← Баляга

Баляга · id 11151

عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح

السبكي، بهاء الدين

Полный текст (971 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الذى تعتقدون أنه الدهر، فإن الله هو الفاعل الحقيقى، فحينئذ الدهر فى الموضعين واحد، فهو على القاعدة وهذا الذى قاله الراغب حسن، إلا أن الجمع بينه وبين قوله ﷺ حين بلغه سب المشركين له:" إنهم يسبون مذمما وأنا محمد" (١)، يحتاج إلى تأمل، ومما أعيدت فيه المعرفة معرفة والثانى غير الأول بالقرائن قوله تعالى: وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ (٢) ومن ذلك قوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ (٣) فالملك الذى يؤتيه الله العبد لا يمكن أن يكون نفس ملكه فقد اختلفا وهما معرفان؛ لكن يصدق أنه إياه باعتبار أصل الاشتراك فى الاسم كما صرح بنحوه فى قوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ (٤) فقد أعاد الضمير فى الفضل المستغرق باعتبار أصل الفضل، ومما ذكرناه يعلم أن قول بعض البيانيين أن تؤتى الملك من يشاء لا يمكن أن يكون من وضع الظاهر موضع المضمر لا تحقيق له، ونظيرها قوله تعالى: أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً (٥) إلا أن العزة الأولى نظير الملك الثانى، والعزة الثانية نظير الملك الأول وأما قوله تعالى فى سورة البقرة: بِالْمَعْرُوفِ (٦) وقوله تعالى فيه أيضا: مِنْ مَعْرُوفٍ (٧) فهى من إعادة النكرة معرفة، لأن من معروف وإن كان فى التلاوة بعد المعرف فهو فى الإنزال متقدم عليه، وهذه القاعدة تعرض لها الأصوليون فى نحو: صل ركعتين، هل يكون أمرين والثانى تأسيس أو لا وفيها خلاف مشهور، ومما ينبنى على هذه القاعدة، إذا قال: إن رأيت رجلا فأنت طالق، وإن رأيت رجلا فعبدى حر، الظاهر أنه لا يجب أن يكون الثانى غير الأول بل إذا رأت رجلا حصل العتق والطلاق، ولو تخللت رؤية رجل بين التعليقين، ثم وجدت رؤية ذلك الرجل بعد التعليق الثانى عتق العبد بلا توقف، ذكر الفرعين الوالد فى بعض تعاليقه، ومما يجب التنبه له، أن المراد بذكر الاسم مرتين كونه مذكورا فى كلام واحد، أو كلامين بينهما

стр. 212

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تواصل بأن يكون أحدهما معطوفا على الآخر أو له به تعلق ظاهر، وتناسب واضح، فإن قلت: لما نزل قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ (١) حزنت الصحابة رضى الله عنهم وقالوا: أينا لم يظلم نفسه، ففسره النبى ﷺ بالشرك وقرأ: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (٢) فهذان نكرتان فى كلامين متفاصلين، وفسر أحدهما بالآخر فهو ينقض قولكم: إن النكرتين تكون إحداهما هى الأخرى، وينقض قولكم: إن من شرط كون إحداهما الأخرى فى المعرفتين أو فى النكرة مع المعرفة أن يكونا فى كلام متصل بعضه ببعض، قلت: النكرتان فى كلامين متباعدين لا يمنع أحد أن يراد بإحداهما الأخرى بدليل يقوم عليه، وهذا الحديث دليل على أن المراد بأحد الظلمين الآخر، وإنما المدعى هنا أن النكرتين المتواصلتين دون قرينة تصرف إحداهما لغير الأخرى، أما المتباعدتان فلا يحكم عليهما أن إحداهما هى الأخرى أو غيرها إلا بدليل، هذا عند الإطلاق، أما الظلم وَلَمْ يَلْبِسُوا فإنه عام دلت السنة على تخصيصه بالآية الأخرى، وينبغى أن تتنبه إلى أن هذا التفسير النبوى قطع مادة النظر، فليس لسائل أن يسأل عن دليل لفظى فى إحدى الآيتين خصص الأخرى، ولا أن يقيس على ذلك، فيقول فى نحو: لا تضرب رجلا مع أكرم الرجل أو رجلا يريد زيدا أن المراد بالأول زيد فقط، ولا أن يقول فى قوله تعالى: لا ظُلْمَ الْيَوْمَ (٣): إن المراد الشرك، وإن كان وزان وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ، ولا أن يقول فى نحو: الإنسان حيوان أنه يقتضى أن كل حيوان إنسان، بل القرآن يفسر بعضه بعضا؛ حيث لا تعارض والسنة دلت على ذلك إما بوحى أو دليل لفظى، فليتأمل وكان خطر لى قديما أن فى الآية الكريمة ما يشير إلى أن المراد بالظلم فيها الكفر، وقوله تعالى: وَلَمْ يَلْبِسُوا لأن الذى يلبس الإيمان هو الشرك، فإنه كالممازج له فإن عبادة الله إيمان، وعبادة غيره ظلم، بخلاف الظلم بالمعاصى غير الكفر، فإنها لا تمتزج ولا تلتبس بالإيمان، وعرضت هذا المعنى على والدى بدرس الشامية بدمشق فارتضاه وفرح به،

стр. 213

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومما يتعلق بما نحن فيه قوله تعالى: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى (١) فإن كانت إحداهما الثانية مفعولا فالاسم الأول هو الثانى على قاعدة المعرفتين، وإن كانت فاعلا فهما واحد باعتبار الجنس كما سبق، وأكثر النحاة على أن الإعراب إذا لم يظهر فى واحد من الاسمين تعين أن يكون الأول فاعلا خلافا لما ذكره الزجاج فى قوله تعالى: فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ (٢) وقد رأيت لابن الحاجب فى أماليه كلاما فى ذلك غالبا حسن، وفى بعضه مشاحة وها أنا أذكره بلفظه فاعتبره، قال: قوله تعالى: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى (٣) فيه إشكالان، أحدهما أن قوله: أن تضل ذكر تعليلا لاستشهاد المرأتين موضع رجل، ولا يستقيم فى الظاهر أن يكون الضلال تعليلا للاستشهاد، وإنما العلة التذكير والإشكال الثانى قال: فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى، وقياس الكلام فى مثل ذلك أن يقال: فتذكرها الأخرى، لأنه قد تقدم الذكر فلم يحتج إلى إعادة الظاهر، والجواب عن الأول أن التعليل فى التحقيق هو التذكير، ومن شأن لغة العرب إذا ذكروا علة، وكان للعلة علة قدموا ذكر علة العلة، وجعلوا العلة معطوفة بها بالفاء لتحصل الدلالتان معا بعبارة واحدة، كقولك: أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعمها، فالإدعام هو العلة فى إعداد الخشبة، والميل هو سبب الإدعام، فذكر على نحو ما ذكرناه، فقيل: أن يميل الحائط فأدعمها، ولو قيل: إن الميل فى المثال والضلال فى الآية هو السبب، لم يكن ذلك ببعيد، لأن الضلال والمعلوم من إحداهما يكثر وقوعه، فصلح أن يكون علة فى استشهادهما مقام رجل، وإنما يجئ اللبس هاهنا إذا توهم أن وقوع الضلال هو السبب، فيؤدى إلى أن يكون مقصودا وقوعه باستشهادهما، وليس التعليل واجبا فيه أن يكون مقصودا وقوعه، بل العلة هى المقتضية لذلك المعلوم، ألا ترى إلى قولك: قعدت عن الحرب من أجل الخوف فالخوف هاهنا ليس مرادا وقوعه فى قصد المتكلم حتى يكون سببا للقعود، فكذلك هاهنا المقصود أن الضلال المعلوم هو السبب المقتضى فى المعنى استشهادهما فى موضع رجل، وذلك مستقيم على هذا التأويل، وكذلك يمكن أن يقال فى ميل الحائط: إنه أيضا هو السبب على الوجه الذى ذكرناه فى الآية، وهذا الوجه الثانى يصلح أن

стр. 214

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يكون الأول ليجئ الثانى بعده بعد تقديم التسليم، وأما الجواب عن الإشكال الثانى، فهو أنا نقول: أصل الكلام على الوجه الأول: أن تذكر إحداهما الأخرى عند ضلالها، فقدم على ما ذكرناه، فبقى أن تذكر إحداهما الأخرى على ما كان عليه. الثانى هو أن لا يستقيم فى المعنى إلا كذلك، ألا ترى أنه إذا قال: أن تضل إحداهما فتذكرها الأخرى، وجب أن يكون ضمير المفعول عائدا على الضالة متعينا لها كما إذا قلت: جاءنى رجلا وضربته، يتعين أن يكون الجائى هو المضروب وذلك مخل بالمعنى المقصود، لأنها قد تكون الضالة الآن فى الشهادة وهى الذاكرة فيها فى زمان آخر، فالمذكرة هى الضالة فإذا قيل: فتذكرها الأخرى لم يفد ذلك لتعين عود الضمير إلى الضالة، وإذا قيل: فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى كان مبهما فى كل واحدة منهما، فلو ضلت إحداهما الآن وذكرتها الأخرى، فذكرت كان داخلا ثم لو انعكس الأمر والشهادة بعينها فى وقت آخر اندرج أيضا تحته لوقوع قوله: فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى غير معين، ولو قيل: فتذكرها الأخرى، لم يستقم أن يكون مندرجا تحته إلا التقدير الأول، فعلم أن العلة هى التذكير من إحداهما الأخرى كيفما قدر، وإن اختلف وهذا المعنى لا يفيده إلا ما ذكرناه، فوجب لذلك أن يقال: فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى، وهذا الوجه الثانى هو الذى يصلح أن يكون جاريا على الوجهين المذكورين أو لا، وأنه فى التحقيق هو الذى وجب لأجله مجيئهما ظاهرين، وأما الوجه الذى قبله فلا يستقيم إلا على التقدير الأول، لأن التقدير الثانى جعل الضلال هو العلة، فلا يستقيم مع ذلك أن يقال: إن أصل الكلام (أن تذكر إحداهما الأخرى) عند ضلالها مع القول بأن الضلال هو العلة. فثبت مما ذكرناه من المعنى الصحيح وجوب مجئ الآية على ما هى عليه، وأنه لو غير إلى المضمر اختل المعنى المقصود، واختص ببعضه. اه. وفى بعضه نظر، والسؤال الذى ذكره أولا، وما أجاب به عنه من أن المعطوف عليه ذكر للتوطئة، ثم عطف عليه المقصود يأتيان فى قوله تعالى: ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ (١) وقوله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً (٢) فإن إيتاء الله الكتاب لم يقصد نفيه، وكونهم كانوا أعداء لم يقصد عده من النعمة، وإنما المعنى ما كان لبشر أن يقول للناس ذلك، وقد آتاه الله الكتاب، واذكروا نعمة الله عليكم إذ ألف بينكم بعد العداوة، ومن هذه المادة أيضا قوله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ

стр. 215

ثالثا: إتباع المسند إليه، وعدمه وصف المسند إليه: وأمّا وصفه، فلكونه: ١ - مبيّنا له، كاشفا عن معناه؛ كقولك: الجسم الطويل العريض العميق يحتاج إلى فراغ يشغله، ونحوه فى الكشف: قوله [من المنسرح]: الألمعىّ الّذى يظنّ بك الظ ... ظنّ كأن قد رأى وقد سمعا ــ أَنْفُسَكُمْ (١) المراد تنسون وأنتم تأمرون؛ إذ الأمر لا يصلح أن ينكر، وبقى مما يتعلق بما سبق قوله تعالى: إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ (٢)، وقوله تعالى: حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها (٣)، وسيأتى الكلام عليه فى وضع الظاهر موضع المضمر. [- إتباع المسند إليه وعدمه] وصف المسند إليه: ص: (وأما وصفه إلخ). (ش): يأتى المسند إليه موصوفا، وذلك لأحد أمور: الأول: أن يكون يحتاج إلى كشف معناه، أو زيادة كشفه كشفا تاما، كقولنا: الجسم الطويل العريض العميق يحتاج إلى فراغ يشغله، وقوله: يحتاج خبر الجسم، وهذا الوصف يسمى بيانيا، ويسمى كشفيا ونحوه فى الكشف قول أوس بن حجر بفتح الحاء والجيم يرثى فضالة بن كلدة: الألمعىّ الذى يظنّ بك الظ ... ظنّ كأن قد رأى وقد سمعا (٤)

