَهْركُم، فَلا يَخْفَى عَليه شَيء (٢). وقال في آيَة "الزخرف": يَقُول تَعَالى ذِكْرُه: والله الذي له الألُوهَة في السَّمَاء مَعْبُود، وفي الأرْض مَعْبُود كَما هو في السَّمَاء مَعْبُود، لا شَيء سِوَاه تَصْلُح عِبَادَتُه؛ يَقُول تَعَالى ذِكْرُه: فأفْرِدُوا لِمَنْ هَذه صِفَته العِبَادَة، ولا تُشْرِكُوا بِه شَيئًا غَيره (٣). في حِين اقْتَصَر ابن الجوزي في آيَة "البقرة": (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) على ذِكْر سَبَب النُّزُول، وبَيَان مَعْنَى الإلَه، وأنه الْمَعْبُود (٤). وبَيَّن في آيَة "المائدة" قِصَّة القَوْل بِالتَّثْلِيث، ولَم يَتَطَرَّق إلى مَعْنَى (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ) (٥). وذَكَر في آيَة "الأنعام" أرْبَعَة أقْوَال: أحَدُها: هو الْمَعْبُود في السَّمَاوَات وفي الأرْض. والثَّاني: وهو الْمُنْفَرِد بِالتَّدْبِير في السَّمَاوات وفي الأرْض. والثَّالث: وهو الله في السَّمَاوَات، ويَعْلَم سِرّكُم وجَهْرَكُم في الأرض.

стр. 635

والرَّابع: أنه مُقَدَّم ومُؤَخَّر، والْمَعْنَى: وهو الله يَعْلَم سِرَّكُم وجَهْركم في السَّمَاوَات والأرْض. ذَكَرَه بعض الْمُفَسِّرِين (١). ونَقَل في آيَة "الزخرف" قَول مجاهد وقتاد: يُعْبَد في السَّمَاء ويُعْبَد في الأرْض. وَقَوْل الزَّجاج: هو الْمُوحَّد في السَّمَاء وفي الأرْض. قال: وقرأ عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس وابن السميفع وابن يَعْمَر والجحدري: في السَّمَاء الله وفي الأرْض الله، بِألِف ولام مِنْ غير تَنْوِين ولا هَمْز فِيهِمَا (٢) فابْن الجوزي - في الموضِعَين - نَقَل الأقْوَال دُون تَرْجِيح. رأي الباحث: جَمَع القُرطبي بَيْن الآيَات، وأزَال الإشْكَال، في العَطْف الوَارِد في آيَة "الزخرف" إلَّا أنَّ مَا اعتَبَره قَاعِدَة في تَنْزِيه البَارِي ليس قَاعِدَة عند السَّلَف، وسَبَق في "التَّمْهِيد" أنَّ القرطبي تَأثّر بِمَدْرَسَة الأشَاعِرَة في الاعْتِقَاد. و"الْمَشْهُور عند أصْحَاب الإمَام أحْمَد أنَّهُم لا يَتَأوَّلُون الصِّفَات التي مِنْ جِنْس الْحَرَكَة، كَالْمَجيء، والإتْيَان في الظُّلَل، والنُّزُول، كَمَا لا يَتَأوَّلُون غَيْرَها مُتَابَعَة للسَّلَف" (٣).

стр. 636

المثال الثاني: مَعِيَّة الله: قَوله تَعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) [الأعراف: ٥٤]، [يونس: ٣]، [الرعد: ٢]، [الفرقان: ٥٩]، [السجدة: ٤]، [الحديد: ٤]، مع قوله تعالى: (وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ) [النساء: ١٠٨]، قوله تعالى: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) [الحديد: ٤]، وقوله تعالى: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا) [المجادلة: ٧]. صورة التعارض: "قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) يَدُلّ على أنه تعالى مُسْتَوٍ على عَرْشِه عَالٍ على جَمِيع خَلْقِه. وقَوله تَعالى: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) يُوهِم خِلاف ذَلك" (١). جمع القرطبي: قال القرطبي في آيَة "الأعراف": هذه مَسْألَة الاسْتِوَاء، وللعُلَمَاء فِيها كَلام وإجْرَاء … والأكثر مِنْ الْمُتَقَدِّمِين والْمُتَأخِّرِين أنه إذا وَجَب تَنْزِيه البَاري سُبْحَانه عن الْجِهَة والتَّحَيُّز فمن ضَرُورَة ذَلك ولَواحِقه اللازِمَة عليه عند عَامَّة العُلَمَاء الْمُتَقَدِّمِين وقَادَتهم مِنْ الْمُتَأخِّرِين تَنْزِيهه ﵎ عن الْجِهَة، فَلَيْس بِجِهة فَوق (٢) عندهم (٣)، لأنه يَلْزَم مِنْ ذلك عندهم مَتَى اخْتَصّ بِجِهَة أن يَكُون في مَكَان أوْ حَيِّز، ويَلْزَم على الْمَكَان والْحَيِّز الْحَرَكة والسُّكُون للمُتَحَيِّز والتَّغَيّر والْحُدُوث، هذا قَولْ الْمُتَكَلِّمِين. وقَد كَان السَّلَف الأول ﵃ لا يَقُولُون بِنَفْي الْجِهَة ولا يَنْطِقُون بذلك، بل نَطَقُوا هُمْ والكَافَّة بإثْبَاتِها لله تَعالى، كَمَا نَطَق كِتَابه، وأخْبَرَتْ رُسُله، ولم يُنْكِر أحَد مِنْ السَّلَف الصَّالِح أنه اسْتَوى على

стр. 637

عَرْشِه حَقِيقَة، وخَصّ العَرْش بِذلك لأنه أعْظَم مَخْلُوقَاته، وإنَّمَا جَهِلُوا كَيْفِيَّة الاسْتِوَاء، فإنه لا تُعْلَم حَقِيقته (١). قال مالك ﵀: الاسْتِواء مَعْلُوم - يَعْنِي في اللغَة -، والكَيْف مَجْهُول، والسُّؤَال عن هذا بِدْعَة (٢). وكذا قالت أم سلمة ﵂ (٣) وهذا القَدْر كَافٍ، ومَن أرَاد زِيادة عليه فَلْيَقِف عليه في مَوْضِعِه من كُتُب العُلَمَاء (٤). والاسْتِوَاء في كَلام العَرَب هو العُلُوّ والاسْتِقْرَار. واسْتَوى الرَّجل، أي انْتَهى شَبَابه. واسْتَوى الشيء إذا اعْتَدَل، وحكى أبو عمر بن عبد البر عن أبي عبيدة في قَوْلِه تَعَالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: ٥] قال: عَلا. قلت: فَعُلُوّ الله تَعالى وارْتِفَاعه عِبَارَة عن عُلُو مَجْدِه وصِفَاتِه ومَلَكُوته، أي: ليس فَوْقَه فِيمَا يَجِب له مِنْ مَعَاني الْجَلال أحَد، ولا مَعَه مَنْ يَكون العُلُوّ مُشْتَرَكًا بَيْنَه وبَيْنَه، لكنه العَلِيّ بِالإطْلاق سُبحانه.

стр. 638

قوله تعالى: (عَلَى الْعَرْشِ) لَفْظ مُشْتَرك يُطْلَق على أكثر مِنْ واحِد … وقد يُؤوّل العَرْش في هذه الآية بمعنى الْمُلْك، أي: ما اسْتَوى الْمُلْك إلَّا لَه جَلّ وعَزّ، وهو قَول حَسَن، وفيه نَظَر (١). وأحال في آية "يونس" وفي آية "الرعد" وفي آية "الفرقان" وفي آية "السجدة" وفي آية "الحديد" على ما قَرَّره في آية "الأعراف". بَيْنَمَا قال في "الأسْنَى في شَرْح أسْمَاء الله الْحُسْنَى" (٢): أظْهَر الأقْوَال - وإن كُنْتُ لا أقُول بِه ولا أخْتَارُه - مَا تَظَاهَرَتْ عليه الآيُ والأخْبَار والفُضَلاء الأخْيَار أنَّ الله سُبحانه على عَرْشِه كَمَا أخْبَر في كِتَابِه بِلا كيف، بَائن مِنْ جَمِيع خَلْقِه؛ هذا جُمْلَة مَذْهَب السَّلَف الصَّالِح (٣). وفي قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: ٥] أحَال القرطبي على ما قَرَّرَه في آية "الأعراف" ثم قال: والذي ذَهَب إليه الشيخ أبو الْحَسَن وغيره (٤) أنه مُسْتَوٍ على عَرْشِه بِغير حَدّ ولا كَيف كَمَا يَكُون اسْتِوَاء الْمَخْلُوقِين (٥). "ومَعْنَى (وَهُوَ مَعَهُمْ) أي: بِالعِلْم والرُّؤْيَة والسَّمْع؛ هذا قَوْل أهْل السُّنَّة. وقالت الجهمية والقدرية والمعتَزِلة: هو بِكُلّ مَكان، تَمَسُّكًا بِهَذِه الآيَة ومَا كان مِثْلها؛ قالوا: لَمَّا قَال: (وَهُوَ مَعَهُمْ) ثَبَت أنه بِكُلّ مَكان، لأنه قد أَثْبَت كَوْنه معهم

