← Тафсир

Тафсир · id 1114

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

عبد الرحمن السحيم

Полный текст (680 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

واخْتَار القُرْطُبي أنَّ الضَّمِير في قَوله تَعالى: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ) [طه: ٥٥] عائد على آدَم. حَيث قَال: يَعْنِي آدَم ﵇؛ لأنه خُلِق مِنْ الأرْض، قاله أبو إسحاق الزجاج وغيره (١). وكَذلك قَال في قَوله تَعالى: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) [هود: ٦١]، حيث قال: أي ابْتَدأ خَلْقِكم مِنْ الأرْض، وذلك أنَّ آدَم خُلِق مِنْ الأرض … وهُم مِنه (٢). كما اخْتَار القرطبي أن (الْإِنْسَانَ) في آيَة "المؤمنون" هو آدَم ﵊. ثم عَلَّل سَبَب تَسْمِية الإنْسَان إنْسَانًا، وذلك "لأنه اسْتُلّ مِنْ الطِّين. ويَجِيء الضَّمِير في قَوله: (ثُمَّ جَعَلْنَاهُ) عائدًا على ابْنِ آدَم - وإن كان لم يُذْكَر لِشُهْرَة الأمْر - فإنَّ الْمَعْنَى لا يَصْلُح إلَّا لَه (٣)، نَظِير ذلك: (حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) " [ص: ٣٢]. وقِيل: الْمُرَاد بالسُّلالَة ابن آدَم. والسُّلالَة على هذا صَفْوَة الْمَاء، يَعْنِي الْمَنِيّ .... فالنُّطْفَة سُلالة، والوَلَد سَلِيل وسُلالة، عَنَى به الْمَاء يُسَلّ مِنْ الظَّهْر سَلًّا … وقوله: (مِنْ طِينٍ) أي: أنَّ الأصْل آدَم، وهو مِنْ طِين. قُلت: أي: مِنْ طِين خَالِص، فأمَّا وَلَده فَهو مِنْ طِين ومَنِيّ حَسْبَمَا … وقال الكلبي: السُّلالة الطِّين إذا عَصَرْته انْسَلّ مِنْ بَيْن أصَابِعك، فالذي يَخْرُج هو السُّلالة (٤). وفي آيَة "الصافات" بَيَّن القرطبي أنَّ مْعَنَى (لازِبٍ): لاصِق. ونَقَل عن قتادة وابن زيد: مَعْنَى لازِب لازِق. كما نَقَل عن الْمَاوَرْدي الفَرْق بين اللاصِق واللازِق، وذلك أنَّ اللاصِق هو الذي قد لُصِق بَعْضُه بِبعض، واللازِق هو الذي يَلْتَزِق بِمَا أصَابَه. وعن عكرمة قَوله: لازِب، لَزِج.

стр. 597

وعن سعيد بن جبير: أي جَيِّد حُرّ يَلْصَق بِاليَد. وعن مجاهد: لازِب لازِم. والعَرب تَقُول: طِين لازِب ولازِم، تُبْدِل البَاء مِنْ الْمِيم، ومِثله قَولهم: لاتِب ولازِم، على إبْدال البَاء بِالْمِيم، واللازِب الثَّابِت. تَقُول: صَار الشَّيء ضَرْبَة لازِب، وهو أفْصَح مِنْ لازِم. وقال السدي والكلبي في اللازِب: إنه الْخَالِص. مجاهد والضحاك: إنه الْمُنْتِن (١) وفسَّر القرطبي الْمَاء الدَّافِق بالْمَنِيّ. قال: والدَّفْق صَبّ الْمَاء. دَفَقْتُ الماء أدْفُقُه دَفْقًا: صَبَبْتُه، فهو ماء دافِق أي مَدْفُوق، كَمَا قَالُوا: سِرّ كَاتِم، أي: مَكْتُوم؛ لأنه مِنْ قَولك: دُفِق الْمَاء، على مَا لَم يُسَمّ فَاعِله. ولا يُقَال: دَفَق الْمَاء (٢). ويُقَال دَفَق الله رُوحَه، إذا دُعِي عليه بِالْمَوت، قال الفراء والأخفش: (مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ) أي: مَصْبُوب في الرَّحِم. الزجاج: مِنْ مَاء ذي انْدِفَاق. يُقَال: دَارِع وفَارِس ونَابِل، أي: ذو فَرَس ودِرْع ونَبْل. وهذا مَذهب سيبويه. فالدَّافِق هو الْمُنْدَفِق بِشِدّةِ قُوّتِه. وأرَاد مَاءَين: مَاء الرَّجُل ومَاء الْمَرْأة؛ لأنَّ الإنْسَان مَخْلُوق مِنْهُما، لكن جَعَلَهما مَاء وَاحِدًا لامْتِزَاجِهما. وعن عكرمة عن ابن عباس: (دَافِقٍ): لَزِج (٣). والْمُراد بـ (الْإِنْسَانَ) في سُورة "الْعَلَق" هو ابن آدَم. يَقُول القرطبي: قَوله تَعالى: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ) يَعني: ابن آدَم (مِنْ عَلَقٍ) أي: مِنْ دَم، جَمْع عَلَقَة، والعَلَقَة الدَّم الْجَامِد، وإذا جَرَى فهو الْمَسْفُوح. وقَال: (مِنْ عَلَقٍ) فَذَكَرَه بِلَفْظ الْجَمْع؛ لأنه أرَاد بِالإنْسَان

стр. 598

الْجَمْع، وكُلّهم خُلِقُوا مِنْ عَلَق بَعد النُّطْفَة، والعَلَقَة قِطْعَة مِنْ دَم رَطْب، سُمِّيَتْ بِذَلك لأنها تَعْلَق لِرُطُوبَتِها بِمَا تَمُرّ عليه، فإذا جَفَّتْ لم تَكن عَلَقَة (١). ملخص جواب القرطبي: ١ - الْمُرَاد بِخَلْق الإنْسَان مِنْ طِين هو آدَم ﵊، وضَمِير الْجَمْع لِذُرِّيَّتِه. فآدَم خُلُق مِنْ تُرَاب وذُرِّيَّتُه مِنْ مَاء مَهِين. ٢ - وَجْه الْجَمْعِ بَيْن كَوْن آدَم خُلِق مِنْ صَلْصَال مِنْ حَمَأ مَسْنُون، وبَيْن كَوْنِه مِنْ طِين لازِب، وبَيْن كَوْنه خُلِق مِنْ تُرَاب؛ أنَّ ذلك بِحَسَب مَرَاحِل خَلْق آدَم وتَجْمِيعه. ٣ - أنَّ الإنْسَان في آيَة "المؤمنون" يُقصَد به آدَم، والسُّلالة نَسْل آدَم، والْمُرَاد بِالإنْسَان في سُورة "الْعَلَق" هو ابن آدَم، وذلك بِحَسْب مَا يَقْتَضِيه الْمَعْنَى والسِّيَاق. مقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء: قَال ابن جرير في آيَة "الأنعام": هو الذي خَلَقَكم أيُّها النَّاس مِنْ طِين، وإنَّمَا يَعْنِي بِذلك تَعالى ذِكْرُه أنَّ النَّاس وَلَدُ مَنْ خَلَقَه مِنْ طِين؛ فَأَخْرَج ذلك مَخْرَج الْخِطَاب لَهُم، إذ كَانُوا وَلَدَه (٢). وَبَيَّن أنَّ الْمُرَاد بـ (الْإِنْسَانَ) في آية "الْحِجْر" هو آدَم. ثم ذَكَر اخْتِلاف أهْل التَّأوِيل في مَعْنَى الصِّلْصَال؛ فَنَقَل عن بَعْضِهم قوله: هو الطِّين اليَابِس لم تُصِبه نَار، فإذا نَقَرْتَه صَلّ، فَسَمَعْتَ له صَلْصَلة.

стр. 599

وعَن آخَرِين: الصِّلْصَال الْمُنْتِن. وكأنهم وَجَّهُوا ذلك إلى أنه مِنْ قَولِهم: صَلّ اللحم وأصَلّ: إذا أنْتَن. يُقَال ذلك باللغَتَين كِلَيهما بـ "فَعَل وأفْعَل". أمَّا اخْتِيار ابن جرير في الآيَة فَهو "أنْ يَكُون الصِّلْصَال في هذا الْمَوْضِع الذي له صَوت مِنْ الصَّلْصَلَة، وذلك أنَّ الله تَعالى وَصَفَه في مَوْضِع آخَر، فَقَال: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ) [الرحمن: ١٤]، فَشَبَّهَه تَعَالى ذِكْرُه بِأنه كَان كالفَخَّار في يُبْسِه، ولو كان مَعْنَاه في ذلك الْمُنْتِن لم يُشَبِّه بِالفَخَّار (١)؛ لأن الفَخَّار ليس بِمُنْتِن فَيُشَبَّه به في النَّتَنِ غَيرُه" (٢). وفي آيَة "المؤمنون" يَقول ابن جرير: "ثم جَعَلْنا الإنْسَان - الذي جَعَلْنَاه مِنْ سُلالَة مِنْ طِين نُطْفَة في قَرَار مَكِين، وهو حَيث اسْتَقَرَّتْ فيه نُطْفَة الرَّجُل مِنْ رَحِم الْمَرْأة" (٣). وفي قَولِه تَعالى: (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ) [السجدة: ٧، ٨] قال ابن جرير: وبَدأ خَلْق آدَم مِنْ طِين (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ)، يَعْنِي: ذُرِّيَّته (مِنْ سُلَالَةٍ) يَقُول: مِنْ الْمَاء الذي انْسَلّ فَخَرَج مِنه (٤).