стр. 216

٢ - أو مخصّصا؛ نحو: زيد التاجر عندنا. ــ قال السكاكى: قال الجوهرى: الألمعى منصوب بفعل متقدم، وجوز أن يكون بدلا لأن قبله: أيّتها النّفس أجملى جزعا ... إنّ الذى تحذرين قد وقعا إنّ الّذى جمّع الشّجاعة والن ... نجدة والبرّ والتّقى جمعا الألمعىّ الّذى يظنّ بك الظ ... ظنّ كأن قد رأى وقد سمعا المخلف المتلف المرزّأ لم ... يمنعه ضعف ولم يمت طبعا (١) والمراد بالمخلف المسلف ماله بالعدة، والمرزأ فى ماله بالكرم، والطبع أقوى الطمع وخبر إن قال الأخفش: هو محذوف تقديره مات، والبيت مذكور فى الكامل للمبرد، ورأيت هذه الأبيات فى ديوان أوس بخط على بن أبى الفتح بن جنى وكتبه، فإن ما تحذرين وكتب إن الذى جمع السماحة، وضبط بخطه الألمعى بالرفع، وقال: بظن لك الظن، وضبط المرزئ بكسر الزاى، وكتب لم تمنع بضعف بالتاء المثناة من فوق مفتوحة، وقول المصنف نحوه يحتمل أن يكون، لأنه من غير باب المسند إليه إن كان منصوبا بفعل وقد يكون، لأن هذا الوصف ليس كاشفا عن حقيقة الألمعى، بل يتضمن لازمها، فإن الألمعى هو الذكى المتوقد كما قال فى الصحاح، وذلك يستلزم هذا الوصف وعبارة الإيضاح ونحوه فى الكشف قال فى الإيضاح وكذا قوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (٢). قال الزمخشرى: الهلع شدة الجزع عند مس المكروه، وسرعة المنع عند مس الخير من قولهم: ناقة هلوع سريعة السير، وعن أحمد بن يحيى قال لى محمد بن عبد الله بن طاهر: ما الهلع؟ فقلت: قد فسره الله تعالى. اه. وهذا أيضا من غير باب المسند إليه. الثانى: أن يقصد تخصيصه بصفة تميزه. كقولك: زيد التاجر عندنا، فإنك ميزته عن غيره بهذا الوصف، وفى هذا المثال نظر لأن العلم متميز بنفسه لا يحتمل غير معناه، وقد يجاب بأنه قد يعرض له

стр. 217

٣ - أو مدحا أو ذمّا؛ نحو جاءنى زيد العالم أو الجاهل؛ حيث يتعيّن الموصوف قبل ذكره. ٤ - أو تأكيدا؛ نحو: أمس الدابر كان يوما عظيما. ــ الاشتباه لكونه علما على غيره أيضا، أو يفاد أنه إذا قصد بوصفه التخصيص يصير منكرا وينوى تنكيره كتنكير الأعلام؛ لكن لو صح هذا لكانت صفته نكرة، وليفرض ذلك فيما إذ لم يكن ثم زيد آخر هو تاجر، فإن كان حينئذ يحتاج إلى وصف آخر، ومن هذا النوع الفصول المذكورة فى الحدود، والسبب الأول أعم من الثانى، والذى يغلب أن صفة النكرة للتخصيص، وصفة المعرفة للبيان. الثالث: أن يوصف للمدح أو للذم، كقولك: زيد العالم أو الجاهل؛ حيث يكون زيد قد فهم المراد منه قبل ذكر الصفة، والمصنف قال: لكون الوصف مبينا أو مخصصا أو مدحا أو ذما، وكان ينبغى أن يقول: أو مادحا أو ذاما أو يقول: تبيينا أو تخصيصا ونحوه فى غير المسند إليه قوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١)، وقوله تعالى: هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ (٢) ونحوه فى الذم: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٣). الرابع: أن يفيد التأكيد، كقولك: أمس الدابر كان يوما عظيما، ويمكن أن يكون منه من غير باب المسند إليه: وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ (٤) قال السكاكى: ذكر لأن القصد إلى الجنس، قال الزمخشرى: معناه زيادة التعميم والإحاطة، وهو قريب من كلام السكاكى وكأنه يريد بزيادة التعميم قوة العموم، لا تكثير أفراد العام، أما قوله تعالى: وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ (٥)، فقال الزمخشرى: الاسم الحامل لمعنى الإفراد والتثنية دال على شيئين على الجنسية والعدد المخصوص، فإذا أريدت الدلالة على أن المعنى به منهما، والذى سيق له الحديث هو العدد، شفع بما يؤكده فدل به على القصد إليه والعناية به، ألا ترى أنك لو قلت: إنما هو إله ولم تؤكد بواحد لم يحسن وخيل أنك تثبت الإلهية، لا الوحدانية، قلت: قوله: التوكيد لا يعنى الاصطلاحى الذى هو أحد التوابع، بل يعنى المعنوى اللغوى،

стр. 218

توكيد المسند إليه: وأمّا توكيده، ف: ١ - للتقرير. ٢ - أو لدفع توهّم التجوّز، أو السهو، أو عدم الشمول. ــ ولعله يريد أنه نعت مؤكد مثل: نعجة واحدة، والسكاكى جعل اثنين عطف بيان، وفيه نظر، لأن عطف البيان كالصفة، فإذا امتنع أن يكون أحدهما كاشفا لهذا المعنى امتنع الآخر، ومن جهة أن عطف البيان غالبا لا يكون إلا عن معرفة، وإلهين نكرة، ولأن اثنين ليس أشهر من إلهين، وعطف البيان عند الجمهور يكون غالبا أشهر، إلا أن يقال: هو أشهر فى العدد من التثنية، ولأن عطف البيان لا يكون إلا معرفة على قول مشهور، وسيأتى الكلام على ذلك إن شاء الله، وقد بقى من أسباب الوصف أمور ذكرها فى التسهيل: منها الترحم مثل: زيد المسكين وهو قريب من معنى الذم والمدح، وكذلك الإبهام مثل: تصدقت صدقة كبيرة أو صغيرة، وفيه نظر، لأن الإبهام حاصل قبل الوصف، وكذلك التعميم مثل: أكرم الناس الرجال والنساء، وفيه نظر، لأن التعميم حاصل قبل الوصف، ولهذا أهمل المصنف ذلك كله، وإن ذكره الناس قبله. توكيد المسند إليه: ص: (وأما توكيده إلخ). (ش): من تعلقات المسند إليه أن يؤكده وذلك لأحد أسباب: الأول: إرادة التقرير نحو: قمت أنت وأنت قمت، وسيأتى فى باب تقديم الفعل أو تأخيره إن شاء الله تعالى، وبهذين المثالين مثل المصنف، وفيه نظر، لأن كلامه فى التأكيد الذى هو من التوابع وهذان المثالان ليسا كذلك، وقد اعترض هو على السكاكى بنحو ذلك فى كل رجل عارف. الثانى: دفع توهم المجاز نحو: جاء زيد نفسه، فإنه ينفى أن يكون جاء غلامه، كذا قالوه، وفيه نظر، أو السهو، كقولك: جاء زيد زيد؛ لأنه ينفى السهو، أو عدم الشمول، نحو: أخذت المال كله ينفى التجوز بالتخصيص أن يكون المراد به البعض، كذا قالوه (قلت): وفيه نظر، لأن ذلك قد لا يصرفه عن التجوز

стр. 219

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالتخصيص وغيره، ألا ترى إلى قوله:" فأحرموا كلهم إلا أبو قتادة لم يحرم" (١) كيف دخله التخصيص مع تأكيده؟ وكذلك: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ (٢) إن كان الاستثناء متصلا، وإن تخيل فى جوابه أن التأكيد مقدر حصوله بعد الإخراج، فالمؤكد إنما هو غير المخرج ورد بنحو قوله تعالى: وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها (٣) والاستغراق فيه متعذر، لأن آيات الله تعالى لا تتباهى، وبعد أن كتبت ذلك بحثا رأيته منقولا، قال الإمام فى البرهان: ومما زل فيه الناقلون عن الأشعرى ومتبعيه أن صيغة العموم مع القرائن تبقى مترددة، وهذا وإن صح يحمل على توابع العموم كالصيغ المؤكدة. اه، فقد صرح بأن التأكيد لا يرفع احتمال الخصوص؛ لكن وجدت ما قد يدل لما قالوه وهو قوله تعالى: يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ (٤) فى قراءة من نصب كله لأنه لو لم يعينه للعموم لما قابل هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ وهذا يدخل فى المجاز، لأن التخصيص مجاز قال السكاكى: ومنه كل رجل عارف وكل إنسان حيوان ورد عليه فى الإيضاح بأن كل هذه للتأسيس لا للتأكيد، فإنها مفيدة للشمول بخلافها فى قام الناس كلهم، فإن العموم مستفاد من غيرها، فلذلك أفادت التأكيد وهذا الذى قاله صحيح؛ إلا أن كلام السكاكى لعله يشير إلى ما قلناه من أن لفظ كل وإن أكدت لكنها لا تنفى إرادة التخصيص، بل تبعده لأنها صريحة فى العموم، بخلاف لفظ الناس المؤكد بها، فكأنه يقول: إفادة الناس كلهم العموم كإفادة كل إنسان فى القوة، وإن كانا قابلين للتخصيص فكأنها للعموم المؤكد، كما يقال: إن لتأكيد الإثبات، أو يقال: أراد أنها تؤكد دلالة النكرة على شائع فى جنسه، وإن أفادت الاستغراق فإن إنسانا دال على قيام رجل، فإذا قلت: كل إنسان تأكدت الدلالة على الواحد لأنها موجودة مع كل فرد من أفراده التى دل اللفظ عليها،

стр. 220

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أو يريد أن كل هذه أصلها كل الواقعة تأكيدا؛ لكنها قدمت، وفيه نظر، وإن مشى له ذلك فى المضافة لجمع فى نحو: كل الرجال فى الدار لا يمشى له فى المضافة لمفرد نكرة، مثل: كل رجل فى الدار لأنه ليس أصله رجل كله فى الدار، إما لامتناع تأكيد النكرة، وإما لأن التأكيد بكل إنما يكون لذى أجزاء، فإذا أردت بقولك: رجل كله فى الدار أجزاء الرجل الواحد، فهو معنى غير المعنى فى قولك: كل رجل فى الدار، ثم قال المصنف: إن محل كونها للتأسيس إذا أضيف لنكرة، مثل: كل حزب بما لديهم فرحون. (قلت): وهو يقتضى أنها لو أضيفت لمعرفة لا تكون مؤسسة لفائدة التعميم، مثل: كل الرجال قام، وليس كما قال بل هى للعموم مطلقا فى جزئيات ما دخلت عليه إن كان نكرة، أو فى أجزائه إن كان معرفة، هذا فى نحو قولك: كل زيد مثلا، أما نحو كل الرجال فهل تقول: الألف واللام هنا تفيد العموم وكل تأكيد لها، أو لبيان الحقيقة وكل تأسيس فيه احتمالان ذكرهما الوالد فى تصنيف له فى مسألة كل، ثم قال: ويمكن أن يقال: إن الألف واللام تفيد العموم فى مراتب ما دخلت عليه، وكل تفيد العموم فى أجزاء كل من تلك المراتب، فإذا قلت: كل الرجال أفادت الألف واللام استغراق كل مرتبة من مراتب جميع الرجال، وأفادت كل استغراق الآحاد كما قيل فى أجزاء العشرة، فيصير لكل منهما معنى وهو أولى من التأكيد، ومن هذا يعلم أنها لا تدخل على المفرد المعرف بالألف واللام إذا أريد بكل منهما العموم، وقد نص عليه ابن السراج فى الأصول، ومن هنا كثر دخولها على المضمر، وقد أدخلوها على ما فيه الألف واللام لقلة الفائدة فيه، والتزام التأكيد والمضمر سالم من ذلك لأن مدلوله الجمع؛ فإذا دخلت كل عليه أفادت كل فرد، قلت: ومن دخولها على الاسم المعرفة مفردا قوله تعالى: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ (١) وقوله ﷺ فى سنن الترمذى:" كل الطلاق واقع إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله" (٢).

стр. 221

بيان المسند إليه: وأمّا بيانه، ف: - لإيضاحه باسم مختصّ به؛ نحو: قدم صديقك خالد. ــ (تنبيه): المجاز فى نحو: قام زيد ثلاثة أقسام: أحدها: فى الحدث بأن تكون أطلقت قام وأردت مقدمات القيام. الثانى: فى الزمان بأن تكون أطلقت قام وأردت يقوم فى المستقبل. الثالث: فيهما بأن تطلقه على أنه سيتعاطى أسباب القيام وفى إسناده إلى فاعله الخاص المفرد احتمال مجاز رابع، وهو أن يكون الإسناد مجازا، وفيه إن كان عاما احتمال مجاز خامس، وهو أن يكون أريد الخصوص، فالمجازات الثلاثة الأول لا يدفعها التأكيد بالنفس والعين لأنهما تأكيدان للفاعل، لا للفعل إنما يدفع الأول المصدر المؤكد كما صرح به ابن عصفور وغيره على بحث فيه، ويدفع الثانى فيما يظهر الظرف وأما النفس والعين فإنما يدفعان الرابع، هو المجاز الإسنادى والخامس إنما يدفعه كل ونحوها، فليحمل كلامه على ذلك. فإذا أردت دفع المجازات الخمسة، فقل: قام الناس كلهم أنفسهم أمس قياما؛ فليتنبه لذلك. بيان المسند إليه: ص: (وأما بيانه إلخ). (ش): يؤتى بعطف البيان على المسند إليه لقصد إيضاحه باسم مختص به، نحو: صديقك خالد جاءنى، وجعل السكاكى من ذلك: لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ (١) وفيه نظر لما سبق. وأيضا قد فسر هو عطف البيان بذكر اسم مختص بالمسند إليه، واثنين ليس مختصا بالإلهين. وابن الحاجب يرى أن اثنين من: إلهين اثنين، صفة. وقولك: خالد ليس متعينا لعطف البيان؛ لجواز أن يكون بدلا. وقوله: (باسم مختص به) معكوس وصوابه باسم مختص به المسند إليه، إلا أن يجعل الضمير فى مختص للمسند إليه.