стр. 639

- تعالى الله عن قَولهم - فإنَّ هذه صِفَة الأجْسَام، والله تعالى مُتَعَال عن ذلك. ألا تَرَى مُنَاظَرة بِشْر في قَول الله : (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ) حين قال: هو بِذَاتِه في كُلّ مَكان، فقال له خَصْمُه: هو في قُلُنْسُوتِك، وفي حَشْوك، وفي جَوْف حِمَارِك؟ (١) - تعالى الله عما يقولون - حَكى ذلك وكيع ﵁" (٢). هذا مَا قَرَّرَه في آيَة "النساء"، وقال في آية "الحديد": (وَهُوَ مَعَكُمْ) يعني بِقُدْرَتِه وسُلْطَانِه وعِلْمِه. (أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) يُبْصِر أعْمَالِكُم ويَرَاها، ولا يَخْفَى عليه شَيء منها، وقد جَمَع في هذه الآيَة بَيْن (اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) وبَيْن (وَهُوَ مَعَكُمْ)، والأخْذ بالظَّاهِرَين تَناقُض، فَدَلّ على أنه لا بُدّ مِنْ التَّأوِيل، والإعْرَاض عن التَّأوِيل اعْتِرَاف بالتَّنَاقُض (٣). ومَعْنَى (إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) [التوبة: ٤٠] أي: بِالنَّصْر، والرِّعَاية، والْحِفْظ، والكَلاءَة. رَوى الترمذي (٤) والحارث بن أبي أسامة (٥) قالا (٦): حَدثنا عفان قال: حَدثنا هَمام قال: أخْبَرنا ثَابِت عن أنس أنَّ أبا بكر حَدَّثَه قال: قلتُ للنبي ﷺ ونَحْن في الغَار: لو أنَّ أحَدَهُم نَظَر إلى قَدَمَيه لأبْصَرَنا تَحْت قَدَمَيه. فقال: يا أبا بَكْر مَا ظَنّك باثْنَيْن الله ثَالِثُهما؟ (٧)

стр. 640

قال الْمُحَاسِبي: يَعْنِي مَعَهُما بالنَّصْر والدِّفاع، لا عَلى مَعْنَى مَا عَمّ بِه الْخَلائق (١)، فَقَال: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ)، فَمَعْنَاه العُمُوم أنه يَسْمَع ويَرَى مِنْ الكُفَّار والْمُؤمِنِين (٢). ملخص جواب القرطبي: ١ - أثْبَتْ الاسْتِوَاء، ونَقَل عن السَّلَف إثْبَات الاسْتِواء، وإثْبَات الْجِهَة وعَدم النّطق بِنَفْي الْجِهَة. ٢ - أنَّ الله مُسْتَوٍ على عَرْشِه بِغَير حَدّ ولا كَيْف. ٣ - الْمَجْهُول مِنْ الاسْتِوَاء هو الكَيْفِيَّة. ٤ - مَعِيّة الله بالعِلْم والرُّؤْيَة والسَّمْع، وبِالقُدْرَة والسُّلْطان والعِلْم، وبالنَّصْر والرِّعَاية والْحِفْظ والكَلاءَة والدِّفَاع؛ وذلك بِحَسَب وُرُود الْمَعِيَّة في الآيَات. مقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء: قَرَّر ابن جرير مَعْنَى الاسْتِوَاء في آيَة "البقرة"، وأطَال في ذلك، وذَكَر مَعَانِي الاسْتِوَاء، ورَجَّح أنَّ "أوْلى الْمَعَانِي بِقَول الله جَلَّ ثَنَاؤه: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ) عَلا عَليهن وارْتَفَع، فَدَبَّرَهُنّ بِقُدْرَتِه، وخَلَقَهُنّ سَبْع سَمَاوَات" (٣). وفي آيَة "الأعراف" أحَال على مَا سَبَق تَقْرِيرُه في مَعْنَى "الاستواء" بِمَا أغْنَى عن إعَادَتِه (٤).

стр. 641

وقال في آيَة "طه" مَا نَصّه: وقَوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) يَقُول تَعَالى ذِكْرُه: الرَّحْمَن على عَرْشِه ارْتَفع وعَلا. وقد بَيَّنَّا مَعْنَى الاسْتِواء بِشَواهِدِه فِيمَا مَضَى، وذَكَرْنَا اخْتِلاف الْمُخْتَلِفِين فيه، فأغْنَى ذلك عن إعَادَتِه في هذا الْمَوضِع (١). وفي آيَة "الرعد" قَال: وأمَّا قَوله: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) فإنه يَعْنِي عَلا عليه. وقد بَيَّنّا مَعْنَى الاسْتِوَاء واخْتِلاف الْمُخْتَلِفِين فِيه، والصَّحِي مِنْ القَوْل فِيمَا قَالُوا فِيه بِشَوَاهِده فيما مضى، بِما أغْنَى عن إعَادَتِه في هَذا الْمَوْضِع (٢). وبِنحو ذلك قال في آيَة "الفرقان"، فإنه قَال: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ) يَقُول: ثم اسْتَوَى على العَرْشِ الرَّحْمَنُ وعَلا عَليه (٣). ولعله اكْتَفى بِذلك فَلم يَذْكُر شَيئًا في آيَة "السجدة". وقَال في آيَة "الحديد": يَقُول تَعَالى ذِكْرُه: هو الذي أنْشَأ السَّمَاوَات السَّبْع والأرَضِين، فَدَبَّرَهُنّ ومَا فِيهِنّ، ثم اسْتَوَى على عَرْشِه، فَارْتَفَع عليه وعَلا (٤). واقْتَصَر في آيَة "النساء" على قَوله: (وَهُوَ مَعَهُمْ) يَعْنِي: والله شَاهِدُهم (٥). كَمَا اقْتَصَر في آيَة "الحديد" على قَوله: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) يَقُول: وهو شَاهِد لكم أيُّها النَّاس، أيْنَمَا كُنْتم يَعْلَمُكم، ويَعْلَم أعْمَالَكُم ومُتَقَلِّبَكُم ومَثْوَاكُم، وهو على عَرْشِه فَوْق سَمَاوَاتِه السَّبْع (٦). وقال في آيَة "المجادلة": وعُني بِقَوله: (هُوَ رَابِعُهُمْ) بِمَعْنَى أنه مُشَاهِدُهم بِعِلْمِه، وهو على عَرْشِه (٧).

стр. 642

ونَقَل ابن الجوزي في آيَة "الأعراف" عن الخليل بن أحمد قوله: العَرش السَّرِير، وكُل سَرِير لِمَلِكٍ يُسَمّى عَرْشًا، وقَلَّمَا يُجْمَع العَرْش إلَّا في اضْطِرَار. ثم قال: واعْلم أنَّ ذِكْر العَرْش مَشْهُور عند العَرَب في الْجَاهِلِيَّة والإسْلام. ونَقَل عن كَعْبٍ (١) قَوله: إنَّ السَّمَاوَات في العَرْش كَالقِنْدِيل مُعَلَّق بَيْن السَّمَاء والأرْض (٢). قال: وإجْماع السَّلَف مُنْعَقِد على أنَّ لا يَزِيدُوا على قِرَاءَة الآيَة (٣). وقد شَذّ قَوْم فَقَالوا: العَرْش بِمَعْنَى الْمُلْك. وهذا عُدُول عن الْحَقِيقَة إلى التَّجَوُّز مع مُخَالَفَة الأثَر. ألَم يَسْمَعُوا قَولَه تَعالى: (وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) [هود: ٧] أتُرَاه كان الْمُلْك على الْمَاء؟ وقد رَدّ ابن الجوزي على مَنْ تَأوَّل الاسْتِوَاء بِمَعْنَى "الاسْتِيلاء"، فَقَال: وبَعْضُهم يَقُول: اسْتَوَى بِمَعْنَى اسْتَولى، ويَحْتَجّ بِقَول الشاعر: حتى (٤) اسْتَوَى بِشْرٌ على العِرَاق مِنْ غَيْر سَيْف ودَم مِهْرَاق ويقول الشاعر أيضًا: هُمَا اسْتَوَيا بِفَضْلِهما جَمِيعا على عَرْش الْمُلُوك بِغَيْر زَور

стр. 643

وهذا مُنْكر عند اللغويين. قال ابن الأعرابي (١): العَرَب لا تَعْرِف اسْتَوى بِمَعْنَى اسْتَوْلَى، ومَن قَال ذلك فَقد أعْظَم. قَالُوا: وإنَّمَا يُقَال: اسْتولى فلان على كذا، إذا كان بَعِيدًا عنه غَير مُتَمَكّن مِنه ثم تَمَكَّن مِنه. والله لَم يَزَل مُسْتَولِيًا على الأشْيَاء. البَيْتَان لا يُعْرَف قَائلُهُما، كذا قال ابن فارس اللغوي، ولو صَحَّا فلا حُجَّة فِيهما لِمَا بَيَّنَّا مِنْ اسْتِيلاء مَنْ لَم يَكُنْ مُسْتَولِيًا (٢) نَعُوذ بِالله مِنْ تَعطيل الْمُلْحِدَة، وتَشْبِيه الْمُجَسِّمَة (٣). واكْتَفَى بِهذا الإيضَاح، فلم يَتَطَرَّق إلى مَعْنَى "الاسْتِوَاء" في الْمَوَاضِع الأُخْرَى، إلَّا أنه نَقَل في تَفْسِير آيَة "الكرسي" عن الْخَطابي قَوله: وقد يَكُون مِنْ العُلُوّ الذي هو مَصْدَر عَلا يَعْلُو فَهو عَالٍ، كَقَولِه تَعَالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: ٥]، ويَكُون ذلك مِنْ علاء الْمَجْد والشَّرف. يُقال مِنه: عَلِي يُعْلى علاء (٤). وفي آيَة "النساء" اقْتَصَر على تَفْسِير الْمَعِيَّة بِالعِلْم، فَقَال: (وَهُوَ مَعَهُمْ) بِالعِلْم (٥). وقال في آيَة "الحديد": قَوله تَعالى: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) أي بِعِلْمِه وقُدْرَته (٦).