стр. 600

وفي آيَة "الصافات" بَيَّن ابن جرير مَعْنَى "لازِب" بِأنه اللاصِق، ثم بَيَّن سَبَب ذلك فَقَال: وإنَّمَا وَصَفَه جَلّ ثَناؤه باللزوب لأنَّه تُرَاب مَخْلُوط بِمَاء، وكَذلك خُلِق ابن آدَم مِنْ تُراب ومَاء ونَار وهَواء، والتُّرَاب إذا خُلِط بِمَاء صَار طِينًا لازِبًا (١). وفي آيَة "الطارق" قال: أخْبَر جَلّ ثَنَاؤه عَمَّا خَلَقَه مِنه، فَقَال: (خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ) يَعني: مِنْ مَاء مَدْفُوق، وهو مِمَّا أخْرَجَتْه العَرَب بِلَفْظ فَاعِل، وهو بِمَعْنَى الْمَفْعُول، ويُقَال: إنَّ أكْثَر مَنْ يَسْتَعْمِل ذلك مِنْ أحْيَاء العَرَب سُكَّان الْحِجَاز إذا كان في مَذْهَب النَّعْت، كَقَولِهم: هذا سِرّ كَاتِم، وهَمّ نَاصِب، ونَحو ذلك (٢). وقال في سُورة "العَلق": (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ) يَعني: مِنْ الدَّم. وقَال: (مِنْ عَلَقٍ) والْمُرَاد به مِنْ عَلَقَة، لأنه ذَهَب إلى الْجَمْع، كَمَا يُقَال: شَجَرَة وشَجَر، وقَصَبَة وقَصَب، وكذلك عَلَقَة وعَلَق. وإنَّمَا قَال (مِنْ عَلَقٍ) والإنْسان في لَفْظ واحِد؛ لأنه في مَعْنَى جَمْع، وإن كان في لَفْظ وَاحِد، فَلِذَلك قِيل: (مِنْ عَلَقٍ) (٣). ويَرى ابن الجوزي أنَّ "قَوله تَعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ) يَعْنِي آدَم، وذلك أنه لَمَّا شَكّ الْمُشْرِكُون في البَعْث وقَالُوا: مَنْ يُحْيي هَذه العِظَام؟ أعْلَمَهم أنه خَلَقَهم مِنْ طِين، فهو قَادِر على إعَادَة خَلْقِهم" (٤). والْمُرَاد بـ "الإنسان" في سُورة الحجر هو آدَم أيضًا، ثم ذَكَر ابن الجوزي في مَعْنَى الصِّلْصَال ثَلاثة أقْوَال:

стр. 601

أحَدها: أنه الطِّين اليَابِس الذي لم تُصِبْه النَّار، فإذا نَقَرته صَلّ، فَسَمِعْتَ لَه صَلْصَلة. والثَّاني: أنه الطِّين الْمُنْتن … ويُقَال: صَلّ اللحم إذا تَغَيَّرَتْ رَائحَتُه. والثَّالث: أنه طِين خُلِط بِرَمْل فَصَار له صَوت عِند نَقْرِه. وفي الْمَسْنُون (١) أرْبَعَة أقْوَال: أحَدها: الْمُنْتِن أيضًا. والثَّاني: أنه الطِّين الرَّطِب. والثَّالث: أنه الْمَصْبوب. والرَّابع: أنه الْمَحْكُوك (٢). ثم فصَّل ابن الجوزي في مأخَذ كل فريق في معنى "الْمَسْنُون" (٣). وذَكَر ابن الجوزي في مَعْنَى الإنْسَان في آيَة "المؤمنون" قَوْلَين: أحَدُهما: أنه آدَم ﵇. وإنَّمَا قِيل: (مِنْ سُلَالَةٍ)؛ لأنه اسْتُلّ مِنْ كُلّ الأرْض. والثَّاني: أنه ابن آدَم، والسُّلالة النُّطْفَة اسْتُلَّتْ مِنْ الطِّين، والطِّين آدَم ﵇ (٤). وفي قَوله تَعالى: (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ) قال ابن الجوزي: ثم ذَكَرَ خَلْق النَّاس فَقَال: (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ). قال الفراء وابن قتيبة: أي لاصِق لازِم، والباء تُبْدَل مِنْ الميم لِقُرْب مَخْرَجَيهما. قال ابن عباس: هو الطين الْحُرّ الْجَيِّد اللَّزق. وقال غيره: هو الطِّين الذي يَنْشِف عنه الْمَاء وتَبْقَى رُطُوبته في بَاطِنه، فَيَلْصَق بِاليَد كَالشَّمْع، وهذا

стр. 602

إخْبَار عن تَسَاوِي الأصْل في خَلْقِهم وخَلْق مَنْ قَبْلَهم؛ فَمن قَدَر على إهْلاك الأقْوِيَاء قَدَر على إهْلاك الضُّعَفَاء (١). ولم يَتَطَرَّق ابن الجوزي في هذه الْمَوَاضِع إلى إزَالة مَا يُتَوَهَّم مِنْ تَعَارُض أوْ إشْكَال، وإنَّمَا أجَاب عنه في تفسير سورة "الرحمن"، حيث تَسَاءل: فإن قِيل: قَدْ أخْبَر الله تَعالى عن خَلْق آدَم ﵇ بألْفَاظ مُخْتَلِفة، فَتَارَة يَقُول: خَلَقَه مِنْ تُرَاب، وتَارَة مِنْ صَلْصَال، وتَارَة مِنْ طِين لازِب، وتَارَة كالفَخَّار، وتَارَة مِنْ حَمَأ مَسْنُون. فَالْجَوَاب أنَّ الأصْل التُّرَاب، فَجُعِل طِينًا، ثم صَار كالْحَمإ الْمَسْنُون، ثم صَار صَلْصَالًا كالفَخَّار، هذه أخْبَار عن حَالات أصْلِه (٢). وفي آيَة "الطارق" أشَار إلى مَعْنَى الإنْسَان في الآيَة بِقَولِه: والْمَعْنَى: فَلْيَنْظُر نَظَر التَّفكُّر والاسْتِدْلال لِيَعْرِف أنَّ الذي ابْتَدَأه مِنْ نُطْفَة قَادِر على إعَادَتِه (٣). ثم بَيَّن مَعْنَى "دَافِق" ومَعْنَى "الصُّلْب والتَّرَائب". وقَال في آيَة "العلق": والإنْسَان هَاهنا ابن آدَم، والعَلَق جَمْع عَلَقَة. ثم نَقَل عن الفَرَّاء قَوْلَه: لَمَّا كَان الإنْسَان في مَعْنَى الْجَمْع جُمِع العَلَق مَع مُشَاكَلَة رُؤوس الآيَات (٤). رأي الباحث: لا تَعَارُض بَيْن الآي؛ فالإنْسَان يَأتِي في القُرآن على مَعَاني بِحَسَب سِيَاق الآيَات، فإذا ذُكِر خَلْق الإنْسَان مِنْ طِين فَالْمُرَاد بِالإنْسَان آدَم ﵊، وإذا ذُكِر خَلْق الإنْسَان مِنْ مَاء فَالْمُرَاد بِه عُمُوم بَني آدَم.

стр. 603

وأمَّا اخْتِلاف الأوْصَاف في خَلْق آدَم ﵊، فالْجَوَاب مَا قَاله ابن الجوزي: أنَّ الأصْل التُّرَاب، فَجُعِل طِينًا، ثم صَار كالْحَمأ الْمَسْنُون، ثم صَار صَلْصَالًا كَالفَخَّار. هذه أخْبَار عن حَالات أصْلِه. و"الألْفَاظ إذا اخْتَلَفَتْ في ذَاتِها كَان مَرْجِعها إلى أمْر وَاحِد لم يُوجِب ذَلك تَنَاقُضًا كَمَا قَال في كِتَابِه في خَلْق آدَم، فَذَكَر مَرَّة أنه خُلِق مِنْ تُرَاب، ومَرَّة أنه خُلِق مِنْ حَمأ مَسْنُون، ومَرَّة مِنْ طِين لازِب، ومَرّة مِنْ صَلْصَال كَالفَخَّار؛ فَهَذِه الألْفَاظ مُخْتَلِفَة، ومَعَانِيها - أيضًا في الأحْوَال - مُخْتَلِفَة. أنَّ الصِّلْصَال غَير الْحَمْأة، والْحَمْأة غَير التُّرَاب، إلَّا أنَّ مَرْجِعها كُلّها في الأصْل إلى جَوْهَر وَاحِد، وهو التُّرَاب، ومِن التُّراب تَدَرَّجَتْ هَذه الأحْوَال" (١). ويُحْتَمَل مَا قَالَه بَعْض مَنْ يُعْنَى بِالْعِلْم التَّجْرِيبِي، مِنْ أنه "لَو أرْجَعْنَا الإنْسَان إلى عَنَاصِرِه الأَوَّلِيَّة، لَوَجَدْنَاه أشْبَه بِمَنْجَمٍ صَغِير، يَشْتَرِك في تَرْكِيبِه حَوالي (٢١) عُنْصُرًا". هي باخْتِصَار كَمَا يَلِي: "على شَكْل مَاء بِنِسْبَة ٦٥% - ٧٠% مِنْ وَزْن الْجِسْم". وبَقِيَّة عَنَاصِر تَرْكِيبِه "مَوْجُودَة في تُرَاب الأرْض، ولا يُشْتَرَط أن تَكُون كُلّ مُكَوِّنَات التُّرَاب دَاخِلَة في تَرْكِيب جِسْم الإنْسَان، فَهناك أكْثَر مِنْ مِئة عُنْصُر في الأرْض بَيْنَمَا لَم يُكْتَشَف سِوَى عُنْصُرًا في تَرْكِيب جِسْم الإنْسَان" (٢). "ولقد أثْبَت الْعِلْم الْحَدِيث أنَّ جِسْم الإنْسَان يَتَكَوَّن مِنْ نَفْس الْعَنَاصِر الْمُكَوِّنَة للتُّرَاب" (٣).

стр. 604

المثال الثالث: تَبْدِل الآيَات: قَوله تَعالى: (وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ) [الأنعام: ٣٤]، وقَوله تَعالى: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) [الأنعام: ١١٥]، وقَوله تَعالى: (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) [الكهف: ٢٧]، مَع قَوله تَعالى: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ) [النحل: ١٠١]. صورة التعارض: أفَادَتْ آيَة "الأنعام" أنَّ كَلِمَات الله لا تُبَدِّل، بَيْنَمَا يُفْهَم مِنْ آيَة "النحل" أنَّ تَبْدِيل الآيَات وَاقِع ومُمْكِن. جمع القرطبي: قال القرطبي في قَوله تَعالى: (وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ) مُبَيِّن لِذلك النَّصْر (١)، أي: مَا وَعَد الله بِه فَلا يَقْدِر أحَدٌ أن يَدْفَعه، لا ناقِض لِحُكْمِه، ولا خُلْف لِوَعْدِه، ولِكُلّ أجَلٍ كِتَاب (٢). ونَقَل القرطبي في تَفْسِير قَوْله تَعالى: (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) عن ابن عباس قَوله: مَوَاعِيد رَبِّك فَلا مُغَيِّر لَها. قال: والكَلِمَات تَرْجِع إلى العِبَارَات، أوْ إلى الْمُتَعَلَّقَات مِنْ الوَعْد والوَعِيد وغَيرهما. كَمَا نَقَل عن قَتادة قَولَه: الكَلِمَات هي القُرْآن، لا مُبَدِّل له، لا يَزِيد فيه الْمُفْتَرُون ولا يَنْقُصُون.

стр. 605

وقَال في قَوله تَعالى: (صِدْقًا وَعَدْلًا)، أي: فِيمَا وَعَد وَحَكَم، لا رَادّ لِقَضَائه، ولا خُلْف في وَعْده، وحَكَى الرّماني عن قتادة: لا مُبَدِّل لها فِيمَا حَكَم بِه، أي: أنه وإن أمْكَنَه التَّغْيير والتَّبْديل في الألْفَاظ كَمَا غَيَّر أهْل الكِتَاب التَّوْرَاة والإنْجِيل فإنه لا يُعْتَدّ بِذَلك. قال القرطبي: ودَلَّتْ الآيَة على وُجُوب اتِّبَاع دَلالات القُرْآن؛ لأنه حَقّ لا يُمْكِن تَبْدِيله بِمَا يُنَاقِضُه، لأنه مِنْ عِند حَكِيم لا يَخْفَى عليه شَيء مِنْ الأمُور كُلّها (١). ونَقَل القرطبي قَوْلًا في اخْتِصَاص آيَة "الكهف" بِقِصَّة أصْحَاب الكَهْف، إذْ يَقُول: قَوله تَعالى: (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) قِيل: هو مِنْ تَمَامِ قِصَّة أصْحَاب الكَهْف، أي: اتَّبِع القُرْآن فلا مُبَدِّل لِكَلِمَات الله، ولا خُلْف فِيمَا أخْبَر به مِنْ قِصّة أصْحَاب الكَهْف. وقَال الطَّبري (٢): لا مُغَيِّر لِمَا أوْعَد بِكَلِمَاته أهْل مَعَاصِيه والْمُخَالِفِين لِكِتَابِه (٣). ونَقَل عَنْ الْجُمْهُور في قَوله تَعالى: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ) قَوْلَهم: نَسَخْنَا آيَة بِآيَة أشَدّ مِنها عَليهم، والنَّسْخ والتَّبْدِيل: رَفْع الشَّيء مَع وَضْع غَيره مَكَانه (٤). ملخص جواب القرطبي: ١ - الْمَوَاعِيد والوَعْد والوَعِيد لا تَبْدِيل فِيها ولا تَغْيِير. ٢ - أنَّ الْمَقْصُود بِه القُرْآن، فلا يُزَاد فِيه ولا يُنْقَص.