стр. 222

الإبدال من المسند إليه: وأمّا الإبدال منه، ف: - لزيادة التقرير، نحو: جاءنى أخوك زيد، وجاء القوم أكثرهم، وسلب عمرو ثوبه. ــ الإبدال من المسند إليه: ص: (وأما الإبدال منه إلخ). (ش): الإبدال من المسند إليه يكون لزيادة التقرير، وعبارته فى الإيضاح: زيادة التقرير والإيضاح، والظاهر أنه يريد به، ما صرح به صاحب المفتاح، من تكرر الحكم، وهذا إنما يصح إذا قلنا: إن العامل فى المبدل فعل مقدر، أما إذا قلنا: إن العامل فيه هو العامل، فى المبدل منه، فلا تكرار. ثم قد يورد عليهما، أنه إذا سلمنا أن البدل على نية تكرار العامل، وأن المراد بذلك تقدير عامل، فالتقرير حينئذ للحكم، فلا تجعل من أحوال المسند إليه. ويجاب عنه بأن تكرار الحكم، لم يحصل إلا لتقويته المسند إليه، ولزم منه تأكيد النسبة فإن قلت: قد جعل المصنف كلا من عطف البيان والبدل للتوضيح؛ لأنه قال فى الإيضاح: إن الإبدال يكون لزيادة التقرير والتوضيح، فاتحدا. قلت: إنما جعل عطف البيان لتوضيح خاص، وهو التوضيح باسم مختص به، وجعل البدل لتكرير الحكم المستلزم لمطلق الإيضاح. ثم قسمه المصنف إلى أقسام. بدل كل من كل، ويقال: شئ من شئ، وإليه أشار بقوله: نحو: جاء زيد أخوك. وبدل بعض من كل، أشار إليه بقوله: نحو: جاء القوم أكثرهم. وبدل اشتمال أشار إليه بقوله: سلب عمرو ثوبه، وهو مثال سبقه إليه الجرجانى، وابن الشجرى فى الجزء الأول من أماليه، ثم السكاكى، ثم بدر الدين بن مالك فى روض الأذهان وفيه نظر؛ لأن سلب يتعدى لمفعولين، تقول: سلبت زيدا ثوبه. قال الله تعالى: وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً (١) قال أبو البقاء وغيره سلب يتعدى لمفعولين، وشيئا هو الثانى. وقال الجوهرى: فى كل من الاستلاب والاختلاس أنه الآخر، وصرح فى المحكم بتعديهما لمفعولين، فقال: تقول: استلبته إياه واختلسته إياه. اه.

стр. 223

العطف على المسند إليه: وأمّا العطف، ف: ١ - لتفصيل المسند إليه مع اختصار، نحو: جاءنى زيد وعمرو. ــ فإذا بنيته للمفعول فقلت: سلب زيد، ينبغى أن تقول: ثوبه منصوبا فإن قلت: سلب زيد ثوبه على أن يكون ثوبه مرفوعا على بدل الاشتمال، صار معنى الكلام: سلب ثوب زيد، فتحتاج حينئذ لمفعول ثان، ويصير المعنى: سلب ثوب زيد بياضه مثلا، وهو معنى لا ينطبق على قولنا: سلب زيد، ثم إن المشتمل فى بدل الاشتمال هو الأول لا الثانى، والثوب مشتمل على زيد لا بالعكس، فلا يصح. نعم إن ثبت أن سلب يستعمل متعديا لمفعول واحد بمعنى أخذ، صح ذلك، والأولى التمثيل بقولك: أعجبنى زيد علمه. فان قلت: هلا ذكر بدل الغلط وبدل البداء؟ قلت: لأنهما كالمستقلين بأنفسهما عن المبدل منه، فلا نسبة بينهما يتكلم عليها، على أن فى ثبوت بدل الغلط فى كلام العرب خلافا ثم نقول: ليسا فصيحين، فليسا من موضوع هذا العلم. ومن البدل فى غير المسند إليه: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ (١) وهذه أقسام البدل لا غيرها بالاستقراء، وما يتوهم بعضهم من أن ثم قسما يقال له: بدل كل من بعض، فى نحو: رأيت القمر فلكه، وهم فإن وقع شئ من ذلك فى كلام معتبر، فهو بدل كل من كل، غايته أن البدل اشتمل على زيادة معنى ليس فى المبدل، وذلك لا ينافى البدلية، وهذا التخريج أحسن من حمله على بدل الغلط. وحكم المصنف بأن: جاء زيد أخوك، بدل، وأن جاء صديقك زيد، عطف بيان مع صلاحية كل منهما لهما. فيه نظر، ولا يصح الاعتذار بأن صديقك عام، فكان الخاص بيانا، وإذا عكس لم يتجه البيان؛ لأن العام فى هذا المثال أريد به الخاص، ولا يمتنع أن يقع العام المراد به الخاص بدلا ومبدلا منه. العطف على المسند إليه: ص: (وأما العطف إلخ). (ش): يريد عطف النسق، ويكون لأحد أشياء: الأول: أن يقصد تفصيل المسند إليه مع الاختصار، نحو: جاء: زيد، وعمرو، وبكر.

стр. 224

٢ - أو المسند كذلك؛ نحو: جاءنى زيد فعمرو، أو ثمّ عمرو، أو جاءنى القوم حتى خالد. ــ الثانى: أن يقصد تفصيل المسند مع اختصار، نحو: جاء زيد فعمرو؛ لأن عطفه بالفاء يقتضى إسناد فعلين إليهما، هكذا نقل عن سيبويه. وينبغى أن يسمى هذا تعدد المسند إليه والمسند معا، ويلزم من تعدد المسند إليه، تعدد المسند. ففى جاء زيد، وعمرو، ولا شك أنهما مجيئان؛ لاستحالة صدور الفعل الواحد من فاعلين؛ إلا إذا حصل التعاون فيه، مثل: حمل الصخرة زيد وعمرو وبكر على تكلف فيه، فإن كل واحد، إنما حمل بعضها؛ لكن يصدق أن حملها، فعل صدر من جماعة اشتركوا فيه، فأما قول سيبويه فى نحو: مررت بزيد وعمرو، أنه مرور واحد بهما، بخلاف مررت بزيد فعمرو، فسببه أن الفاعل واحد فيمكن فيه ذلك. وقد يقال: إنك إذا قلت: قام زيد وعمرو، فقد جردت من قيامهما حقيقة كلية واحدة، أخبرت بها، ولذلك كان العامل فى المعطوف عليه، هو العامل فى المعطوف، ولا يتضح هذا المعنى فى العطف فى الفاء؛ لأن الترتيب ينفى إرادة الحقيقة الكلية؛ وإن كان يمكن القول به بأن يخبر بالقيام، ويريد به ما يشمل القيامين معا، وكذلك يتعدد المسند إذا كان العطف بثم، أو حتى، غير أنه لا بد فى حتى من تدريج. قال المصنف: كما ينبئ عنه قول الشاعر: وكنت فتى من جند إبليس فارتمى ... بى الحال حتى صار إبليس من جندى فلو مات قبلى كنت أحسنت بعده ... طرائق فسق ليس يحسنها بعدى (١) وأورد على المصنف أن حتى هذه ليست عاطفة. (قلت): لا يخفى على المصنف ذلك؛ لكنه أراد أن يمثل لدلالة حتى على التدريج، وهى تدل عليه عاطفة كانت، أم غير عاطفة، ولهذا قال: كما ينبئ عنه قوله، ولم يقل: ومنه قوله. أو يكون بناء على أن حتى تعطف الجمل؛ لكن فيه بعد؛ لأن ارتمى بى الحال، لا يستقل بمعنى الكلام.

стр. 225

٣ - أو ردّ السامع إلى الصواب؛ نحو: جاءنى زيد لا عمرو. ٤ - أو صرف الحكم إلى آخر؛ نحو: جاءنى زيد بل عمرو، وما جاءنى عمرو بل زيد. ٥ - أو الشكّ أو التشكيك للسامع؛ نحو: جاءنى زيد أو عمرو. فصل (١) المسند إليه: وأما فصله، ف: - لتخصيصه بالمسند. ــ الثالث: أن يقصد رد السامع من الخطأ إلى الصواب، كقولك: جاءنى زيد لا عمرو، ولمن اعتقد مجئ عمرو فقط، أو مشاركته لزيد، كذا قالوه، وفيه نظر: لأن من اعتقد مجئ عمرو فقط، حصل رده عن الخطأ بقولك: جاء زيد، وقولك: ما جاءنى زيد، لكن عمرو، لمن اعتقد مجئ زيد، دون عمرو، وكذلك العطف ببل. الرابع: أن يقصد الشك، أو التشكيك، نحو: جاء زيد أو عمرو، أو إما زيد أو إما عمرو أو إما زيد وإما عمرو وزاد فى الإيضاح: أو أن يقصد إبهام نحو: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢) ولك أن تقول: هذا تقريب من التشكيك، أو الإباحة، أو التخيير. والفرق بينهما أن الإباحة لا تمنع كلا منهما، مثل: جالس الحسن، أو ابن سيرين، والتخيير يمنع نحو: خذ من مالى درهما، أو دينارا وانكح هذه الأخت، أو هذه. وفيه نظر سنذكره فى باب الأمر. واعلم أن لحروف العطف السابقة استعمالات أخر، مذكورة فى علم النحو، تركناها لأنا نذكر فى هذا العلم ما يتعلق بمعانى الحروف، لا ما يتعلق بحروف المعانى. فإن أحكام الحروف واستعمالاتها من موضوع علم النحو، وأيضا فالظاهر أن تلك الاستعمالات غير فصيحة. فصل (٣) المسند إليه: ص: (وأما الفصل فلتخصيصه بالمسند). (ش): المراد: فصل المبتدأ من الخبر بضمير الفصل، ويحتمل أن يريد: وأما إتيان ضمير الفصل، والفصل هو صورة ضمير واقع بين المبتدأ والخبر، أو ما أصلهما كذلك،

стр. 226

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهو الذى يسميه الكوفيون: عمادا، وبعضهم يسميه: دعامة، والبصريون: فصلا، والمنطقيون: رابطة، وله أحكام يطول ذكرها. وفائدته كما ذكره المصنف إفادة اختصاص المسند إليه بالمسند، فإذا قلت: زيد هو القائم، معناه أنه لا قائم غيره، وقد صرح به الزمخشرى، عند قوله تعالى: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١) واستدل له السهيلى، بأنه أتى به فى كل موضع ادعى فيه نسبة ذلك المعنى إلى غير الله تعالى، ولم يؤت به حيث لم يدع، وذلك فى قوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٢) إلى آخر الآية، وذكر نحوه التنوخى، غير أنه جعل الضمير للتأكيد، ولم يذكر الحصر. وفيما قالاه نظر؛ لقوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا (٣) مع قوله: وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٤) فالإحياء خلق، وإن كان الخلق لم ينسبه أحد لغير الله تعالى فقد أتى فيه بضمير الفصل فى قوله سبحانه: وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا على خلاف ما زعماه، وإن كان الإماتة والإحياء قد نسبا لغير الله تعالى، كما تضمنه قول النمرود: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ (٥) فقوله تعالى: وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ لم يؤكده بالفصل مع أنه منه. ثم ما قالاه ليس بصحيح؛ لأن هذا الضمير، لا يصح إعرابه فصلا؛ لأن الفصل لا يقع قبل خبر هو فعل ماض، وقد توجد دلالة الفصل على الحصر من مواضع من القرآن، منها قوله تعالى: فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ (٦) لأنه لو لم يكن للحصر، لما حسن؛ لأن الله لم يزل رقيبا عليهم، وإنما الذى حصل بتوفيه أنه لم يبق لهم رقيب غير الله تعالى، وينبغى لهذا أن يتعين إعرابه فصلا. ومنها قوله تعالى: لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (٧) فإنه ذكر لتبيين عدم الاستواء، وذلك لا يحسن، إلا بأن يكون الضمير للاختصاص، وبهذا تعين إعراب هم هنا فصلا، لا تأكيدا، ولا مبتدأ ثانيا إلا أن يقال فى هذا كله: إن الحصر يحصل من تعريف الخبر، ومثل فى الإيضاح بقولك: زيد هو يقوم. وليس بصحيح؛ لأنه ليس بفصل؛ لأن بعده فعلا مضارعا. وأما المصنف والبيانيون فاتبعوا فيه الجرجانى، فإنه ذكر ذلك فى شرح