стр. 644

وفي آية "المجادلة" قال ابن الجوزي: (إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ) أي: عَالِم بِه (١). رأي الباحث: قَرَّر القرطبي مَسْألَة الاسْتِوَاء على طَرِيقَة السَّلَف بِحيث نُقِلَ عنه ذلك التَّقْرِير، فقد نَقَل عنه تَقْرِيره هذا غير واحِد من العُلَمَاء الذين أتَوا بعده، ومِنهم: ابن تَيمية في "دَرْء تَعَارُض العَقْل والنَّقْل" (٢) حيث قال: وقال أبو عبد الله القرطبي المالكي - لَمَّا ذَكَر اخْتِلاف النَّاس في تَفْسِير الاسْتِوَاء - قال: وأظْهَر الأقْوَال مَا تَظَاهَرَتْ عليه الآي والأخْبَار والفُضَلاء الأخْيَار أنَّ الله على عَرْشِه كَمَا أخْبَر في كِتَابِه وعلى لِسَان نَبِيِّه بِلا كيف، بَائن مِنْ جَمِيع خَلْقِه. هذا مَذْهَب السَّلَف الصَّالِح فيما نَقَل عنهم الثِّقَات (٣). ثم ذَكَر ابن تيمية مَا قَرَّرَه القرطبي في تَفْسِير آية "الأعراف" (٤). ابن القيم ضمِن أقْوَال أئمَّة التَّفْسِير في مَسْألَة الاسْتِوَاء، حيث نَقَل "قَوْل أبي عبد الله القرطبي الْمَالِكِيّ، صَاحِب التَّفْسِير الْمَشْهُور ﵀" (٥). ونَقَلَه الذهبي في مَقَالات الأئمَّة في إثْبَات العُلُوّ (٦). ونَقَلَه مَرْعي الحنبلي في "أقاويل الثِّقَات) " (٧). كَمَا نَقَلَه الْحَازِمِيّ في "كِتَاب الصِّفَات" (٨).

стр. 645

وهذا مَا قرَّره أئمَّة السَّلَف. قال مُقاتِل بن حَيان في قَوله تَعالى: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ) قال: هو على العَرْش، ولن يَخْلُو شَيء مِنْ عِلْمِه (١). روى اللالكائي من طريق مَعْدان قال: سَألْتُ سفيان الثوري عن قَولِه: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) قال: عِلْمُه. روى اللالكائي من طريق مَعْدان قال: سَألْتُ سفيان الثوري عن قَولِه: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) قال: عِلْمُه. وروى من طريق سريج بن النعمان قال: حدثني عبد الله بن نافع قال: مُلْك الله في السَّمَاء، وعِلْمه في كُلّ مَكَان؛ لا يَخْلُو مِنه شَيء. قال: ورَوى يوسف بن موسى البغدادي أنه قِيل لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: الله فَوْق السَّمَاء السَّابِعَة على عَرْشِه بَائن مِنْ خَلْقِه، وقُدْرَتِه وعِلْمُه في كُلّ مَكَان؟ قال: نَعَم، على العَرْش، وعِلْمُه في كُلّ مَكَان؟ قال: نَعَم، على العَرْش، وعِلْمُه لا يَخْلُو مِنه مَكَان (٢). "والذي يَكْفِي في هذا أن يَقُول: إنَّ الله اسْتَوَى على العَرْش مِنْ غَيْر تَكْيِيف" (٣). وإثْبَات النُّزُول جَاء في السُّنَّة، ومِنه: "يَنْزِل رَبُّنا ﵎ كُلّ لَيْلَة إلى السَّمَاء الدُّنيا حِين يَبْقَى ثُلُث الليل الآخِر" (٤). قال ابن عبد البر: وفي هذا الْحَدِيث دَلِيل على أنَّ الله في السَّمَاء على العَرْش مِنْ فَوْق سَبْع سَمَاوَات، وعِلْمه في كل مكان، كَمَا قَالَتِ الْجَمَاعَة أهْل السُّنَّة أهْل الفِقْه والأثَر، وحُجَّتُهم ظَوَاهِر القُرْآن في قَولِه: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: ٥] (٥). "وقال الطلمنكي أحد أئمَّة الْمَالِكِيَّة .... في كِتَاب "الوُصُول إلى مَعْرِفَة الأصُول": أجْمَع الْمُسْلِمُون مِنْ أهْل السُّنَّة على أنَّ مَعْنَى: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) ونَحو ذلك مِنْ

стр. 646

القُرْآن أنَّ ذلك عِلْمه، وأنَّ الله فَوْق السَّمَاوَات بِذَاتِه مُسْتَوٍ على العَرْش كَيف شَاء. وقال أيضًا: قال أهْل السُّنَّة في قَوْل الله تَعَالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى): إنَّ الاسْتِوَاء مِنْ الله على عَرْشِه الْمَجِيد على الْحَقِيقَة لا على الْمَجَاز" (١). وتَقْرِير هَذِه الْمَسْألَة في كُتُب العَقَائد. والاسْتِوَاء في اللغَة يُطْلَق على مَعَانٍ تَدُور على الكَمَال والانْتِهَاء (٢). المثال الثالث: رُؤية الله ﵎: قَوله تَعالى: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ) [الأنعام: ١٠٣]، وقَوله تَعالى: (قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي) [الأعراف: ١٤٣]، وقَوله تَعالى: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) [المطففين: ١٥]، مَع قَوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) [القيامة: ٢٢، ٢٣]. صورة التعارض: قَوله تَعالى: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ)، هَذه الآيَة الكَرِيمة تُوهِم أنَّ الله تعالى لا يُرَى بالأبْصَار، وقد جَاءت آيَات أُخَر تَدُلّ على أنه يُرَى بِالأبْصَار، كَقَوْلِه تَعَالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) (٣).

стр. 647

جمع القرطبي: أشَارَ القرطبي إلى الْخِلاف في رُؤية الله ﵎ في الدُّنيا والآخِرَة، فَقَال في قَوله تَعالى: (حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) [البقرة: ٥٥]: وقد اخْتُلِفَ في جَوَاز رُؤية الله تَعالى؛ فأكْثَر الْمُبْتَدِعة على إنْكَارِها في الدُّنيا والآخِرَة، وأهْل السُّنَّة والسَّلَف على جَوازِها فِيهما، ووُقُوعِها في الآخِرَة؛ فَعَلَى هَذا لَم يَطْلُبُوا مِنْ الرُّؤيَة مُحَالًا، وقد سَألَها مُوسَى ﵇ (١). وقد بيَّن في آيَة "الأعراف" أنَّ مُوسَى عليه الصلاة السلام لم يَطْلُب مُحَالًا، وَرَدّ تَأوِيل مَنْ تأوَّل رُؤية الله في الآيَة، فَقَال في قَوله تَعالى: (قَالَ لَنْ تَرَانِي) أي في الدُّنيا، ولا يَجُوز الْحَمْل على أنه أرَاد أرِنِي آيَة عَظِيمَة لأنْظر إلى قُدْرَتِك؛ لأنه قَال: (إِلَيْكَ) وقَال: (لَنْ تَرَانِي) ولَو سَأل آية لأعْطَاه الله مَا سَأل، كَمَا أعْطَاه سَائر الآيَات، وقد كَان لِمُوسَى ﵇ فيها مَقْنَع عن طَلَب آيَة أُخْرى؛ فَبَطَل هَذا التَّأوِيل (٢). ونَقَل عن عَليّ بن مَهدي الطبري قَوله: لو كَان سُؤَال مُوسَى مُسْتَحِيلًا مَا أقْدَم عليه مَع مَعْرِفَتِه بِالله، كَمَا لَم يَجُز أن يَقُول له: يا رَبّ ألَك صَاحِبة ووَلَد؟ (٣) وأزَال القرطبي تَوَهُّم التَّعَارُض بَيْن إثْبَات الرُّؤيَة ونَفْي الإدْرَاك، فَقَال: قَوله تَعالى: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) بَيَّن سُبحانه أنه مُنَزَّه عن سِمَات الْحُدُوث، ومِنْهَا الإدْرَاك بِمَعْنَى الإحَاطَة والتَّحْدِيد، كَمَا تُدْرَك سَائر الْمَخْلُوقَات، والرُّؤية ثَابِتَة .... لأنه قد صَحّ عن النبي صلى الله عله وسلم الأحَادِيث في الرُّؤيَة يَوْم القِيَامَة. وقال ابن عباس: لا تُدْرِكُه الأبْصَار في الدُّنيا، ويَرَاه الْمُؤمِنُون في الآخِرَة لإخْبَار الله بِهَا في قَولِه: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)، وقال السدي: وهو أحْسن مَا قِيل لِدَلالة التَّنْزِيل والأخْبَار الوَارِدَة

стр. 648

بِرُؤيَة الله في الْجَنَّة .... وقِيل: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) لا تُحِيط بِه، وهو يُحِيط بِها. عن ابن عباس أيضًا. وقِيل: الْمَعْنَى: لا تُدْرِكه الأبْصَار الْمَخْلُوقَة في الدُّنيا لكنه يَخْلُق لِمَنْ يُرِيد كَرَامَته بَصَرًا وإدْرَاكًا يَرَاه فيه، كَمُحَمّد ﵇، إذ رُؤيته تَعالى في الدُّنيا، جَائزَة عَقْلًا، إذ لو لَم تَكُنْ جَائزَة لَكَان سُؤَال مُوسى ﵇ مُسْتَحِيلًا، ومُحَال أن يَجْهَل نَبِيّ مَا يَجُوز على الله ومَا لا يَجُوز، بل لَم يَسْأل إلَّا جَائزًا غير مُسْتَحِيل، واخْتَلَف السَّلَف في رُؤيَة نَبِيِّنَا ﵇ رَبَّه (١). ثم ذَكَر الْخِلاف في ذلك، ومَا جَاء في رُؤيته ﷺ لِربِّه لَيلة عُرِج بِه إلى السَّمَاوَات (٢)، وقال بعد ذلك: قَوله تَعالى: (وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ) أي: لا يَخْفَى عليه شَيء إلَّا يَرَاه ويَعْلَمه، وإنَّمَا خَصّ الأبْصَار لِتَجْنِيس الكَلام (٣). وفي قَوله تَعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ) [الأنعام: ١٥٣] نَقَل عن سهل بن عبد الله - أنه سُئل عن الصَّلاة خَلْف الْمُعْتَزِلَة والنِّكَاح منهم وتَزْوِيجِهم؟ - فقال: لا، ولا كَرَامَة! هم كُفَّار؛ كيف يُؤمِن مَنْ يَقُول القُرْآن مَخْلُوق، ولا جَنَّة مَخْلُوقَة، ولا نَار مَخْلُوقَة، ولا لله صِرَاط ولا شَفَاعَة، ولا أحَد مِنْ الْمُؤمِنِين يَدْخُل النَّار، ولا يَخْرُج مِنْ النَّار مِنْ مُذنبي أمَّة محمد ﷺ ، ولا عَذَاب القَبْر، ولا مُنْكَر ولا