стр. 606

٣ - آيَة "النحل" فِيما يَتَعَلَّق بِالنَّسْخ، والنَّسْخ في الأحْكَام خاصَّة، وهو مُقَيَّد بِزمَن نُزُول الوَحْي (١). مقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء: فَسَّر ابن جرير "تَبْدِيل كَلِمَات الله" بِالتَّغْيِير حيث قَال: ولا مُغَيِّر لِكَلِمَات الله. ثم زَاد ذَلك بَيَانًا بِقَولِه: وكَلِمَاته تَعالى مَا أَنْزَل الله إلى نَبِيِّه محمد ﷺ مِنْ وَعْدِه إياه النَّصْر على مَنْ خَالَفَه وضَادَّه، والظَّفَر على مَنْ تَولَّى عنه وأدْبَر (٢). ورَجَّح ابن جرير أنَّ الْمُرَاد بِكَلِمَة رَبِّك هو القُرْآن. ثم عَلّل تَسْمِيَته كَذلك بِقَوله: سَمَّاه كَلِمة، كَمَا تَقُول العَرَب للقَصِيدَة مِنْ الشِّعر يَقُولُها الشَّاعر: هَذه كَلِمَة فُلان. وقَال في قَوله تَعالى: (لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) يَقُول: لا مُغَيِّر لِمَا أخْبر في كُتُبه أنه كَائن مِنْ وُقُوعِه في حِينِه وأجَلِه الذي أخْبَر الله أنه وَاقِع فيه. وذَلك نَظِير قَوله جَلَّ ثَنَاؤه: (يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ) [الفتح: ١٥]، فَكَانَت إرَادَتهم تَبْدِيل كَلام الله مَسْألَتهم نَبِيّ الله أن يَتْرُكَهم يَحْضُرُون الْحَرْب مَعه، وقَوْلهم له ولِمَن مَعه مِنْ الْمُؤمِنين: (ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ) [الفتح: ١٥] بَعْد الْخَبَر الذي كان الله أخْبَرَهم تَعالى ذِكْرُه في كِتَابه بِقَولِه: (فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا) [التوبة: ٨٣] الآية، فَحَاوَلُوا تَبْدِيل كَلام الله وخَبَره بِأنَّهم لن يَخْرُجُوا مَع نَبِيّ الله في غَزَاة، ولن يُقَاتِلُوا مَعَه عَدُوًا بِقَوْلِهم لهم

стр. 607

(ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ)، فَقَال الله جَل ثناؤه لِنَبِيِّه محمد ﷺ : (يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا) بِمَسْألتهم إيَّاهم ذَلك (كَلَامَ اللَّهِ) وخَبَره (قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ). فَكَذلك مَعْنَى قَوله: (لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) إنَّمَا هو لا مُغَيِّر لِمَا أخْبَر عنه مِنْ خَبَرٍ أنه كَائن فيُبْطِل مَجِيئه وكَوْنه ووُقُوعه على مَا أخْبَر جَلَّ ثَنَاؤه، لأنه لا يَزِيد الْمُفْتَرون في كُتُب الله ولا يَنْقُصُون مِنها، وذَلك أنَّ اليَهُود والنَّصَارى لا شَك أنَّهم أهْل كُتُب الله التي أنْزَلها على أنْبِيائه، وقد أخْبَر جَلَّ ثَناؤه أنَّهم يُحَرِّفُون غير الذي أخْبَر أنه لا مُبَدِّل له (١). وقال ابن جَرير في آيَة "الكهف": يَقُول تَعالى ذِكْرُه لِنَبِيِّه محمد ﷺ : واتَّبِع يا محمد مَا أُنْزِل إليك مِنْ كِتَاب رَبِّك هذا، ولا تَتْرُكَنّ تِلاوَته واتِّبَاع مَا فيه مِنْ أمْرِ الله ونَهْيه، والعَمَل بِحَلالِه وحَرَامِه، فَتَكُون مِنْ الْهَالِكِين؛ وذلك أنَّ مَصِير مَنْ خَالَفه وتَرَك اتِّبَاعه يَوْم القِيَامَة إلى جَهَنَّم. وقَال: (لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) يَقُول: لا مُغَيِّر لِمَا أوْعَد بِكَلِمَاته التي أنْزَلَها عَليك أهْل مَعَاصِيه والعَامِلِين بِخِلاف هَذا الكِتَاب الذي أوْحَيْنَاه إلَيك (٢). ورَجَّح أنَّ التَّبْدِيل في آيَة "النحل" مُتَعَلِّق بِالنَّسْخ. يَقُول ابن جرير: يَقول تَعالى ذِكْرُه: وإذا نَسَخْنَا حُكْم آيَة فأبْدَلْنا مَكَانَه حُكْم أخْرَى. (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ) يَقول: والله أعْلَم بِالذِي هو أصْلَح لِخَلْقِه فِيمَا يُبَدِّل ويُغَيِّر مِنْ أحْكَامِه. (قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ) يَقُول: قَال الْمُشْرِكُون بالله الْمُكَذِّبُو رَسُولَه لِرَسُولِه: إنَّمَا أنت يَا محمد مُفْتَر، أي: مُكَذِّب تَخَرّص بِتَقَوُّل البَاطِل على الله. يَقُول الله تَعالى: بَلْ أكْثَر هَؤلاء القَائِلين لك يَا محمد: "إنَّمَا أنت مُفْتَر" جُهَّال بأنَّ الذي تَأتِيهم بِه مِنْ عِند الله نَاسِخه ومَنْسُوخه، لا يَعْلَمُون حَقِيقَة صِحَّتِه (٣).

стр. 608

وذَكَر ابن الجوزي في قَوله تَعالى: (وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ) خَمْسَة أقْوَال، وهي: أحَدها: لا خُلْف لِمَواعِيده. والثَّاني: لا مُبَدِّل لِمَا أخْبَر بِه ومَا أمَرَ بِه. والثَّالث: لا مُبَدِّل لِحُكُومَاته وأقْضِيَتِه النَّافِذَة في عِبَادِه، فَعَبَّرَتِ الكَلِمَات عن هَذا الْمَعْنَى. والرَّابع: أنَّ مَعْنَى الكَلام مَعْنَى النَّهْي، وإنْ كان ظَاهِره الإخْبَار، فَالْمَعْنَى: لا يُبَدِّلَنّ أحَدٌ كَلِمَات الله. والْخَامِس: أنَّ الْمَعْنَى: لا يَقْدِر أحَدٌ على تَبْدِيل كَلام الله وإنْ زَخْرَف واجْتَهَد؛ لأنَّ الله تعالى صَانَه بِرَصِين اللفْظ وقَوِيم الحكم أن يَخْتَلِط بألْفَاظ أهْل الزَّيغ. ذَكَر هذه الأقوال الثلاثة ابن الأنباري (١). وفي قَوله تَعالى: (لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) اقْتَصَر ابن الجوزي على ذِكْر قَوْلَين: أحَدهما: لا يَقْدِر الْمُفْتَرُون على الزِّيادة فيها والنقصان مِنها. والثَّاني: لا خُلْف لِمَواعِيده ولا مُغَيِّر لِحُكْمِه (٢). وفي قَوله تَعالى: (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) ذَكَر ابن الجوزي نَحْوًا مما ذَكَره ابن جرير، حيث قال: وقد ذَكَرَتِ العَرَب الكَلِمَة وأرَادَتْ الكَثْرَة، يَقُولُون: قَال قس في كَلِمَته: أي: في خُطْبَته، وزُهَير في كَلِمَته، أي: في قَصِيدَته. قال: وفي الْمُرَاد بِهَذِه الكَلِمَات ثَلاثة أقْوال: أحَدها: أنها القُرْآن. والثَّاني: أقْضِيَته وعِدَاته. والثَّالث: وَعْده وَوَعِيده وثَوَابه وعِقَابه (٣).

стр. 609

وفي آيَة "الكهف" أحَال على مَا مَضَى في سُورة الأنْعام. وفي آيَة "النحل" ذَكَر ابن الجوزي سَبَب النُّزُول، حَيث قَال: قَوله تَعالى: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ)، سَبَب نُزُولها أنَّ الله تَعالى كَان يُنَزِّل الآيَة فَيُعْمَل بِها مُدَّة ثم يَنْسَخها، فَقَال كُفَّار قُرَيش: والله مَا محمد إلَّا يَسْخَر مِنْ أصْحَابه؛ يأمُرُهم اليَوم بِأمْر ويَأتِيهم غَدًا بِمَا هو أهْوَن عليهم مِنه، فَنَزَلَتْ هذه الآيَة. قاله أبو صالح عن ابن عباس. والْمَعْنَى: إذا نَسَخْنَا آيَة بِآيَة - إمَّا نَسْخ الْحُكْم والتِّلاوة، أوْ نَسْخ الْحُكْم مع بَقَاء التِّلاوَة. (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ) مِنْ نَاسِخ ومَنْسُوخ، وتَشْدِيد وتَخْفِيف، فَهو عَلِيم بِالْمَصْلَحَة في ذلك (١). رأي الباحث: التَّبْدِيل الْمَنْفِي عن كَلِمَات الله هو مَا كَان مِنْ قِبَل البَشَر، أمَّا مَا يُبَدِّله فهو الْمُثْبَت، وهو مَا يَكُون بِالتَّغْيِير والنَّسْخ، وهو مُقيَّد بِزَمَنِ الوَحْي. ومَا غَيَّرَته اليَهُود والنَّصَارَى وحَرَّفَتْه في كُتُبِها إنَّمَا هو فِيمَا استُحْفِظُوا عليه، وهو مَا في أيْدِيهم مِنْ كُتُب لَم يُكتَب لَها الدَّوَام، ولَم يُضْمَن لَها البَقَاء، ولا تَكفَّل الله بِحِفظِها، كَمَا قَال تَعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ) [المائدة: ٤٤] (٢)، كَمَا أنَّ أصْل تِلك الكُتُب - وهو مَا في اللوْح الْمَحْفُوظ - لا يُمْكِن تَغْيِيره ولا تَبْدِيله وتَحْرِيفه.