стр. 227

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الإيضاح، والجمهور على خلافه، ومما يدل على الحصر أيضا، قوله تعالى: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (١) وقوله تعالى: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ (٢) لأن الإنكار فى الآيتين لا يحصل إلا بالحصر. (تنبيه): فائدة الحصر غير منحصرة فى التخصيص، بل يفيد أيضا التأكيد، كما صرحوا به، ويفيد أيضا الدلالة على أن ما بعده خبر لا صفة، على خدش فى ذلك محله علم النحو؛ لأن هذه الفائدة من حظ النحوى، لا من حظ البيانى. وهذه الفوائد الثلاث، ذكرها الزمخشرى عند الكلام على قوله تعالى: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣). (تنبيه): قال ابن الحاجب فى شرح المفصل: إن الفصل ضمير مؤكد لما قبله، وقال فى أماليه: إن ضمير الفصل ليس تأكيدا؛ لأنه لو كان، فإما أن يكون لفظيا، أو معنويا، لا جائز أن يكون لفظيا؛ لأن اللفظى إعادة اللفظ الأول، مثل: زيد زيد، أو معناه مثل: قمت أنا، والفصل ليس هو المسند إليه، ولا معناه؛ لأنه ليس مكنيا به عن المسند إليه، ولا مفسرا له، ولا جائز أن يكون معنويا؛ لأن المعنوى التأكيد بألفاظ محصورة، كالنفس والعين. (تنبيه): وما قاله من كون الفصل، لا يعود لما قبله حسن دقيق، ولا سيما إذا قلنا: إن الفصل حرف، غير أنه قد يخدش فيه، أنه يشترط مطابقته له فى إفراد، وتثنية، وجمع، إلا أن يقال: حوفظ على المطابقة الصورية. وأما قوله: إنه ليس تأكيدا، ففيه نظر، ولا يسلم أن التأكيد منحصر فيما ذكره؛ لأن التأكيد الذى ذكره هو التوكيد الذى تكلم عليه النحاة فى باب التابع؛ ولكنه تأكيد باصطلاح الأصوليين وأهل المعانى، وهذا كما أن التأكيد يكون بأن واللام. وكأنه توهم أن المراد: أن الفصل تأكيد للمسند إليه، وليس كذلك، بل هو تأكيد للجملة، كما قدمناه فى أوائل هذا الشرح. وبمجموع ما ذكرناه، وما ذكره ابن الحاجب، اتجه إشكال فى قول النحاة: إن الفصل لا يجتمع مع التأكيد، فلا يقال: زيد نفسه هو القائم؛ لأنا نقول: نفسه تأكيد

стр. 228

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ للمبتدأ لا للجملة، فلم يجتمع تأكيدان على شئ واحد. ثم ما المانع من اجتماع التأكيد والفصل، وأنت تقول: جاء زيد نفسه عينه، وجاء زيد نفسه، ولا حاجة بعد ثبوت كلمتين فى استعمالين إلى سماعهما من العرب مجتمعين؟ ولهذا تقول: جاء الزيدون كلهم أجمعون أكتعون أبصعون أبتعون، من غير توقف على ورود السماع بها مجتمعة. واعلم أن الفصل اتفق جمهور النحاة على أنه حرف لا اسم، والقائلون بأنه اسم، أكثرهم على أنه لا محل له من الإعراب، والقائلون بأن له محلا، منهم الكسائى قال: إن محله باعتبار ما قبله، والفراء قال: باعتبار ما بعده. فما ذكرناه من أنه تأكيد للحكم على قول الجمهور: إنه حرف، أو اسم، ولا موضع له. وإن قلنا بمذهب الكسائى، أنه اسم محل إعرابه ما قبله، فقد قال ابن مالك فى شرح التسهيل: إنه يجعله تأكيدا لما قبله، وإنه باطل، والذى أفهمه من هذا القول، أنه إنكار لحقيقة الفصل بالكلية، وادعى أن ما يسميه غيره فصلا نوع من أنواع التأكيد اللفظى، وأنه توكيد للظاهر بالمضمر؛ ولذلك كان باطلا؛ لأن غيره لا يجيز تأكيد الظاهر بالمضمر وإذا كان كذلك، فلا يرد علينا حينئذ مذهب الكسائى؛ لأنه إنكار للفصل، ولم يثبت لنا من أثبت الفصل وجعله تأكيدا للمسند إليه فلم يبق إلا قول الفراء: إن له اعتبار ما بعده، وهو مذهب شاذ، لا علينا منه، وليس يلزمه من إعطائه اعتبار ما قبله، أن يكون تأكيدا له فليتأمل. وأما قول الخطيبى فى شرح المفتاح: إن الفصل تأكيد للمسند إليه؛ لأن إعرابه إعراب المسند إليه على المختار، فليس بصحيح، واختياره ذلك لا يرجع إليه فيه. (تنبيه): قول المصنف: تخصيصه، أى: تخصيص المسند إليه، بالمسند، وهذه العبارة هى الصواب. وأما قول السكاكى فى المفتاح: تخصيص المسند بالمسند إليه فهو سهو منه فليتأمل. وقال الطيبى فى التبيان: الفصل لتخصيص المسند بالمسند إليه، أو عكسه، وهو وهم أيضا. والظاهر أنه وجد كلا من العبارتين فى كلام المصنفين، فجمع بينهما توهما أنهما صحيحتان، إلا أن يريد ما ذكرناه من تخصيص الأول بالثانى بكل حال. ويعنى بالمسند إليه: الاسم الجامد، وبالمسند: المشتق، تقدم أو تأخر، فقولك: زيد هو

стр. 229

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ القائم، تخصيص المسند إليه وهو زيد، بالقائم وهو المسند؛ لأن معناه ما القائم إلا زيد، وقولك: القائم هو زيد، تخصيص المسند وهو القائم، بالمسند إليه وهو زيد؛ لأن المخصص أبدا هو الأول؛ والمخصص به هو الأخير؛ لكن القول بأن الصفة هى المبتدأ تقدمت، أو تأخرت، خلاف قول الجمهور. والراجح أن السابق من المعرفتين مبتدأ، واللاحق خبر. (تنبيه): ترتب على عبارة السكاكى، وهو قوله: إن الفصل لتخصيص المسند بالمسند إليه فساد وهو أن المشايخ: ناصر الدين الترمذى، وشمس الدين الخطيبى، وعماد الدين الكاشى، أوردوا فى شروحهم للمفتاح سؤالا، وهو أن الفصل إذا كان لتخصيص المسند بالمسند إليه، فهو صفة المسند لا المسند إليه؛ لأن تخصيص المسند صفة للمسند ثم اختلفوا فى جوابه، فأجاب الترمذى: بأن الفصل يقترن أولا بالمسند إليه، ثم بواسطة اقترانه به، يحصل تخصيص المسند به، ورد الخطيبى هذا الجواب: بأن لا نسلم أن اقترانه بالمسند إليه بحسب المعنى الذى هو التخصيص؛ بل اقترانه بحسب التخصيص بهما على السواء. وإنما يقترن بالمسند إليه أولا بحسب اللفظ، ولا اعتبار للاقتران اللفظى. وأجاب الكاشى: بأن فائدة الفصل بالذات موصوفية المسند إليه بالمسند دون غيره، ويلزم منه تخصيص المسند بالمسند إليه، ورده الخطيبى، بأن فائدة الفصل بحسب اللفظ: أن يعلم أن ما بعده خبر، وبحسب المعنى: تخصيص المسند، وعلى التقديرين: فائدته ترجع بحسب الذات إلى المسند، وأن قوله: فائدة الفصل موصوفية المسند إليه بالمسند ممنوع، ولم لا تكون فائدته، كون المسند صفة للمسند إليه دون غيره؟ اه. وأجاب الخطيبى المشار إليه بأن الفصل عبارة عن المسند إليه ومؤكد له؛ لأنه فى المعنى تكرار له، وإعرابه إعراب المسند إليه على المختار، ويدل على أن المسند إليه معنى يوجد فيه المسند، ولا يوجد فى غيره؛ فلذلك جعل الفصل من الاعتبار الراجع إلى المسند إليه. (قلت): قد بنوا هذا السؤال على ظنهم صحة قول السكاكى: فائدة الفصل تخصيص المسند بالمسند إليه. وقد ذكرنا أنها فاسدة، فلا محل للسؤال بالكلية، ولزم منه فساد الأجوبة السابقة، فإنها مبنية على فساد.

стр. 230

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثم فى كلامهم السابق نقود كثيرة، منها قول الخطيبى: إن الاقتران اللفظى، لا أثر له فى جعل الفصل من أحوال المسند إليه. وليس كما قال، بل الاقتران اللفظى بأحد الطرفين، إذا كان المعنى بالنسبة إليهما على السواء، يرجح به، وربما رجح به مع التفاوت فى المعنى، ألا ترى أن قولك: القائم زيد، يكون القائم هو المبتدأ والمسند إليه لسبقه لفظا؟ ثم إن الخطيبى ناقض هذا الكلام فى بحثه مع الكاشى، واعتبر قول النحاة: إن فائدة الفصل بيان أن ما بعده خبر، وذلك اعتبار لفظى أيضا. ومنها قول الخطيبى: الفصل عبارة عن المسند إليه، ومؤكد له، وتكرار له، وإعرابه إعرابه، كل ذلك ممنوع. (قوله: ويدل على أن المسند إليه معنى يوجد فى المسند، ولا يوجد فى غيره) معارض بأن يقال: هو معنى يوجد فى المسند إليه، ولا يوجد فى غيره، كما فعل هو فى جواب الكاشى سواء بسواء. وإذا تقرر فساد هذا السؤال وجوابه؛ فلنذكر نحن السؤال على التحقيق، بالعكس مما ذكروه، ونقول: الأولى أن يجعل الفصل من الاعتبارات الراجعة إلى المسند إليه أو إلى المسند أو إلى الاسناد ولا شك أن هذا يلتفت عن أن تأكيد الفصل للجملة أو للمفرد، فمقتضى ما سبق أن يقال: للفصل ثلاث فوائد: التأكيد، والتخصيص، وأن ما بعده خبر. فإن نظر للفائدة الأولى فأولى أن يجعل من اعتبارات الإسناد؛ لأنه توكيد للحكم، كما جعل التأكيد بأن من اعتباراته. ودخوله فى وسط الكلام لا ينافى ذلك، كما أن لام الابتداء تدخل بين المسند إليه والمسند، والتأكيد بها من اعتبارات الإسناد، كما سبق. وإن نظرنا إلى فائدة التخصيص، فالأولى أن يجعل من اعتبارات المسند إليه، لأن الفصل تخصيص المسند إليه بالمسند، فالفصل مخصص بالكسر، والمسند إليه مخصص بالفتح، والمسند مخصص، فأثر الفصل معنى يتعدى منه إلى المسند إليه، ويصير قائما بالمسند إليه فعلم أن نسبته إلى المسند إليه أولى. ولما كان المصنف وغيره من أهل هذا العلم، إنما عولوا على أن فائدة الفصل التخصيص، ولم يعولوا على التأكيد، جعلوه من أحوال المسند إليه. وإن نظرنا إلى الفائدة الثالثة، وهى أن ما بعده ليس تابعا؛ صح أن يجعل من أحوال المسند إليه؛ لأنه يسرع إعطاءه لخبره، وصح أن يجعل من أحوال المسند؛ لأنه يبين خبريته.