стр. 649

نَكِير، ولا رُؤية لِرَبِّنا في الآخِرَة، ولا زِيَادَة، وأنَّ عِلْم الله مَخْلُوق، ولا يَرَون السُّلْطَان، ولا جُمُعَة، ويُكَفِّرُون من يُؤمِن بِهذا؟ (١) وقال بِإثْبَات الرُّؤية في تَفْسير سُورة يونس، وذلك في قَوله تَعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) [يونس: ٢٦]، حَيث أوْرَد مَا رُوي عن أنس ﵁ قال: سُئل رسول الله ﷺ عن قَوله تَعالى: (وَزِيَادَةٌ) قال: للذين أحْسَنُوا العَمَل في الدُّنيا لهم (٢) الْحُسْنى، وهي الْجَنَّة، والزِّيَادَة النَّظَر إلى وَجْه الله الكَرِيم (٣). وهو قَول أبي بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب في رِواية، وحذيفة، وعُبادة بن الصامت، وكعب بن عُجْرة، وأبي موسى، وصهيب، وابن عباس في رِواية، وهو قَول جَمَاعَة مِنْ التَّابِعِين، وهو الصَّحِيح في البَاب (٤). ورَوى مُسلم في صحيحه (٥) عن صُهيب عن النبي ﷺ قال: إذا دَخَل أهْل الْجَنّة الْجَنّة قال الله ﵎: تُرِيدُون شيئًا أزِيدُكم؟ فيقولون: ألَم

стр. 650

تُبَيِّض وُجُوهَنا؟ ألَم تُدْخِلْنا الْجَنّة، وتُنَجِّنا مِنْ النَّار؟ قال: فَيَكْشِف الْحِجَاب فَمَا أْعْطُوا شِيئًا أحَبّ إليهم مِنْ النَّظَر إلى رَبِّهم . وفي رِوَاية: ثم تَلا: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) (١). وأوْرَد القرطبي أحَادِيث وأقْوَالًا أخْرَى في مَعْنَى الزِّيَادَة، وسَبَق اخْتِيَارُه لِمَعْنَى الزِّيَادَة. ونَقَل في قَوله تَعالى: (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) [ق: ٣٥] قَوْل أنس وجابر: الْمَزِيد النَّظَر إلى وَجْه الله تَعالى بِلا كَيف. وقد وَرَد ذَلك في أخْبَار مَرْفُوعَة إلى النبي ﷺ في قَولِه تَعَالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) قال: الزِّيَادَة النَّظَر إلى وَجْه الله الكَرِيم. ثم أوْرَد مَا جَاء عن ابن مسعود قال: تَسَارَعُوا إلى الْجُمُعَة فإنَّ الله ﵎ يَبْرُز لأهْل الْجَنَّة كُلّ يَوْم جُمُعَة في كَثِيب مِنْ كَافُور أبْيَض فَيَكُونُون مِنه في القُرْب. قال ابن المبارك: على قَدْر تَسَارُعِهم إلى الْجُمُعَة في الدُّنيا. وقال يحيى بن سَلَّام: لِمُسَارَعَتِهم إلى الْجُمَع في الدُّنيا (٢). وفي آيَة "المطففين" نَقَل عن الزجاج قَوله: في هَذه الآيَة دَلِيل على أنَّ الله يُرَى في القِيَامَة، ولولا ذلك مَا كَان في هَذه الآيَة فَائدَة، ولا خَسَّت (٣) مَنْزِلَة الكُفَّار بِأنَّهُم يُحْجَبُون. وقَال جَلَّ ثَنَاؤه: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)، فأَعْلَمَ اللهُ جَلّ ثَنَاؤه أنَّ الْمُؤمِنِين يَنْظُرُون إليه، وأَعْلَمَ أنَّ الكُفَّار مَحْجُوبُون عنه. وقال مَالك بن أنس في هَذه الآيَة: لَمَّا حَجَب أعْدَاءَه فَلَم يَرَوه تَجَلَّى لأوْلِيائه حَتى رَأَوه. وقال

стр. 651

الشافعي: لَمَّا حَجَب قَومًا بالسُّخْط دَلّ على أنَّ قَوْمًا يَرَونه بِالرِّضَا، ثم قال: أمَا والله لَو لَم يُوقِن محمد بن إدريس (١) أنه يَرى رَبَّه في الْمَعَاد لَمَا عَبَده في الدّنيا (٢). وفي آيَة "القِيَامَة" رَجَّح أنَّ مَعْنَى (نَاظِرَةٌ) مِنْ النَّظَر إلى رَبِّها، وعَزَى هَذا القَوْل إلى الْجُمْهُور، فَقَال: قَوله تَعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) الأوَّل مِنْ النُّضْرَة التي هي الْحُسْن والنِّعْمَة، والثَّاني مِنْ النَّظَر، أي: وُجُوه الْمُؤمِنِين مُشْرِقَة حَسَنَة نَاعمَة (إِلَى رَبِّهَا) إلى خَالِقِها ومَالِكِها (نَاظِرَةٌ) مِنْ النَّظر، أي: تَنْظُر إلى رَبِّها. على هذا جُمْهُور العُلَمَاء (٣). وأحَال على مَا مَضَى في "يونس" وأوْرَد آثَارًا في البَاب. ورَدَّ تَأوِيل النَّظَر بِالانْتِظَار، فَقَال: وقِيل: إنَّ النَّظَر هُنا انْتِظَار مَا لَهُمْ عِند الله مِنْ الثَّوَاب. ورُوي عن ابن عمر (٤) ومجاهد (٥). وقال عكرمة: تَنْتَظِر أمْرَ رَبِّها. حَكَاه الْمَاوَرْدِي عن ابن عمر وعكرمة أيضًا، وليس مَعْرُوفًا إلَّا عن مُجَاهِد (٦) وحْدَه. واحْتَجُّوا بِقَوله تَعالى: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ)، وهذا القَوْل ضَعِيف جِدًّا خَارِج عن مُقْتَضَى ظَاهِر الآيَة والأخْبَار (٧).

стр. 652

ملخص جواب القرطبي: ١ - أهْل السُّنَّة وسَلَف الأمَّة على إثْبَات رُؤية الله تَعالى في الآخِرَة، وجَوَاز وُقُوعِها في الدُّنيا لِكَون مُوسَى طَلَبَهَا. ٢ - لا تَعَارُض بَيْن نَفْي الإدْرَاك وبَيْن إثْبَات الرُّؤيَة؛ فَنَفْي الإدْرَاك نَفْي إحَاطَة، والرُّؤيَة ثَابِتَة. ٣ - الزِّيَادَة على الْحُسْنَى هِي رُؤيَة وَجْه الله ﵎. ٤ - ضَعَّف تأويل النَّظَر إلى وجه الله بانتظار أمر الله أو ثَوابه. مقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء: أطَال ابن جرير في مُنَاقَشَة مَعْنَى الإدْرَاك، وتَقْرِير عَقِيدَة أهْل السُّنَّة في رُؤية الله ﵎ في الآخِرَة، فَذَكَر اخْتِلاف أهْل التَّأويل في تَأوِيل قَولِه تَعالى: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ)؛ فَنَقَل عن بَعضهم: مَعْنَاه: لا تُحِيط بِه الأبْصَار وهو يُحِيط بِها. ثم ذَكَر اسْتِدْلال أصْحَاب هذا القَوْل، وخَتَمه بِهذه المناقَشَة: قَالوا: فإن قَال لَنا قَائل: وما أنْكَرْتُم أن يَكُون مَعْنَى قَوله: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) لا تَرَاه الأبْصَار؟ قُلنا له: أنْكَرْنا ذلك لأنَّ الله جَلّ ثَنَاؤه أخْبَر في كِتَابِه أنَّ وُجُوهًا في القِيَامَة إليه نَاظِرة، وأنَّ رسول الله ﷺ أخْبَر أمَّتَه أنَّهم سَيَرَون رَبَّهم يَوْم القِيَامَة كَمَا يُرَى القَمَر لَيْلَة البَدْر، وكَمَا تَرَون الشَّمْس ليس دُونَها سَحَاب (١). قَالوا: فإذ كان الله قد أخْبَر في كِتَابه بِمَا أخْبَر، وحَقَّقَتْ أخْبَار رَسول الله ﷺ بِمَا ذَكَرْنا عنه مِنْ قِيله ﷺ أنَّ تَأوِيل قَولِه: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) أنه نَظَر أبْصَار العُيُون لله ﷻ ، وكان كِتَاب الله يُصَدِّق