стр. 610

المثال الرابع: سَبْق الإنْذَار لِقُرَيْش: قَوله تَعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: ١٥]، مع قَوله تَعالى: (يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ) [المائدة: ١٩]، وقَوله تَعالى: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ) [القصص: ٤٦]، [السجدة: ٣]. صورة التعارض: في آيَة "الإسراء" نَفْي التَّعْذِيب إلَّا بَعْد إقَامَة الْحُجَّة وإرْسَال الرُّسُل، وفي الآيَتَين الأُخْرَيَيْن الإخْبَار عن بِعْثَة النبي ﷺ أنه بُعِث في قَوْم لَم يَأتِهم نَذِير، وفي آيَة "المائدة" إثْبَات أنَّ بِعْثَته ﷺ جَاءت على فَتْرَة مِنْ الرُّسُل. مَع إخْبَارِه ﷺ عن تَعْذِيب بَعض أهْل الْجَاهِلِيَّة، وفي صحيح مسلم (١) من حديث أنَس أنَّ رَجُلًا قال: يَا رَسُول الله أين أَبِي؟ قال: في النَّار، فَلَمَّا قَفَّى دَعَاه، فَقَال: إنَّ أبي وأبَاك في النَّار. جمع القرطبي: قال في آيَة "الإسراء": قَوله تَعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا)، أي: لم نَتْرُك الْخَلْق سُدَى، بل أرْسَلْنا الرُّسُل، وفي هَذا دَلِيل عَلى أنَّ الأحْكَام لا تَثْبُت إلَّا بِالشَّرْع … والْجُمْهُور على أنَّ هذا في حُكْم الدُّنيا، أي: أنَّ الله لا يُهْلِك أمَّة بِعَذَاب إلَّا بَعد الرِّسَالة إلَيهم والإنْذَار. وقَالَت فِرْقَة: هذا عَامّ في الدُّنيا والآخِرَة، لِقَولِه تَعَالى: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ

стр. 611

يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ) [الملك: ٨، ٩] قال ابن عطية (١): والذي يُعْطِيه النَّظَر أنَّ بِعْثَة آدَم ﵇ بِالتَّوْحِيد وبَثّ الْمُعْتَقَدَات في بَنِيه مع نَصْب الأدِلَّة الدَّالَّة على الصَّانِع مَع سَلامَة الفِطر تُوجِب على كُلّ أحَد مِنْ العَالَم الإيمان واتِّبَاع شَرِيعَة الله، ثم تَجَدَّد ذَلك في زَمَن نُوح ﵇ بَعد غَرَق الكُفَّار. وهَذه الآيَة أيضًا يُعْطِي احْتِمَال ألْفَاظها نَحو هذا في الذِين لم تَصِلْهم رِسَالة، وهُم أهْل الفَترات الذين قَدْ قَدَّر وُجُودُهم بَعْض أهْل العِلْم (٢). وأمَّا مَا رُوي مِنْ أنَّ الله تَعالى يَبْعَث إليهم يَوْم القِيَامَة وإلى الْمَجَانِين والأطْفَال، فحَدِيث لم يَصِحّ (٣).

стр. 612

ولا يَقْتَضِي مَا تُعْطِيه الشَّرِيعَة مِنْ أنَّ الآخِرَة ليستْ دَار تَكْلِيف (١). وقد اسْتَدَلّ قَوْم في أنَّ أهل الْجَزَائر (٢) إذا سَمِعُوا بالإسْلام وآمَنُوا فلا تَكْلِيف عليهم فِيما مَضَى. وهذا صَحِيح. ومَن لَم تَبْلُغه الدَّعْوَة فهو غَير مُسْتَحِقّ للعَذَاب مِنْ جِهة العَقْل. والله أعلم (٣). وقال في قَوله تَعالى: (عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ) أي: سُكُون. يُقال: فَتَر الشيء سَكَن. وقيل: (عَلَى فَتْرَةٍ) على انْقِطَاع مَا بَيْن النَّبِيِّين … والْمَعْنَى: أي مَضَتْ للرُّسُل مُدَّة قَبْله (٤) ثم ذَكَر الاخْتِلاف في قَدْر مُدَّة تلك الفَتْرة (٥). وفي آيَة "القصص" اقْتَصَر القُرْطبي على قَولِه: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ) يَعْنِي العَرَب، أي لَم تُشَاهِد تلك الأخْبَار، ولكن أوْحَيْنَاها إلَيك رَحْمَة بِمَنْ أُرْسِلْتَ إلَيهم لِتُنْذِرَهم بِها (٦). وفي آيَة "السجدة" (لِتُنْذِرَ قَوْمًا) نَقَل عن قَتادة قَوله: يَعني قُرَيشًا، كَانُوا أُمَّة أُمِّيَّة لَم يَأتِهم نَذِير مِنْ قَبْل محمد ﷺ . وقِيل: الْمُرَاد بِالقَوم: أهْل الفَتْرَة بَيْن عِيسى ومحمد ﵉. قاله ابن عباس ومقاتل. وقِيل: كَانت الْحُجَّة ثَابِتَة لله جَلَّ وعَزّ عَليهم بإنْذَار مَنْ تَقَدَّم مِنْ الرُّسُل، وإنْ لَم يَرَوا رَسُولًا (٧).

стр. 613

وفي قَوله تَعالى: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء: ١٦٥] قال القرطبي: فَيَقُولُوا مَا أرْسَلْتَ إلَينا رَسُولًا، ومَا أنْزَلْت علينا كِتَابًا، وفي التَّنْزِيل: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا)، وقَوله تَعالى: (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ) [طه: ١٣٤]، وفي هَذا كُلّه دَلِيل وَاضِح أنه لا يَجِب شَيء مِنْ نَاحِيَة العَقْل (١). مقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء: مَعنى آيَة "الإسراء" عند ابن جرير: ومَا كُنَّا مُهْلِكي قَوْم إلَّا بَعْد الإعْذَار إلَيهم بالرُّسُل، وإقَامَة الْحُجَّة عليهم بِالآيَات التي تَقْطُع عُذْرَهم (٢). وقال في مَعْنَى آيَة "النساء": أرْسَلْتُ رُسُلي إلى عِبَادِي مُبَشِّرِين ومُنْذِرين، لئلا يَحْتَجّ مَنْ كَفَر بِي وعَبَد الأنْدَاد مِنْ دُوني، أوْ ضَلَّ عن سَبِيلي بِأن يَقُول إن أرَدْتُ عِقَابَه: (لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى) [طه: ١٣٤]. فَقَطَع حُجَّة كُلّ مُبْطِل ألْحَدَ في تَوْحِيدِه، وخَالَف أمْرَه، بِجَمِيع مَعَانِي الْحُجَج القَاطِعَة عُذْرَه، إعْذَارًا مِنه بِذَلك إلَيهم، لِتَكُون لله الْحُجَّة البَالِغَة عَليهم وعَلى جَمِيع خَلْقِه (٣). وفي آيَة "المائدة" ذَكَر ابن جرير مَعْنَى "الفَتْرَة"، واخْتِلاف أهْل التَّأوِيل في قَدْر مُدَّة تِلك الفَتْرَة (٤). "فَمَعْنَى الكَلام: قَدْ جَاءكم رَسُولُنا يُبَيِّنْ لكم على فَتْرة مِنْ الرُّسُل، كَي لا تَقُولُوا مَا جَاءَنا مِنْ بَشير ولا نَذير، يُعْلِمُهم عَزَّ ذِكْرُه أنه قَدْ قَطَع عُذْرُهم بِرَسُولِه ﷺ ، وأبْلَغ إلَيهم في الْحُجَّة" (٥).

стр. 614

وقَال في آيَة "القصص": وقَوله: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ) يَقُول تَعالى ذِكْرُه: ولكن أرْسَلْنَاك بِهَذَا الكِتَاب وَهَذا الدِّين لِتُنْذِر قَوْمًا لَم يَأتِهم مِنْ قَبْلك نَذِير، وهُم العَرَب الذين بُعِث إلَيهم رَسُول الله ﷺ ، بَعَثَه الله إليهم رَحْمَة لِيُنْذِرَهم بَأسَه على عِبَادَتِهم الأصْنَام، وإشْرَاكِهم بِه الأوْثَان والأنْدَاد. وقَوله: (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) يَقُول: لِيَتَذَكَّرُوا خَطَأ مَا هُمْ عَليه مُقِيمُون مِنْ كُفْرِهم بِرَبِّهم فَيُنِيبُوا إلى الإقْرَار لله بِالوَحْدَانِيَّة، وإفْرَادِه بِالعِبَادَة دُون كَلّ مَا سِوَاه مِنْ الآلِهَة (١). وفي آيَة "السجدة" قال ابن جرير: يَقُول: لَم يَأتِ هَؤلاء القَوْم الذين أَرْسَلَك رَبُّك يَا محمد إلَيهم - وهُم قَوْمه مِنْ قُريش - نَذير يُنْذِرُهم بَأس الله على كُفْرِهم - قَبْلَك (٢). ومَعْنَى (حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) - عند ابن الجوزي - أي: حتى نُبَيِّن مَا به نُعَذِّب، ومَا مِنْ أجْلِه نُدْخِل الْجَنَّة. ثم عَقَد فَصْلًا قَال فيه: قال القاضي أبو يعلى: في هذا دَلِيل على أنَّ مَعْرِفة الله لا تَجِب عَقْلًا (٣)، وإنَّمَا تَجِب بالشَّرْع، وهو بِعْثَة الرُّسُل، وأنه لَو مَات الإنْسَان قَبْل ذَلك لَم يُقْطَع عليه بِالنَّار. قَال: وقِيل: مَعْنَاه أنه لا يُعَذِّب في مَا طَرِيقُه السَّمْع إلَّا بِقِيام حُجَّة السَّمْع مِنْ جِهَة الرَّسُول (٤). وقال في آيَة "النساء": أي: لِئلا يَحْتَجُّوا في تَرْك التَّوْحِيد والطَّاعَة بِعَدَم الرُّسُل، لأنَّ هَذه الأشْيَاء إنَّمَا تَجِب بِالرُّسُل (٥).