стр. 231

رابعا: تقديم المسند إليه ، وتأخيره: تقديم المسند إليه: وأما تقديمه: فلكون ذكره أهمّ: ١ - إمّا لأنه الأصل ولا مقتضى للعدول عنه. ٢ - وإمّا ليتمكّن الخبر فى ذهن السامع؛ لأنّ فى المبتدأ تشويقا إليه؛ كقوله [من الخفيف]: والّذى حارت البريّة فيه ... حيوان مستحدث من جماد ــ تقديم المسند إليه: ص: (وأما تقديمه فلكون ذكره أهم إلخ). (ش): تقديم المسند إليه يكون لأحد أمور: الأول: انه الأصل، ولا مقتضى للعدول عنه. (قلت): يريد التقديم المعنوى، فإن المسند إليه محكوم عليه، والمحكوم عليه متقدم فى الذهن على المحكوم به. وإن أراد التقديم اللفظى فذلك يختلف، فإن الأصل فى المسند إليه التقديم، إن كانت الجملة اسمية، والتأخير إن كانت فعلية، إلا إذا قلنا: إن الفاعل فرع، والمبتدأ أصل، فإنه حينئذ أصله التقديم. فما ذكره المصنف لا يأتى على القول بأن الفاعل أصل. الثانى: أن يتمكن الخبر من ذهن السامع؛ لأن فى المبتدأ تشويقا إليه، كقول المعرى: والّذى حارت البريّة فيه ... حيوان مستحدث من جماد (١) قال البطليوسى فى شرح سقط الزند: معناه مقصود به الإنسان، والحيرة الواقعة فيه، من قبيل اتصال النفس بالجسم، إذ النفس جوهرية والجسم عرض؛ فلذلك يعدم الجسم الحياة، إذا فارقته النفس، والحيرة الواقعة فى نياطها به. وقيل: معناه أن الله خلق طائرا فى بلاد الهند، اسمه فقنس، يضرب به المثل فى البياض، وله منقار طويل، وهو حسن الألحان، يعيش ألف سنة، ثم يلهمه الله الموت، فيجمع

стр. 232

٣ - وإمّا لتعجيل المسرّة أو المساءة؛ للتفاؤل أو التطيّر؛ نحو: سعد فى دارك، والسّفّاح فى دار صديقك. ٤ - وإمّا لإيهام: - أنه لا يزول عن الخاطر. - أو أنه لا يستلذّ إلّا به. وإمّا لنحو ذلك. ــ الحطب حواليه، ويضرب بجناحيه الحطب؛ فتخرج نار، فيشتعل، فيحترق، فيخلق الله من رماده بعد مدة مثله. وهذا القول الثانى لغير البطليوسى. وقيل: أراد آدم ﷺ وقيل: أراد ناقة صالح، وقيل: عصا موسى ﷺ ومثل ذلك السكاكى بقولك: صديقك الفاعل، الصانع، صدوق، تريد بالفاعل الصانع: معناه من صفات مدح تذكر، لا تريد هذا اللفظ؛ فإنه يستعمل غالبا فى الذم، كما أشار إليه الزمخشرى، فلا يرد على السكاكى فساد هذا المثال. نعم قد يقال: إن التشويق هنا، إنما حصل للمبتدأ من ذكر الصفات قال السكاكى: إن التشويق إلى الخبر، إنما حصل من كون المبتدأ موصولا، وهو واضح؛ لأن الصلة وهى حيرة البرية فيه، شوقت إليه، فاستدعت موصولا يجرى عليه. والمصنف جعل فى الإيضاح هذا القول خلاف الأولى، وفيه نظر ولم يرد السكاكى حصر التشوق فى كون المبتدأ موصولا؛ بل كونه موصولا، يقتضى ذكر صلة تتشوق النفس بها إلى المسند. الثالث: أن يقصد تعجيل المسرة، إن كان فى ذكر المسند إليه تفاؤل، نحو: سعد فى دارك، أو المساءة إن كان فيه ما قد يتطير به، مثل: السفاح فى دار صديقك. وإن شئت فقل: السفاح فى دار عدوك للتفاؤل، وسعد فى دار عدوك للتطير. والسفاح لقب عبد الله بن محمد أول خلفاء بنى العباس، يقال: سفحت دمه أى: سفكته. وقول المصنف: (تعجيل المسرة) أحسن من قول المفتاح؛ لأنه يتفاءل به، لأن التعجيل هو المناسب للتقديم لا التفاؤل، لأنه يحصل بآخرة أيضا. الرابع: إيهام أن المسند إليه منك على ذكر، فلا يعزب عن خاطرك، كقولك الله ربى. الخامس: إيهام أنك تستلذ بذكره فلا تقدم غيره عليه (قوله: وإما لنحو ذلك) قال المصنف فى الإيضاح: قال السكاكى: وأما لأن كونه متصفا بالخبر هو المطلوب

стр. 233

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا نفس الخبر، كما إذا قيل لك: كيف الزاهد؟ فتقول: الزاهد يشرب ويطرب. وأورد عليه أن قوله: (لا نفس الخبر) يشعر بتجويز أن يكون المطلوب بالجملة الخبرية نفس الخبر، وهو باطل؛ لأن نفس الخبر تصور لا تصديق، والمطلوب بها إنما يكون تصديقا. وإن أراد بذلك وقوع الخبر مطلقا، فغير صحيح؛ لأن العبارة عن مثله، لا يتعرض فيها إلى ما هو مسند إليه، كقولك: وقع القيام. (قلت): وما ذكره ضعيف، لأن السكاكى لم يرد أن نفس الخبر منفكا عن الحكم مقصود، حتى يقول: هو تصور. وإنما قيل فى كلامه: إن المراد أن المسند إليه، يستدعى مسندا، غير معين. فإذا لم يقصد مطلق الإخبار عنه بل الإخبار عنه بأمر مستغرب خلاف ما فى الذهن، قدم المسند إليه؛ ليظن حال النطق أن المسند ليس المسند إليه، فيكون ذكره بعد ذلك، أوقع فى النفس لغرابته؛ ولذلك مثله بقولك: الزاهد يشرب؛ لأنه يستغرب الحكم على الزاهد بذلك، ولو قلت: يشرب الزاهد، لسرى الذهن إلى أن المسند إليه ليس زاهدا. وقيل: مراده أن يقصد الإنصاف الدائم، لا مجرد وقوع الفعل. فإن قوله: الزاهد يشرب يشير إلى الحالة الدائمة بخلاف قوله: يشرب الزاهد لا يعطى إلا مجرد الفعل كذا قيل وفيه نظر؛ لأن يشرب أيضا قد يعطى التكرار لكونه فعلا مضارعا كما سيأتى إلا أن يقال: إن دلالة المضارع على التكرار إنما هى إذا وقع خبرا، كما هو ظاهر كلام الزمخشرى. وينبغى أن تمثل بقولك: يشرب الزاهد؛ لدلالة الجملة الاسمية على الثبوت، والفعلية على التجدد. ويحتمل كلامه وجها ثالثا: وهو أن يكون المراد، أنه إذا علم صدور المسند فى الجملة؛ ولكن لم يعلم المسند إليه، قدم المسند إليه؛ ولهذا قال: لا نفس الخبر، فإن الخبر معلوم الوقوع، وإنما قصد إيقاعه على شخص خاص. قال السكاكى: أيضا يقدم؛ لأنه يفيد زيادة تخصيص، كقوله: متى تهزز بنى قطن تجدهم ... سيوفا فى عواتقهم سيوف جلوس فى مجالسهم رزان ... وإن ضيف ألمّ فهم (١) خفوف (٢)

стр. 234

رأى عبد القاهر: قال عبد القاهر: وقد يقدّم ليفيد تخصيصه بالخبر الفعلى إن ولى حرف النفى؛ نحو: ما أنا قلت هذا، أى: لم أقله مع أنه مقول غيرى؛ ولهذا لم يصحّ: (ما أنا قلت ولا غيرى)، ولا: (ما أنا رأيت أحدا) ولا: (ما أنا ضربت إلا زيدا)؛ وإلّا فقد يأتى للتخصيص؛ ردّا على من زعم انفراد غيره به، أو مشاركته فيه؛ نحو: (أنا سعيت فى حاجتك). ويؤكّد على الأوّل بنحو: لا غيرى خ خ، وعلى الثانى بنحو: وحدى خ خ. وقد يأتى لتقوية الحكم؛ نحو: (هو يعطى الجزيل)، وكذا إذا كان الفعل منفيّا؛ نحو: (أنت لا تكذب)؛ فإنه أشدّ لنفى الكذب من: (لا تكذب)، وكذا من: (لا تكذب أنت)؛ لأنه لتأكيد المحكوم عليه لا الحكم. وإن بنى الفعل على منكّر، أفاد تخصيص الجنس أو الواحد به؛ نحو: رجل جاءنى، أى: لا امرأة، ولا رجلان ". ــ والخفوف: جمع خاف بمعنى خفيف، ورزان جمع رزين، فإن المعنى: هم خفوف. قال المصنف: فى مطابقة الشاهد للتخصيص نظر؛ لما سيأتى من أن ذلك مشروط بكون الخبر فعليا. فإن قلت: الفعلى أعم من الفعل فسنتكلم عليه إن شاء الله. قال: وقوله: (هم خفوف) تفسير للشئ بإعادة لفظه. (قلت): إنما أريد تفسير معنى، لكن على كل تقدير ما قاله السكاكى فيه نظر؛ لأنه إن أفاد ذلك، ففائدته تخصيص لا زيادة تخصيص. وقد جوز بعضهم فى كلام السكاكى؛ أنه يريد تخصيص المسند بالمسند إليه، لا تخصيص المسند إليه بالمسند. معناه: لن يكونوا إلا خفافا، يقرب به زيادة التخصيص؛ لأن الخفة لا رزانة معها، فلو قيل: خفوا، دل على نفى الرزانة، فلما قدم المسند إليه؛ تأكد ذلك الاختصاص. وذكر السكاكى من أسباب التقديم: أن يكون ضمير شأن، أو قصة، وتركه المصنف؛ لأنه يدخل فى إرادة التشويق. رأى عبد القاهر: ص: (عبد القاهر: وقد يقدم ليفيد تخصيصه بالخبر الفعلى إلخ). (ش): عبد القاهر الجرجانى قال: قد يقدم المسند إليه؛ ليفيد تخصيصه بالخبر الفعلى، وذلك قسمان:

стр. 235

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أحدهما: أن يكون مثبتا، وقدمنا هذه الحالة، وإن أخرها المصنف؛ لأن عليها تنبنى حالة النفى، فيكون تفريعا على قول الجرجانى: إما أن يكون المسند إليه معرفة، أو نكرة. فإن كان معرفة، فإما أن يكون المسند أيضا مثبتا، أو منفيا. إن كان مثبتا فقسمان: الأول: أن يراد به التخصيص نحو: أنا قمت، وأنا سعيت فى حاجتك، معناه: ما قام إلا أنا، وما سعى فى حاجتك غيرى، فهو يدل على نسبة الفعل إليه بالمنطوق، ونفيه عن غيره بالمفهوم، وقد يستدل لهذا بقوله تعالى: بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (١) فإن ما قبلها من قوله تعالى: أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ ولفظ: بل المشعر بالإضراب يقتضى أن المراد: بل أنتم لا غيركم. فإن المقصود من الآية الكريمة إنما هو: نفى فرحه ﷺ بالهدية، لا إثبات الفرح لهم بهديتهم فليتأمل. وهذا قد يأتى ردا على من زعم مشاركة غيره فيه ويؤكد حينئذ بنحو: وحدى، أو فقط، وقد يأتى ردا على من زعم انفراد غيره به، ويؤكد حينئذ بلا غيرى غير أن التقديم فى الأول حصل به الرد، والتقديم فى الثانى حصل الرد بغيره، فكأنه رد عليه، وزاد هذا ظاهر عبارة المصنف. ويحتمل أن يقال: إن كان التخصيص إنما يحصل من الرد، فإنما يكون التخصيص فى الأولى، والصورة الثانية لا تخصيص فيها؛ لحصول الرد بدونه. وعلى الأول قال المصنف: إنما اختص كل بوجه من التأكيد، لأن جدوى التأكيد إماطة الشبهة الواقعة فى قلب السامع، وكانت الشبهة فى الثانية: أن الفعل صدر من غيرك فناسب أن يقال: لا غيرى، وكانت فى الأولى، أنه صدر منك ومن غيرك، ومعناه لم تفعله وحدك، فناسب أن يقال: وحدى؛ لأن التأكيد مما يدل على المقصود بالمطابقة لا بالالتزام، ومنه قوله تعالى: لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ (٢) أى لا يعلمهم إلا نحن. القسم الثانى: أن يراد به تقوية الحكم نحو: هو يعطى الجزيل، لا يريد أن غيره ليس كذلك؛ بل أن يقوى فى ذهن السامع، أنه يفعل ذلك. وعلل المصنف تقوية الحكم، بأن المبتدأ من حيث كونه مبتدأ، يستدعى أن يسند إليه شئ، فإذا جاء

стр. 236

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بعده ما يصلح أن يستند إليه، صرفه إلى نفسه، فينعقد بينهما حكم. وربما استمر ذلك، أو يتبين فساده، كقولك: زيد قام أبوه. فإن زيدا يصرف إلى نفسه قبل أن يسمع قوله أبوه. فلا شك أن المبتدأ يصرف ما بعده إلى نفسه، ثم إذا كان فيه ضميره صرفه ذلك الضمير إليه ثانيا، بمعنى أنه قوى الدلالة على صرفه إليه، وحاصله أن الضمير يعين ما كان ظاهرا، ومما يدل على إفادة التأكيد، أن هذا يأتى فيما سبق فيه إنكار، نحو أن يقول الرجل: ليس لى علم بهذا، فتقول: أنت تعلم أن الأمر كذلك، وعليه قوله تعالى: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١) وفيما اعترض فيه شك، نحو أن يقال: كأنك لا تعلم ما صنع فلان، فتقول: أنا أعلم، وفى تكذيب مدع نحو: وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ (٢) وهو من الأول، وكثيرا ما يستعمل ذلك فى الوعد، والوعيد، والمدح، والافتخار. وقد علم من ذلك أن كل واحد من قسمى الاختصاص والتأكيد، غير متميز عن الآخر، إلا بما يقتضيه الحال وسياق الكلام. القسم الثانى: من قسمى المسند إليه المثبت المعرفة: أن يكون المسند منفيا نحو: أنت لا تكذب، فإنه أبلغ لنفى الكذب من قولك: لا تكذب، ومن قولك: لا تكذب أنت؛ لأنه تأكيد المحكوم عليه لا الحكم، وعليه قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٣) فإن فيه من التأكيد ما ليس فى: والذين لا يشركون بربهم، أو: والذين بربهم لا يشركون، وقوله تعالى: فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (٤) وهذا يفيد التأكيد والتقوية قطعا: وهل يفيد التخصيص عند الشيخ فيه ما سيأتى؟ وقولهم: فى مثل هذا تخصيصه بالخبر الفعلى لا يقال عليه: إنما حصل تخصيصه بنفى الخبر الفعلى؛ لأن المسند منفى، فإنا نقول: القيام المخبر به مثلا، قد يخبر بنفيه، وقد يخبر بإثباته، وكلاهما خبر فعلى. القسم الثانى من قسمى المسند إليه: أن يكون نكرة، نحو: رجل جاءنى، وهو للتخصيص عند الشيخ، وذلك على حالتين: إحداهما: أن يراد به تخصيص الجنس، كما إذا كان المخاطب عرف أنه قد أتاك آت، وهو لا يدرى جنسه، فتقول: رجل جاء أى: لا امرأة.