стр. 653

بَعْضه بعضًا، وكان مع ذلك غير جائز أن يَكُون أحَد هَذين الْخَبَرين نَاسِخًا للآخَر، إذ كان غير جَائز في الأخْبَار (١) … عُلِمَ أنَّ مَعْنى قوله: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) غير مَعْنَى قَوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)، فإنَّ أهْل الْجَنَّة يَنْظُرُون بِأبْصَارِهم يَوْم القِيَامَة إلى الله، ولا يُدْرِكُونه بِها، تَصْدِيقًا لله في كِلا الْخَبَرين، وتَسْلِيمًا لِمَا جَاء به تَنْزِيله على مَا جَاء به في السُّورَتَين. ونَقَل عن آخَرِين: مَعْنَى ذلك: لا تَرَاه الأبْصَار وهو يَرَى الأبْصَار. فقال قائلو هذه الْمَقَالة: مَعْنَى الإدْرَاك في هذا الْمَوضِع الرُّؤية، وأنْكَرُوا أن يكون الله يُرَى بالأبْصَار في الدُّنيا والآخِرَة. وَنَقَل عن آخَرِين: مَعْنَى ذلك: لا تُدْرِكه أبْصَار الْخَلائق في الدُّنيا، وأمَّا في الآخِرَة فَإنَّها تُدْرِكُه. وقَال أهْل هذه الْمَقَالَة: الإدْرَاك في هَذا الْمَوْضِع الرُّؤيَة. كَمَا نَقَل عن آخَرِين مِنْ أهْل هذه الْمَقَالَة: الآيَة على الْخُصُوص، إلَّا أنه جَائز أن يَكُون مَعْنَى الآيَة: لا تُدْرِكه أبْصَار الظَّالِمِين في الدُّنيا والآخِرَة، وتُدْرِكه أبْصَار الْمُؤمِنِين وأوْلِيَاء الله. وعن آخَرِين: الآيَة على العُمُوم، ولن يُدْرِك اللهَ بَصَرُ أحَدٍ في الدُّنيا والآخِرَة، ولكن الله يُحْدِث لأوْلِيائه يَوْم القِيَامَة حَاسَّة سَادِسَة سِوَى حَوَاسِّهم الْخَمْس، فَيَرَونَه بِها. والصَّوَاب مِنْ القَوْل في ذلك عِندنا مَا تَظَاهَرَتْ به الأخْبَار عن رَسول الله صلى الله علهي وسلم أنه قال: إنكُم سَتَرَون رَبكُم يَوْم القِيَامَة كما تَرَون القَمَر لَيْلَة البَدْر، وكَمَا

стр. 654

تَرَون الشَّمْس لَيس دُونَها سَحَاب (١). فَالْمُؤمِنُون يَرونَه، والكَافِرُون عنه يَومَئذٍ مَحْجُوبُون، كَمَا قَال جَل ثَنَاؤه: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ). ثم شَرَع ابن جرير في ردّ حُجج وأقْوَال نُفَاة الرُّؤيَة. وَخَتَم الْمَبْحَث بِقَولِه: ولأهْل هَذه الْمَقَالَة مَسَائل فيها تَلْبِيس، كَرِهْنا ذِكْرَها وإطَالة الكِتَاب بِها وبِالْجَوَاب عنها، إذ لم يكُن قَصْدنا في كِتَابِنا هذا قَصْد الكَشْف عن تَمْوِيهَاتِهم، بل قَصَدْنا فيه البَيَان عن تَأوِيل آي الفُرْقَان. ولكنا ذَكَرْنا القَدْر الذي ذَكَرْنا لِيَعْلَم النَّاظِر في كِتَابِنا هذا أنَّهم لا يَرْجِعون مِنْ قَوْلِهم إلَّا إلى مَا لَبَّسَ عليهم الشَّيْطَان مِمَّا يَسْهُل على أهْل الْحَقّ البَيَان عن فَسَادِه، وأنّهم لا يَرْجِعون في قَوْلِهم إلى آية مِنْ التَّنْزِيل مُحْكَمة، ولا رِوَاية عن رسول الله ﷺ صَحِيحَة ولا سَقيمَة! فَهُمْ في الظُّلُمَات يَخْبِطُون، وفي العَمْياء يَتَرَدَّدُون. نَعُوذ بالله مِنْ الْحَيْرَة والضَّلالة (٢). ولعلّه اكْتَفى بما قرَّره هنا عن بَحْث الْمَسْألَة في آيَة "الأعراف"، فإنه أطَال في ذِكْر قِصَّة مُوسَى ﵊، وكَيْف تَجَلَّى الله للجَبَل، وذِكْر مَا وَرَد في ذلك (٣). وفي آيَة "المطففين" قال ابن جرير: يقول تَعالى ذِكْرُه: مَا الأمْر كَمَا يَقُول هَؤلاء الْمُكَذِّبُون بِيومِ الدِّين مِنْ أنَّ لَهم عند الله زُلْفة: (إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) فَلا يَرَونَه، ولا يَرَون شَيئًا مِنْ كَرَامَتِه يَصِل إليهم. وقد اخْتَلَف أهْل التَّأوِيل في مَعْنَى قَوله: (إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ)؛ فَقَال بَعْضُهم: مَعْنَى ذَلك: إنَّهم مَحْجُوبُون عن كَرَامَتِه.

стр. 655

وقال آخَرُون: بل مَعْنَى ذلك: إنَّهم مَحْجُوبُون عن رُؤيَة رَبِّهم. وأوْلَى الأقْوَال في ذلك بِالصَّوَاب أن يُقَال: إنَّ الله تعالى ذِكْرُه أخْبَر عن هَؤلاء القَوْم أنَّهم عن رُؤيَتِه مَحْجُوبُون. ويُحْتَمَل أن يَكُون مُرَادًا به الْحِجَاب عن كَرَامَتِه، وأن يَكُون مُرَادًا به الْحِجَاب عن ذلك كُلِّه، ولا دَلالة في الآيَة تَدُلّ على أنه مُرَاد بِذلك الْحِجَاب عن مَعْنَى مِنه دُون مَعْنَى، ولا خَبَر به عن رسول الله ﷺ قَامَتْ حُجَّتُه. فَالصَّوَاب أن يُقَال: هُمْ مَحْجُوبُون عَنْ رُؤيَتِه وعَن كَرَامَتِه، إذ كان الْخَبَر عَامًّا لا دَلالة على خُصُوصِه (١). وقَوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ) يَقُول تَعَالى ذِكْرُه: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ) يَعْنِي يَوْم القِيَامَة (نَاضِرَةٌ) يَقُول: حَسَنَة جَمِيلَة، مِنْ النَّعِيم، يُقَال مِنْ ذلك: نَضُر وَجْه فلان، إذا حَسُن مِنْ النِّعْمَة، ونَضَّر الله وَجْهه، إذا حَسَّنَه كَذلك. وقَوله: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) اخْتَلَف أهْل التَّأوِيل في تَأوِيل ذلك؛ فَقَال بَعْضُهم: مَعْنَى ذلك أنها تَنْظُر إلى رَبِّها. وقال آخَرُون: بل مَعْنَى ذلك أنَّها تَنْتَظِر الثَّوَاب مِنْ رَبِّها. وأوْلى القَوْلَين في ذلك عِندنا بِالصَّوَاب … أنَّ مَعْنَى ذَلك: تَنْظُر إلى خَالِقِها، وبذلك جَاء الأثَر عن رَسُول الله ﷺ (٢). وبِهَذا جَمَع ابن الجوزي بَيْن آيَتي "الأنعام" و"القيامة"، فَقَال: قَوله تَعالى: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) في الإدْرَاك قَوْلان: أحَدُهما: أنه بِمَعْنَى الإحَاطَة. والثَّاني: بِمَعْنَى الرُّؤيَة.

стр. 656

وفي "الأبْصَار" قَوْلان: أحَدهما: أنَّها العُيون، قَاله الْجُمْهُور. والثَّاني: أنها العُقُول. فَفِي مَعْنَى الآيَة ثَلاثَة أقْوَال: أحَدُها: لا تُحِيط بِه الأبْصَار … وقال الزجاج مَعْنَى الآيَة: الإحَاطَة بِحَقِيقَتِه، وليس فيها دَفْع للرُّؤيَة، لِمَا صَحّ عن رَسُول الله ﷺ مِنْ الرُّؤيَة، وهَذا مَذْهَب أهْل السُّنَّة والعِلْم والْحَدِيث. والثَّاني: لا تُدْرِكه الأبْصَار إذا تَجَلَّى بِنُورِه الذي هو نُورُه. والثَّالِث: لا تُدْرِكُه الأبْصَار في الدُّنيا. وَحَمَل ابن الجَوزي الْمُطْلَق على الْمُقَيَّد، فَرَجَّح أن الرُّؤيَة الْمَنْفِيَّة في الدُّنيا، حيث قال: ويَدُلّ على أنَّ الآيَة مَخْصُوصَة بِالدُّنيا قَوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ). فَقَيَّد النَّظَر إليه بِالقِيَامَة، وأطْلَق في هَذه الآيَة، والْمُطْلَق يُحْمَل على الْمُقَيَّد (١). وأكَّد ذلك في آيَة "الأعراف"، فَقَال: قَوله تَعالى: (قَالَ لَنْ تَرَانِي) تَعَلَّق بِهذا نُفَاة الرُّؤيَة، وقَالُوا: (لن) لِنَفْي الأبَد، وذلك غَلَط، لأنَّها قد وَرَدَتْ ولَيس الْمُرَاد بِها الأبَد في قَولِه: (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) [البقرة: ٩٥]، ثم أخْبَر عنهم بِتَمَنِّيه في النَّار بِقَولِه: (يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ) [الزخرف: ٧٧]، ولأنَّ ابن عباس قَال في تَفْسِيرِها: لن تَرَاني في الدُّنيا. وقال غيره: هذا جَوَاب لِقَول مُوسَى: أرِنِي، ولم يُرِد أرِني في الآخِرَة، وإنَّمَا أرَادَ في الدُّنيا، فأُجِيب عَمَّا سَأل. وقال بَعْضُهم: لن تَرَاني بِسُؤالِك.