стр. 615

وفي آيَة "المائدة" بَيَّن ابن الجوزي مَعْنَى "الفَتْرَة"، ثم ذَكَر في مُدَّة الفَتْرة بَيْن عيسى ومحمد ﵉ أرْبَعَة أقْوَال (١). رأي الباحث: ليس بَيْن الآيَات تَعَارُض، فإنَّ سُنَّة الله أنه لا يُعَذِّب أحَدًا حَتى يُعْذِر إليه، وذلك بِإرْسَال الرُّسُل وإنْزَال الكُتُب، وتَتَابُع النُّذُر. وأمَّا إثْبَات الفَتْرَة بين عيسى ومحمد - عليهما الصلاة والسلام -، وإثْبَات تَعْذِيب بَعض مَنْ مَات في الْجَاهِلِيَّة، فَلَيس بَيْنَهُمَا تَعَارُض أيضًا؛ لأنَّ تَعْذِيب مَنْ جَاء الْخَبَر بِتَعْذِيبِه إنَّما كَان بعد قِيَام الْحُجَّة عليه، وبُلُوغ الْحَقّ وإعْرَاضِه عنه. وكَوْن النبي ﷺ بُعِث في قَومٍ لَم يَأتِهم نَذِير مِنْ قَبْلِه، فَهَذا فِيمَا يَتَعَلَّق بِقُرَيش خَاصَّة، فَإنَّهم لَم يَسْبِق فِيهم رَسُول قَبْله ﷺ ، ومَع ذلك لا يَمنَع مِنْ إقَامَة الْحُجَّة عَليم قَبْل بِعْثَته ﷺ ، ويَدُلّ على هَذا أنه كان قَبل مَبْعَثِه ﷺ بَقَايَا مِنْ أهْل الكِتَاب، كَمَا كان بعض أهل الجاهلية على الفِطْرَة، فلا يَشْرَبُون الْخَمْر، ولا يَأكُلُون الْمَيْتَة، ولا مَا ذُبِح على النُّصُب، كَما كان مِنْ شَأن زَيد بن عمرو بن نُفيل (٢). قال النووي في فقْه حَديث أنَس "إنَّ أَبي وأبَاك في النَّار": وفيه أنَّ مَنْ مَات في الفَتْرَة على مَا كَانت عليه العَرَب مِنْ عِبَادَة الأوْثَان فهو مِنْ أهْل النَّار، ولَيس هذا مُؤَاخَذة قَبْل بُلُوغ الدَّعْوَة، فإنَّ هَؤلاء كَانَتْ قد بَلَغَتهم دَعْوَة إبراهيم وغَيره مِنْ الأنبياء صَلوات الله تعالى وسلامه عليهم (٣).

стр. 616

وامْتِحَان أهْل الفَتْرَة الذين لَم تَبْلُغُهم الدَّعْوة ثَابِت، ومَا قِيل: "مِنْ أنَّ الآخِرَة لَيْسَت دَار تَكْلِيف" فِيه نَظَر؛ فإنَّ مَا وَرَد في الْحَدِيث مِنْ امْتِحَان مَنْ لَم تَقُم عَليه الْحُجَّة لَيس مِنْ بَاب التَّكْلِيف، بَلْ هو امْتِحَان واخْتِبَار في فَتْرَة قَصِيرَة، ولا يُعَكِّر عليه كَوْن الآخِرَة لَيْسَت دَار تَكْلِيف، لأنَّ الْحُكْم للغَالِب. ألَا تَرى أنَّ أهْل الْجَنَّة يُلْهَمُون التَّسْبِيح والتَّحْمِيد والتَّهْلِيل (١)؛ وهُم في دَار الْجَزَاء ولَيْسُوا في دَار عِبَادَة. قال ابن حجر عن هَذا القَوْل: وتُعُقِّب بِأنَّ الآخِرَة لَيْسَت دَار تَكْلِيف، فلا عَمَل فِيها ولا ابْتِلاء. وأُجِيب بِأنَّ ذلك بَعْد أن يَقَع الاسْتِقْرَار في الْجَنَّة أو النَّار، وأمَّا في عَرَصَات القِيَامَة فلا مَانِع مِنْ ذلك، وقَد قَال تَعالى: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ) [القلم: ٤٢] وفي الصَّحِيحَيْن (٢) أنَّ النَّاس يُؤمَرُون بِالسُّجُود فَيَصِير ظَهْر الْمُنَافِق طَبَقًا فلا يَسْتَطيع أن يَسْجُد (٣). المثال الخامس: حَشْر الكُفَّار: قَوله تَعالى: (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا) [الإسراء: ٩٧]، وقَوله تَعالى: (الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا) [الفرقان: ٣٤]، مَع قَوله تَعالى: (وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا) [الكهف: ٥٣]، وقوله: (إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣)) [الفرقان: ١٣]، وقَوله تَعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا) [السجدة: ١٢].

стр. 617

صورة التعارض: في آيَة "الإسراء" خَبَر عن حَشْر الكُفَّار الضُّلال على وُجُوهِهم، وفي آيَة "السجدة" خَبَر عن تَنْكِيس رُؤوس الْمُجْرِمِين، وهذا بِخِلاف مَا إذا كَانوا يُجَرُّون على وُجُوهِهم. ووَجْه آخَر: في آيَة "الإسراء" خَبَر عن حَشْرِهم عُمْيًا لا يُبصِرُون، وبُكْمًا لا يَتكلَّمُون، وصُمًّا لا يَسْمَعون، وفي الآيَات الأُخَر أنَّهم يُحْشَرُون وهُم يَسْمَعُون ويُبْصِرُون ويَتَكلَّمُون. جمع القرطبي: ذَكَر القرطبي وَجْهَين في قَوله تَعالى: (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ): أحَدُهما: أنَّ ذلك عِبَارَة عن الإسْرَاع بِهم إلى جَهَنَّم، مِنْ قَوْل العَرَب: قَدِم القَوْم على وُجُوهِهم، إذا أسْرَعُوا. الثَّاني: أنهم يُسْحَبُون يَوْم القِيَامَة على وُجُوهِهم إلى جَهَنَّم، كما فُعِل في الدنيا بِمَنْ يُبَالَغ في هَوَانه وتَعْذِيبه، وهذا هو الصَّحِيح لِحَدِيث أنس أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله (الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ) أيُحْشَر الكَافِر علَى وَجْهه؟ قال رسول الله ﷺ : ألَيس الذي أمْشَاه على الرِّجْلَين قَادِرًا على أن يُمْشِيه على وَجْهِه يَوْم القِيَامَة؟ قال قتادة حِين بَلَغَه: بَلَى وعِزَّة رَبِّنا. أخْرَجه البخاري (١) ومسلم (٢) وحَسْبُك. (عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا) قال ابن عباس والحسن: أي عُمْي عَمَّا يَسُرُّهم، بُكْم عن التَّكَلُّم بِحُجَّة، صُمّ عَمَّا يَنْفَعُهم. وعلى هَذا القَوْل حَوَاسُّهم بَاقِيَة على مَا كَانَتْ عَليه.

стр. 618

وقِيل: إنهم يُحْشَرون على الصِّفَة التي وَصَفهم الله بِها لِيَكُون ذَلك زِيَادة في عذابهم، ثم يَخْلُق ذَلك لَهم في النَّار، فأبْصَرُوا، لِقَولِه تَعالى: (وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَوَاقِعُوهَا) [الكهف: ٥٣]، وتَكَلَّمُوا، لِقَوْلِه تَعَالى: (دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا) [الفرقان: ١٣]، وسَمِعُوا، لِقَوْلِه تَعَالى: (سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا) [الفرقان: ١٢]. وقال مقاتل بن سليمان: إذا قِيل لَهم: (اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونَ) [المؤمنون: ١٠٨] صَارُوا عُمْيًا لا يُبْصِرُون، صُمًّا لا يَسْمَعُون، بُكْمًا لا يَفْقَهون. وقِيل: عَمُوا حِين دَخَلُوا النَّار لِشِدَّة سَوَادِها، وانْقَطَع كَلامُهم حِين قِيل لَهم: (اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونَ)، وذَهَب الزَّفِير والشَّهِيق بِسَمْعِهم، فلم يَسْمَعُوا شيئًا (١). وفي آيَة "الفرقان" [٣٤] أحَال على مَا قَرَّرَه في آية "الإسراء" (٢). ونَقَل في قَوله تَعالى: (سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا) عن الكَلبي قَوْلَه: سَمِعُوا لَها تَغَيّظًا كَتَغَيّظ بَني آدَم، وصَوْتًا كَصَوت الْحِمَار. قال: وقِيل: فيه تَقْدِيم وتَأخِير: سَمِعُوا لَها زَفِيرًا، وعَلِمُوا لَها تَغَيّظًا. وقال قُطْرب: التَّغَيُّظ لا يُسْمَع ولَكِن يُرَى (٣). والْمَعْنَى: رَأَوا لها تَغَيُّظًا، وسَمِعُوا لَها زَفيرا (٤). وفي آية "الكهف" قال القرطبي: وفي الْخَبَر (٥): إنَّ الكَافِر لَيَرى جَهَنَّم ويَظُنّ أنّها مُواقِعَته مِنْ مَسِيرَة أرْبَعِين سَنَة (٦).

стр. 619

وفي آيَة "السجدة" قَال: (نَاكِسُوا رُؤُوسِهِمْ) أي: مِنْ النَّدم والْخِزي والْحُزْن والذُّلّ والغَمّ. (عِنْدَ رَبِّهِمْ) أي: عند مُحَاسَبة رَبِّهم، وجَزَاء أعْمَالِهم. (رَبّنَا) أي: يَقُولُون: ربَّنا (أَبْصَرْنَا)، أي: أبْصَرْنا مَا كُنَّا نُكَذّب، و (وَسَمِعْنَا) مَا كُنَّا نَنْكِر. وقِيل: أبْصَرْنا صِدْق وَعِيدِك، وسَمِعْنَا تَصْدِيق رُسُلِك. أبْصَرُوا حِين لا يَنْفَعُهم البَصَر، وسَمِعُوا حِين لا يَنْفَعُهم السَّمْع. (فَارْجِعْنَا) أي: إلى الدُّنيا. (نَعْمَل صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ) أي: مُصَدِّقُون بِالبَعْث. قاله النقاش. وقِيل: مُصَدِّقُون بِالذِي جَاء به محمد ﷺ أنه حَقّ. قاله يحيى بن سلام. قال سُفيان الثوري: فَأكْذَبَهم الله تَعالى فَقال: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) [الأنعام: ٢٨]. وقِيل: مَعْنَى (إِنَّا مُوقِنُونَ) أي: قَدْ زَالَتْ عَنَّا الشُّكُوك الآن، وكَانُوا يَسْمَعُون ويُبْصِرون في الدُّنيا، ولكن لم يَكُونُوا يَتَدَبَّرُون، وكَانُوا كَمَنْ لا يُبْصِر ولا يَسْمَع، فَلَمَّا تَنَبَّهُوا في الآخِرَة صَارُوا حِينئذ كَأنَّهم سَمِعُوا وأبْصَرُوا. وقِيل: أي: رَبَّنا لك الْحُجَّة، فقد أبْصَرْنا رُسُلَك وعَجَائب خَلْقِك في الدنيا، وسَمِعْنا كَلامَهم، فَلا حُجَّة لَنا - فَهذا اعْتِرَاف مِنهم - ثم طَلَبُوا أن يُرَدُّوا إلى الدُّنيا لِيُؤمِنُوا (١). وأمَّا قَوله تَعالى: (وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا) [الإسراء: ٧٢] فَقد رَجَّح القُرطبي أنه لَيس عَمَى البَصَر (٢)، إذ يَقُول: قَولِه تَعَالى: (وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى)