стр. 237

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والثانية: أن يراد به تخصيص واحد من الجنس، بأن يكون عرف أنه من جنس الرجال، ولا يدرى وحدته، فتقول: رجل جاءنى، أى: لا رجلان، ثم إذا وقع المسند فى هذا القسم منفيا، كان كوقوعه منفيا فى القسم قبله. القسم الثانى من القسمة الأولى: أن يكون المسند إليه قد ولى حرف النفى، نحو: ما أنا قلت هذا، وهو القسم الأول فى كلام المصنف، أى: لم أقله مع أنه مقول، فأفاد نفى الفعل عنك، وثبوته لغيرك، فلا تقول ذلك إلا فى شئ ثبت أنه مقول، وتريد نفى كونك قائلا له، ومنه فى اسم الفاعل قوله تعالى: وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (١) وفى الفعل قول النبى ﷺ :" ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم" (٢) وقال المتنبى: وما أنا أسقمت جسمى به ... ولا أنا أضرمت فى القلب نارا (٣) المعنى: أنه ليس الجالب للسقم؛ بل غيره جلبه، ولذلك لا يصح: ما أنا فعلت، ولا أحد غيرى، لمناقضة منطوق الثانى مفهوم الأول. ولا يقال: ما أنا رأيت أحدا من الناس ولا: ما أنا ضربت إلا زيدا، بل يقال: ما رأيت أنا أحدا من الناس، وما ضربت أنا إلا زيدا؛ لأن المنفى فى الأول الرؤية الواقعة على كل واحد، وفى الثانى الضرب الواقع على سوى زيد، وقد سبق أن ما يفيد التقديم ثبوته لغير المذكور، وهو ما نفى عن المذكور، فيكون الأول مقتضيا لأن إنسانا غير المتكلم قد رأى كل الناس، والثانى مقتضيا لأن إنسانا غير المتكلم ضرب غير زيد، وكلاهما محال. (قلت): وفيه نظر؛ لأن ما اقتضاه: ما أنا ضربت أحدا من عدم ضربه العام واضح؛ لأن أحد نكرة فى سياق النفى، لكن اقتضاؤه؛ لأن غيره ضرب أحدا إثبات، فالنكرة

стр. 238

رأى السكاكى: ووافقه السّكّاكىّ على ذلك؛ إلا أنه قال: التقديم يفيد الاختصاص إن: ١ - جاز تقدير كونه (١) فى الأصل مؤخّرا على أنه فاعل معنى فقط؛ نحو: (أنا قمت). ــ بالنسبة إليه فى جانب الثبوت، وليست عامة؛ بل تقتضى أن غيره ضرب شخصا ما؛ لأن نقيض السلب الكلى، إثبات جزئى. وسؤال آخر على عبارة الإيضاح، فإنه قال: إن المنفى بالأول الرؤية الواقعة على كل واحد من الناس، وفيه نظر؛ لأن نفى رؤية كل الناس جزئى لا كلى، لأنه سلب عموم لما سيأتى، ولما تقرر فى المنطق من أن ليس كل من أسوار السالبة الجزئية. ويمكن الجواب بأن هذا مشاحة فى العبارة وإنما أراد أن المنفى بالأول، الرؤية الواقعة على أحد، وعلل الشيخ عبد القاهر والسكاكى امتناع الثانى، بأن نقض النفى بإلا يقتضى أن يكون القائل قد ضرب زيدا، وإيلاء الضمير حرف النفى، يقتضى أن لا يكون قد ضربه، وهو تناقض. قال المصنف: وفيه نظر؛ لأن إيلاء الضمير، لا يقتضى ذلك. فإن قيل: الاستثناء الذى فيه مفرغ، وذلك يقتضى أن لا يكون ضرب أحدا من الناس؛ قلنا: إن لزم؛ فليس للتقديم، لجريه فى غير صورة التقديم أيضا، كقولك: ما ضربت إلا زيدا. (قلت): المنع الذى قاله المصنف أولا واضح؛ لأن إيلاء الضمير إنما يقتضى نفى ما عدا المستثنى، وقوله بعد ذلك، فإن قيل: كلام ساقط، وقوله بعد ذلك إن لزم، لا أدرى ما أراد به، وكيف يفيد تفريغ الاستثناء عدم ثبوت الحكم للمستثنى؟ رأى السكاكى: ص: (ووافقه السكاكى إلخ). (ش): فصل السكاكى فى المسند إليه المتقدم، فقال: إما أن يكون لا يجوز تقديره فى الأصل فاعلا مؤخرا فى المعنى لا اللفظ، ثم قدم مثل: زيد قام، فإنه لا يجوز أن يقدم فاعلا فى المعنى فقط، إن لو كان مؤخرا، لأنه لو تأخر؛ لكان فاعلا لفظا، فهذا لا يفيد الاختصاص.

стр. 239

٢ - وقدّر. وإلّا فلا يفيد إلا تقوّى الحكم، سواء جاز كما مر ولم يقدّر، أو لم يجز؛ نحو: زيد قام خ خ. واستثنى المنكّر، بجعله من باب: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا (١) أى: على القول بالإبدال من الضمير؛ لئلا ينتفى التخصيص إذ لا سبب له سواه؛ بخلاف المعرّف. ــ (قلت): وقد تقدم عن السكاكى فى الكلام على ذكر المسند خلاف هذا، وكذا صرح الزمخشرى أنه يفيد الاختصاص ذكره فى قوله تعالى: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ (٢) فى سورة الرعد، وفى قوله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ (٣). الثانى: يجوز أن يكون فاعلا فى المعنى لو تأخر، ولكن لا يقدره كذلك أى: لا يعتقد ذلك، كقولك: أنا قمت، إذا قدرت أنا مثبتا فى موضعه، ولم يكن مؤخرا فهذا لا يفيد الاختصاص. الثالث: أن يجتمع الأمران، بأن يجوز ويعتقد ذلك، كقولك: أنا قمت، معتقدا أن: أنا كان تأكيدا للفاعل وقدمته؛ ثم استثنى السكاكى من القسم الأول ما إذا كان المسند إليه نكرة، نحو: رجل جاءنى فقال: إنه لا يفيد الاختصاص، وإن كان لا يمكن تقديره عند التأخير فاعلا معنويا فقط، بل لو تأخر، لكان فاعلا لفظيا، فقال: يفيد لا على تقدير كونه كان فاعلا على تقدير أنه بدل من الضمير فى: قام، كقوله تعالى: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا (٤) إنما لم يقدر مثل ذلك فى المعرفة، نحو: زيد قام؛ لعدم الموجب؛ لأنه فى رجل قام، اضطر إلى تقديره متأخرا؛ ليفيد الاختصاص؛ ليكون مسوغا للابتداء بالنكرة وفى زيد قام لا حاجة لذلك، فلو قدره لكان تقديرا لا دليل عليه. قلت: قد جوز أن يقدر فى: أنا قائم التأخير، مع كونه لا دليل عليه، ثم ما ذكروه يؤدى إلى جواز الابتداء بالنكرة فى جميع الأحوال، وما الدليل على جواز: رجل جاءنى من غير قرينة؟ ثم يأتى عن السكاكى فى الكلام على: هل الاستفهامية، يقتضى القول بالتخصيص فى مثله، وإن كان للابتداء بالنكرة مسوغ، وهو الاستفهام.

стр. 240

ثم قال: وشرطه ألّا يمنع من التخصيص مانع؛ كقولنا: رجل جاءنى على ما مرّ، دون قولهم:،، شرّ أهرّ ذا ناب،،: أمّا على التقدير الأول (١): فلامتناع أن يراد: المهرّ شرّ لا خير. وأمّا على الثانى (٢): فلنبوّه عن مظانّ استعماله. وإذ قد صرّح الأئمة بتخصيصه، حيث تأوّلوه ب: (ما أهرّ ذا ناب إلا شرّ) -: فالوجه تفظيع شأن الشرّ بتنكيره ": وفيه نظر: ــ ص: (ثم قال وشرطه أن لا يمنع من التخصيص مانع إلخ). (ش): شرط السكاكى فى إفادته التخصيص، أن لا يمنع مانع مثل: جاءنى رجل، فإن منع مانع، لم يجز مثاله قولهم: شر أهر ذا ناب، لا يمكن أن يكون للتخصيص؛ لأن التخصيص إما لفرد، أو لجنس، لا جائز أن يكون للجنس؛ لأنه يصير تقديره: ما أهر ذا ناب إلا شر، فيكون فيه نفى الإهرار عن الخير، وذلك لا فائدة فيه، فإنه لا يصح أن ينفى الشئ، حتى يصح اتصافه به، ولا جائز أن يكون للواحد؛ لأنه يصير المعنى: ما أهر ذا ناب إلا شر، وذلك غير مقصود. غير أن الأئمة قالوا: إن التقديم فى: شر أهر ذا ناب للاختصاص، فليجمع بين الكلامين بأن يقال: المراد نوع غريب من أنواع الشر أهر ذا ناب، فيصح حينئذ. ويمثل بعد هذا المثال لما قام معه مانع من الاختصاص لفظى، أو خارجى. ص: (وفيه نظر). (ش): كل ما سبق هو من كلام السكاكى، وقد تضمن كلامه مخالفة عبد القاهر، فإن ظاهر كلام عبد القاهر فيما يلى حرف النفى الاختصاص بكل حال، بخلاف السكاكى، فإنه يقتضى أنه لا يفيد إلا مضمرا مقدر التأخير، أو منكرا. فنحو: ما زيد قام، يفيد التخصيص عند الشيخ، لا عند السكاكى. ونحو: ما أنا قمت، يفيده مطلقا على قول عبد القاهر، وبشرط التقدير، على رأى السكاكى. فظاهر كلام الشيخ أن المعرف إذا لم يقع بعد النفى، وخبره مثبت أو منفى، قد يفيد الاختصاص، مضمرا كان، أم مظهرا؛ لكنه لم يمثل إلا بالمضمر، وكلام السكاكى مصرح بأنه لا يفيده إلا المضمر، فنحو: زيد قام، قد يفيده عند الشيخ، لا عنده. هذا كلام المصنف.