стр. 657

وفي هَذه الآيَة دَلالة على جَوَاز الرُّؤيَة، لأنَّ مُوسَى مع عِلْمِه بِالله تعالى سَألَها، ولو كَانت مِمَّا يَسْتَحِيل لَمَا جَاز لِمُوس أن يَسْألَها، ولا يَجُوز أن يَجْهَل مُوسَى مِثل ذلك، لأنَّ مَعْرِفَة الأنبياء بِالله لَيس فيها نَقْص، ولأنَّ الله تعالى لم يُنْكِر عليه الْمَسْألَة، وإنَّمَا مَنَعَه مِنْ الرُّؤيَة، ولو اسْتَحَالَتْ عليه لَقَال: لا أُرَى (١). ألا تَرى أنَّ نُوحًا لَمَّا قَال: (إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) [هود: ٤٥] أنْكَر عليه بِقَولِه: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) [هود: ٤٦]، ومِمَّا يَدُلّ على جَواز الرُّؤيَة أنه عَلَّقَها بِاسْتِقْرَار الْجَبَل، وذلك جَائز غير مُسْتَحِيل، فَدَلّ على أنَّها جَائزَة، ألَا تَرَى أنَّ دُخُول الكُفَّار الْجَنَّة لَمّا اسْتَحَال عَلَّقَه بِمُسْتَحِيل؟ فَقَال: (حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ) [الأعراف: ٤٠] (٢). ويَرَى ابن الجوزي أنَّ قَوله: (إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) اسْتِئْنَاف، حَيث يَقُول: ثم اسْتَأنَف (إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) قال ابن عباس: إنَّهم عن النَّظَر إلى رَبِّهِمْ يَومَئذٍ لَمَحْجُوبُون، والْمُؤمِن لا يُحْجَب عن رُؤيَتِه. وقال مَالك بن أنس: لَمَّا حَجَب أعْدَاءه فلم يَرَوه تَجَلَّى لأوْلِيائه حَتى رَأَوْه. وقَال الشافعي: لَمَّا حَجَب قَومًا بالسُّخْط دَلّ على أنَّ قَومًا يَرَوْنَه بِالرِّضَا. وقال الزَّجّاج: في هَذه الآيَة دَلِيل على أنَّ الله يُرَى في القِيَامَة، ولَولا ذلك مَا كان في هَذه الآيَة فَائدَة، ولا خَسَّتْ مَنْزِلَة الكُفَّار بِأنَّهم يُحْجَبُون عن رَبِّهم ثم مِنْ بَعْد حَجْبِهم عن الله يَدْخُلُون النَّار؛ فَذَلك قَوله تَعالى: (ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ) [المطففين: ١٦] (٣). وهذا ما قرَّرَه في آيَة "القيامة"، إذ يَقُول: قَوله تَعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ) أي: مُشْرِقَة بِالنَّعِيم. (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) رَوى عَطاء عن ابن عباس قال: إلى الله نَاظِرَة. قال

стр. 658

الْحَسَن: حُقَّ لَها أن تُنَضَّر وهي تَنْظُر إلى الْخَالِق، وهذا مذهب عكرمة. ورُؤيَة الله حَقّ لا شَكّ فِيها، والأحَادِيث فِيها صِحَاح (١). رأي الباحث: لا تَعَارُض بَيْن نَفْي إحَاطَة الأبْصَار بِه وبَيْن إثْبَات الرُّؤيَة؛ لأنَّ الرُّؤيَة لا تَقْتَضِي الإحَاطَة. ألا تَرَى أنَّ الرَّائي للجَبَل يَرَاه ولا يُحِيط بَصَرُه بِالْجَبَل. ولله الْمَثَل الأعْلَى؛ فهو أعظَم وأجَلّ مِنْ أن تُحِيط بِه الأبْصَار. وقد "اتَّفَقَتِ الأمَّة على أنه لا يَرَاه أحَدٌ في الدُّنيا بِعَينِه، ولم يَتَنَازَعُوا في ذلك إلَّا في نَبِيِّنا ﷺ خَاصَّة" (٢)، والْجُمْهُور على أنَّها رُؤيَة قَلْبِيَّة (٣)، فقد سُئل ﵊: هَلْ رَأيْتَ رَبَّك؟ فقال: نُوْرٌ أنَّى أَرَاه (٤). وقَالتْ عَائِشَةَ ﵂: مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمًّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ، وَلَكِنْ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ في صُورَتِه، وَخَلْقُهُ سَادّ مَا بَيْنَ الأُفُق (٥). وقالتْ: مَنْ حَدَّثَك أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (٦).

стр. 659

وأمَّا مَا اسْتَدَلّ به نُفَاة الرُّؤيَة مِنْ قَولِه تَعالى لِمُوسَى: (لَنْ تَرَانِي)، فَذلك مُخْتَصّ بِالدُّنيا، إذ لَم يُخْلَق الْخَلْق فِيها للبَقَاء، ويَدُلّ عليه قَوله ﵊: لَنْ يَرَى أحَدُكُم رَبَّه حَتى يَمُوت (١). وجَوَاب آخَر، وهو أنَّ "قَوْله تَعَالى: (لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ) الآية، لَيس بِجَوَاب مَنْ سَأل مُحَالًا، وقد قَال تَعَالى لِنُوح: (فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) [هود: ٤٦]، فلو سَأل مُوسَى مُحَالًا لَكَان في الكَلام زَجْرٌ مَا وتَبْيِين. وقَولُه : (لَنْ تَرَانِي) نَصّ مِنْ الله تَعالى على مَنْعِه الرُّؤيَة في الدُّنيا، و (لن) تَنْفِي الفِعْل الْمُسْتَقْبَل، ولو بَقِينَا مع هذا النَّفْي بِمُجَرَّدِه لَقَضَينَا أنه لا يَرَاه مُوسَى أبَدًا ولا في الآخِرَة، لكن وَرَد مِنْ جِهَة أخْرَى بِالْحَدِيث الْمُتَوَاتِر أنَّ أهْل الإيمان يَرَون الله تَعَالى يَوْم القِيَامَة، فَمُوسَى ﵇ أحْرَى بِرُؤيَتِه" (٢). وكان مِنْ سُؤَال النبي ﷺ ودُعَائه: وأسْألُك لَذّة النَّظَرِ إلى وَجْهِك (٣). قال ابن عبد البر: والآثَار في هَذا الْمَعْنَى كَثِيرَة جِدًّا (٤). وجَوَاب أخِير، وهو "إنَّ النَّظَر لَه عِدَّة اسْتِعْمَالات بِحَسَب صِلاته وتَعَدِّيه بِنَفْسِه، فإن عُدِّي بِنَفْسِه، فَمَعْنَاه التَّوَقُّف والانْتِظَار، (انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ) [الحديد: ١٣]، وإن عُدِّي بِـ (في)، فَمَعْنَاه التَّفَكُّر والاعْتِبَار، كَقَوْلِه: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [الأعراف: ١٨٥]، وإن عُدِّي بـ (إلى)، فَمَعْنَاه الْمُعَايَنَة بِالأبْصَار، كَقَوْلِه

стр. 660

تَعَالى: (انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ) [الأنعام: ٩٩]، فَكَيْف إذا أُضِيف إلى الوَجْه الذي هُو مَحَلّ البَصَر؟ " (١) وخِتَام هذا الفَصْل: فَهَذا مَا تَم الوُقُوف عليه مِمَّا له عِلاقَة بِهذا الْمَبْحَث، وهو "أثر عَقِيدة القرطبي في تَوَهُّم التَّعَارُض"، وسبَق في التَّمْهِيد بَيَان عَقِيدة القرطبي، أنه وَقَع في شيء مِنْ التَّأوِيل، ولَم يَكُنْ مُتأوِّلًا بإطْلاق. والله تعالى أعلم.

стр. 661

الخاتمة الحمد لله الذي بِنِعْمَتِه تَتِمّ الصَّالِحَات، وقد أوْشَك هذا البحث على الانتهاء، وفيه تَمّ سَبْر أغْوَار تفسير القرطبي الْمُسَمَّى "الجامع لأحكام القرآن"، وفي جانِب مِنْ جَوانِبه؛ ألَا وهو دَفْع تَوهّم التعارُض، وقد بَرَز هذا الجانب واضِحًا جَليًّا لدى الإمام القرطبي، حيث كان له بِه عناية بالِغة. وقد بَرَزَتْ تِلك العناية في طيّات هذا البحث مِنْ خِلال ما يلي: أولًا: النَّسْخ. فهو يُناقش ما يتعلّق بالنسخ ويُفصِّل فيه، ويستعين به على دَفع ما يُتوهّم تَعَارُضه، و"النَّسخ إنّمَا يَكُون عِند عَدَم الْجَمْع" (١). ثانيًا: القول بالخصوص والعموم. فيُحمَل العام على الخاص، مع مُراعاة عُموم النصوص، إلّا أن القرطبي يُرجِّح بين الأقوال بِعموم قول وخصوص قول. ثالثًا: القول بالتقديم والتأخير، وهو أحد طُرُق دفع التعارض، وقد أعْمَل القرطبي هذا الفَنّ من أفانين اللغة في دفْع توهّم التعارض. رابعًا: اختلاف المناسبة. وذلك أن النصّ القرآني قد يَكون سِيق في سُورة أو في مَوْضِع سياقًا يختلف معناه باختلاف مناسبته، ويَدفع به القرطبي توهّم التعارض. كما اسْتَعان القرطبي في دَفْع تَوهّم التعارُض بـ: إيراد الأحاديث المرفوعة للجمع بين الآيات، ولِدفع توهّم التعارض. كما دَفَع توهّم التعارض من خلال إيراد أقوال السلف في الجمع بين الآيات. واحْتَكَم القرطبي إلى اللغة العربية وقواعدها لِدفع التعارض المتوهّم. وقد أفاد القرطبي ممن سَبَقُوه في هذا المضمار، وأفَاد مِنه مَنْ أتَى بَعده، وهذا دَالّ على تَقدّمه في هذا الميدان، إذ كان يُعنَى بالكشف عن معنى الآية، مُضِيفًا إليه عناية بالغة في دَفْع توهّم التعارُض.