стр. 620

أي: في الدُّنيا عن الاعْتِبار وإبْصَار الْحَقّ (فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ) أي: في أمْر الآخِرَة (أَعْمَى). وقال عكرمة: جَاء نَفَرٌ مِنْ أهْل اليَمَن إلى ابن عباس فَسَألُوه عن هذه الآيَة، فَقَال اقْرَؤُوا مَا قَبْلَها: (رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ) [الإسراء: ٦٦] إلى (تَفْضِيلًا) [الإسراء: ٧٠] قال ابن عباس: مَنْ كَان في هَذه النِّعَم والآيَات التي رَأى أعْمَى فَهو عن الآخِرَة التي لَم يُعَايِن أعْمَى وأضَلّ سَبِيلا. ثم سَاق أقْوَالًا في مَعْنَى الْعَمَى في الآيَة، صَدَّرَها بِصِيغَة تَمْرِيض قِيل عَدا قَوْل الْحَسَن. ثم قال: وقيل: الْمَعْنَى في قَوْلِه: (فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى) في جَمِيع الأقْوَال أشَدّ عَمى؛ لأنه مِنْ عَمَى القَلْب، ولا يُقَال مِثْله في عَمَى العَين (١). وقال في مَوْضِع آخَر: مَنْ كَان في هَذه أعْمَى بِقَلْبِه عن الإسْلام فهُو في الآخِرَة في النَّار (٢). وهَذا مَا رَجَّحَه أيضًا في تَفْسِير سُورة "طه"، وقد أحَال على مَا في "الإسراء" (٣). ملخص جواب القرطبي: ١ - حَشْر الكُفَّار على وُجُوهِهم عِبَارَة عن الإسْراع بِهم إلى جَهَنَّم. ٢ - يُسْحَبُون يَوْم القِيَامَة على وُجُوهِهم إلى جَهَنَّم مُبَالَغة في الْهَوَان. ٣ - أنَّهُم يُحْشَرُون عُمْي عَمَّا يَسُرُّهم، بُكْم عن التَّكَلُّم بِحُجَّة، صُمّ عَمَّا يَنْفَعُهم. ٤ - أنّهم يُحْشَرُون عُمْي وبُكْم وصُمّ، ثم يُخْلَق لَهم حَوَاسّ بَعْد دُخُولِهم النَّار.

стр. 621

٥ - أنَّ عَمَاهُم وبكْمَهم وصَمَمهم حين يَدخُلُون النَّار لِشِدَّة مَا يُعَايِنُون عند دُخُولِها. ٦ - أنَّهم يَقُولُون: أبْصَرْنا وسَمِعْنا، لا بَصَر عَيْن ولا سَمْع أُذُن، وإنَّمَا هو عِبَارَة عن اليَقِين بِتَحَقُّق ذلك. ٧ - أنَّ مَا جَاء في عَمَى الكُفَّار في الآخِرَة إنَّمَا هو عَمى عن الْحَقّ، لَيس عَمَى الأبْصَار. مُقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء: قال ابن جرير في آيَة "الإسراء": (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ) يَقُول: ونَجْمَعهم بِمَوقِف القِيَامَة مِنْ بَعد تَفَرُّقهم في القُبُور عند قِيَام السَّاعَة على وُجُوهِهم عُمْيًا وبُكْمًا - وهو جَمْع أبْكَم - ويَعْنِي بِالبَكَم الْخَرَس … ثم أجاب ابن جرير عمَّا يُتَوَهَّم مِنْ إشْكَال وتَعَارُض، فَقَال: فإن قَال قَائل: وكيف وَصَف الله هَؤلاء بِأنَّهم يُحْشرُون عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا، وقد قَال: (وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا) [الكهف: ٥٣]، فأخْبَر أنَّهم يَرَون. وقَال: (إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣)) [الفرقان: ١٢، ١٣]، فَأخْبَر أنهم يَسْمَعُون ويَنْطِقُون؟ قِيل: جَائز أن يَكُون مَا وَصَفهم الله بِه مِنْ العَمَى والبَكَم والصَّمَم يَكُون صِفَتُهم في حَال حَشْرِهم إلى مَوْقِف القِيَامَة، ثم يُجْعَل لَهم أسْمَاع وأبْصَار ومَنْطِق في أحْوال أُخَر غير حَال الْحَشْر. ويَجُوز أن يَكُون ذلك كَمَا رُوي عن ابن عباس قَوْله: (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا)، ثم قَال: (وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا)، وقَال: (سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا)

стр. 622

وقَال: (دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا). أمَّا قَوله: (عُمْيًا) فلا يَرَون شَيئًا يَسَرُّهم، وقَوله: (بُكْمًا) لا يَنْطِقُون بِحُجَّة، وقَوْله: (صُمًّا) لا يَسْمَعُون شَيئًا يَسُرُّهُم (١). وفي قَولِه تَعالى: (الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ) رَوى ابن جرير - بإسْنَادِه - إلى أنس ﵁ مَا جَاء في سُؤَال الرَّجُل للنبي ﷺ : كَيف يُحْشَر الكَافِر على وَجْهه؟ قال: الَّذِي أَمْشَاهُ عَلى رِجْلَيْه قادرٌ عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ (٢). كَمَا رَوَى - بإسْنَادِه - إلى أبي هريرة ﵁ قَال: يُحْشَر النَّاس يَوْم القِيَامَة على ثَلاثة أصْنَاف: صِنْف على الدَّوَاب، وصِنْف على أقْدَامِهم، وصِنْف على وُجُوهِهم. فَقِيل: كَيْف يَمْشُون على وُجُوهِهم؟ قال: إنَّ الذي أمْشَاهُم على أقْدَامِهم قَادِر أن يُمْشِيهم على وُجُوهِهم (٣). قال ابن جرير: وقَوله: (وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ) يَقُول: وعَايَن الْمُشْرِكُون النَّار يَوْمَئذٍ (فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا) يَقُول: فَعَلِمُوا أنَّهُم دَاخِلُوها. ثم رَوى مِنْ طريق درَّاج (٤) عن أبي الْهَيثم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ أنه قال: إنَّ الكَافِر يَرَى جَهَنَّم فَيَظُنّ أنّها مُواقِعَتُه مِنْ مَسِيرَة أرْبَعِين سَنَة (٥).

стр. 623

ورَجَّح ابن جرير أنَّ عَمَى الكُفَّار في الآخِرَة إنَّمَا هو عَمَى عن الْحُجج والبَرَاهِين، حَيث يَقُول بَعد سِيَاق الأقْوَال في قَوله تَعالى: (وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا): وَأَوْلى الأقْوَال في ذلك عندي بالصَّوَاب قَوْل مَنْ قَال: مَعْنَى ذلك: ومَن كان في هذه الدُّنيا أعْمَى عن حُجَج الله على أنه الْمُنْفَرِد بِخَلْقِها وتَدْبِيرها وتَصْريف مَا فِيها، فهو في أمْر الآخِرَة التي لَم يَرَها ولَم يُعَايِنها، وفِيمَا هو كَائن فِيها (أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا) يَقُول: وأضَلّ طَرِيقًا مِنه في أمْر الدُّنيا التي قد عَايَنها ورَآها. وإنَّمَا قُلْنا ذلك أوْلَى تَأوِيلاتِه بِالصَّوَاب؛ لأنَّ الله تعالى ذِكْرُه لم يَخْصُص في قَوْلِه: (وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى) عَمَى الكَافِر بِهِ عن بَعض حُجَجِه عليه فِيها دُونَ بَعْض، فَيُوَجَّه ذلك إلى عَمَاه عن نِعَمِه بِمَا أنْعَم به عَليه مِنْ تَكْرِيمه بَنِي آدَم، وحَمْلِه إيَّاهُم في البَرِّ والبَحْر، ومَا عَدَّد في الآيَة التي ذَكَر فِيها نِعَمَه عَليهم، بل عَمّ بِالْخَبَر عن عَمَاه في الدُّنيا فَهُمْ كَمَا عَمّ تَعالى ذِكْرُه (١). وهذا مَا رَجَّحَه أيضًا في تَفْسِير قَولِه تَعَالى: (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) [طه: ١٢٤]، فإنه قَال بَعْد سِيَاق الأقْوَال: والصَّوَاب مِنْ القَوْل في ذلك مَا قال الله تَعَالى ذِكْرُه، وهو أنه يُحْشَر أعْمَى عن الْحُجَّة ورُؤيَة الشَّيء، كَمَا أخْبَر جَلّ ثَنَاؤه، فَعَمّ ولَم يَخْصُص (٢). "فَتَأوِيل الكَلام: قال رَبّ لِم حَشَرْتَنِي أعْمَى عن حُجَّتِي ورُؤيَة الأشْيَاء، وقد كُنْت في الدُّنيا ذَا بَصَر بِذلك كُلّه؟ (٣) وقال في آيَة "السجدة": (رَبَّنَا أَبْصَرْنَا) مَا كُنَّا نُكَذِّب بِه مِنْ عِقَابِك أهْل مَعَاصِيك، (وَسَمِعْنَا) مِنْك تَصْدِيق مَا كَانت رُسُلُك تَأمُرُنا بِه في الدُّنيا (٤).

стр. 624

فَعَلى هذا لا إشْكَال عند ابن جرير أصْلًا في حَشْر الكُفَّار عُمْيًا؛ لأنه ليس عَمَى أبْصَار، وإن كان جَوَّز كَوْن العَمَى والبَكم والصَّمَم يَكُون صِفَتهم في حَال حَشْرِهم إلى مَوقِف القِيَامَة، ثم يُجْعَل لهم أسْمَاع وأبْصَار ومَنْطِق في أحْوال أُخَر غير حَال الْحَشْر". وفي مَعنى الْعَمَى والْبَكَم والصَّمَم - في آية الإسراء - ذَكَر ابن الجوزي قَوْلين: أحَدهما: عُمْيًا لا يَرَون شَيئًا يَسُرُّهم، وبُكْمًا لا يَنْطِقُون بِحُجَّة، وصُمًّا لا يَسْمَعُون شَيئًا يَسُرُّهم قاله ابن عباس. وقال في رواية: عُمْيًا عن النَّظَر إلى مَا جَعَل لأوْلِيائه، وبُكْمًا عن مُخَاطَبة الله، وصُمًّا عَمَّا مَدَح به أوْلِياءَه؛ وهذا قَوْل الأكْثَرِين. والثَّاني: أنَّ هذا الْحَشْر في بَعْض أحْوَال القِيَامَة بعد الْحَشْر الأوَّل (١). وفي معْنى "أعْمَى" في قَولِه تَعَالى: (وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى) ذَكَر ابن الجوزي خَمْسَة أقْوَال: أحَدُها: مَنْ كان في الدُّنيا أعْمَى عن مَعْرِفَة قُدْرَة الله في خَلْق الأشْيَاء، فهو عَمَّا وُصِف له في الآخرة أعْمَى. والثَّاني: مَنْ كَان في الدُّنيا أعْمَى بِالكُفْر، فهو في الآخِرَة أعْمَى؛ لأنَّه في الدُّنيا تُقْبَل تَوبَته، وفي الآخِرَة لا تُقْبَل. والثَّالث: مَنْ عَمِي عن آيَات الله في الدُّنيا، فهو عن الذِي غُيِّب عنه مِنْ أمُور الآخِرَة أشَدّ عَمى. والرَّابع: مَنْ عَمِي عن نِعَم الله التي بَيَّنَها في قَوله: (رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ) [الإسراء: ٦٦] إلى قَوله: (تَفْضِيلًا) [الإسراء: ٧٠]؛ فَهو في الآخِرَة أعْمَى عن رَشَادِه وصَلاحِه.