стр. 241

١ - إذ الفاعل اللفظى والمعنوى سواء فى امتناع التقديم، ما بقيا على حالهما؛ فتجويز تقديم المعنوى دون اللفظى تحكّم. ٢ - ثم لا نسلّم انتفاء التخصيص لولا تقدير التقديم؛ لحصوله بغيره؛ كما ذكره. ٣ - ثم لا نسلّم امتناع أن يراد: المهرّ شرّ لا خير ". ــ (قلت): وفيه نظر؛ أما قوله: ظاهر كلام الشيخ فيما يلى حرف النفى الاختصاص بكل حال فصحيح، ثم يحتمل أن يصلح للتخصيص بلا قيد، لا أنه موضوع للتخصيص، حتى إذا استعمل فى غيره، كان مجازا، كما يشعر به قوله: قد المستعملة للتقليل غالبا، ويحتمل أن يريد أنه حقيقة فى التخصيص حيث ورد أما ما يشعر به" قد" من عدم اللزوم فهو عائد إلى التقديم لا إلى إفادة الاختصاص، معناه أنه قد يقدم وقد لا يقدم وإذا قدم كان تقديمه مفيد الاختصاص أبدا لا مجازا، وهذا أظهر، ويشهد له ما سيأتى وقوله: إن ظاهر كلام الشيخ أن المعرف المثبت هو وخبره قد يفيد الاختصاص وقد يفيد التقوية صحيح، ثم يحتمل أن يريد أن ذلك يستعمل تارة للاختصاص وأخرى للتقوية مطلقا ويحتمل وهو ظاهر كلامه أنه إن قصد الرد على من زعم انفراد غيره أو مشاركته كان للاختصاص جزما وإلا كان للتقوية جزما وقوله: إن ظاهر كلام عبد القاهر فى المعرفة المثبت إذا كان خبرا منفيا أنه قد يفيد الاختصاص فيه نظر، لأن الشيخ قال فى المثبت هو وخبره: إنه قد يفيد الاختصاص وقد يفيد التقوية ثم قال: وكذا إذا كان الفعل منفيا مثل أنت لا تكذب فإنه أشد لنفى الكذب من قولك: لا تكذب ومن قولك: لا تكذب أنت لأنه لتأكيد المحكوم عليه لا الحكم، وعليه قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (١) اه. فهو كالصريح فى أن قوله وكذا الخبر المنفى يعود إلى أنه يقدم للتقوية لا أنه يكون كالمثبت فتارة للاختصاص وتارة للتقوية، وإن كان الذى يظهر من جهة المعنى أنه لا فرق، وأما ما نقل المصنف عن السكاكى ففيه أيضا نظر، فإن السكاكى لا ينفى الاختصاص عن نحو: زيد قام بل يبعده ويقول: الغالب عليه إرادة التقوية فقط. والطيبى تبع المصنف فنقل عن السكاكى أن هذا لا يحتمل التخصيص أصلا ذكره فى سورة الرعد، وكذلك فى جانب النفى أطلق أنه إذا ولى المسند حرف النفى أفاد التخصيص ولم يفرق بين معرفة ونكرة ولا بين مضمر ومظهر وإن كن إنما مثل بالمضمر كما فعل

стр. 242

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الجرجانى غير أن الفرق والذى فرق به بين الظاهر والمضمر والمعرفة والنكرة يقتضى هذا الفرق، فلذلك تكلم المصنف معه فأورد عليه أن الفاعل اللفظى والمعنوى سواء فى امتناع التقديم كما يمتنع زيد قام على أن يكون زيد فاعلا يمتنع أنا قمت على أن يكون أنا تأكيدا فكلاهما ما داما فاعلا وتأكيدا ممتنع التقديم فإن خرجا من ذلك جاز تقديم كل منهما، فتجويز تقديم أحدهما دون الآخر ترجيح من غير مرجح (قلت): للسكاكى أن يفرق بأن الفاعل المعنوى إذا قدم لا يبقى الفعل بلا فاعل ولا يتغير عن حاله بخلاف زيد قام إذا قدم بقى الفعل بلا فاعل فاحتاج إلى ضمير. وأجيب عنه بأن الفاعل المعنوى له جهتان: جهة التبعية وجهة الفاعلية المعنوية، فيقدم باعتبار إحدى الجهتين دون الأخرى، وفيه نظر؛ لأن الفاعل اللفظى له جهتان: فاعلية معنوية، ولفظية. فقدم بإحداهما دون الأخرى، ثم قال المصنف: ثم لا نسلم انتفاء التخصيص لولا تقدير التقديم أى فى رجل قام لجواز أن يكون المسوغ للابتداء بالنكرة التقوية كما ذكره السكاكى فى" شر أهر ذا ناب" على رأيه. (قلت): وجوابه أن إرادة الاهتمام لا تطرد كما أنه ليس فى كل صفة يتأتى القطع للمدح كما نص عليه سيبويه، ثم قال المصنف: ولا نسلم أنه يمتنع أن يقال: المهر شر لا خير، وأجيب عنه بأن نسبة الإهرار إلى الخير إذا استعملت مجاز فنفيه عنه كذلك، وفيه نظر، وقد ظهر بما ذكرناه أن المسند إليه أقسام. أحدها: نكرة وليت حرف النفى فيفيد الاختصاص عند الجميع بكل حال. الثانى: ضمير ولى حرف النفى فيفيد الاختصاص دائما - عن الجرجانى والمصنف - ويشترط تقديره مؤخرا عند السكاكى. الثالث: اسم ظاهر ولى حرف النفى فيفيد الاختصاص دائما عند الجرجانى ولا يفيد أبدا عند السكاكى على ما نقله المصنف. الرابع: مثبت مضمر، والمسند غير منفى فيفيد الاختصاص تارة والتقوية أخرى عند الجميع. الخامس: مثبت نكرة فيفيد الاختصاص دائما عند الجرجانى والسكاكى والمصنف. السادس: معرفة وهو اسم ظاهر مثبت، والمسند غير منفى، فلا يفيد دائما إلا التقوية عند السكاكى، وعند الجرجانى والمصنف يفيد تارة دون أخرى.

стр. 243

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ السابع: أن يكون مثبتا ظاهرا معرفة، والمسند منفى فلا يفيد عندهما إلا التقوية على مقتضى ما فهمنا عنه، وعلى ما فهمه المصنف يكون عنده للتخصيص تارة وللتقوية أخرى. الثامن: مثبت والخبر منفى فلا يفيد إلا التقوية - عند الجرجانى - على ظاهر عبارة التلخيص المنقولة عنه وعلى ظاهر عبارة الإيضاح يفيد عنده التخصيص تارة والتقوية أخرى وعند السكاكى يفيد التخصيص تارة والتقوية أخرى. التاسع: مثبت نكرة والخبر منفى فيفيد التخصيص عند السكاكى وعند عبد القاهر، فلنرجع حينئذ إلى عبارة المصنف فقوله: عبد القاهر أى عبد القاهر قائل: قد يقدم أى المسند إليه، ليفيد تقديمه تخصيصه أى تخصيص المسند إليه بالمسند وقوله: بالخبر الفعلى يدخل فيه الخبر الذى هو فعل مثل: أنا قمت، أو صفة مثل: وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (١)، وإنما أدخلنا الصفة؛ لأن الخبر إذا كان وصفا صدق عليه أنه فعلى؛ لأنه يعمل عمل الفعل، فإن قلت: قد قال المصنف فيما سبق: إن ذلك مشروط بكون الخبر فعليا ورد به على قول السكاكى أنه للتخصيص فى فهم خفوف، قلت: ذلك وهم بلا إشكال ويكفى فى تغليظه أنه مثل هاهنا بقوله تعالى: وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ «١» وسيأتى فى عبارة المصنف، وقوله: إن ولى حرف النفى قيد يخرج ما إذا لم يل فإنه قد يفيد التخصيص وقد لا يفيد - كما سيأتى - ودخل فى إطلاقه المسند إليه نكرة كان أم معرفة ضميرا أم ظاهرا سواء كان المسند منفيا أم مثبتا وإن لم يمثل إلا بالضمير (قوله: نحو: ما أنا قلت هذا، أى: لم أقله مع أنه مقول) الأحسن التمثيل بقوله ﵊:" ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم" (٢)، ولك أن تقول: أنا قلت: يقتضى مجموع أمرين إثبات القول منه ونفيه عن غيره، والنفى إذا ورد على مجموع الشيئين كان أعم من نفيهما معا ونفى كل منهما فقط فمن أين دل ما أنا قلت: على نفى قوله، وإثبات قول غيره ومدلول قوله: ما أنا قلت ليس مختصا بالقول وذلك صادق بقوله وقول غيره وبعدم قول واحد منهما وبقول غيره فقط، فمن أين تعين

стр. 244

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الثالث؟ (قوله: ولهذا لم يصح ما أنا قلت ولا غيرى) لقائل أن يقول: ما الذى يمنع؟ ذلك وإنما منعه فرع هذه الدعوى ولو سلمنا أنه يدل على قول غيره فما المانع من أن يصرح بخلاف المفهوم فيصح هذا التركيب كما أن قولك: لا تضرب رجلا جاهلا اقتضى بالمفهوم اختصاص ذلك بالجاهل، ويصح أن يصرح بخلافه؟ فيقول: لا تضرب عالما ولا جاهلا فهذا التعليل لا يصح والذى يظهر فى تعليله بعد تسليم أن ما أنا قلت، معناه: أنا مختص بعدم القول أن قولك: وما غيرى تقديره ولا غيرى قال: فيناقض منطوق ما قبله، فإن معنى: ما غيرى، قال: اختصاص غيره بعدم القول وهو يناقض اختصاصه بالقول الذى هو دليل المعطوف عليه، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الإتيان بلا فى مثله يفيد الحكم على كل فرد فإذا أثبت الاختصاص فى كل منهما تناقضا كل ذلك على رأى الجرجانى الذاهب إلى أن نحو: زيد قال يفيد الاختصاص، وبهذا يعلم أنه لا فرق فى الامتناع بين ما أنا قلت ولا غيرى، وما أنا قلت ولا زيد، ويعلم أيضا أنه لا يمتنع أن تقول: ما أنا قلت وزيد، فإن المعنى حينئذ أنا وزيد مختصان بعدم القول وأما ما أنا قلت وغيرى، فلو جعلنا المراد: أنا وغيرى مختصان بعدم القول لزال الاختصاص (قوله: ولا ما أنا رأيت أحدا) قد تقدم الاعتراض عليه فيه (قوله: وإلا) أى وإن لم يكن حرف النفى مع المسند إليه فهو منقسم إلى قسمين، فعلمنا منه أنه متى ولى المسند إليه حرف النفى كان للتخصيص مطلقا (قوله: ردا على من زعم انفراد غيره به أو مشاركته) فيه نظر، فينبغى أن يكون للتخصيص حيث قصد الرد على مدعى المشاركة، وللتقوية حيث قصد الرد على مدعى انفراد غيره إلا أن يقصد المبالغة فى إثباته بالتخصيص الادعائى. (وقوله: وقد يأتى لتقوى الحكم) نحو: أنت لا تكذب، فإنه أبلغ من: لا تكذب، ومن: لا تكذب أنت، فإن التأكيد فيه للمحكوم عليه لا الحكم والتأكيد فى: أنت لا تكذب، للحكم، هذا يدل على أنه حيث جعله للتقوية لا يقدر فيه تقديما ولا تأخيرا كما صنع السكاكى، وهذا يقتضى أن الفعل المثبت فيما نحن فيه لا يكون إلا للتخصيص، كما إذا كان المسند إليه منفيا مثل: ما أنا قلت؛ لأنه جعل احتمال التقديم للتخصيص والتقوية مشروطا بكون المسند إليه منفيا، وهذا ما قدمت الوعد به عند

стр. 245

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذكر الاحتمالين فى ذلك، هذا ظاهر العبارة؛ لكنه قال فى الإيضاح: إن عبارة الشيخ تقتضى أنه لا فرق بين نفى المسند وإثباته وقوله: وإن بنى الفعل على منكر أفاد، أى: أفاد ذلك البناء أو ذلك التقديم ثم يحتمل أن يكون التقدير: وإن لم يل حرف النفى فهو على قسمين: تعريف وتنكير، ويحتمل أن يقدر إن ولى حرف النفى وكان مبنيا على معرفة، فيكون معطوفا، والأول أولى فإنه يقتضى أنه متى ولى المسند إليه حرف النفى كان للتخصيص بكل حال كما نقله عنه فى الإيضاح وإلا فإن كان نكرة فكذلك، وإلا فإن كان المسند منفيا فللتقوية وإلا فيحتمل، وقوله: أفاد تخصيص الجنس أو الواحد، يعنى: أن له حالتين، ويتعين المقصود منهما بسؤال أو غيره (قوله ووافقه السكاكى إلا أنه إلخ) قد تقدم الكلام على أنه ليس كذلك، ثم إذا مشينا على ما نقله عنه، فالسكاكى لا يفرق بين تقدم النفى وتأخره بخلاف عبد القاهر فقد خالفه بغير ما ذكر (قوله: إن جاز تقدير كونه فى الأصل مؤخرا فاعلا معنى فقط) أى لا لفظا، فخرج بذلك ما لو تأخر لكان فاعلا لفظا، مثل: زيد قام أو لا يكون فاعلا لفظا ولا معنى مثل زيد قام أبوه، وخرج بقيد التأخر أنا قمت غير منوى التأخير، نعم خرج من كلامه أن قولك: أنا قام غلامى لا يفيد اختصاصا؛ لأنه لو تأخر لما كان فاعلا معنويا وفيه نظر، والظاهر أنه يفيد، وكذلك أنت قام غلامك وهو قام غلامه (قوله وقدر) أى إن جاز كونه فاعلا وقدر وإلا أى إن فقد شرط منهما فليس للاختصاص عنده جاز كونه - كما مر - فى أنا قمت، أم لم يجز نحو: زيد قام وقوله: من باب وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا (١) هذا أحد الأقوال فى الآية الكريمة ويعزى لسيبويه والمبرد. والثانى: للأخفش: أنه فاعل والواو علامة على لغة أكلونى البراغيث. الثالث: أن أسروا خبر والذين مبتدأ ويعزى للسكاكى. الرابع: أنه فاعل فعل محذوف أى يقول الذين ظلموا قاله النحاس. الخامس: لأبى البقاء أن الذين مبتدأ خبره: هل هذا، المعنى: يقولون: هل هذا؟ هذه عبارة الشيخ أبى حيان وفيه نظر؛ لأن هذا عبارة عن حذف الخبر وإبقاء معموله لا عن جعل هل هذا، خبرا.