стр. 662

ومِن هنا فإن الباحث في دَفْع تَوهّم التعارُض بين آي الكِتَاب ينبغي أن يُعنى بتفسير القرطبي "الجامع لأحكام القرآن". والكِتاب لا زال بِحَاجَة إلى مَزيد مِنْ العناية - رَغْم ما اعْتُني به - وهو بِحاجَة إلى دراسات أكاديمية لا يَقْتَصِر نَفعها على باحِثها! ولا على أرفف مكتبات الجامعات، بل يُفيد منه طُلّاب العِلْم في مشارِق الأرض ومغاربها. وفي أثْنَاء كِتَابَة هذه الْخَاتِمَة صَدَرَتْ طَبْعة جَدِيدة مع عِناية وتَحقيق لتفسير القرطبي "الجامع لأحكام القرآن" (١) فأغنى ذلك عن التَّوْصِية بِخدْمة الكِتاب وتحقيقه، ذلك أنَّ الكِتاب كان بِحَاجَة إلى خِدْمة وعِناية وتَحقيق يَقوم عليه فرِيق عِلمي، وليس جُهد بَاحِث أو مُحَقق واحِد. وأمَّا التَّوْصِيَات فَخَيْر مَا يُوصَى بِه تَقْوَى الله. ووصية أخيرة لِمَنْ أرَاد أن يَأخذ العِلْم بِمَجَامِعِه، ويَأخُذ مِنْ كُلّ فَنٍّ بِطَرَف؛ فَعَلَيْه بِعِلْم التَّفْسِير وذلك لارْتِبَاطِه بأشْرَف العُلُوم وأصْلِها، ولِكَونه أصْل الاسْتِدْلال. وقد رأيت رسائل عِلْمِيَّة بَحَثَتْ مَسَائل في التفسير، فَمَا خَرَج مِنها أصْحَابُها إلَّا وقد أبْحَرُوا في عُلُوم شَتَّى؛ مِنْ عَقِيدة وحَدِيث، وفِقْه وأُصُول، نَاهِيك بِمَا يُلِمّ بِه مِنْ فَهْمٍ لِكِتاب الله، وإلْمَام بِمعانيه وعُلُومه. أخيرًا … فإنه لا يَزَال في القَوْس مَنْزَع، وفي الكِنَانَة أهْزَع (٢)، فلا يَزَال كِتَاب "الْجَامِع لأحْكَام القُرْآن" تَفِيض جَوَانِبه، ويَرْتَوِي وارِدُه، ولا يَزَال الكِتَاب مُفْتَقِرًا إلى تَجْلِيَة غَوَامِضِه، واكْتِشَاف مَكنُونَاتِه، والغَوْص على دُرَرِه، فهو بَحْر لا تُكَدِّرُه الدِّلاء، ومَنْهَل لا تَمَلُّه العُلَمَاء. لا يَزال هذا الْجَانِب - دَفْع تَوَهُّم التَّعَارُض - بِحَاجَة إلى جَمْع واسْتِقْصَاء، وإضَافَة كِتَاب إلى الْمَكْتَبَة الإسْلامِيَّة، يَشُدّ عَضُد أخِيه! "دَفْع إيهَام الاضْطِرَاب".

стр. 663

وفي ظَنِّي - مِنْ خلال مُعَايَشَة "الجامع لأحكام القرآن"، والسَّفَر مَعَه وإلَيه - أنه لَو جُمِع مَا فِيه مِنْ مَادَّة عِلْمِيَّة - في دَفْع تَوَهُّم التَّعَارُض - لَجَاء في مُجلَّد يُضَاهِي كِتَاب الشنقيطي (١). ومِمَّا يُوصَى به أن تَشُدّ لِجَان الْمُناقَشَة مِنْ أزْرِ كُلّ باحِث وباحِثَة، وحَثّهم على طِبَاعَة بُحُوثِهم، وأن يُطْلَق إسَارُها من أرْفُف مَكْتَبَات الدِّرَاسَات والبحوث الْجَامِعِيَّة، والتي تَبْقَى مَحْدُودَة الفَائدَة، حَبِيسَة الْجُدْرَان! فَقد سَمِعْنا وقَرَأنا عن رَسَائل قَيِّمَة، وبُحُوث فَرِيدَة، ولكنها لَم تَرَ النُّور بَعْد. وكَثِيرًا ما يَحْتَاج إليها البَاحِثُون فلا يُمْكِن الوُصُل إلَّا لِفئة محدودة منهم. والله نسأل أن يَجعل أعْمَالَنا في رِضَاه، وأن يَجْعَلَها خَالِصَة لِوَجْهِه الكَرِيم.

стр. 664

ثبت المراجع الإتقان في علوم القرآن، السيوطي، ط. المكتبة العصرية، بيروت، ١٤٢٤. الإجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة، الزركشي، ط. المكتب الإسلامي، بيروت، الثانية، ١٣٩٠، تحقيق: سعيد الأفغاني. اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، ابن القيم، ط. دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى، ١٤٠٤. الآحاد والمثاني، ابن أبي عاصم، ط. دار الراية، الرياض، الأولى، ١٤١١، تحقيق: باسم الجوابرة. الأحاديث المختارة، الضياء المقدسي، ط. مكتبة النهضة الحديثة، مكة، الأولى، ١٤١٠، تحقيق: عبد الملك بن دهيش. الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان، ابن بلبان، ط. مؤسسة الرسالة، بيروت، الثانية، ١٤١٤، تحقيق: شعيب الأرناؤوط. أحكام أهل الذِّمة، ابن القيم، ط. دار ابن حزم، بيروت، الأولى، ١٤١٨، تحقيق: يوسف البكري، شاكر توفيق. الإحكام في أصول الأحكام، ابن حزم، ط. دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى، ١٤٠٥. اختلاف المفسرين - أسبابه وآثاره -، سعود الفنيسان، ط. دار أشبيليا، الرياض، الأولى، ١٤١٨. آداب الحسن بن أبي الحسن البصري، ابن الجوزي، ط دار المعراج الدولية، الرياض، الأولى ١٤١٤، تحقيق: سليمان الحرش. الآداب الشرعية، ابن مفلح، ط. دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى، ١٤١٧، تحقيق: أيمن بن عارف الدمشقي. الأدب المفرد، البخاري، ط. دار البشتر، بيروت، الثالثة، ١٤٠٩، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي. إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول، الشوكاني، ط. مكتبة الباز، مكة، الرابعة، ١٤١٤، تحقيق: أبي مصعب البدري.

стр. 665

إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، الألباني، ط. المكتب الإسلامي، بيروت، دمشق، الأولى، ١٣٩٩. الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار، ابن عبد البر الثمري. ط. دار قتيبة ودار الوعي. الأولى، ١٤١٤، تحقيق: عبد المعطي قلعجي، و ط. دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى: ٢٠٠٠ م، تحقيق: سالم محمد عطا، ومحمد علي معوّض. الاستيعاب، ابن عبد البر، ط. دار الجيل، بيروت، الأولى، ١٤١٢، تحقيق: علي بن محمد البجاوي. الإسرائليات والموضوعات في كتب التفسير، محمد أبو شهبة، مكتبة السنة، مصر، الرابعة، ١٤٠٨. الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، القرطبي، ط. دار الصحابة، طنطا، ١٤١٦، تحقيق: محمد جبل. أشراط الساعة، عبد الله الغفيلي، ط. وزارة الشؤون الإسلامية، الرياض، الأولى، ١٤٢١. الإصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر. ط. دار الكتب العلمية، لبنان، الأولى، ١٤١٥، تحقيق: عادل عبد الموجود، وعلي معوّض. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، ط. دار الكتب العلمية، الثانية، ١٤٢٤، تخريج: محمد بن عبد العزيز الخالدي. الاعتقاد، البيهقي، ط. دار الآفاق الجديدة، بيروت، الأولى، ١٤٠١، تحقيق: أحمد عصام الكاتب. اعتقاد الإمام المبجل أحمد بن حنبل، ابن أبي يعلى، ط. دار المعرفة، بيروت، تحقيق: محمد حامد الفقي. اعتقاد أهل السنة شرح أصحاب الحديث، محمد الخميس، ط. وزارة الشؤون الإسلامية، الرياض، ١٤١٩. الإعجاز العلمي في الإسلام - "القرآن الكريم"، محمد كامل عبد الصمد، ط، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، السادسة، ١٤٢٤. الإعلام، الزركلي، ط. دار العلم للملايين، بيروت، السادسة، ١٤٠٤. اعلام الموقّعين، ابن القيم، ط. دار الجيل، بيروت، ١٩٧٣ م، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، تأليف الإمام عمر بن علي (ابن الملقن)، ط. دار العاصمة، الأولى ١٤١٧، تحقيق: عبد العزيز المشيقح.

стр. 666

إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، ابن القيم، ط. دار المعرفة، بيروت، الثانية، ١٣٩٥، تحقيق: محمد حامد الفقي. الأغاني، الأصفهاني، ط. دار الفكر، لبنان، تحقيق: علي مهنا، وسمير جابر. أقاويل الثقات، مرعي الحنبلي، ط. مؤسسة الرسالة، بيروت، الأولى، ١٤٠٦، تحقيق: شعيب الأرناؤوط. الإكمال، ابن ماكولا، ط. دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى، ١٤١١. إكمال إكمال المعلم، تأليف الإمام محمد بن خليفة الأبّي، ط. دار الكتب العلمية، الأولى ١٤١٥. الأم، الشافعي، ط. دار المعرفة، بيروت، الثانية، ١٣٩٣. الإمام القرطبي شيخ أئمة التفسير، مشهور بن حسن، ط. دار القلم، دمشق، الأولى، ١٤١٣. الإيمان، ابن تيمية، ط. المكتب الإسلامي، بيروت، دمشق، خرج أحاديثه: الألباني. الإيمان، ابن منده، ط. مؤسسة الرسالة، بيروت، الثانية، ١٤٠٦، تحقيق: علي بن محمد الفقيهي. الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، أحمد شاكر، ط. دار العاصمة، الرياض، الأولى، ١٤١٥، تحقيق: علي بن حسن الحلبي. بحر العلوم، السمرقندي، ط. دار الفكر، بيروت، تحقيق: محمود مطرجي. بدائع الفوائد، ابن القيم، ط. مكتبة نزار الباز، مكة، الأولى، ١٤١٦، تحقيق: هشام عبد العزيز، عادل عبد الحميد، أشرف أحمد. البداية والنهاية، ابن كثير، ط. دار هجر، مصر، الأولى، ١٤١٧، تحقيق عبد الله التركي. البرهان في علوم القرآن، الزركشي، ط. وزارة الشؤون الإسلامية، الرياض، ١٤٢٤، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. البرهان في متشابه القرآن، الكرماني، ط. دار الوفاء، المنصورة، الثانية، ١٤١٨، بعناية: أحمد عز الدين عبد الله خلف الله. بغية المرتاد، ابن تيمية، ط. مكتبة العلوم والحكم، المدينة، الأولى، ١٤٠٨، تحقيق: موسى الدويش.