стр. 625

والْخَامِس: مَنْ كان فِيها أعْمى عن الْحُجَّة، فَهو في الآخِرَة أعْمَى عن الْجَنَّة (١). وفي مَعْنَى الْعَمَى في قَولِه تَعالى: (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) ذَكَر قَوْلَين: أحَدُهما: أعْمَى البَصَر. روى أبو صالح عن ابن عباس قال: إذا أُخْرِج مِنْ القَبر خَرَج بَصِيرًا، فإذا سِيق إلى الْمَحْشَر عَمِي. والثاني: أعْمَى عن الْحُجَّة. قاله مجاهد وأبو صالح. قال الزجاج: مَعْناه: فلا حُجَّة له يَهْتَدِي بِها؛ لأنه لَيس للنَّاس على الله حُجَّة بَعْد الرُّسُل (٢). واقْتَصَر في آيَة "الكهف" عَلى قَوْلِه: (وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ) أي: عَايَنُوهَا وهي تَتَغَيَّظ حَنَقًا عَليهم. والْمُرَاد بالْمُجْرِمِين الكُفَّار. (فَظَنُّوا) أي: أيْقَنُوا (أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا) أي: دَاخِلُوها، ومَعْنَى الْمُواقَعَة مُلابَسَة الشَّيء بِشِدَّة (٣). وقَال في قَوله تَعالى: (إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا) فيه قَوْلان: أحَدُهما: غَلَين تَغَيُّظ قاله الزجاج. قال الْمُفَسِّرُون: والْمَعْنَى: أنَّها تَتَغَيَّظ عليهم فَيَسْمَعون صَوْت تَغَيُّظِها وزَفِيرها كالغَضْبَان إذا غَلا صَدْرُه مِنْ الغَيْظ. والثَّاني: يَسْمَعُون فِيها تَغَيُّظ الْمُعَذَّبِين وزَفِيرهم حكاه ابن قتيبة (٤). وقال في آية "السجدة": يَقُولُون: رَبَّنَا أبْصَرْنَا وسَمِعْنَا، أي: عَلِمْنا صِحَّة مَا كُنَّا مُكَذِّبِين، فارْجِعْنا إلى الدُّنيا (٥).

стр. 626

رأي الباحث: أكْثَر الْمُفَسِّرِين على أنَّ نَفْي السَّمْع والبَصَر إنَّمَا هو نَفْي رُؤيَة الْحَقّ وسَمَاعه، كَمَا عَمُوا عنه في الدُّنيا، ونَفْي الإبْصَار والسَّمْع والنُّطْق الذي يَسُرُّهم. ألا تَرَى أنه (لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) [النحل: ٨٤]، وهُو كَقَولِه تَعَالى: (هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) [المرسلات: ٣٥، ٣٦]، أي أنَّهم "لا يَنْطِقُون بِحُجَّة تَجب لَهم، وإنما يَتَكَلَّمُون بِالإقْرَار بِذُنُوبِهم، ولَوْم بَعْضهم بَعْضا، وطَرْح بَعْضهم الذُّنُوب على بَعض؛ فأمَّا التَّكَلُّم والنُّطْق بِحُجَّة لَهم فَلا" (١)، أوْ أنه عِنْدَمَا "يُخْتَم على أفْوَاهِهم فَلا يَنْطِقُون" (٢). ونَفْي السَّمْع والبَصَر عنهم في الآخِرَة نَظِير نَفْيِه عنهم في الدُّنيا، وهو مَا اعْتَرَفُوا بِه: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) [الملك: ١٠] أي: "لَو كُنَّا نَسْمَع سَمَاع مَنْ يَعِي ويُفَكِّر، أوْ نَعْقِل عَقْل مَنْ يُمَيِّز ويَنْظُر" (٣). وعلى قَوْل مَنْ قَال: إنَّهم يُحشَرُون عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا؛ فَذلك في بَعْض مَوَاطِن الْحَشْر؛ وهذا له نَظِير في تَخَبُّط أكَلَة الرِّبا في الْمَحْشَر، كَمَا في قَولِه تَعَالى: (الَّذِينَ يَأكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) [البقرة: ٢٧٥]. وقُلْتُ ذلك لأنَّ الكُفَّار يَتَكَلَّمُون في النَّار ويُحَاجّ بَعْضُهم بَعْضًا، وتُوبِّخُهم الْمَلائكَة فيَسْمَعُون ويُجِيبُون، وهذا يَلزَم مِنه إثْبَات السَّمْع والبَصَر والنُّطْق لهم في النَّار. وأمَّا كَوْنُهم يُحْشَرُون على وُجُوهِهم، مع كَوْنِهم نَاكِسُوا رُؤوسِهم، فَهم يُطرِقُون في حَال الْحَشْر والْمُحَاسَبَة خزْيًا واعْتِرَافًا بِذُنُوبِهم، وإيقَانًا بِالبَوار، ثم إذَا حُوسِبُوا -

стр. 627

وأُقِيمَتْ عليهم الْحُجَج والشُّهُود - يُسْحَبُون على وُجُوهِهم إلى جَهَنَّم، كَمَا قَال تَعالى: (إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ) [غافر: ٧١، ٧٢]. وهذا مَعْنَى (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا) [الإسراء: ٩٧]، ويُفسِّره قَولُه تَعَالى: (الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا)، فالْحَشْر الْمَذْكُور في آيَة الإسراء وتَحْدِيده بـ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) يُفسِّره كَوْنُهم (يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ).

стр. 628

المبحث الثالث: أثر عقيدة القرطبي في توهّم التعارض مِنْ الْمُتَقرِّر أنَّ الإنْسَان ابن بِيئَتِه، فَيُؤَثِّر ويَتَأثَّر؛ يُؤثِّر في غَيره، ويَتَأثَّر - قَبْل ذلك - بِغَيْرِه. بل إن الإنسان يتأثَّر بِما يُصاحِب، ولو كان مِنْ العَجْماوات، وفي الحديث: الفَخْر والْخُيَلاء في أهْل الْخَيْل والإبِل، والفَدَّادِين أهْل الوَبَر، والسَّكِينَة في أهْل الغَنَم (١)! "ويُعَبِّر الْحُكَمَاء عن هذا بِقَولهم: الإنسان مَدَنِيّ بِالطَّبْع، أي: لا بُدّ لَه مِنْ الاجْتِمَاع" (٢). وكَثِيرًا مَا يَتَأثَّر الْمُتَعَلِّم بِمُعَلِّمِيه، والتِّلْمِيذ بِمَشَايخه، وقد يَتَلَقَّى مِنهم مَا لَيس بِالْحَسَن، ظانًّا أنه حَسَن؛ لأنَّهم مَوْضِع ثِقَتِه. وأحْيَانًا يَتَلقَّى التِّلْمِيذ مِنْ شَيخِه مَا يَعْقِد عليه قَلْبه، ثم لا يُمَحِّص مَا تَلَقَّاه، خَاصَّة إذا انْشَغل أو تَخَصَص في غير ذلك الفَنّ. وقد تَكُون بِيئة العَالِم تُحَتِّم عليه ذلك التَّوَجُّه، أو تُلْزِمه تلك العقيدة، وتُؤخَذ تلك العقيدة على أنها الْحَقّ الذي لا يَجُوز اعْتِقَاد غيره. وقد شَهِد التَّارِيخ شَيئًا مِنْ التَّعَسُّف في حَمْل النَّاس على مَذْهَبٍ مِنْ الْمَذَاهِب، "فإنَّ صَاحِب الغَرْب (٣) يُوسف بن يعقوب مَنَع مِنْ قِرَاءَة الفُرُوع جُمْلَة، وبَالَغ في ذلك وألْزَم النَّاس بِأخْذ الفِقْه مِنْ الكِتَاب والسُّنَن على طَرِيقَة أهْل الظَّاهِر، فَنَشَأ الطَّلَبَة على هَذا بِالْمَغْرِب مِنْ بَعْد سَنَة ثَمَانِين وخَمْس مِئة" (٤). فلا غَرْو إن وُجِد في زَمَن مِنْ الأزْمِنَة مَنْ تأثَّر بِبَعْض الْمَدَارِس الفِقْهِيَّة أو الاعْتِقَادِيَّة حين يَنْشأ الصَّغير ويَهْرَم الكَبِير على ذلك الأمْر الذي قد يُعْتَبَر عِند كَثِير مِنْ النَّاس مِنْ الثوابت التي لا تَجُوز مُخَالَفَتها.

стр. 629

وقد وَصَلَتْ مَدْرسَة الأشَاعِرَة في العَقِيدَة إلى بِلاد الأنْدَلُس قَبْلَ مَجيء القرطبي، فَنَرَى تأوِيلات الأشَاعِرَة وتَقْرِير عَقِيدَتهم وَاضِحًا في تَفسِير ابن عَطية. وقد تَأثَّر القُرْطبي بِابْن عَطية كَثِيرًا، خَاصَّة في بَعْض مَبَاحِث العَقِيدَة، وإن كان القرطبي ليس مُقَلِّدًا لابن عَطية. وفيما يلي مِنْ مَبَاحِث نَسْتَبِين منها أثَر عَقِيدَة القرطبي في دَفْع تَوَهُّم التَّعَارُض: المثال الأول: تَوْحِيد الْخَالِق: قَوله تَعالى: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) [البقرة: ١٦٣]، وقوله تعالى: (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ) [المائدة: ٧٣]، ونَحوها مِنْ الآيَات، مَع قوله تعالى: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ) [الأنعام: ٣]، وقَوله تَعالى: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ) [الزخرف: ٨٤]. صورة التعارض: قَوله تَعالى: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ) هذا العَطْف مع التَّنْكِير في هَذه الآيَة يَتَوَهَّم الْجَاهِل مِنه تَعَدُّد الآلِهَة، مع أنَّ الآيَات القُرْآنِيَّة مُصَرِّحَة بِأنه وَاحِد، كَقَولِه: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) [محمد: ١٩]، وقَولِه: (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ) [المائدة: ٧٣] الآية (١). جمع القرطبي: قال القرطبي في آيَة "البقرة":

стр. 630

قَوله تَعالى: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) لَمّا حَذَّر تَعالى مِنْ كِتْمَان الْحَقّ بَيَّن أنَّ أوَّل مَا يَجِب إظْهَارُه ولا يَجُوز كِتْمَانه أمْر التَّوْحِيد، ووَصَل ذلك بِذِكْرِ البُرْهَان، وعِلْم طَرِيق النَّظَر وهو الفِكْر في عَجَائب الصُّنْع، لِيُعْلَم أنه لا بُدّ لَه مِنْ فَاعِل لا يُشْبِهه شَيء. قال ابن عباس ﵄: قَالَتْ كُفَّار قُرَيش: يَا محمد أنْسُب (١) لنَا رَبَّك (٢) فأنْزَل الله تَعالى سُورة الإخْلاص وهَذه الآيَة. وقَال: قَوله تَعالى: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) نَفْي وإثْبات؛ أوّلها كُفْر، وآخِرُها إيمان. ومَعْنَاه: لا مَعْبود إلَّا الله (٣). وحُكِيَ عن الشِّبْلِي ﵀ أنه كان يَقُول: الله، ولا يَقُول: لا إله فسُئِل عن ذلك، فَقَال: أخْشَى أن آخُذ في كَلِمَة الْجُحُود ولا أَصِل إلى كَلِمَة الإقْرَار. قلت: وهَذا مِنْ عُلُومِهم الدَّقِيقَة التي لَيْسَت لَها حَقِيقَة! فإنّ الله جَلّ اسْمُه ذَكَرَ هذا الْمَعْنَى في كِتَابِه نَفْيًا وإثْبَاتًا، وكَرَّرَه، ووَعَد بِالثَّوَاب الْجَزِيل لِقَائِله على لِسَان نَبِيِّه ﷺ (٤). ويَرَى أنَّ آيَة "المائدة" في إثْبَات التَّوْحِيد رَدًّا على أهْل التَّثْلِيث، فَيَقُول: (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ).