стр. 246

ثم قال: ويقرب من (هو قام): (زيد قائم) فى التقوّى؛ لتضمّنه الضمير، وشبّهه (١) بالخالى عنه (٢): من جهة عدم تغيّره فى التكلّم والخطاب والغيبة؛ ــ السادس: أنه فاعل فعل مشتق مما سبق، التقدير: أسرها الذين ظلموا. السابع: أنه خبر مبتدأ محذوف، أى: هم الذين. الثامن: أنه منصوب على الذم قاله الزجاج. التاسع: أنه منصوب على إضمار أعنى. العاشر: أنه مجرور نعتا للناس من قوله تعالى: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ (٣) قاله الفراء وكثير من هذه التخاريج تأتى فى قوله تعالى: ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ (٤) (قوله: واستثنى المنكّر) أى: قال: إنه يفيد الاختصاص واستثناه من كون ما ليس بفاعل معنوى مفيد للاختصاص، فنحو: رجل قام ليس بفاعل معنوى فقط إذ لو أخر لكان فاعلا لفظيا لا معنويا ومع ذلك أفاد الاختصاص عنده، وعدم كونه فاعلا معنويا فقط إما لكونه فاعلا لفظيا، مثل: رجل قام، وإما لأنه لا يكون فاعلا لا لفظا ولا معنى مثل: رجل قام أبوه، فلا يرد عليه فيه ما أوردناه عليه فى القسم الأول، نعم يرد عليه أن يقال: هو يقول: إن الاختصاص فى رجل قام؛ لأنه يقدره مؤخرا بدلا فهو فاعل معنوى فقط فلا يصح الاستثناء (قوله: لئلا ينتفى التخصيص إذ لا سبب له سواه) قد تقدم ما يرد عليه (قوله: وشرطه) أى شرط إفادة التقديم الاختصاص (أن لا يمنع مانع) عليه مؤاخذة لفظية؛ لأن عدم المانع ليس شرطا كما هو مقرر فى علم الجدل (قوله: لامتناع أن يراد المهر شر) تقدم ما عليه، وقوله: ثم لا نسلم انتفاء التخصيص لولا تقدير التقديم، أى: فى المنكر والمضمر وغيرهما، وقوله: لحصوله بغيره كما ذكره، أى: من التهويل (قوله: ويقرب من" هو قام"" زيد قائم" فى التقوّى) يعنى: أن اسم الفاعل قريب من الفعل وهذا ما قدمنا الإشارة له، ومعنى كلامه أن السكاكى قال: ويقرب زيد قائم من هو قام فى التقوية؛ لأن المبتدأ بوضعه يستدعى الخبر والضمير يصرفه له، وهذا القدر موجود فى الخبر، وقال: ولم أقل مثله؛ لأنه يشبه الخالى من الضمير من جهة أنه لا يتغير بالتكلم والخطاب والغيبة فصارت التقوية الحاصلة بالضمير

стр. 247

ولهذا لم يحكم بأنه جملة، ولا عومل معاملتها فى البناء ". ــ الذى يصرفه للمبتدأ ضعيفة؛ لعدم ظهورها تقول: زيد عارف وأنا عارف وأنت عارف (قوله: ولهذا) أى ولعدم ظهور الضمير فيه لم يحكم عليه بأنه جملة، وإن كان له فاعل ولا عومل معاملة الجملة فى البناء، يعنى أن الجمل من شأنها أن تكون مبنية، لا يظهر فيها إعراب وهذا يظهر فيه، فتقول: جاءنى رجل عارف ورأيت رجلا عارفا ومررت برجل عارف، ولأنه لو كان جملة لوقع صلة؛ لكنه لا يقع إلا بتقدير مبتدأ قبله (قلت): ولك أن تقول: لم يظهر الإعراب فى جاء رجل عارف فى مجموع اسم الفاعل وفاعله ومجموعهما هو الذى يشبه الجملة بل فى عارف فقط وعارف هو لم يظهر فيه إعراب فالأولى أن يقال: لو كان جملة لما تغير جزؤه، فإن الجمل لا يتغير جزؤها بدخول العامل عليه، قال ابن الحاجب فى أماليه: لم يختلفوا فى أن اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة مع الضمير ليست بجمل لأمرين: أحدهما: أن الجملة هى التى تستقل بالإفادة وهذه ليست كذلك. الثانى: أن وضعها أن تفيد معنى فى ذات تقدم ذكرها فإذا استعملت مبتدأ خرجت عن وضعها، ولذلك لما خرج بعضها عن هذا المعنى وجعل المعنى الفعل بشرط سبق ما يكون كالعوض عما كان يستحقه من الاعتماد أو كالدال على إخراجه عن وضعه الأصلى جاز أن يكون مع مرفوعه جملة، مثل: أقائم زيد، والذين يخالفون فى زيد ضارب غلامه ويجعلون ضارب غلامه جملة فليسوا يخالفون فى الذى ذكرناه، بل الخلاف فى أنه هل ثبت أن ضارب غلاماه مثل ضارب الزيدان أو لا، فمن جوزه أخرج الصفة عن موضوعها الأصلى واستعملها استعمال الفعل. اه. واعلم أن السكاكى يريد أن اسم الفاعل يقرب من الفعل فى إفادة التقوية التى هى أعم من التخصيص، والمصنف يوهم أنه إنما يفيد التقوية فلذلك نقل عن السكاكى ما اعترض عليه فيه، وها أنا أذكر، مبينا ما فيه. قال المصنف حاكيا عن السكاكى: ومما يفيد التخصيص ما يحكيه تعالى عن قوم شعيب ﵊: وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (١) أى: العزيز علينا رهطك لا

стр. 248

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أنت، ولذلك قال ﵇: أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ (١) أى من نبى الله، ولو كان المراد ما عززت علينا لم يكن مطابقا. قال المصنف: (وفيه نظر)؛ لأن قوله: ما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ من باب: أنا عارف، لا من باب: أنا عرفت. (قلت) وهذا هو الذى يريده السكاكى وباب أنا عارف وأنا عرفت شئ واحد، وقد صرح السكاكى فى فصل القصر بإفادة أنا عارف للحصر، قال: والتمسك بالجواب ليس بشئ؛ لجواز أن يكون فهم كون رهطه أعز عليهم من قولهم: وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ (٢). قال: وقال الزمخشرى: دل إيلاء ضميره حرف النفى على أن الكلام فى الفاعل لا فى الفعل كأنه قال: وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ بل رهطك هم الأعزة علينا، وفيه نظر، لأنا لا نسلم أن إيلاء الضمير حرف النفى إذا لم يكن الخبر فعليا يفيد الحصر. (قلت): والخبر هنا فعلى؛ لأن الفعلى أعم من الفعل واسم الفاعل كما سبق، وإنما يريد الزمخشرى إيلاء الضمير حرف النفى مع كون المسند فعليا، نعم فى النفس وقفة من أن السكاكى اشترط إفادة الاختصاص أن يكون فاعلا معنويا لا لفظيا بتقدير التأخير، وما أنا عارف لو تأخر فيه الضمير لكان فاعلا لفظيا، لأنه يصير وضعه ما عارف أنا وهو فاعل لفظى، إلا أن يقال: يعربه حينئذ مبتدأ مؤخرا والمبتدأ فاعل معنوى، لكن كيف يقال حينئذ: إنه كان مؤخرا ثم قدم والفرض أن تقديمه الآن هو الأصل لأنا أعربناه مبتدأ فهو بتقدير تأخيره فى قولنا: ما عارف أنا متأخر عن محله، فإذا قلنا: ما أنا عارف فليس ذلك تقديما بل وضعا للشئ فى محله، وتقدير تأخيره على خلاف الأصل بخلاف الفاعل المعنوى المؤكد مثل: قمت أنا، فإنه بتقدير تأخيره يكون واقعا فى محله؛ لأن وضع الضمير المؤكد التأخير عن المؤكد. فلينظر فى ذلك. (تنبيه): قال الزمخشرى فى قوله تعالى: وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (٣): هم هنا بمنزلتها فى قول الشاعر:

стр. 249

وممّا يرى تقديمه كاللازم: لفظ مثل وغير فى نحو: (مثلك لا يبخل)، و: (غيرك لا يجود) بمعنى: أنت لا تبخل، و (أنت تجود) من غير إرادة تعريض لغير المخاطب (١)، لكونه أعون على المراد (٢) بهما. ــ وهم يفرشون اللّبد كلّ طمرّة (٣) فى دلالته على قوة أمرهم لا على الاختصاص. اه. وهى دسيسة اعتزال لأنه لو جعلها هنا للاختصاص لزمه تخصيص عدم خروج الكفار، فيلزم خروج أصحاب الكبائر من المسلمين كمذهب أهل السنة، والزمخشرى أكثر الناس أخذا بالاختصاص فى مثل هذا وغيره من قواعد البيانيين، فإذا عارضه الاعتزال فزع من قواعدهم إليه. (قوله: ومما يرى تقديمه كاللازم إلخ) يريد أنه إذا استعملت كلمة مثل كناية من غير تعريض كقولك: مثلك لا يبخل ونحوه مما يراد فيه بلفظ مثل غير إفادة الحكم للمضاف إليه، وإنما يريد أن مقتضى القياس أن من كان بهذه الصفة التى هو عليها يكون غير فاعل لهذا الفعل، وعليه قول الشاعر: سواك يا فردا بلا مشبه (٤) ... ولم أقل مثلك أعنى به وكذلك حكم غير إذا سلك بها هذا المسلك؛ فتقول: غيرى يفعل ذلك؛ أى لا أفعله فقط من غير إرادة التعريض بإنسان، وعليه قول المتنبى:

стр. 250

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ غيرى بأكثر هذا النّاس ينخدع (١) لم يرد أن يعرض بواحد يصفه بأنه ينخدع، بل أراد أنه ليس ممن ينخدع واستعمال غير ومثل هكذا، قال المصنف: إنه مركوز فى الطباع، ويقدمان أبدا على الفعل إذا قصد هذا، والسر فيه أن تقديمهما يفيد تقوى الحكم، ومما ذكرناه من اشتراط التقديم يعلم عدم صحة التأويل عليه فى قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (٢) ويعلم منه فساد قول الطيبى فى قول الشاعر: فمن مثل ما فى الكأس عينى تسكب أنه من هذا الباب. واعلم أنه يقع فى عبارة كثير أن مثلك لا يفعل معناه أنت لا تفعل، وفيه تسامح، والتحقيق أن مثل فى هذا لا يراد بها الذات بل حقيقة المثل ليكون نفيا عن الذات بطريق برهانى كسائر الكنايات، ثم لا يشترط على هذا أن يكون لتلك الذات الممدوحة مثل فى الخارج حصل النفى عنه، بل هو من باب التخييل الذى يأتى فى الاستعارة. وقوله: ولم أقل مثلك - أعنى به سواك - لا ينافى ما قلناه؛ فإن معناه لم أعن إفادة الحكم على سواك، بل عنيت إفادة الحكم عليك مريدا للاستعمال فى سواك. وهذا المعنى إنما ينجلى لك إذا تأملت ما ستراه فى باب الكناية، فإن قلت: إنما يكون مثلك لا يفعل كذا نفيا له عن المخاطب بطريق برهانى أن لو كانت المماثلة تستدعى التساوى فى الصفات الذاتية وغيرها من الأفعال، فإن اتفاق الشخصين بالذاتيات لا يستلزم اتحاد أفعالهما. قلت: ليس المراد بالمثل هنا المصطلح عليه فى العلوم العقلية، بل المراد من هو على مثل حاله فى الصفات المناسبة لما سبق الكلام له، ولا نقول: معناه من هو مثلك فى كل شئ؛ لأن لفظ مثل لا يستدعى المشابهة من كل وجه كما سيأتى تحقيقه فى علم البيان. (تنبيه): بقى من الكلام على تقديم الاختصاص فوائد نذكرها عند الكلام على تقديم المفعول إن شاء الله تعالى.
следующие страницы →