стр. 667

بيان تلبيس الجهمية، ابن تيمية، ط. مطبعة الحكومة، مكة، الأولى، ١٣٩٢، تحقيق: محمد ابن عبد الرحمن بن قاسم. البيان والتبيين، الجاحظ، ط. دار صعب، بيروت، تحقيق: فوزي عطوي. البيان والتعريف، الحسيني، ط. دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠١، تحقيق: سيف الدين الكاتب. تاريخ أصبهان، أبو نعيم، ط. دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى، ١٤١٠، تحقيق: سيد كسروي حسن. تاريخ الأمم والملوك، الطبري، ط. دار الكتب العلمية، بيروت. التاريخ الكبير، البخاري، ط. دار الفكر، تحقيق: السيد هاشم الندوي. تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي، ط. دار الكتب العلمية، بيروت. تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر، ط. دار الفكر، بيروت، ١٩٩٥ م، تحقيق: عمر بن غرامة العمري. التبيان في آداب حملة القرآن، النووي، ط. الوكالة العامة، دمشق، الأولى، ١٤٠٣. تبيين كذب المفتري، ابن عساكر، ط. دار الكتاب العربي، بيروت، الثالثة، ١٤٠٤. تحرير ألفاظ التنبيه، النووي، دار القلم، دمشق، الأولى، ١٤٠٨، تحقيق: عبد الغني الدقر. تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف، المزي، ط. دار إحياء التراث العربي، بيروت، الأولى، ١٤٢٢. تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف، الزيلعي، ط. وزارة الشؤون الإسلامية، الرياض، ١٤٢٤، عناية: سلطان الطبيشي. تدريب الراوي في شرح تقريب النوواي، السيوطي، ط، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٤٠٩، تحقيق أحمد عمر هاشم. تذكرة الحفاظ، الذهبي، ط. دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى. التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي، ط. دار الكتاب العربي، لبنان، الرابعة، ١٤٠٣. التعبير القرآني، فاضل السامرائي، ط. دار عمار، الأردن، الثالثة، ١٤٢٥. التعريفات، الجرجاني، ط. دار الكتاب العربي، بيروت، الأولى، ١٤٠٥، تحقيق: إبراهيم الأبياري.

стр. 668

التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي، ط. دار الفكر المعاصر، بيروت، دمشق، الأولى، ١٤١٠، تحقيق: محمد رضوان الداية. تفسير ابن أبي حاتم، ابن أبي حاتم، ط. المكتبة العصرية، صيدا، تحقيق: أسعد الطيب. تفسير أبي السعود، أبو السعود العمادي، ط. دار إحياء التراث، بيروت. تفسير القرآن، السمعاني، ط. دار الوطن، الرياض، الأولى، ١٤١٨، تحقيق: ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ط. وزارة الشؤون الإسلامية، الرياض، الأولى، ١٤٢٥ وط. دار الفكر، بيروت، ١٤٠١. التفسير الكبير، الرازي، ط. دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى، ١٤٢١. تفسير عبد الرزاق، عبد الرزاق الصنعاني، ط. مكتبة الرشد، الرياض، الأولى، ١٤١٠، تحقيق: مصطفى مسلم. التفسير والمفسرون، محمد بن حسين الذهبي، ط. وزارة الشؤون الإسلامية، الرياض، ١٤٢٤. تقريب التهذيب، ابن حجر، ط. دار العاصمة، الرياض، الأولى، ١٤١٦، تحقيق: صغير أحمد شاغف الباكستاني. التكملة لكتاب الصلة، القضاعي، ط. دار الفكر، لبنان، ١٤١٥، تحقيق: عبد السلام هراس. التلخيص الحبير، ابن حجر، ط. مكتبة ابن تيمية، تحقيق: شعبان محمد إسماعيل. التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، ابن عبد البر، ط. وزارة عموم الأوقاف، المغرب، ١٣٨٧، تحقيق: مصطفى العلوي، ومحمد البكري. تنزيه الشريعة، ابن عراق الكناني، ط. دار الكتب العلمية، بيروت، الثانية، ١٤٠١، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، وعبد الله محمد الصديق. تهذيب الآثار، ابن جرير، ط. مطبعة المدني، القاهرة، تحقيق: محمود شاكر. تهذيب التهذيب، ابن حجر، ط. دار المعرفة، بيروت، الأولى، ١٤١٧، تحقيق: خليل مأمون شيحا وآخرون. تهذيب الكمال، المزي، ط. مؤسسة الرسالة، بيروت، الأولى، ١٤٠١، تحقيق: بشار عواد معروف. تهذيب وترتيب الإتقان في علوم القرآن للسيوطي، تهذيب وترتيب: محمد بن عمر بازمول. ط. دار الهجرة، السعودية، الأولى، ١٤١٢.

стр. 669

تيسير العزيز الحميد، سليمان بن عبد الله، ط. مكتبة الرياض، الرياض. تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ط. مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٢١، تحقيق: ابن عثيمين. الثقات، ابن حبان، ط. دار الفكر، الأولى، ١٣٩٥، تحقيق: السيد شرف الدين أحمد. ثمار القلوب في المضاف والمنسوب، التعالي، ط. دار المعارف، القاهرة. الجامع، معمر بن راشد، ط. ملحق بمصنف عبد الرزاق، ط. المكتب الإسلامي، بيروت، الثانية، ١٤٠٣، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي. جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تأليف الإمام محمد بن جرير الطبري. ط. دار هجر، الأولى، ١٤٢٢، تحقيق: عبد الله التركي. جامع الترمذي، تأليف الإمام محمد بن عيسى الترمذي. ط. دار الكتب العلمية، بيروت، تحقيق: أحمد شاكر. الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله ﷺ وسنته وأيامه، تأليف الإمام محمد بن إسماعيل البخاري. ط. دار ابن كثير ودار اليمامة. الثالثة ١٤٠٧، تحقيق: مصطفى البغا. جامع العلوم والحكم، ابن رجب، ط. مؤسسة الرسالة، بيروت، السابعة، ١٤١٧، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي. ط. دار الكتب العلمية. الطبعة الرابعة، ١٤٢٢، تحقيق: عبد الرزاق المهدي. و ط. دار الشعب، القاهرة. جزء الحسن بن عرفة، الحسن بن عرفة، ط. مكتبة دار الأقصى، الكويت، الأولى، ١٤٠٦، تحقيق: عبد الرحمن بن عبد الجبار الفريوائي. الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ابن تيمية، ط. علي السيد صبح المدني. الجواهر الحسان، الثعالبي، ط. مؤسسة الأعلمي، بيروت. حجة القراءات، ابن زنجلة، ط. مؤسسة الرسالة، بيروت، الخامسة، ١٤٢٢، تحقيق: سعيد الأفغاني. الحدود الأنيقة، زكريا الأنصاري، ط. دار الفكر المعاصر، بيروت، الأولى، ١٤١١، تحقيق: مازن المبارك. حلية الأولياء، أبو نعيم، ط. دار الكتاب العربي، بيروت، الرابعة، ١٤٠٥.

стр. 670

خلاصة البدر المنير، ابن الملقن، ط. مكتبة الرشد، الرياض، الأولى، ١٤١٠، تحقيق: حمدي السلفي. الداء والدواء " الجواب الكافي "، ابن القيم، ط. دار ابن الجوزي، الدمام، الأولى، ١٤١٦، تحقيق: علي بن حسن الحلبي. الديباج المذهب، ابن فرحون، ط. دار الكتب العلمية، بيروت. درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية، ط. دار الكنوز الأدبية، الرياض، ١٣٩١، تحقيق: محمد رشاد سالم. درة التنزيل وغرة التأويل، الخطيب الإسكافي، ط. دار المعرفة، بيروت، الأولى، ١٤٢٢، اعتنى به: خليل مأمون شيحا. دعوة شيخ الإسلام ابن تيمية وأثرها في الحركات الإسلامية المعاصرة، صلاح الدين مقبول أحمد، ط. مجمع البحوث العلمية، الهند، الأولى، ١٤١٢. دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، محمد الأمين الشنقيطي، ط. دار الكتب العلمية بيروت، الثانية، ١٤٢٤، ملحق بتفسير أضواء البيان. دلائل الإعجاز، الجرجاني، ط. دار الكتاب العربي، بيروت، الأولى، ١٤١٥، تحقيق: التنجي. ذم التأويل، ابن قدامة، ط. الدار السلفية، الكويت، الأولى، ١٤٠٦، تحقيق: بدر البدر. رؤية الله، الدراقطني، ط. مكتبة القرآن، القاهرة، تحقيق: مبروك إسماعيل مبروك. رؤية الله ﵎، ابن النحاس، ط. دار المعراج الدولية، الرياض، الأولى، ١٤١٦، تحقيق علاء الدين علي رضا. رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار، الصنعاني، ط. المكتب الإسلامي، بيروت، الأولى ١٤٠٥، تحقيق: الألباني. رفع الملام عن الأئمة الأعلام، ابن تيمية، ط. الجامعة الإسلامية، المدينة، الخامسة، ١٣٩٦. الروح، ابن القيم، ط. دار الكتب العلمية، بيروت، ١٣٩٥. روح المعاني، الألوسي، ط. دار إحياء التراث، بيروت. زاد المسير، ابن الجوزي، ط. المكتب الإسلامي، بيروت، الثالثة، ١٤٠٤. زاد المعاد في هدي خير العباد، ابن القيم، ط مؤسسة الرسالة، بيروت، الخامسة عشر، ١٤٠٧، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط.
следующие страницы →