стр. 631

أي: أنَّ الإلَه لا يَتَعَدَّد، وهُم (١) يَلْزَمهم القَوْل بِثَلاثة آلِهَة (٢). وقَال في آيَة "الأنعام": قَوله تَعالى: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ) يُقَال: مَا عَامِل الإعراب في الظَّرْف مِنْ (فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ)؟ فَفِيه أجْوبَة: أحَدُها: أي: وهو الله الْمُعَظَّم، أو الْمَعْبُود في السَّمَاوَات وفي الأرْض، كَمَا تَقُول: زَد الْخَلِيفَة في الشَّرْق والغَرْب، أي: حُكْمُه. ويَجُوز أن يَكُون الْمَعْنَى: وهو الله الْمُنْفَرِد بالتَّدْبير في السَّمَاوَات وفي الأرْض، كَمَا تَقُول: هو في حَاجَات النَّاس، وفي الصَّلاة. ويَجُوز أن يَكُون الْمَعْنَى: وهو الله الْمُنْفَرِد بالتَّدْبِير في السَّمَاوَات وفي الأرْض، كَمَا تَقُول: هو في حَاجَات النَّاس، وفي الصَّلاة. ويَجُوز أن يَكُون خَبَرًا بَعْد خَبَر، ويَكُون الْمَعْنَى: وهو الله في السَّمَاوَات، وهو الله في الأرْض. وقِيل: الْمَعْنَى: وهو الله يَعْلَم سِرَّكُم وجَهْرَكم في السَّمَاوَات وفي الأرْض، فلا يَخْفَى عليه شَيء. قال النحاس: وهذا مِنْ أحْسَن مَا قِيل فِيه. وقال محمد بن جرير (٣): وهو الله في السَّمَاوَات ويَعْلَم سِرَّكُم وجَهْرَكم في الأرْض. فَـ (يَعْلَم) مُقَدَّم في الوَجْهَين، والأوَّل أسْلَم وأبْعَد مِنْ الإشْكَال. وقِيل غَير هَذا. والقَاعِدة تَنْزِيهه جَلَّ وعَزّ عن الْحَرَكَة والانْتِقَال وشَغْل الأمْكِنَة (٤).

стр. 632

وقال في آيَة "الزخرف": هذا تَكْذِيب لَهم في أنَّ لله شَرِيكًا ووَلَدًا، أي: هو الْمُسْتَحِقّ للعِبَادَة في السَّمَاء والأرْض. وقال عُمر ﵁ وغيره: الْمَعْنَى: وهو الذي في السَّمَاء إلَه في (١) الأرْض. وكذلك قَرَأ، والْمَعْنَى: أنه يُعْبَد فِيهما. ورُوي أنه قَرأ هو وابن مسعود: وهو الذي في السَّمَاء الله وفي الأرْض الله، وهذا خِلاف الْمُصْحَف. وقِيل: (فِي) بِمَعْنَى (على)، كَقَولِه تَعَالى: (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْل) [طه: ٧١]، أي: على جُذُوع النَّخْل. أي: هو القَادِر على السَّمَاء والأرْض (٢). ملخص جواب القرطبي: ١ - (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) تضمّنت إثْبَاتُ فَاعِل لا يُشْبِهه شَيء. ٢ - (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) نَفْي وإثْبَات. ٣ - الإلَه لا يَتَعَدَّد. ٤ - هو الله الْمُعَظَّم، أو الْمَعْبُود في السَّمَاوَات وفي الأرْض. ٥ - يَعْلَم سِرَّكُم وجَهْرَكم في السَّمَاوَات وفي الأرْض، فلا يَخْفَى عليه شَيء.

стр. 633

٦ - آيَة "الزخرف" تَكْذِيب للمُشْرِكِين في أنَّ لله شَرِيكًا ووَلَدًا، وإثْبَات أنَّ الله هو الْمُسْتَحِقّ للعِبَادَة في السَّمَاء والأرْض. مقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء: بَيَّن ابن جرير "مَعْنَى الألُوهِيَّة وأنَّهَا اعْتِبَاد الْخَلْق" ثم قَال: فَمَعْنَى قَوْله: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ): والذِي يَسْتَحِقّ عَليكم أيُّهَا النَّاس الطَّاعَة لَه، ويَسْتَوجِب مِنْكم العِبَادَة مَعْبود وَاحِد، ورَبّ وَاحِد، فلا تَعْبُدُوا غَيره، ولا تُشْرِكُوا مَعَه سِوَاه، فإنَّ مَنْ تُشْرِكُون مَعه في عِبَادَتِكُم إيَّاه هو خَلْق مِنْ خَلْق إِلهِكم مِثْلكم. (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) لا مِثْل له ولا نَظِير. ثم ذَكَر الاخْتِلاف في مَعْنَى وَحْدَانِيّتِه تَعَالى ذِكْرُه؛ فَنَقَل عن بعضهم: مَعْنَى وَحْدَانِيَّة الله مَعْنَى نَفْي الأشْبَاه والأمْثَال عنه. وعن آخَرِين: مَعْنَى وَحْدانيته تَعَالى ذِكْرُه مَعْنَى انْفِرَادِه مِنْ الأشْيَاء، وانْفِرَاد الأشْيَاء منه. وأمَّا قَوله: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ)، فإنه خَبَر مِنه تَعالى ذِكْرُه أنه لا رَبّ للعَالَمِين غَيره، ولا يَسْتَوجِب على العِبَاد العِبَادَة سِوَاه، وأنَّ كُلّ مَا سِوَاه فَهُمْ خَلْقه، والوَاجِب على جَمِيعِهم طَاعَته، والانْقِياد لأمْرِه، وتَرْك عِبَادَة مَا سِوَاه مِنْ الأنْدَاد والآلِهَة، وهَجْر الأوْثَان والأصْنَام؛ لأنَّ جَمِيع ذَلك خَلْقُه، وعلى جَمِيعِهم الدَّيْنُونَة لَه بِالوَحْدَانيَّة والألُوهَة، ولا تَنْبَغِي الأُلوهَة إلَّا لَه (١).

стр. 634

وقال في آيَة "المائدة" مَا نَصّه: يَقُول الله تَعالى ذِكْرُه مُكَذِّبًا لَهم فِيما قَالُوا مِنْ ذَلك: (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ) يَقُول: مَا لَكُمْ مَعْبود أيُّهَا النَّاس إلَّا مَعبُود واحِد، وهو الذي ليس بِوَالِد لِشيء ولا مَوْلُود، بَلْ هو خَالِق كُلّ وَالِد ومَولُود (١). وفي آيَة "الأنعام" يَقُول ابن جرير: إنَّ الذِي له الألُوهَة التي لا تَنْبَغِي لِغَيرِه، الْمُسْتَحِقّ عَليكم إخْلاص الْحَمْد له بِآلائه عِندكم أيُّها النَّاس، الذي يَعْدِل بِه كُفَّارُكم مَنْ سِوَاه - هو الله الذي في السَّمَاوَات وفي الأرْض، يَعْلَم سِرَّكُم وجَهْركُم، فَلا يَخْفَى عَليه شَيء (٢). وقال في آيَة "الزخرف": يَقُول تَعَالى ذِكْرُه: والله الذي له الألُوهَة في السَّمَاء مَعْبُود، وفي الأرْض مَعْبُود كَما هو في السَّمَاء مَعْبُود، لا شَيء سِوَاه تَصْلُح عِبَادَتُه؛ يَقُول تَعَالى ذِكْرُه: فأفْرِدُوا لِمَنْ هَذه صِفَته العِبَادَة، ولا تُشْرِكُوا بِه شَيئًا غَيره (٣). في حِين اقْتَصَر ابن الجوزي في آيَة "البقرة": (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) على ذِكْر سَبَب النُّزُول، وبَيَان مَعْنَى الإلَه، وأنه الْمَعْبُود (٤). وبَيَّن في آيَة "المائدة" قِصَّة القَوْل بِالتَّثْلِيث، ولَم يَتَطَرَّق إلى مَعْنَى (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ) (٥). وذَكَر في آيَة "الأنعام" أرْبَعَة أقْوَال: أحَدُها: هو الْمَعْبُود في السَّمَاوَات وفي الأرْض. والثَّاني: وهو الْمُنْفَرِد بِالتَّدْبِير في السَّمَاوات وفي الأرْض. والثَّالث: وهو الله في السَّمَاوَات، ويَعْلَم سِرّكُم وجَهْرَكُم في الأرض.

стр. 635

والرَّابع: أنه مُقَدَّم ومُؤَخَّر، والْمَعْنَى: وهو الله يَعْلَم سِرَّكُم وجَهْركم في السَّمَاوَات والأرْض. ذَكَرَه بعض الْمُفَسِّرِين (١). ونَقَل في آيَة "الزخرف" قَول مجاهد وقتاد: يُعْبَد في السَّمَاء ويُعْبَد في الأرْض. وَقَوْل الزَّجاج: هو الْمُوحَّد في السَّمَاء وفي الأرْض. قال: وقرأ عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس وابن السميفع وابن يَعْمَر والجحدري: في السَّمَاء الله وفي الأرْض الله، بِألِف ولام مِنْ غير تَنْوِين ولا هَمْز فِيهِمَا (٢) فابْن الجوزي - في الموضِعَين - نَقَل الأقْوَال دُون تَرْجِيح. رأي الباحث: جَمَع القُرطبي بَيْن الآيَات، وأزَال الإشْكَال، في العَطْف الوَارِد في آيَة "الزخرف" إلَّا أنَّ مَا اعتَبَره قَاعِدَة في تَنْزِيه البَارِي ليس قَاعِدَة عند السَّلَف، وسَبَق في "التَّمْهِيد" أنَّ القرطبي تَأثّر بِمَدْرَسَة الأشَاعِرَة في الاعْتِقَاد. و"الْمَشْهُور عند أصْحَاب الإمَام أحْمَد أنَّهُم لا يَتَأوَّلُون الصِّفَات التي مِنْ جِنْس الْحَرَكَة، كَالْمَجيء، والإتْيَان في الظُّلَل، والنُّزُول، كَمَا لا يَتَأوَّلُون غَيْرَها مُتَابَعَة للسَّلَف" (٣).
следующие страницы →